Indexed OCR Text
Pages 1-20
المُوَاهُ الَّيّة رئي بالمِنَجّ الْمُجَمَّدِيَّة تَأْلِيفُ العَلَّمَةُ أَحَمَد بَنْ محمّ الْقِيْطَلَانِى (٨٥١ - ٩٢٣هـ) الجزء الثالث تجقيق صَالح أحمَد الشَّامِى المكتب الإسلامي جميع الحقوق محفوظَة الطبعة الثانية مزيدة ومنقحَة ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م 3 .. المكتب الإسلامي بَيروت: ص.بَ: ١١/٣٧٧١ - هاتف: ٤٥٦٢٨٠ (٠٥) دمَشْق: ص.ب: ١٣٠٧٩ - هاتف: ١١١٦٣٧ عَمَّان: ص. ب: ١٨٢٠٦٥ - هاتف: ٤٦٥٦٦٠٥ المُوَاهِرُ الَّبيَّة بالمِنَجِّ الْمُحَمَّدِيَة الجزء الثالث المقصد الخامِسُ الاسراء والمعراج المقصد الخامس: في تخصيصه وَله بخصائص المعراج والإسراء(١)، وتعميمه بلطائف التكريم في حضرة التقريب بالمكالمة والمشاهدة والآيات الكبرى. [الآية العظيمة] اعلم - منحني الله وإياك الترقي في معارج السعادات، وأوصلنا به إليه في حظائر الكرامات - أن قصة الإسراء والمعراج من أشهر المعجزات، وأظهر البراهين البينات، وأقوى الحجج المحكمات، وأصدق الأنباء، وأعظم الآيات، وأتم الدلالات الدالة على تخصيصه وَلر بعموم الكرامات. [تحديد نقاط الاختلاف] وقد اختلف العلماء في الإسراء. هل هو إسراء واحد في ليلة واحدة؟ يقظة أو مناماً؟ أو إسراءان كل واحد في ليلة، مرة بروحه وبدنه يقظة، ومرة مناماً، أو يقظة بروحه وجسده؟ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم مناماً من المسجد الأقصى إلى العرش، أو هي أربع إسراءات؟ (١) سبق الحديث عن تحديد وقت الإسراء في الجزء الأول. - ٧ - [مناقشة الخلاف] احتج القائلون بأنه رؤيا منام - مع اتفاقهم أن رؤيا الأنبياء وحي - بقوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾(١)، لأن الرؤيا مصدر الحُلميَّة، وأما البصرية: فالرؤية بالتاء، وقد أنكر ابن مالك والحريري وغيرهما - كما أفاده الشيخ بدر الدين الزركشي - ورود ((الرؤيا)) للبصرية، ولحنوا المتنبي في قوله: ورؤياك أحلى في العيون من الغمض وأجيب: بأنه إنما قال ((الرؤيا)) لوقوع ذلك في الليل، وسرعة تقضيه كأنه منام، وبأن ((الرؤيا)) و((الرؤية)) واحدة كقربى وقربة، ويشهد له قول ابن عباس في الآية - كما عند البخاري -: هي رؤیا عين أريها وَلّ ليلة أسري به. وزاد سعيد بن منصور عن سفيان في آخر الحديث: وليس رؤيا منام. ولم يصرح في رواية البخاري بالمرئي . وعند سعيد بن منصور أيضاً من طريق أبي مالك قال: هو ما ١/٢٢٣ أري في طريقه إلى بيت المقدس / وهذا مما يستدل به على إطلاق لفظ ((الرؤيا)) على ما يرى بالعين في اليقظة. وهو يرد على من خطأ المتنبي. على أنه اختلف المفسرون في هذه الآية، فقيل: أي الرؤيا التي أريناك ليلة المعراج. قال البيضاوي ففسر الرؤيا بالرؤية . وقيل: رؤيا عام الحديبية، حين رأى أنه دخل مكة فصده المشركون وافتتن بذلك ناس. (١) سورة الإسراء. الآية ٦٠. - ٨ - وقيل: رؤيا وقعة بدر. وسأل ابن النقيب شيخه أبا العباس القرطبي (١) عن الآية فقال: الصحيح أنها رؤية عين يقظة، أراه جبريل مصارع القوم ببدر، فأرى النبي وَّر الناس مصارعهم التي أراه جبريل، فتسامعت به قريش واستسخروا منه. انتهى. واحتج القائلون بأنه رؤيا منام أيضاً بقول عائشة: ((ما فقدت جسده الشريف)) . وأجيب بأن عائشة لم تحدث به عن مشاهدة، لأنها لم تكن إذ ذاك زوجاً، ولا في سن من يضبط، أو لم تكن ولدت بعد على الخلاف في الإسراء متی کان. وقال التفتازاني: أي ما فقد جسده عن الروح، بل كان مع روحه، وكان المعراج للجسد والروح جميعاً. انتهى. واحتج القائلون بأنه بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، بقوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾(٢)، فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء الذي وقع التعجب به بعظيم القدرة، والتمدح بتشريف النبي وَله به، وإظهار الكرامة له بالإسراء. قالوا: ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره، فيكون أبلغ بالمدح. وأجيب: بأن حكمة التخصيص بالمسجد الأقصى سؤال قريش (١) أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي. المالكي الفقيه المحدث، نزيل الاسكندرية، ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وصنف المفهم في شرح صحيح مسلم واختصر الصحيحين مات سنة ست وخمسين وستمائة. (٢) سورة الإسراء، الآية ١. - ٩ - له عنه على سبيل الامتحان عما شاهدوه وعرفوه من صفة بيت المقدس، وقد علموا أنه لم يسافر إليه، فيجيبهم بما عاين ويوافق ما يعلمونه، فتقوم الحجة عليهم، وكذلك وقع، ولهذا لم يسألوه عما رأى في السماء، إذ لا عهد لهم بذلك(١). وقال النووي في فتاويه: وكان الإسراء به وَلو مرتين: مرة في المنام، ومرة في اليقظة . وذكر السهيلي تصحيح هذا المذهب عن شيخه القاضي أبي بكر ابن العربي، وأن مرة النوم توطئة له وتيسير عليه، كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة ليسهل عليه أمر النبوة، فإنه أمر عظيم تضعف عنه القوى البشرية، وكذلك الإسراء قد سهله الله عليه بالرؤيا، لأن هوله عظيم، فجاء في اليقظة على توطئة وتقدمة، رفقاً من الله بعبده وتسهيلاً عليه . وقد جوز بعض قائلي ذلك أن تكون قصة المنام قبل المبعث، لأجل قول شريك في رواية: ((وذلك قبل أن يوحى إليه)). واستشهدوا له بقول عائشة رضي الله عنها: أول ما بدئ به رسول الله وَعليه من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح (٢) وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. · واحتج القائلون بأنه أربع إسراءات يقظة بتعدد الروايات في (١) الذي يبدو لي - والله أعلم - أنهم لم يسألوه عن المعراج لأنه لم يقص عليهم ذلك، وهذا من حكمته وَ الر حيث ذكر لهم ما يمكن إقامة الدليل عليه حساً بوصف المسجد الأقصى [م]. (٢) من قوله ((واستشهدوا .. )) لم يرد في (ش، ب). - ١٠ - الإسراء، واختلاف ما يذكر فيها، فبعضهم يذكر شيئاً لم يذكره الآخر، وبعضهم يسقط شيئاً ذكره الآخر. وأجيب: بأنه لا يدل على التعدد، لأن بعض الرواة قد يحذف بعض الخبر للعلم به، أو ينساه. وقال الحافظ ابن كثير: من جعل كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة فأثبت إسراءات متعددة فقد أبعد وأغرب، وهرب إلى غير مهرب، ولم يحصل على مطلب. ولم ينقل ذلك عن أحد من السلف. ولو تعدد هذا التعدد لأخبر وصل به أمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرار. انتهى. وقد وقع في رواية عبثر بن القاسم - بموحدة ثم مثلثة بوزن جعفر - في رواية عن حصين بن عبد الرحمن، عند الترمذي والنسائي : لما أسري برسول الله وَلّ جعل يمر بالنبي ومعه الواحد، الحديث. فإن كان ذلك محفوظاً كان فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد الإسراء، وأن الذي وقع بالمدينة أيضاً غير الذي وقع بمكة. قال في فتح الباري: والذي يتحرر في هذه المسألة أن الإسراء الذي وقع بالمدينة ليس فيه ما وقع بمكة، من استفتاح أبواب السماء باباً باباً، ومن التقاء الأنبياء كل واحد في سماء، ولا المراجعة معهم، ولا المراجعة مع موسى فيما يتعلق بفرض الصلاة، ولا في طلب تخفيفها وسائر ما يتعلق بذلك. وإنما تكررت قضايا كثيرة سوى ذلك رآها وَلر / فمنها بمكة البعض، ومنها بالمدينة بعد الهجرة