Indexed OCR Text
Pages 421-440
وأما قوله وَله: فمن نسي فليستقئ فمحمول على الاستحباب والندب، فيستحب لمن شرب قائماً أن يتقيأ لهذا الحديث الصحيح الصريح سواء كان ناسياً أو لا، قاله النووي. وقال المالكية: لا بأس بالشرب قائماً، واستدلوا لذلك بحديث جبير بن مطعم قال: رأيت أبا بكر الصديق يشرب قائماً. ويقول مالك إنه بلغه عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي أنهم كانوا يشربون قياماً. وأجابوا عن حديث أبي هريرة ((لا يشربن أحدكم قائماً، فمن نسي فليستقئ)) بأن عبد الحق قال: في إسناده عمر بن حمزة العمري، وهو ضعيف. انتهى. وقال المازري: قال بعض شيوخنا لعل النهي ينصرف لمن أتى أصحابه بماء فبادر لشربه قائماً قبلهم استبداداً به، وخروجاً عن كون ساقي القوم آخرهم شرباً. وقال بعض الشيوخ: الأظهر أنه موقوف على أبي هريرة. قال: والأظهر لي أن أحاديث شربه قائماً تدل على الجواز، وأحاديث النهي تحمل(١) على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل، لأن في الشرب قائماً ضرراً ما، فكره من أجله، وفعله هو لأمنه(٢) منه، قال: وعلى هذا الثاني يحمل قوله: فمن شرب فليستقئ، على أن ذلك يحرك خلطاً يكون القيء دواءه، ويؤيده قول النخعي: إنما نهى عن ذلك لداء البطن. انتهى. وقال ابن القيم: للشرب قائماً آفات عديدة منها: أنه لا يحصل (١) في ط: تدل. (٢) في ط: لأمته. وهو تصحيف. - ٤٢١ - به الري التام، ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة إلى المعدة فيخشى منه أن تبرد حرارتها، ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج، وكل هذا يضر بالشارب قائماً، فإذا فعله نادراً لم يضره. وعند أحمد عن أبي هريرة أنه رأى رجلاً يشرب قائماً، فقال له قئه، فقال لم؟ قال: أيسرك أن يشرب معك الهر قال: لا، قال: قد شرب معك من هو شر منه: الشيطان. وكان ◌َلّ يتنفس في الشراب ثلاثاً ويقول: إنه أروى وأمرأ وأبرأ. رواه مسلم. ومعنى تنفسه: إبانة القدح عن فيه، وتنفسه خارجه، ثم يعود إلى الشرب. وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة: أن النبي ولو كان يشرب في ثلاثة أنفاس: إذا أدنى الإناء إلى فيه سمى الله، فإذا أخره حمد الله، يفعل ذلك ثلاثاً. وفي هذا الشرب حكم جمة وفوائد مهمة، نبه رَّ على مجامعها بقوله: إنه أروى وأمرأ وأبرأ، فأروى: من الري - بكسر الراء من غير همز - أشد رياً وأبلغه وأنفعه. وأبرأ، أفعل من البرء - بالهمز - وهو الشفاء، أي يبرئ من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات، تسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثالثة ١٦٨/ب ما عجزت عنه الثانية. وأيضاً: / فإنه أسلم لحرارة المعدة، وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة ونهلة واحدة، فإنه أسلم - ٤٢٢ - عاقبة وآمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية لشدة برده وكثرة كميته، أو يضعفها فيؤدي ذلك إلى فساد المعدة والكبد، وإلى أمراض رديئة، خصوصاً في سكان البلاد الحارة، وفي الأزمنة الحارة، فإن الشرب فيهما وهلة واحدة مخوف عليهم جداً. وقوله: أمرأ: بالهمز، أفعل من مرؤ الطعام والشراب في بدنه إذا داخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع. انتهى. وقال بعضهم: والمعنى أنه يصير هنيئاً مريئاً. أي: سالماً