Indexed OCR Text

Pages 601-620

مع كمال عقله وجزالة رأيه وتتابع الوحي عليه، ووجوب طاعته على
أمته .
فقال بعضهم: هو خاص في المعنى، وإن كان عاماً في اللفظ،
أي: وشاورهم فيما ليس عندك من الله فيه عهد، يدل عليه قراءة ابن
عباس: وشاورهم في بعض الأمر.
وقال الكلبي: يعني ناظرهم في لقاء العدو، ومكائد الحرب عند
الغزو.
وقال قتادة ومقاتل: كانت سادات العرب إذا لم تشاور في الأمر
شق عليهم، فأمر الله تعالى نبيه ومَّ أن يشاورهم، فإن ذلك أعطف
لهم وأذهب لأضغانهم، وأطيب لنفوسهم.
وقال الحسن: قد علم الله أن ما به إليهم حاجة، ولكنه أراد أن
يستن به من بعده.
وحكى القاضي أبو يعلى، في الذي أمر بالمشاورة فيه قولين:
أحدهما: في أمر الدنيا خاصة، والثاني: في الدين والدنيا وهو الأصح،
قاله المعافى بن زكريا في تفسيره.
والحكمة في المشاورة في الدين التنبيه لهم على علل الأحكام،
وطريق الاجتهاد.
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: لما
نزلت ﴿وشاورهم في الأمر﴾ قال رسول الله وح لول : أما إن الله ورسوله
لغنيان عنها ولكن جعلها الله رحمة لأمتي.
وعند الترمذي الحكيم من حديث عائشة، رفعته: إن الله أمرني
بمداراة الناس، كما أمرني بإقامة الفرائض.
- ٦٠١ -

• ومنها مصابرة العدو وإن كثر عددهم.
ومنها تغيير المنكر إذا رآه، لكن قد يقال: كل مكلف تمكن
من تغييره يلزمه، فيقال: المراد أنه لا يسقط عنه وَلّ بالخوف بخلاف
غيره .
• ومنها قضاء دين من مات مسلما معسرا، روى مسلم
حديث: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي
قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته).
قال النووي: كان هذا القضاء واجباً عليه وَلّر، وقيل: تبرع
منه، والخلاف وجهان لأصحابنا وغيرهم، قال: ومعنى الحديث: أنه
وَ لّر قال: أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم أو موته، أنا وليه في
الحالين، فإن كان عليه دين قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء، وإن
كان له مال فلورثته، لا آخذ منه شيئاً، وإن خلف عيالاً محتاجين
ضائعين فليأتوا إلي فعلي نفقتهم ومؤنتهم، انتهى.
١/٢٠١
وفي وجوب قضائه على الإمام من مال المصالح وجهان، / لكن
قال الإمام: من استدان وبقي معسراً إلى أن مات لم يقض دينه من
بيت المال، فإن كان ظلم بالمطل ففيه احتمال، والأولى: لا، والله
أعلم .
• ومنها تخيير نسائه وله في فراقه، وإمساكهن بعد أن اخترنه في
أحد الوجهين، وترك التزوج عليهن والتبدل بهن مكافأة لهن، ثم نسخ
ذلك، لتكون المنة له وَّله عليهن، قال الله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل
لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾(١) الآية.
واختلف في تخييره لهن على قولين، أحدهما: أنه خيرهن بين
(١) سورة الأحزاب، الآية ٢٨.
- ٦٠٢ -

اختيار الدنيا فيفارقهن، واختيار الآخرة فيمسكهن، ولم يخيرهن في
الطلاق، وهذا هو قول الحسن وقتادة، والثاني: أنه خيرهن بين
الطلاق والمقام معه، وهذا قول عائشة ومجاهد والشعبي ومقاتل.
واختلفوا في السبب الذي لأجله خير وَلاول نساءه على أقوال:
أحدها: أن الله تعالى خيره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة على
الدنيا، فاختار الآخرة وقال: اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً
واحشرني في زمرة المساكين(١)، فلما اختار ذلك أمره الله تعالى بتخيير
نسائه ليكن على مثل اختياره. حكاه أبو القاسم النميري .
الثاني: لأنهن تغايرن عليه.
والثالث: لأن أزواجه طالبنه وكان غير مستطيع، فكان أولهن أم
سلمة سألته ستراً معلماً، وسألته ميمونة حلة يمانية، وسألته زينب ثوباً
مخططاً وهو البرد اليماني، وسألته أم حبيبة ثوباً سحوليا، وسألته كل
واحدة شيئاً إلا عائشة. حكاه النقاش.
والرابع: أن أزواجه وَالّ اجتمعن يوماً فقلن: نريد ما تريد
النساء من الحلي فأنزل الله تعالى آية التخيير، حكاه النقاش أيضاً،.
وذلك أنه لما نصر الله تعالى رسوله وفتح عليه قريظة والنضير، ظن
أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن یا
رسول الله، بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل، ونحن على ما تراه
من الفاقة والضيق. وآلمن قلبه بمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملن
بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم، فأمره الله أن يتلو عليهن ما نزل
في أمرهن لئلا يكون لأحد منهن عليه منة في الصبر على ما اختاره من
خشونة العيش.
(١) رواه ابن ماجه وغيره.
- ٦٠٣ -