البعض، ومعظمها ٢٢٣/ب في المنام والله أعلم. انتهى. وقال بعض العارفين: إن له وَلّ أربعة وثلاثين مرة، الذي -١١ - أسري به منها إسراء واحد بجسمه، والباقي بروحه رؤيا رآها. انتھی (١). [رأي الجمهور] فالحق: أنه إسراء واحد، بروحه وجسده يقظة، في القصة كلها . وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عن ذلك، إذ ليس في العقل ما يحيله. قال الرازي: قال أهل التحقيق: الذي يدل على أنه تعالى أسرى بروح محمد نبيل وجسده من مكة إلى المسجد الأقصى القرآن والخبر: أما القرآن فهو قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾. وتقرير الدليل: أن ((العبد)) اسم للجسد والروح، فوجب أن يكون الإسراء حاصلاً بجميع الجسد والروح، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى﴾(٢) ولا شك أن المراد هنا مجموع الروح والجسد، وأيضاً: قال سبحانه وتعالى في سورة الجن: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه﴾(٣)، والمراد: مجموع الروح والجسد وكذا هاهنا، انتھی . (١) هذا قول بغير دليل ولذا فلا قيمة له [م]. (٢) سورة العلق. الآية ٩. (٣) سورة الجن، الآية ١٩. - ١٢ - واحتجوا أيضاً: بظاهر قوله وله: (أسري بي) لأن الأصل في الأفعال أن تحمل على اليقظة حتى يدل دليل على خلافه. وبأن ذلك لو كان مناماً لما كان فيه فتنة للضعفاء، ولا استبعده الأغبياء . وبأن الدواب لا تحمل الأرواح وإنما تحمل الأجسام، وقد تواترت الأخبار بأنه أسري به على البراق. [حكمة كون الإسراء ليلاً] فإن قلت: ما الحكمة في كونه تعالى جعل الإسراء ليلاً؟ أجيب: بأنه إنما جعله ليلاً تمكيناً للتخصيص بمقام المحبة، لأنه تعالى اتخذه وسي حبيباً وخليلاً، والليل أخص زمان للمحبين لجمعهما فيه، والخلوة بالحبيب متحققة بالليل(١). قال ابن المنير: ولعل تخصيص الإسراء بالليل ليزداد الذين آمنوا إيماناً بالغيب وليفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم. إذ الليل أخفى حالاً من النهار، قال؛ ولعله لو عرج به نهاراً لفات المؤمن فضيلة الإيمان بالغيب، ولم يحصل ما وقع من الفتنة على من شقي وجحد، انتھی (٢). (١) هذا الجواب غیر مناسب، کما لا يليق بذاته تعالى، فإنه تعالى ﴿لیس کمثله شيء﴾ [م]. (٢) وهذا التعليل غير مقنع، والأولى الاعتراف بقصور العقل عن إدراك هذه الحكمة والوقوف عند التسليم [م]. - ١٣ - وفي ذلك حكمة أخرى على طريقة أهل الإشارات، ذكرها العلامة ابن مرزوق، وهي: أنه قيل لأن الله تعالى لما محا آية الليل وجعل آية النهار مبصرة انكسر قلب الليل، فجبر بأن أسري فيه بمحمد ◌ٍَّّ. وقيل: افتخر النهار على الليل بالشمس فقيل له: لا تفتخر، إن كانت شمس الدنيا تشرق فيك فسيعرج شمس الوجود في الليل إلى السماء. وقيل: لأنه وَّل سراج، والسراج إنما يوقد بالليل، وأنشد : ـل على بهجة النهار المنير قلت يا سيدي تؤثر الليـ هكذا الرسم في طلوع البدور قال لا أستطيع تغيير رسمي يشرق الليل من أشعة نوري إنما زرت في الظلام لكيما [ليلة الإسراء وليلة القدر] ١/٢٢٤ / فإن قلت: أيما أفضل، ليلة الإسراء أو ليلة القدر؟ فالجواب : - كما قاله الشيخ أبو أمامة بن النقاش - أن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي وَلّر، وليلة القدر أفضل في حق الأمة، لأنها لهم خير من عمل في ثمانين سنة لمن قبلهم، وأما ليلة الإسراء فلم يأت في أرجحية العمل فيها حديث صحيح ولا ضعيف. ولذلك لم يعينها النبي وَالر لأصحابه، ولا عينها أحد من الصحابة بإسناد صحيح، ولا صح إلى الآن ولا إلى أن تقوم الساعة فيها شيء، ومن قال فيها شيئاً فإنما قاله من كيسه لمرجح ظهر له استأنس به، ولهذا تصادمت الأقوال فيها وتباينت، ولم يثبت الأمر فيها على شيء، ولو تعلق بها نفع للأمة - ولو بذرة - لبينه لهم نبيهم وَّر، انتهى. - ١٤ - [الإسراء خاص به *] فإن قلت: هل وقع الإسراء لغيره وَلَّ من الأنبياء؟ أجاب العارف عبد العزيز المهدوي: بأن مرتبة الإسراء بالجسم إلى تلك الحضرات العلية لم تكن لأحد من الأنبياء، إلا لنبينا وعليه . انتهى . [جوانب من تفسير الآية الكريمة] وإنما قال تعالى: ﴿أسرى بعبده﴾ إشارة إلى أنه تعالى هو المسافر به، ليعلم أن الإسراء من عنده عز وجل هبة إلهية، وعناية ربانية، سبقت له وية مما لم يخطر بسره، ولا اختلج في ضميره. وأدخل ((باء)) المصاحبة في قوله تعالى: ﴿بعبده﴾ ليفيد أنه تعالى صحبه في مسراه، صحبة بالألطاف والعناية والإسعاف والرعاية، ويشهد له قوله ◌َّير: ((اللهم أنت الصاحب في السفر)). وتأمل قوله تعالى: ﴿يسيركم في البر والبحر﴾(١)، وقوله ﴿أسرى بعبده﴾ يلح لك خصوصية مصاحبة الرسول وَالر للحق دون عموم الخلق(٢). وقرن سبحانه وتعالى ((التسبيح)) بهذا المسرى، لينفي بذلك عن قلب صاحب الوهم ومن يحكم عليه خياله من أهل التشبيه والتجسيم ما يتخيله في حق الحق تعالى من الجهة والحد والمكان، ولذا قال: ﴿لنريه من آياتنا﴾ يعنى ما رأى في تلك الليلة من عجائب الآيات، (١) سورة يونس، الآية ٢٢. (٢) لأنه أتى بـ(باء) المصاحبة في (بعبده)، وأتى بـ(في) في العموم، إشارة إلى الفرق بين لطفه بعبده وبين غيره من الخلق. - ١٥ - كأنه تعالى يقول: ما أسريت به إلا لنريه الآيات، لا ((إلي)) فإنه لا يحدني مكان، ونسبة الأمكنة إلي نسبة واحدة، فكيف أسري به إلي، وأنا عنده، وأنا معه أينما كان. ولله در القائل: سبحان من أسرى إليه بعبده ليرى الذي أخفاه من آياته كحضوره في غيبه وكسكره في صحوه والمحوفي إثباته(١) في صنعه(٢) إن شاءه وهباته ويرى الذي عنه تكون سره بوجوده والفقد من هيئاته ويريه ما أبدى له من جوده سبحانه من سيد ومهيمن في ذاته وسماته وصفاته وأكده تعالى بقوله: ﴿ليلاً﴾ مع أن الإسراء لا يكون في اللسان العربي إلا ليلاً، لا نهاراً، ليرتفع الإشكال حتى لا يتخيل أنه أسرى بروحه فقط، ويزيل من خاطر من يعتقد أن الإسراء ربما يكون نهاراً، فإن القرآن - وإن كان نزل بلغة العرب - فإنه خاطب به الناس أجمعين، أصحاب اللسان وغيرهم. وقال البيضاوي تبعاً لصاحب الكشاف: وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإسراء، ولذلك قرئ ((من الليل)) أي بعضه: كقوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾(٣) وتعقبه القطب في حاشيته على الكشاف كما نبهت عليه في حاشية الشفاء (٤). (١) هذه مصطلحات صوفية: فالغيب بإزاء الشهادة، والسكر: غيبة بوارد قوي، والصحو هو الرجوع إلى الإحساس، والمحو: رفع أوصاف العادة، والإثبات: إقامة أحكام العادة، مقابل للمحو. (٢) في ش: منعه. (٣) سورة الإسراء، الآية ٧٩. (٤) ونص هذا التعقب: وفيه نظر: لأن التنكير للتقليل لا يكون إلا فيما يقبل القلة والكثرة، والليل لا يقبلهما. - ١٦ - [مراحل المعراج] والمعاريج ليلة الإسراء عشرة سبع إلى السماوات، والثامن إلى سدرة المنتهى. والتاسع إلى المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام في تصاريف الأقدار، والعاشر إلى العرش والرفرف والرؤية وسماع الخطاب بالمكافحة(١) والكشف الحقيقي. وقد وقع له وَّ في سني الهجرة العشرة ما كان فيه مناسبات لطيفة لهذه المعاريج العشرة، ولهذا ختمت سني الهجرة بالوفاة، وهي لقاء الحق / جل جلاله، والانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، ٢٢٤/ب