Indexed OCR Text

Pages 401-420

للنوقاتي(١)، وبتأخيرها كما للنسائي في الوليمة، فكأنه عند هشام
باللفظين .
وكذا رواه ابن حبان في صحيحه من حديث محمد بن عبد
الرحمن عن الإمام أحمد بن حنبل عن وهب بن جرير بن حازم، حدثنا
أبي، سمعت حميداً يحدث عن أنس أن النبي وَ لّ كان يأكل الطبيخ أو
البطيخ بالرطب، وقال عقبة: الشك من أحمد. وتقديم الطاء لغة
حكاها صاحب المحكم.
وقد كان محمد بن أسلم (٢) لا يأكل البطيخ لأنه لم ينقل كيفية
أكل رسول الله چ له.
وروى الطبراني في الأوسط من حديث عبدالله بن جعفر قال:
رأيت في يمين النبي ◌َّير قثاء وفي شماله رطباً وهو يأكل من ذا مرة،
ومن ذا مرة، وفي سنده ضعف(٣).
وأخرج فيه، وفي الطب لأبي نعيم من حديث أنس: كان يأخذ
الرطب بيمينه والبطيخ بيساره، فيأكل الرطب بالبطيخ، وكان أحب
الفاكهة إليه. وسنده ضعيف أيضاً.
وأخرج النسائي بسند صحيح عن حميد عن أنس: رأيت رسول
(١) الحافظ أبو عمر محمد بن أحمد بن عمر بن سليمان السجزي روى عنه عبد
المؤمن بن خلف النسفي وطبقته، وله تصانيف كما في التبصير.
(٢) محمد بن أسلم الطوسي، الزاهد الورع المقتدي بالآثار، وصفه ابن المبارك
بأنه ركن من أركان الإسلام، أدرك جماعة من التابعين.
(٣) وفي الصحيحين عن عبدالله بن جعفر: رأيت رسول الله ولم يأكل الرطب
بالقثاء.
- ٤٠١ -

الله ◌َ يجمع بين الرطب والخربز- وهو بكسر الخاء المعجمة وسكون
الراء وكسر الموحدة بعدها زاي - نوع من البطيخ الأصفر.
وفي هذا تعقب على من زعم أن المراد بالبطيخ في الحديث
الأخضر، واعتلوا بأن الأصفر فيه حرارة كما في الرطب، وقد ورد
التعليل بأن أحدهما يطفئ الآخر.
والجواب عن ذلك بأن في الأصفر بالنسبة للرطب برودة، وإن
كان فيه لحلاوته طرف حرارة، والله أعلم.
وفي رواية النسائي أيضاً، بسند صحيح عن عائشة أن نبي الله
* أكل البطيخ والرطب جميعاً.
وأخرج ابن ماجه عن عائشة: أرادت أمي معالجتي للسمنة
لتدخلني على رسول الله وَر فما استقام لها ذلك حتى أكلت الرطب
بالقثاء، فسمنت كأحسن سمنة. ورواه النسائي وقال: بالتمر،. مكان
الرطب.
وأما فضائل البطيخ فأحاديثه باطلة، وإن أفرده النوقاتي في جزء
كما قال الحفاظ والله أعلم.
[جمع طعامين]
وقد كان ◌َ﴿ يأكل التمر بالزبد ويعجبه. فعن عبدالله وعطية
ابني بسر، قالا: دخل علينا رسول الله و الر فقدمنا له زبداً وتمراً،
وكان يجب الزبد والتمر. رواه أبو داود وابن ماجه.
وسمى النبي ◌َّل ير اللبن والتمر الأطيبين. رواه أحمد.
- ٤٠٢ -