فلما اخترنه وصبرن معه عوضهن الله على صبرهن بأمرين:
أحدهما، أن جعلهن أمهات المؤمنين تعظيماً لحقهن وتأكيداً لحرمتهن،
وتفضيلهن على سائر النساء بقوله: ﴿لستن كأحد من النساء﴾(١)،
والثاني: أن حرم الله عليه طلاقهن والاستبدال بهن فقال تعالى: ﴿لا
يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾(٢) الآية، فكان
تحريم طلاقهن مستداماً، وأما تحريم التزوج عليهن فنسخ، قالت
عائشة: ما مات رسول الله وَ له حتى أحل الله له النساء، يعني اللاتي
حرمن عليه، وقيل: الناسخ لتحريمهن قوله تعالى: ﴿إنا أحللنا لك
أزواجك﴾(٣) الآية.
وقال النووي في الروضة: لما خيرهن فاخترنه كافأهن على حسن
صنيعهن بالجنة فقال: ﴿فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً
عظيماً﴾(٤) . انتهى.
وإنما اختص وَّله بوجوب التخيير لنسائه بين التسريح والإمساك،
لأن الجمع بين عدد منهن يوغر صدورهن بالغيرة التي هي من أعظم
الآلام، وهو إيذاء يكاد ينفر القلب ويوهن الاعتقاد، وكذا إلزامهن على
الصبر والفقر يؤذيهن، ومهما ألقى زمام الأمر إليهن خرج عن أن يكون
ضرراً، فنزه عن ذلك منصبه العالي. وقيل له: ﴿يا أيها النبي قل
لأزواجك﴾ .
ومنها: إتمام كل تطوع شرع فيه، حكاه في الروضة وأصلها،
قال النووي: وهو ضعيف. وفرعه بعض الأصحاب(٥): على أنه كان
(١) سورة الأحزاب، الآية ٣٢.
(٢) سورة الأحزاب، الآية ٥٢.
(٣) سورة الأحزاب، الآية ٥٠.
(٤) سورة الأحزاب، الآية ٢٩.
(٥) في الأصل: بعضهم.
- ٦٠٤ -

يحرم عليه وَيّ إذا لبس لأمته(١) أن ينزعها حتى يلقى العدو ويقاتل.
ذكره في تهذيب الأسماء واللغات.
• ومنها: أنه كان يلزمه وسلا أداء فرض الصلاة بلا خلل. قاله
الماوردي: قال العراقي في شرح المهذب/: إنه كان معصوماً عن نقص ٢٠١/ب
الفرائض. انتهى، والمراد خلل لا يبطل الصلاة.
• وقال بعضهم: كان يجب عليه وَّل إذا رأى ما يعجبه أن
يقول: لبيك إن العيش عيش الآخرة، ثم قال: هذه كلمة صدرت
منه ◌َ﴿ في أنعم حالة، وهو يوم حجه بعرفة، وفي أشد حالة، وهو
يوم الخندق، انتهى.
• ومنها: أنه مَ له كان يؤخذ عن الدنيا حالة الوحي، ولا يسقط
عنه الصوم والصلاة وسائر الأحكام، كما ذكره في زوائد الروضة عن
ابن القاص والقفال، وكذا ذكره ابن سبع.
• ومنها: أنه كان ◌َّلَ يغان على قلبه فيستغفر الله سبعين مرة.
ذكره ابن القاص ونقله ابن الملقن في الخصائص، ورواه مسلم وأبو
داود من حديث الأغر المزني بلفظ: (إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر
الله في اليوم مائة مرة) هذا لفظ مسلم، وقال أبو داود ((في کل یوم))،
قال الشيخ ولي الدين بن العراقي (٢): والظاهر أن الجملة الثانية مرتبة
على الأولى، وأن سبب الاستغفار: الغين، ويدل لذلك قوله في رواية
النسائي في عمل اليوم والليلة: إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله
كل يوم مائة مرة، وفي رواية له أيضاً: فاستغفر الله. وألفاظ الحديث
يفسر بعضها بعضاً. ويحتمل من حيث اللفظ أن تكون الجملة الثانية
(١) أي درعه.
(٢) في ش: ولي الدين العراقي.
- ٦٠٥ -