أو مبرئاً من مرض أو عطش أو أذى. ويؤخذ من ذلك: أنه أقمع للعطش وأقوى على الهضم، . ومن آفات الشرب نهلة واحدة، أنه يخاف منه الشرق، بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه، فإذا تنفس رويداً ثم شرب أمن من ذلك. وقد روى عبدالله بن المبارك والبيهقي وغيرهما عن النبي و له: إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصاً، ولا يعب عباً فإنه یورث الکباد. والكباد : - بضم الكاف وتخفيف الباء - وجع الكبد. ولا معارضة بين التنفس هنا وبين النهي عن التنفس في الإناء الوارد في الحديث، لأن المنهي عنه التنفس داخل الإناء، فإنه ربما حصل للماء تغير من النفس، إما لكون المتنفس كان متغير الفم لمأكول مثلاً، أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة، وهاهنا التنفس خارج الإناء فلا تعارض، فلو لم يتنفس جاز الشرب بنفس واحد. وقيل يمنع مطلقاً لأنه شرب الشيطان. - ٤٢٣ - [معاملة الطفيلي] وكان ◌َ ◌ّ إذا دعي لطعام وتبعه أحد أعلم به رب المنزل، فيقول: إن هذا تبعنا فإن شئت رجع(١). [من آداب الولائم] وكان يكرر على أضيافه ويعرض عليهم الأكل مراراً، وفي حديث أبي هريرة في قصة شرب اللبن، وقوله مراراً: اشرب، فما زال يقول: اشرب حتى قال: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً. رواه البخاري . وكان ◌َّي إذا أكل مع قوم كان آخرهم أكلاً. رواه البيهقي في الشعب عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلاً. وفي حديث ابن عمرو مرفوعاً عند ابن ماجه والبيهقي (٢): إذا وضعت المائدة فلا يقوم الرجل وإن شبع حتى يفرغ القوم، فإن ذلك يخجل جليسه وعسى أن يكون له في الطعام حاجة . وكان ◌َ﴿ إذا أكل عند قوم لم يخرج حتى يدعو لهم. فدعا في منزل عبدالله بن بسر فقال: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم (١) جاء في البخاري ومسلم وغيرهما: عن أبي مسعود الأنصاري قال: كان من الأنصار رجل يقال له أبو شعيب وكان له غلام لحام فقال: اجعل لي طعاماً يكفي خمسة فإني أريد أن أدعو رسول الله لهم وقد عرفت في وجهه الجوع، فدعا رسول الله * خامس خمسة فتبعهم رجل فقال النبي ◌َّة: إنك دعوتني خامس خمسة وهذا رجل قد تبعنا فإن شئت أذنت له وإن شئت تركته. قال: بل أذنت له. (٢) ضعفه البيهقي فقال: وأنا أبرأ من عهدته. - ٤٢٤ - وارحمهم رواه مسلم، ودعا في منزل سعد فقال: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة. رواه أبو داود، وسقاه آخر لبناً فقال: اللهم أمتعه بشبابه، فمرت عليه ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء، رواه ابن السني(١). (١) سنده ضعيف. - ٤٢٥ - النوع الثاني في لباسه مد وفراشه قال البخاري: باب ما كان النبي وَلّ يتجوز من اللباس(١). يعني يتوسع فلا يضيق بالاقتصار على صنف بعينه، أو لا يضيق بطلب النفيس الغالي، بل يستعمل ما تيسر. وقال القاضي عياض: كان ◌َّ قد اقتصر منه على ما تدعوه ضرورته إليه، وزهد فيما سواه، فكان يلبس ما وجده، فيلبس - في غالب أحواله - الشملة والكساء الخش والأردية والأزر، ويقسم على من حضره أقبية الديباج المخوصة بالذهب، ويرفع لمن لم يحضر. إذ المباهاة في الملابس والتزين بها ليست من خصال الشرف والجلالة، ١/١٦٩ وهي من سمات النساء، والمحمود منها / نقاوة الثوب، والتوسط في جنسه، وكونه لبس مثله، غير مسقط لمروءة جنسه. انتهى. وقد روى أبو نعيم في الحلبة عن ابن عمر مرفوعاً: أن من كرامة المؤمن على الله عز وجل نقاء ثوبه ورضاه باليسير. وله أيضاً من حديث جابر: أن النبي ◌َّ* رأى رجلاً وسخة ثيابه فقال: أما وجد هذا شيئاً ينقي به ثيابه؟ [العمامة] فقد كانت سيرته ويثير في ملبسه أتم وأنفع للبدن وأخفه عليه، (١) الباب ٣١ من كتاب اللباس في البخاري [المحقق]. - ٤٢٦ - فإنه لم تكن عمامته بالكبيرة التي يؤذي حملها ويضعفه ويجعله عرضة للآفات، كما يشاهد من حال أصحابها، ولا بالصغيرة التي تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد، بل وسطاً بين ذلك، وكان يدخلها تحت حنكه، فإنها تقي العنق من الحر والبرد، وهو أثبت لها عند ركوب الخيل والإبل، والكر والفر، وكذلك الأردية والأزر أخف على البدن من غيرها. وقد أطنب ابن الحاج في المدخل في الاستدلال لاستحباب التحنيك، ثم قال: وإذا كانت العمامة من باب المباح فلا بد فيها من فعل سنن تتعلق بها، من تناولها باليمين والتسمية والذكر الوارد، إن كانت مما لبس جديداً، وامتثال السنة في صفة التعميم، من فعل التحنيك والعذبة. وتصغير العمامة يعني سبعة أذرع أو نحوها، يخرجون منها التحنيك والعذبة، فإن زاد في العمامة قليلاً لأجل حر أو برد فيسامح فيه. ثم قال بعد أن ذكر قوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾(١)، فعليك بأن تتسرول قاعداً وتتعمم قائماً. انتهى. [طول الكم] ولم يكن لي يطول أكمامه ويوسعها، بل كان كم قميصه إلى الرسغ، وهو منتهى الكف عند المفصل، لا يجاوز اليد فيشق على لابسه ويمنعه سرعة الحركة والبطش، ولا يقصره وَ لّ عن هذا فتبرز للحر والبرد، وقد روي عن أسماء بنت يزيد قالت: كان كم قميص رسول الله وم لل إلى الرسغ. رواه الترمذي. (١) سورة الحشر، الآية ٧ - ٤٢٧ - [طول الإزار] وكان ذيل قميصه وردائه إلى أنصاف الساقين، لم يتجاوز الكعبين، فيؤذي الماشي ويجعله كالمقيد، ولم يقصر عن عضلة ساقيه، فيتأذى بالحر والبرد. أشار إليه في زاد المعاد. وأخرج الترمذي عن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمتي تحدث عن عمها قال: بينا أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول: ارفع إزارك فإنه أتقى وأنقى، فإذا هو رسول الله ملته، فقلت: يا رسول الله إنما هي بردة، قال: أما لك في أسوة؟ فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه. وأخرج الطبراني من طريق عبدالله بن محمد بن عقيل عن ابن عمر قال: رآني النبي ◌َّ رَ أُسبلت إزاري، فقال: يا ابن عمر، كل شيء لمس الأرض من الثياب فهو في النار. وفي البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي وَلّ قال: (ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار)(١). قال الخطابي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار، فكنى بالثوب عن بدن لابسه، ومعناه: أن الذي دون الكعبين من القدم يعذب بالنار عقوبة. وحاصله أنه من باب تسمية الشيء باسم ما جاوره أو حل فيه، وتكون ((من)) بيانية(٢). وللطبراني من حديث عبدالله بن مغفل، رفعه: (إزرة المؤمن إلى (١) في البخاري برقم ٥٧٨٧ وفيه: ففي النار. (٢) عن فتح الباري ٢٥٧/١٠. - ٤٢٨ - أنصاف الساقين وليس عليه حرج فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من