وكان يأكل الخبز مأدوماً ما وجد له إداماً، فتارة يأدمه(١) باللحم
ويقول: هو سيد الطعام لأهل الدنيا والآخرة (٢)، وتارة بالبطيخ (٣)،
وتارة بالتمر، فإنه وضع تمرة على كسرة من خبز الشعير، وقال هذه
إدام هذه، رواه أبو داود والترمذي بسند حسن من حديث يوسف بن
عبدالله بن سلام قال: رأيت النبي ولو أخذ ... فذكره.
قال ابن القيم: وهذا من تدبير الغذاء، فإن الشعير بارد یابس،
والتمر حار رطب ــ على أصح القولين - فإدام خبز الشعير به من أحسن
التدبير.
وتارة بالخل، ويقول: نعم الأدم الخل رواه مسلم، وتقدم.
قال الخطابي والقاضي عياض: معناه مدح الاقتصاد في المأكل،
ومنع النفس من ملاذ الأطعمة، تقديره: ائتدموا بالخل وما في معناه مما
تخف مؤنته ولا يعز وجوده، ولا تنافسوا في الشهوات فإنها مفسدة للدين
مسقمة للبدن.
وتعقبه النووي فقال: الذي ينبغي أن يجزم به، أنه مدح للخل
نفسه، وأما الاقتصاد في المطعم وترك الشهوات فمعلوم من قواعد
اخر. انتهى .
وقال ابن القيم: هذا ثناء عليه / بحسب مقتضى الحال الحاضر، ١/١٦٥
لا تفضيله على غيره كما ظنه بعضهم، قال: وسبب الحديث أنه دخل
(١) في ط يأكله.
(٢) رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا من حديث أبي الدرداء مرفوعاً وسنده
ضعيف. وقد ذكر قريباً.
(٣) قال الحافظ العراقي: أكله الخبز بالبطيخ لا أصل له.
- ٤٠٣ -

على أهله يوماً فقدموا له خبزاً فقال: ما من أدم؟ فقالوا: ما عندنا إلا
الخل، فقال: نعم الأدم الخل. والمقصود أن أكل الخبز مع الأدم من
أسباب حفظ الصحة بخلاف الاقتصار على أحدهما، وسمى الأدم أدماً
لإصلاحه الخبز وجعله ملائماً لحفظ الصحة، وليس في هذا تفضيل له
على اللبن واللحم والعسل والمرق، ولو حضر لحم أو لبن لكان أولى
بالمدح منه، فقال هذا جبراً وتطييباً لقلب من قدمه له، لا تفضيلاً له
على سائر أنواع الأدم.
[أكل الفاكهة]
وكان ◌َسل ◌ّ يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمي عنها.
وهذا من أكبر أسباب الصحة، فإن الله سبحانه بحكمته جعل في كل
بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته، فيكون تناوله من أسباب
صحتهم وعافيتهم، ويغني عن كثير من الأدوية، وقل من احتمى عن
فاكهة بلده خشية السقم إلا وهو من أسقم الناس جسماً وأبعدهم من
الصحة والقوة، فمن أكل منها ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي، على
الوجه الذي ينبغي كان له دواء نافعاً.
وقد روى ابن عباس قال: رأيت رسول الله وَ يأكل العنب
خرطاً. رويناه في الغيلانيات. لكن قال أبو جعفر العقيلي - كما حكاه
في الهدي -: لا أصل لهذا الحديث.
قال ابن الأثير: يقال خرط العنقود واخترطه إذا وضعه في فيه ثم
يأخذ حبه ويخرج عرجونه عارياً منه. قال: وجاء في بعض الروايات
خرصاً - بالصاد بدل الطاء -.
- ٤٠٤ -

[أكل البصل والثوم]
وأما البصل فروى أبو داود في سننه عن عائشة أنها سئلت عن
البصل فقالت: إن آخر طعام أكله رسول الله وَ لفرد فيه بصل(١).
وثبت عنه في الصحيحين أنه منع آكله من دخول المسجد.
وكان رَله يترك الثوم دائماً لأنه يتوقع مجيء الملائكة والوحي كل
ساعة .
قال النووي: واختلف أصحابنا في حكم الثوم في حقه وَل
وكذلك البصل والكراث ونحوها، فقال بعض أصحابنا: هي محرمة
عليه، والأصح عندهم أنها مكروهة كراهة تنزيه وليست محرمة لعموم
قوله ري: لا، في جواب: أحرام هي؟ ومن قال بالأول يقول: معنى
الحديث: ليس بحرام في حقكم. انتهى .
فينبغي لمحبه موافقته بيلي في ترك الثوم ونحوه، وكراهة ما كان
يكرهه وَليه ، فإن من أوصاف المحب الصادق أن يحب ما أحب محبوبه
ویکره ما يكرهه.
[طريقة الأكل وجلسته]
وكان ◌َّلم يأكل بأصابعه الثلاث. رواه الترمذي في الشمائل(٢).
وهذا - كما في الهدي - أنفع ما يكون من الأكلات، فإن الأكل
بأصبع أكل المتكبر، ولا يستلذ به الآكل ولا يمريه ولا يشبعه إلا بعد
(١) قال البيهقي: كان مشوياً في قدر أي مطبوخاً.
(٢) وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود.
- ٤٠٥ -