كلاماً برأسه غير متعلق بما قبله، فيكون والر أخبر بأنه يغان على قلبه،
وبأنه يستغفر الله في اليوم مائة مرة، انتهى.
وقال أبو عبيد: أصل الغين في هذا، ما يغشى القلب ويغطيه،
وأصله: من غين السماء، وهو إطباق الغيم عليها.
وقال غيره: الغين يغشى القلب ولا يغطيه كل التغطية، كالغيم
الرقيق الذي يعرض في الهواء فلا يمنع ضوء الشمس.
قال القاضي عياض - بعد حكايته ذلك -: فيكون المراد بهذا
الغين إشارة إلى غفلات قلبه وفترات نفسه وسهوها عن مداومة الذكر
ومشاهدة الحق بما كان ير دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة
ومعاناة الأهل، ومقاومة الولي والعدو (١)، ومصلحة النفس، وما كلفه
من أعباء أداء الرسالة وحمل الأمانة، وهو في كل هذا في طاعة ربه،
وعبادة خالقه، ولكن لما كان ◌َ ◌ّ أرفع الخلق عند الله مكانة وأعلاهم
درجة، وأتمهم به معرفة، وكانت حاله عند خلوص قلبه وخلو همته،
وتفرده بربه وإقباله بكليته عليه، ومقامه هنالك أرفع حاليه، رأى وَليه
حال فترته عنها، وشغله بسواها غضاً من عليٍّ حاله، وخفضاً من رفيع
مقامه، فاستغفر الله من ذلك، قال: وهذا أولى وجوه الحديث
وأشهرها، وإلى معنى ما أشرنا إليه مال كثير من الناس، وحام حوله
فقارب ولم يرد، وقد قربنا غامض معناه، وكشفنا للمستفيد محياه، وهو
مبني على جواز الفترة والغفلات والسهو في غير طريق البلاغ، انتهى .
وتعقب: بأنه لا ترضى نسبته وَ ل إلى ذلك، لما يلزم عليه من
تفضيل الملائكة بعدم الفترة عن التسبيح والمشاهدة، ولقوله النار:
(١) أي القيام مع من يواليه بالمناصرة والحفظ، ودفع شر العدو.
- ٦٠٦ -

((لست أنسى ولكن أنسى لأسنّ)) فهذه ليست فترة وإنما هي لحكمة
مقصودة يثبت بها حكم شرعي، فالأولى أن يحمل على ما جعله علة
فيه، وهو ما دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة، ومعاناة الأهل،
وحمل كل أعباء النبوة وحمل أثقالها. انتهى.
وقيل: الغين شيء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس،
قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: وهذا أشار إليه الرافعي في
أماليه، وقال: إن والده كان يقرره.
وقيل: كانت حالة يطلع فيها على أحوال أمته فيستغفر لهم.
وقيل: هو السكينة التي تغشى قلبه، والاستغفار/ لإظهار ١/٢٠٢
العبودية لله تعالى، والشكر لما أولاه.
وقال شيخ الإسلام ابن العراقي أيضاً: هذه الجملة حالية، أخبر
ور أنه يغان على قلبه مع أن حاله الاستغفار في اليوم مائة مرة، وهي
حال مقدرة، لأن الغين ليس موجوداً في حال الاستغفار، بل إذا جاء
الاستغفار أذهب ذلك الغين. قال: وعلى تقدير تعلق إحدى الجملتين
بالأخرى، وأن الثانية مسببة عن الأولى، فيحتمل أن يكون هذا الغين
تغطية للقلب عن أمور الدنيا، وحجاباً بينه وبينها، فينجمع القلب
حينئذٍ على الله تعالى ويتفرغ للاستغفار شكراً وملازمة للعبودية، قال:
وهذا معنى ما قاله القاضي عياض، انتهى ومراده قوله في ((الشفاء)):
وقد يحتمل أن تكون هذه الإغانة حالة خشية وإعظام تغشى قلبه
فيستغفر حينئذٍ شكراً لله تعالى، وملازمة لعبوديته إلى آخر كلامه.
قال الشيخ ابن العراقي: وهو عندي كلام حسن جداً، وتكون
الجملة الثانية مسببة عن الأولى، لا بمعنى أنه يسعى بالاستغفار في
إزالة الغين، بل بمعنى أن الغين أصل محمود، وهو الذي تسبب عنه
- ٦٠٧ -

الاستغفار، وترتب عليه، وهذا أنزه الأقوال وأحسنها لأن الغين حينئذٍ
وصف محمود وهو الذي نشأ عنه الاستغفار، وعلى الأول يكون
((الغين)) مما يسعى في إزالته بالاستغفار، وما ترتب الإشكال وجاء
السؤال إلا على تفسير الغين بذلك، وأهل اللغة إنما فسروا الغين
بالغشاء، فنحمله على غشاء يليق بحاله وسلر، وهو الغشاء الذي
يصرف القلب ويحجبه عن أمور الدنيا، لا سيما وقد رتب على الغشاء
أمراً محموداً وهو الاستغفار، فما نشأ هذا الأمر الحسن إلا عن أمر
حسن، انتهى.
وذكر الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في كتابه ((لطائف المنن)) أن
الشيخ أبا الحسن الشاذلي قال: رأيت النبي صَلّ في النوم فسألته عن هذا
الحديث ((إنه ليغان على قلبي)) فقال لي: يا مبارك: ذلك غين الأنوار، لا
غين الأغيار.
[القسم الثاني: الخصائص من المحرمات]
القسم الثاني: ما اختص به ◌َّ مما حرم عليه:
• فمنها: تحريم الزكاة عليه، وكذا الصدقة على الصحيح
المشهور المنصوص، قال وَله: (إنا لا نأكل الصدقة) رواه مسلم،
ومن قال بإباحتها له يقول: لا يلزم من امتناعه من أكلها تحريمها،
فلعله ترك ذلك تنزهاً مع إباحتها له، وهذا خلاف ظاهر الحديث.
قال شيخ الإسلام ابن العراقي، في شرح التقريب: وعلى كل حال
ففيه أن من خصائصه وَلهر الامتناع من أكل الصدقة إما وجوباً وإما
تنزهاً، انتهى.
والحكمة من ذلك: صيانة منصبه الشريف عن أوساخ أموال
الناس .
- ٦٠٨ -