ذلك ففي النار)(١). والإزرة : - بالكسر - الحالة وهيئة الائتزار مثل الركبة والجلسة. واعلم - طهر الله ثوبي وثوبك، ونزه سري وسرك - أن هذا الإطلاق محمول على ما ورد من قيد الخيلاء، فهو الذي ورد فيه الوعيد بالاتفاق(٢). وقد أخرج أصحاب السنن إلا الترمذي - واستغربه - وابن أبي شيبة من طريق عبد العزيز بن أبي رواد عن سالم ابن عبدالله بن عمر/ عن أبيه عن النبي وَالر أنه قال: الإسبال في ١٦٩/بـ الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئاً منها خيلاء، الحديث(٣)، فبين في هذه الرواية أن الحكم ليس خاصاً بالإزار، وإن جاء في أكثر طرق الأحاديث بلفظ الإزار. قال الطبري: إنما ورد الخير بلفظ الإزار، لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الأزر والأردية، فلما لبس الناس القمص والدراريع (٤) كان حكمها حكم الإزار في النهي . قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو لم يأت النص بالثوب فإنه يشمل جميع ذلك، وفي تصوير جر العمامة نظر إلا أن يكون المراد ما جرت به عادة العرب من إرخاء العذبات، فمهما زاد على العادة في ذلك كان من الإسبال ... وهل يدخل في الزجر عن جر الثوب (١) ورواه النسائي من حديث أبي هريرة، وأبو داود وابن ماجه والنسائي عن أبي سعید. (٢) عن فتح الباري ٢٥٧/١٠. (٣) تتمته: لم ينظر الله إليه يوم القيامة. (٤) جمع دارعة . - ٤٢٩ - تطويل أكمام القميص ونحوه؟ محل نظر. والذي يظهر أن من أطالها حتى خرج عن العادة كما يفعله بعض الحجازيين دخل في ذلك(١). [لباس الخيلاء] قال ابن القيم: وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال، التي هي كالأخراج، وعمائم كالأبراج، فلم يلبسها وَ لّ هو ولا أحد من أصحابه، وهي مخالفة لسنته، وفي جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء، انتهى. وقال صاحب ((المدخل))(٢): ولا يخفى على ذي بصيرة أن كم بعض من ينسب إلى العلم اليوم فيه إضاعة المال المنهي عنها، لأنه قد يفضل من ذلك الكم ثوب لغيره. انتهى. لكن حدث للناس اصطلاح بتطويلها، وصار لكل نوع من الناس شعار يعرفون به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شك في تحريمه، وما كان على طريق العادة، فلا تحريم فيه ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع منه. ونقل القاضي عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة. وفي حديث أبي هريرة عند البخاري مرفوعاً (بينما رجل يمشي تعجبه [نفسه](٣) مرجل جمته، إذ خسف الله (٤) به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة)(٥) . (١) قول الطبري وما بعده عن فتح الباري ٢٦٢/١٠ [م]. (٢) هو ابن الحاج. (٣) سقطت من النسخ وهي في البخاري. (٤) لفظ الجلالة في ش وهو في البخاري أيضاً، وسقط من النسخ. (٥) هو في البخاري برقم ٥٧٨٩. - ٤٣٠ - وفي الطبراني وأبي داود (إن رجلاً ممن كان قبلكم لبس بردة فتبختر فيها، فنظر الله إليه فمقته، فأمر الأرض فأخذته). وهذا الوعيد المذكور يتناول الرجال والنساء على هذا الفعل المخصوص، وقد فهمت ذلك أم سلمة رضي الله عنها، فأخرج النسائي والترمذي - وصححه - من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر: فقالت أم سلمة فكيف تصنع النساء بذيولهن فقال: يرخين شبراً فقالت: إذاً تنكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه. [الخلاصة في طول الإزار] وحاصل ما ذكر في ذلك: أن للرجال حالين، حال استحباب: وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز: وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالان: حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال جواز بقدر ذراع(١)، وأن الإسبال يكون في الإزار والقميص والعمامة، وأنه لا يجوز إسباله تحت الكعبين إن كان للخيلاء، وإن كان لغيرها فهو مكروه للتنزيه. قال النووي: وظواهر الأحاديث في تقييدها بالخيلاء يدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، قال: وهذا نص الشافعي على الفرق كما ذكرنا انتهى. [التحقيق في طول ثياب النساء] تنبيه: قال العراقي في شرح الترمذي: الذراع الذي رخص (١) عن فتح الباري ٢٥٩/١٠ [م]. - ٤٣١ - للنساء فيه، هل ابتداؤه من الحد الممنوع منه الرجال، وهو من الكعبين، أو من الحد المستحب وهو أنصاف الساقين، أو حده من أول ما يمس الأرض؟ الظاهر أن المراد الثالث: بدليل حديث أم سلمة الذي رواه أبو داود والنسائي - واللفظ له - وابن ماجه، قالت: سئل رسول الله اليه كم تجر المرأة من ذيلها؟ قال: شبراً، قالت: إذاً ينكشف عنها، قال: فذراع لا تزيد عليه، فظاهره: أن لها أن تجر على الأرض منه ذراعاً. قال: والظاهر أن المراد بالذراع ذراع اليد وهو شبران، لما في ١/١٧٠ سنن / ابن ماجه عن ابن عمر قال: رخص رسول الله وَ له الأمهات المؤمنين شبراً، ثم استزدنه فزادهن شبراً، فدل على أن الذراع المأذون فيه شبران، وهو الذراع الذي يقاس به الحصر اليوم. انتهى. وإنما جاز ذلك للنساء لأجل الستر لأن المرأة كلها عورة إلا ما استثني. [لباس الرأس] وقد كان له قيّ عمامة تسمى السحاب، ويلبس تحتها القلانس اللاطئة(١). والقلانس: جمع قلنسوة - بفتح القاف وسكون النون وضم المهملة وفتح الواو، وقد تبدل ياء تحتية، وقد تبدل ألفاً وتفتح السين، (١) أي اللاصقة. - ٤٣٢ - يقال: قلنساة، وقد تحذف النون من هذه بعدها هاء تأنيث - غشاء مبطن يستر به الرأس، قاله الفراء (١). في شرح ((الفصيح))(٢). وقال ابن هشام: هي التي يقول لها العامة الشاشية، وفي ((المحكم))(٣): هي ملابس الرؤوس، معروفة، وقال أبو هلال العسكري: هي التي تغطى بها العمائم وتستر من الشمس والمطر، کأنها عنده رأس البرنس. انتهى. وروى الترمذي عن جابر رضي الله عنه قال: (دخل النبي وَل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء)، وفي رواية لأنس عند البخاري (دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر) وهو بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء، زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس. ويجمع بينهما: بأن العمامة السوداء كانت فوق المغفر. وجمع بينهما القاضي عياض: بأن أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم بعد ذلك كان على رأسه العمامة بعد إزالة المغفر، بدليل قوله في حديث عمرو بن حريث عن أبيه (خطب الناس وعليه عمامة سوداء) لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة. قال الولي بن العراقي: وهو أولى وأظهر في الجمع من الأول. وقد تقدم نحو ذلك في غزوة فتح مكة. (١) الفراء: أبو زكريا، يحيى بن زياد بن عبدالله الأسدي، مولاهم، نزيل بغداد، النحوي المشهور صدوق في