طول، ولا يفرح آلات الطعام والمعدة بما ينالها في كل أكلة فيأخذها
على إغماض كما يأخذ الرجل حقه حبة حبة أو نحو ذلك، فلا يلتذ
بأخذه، والأكل بالخمسة والراحة يوجب ازدحام الطعام على الآلة وعلى
المعدة، وربما استدت الآلات فمات، وتغصب الآلات على دفعه،
والمعدة على احتماله، ولا يجد له لذة ولا استمراء، فأنفع الأكل أكله
وسط* ، وأكل من اقتدى به بالأصابع الثلاثة.
وكان وَ لّ يلعق أصابعه إذا فرغ ثلاثاً: رواه الترمذي في
الشمائل(١).
وفي رواية مسلم ويلعق يده قبل أن يمسحها. وفي رواية أنه أمر
بلعق الأصابع والصحفة (٢).
١٦٥ /ب
وقد روى الترمذي عن أم عاصم قالت: دخل علينا نبيشة/
الخير، ونحن نأكل في قصعة فحدثنا أن رسول الله موح له قال: من أكل
في قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة، وكذا أخرجه ابن ماجه
وأحمد وابن شاهين والدارمي وغيرهم. وقال الترمذي: إنه حديث
غريب. وأورده بعضهم بلفظ: تستغفر الصحفة للاحسها.
وفي حديث جابر مرفوعاً عن أبي الشيخ في الثواب: من أكل ما
يسقط من الخوان أو القصعة أمن من الفقر والبرص والجذام وصرف
عن ولده الحمق.
وللديلمي من طريق الرشيد عن آبائه عن ابن عباس رفعه؛ من
أكل ما يسقط من المائدة خرج ولده صباح الوجوه، ونفي عنه الفقر.
(١) وفي رواية: كان يلعق أصابعه الثلاث.
(٢) وهذه الرواية عند مسلم.
- ٤٠٦ -

وأورده الغزالي في الإحياء بلفظ: عاش في سعة وعوفي في ولده. وكلها
مناكير.
لكن في مسلم عن جابر وأنس مرفوعاً: إذا وقعت لقمة أحدكم
فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح
يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه لأنه لا يدري في أي طعامه البركة .
وفي حديث كعب بن عجرة عند الطبراني في الأوسط صفة لعق
الأصابع، ولفظه: رأيت رسول الله وسلم يأكل بأصابعه الثلاث،
بالإبهام والتي تليها والوسطى، ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث قبل أن
يمسحها، الوسطى ثم التي تليها ثم الإبهام.
قال الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي: كأن السر
فيه أن الوسطى أكثر تلويثاً لأنها أطول فيبقى فيها من الطعام أكثر من
غيرها، ولأنها لطولها أول ما ينزل الطعام.
وقد وقع في مرسل ابن شهاب عند سعيد بن منصور أن النبي
وَّ . كان إذا أكل أكل بخمس. فيجمع بينه وبين ما تقدم باختلاف
الحال.
وقد جاءت علة اللعق مبينة - في بعض الروايات - أنه لا يدري
أحدكم في أي طعامه البركة.
وفي الحديث رد على من كره لعق الأصابع استقذاراً ممن ينسب
للرياسة والإمرة في الدنيا. نعم، يحصل ذلك لو فعله أثناء الأكل لأنه
يعيد أصابعه في الطعام، وعليها أثر ريقه.
قال الخطابي: عاب قوم أفسد عقلهم الترفه لعق الأصابع،
وزعموا أنه مستقبح، كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع
- ٤٠٧ -

والصحفة جزء من أجزاء ما أكلوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذراً
لم يكن الجزء اليسير منه مستقذراً، وليس في ذلك أكثر من مصه
أصابعه بباطن شفتيه، ولا يشك عاقل أن لا بأس بذلك، فقد
يتمضمض الإنسان فيدخل أصبعه في فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه،
ثم لم يقل أحد إن ذلك قذارة وسوء أدب، انتهى.
ولا ريب أن من استقذر ما نسب إلى رسول الله لَي سيء
الأدب، يخشى عليه أمر عظيم، فنسأل الله بوجاهة وجهه الكريم أن لا
يسلك بنا غير حلاوة سبيل سنته وأن يديم لنا محبته.
وقد كان ◌َ يّه لا يأكل متكئاً، لما صح أنه قال: لا آكل متكئاً.
رواه البخاري .
وقال: إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل
العبد(١).
وروى ابن ماجه والطبراني بإسناد حسن قال: أهديت للنبي وَ ل
شاة، فجثا على ركبتيه يأكل فقال له أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال:
إن الله جعلني كريماً ولم يجعلني جباراً عنيداً.
قال ابن بطال: إنما فعل ذلك النبي ◌َّ تواضعاً لله، ثم ذكر
من طريق أيوب عن الزهري قال: أتى النبي ◌َّيّ ملك لم يأته قبلها
١/١٦٦ فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون نبياً ملكاً أو نبياً عبداً، فنظر/ إلى
جبريل كالمستشير له، فأومأ إليه أن تواضع، فقال: بل عبداً نبياً قال
فما أكل متكئاً.
وهذا مرسل أو معضل، وقد وصله النسائي من طريق الزبيدي
(١) رواه أبو داود وابن ماجه.
- ٤٠٨ -