ومنها: تحريم الزكاة على آله وَعليه، وتحريم كون آله عمالاً على
الزكاة في الأصح، وكذا يحرم صرف النذر والكفارة إليهم، وأما صدقة
التطوع فتحل لهم في الأصح خلافاً للمالكية وهو وجه عندنا.
• ومنها: أنه يحرم عليه مر أكل ما له رائحة كريهة، كثوم
وبصل، لتوقع مجيء الملائكة والوحي كل ساعة.
والأكل متكئاً في أحد الوجهين فيهما، والأصح في الروضة
كراهتهما، وتعقب السهيلي الاتكاء فقال: قد يكره لغيره أيضاً لأنه من
فعل المتعظمين، وقد تقدم مزيد لذلك.
• ومنها: تحريم الكتابة والشعر، وإنما يتجه القول بتحريمهما ممن
يقول إنه ﴾ كان يحسنهما، والأصح أنه كان لا يحسنهما، قال تعالى:
﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾(١) وقال تعالى:
﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾(٢)، أي ما هو في طبعه، ولا يحسنه
ولا تقتضيه جبلته ولا يصلح له.
وأجيب(٣): بأن المراد تحريم التوصل إليهما.
وهل عدم الشعر خاص به وَل﴿ أو بنوع الأنبياء؟ قال بعضهم:
هو عام لقوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ / لأنه لا ٢٠٢/ب
يظهر فيه للخصوص نكتة. وتقدم في قصة الحديبية البحث في كونه
** هل كان يحسن الكتابة أم لا.
• ومنها: نزع لأمته إذا لبسها، حتى يقاتل أو يحكم الله بينه وبين
عدوه .
(١) سورة العنكبوت، الآية ٤٨.
(٢) سورة يس، الآية ٦٩.
(٣) أي أجيب عن عدهما في الخصائص.
- ٦٠٩ -

• ومنها: المن ليستكثر، ذكره الرافعي، قال الله تعالى: ﴿ولا
تمنن تستكثر﴾(١) أي: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه، بل أعط لربك،
واقصد به وجهه، فأدبه بأشرف الآداب، قاله أكثر المفسرين، وقال
الضحاك ومجاهد: هذا كان للنبي وَلّ خاصة، وليس على أحد من
أمته، وقال قتادة: لا تعط شيئاً لمجازاة الدنيا، أي أعط لربك، وعن
الحسن: لا تمنن على الله بعملك فتستكثره، وقيل: لا تمنن على الناس
بالنبوة فتأخذ عليها أجراً وعوضاً من الدنيا.
• ومنها: مد العين إلى ما متع به الناس، قال الله تعالى: ﴿ولا
تمدن عينيك إلى ما متعنا به﴾ أي استحساناً له وتمنياً أن يكون لك
مثله ﴿أزواجاً منهم﴾(٢) أي أشكالاً وأشباهاً من الكفار، وهي
المزاوجة بين الأشياء، وهي المشاكلة.
وعن ابن عباس: أصنافاً منهم، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما
أوتيته، فإنه كمال مطلوب بالذات مفض إلى دوام اللذات.
• ومنها: خائنة الأعين، وهي الإيماء إلى مباح من قتل أو
ضرب على خلاف ما يشعر به الحال، كما قيل له وَّ ر في قصة رجل
أراد قتله(٣): هلا أومأت إلينا بقتله، فقال: ما كان ينبغي لنبي أن
تكون له خائنة الأعين (٤).
ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور، قاله الرافعي فيما نقله
الحجازي في مختصر الروضة.
(١) سورة المدثر، الآية ٦.
(٢) سورة الحجر، الآية ٨٨.
(٣) هو عبدالله بن أبي سرح، وقد أسلم وحسن إسلامه.
(٤) رواه أبو داود والنسائي.
- ٦١٠ -