الحديث، وكان ورعاً متديناً، مات بطريق مكة سنة سبع ومائتين، وله سبع وستون. (٢) كتاب ((الفصيح)) لثعلب. (٣) لابن سيدة. - ٤٣٣ - وعن ابن عمر قال: (كان النبي ◌َّر إذا اعتم سدل) رواه الترمذي في الشمائل، زاد مسلم (وقد أرخى طرفها بين كتفيه). وقد روى أبو محمد بن حيان(١) في كتاب ((أخلاق النبي ◌َّ) من حديث ابن عمر: كان رسول الله وَلم يعتم قال: يدير كور العمامة على رأسه ويغرسها من ورائه ويرخي لها ذؤابة بين كتفيه. وروى مسلم من حديث عمرو بن حريث قال: (رأيت النبي وَل على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه) وعنده أيضاً عن جابر قال: (دخل مكة وعليه عمامة سوداء) ولم يذكر فيه ذؤابة، فدل على أنه لم يكن يرخيها دائماً بين كتفيه. لكن قد يقال: إن دخوله مكة كان وعليه أهبة القتال والمغفر على رأسه، فلبس في كل موطن ما يناسبه. وقال ابن القيم في الهدي النبوي: وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر في سبب الذؤابة شيئاً بديعاً: وهو أن النبي ◌َّ إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه بالمدينة لما رأى رب العزة فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، فوضع يده(٢) بين كتفي فعلمت ما بين السماء والأرض. الحديث وهو في الترمذي، وسئل عنه البخاري فقال: صحيح. قال: فمن تلك الغداة أرخى الذؤابة بين كتفيه. قال(٣): وهذا من العلم الذي تنكره ألسنة الجهال وقلوبهم، قال: ولم أر هذه الفائدة في شأن الذؤابة لغيره. انتهى. وعبارة غير الهدي: وذكر ابن تيمية أنه وَلّ لما رأى ربه واضعاً (١) هو الحافظ الملقب بأبي الشيخ. (٢) في ط: كفه، قال الشارح وفي رواية: كفه. (٣) أي ابن القيم. - ٤٣٤ - يده بين كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعذبة. انتهى لكن قال العراقي بعد أن ذكره: لم نجد لذلك أصلاً. انتهى. وروى ابن أبي شيبة عن علي قال: عممني رسول الله وَالار بعمامة سدل طرفها على منكبي وقال: إن الله أمدني يوم/ بدر ویوم حنین ١٧٠ /ب بملائكة معممين هذه العمة وقال: إن العمامة حاجز بين المسلمين وبين المشركين. قال عبد الحق الإشبيلي(١): وسنة العمامة - بعد فعلها - أن يرخي طرفها ويتحنك به، فإن كانت بغير طرف ولا تحنيك فذلك يكره عند العلماء، واختلف في وجه الكراهة، فقيل لمخالفة السنة فيها، وقيل: لأنها كذلك عمائم الشياطين. وجاءت الأحاديث في إرسال طرفها على أنواع: منها ما تقدم أنه أرسل طرفها على منكب علي، ومنها: أن عبد الرحمن بن عوف قال: عممني رسول الله ﴿ فسدلها بين يدي ومن خلفي(٢). ذكره أبو داود(٣) . وعن ابن عباس أنه رأى النبي ◌َّلّ وعليه عمامة دسماء أي سوداء. رواه الترمذي (٤). (١) عبد الحق الإشبيلي، العلامة الحافظ الفقيه الأزدي، والاشبيلي نسبة إلى إشبيلية، كان عالماً بالحديث وعلله عارفاً بالرجال، زاهداً، له تصانيف كثيرة، مات سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وله إحدى وسبعون سنة. (٢) قال العراقي: يحتمل أن المراد أرخى طرفها الواحد من خلفه والآخر من بین یدیه . (٣) سنده ضعيف وفيه راو لم يسم. (٤) وكذا البخاري مطولاً. - ٤٣٥ - وفي حديث ركانة أنه والفر قال: إن فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس. رواه الترمذي أيضاً(١). وعن أبي كبشة الأنماري قال: كانت كمام(٢) أصحاب