عن الزهري عن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاصي قال: ما رؤي
النبي والر يأكل متكئاً قط.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: ما أكل النبي وَلّ متكئاً
إلا مرة واحدة.
ويمكن الجمع بأن تلك المرة التي في أثر مجاهد لم يطلع عليها عبدالله
ابن عمرو. فقد أخرج ابن شاهين («في ناسخه)) من مرسل عطاء بن يسار:
أن جبريل رأى النبي مسلم يأكل متكئاً فنهاه، وروى ابن ماجه أنه مَلآ نهى
أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه.
وقد فسر القاضي عياض في الشفاء الاتكاء بالتمكن للأكل والتقعدد
للجلوس له كالمتربع وشبهه من تمكن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس
على ما تحته. قال: والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه.
والنبي وَ لّ إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفز مقعياً. قال: وليس
معنى الحديث في الاتكاء الميل على شق عند المحققين انتهى.
والإقعاء: أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويتساند إلى
ظهره، وهو المنهي عنه في الصلاة.
وتفسير القاضي عياض الاتكاء بما فسره به حكاه في الإكمال(١) عن
الخطابي، وقال: إن الخطابي خالف في هذا التأويل أكثر الناس، وأنهم إنما
حملوا الاتكاء على أنه الميل على أحد الجانبين. انتهى.
والذي رأيته يعزى للخطابي: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل
(١) في ط: الأذكار، قال في هامش ب الإكمال هو شرح مسلم للقاضي
عیاض.
- ٤٠٩ -

على أحد شقيه وليس كذلك، بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته.
انتھی .
وقد فسر أيضاً بالميل على أحد الشقين، وبه فسر ابن الجوزي.
وقيل هو الاعتماد على الشيء، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من
الأرض.
وقد أخرج ابن عدي بسند ضعيف: زجر النبي 18َّ أن يعتمد
الرجل على يده اليسرى عند الأكل.
قال الإمام مالك: هو نوع من الاتكاء، قال الحافظ أبو الفضل
العسقلاني: وفي هذا إشارة من مالك إلى كراهة كل ما يعد الآكل فيه
متكئاً، ولا يختص بصفة بعينها.
وحكى ابن الأثير في النهاية أن من فسر الاتكاء بالميل على أحد
الشقين تأوله على مذهب الطب.
وقال ابن القيم: إنه يضر بالآكل، فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعي
عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة ويضغط المعدة فلا يستحكم
فتحها للغذاء.
وأما الاعتماد على الشيء فهو جلوس الجبابرة المنافي للعبودية، ولهذا
قال والإ: آكل كما يأكل العبد.
وإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائل والوطاء الذي تحت
الجالس - كما ذكرته عن الخطابي - فيكون المعنى: أني إذا أكلت لم أقعد
متكئاً على الأوطئة والوسائد كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطعام،
لكني آكل بلغة من الزاد، فلذلك أقعد مستوفزاً.
- ٤١٠ -