• ومنها: نكاح من لم تهاجر، في أحد الوجهين. قال الله
تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾
أي مهورهن، سمى المهر أجراً لأن المهر أجر على البضع(١) وتقييد
الإحلال بإعطائها معجله لا يتوقف الحل عليه، بل الإيثار الأفضل له،
كتقييد إحلال المملوكة بكونها مسبية في قوله: ﴿وما ملكت يمينك مما أفاء
الله علیك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك﴾
يعني من نساء بني زهرة ﴿اللاتي هاجرن معك﴾(٢) أي إلى المدينة،
قالوا: والمراد هاجرن كما هاجرت، وإن لم تكن هجرتها في حال هجرته
صلى الله عليه وسلم .
وظاهره يدل على أن الهجرة شرط في التحليل، وأن من لم تهاجر
من النساء لم يحل له نكاحها. وقالت أم هانئ: خطبني وَّر فاعتذرت
إليه بعذر فعذرني، ثم أنزل الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك
أزواجك﴾ إلى قوله: ﴿اللاتي هاجرن معك﴾ فلم أكن لأحل له، فإني
لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء(٣).
وعن بعض المفسرين: أن شرط الهجرة في التحليل منسوخ، ولم
یذکر ناسخه.
وعن الماوردي قولان: أحدهما أن الهجرة شرط في إحلال كل
النساء له 18 من غريبة وقريبة، والثاني: أنها شرط في إحلال بنات
(١) الأجر في اللغة المهر، قال في القاموس: الأجر ج أجور وآجار، والذكر
الحسن والمهر ا. هـ وهذا الذي ذكره المصنف من أنه أجر على البضع لا
يتناسب مع مفهوم قوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ [المحقق].
(٢) سورة الأحزاب، الآية (٥٠).
(٣) رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، عن ابن عباس.
- ٦١١ -

عمه وبنات عماته المذكورات في الآية وليس شرطاً في إحلال
الأجنبيات، وعنه أيضاً: أن المراد بالمهاجرات المسلمات.
ومنها: تحريم إمساك من كرهته، قاله الحجازي وغيره.
• ومنها: نكاح الكتابية، لأن أزواجه أمهات المؤمنين وزوجات
له في الآخرة، ومعه في درجته في الجنة، ولأنه وَلّ أشرف من أن يضع
ماءه في رحم كافرة، قالوا: ولو نكح كتابية لهديت إلى الإسلام كرامة
له .
• ومنها: نكاح الأمة المسلمة، ولو قدر نكاحه أمة كان ولده
منها حراً، ولا تلزمه قيمته لتعذر الرق. قاله القاضي حسين، وقال أبو
عاصم: تلزم، نقله الحجازي، ولا يشترط في حقه حينئذٍ خوف العنت
ولا فقد الطول.
وأما التسري بالأمة فالأصح الحل، لأنه رَّ استمتع بأمته ريحانة
قبل أن تسلم، وعلى هذا، فهل عليه تخييرها بين أن تسلم فيمسكها
أو تقيم على دينها فيفارقها؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لتكون من
زوجاته في الآخرة، والثاني: لا، لأنه لما عرض على ريحانة الإسلام
١/٢٠٣ فأبت لم يزلها عن ملكه وأقام على الاستمتاع، وقد / أسلمت بعد.
• ومنها: تحريم الإغارة إذا سمع التكبير، كما ذكره ابن سبع في
الخصائص.
[القسم الثالث: الخصائص من المباحات]
القسم الثالث: فيما اختص به وَلتر من المباحات:
• اختص وَّ﴾ بإباحة المكث في المسجد جنباً، قاله صاحب
- ٦١٢ -

التلخيص. ومنعه القفال، قال النووي: وما قاله في التلخيص قد
يحتج له بقوله وَلاّ في حديث أبي سعيد الخدري: يا علي لا يحل لأحد
أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك. قال الترمذي حسن غريب.
وقد يعترض على هذا الحديث بأن عطية ضعيف عند الجمهور.
ويجاب بأن الترمذي حكم بأنه حسن فلعله اعتضد بما اقتضى
حسنه، لكن إذا شاركه ربَّلي علي في ذلك لم يكن من الخصائص.
وقد غلَّط إمام الحرمين وغيره صاحب التلخيص في الإباحة.
• واعلم أن معظم المباحات لم يفعلها وَّل وإن جازت له.
· ومما اختص به أيضاً أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعاً،
وفي اللمس وجهان، قال النووي: المذهب الجزم بانتقاضه به .
واستدل القائلون بالأول بنحو حديث عائشة، عند أبي داود، أن
النبي ◌َّ كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ. ورواه النسائي
أيضاً، وقال أبو داود: هو مرسل، إبراهيم التيمي لم يسمع من
عائشة، وقال النسائي: ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا
الحدیث وإن کان مرسلاً.
واختص أيضاً بإباحة الصلاة بعد العصر، فقد فاتته ركعتان
بعد الظهر فقضاهما بعد العصر. ثم واظب عليهما (١)، ذكره
الحجازي(٢)، وبجواز صلاة الوتر على الراحلة مع وجوبه عليه، كما
ذكره في شرح المهذب وعبارته: كان من خصائصه بَّ جواز فعل هذا
(١) رواه البخاري عن عائشة.
(٢) أي في جملة الخصائص.
- ٦١٣ -