والعروج بالروح الكريمة إلى المقعد الصدق، وإلى الموعد الحق وإلى الوسيلة، وهي المنزلة الرفيعة. كما ختمت معاريج الإسراء باللقاء والحضور بحظيرة القدس. [تصانيف في الإسراء] وقد أفاد الإمام الذهبي أن الحافظ عبد الغني جمع أحاديث الإسراء في جزأين، ولم يتيسر لي الوقوف عليهما بعد الفحص. وقد صنف الشيخ أبو إسحاق النعماني - رحمه الله - في الإسراء والمعراج كتاباً جامعاً للأطناب بزيادة الرقائق والإشحان بفواصل الحقائق، ولم أقف عليه حالة كتابتي هذا المقصد الشريف. ويرحم الله تعالى شيخ الإسلام والحفاظ الشهاب ابن حجر العسقلاني، فإنه قد جمع في كتابه ((الفتح)) كثيراً مما تشتت من طرق (١) المكالمة بلا واسطة - كما في هامش ب - [م]. - ١٧ - حديث الإسراء وغيره من الأحاديث، مع تدقيق مباحث فقهية، والكشف عن أسرار معاني كلمه وبدائع ألفاظه وحكمه(١). وكل من صنف في شيء من المنح النبوية، والمناقب المحمدية لا يستغني عن استجناء معارف اللطائف من رياض ((عياض)) والاستشفاء من أدواء المشكلات بدواء ((شفائه)) المبرئ لمعضل الأمراض(٢). فالله تعالى يفيض عليه وعلى سائر علماء هذه الأمة سجال رحمته ورضوانه ويسكننا معهم في بحبوحة جناته. [رواه حديث الإسراء] وقد وردت أحاديث الإسراء من حديث أنس، وأبي بن كعب، وجابر بن عبدالله، وبريدة، وسمرة بن جندب، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عمرو، وحذيفة بن اليمان، وشداد بن أوس، وصهيب، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، ومالك بن صعصعة، وأبي أمامة، وأبي أيوب، وأبي حبة، وأبي ذر، وأبي سعيد الخدري، وأبي سفيان بن حرب، وأبي هريرة، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر، وأم هانئ، وأم سلمة، وغيرهم [رضي الله تعالى عنهم أجمعين](٣). (١) جاء ذلك في فتح الباري في الأماكن التالية: ٤٥٨/١ - ٤٦٤، ٣٠٢/٦، ١٩٦/٧ - ٢١٨ ٦٠٦/٨ - ٦١٠، ٤٧٨/١٣ - ٤٨٧ [م]. (٢) أورد القاضي عياض حديث الإسراء في ستة فصول من الباب الثالث من الشفاء بدءاً من الفصل الثاني [م]. (٣) في ش. - ١٨ - وفي تفسير الحافظ ابن كثير من ذلك ما يكفي ويشفي. وبالجملة: فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة الملحدون، ﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون﴾(١). [رواية الإمام البخاري لحديث الإسراء] وقد روى البخاري (٢)، عن قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن نبي الله وَّر حدثهم عن ليلة أسري به. (بينما أنا نائم في الحطيم - وربما قال: في الحِجر - مضطجعاً، إذ أتاني آت فقدَّ - قال: سمعته يقول: فشق - ما بين هذه إلى هذه. قال: فقلت للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته. فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيماناً، فغسل قلبي، ثم حشي ثم أعيد. ثم أتيت بدابة، دون البغل وفوق الحمار أبيض - فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم - يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح . (١) سورة الصف، الآية ٨. (٢) رقم الحديث في البخاري: ٣٨٨٧ وكذا رواه مسلم والنسائي. - ١٩ - ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل مرحباً به، فنعم المجيء جاء ففتح لنا، فلما خلصت إذا بيحي وعيسى، وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت فردا ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل مرحباً به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ١/٢٢٥ ثم صعد بي حتى أتى السماء / الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا - ٢٠ -