النبي ◌َّ بطحاً. رواه الترمذي أيضاً. وفي رواية أكمة، وهما جمع كثرة وقلة، الكمة(٣): القلنسوة، يعني أنها كانت منبطحة غير منتصبة. وعن عائشة أن رسول الله وج التير كانت له كمة بيضاء، رواه الدمياطي . [أحب الثياب إليه والد] وكان أحب الثياب إليه وسل ◌ّ القميص، كما في الشمائل للترمذي، من حديث أم سلمة قالت: (كان أحب الثياب إلى رسول الله وَله القميص)(٤). وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: أتيت رسول الله وله في رهط من مزينة لنبايعه وإن قميصه لمطلق الأزرار - أو قال: زر قميصه مطلق - قال: فأدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم. رواه الترمذي(٥) . (١) وقال غريب وليس إسناده بالقائم، قال السخاوي: هو واه. (٢) كمام: جمع كُمة: وهي القلنسوة المدورة. القاموس المحيط [م]. (٣) كذا في د وفي النسخ: وهما جمع كثرة وقلة للكمة القلنسوة ... وقال الشارح: القلنسوة بالجر بدل. (٤) وكذا رواه أبو داود في اللباس والنسائي في الزينة. (٥) ورواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان. - ٤٣٦ - وعن أنس قال: كان قميص رسول الله وَليل قطناً قصير الطول والکمین، رواه الدمياطي. وعن أنس بن مالك قال: كان أحب الثياب إلى رسول الله وَه يلبسه الحبرة. رواه الترمذي(١). والحبرة: ضرب من البرود فيه حمرة. وعن أبي رمثة قال: رأيت رسول الله وَ له وعليه بردان أخضران رواه الترمذي . وعن عطاء(٢) عن أبي يعلى عن أبيه قال: رأيت رسول الله وَلقول يطوف بالبيت مضطبعاً ببرد أخضر. رواه أبو داود (٣). وعن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه أن النبي وَلّ لبس جبة رومية ضيقة الكمين. رواه الترمذي (٤). وعن أبي ذر: أتيت النبي ◌َّل﴿ وعليه ثوب أبيض. رواه البخاري (٥). وعن عائشة قالت: خرج رسول الله وَسير ذات غداة وعليه مرط شعر أسود، رواه الترمذي (٦). (١) ورواه البخاري ومسلم وأبو داود. (٢) في أبي داود والترمذي والنسائي لا ذكر لعطاء، وهو عن ابن يعلى عن يعلى، وابن يعلى هو صفوان بن يعلى بن أمية ثقة روى له الستة. (٣) في ش رواه الترمذي وهو صحيح أيضاً. (٤) رواه الترمذي مختصراً، وهو في الصحيحين وغيرهما مطولاً. (٥) وكذا رواه مسلم. (٦) ورواه مسلم أيضاً. - ٤٣٧ - وعن أنس قال كان رسول الله صل يلبس الصوف، وكان له اله كساء ملبد يلبسه ويقول: (إنما أنا عبد ألبس كما يلبس العبد) رواه الشيخان(١). [ملابس المتصوفة] فإن قلت قد علم من هذا، ومن سيرة السلف الصالح، بذاذة (٢) الهيئة ورثاثة(٣) الملابس (٤)، فما بال الشاذلية من الصوفية يجملون هيآتهم وملابسهم، وطريقهم الاقتداء بالسنة الشريفة والسلف الصالح . أجاب العارف الرباني على الوفائي (٥)، أذاقنا الله حلاوة مشربه، ومن خطه الكريم نقلت بما لفظه: ذلك لأنهم نظروا إلى المعاني والحكم. فوجدوا السلف الصالح لما وجدوا أهل الغفلة والشغل لدنياهم منهمكين على الزينة الظاهرة، تفاخراً بدنياهم واطمئناناً إليها وإشعاراً بأنهم من أهلها، خالفوهم إظهاراً لحقارة ما حقره الحق مما عظمه الغافلون بالغنى (٦) عما اطمأن إليه الغافلون، فكأن أطمارهم يومئذٍ تقول الحمد لله الذي أغنانا به عما أفقر نفسه إليه من همه دنياه. ١/١٧١ فلما طال الأمد وقست القلوب بنسيان / ذلك المعنى، واتخذ الغافلون (١) قال الشارح: ولم أره فيهما