الواجب الخاص به على الراحلة. وبالصلاة على الغائب عند أبي حنيفة
ومالك .
• وبالقبلة في الصوم، مع قوة الشهوة، روى البخاري من
حديث عائشة قالت: (كان رسول الله وَ الر يقبل بعض نسائه وهو
صائم، وكان أملككم لإربه) قال الحافظ ابن حجر: فأشارت بذلك
إلى أن الإباحة لمن يكون مالكاً لنفسه دون من لا يأمن الوقوع فيما
يحرم. قال: وفي رواية حماد - عند النسائي - قال الأسود: قلت
لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا، قلت: أليس كان رسول الله وَل
يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه(١). قال وظاهر هذا
أنها اعتقدت خصوصية النبي بَّر بذلك. قاله القرطبي، قال: وهو
اجتهاد منها. ويدل على أنها لا ترى بتحريمها ولا بكونها من
الخصائص: ما رواه مالك في الموطأ أن عائشة بنت طلحة كانت عند
عائشة فدخل عليها زوجها وهو عبدالله بن عبد الرحمن بن أبي بكر
فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها وتقبلها؟ قال:
أقبلها وأنا صائم؟ قالت: نعم.
• واختص أيضاً بإباحة الوصال في الصوم: كما سيأتي، وقال
إمام الحرمين، هو قربة في حقه واَية .
· وأن يأخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا
احتاج، ويجب على صاحبهما البذل(٢). ويفدي بمهجته مهجة رسول
(١) بكسر الهمزة وإسكان الراء، أي عضوه، وبفتح الهمزة والراء، أي أغلبكم
لهواه وحاجته .
(٢) هذه قضية مفترضة لم تحدث، ولا دليل على هذا الكلام من كتاب أو سنة،
بل هناك دليل على عكس ذلك، فالمعروف من سيرته وَ ل# أنه كان يؤثر على =
- ٦١٤ -

اللهِ وَّهُ. قال الله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾(١)، ولو
قصده ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه واَ ية، كما وقاه
طلحة بنفسه يوم أحد.
· وبإباحة النظر إلى الأجنبيات لعصمته، وسيأتي إن شاء الله
تعالى في القسم الرابع حكم غيره ويكله. وبجواز الخلوة بهن. قال في
فتح الباري: الذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائصه رصيد جواز
الخلوة بالأجنبية / والنظر إليها، ويدل له قصة أم حرام بنت ملحان في ٢٠٣/ب
دخوله وليه عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه، ولم يكن بينهما محرمية ولا
زوجية، انتهى.
• ومنها نكاح أكثر من أربع نسوة، وكذلك الأنبياء، وفي الزيادة
لنبينا وَلّ على التسع خلاف.
• ويجوز له النكاح بلفظ الهبة من جهة المرأة، قال الله تعالى:
﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾(٢)، وأما من جهته وَ لّ فلا بد
من لفظ النكاح أو التزويج على الأصح في أصل الروضة، وحكاه
الرافعي عن ترجيح الشيخ أبي حامد لظاهر قوله تعالى: ﴿إن أراد النبي
أن يستنكحها خالصة لك﴾
قال البيضاوي: في قوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة﴾ الآية، أي
= نفسه. وأما الاستشهاد بالآية ﴿النبي أولى المؤمنين .. ﴾ فهو استشهاد في
غير موضعه وبالرجوع إلى تفسير الآية يعلم أنها ليست دليلاً على ما ذهب
إليه المصنف. بل إن مكارم الأخلاق التي تعارف عليها الناس تأبى هذا فما
بالنا بمن جعله الله أسوة للناس؟! [المحقق].
(١) سورة الأحزاب، الآية ٦.
(٢) سورة الأحزاب، الآية ٥٠.
- ٦١٥ -

أعلمناك حل امرأة مؤمنة تهب لك نفسها ولا تطلب مهراً إن اتفق
[ذلك](١)، ولذلك نگّرها.
واختلف في ذلك(٢) والقائل به ذكر أنها ميمونة بنت الحارث،
وزينب بنت خزيمة الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت
حكيم، قال: وقرئ ((أن)) بالفتح، أي لأن وهبت، أو مدة أن وهبت،
كقولك: اجلس ما دام زيد خالساً، قال: وقوله (إن أراد النبي أن
يستنكحها) شرط للشرط الأول في استحباب الحل، فإن هبتها نفسها
منه لا توجب له إلا بإرادته نكاحها، فإنها جارية مجرى القبول، قال:
والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ ((النبي)) وَّرَ مكرراً. ثم الرجوع
إليه في قوله: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ إيذان بأنه مما خص به
الشرف نبوته وتقرير لاستحقاقه الكرامة لأجله. انتهى.
وقال المعافى: وفي معنى ((خالصة)) ثلاثة أقوال: أحدها: أن المرأة
إذا وهبت نفسها له يلزمه صداقها دون غيره من المؤمنين. قاله أنس
ابن مالك وابن المسيب. والثاني: أن له أن ينكحها بلا ولي ولا شهود
دون غيره. قاله قتادة، والثالث: خالصة لك أن تملك عقد نكاحها
بلفظ الهبة دون المؤمنين، قال: وهذا قول الشافعي وأحمد، وعن أبي
حنيفة ينعقد النكاح بلفظ الهبة لغيره وَ ل ◌ّ أيضاً.
• وكذا يجوز له وَلّ النكاح بلا مهر ابتداء وانتهاء، كما تقدم
أن المرأة إذا وهبت نفسها له وَّ لا يلزمه صداقها. قال النووي: إذا
وهبت امرأة نفسها له وَ لهد فتزوجها بلا مهر حل له ذلك، ولا يجب
(١) في (ب، ط).
(٢) أي في وجود امرأة عنده مَ لُ وهبت نفسها له، وقد نفى ابن عباس ذلك.
-٦١٦ -