ولا في أحدهما بهذا اللفظ في مظانه. (٢) بذاذة الهيئة: أي سوؤها. (٣) أي عدم حسنها، فهو بمعنى البذاذة. (٤) هذا العلم والاستنتاج من المصنف فيه نظر، إذ ليس هذا سيرة النبي محمدطاهر، انظر تفصيل ذلك في كتاب ((التربية الجمالية في الإسلام)) للمحقق [م]. (٥) في ب الوفوي. (٦) في ط بالفناء - ٤٣٨ - رثاثة الأطمار وبذاذة الهيئة حيلة على [جلب](١) دنياهم انعكس الأمر(٢)، فصار مخالفة هؤلاء في ذلك الله هو قول السلف وطريقتهم كما تقدم . قال: وقد أرشد الأستاذ أبو الحسن الشاذلي (٣)، قدس الله سره العزيز، إلى ذلك بقوله لبعض من أنكر عليه جمال هيئته من أصحاب الرثاثة: يا هذا هيئتي هذه تقول: الحمد لله، وهيئتك هذه تقول: أعطوني شيئاً من دنياكم. والقوم أفعالهم دائرة مع الحكمة الربانية مرادهم مرضاة ربهم. انتھی ما قاله سیدي على وفا. [بحث في الجمال] وقد ورد في الحديث الصحيح عنه وَّر، (إن الله جميل يحب الجمال)(٤) وفي الحديث الآخر (إن الله نظيف يحب النظافة)(٥) وفي السنن عن أبي الأحوص الجشمي عن أبيه قال: رآني النبي ◌َّ وعلي أطمار - وفي رواية النسائي: وعلى ثوب دون - فقال: هل لك من مال؟ قلت: نعم، قال: من أي المال؟ قلت: من كل ما آتى الله من الإبل (١) في ش. (٢) من المعلوم أن الإسلام منهج ثابت وليس ردود فعل [م] . (٣) تقي الدين علي بن عبدالله بن عبد الجبار، شيخ الطائفة، قال ابن دقيق العيد: ما رأيت أعرف بالله من الشاذلي. مبدأ ظهوره بشاذلة في الغرب الأقصى. كان العز بن عبد السلام يحضر مجلسه، مات سنة ست وخمسين وستمائة متوجهاً إلى مكة ... (٤) أخرجه مسلم والترمذي. (٥) أخرجه ابن عدي عن ابن عمر مرفوعاً ولكنه ضعيف. - ٤٣٩ - والشاء، قال: فكثر (١) نعمته وكرامته عليك، وفي رواية النسائي قال: فإذا آتاك الله مالاً فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته . وفي حديث جابر أنه وَلير رأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره فقال: (ما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه، ورأى رجلاً عليه ثياب وسخة فقال: ما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه) رواه أحمد. وفي السنن: (إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده). فهو سبحانه يجب ظهور أثر نعمته على عبده، فإنه من الجمال الذي يحبه، وذلك من شكره على نعمه، وهو جمال باطن، فيجب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها، ولأجل محبته تعالى للجمال أنزل على عباده لباساً يجمل ظواهرهم، وتقوى تجمل بواطنهم فقال تعالى: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير﴾(٢) وقال في أهل الجنة: ﴿ولقاهم نضرة وسرورا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا﴾ (٣) فجمل وجوههم بالنضرة وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير. وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيئة، يبغض القبيح من الأقوال والأفعال والهيئة، فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله. ولكن ضل في هذا الموضع فريقان: فريق قالوا: كل ما خلق الله تعالى جميل، فهو يحب كل ما خلقه، ونحن نحب جميع ما خلقه فلا نبغض منه شيئاً، قالوا: ومن (١) أي أظهر، وفي ب: فلير. (٢) سورة الأعراف، الآية ٢٦. (٣) سورة الإنسان، الآية ١١. - ٤٤٠ -