عليه بعد ذلك مهرها بالدخول، ولا بغير ذلك، بخلاف غيره فإنه لا
يخلو نكاحه من وجوب مهر، إما مسمى وإما مهر المثل والله أعلم.
• وكذا يجوز له النكاح في حال الإحرام، قال النووي في شرح
مسلم: قال جماعة من أصحابنا أنه وَّ كان له أن يتزوج في حال
الإحرام، وهو مما خص به دون الأمة، قال: وهذا أصح الوجهين عند
أصحابنا. انتهى .
• وكذا يجوز له وَلّ النكاح بغير رضى المرأة، فلو رغب في
نكاح امرأة خلية لزمها الإجابة، وحرم على غيره خطبتها، أو متزوجة
وجب على زوجها طلاقها(١).
قال الغزالي (٢): ولعل السر فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه
(١) هذه أمور لم تحدث، ولا دليل على أن الحكم كذلك لو حدثت، والغريب
أن يفكر بعض الفقهاء - رحمهم الله - بهذه الطريقة، بل الغريب أن يتبادر
لذهن مسلم أن ذلك يمكن أن يصدر عن النبي ◌َّله ، فهل يعقل أن يتزوج
امرأة بغير رضاها، وهو الذي أمره الله تعالى أن يخير نساءه اللواتي في
عصمته حتى يكون لهن كامل الرضى في استمرارهن معه؟!
والأدهى من ذلك أن يتمادى تصور بعضهم إلى أنه من خصوصياته إذا
رغب في امرأة متزوجة أن على زوجها أن يطلقها له؟؟ ونتساءل: ما الفرق
إذن بين الطغاة من الظلمة المتسلطين على الناس الذين يفعلون ذلك وبين
الخصوصيات النبوية؟؟ إن هذا لو صدر من إنسان عادي من الناس لوصف
بأسوأ الصفات، فكيف سمح للبعض تفكيرهم بأن يحدثوا له ول# هذه
الخصوصية التي هو منها بريء في واقع الحقيقة والحال، كما هو بريء منها
في تصور كل مسلم واع ينزه النبي و يقل عن الصفات الرديئة. وكان يحسن
بالمصنف أن ينزه كتابه عن ذكر هذه الأمور التي لا يحل نقلها لما فيها من
طعن في الصفات التي ينبغي أن تكون لرسل الله تعالى. [المحقق].
(٢) نستغرب أن يكون الإمام الغزالي واحداً ممن أدلى بدلوه في هذه المسألة =
- ٦١٧ -

بتكليف النزول عن أهله، فإنه وَ ل قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون
أحب إليه من نفسه وأهله وولده والناس أجمعين)(١).
ويدل لهذه الخصيصة قصة زينب بنت جحش(٢)، بنت عمته
وَل أميمة بنت عبد المطلب، المنصوص عليها بقوله تعالى: ﴿وإذ
تقول للذي أنعم الله عليه﴾ أي بنعمة الإسلام وهي أجل النعم
﴿وأنعمت عليه﴾ أي بالإعتاق بتوفيق الله لك، وهو زيد بن حارثة
الكلبي، وكان من سبي الجاهلية، فملكه رسول الله وَل قبل البعثة
وأعتقه وتبناه وخطب له زينب فأبت هي وأخوها عبدالله، ثم رضيا لما
نزل قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة﴾ الآية وكان الرجل في
١/٢٠٤ الجاهلية / وصدر الإسلام إذا تبنى ولد غيره يدعوه الناس به ويرث
ميراثه وتحرم عليه زوجته، فنسخ الله تعالى التبني بقوله تعالى:
﴿ادعوهم لآبائهم﴾ وبهذه القصة يثبت الحكم بالقول والفعل، فأوحى
الله إليه أن زيداً سيطلقها، وأنه وَلّ يتزوجها، وألقى في قلب زيد
كراهتها فأراد فراقها فأتى رسول الله وَ ل ◌ّ فقال إني أريد أن أفارق
صاحبتي قال مالك؟ أرابك منها شيء؟ قال: لا والله يا رسول الله ما
= المتخيلة، وأن يفهم الحديث من هذه الزاوية، علماً بأن الحديث عام ولا
يدخل فيه هذا التصور [المحقق].
(١) الحديث في الصحيحين وغيرهما.
(٢) هذه القصة التي ساقها المصنف لا تدل على هذه الخصيصة ولا تصح
شاهداً عليها، ولذا لم يبين وجه الشبه ورحم الله الإمام السبكي حيث
قال: (( ... ولم يكن ◌َّليل تعجبه امرأة أحد من الناس، وقصة زينب إنما
جعلها الله تعالى - كما في سورة الأحزاب - قطعاً لقول الناس: إن زيداً
ابن محمد، وإبطالاً للتبني، قال: وبالجملة فهذا الموضع من منكرات
كلامهم في الخصائص، وقد بالغوا في هذا الباب في مواضع واقتحموا فيها
عظائم لقد كانوا في غنية عنها. شرح الزرقاني ٢٣٥/٥)) [المحقق].
- ٦١٨ -

رأيت منها إلا خيراً، ولكنها تتعظم علي بشرفها وتؤذيني بلسانها، فقال
رسول الله وَل: ﴿أمسك عليك زوجك واتق الله﴾ أي في أمرها، فلا
تطلقها ضراراً وتعللاً ﴿فلما قضى زيد منها وطراً﴾ ولم يبق له فيها
حاجة، وطلقها وانقضت عدتها زوجها الله تعالى له، كما قال تعالى:
﴿زوجناكها﴾ والمعنى أنه أمره بتزويجها منه، أو جعلها زوجته بلا
واسطة عقد. ويؤيده أنها كانت تقول لسائر نساء رسول الله وله: إن
الله تولى نكاحي، وأنتن زوجكن أولیاؤكن.
وقيل إن زيداً كان السفير للتزويج(١)، وفي ذلك لزيد ابتلاء
عظيم وشاهد بين على قوة إيمانه.
وقد علل تعالى تزويجه إياها بقوله: ﴿لكيلا يكون على المؤمنين
حرج في أزواج أدعيائهم﴾ أي في أن يتزوجوا زوجات من كانوا يتبنونه
إذا فارقوهن، وأن هؤلاء الزوجات ليست داخلات فيما حرم في قوله:
﴿وحلائل أبنائكم﴾ .
وأما قوله: ﴿وتخفي في نفسك﴾ فمعناه: علمك أنه سيطلقها
وتتزوجها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر في شيء أباحه له، بأن
قال: ﴿أمسك عليك زوجك﴾ مع علمه أنه سيطلق، وهذا مروي
عن علي بن الحسين، وعليه أهل التحقيق من المفسرين، كالزهري،
وبكر بن العلاء، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم.
والمراد بقوله: ﴿وتخشى الناس﴾ إنما هو في إرجاف المنافقين في
تزويج نساء الأبناء، والنبي وّر معصوم في الحركات والسكنات.
ولبعض المفسرين هنا كلام لا يليق بمنصب النبوة.
(١) أخرج ذلك أحمد ومسلم والنسائي.
- ٦١٩ -

وقيل قوله: ﴿واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾ خطاب
- من الله تعالى، أو من الرسول وَ ل﴿ لزيد، فإنه أخفى الميل إليها وأظهر
الرغبة عنها لما توهم أن رسول الله و 8*هل يريد أن تكون من نسائه.
قال جار الله: وكم من شيء مباح يتحفظ الإنسان منه ويستحي
من إطلاع الناس عليه، فطموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته من
امرأة وغيرها غير موصوف بالقبح في العقل ولا في الشرع، وتناول
المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضاً، وهو خطبة زينب ونكاحها
من غير استنزال زيد عنها ولا طلب إليه، ولم يكن مستكرهاً عندهم
أن ينزل الرجل منهم عن امرأته لصديقه ولا مستهجناً إذا نزل عنها أن
ينكحها آخر، فإن المهاجرين حين دخلوا المدينة واستهم الأنصار بكل
شيء، حتى إن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما
وأنكحها المهاجري(١)، فإذا كان الأمر مباحاً من جميع جهاته لم يكن فيه
وجه من وجوه القبح. انتهى.
• وكذا يجوز له وَله النكاح بلا ولي وبلا شهود. قال النووي:
الصحيح المشهور عند أصحابنا صحة نكاحه وَلخير بلا ولي ولا شهود
لعدم الحاجة إلى ذلك في حقه عليه السلام، وهذا الخلاف في غير
زينب أما زينب فمنصوص عليها والله أعلم.
قال العلماء: إنما اعتبروا الولي للمحافظة على الكفاءة، وهو وَل
فوق الأكفاء، وإنما اعتبر الشهود لأمن الجحود، وهو رجل لا يجحد ولو
(١) رحم الله الزمخشري فإنه لا حاجة لهذه التبريرات. فإن الرسول وَلو لم
يستنزل زيداً عن امرأته - كما ذكر ذلك ــ ولا تنازل هو للنبي، وإنما طلق
زوجته وهو لا يدري من سيتزوجها، ثم كان أمر الله تعالى للنبي أن
يتزوجها إبطالاً لقضية التبني. [المحقق].
- ٦٢٠ -