وفي حديث أنس أنه وَ ليّ أكل تمرأ وهو مقع(١)، [من الجوع](٢).
وفي رواية(٣): وهو محتفز. والمراد الجلوس على وركيه غير متمكن.
واختلف السلف في حكم الأكل متكئاً، فزعم ابن القاص: أن
ذلك من خصائصه وَالي (٤).
وتعقبه السهيلي فقال: قد يكره لغيره أيضاً لأنه من فعل المتعظمين،
وأصله مأخوذ من ملوك العجم، قال: فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه
من الأكل إلا متكئاً لم يكن في ذلك كراهة، ثم ساق عن جماعة من السلف
أنهم أكلوا كذلك، وأشار إلى حمل ذلك عنهم على الضرورة.
قال / في فتح الباري: وفي الحمل نظر، وقد أخرج ابن أبي شيبة ١٦٦ /
عن ابن عباس. وخالد بن الوليد ومحمد بن سيرين وعطاء بن يسار
وغيرهم جواز ذلك مطلقاً، وإذا ثبت كونه مكروهاً أو خلاف الأولى،
فالمستحب في صفة الجلوس للآكل أن يكون جاثياً على ركبتيه وظهور
قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى. انتهى.
وقال ابن القيم: ويذكر عنه وَّر أنه كان يجلس للأكل متوركاً على
ركبتيه ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر اليمنى تواضعاً لله عز وجل وأدباً
بين يديه. قال: وهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها. لأن الأعضاء
كلها تكون على وضعها الطبيعي الذي خلقها الله تعالى عليه. انتهى.
(١) رواه الترمذي.
(٢) زيادة في ش. قال الشارح: فهو لضرورة.
(٣) الرواية لمسلم.
(٤) أي كراهة الاتكاء في الأكل.
- ٤١١ -

وأخرج ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي قال: كانوا
يكرهون أن يأكلوا اتكاة (١) مخافة أن تعظم بطونهم.
[التسمية والحمد]
وكان ◌َّ إذا وضع يده في الطعام يسمي الله تعالى (٢).
وأما قول النووي في آداب الأكل من الأذكار: والأفضل أن
يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله كفاه وحصلت
السنة. فقال في فتح الباري: لم أر لما أدعاه من الأفضلية دليلاً خاصاً.
وكان ◌َّ يحمد الله في آخره فيقول: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً
مباركاً فيه غير مودع ولا مستغنى عنه ربنا. رواه الترمذي(٣).
وقوله: غير مودع - بفتح الدال الثقيلة - أي غير متروك.
ولا مستغنى: بفتح النون.
و: ربنا: بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ربنا،
ويجوز النصب على المدح، أو الاختصاص، أو إضمار أعني. وقال ابن
الجوزي: بالنصب على النداء مع حذف أداة النداء.
وفي رواية: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين (٤).
(١) كذا في (ا، ب، د) وفي ط: التكاءة، وفي ش: تكأة.
(٢) روى الإمام أحمد: كان ◌َّ إذا قرب إليه طعامه قال: بسم الله.
(٣) ورواه البخاري وابن ماجه، وكان على المصنف أن يعزوه للبخاري كما هو
مصطلح .
(٤) رواه أحمد والأربعة .
- ٤١٢ -

وللنسائي من طريق عبد الرحمن بن جبير المصري أنه حدثه
رجل خدم النبي 18ّ ثمان سنين أنه كان يسمع النبي وَ لّ إذا قرب إليه
طعام يقول: بسم الله، فإذا فرغ قال: اللهم أطعمت وسقيت وأغنيت
وأقنيت وهديت وأحييت فلك الحمد على ما أعطيت وسنده صحيح .
[الأکل بالید الیمنی]
وقد كان ◌َله يحب التيامن في شأنه كله(١)، وقال وَلخير: يا
غلام، سم الله وكل بيمينك و[كل](٢) مما يليك(٣).
قال الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي: حمله أكثر
الشافعية على الندب، وبه جزم الغزالي ثم النووي. لكن نص
الشافعي في الرسالة وفي موضع آخر من الأم على الوجوب، كذا ذكر
عنه الصيرفي في شرح الرسالة.
ونقل البويطي في مختصره: أن الأكل من رأس الثريد،
والتعريس على الطريق، والقران في التمر حرام.
ومثل البيضاوي في منهاجه للندب بقوله معالار: كل مما يليك.
وتعقبه الشيخ تاج الدين بن السبكي في شرحه: بأن الشافعي
نص في غير هذا الموضع على أن من أكل مما لا يليه عالماً بالنهي كان
عاصياً آثماً، قال: وقد جمع والدي نظائر هذه المسألة في كتاب له سماه
((كشف اللبس عن المسائل الخمس)) ونصر القول بأن الأمر فيها
للوجوب .
(١) رواه الأئمة الستة.
(٢) زيادة في ش.
(٣) رواه الأئمة الستة .
- ٤١٣ -

قال شيخ الإسلام ابن حجر، بعد أن ذكر ذلك: ويدل على
وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد في الأكل بالشمال، ففي صحيح
مسلم أن النبي # رأى رجلاً يأكل بشماله فقال: كل بيمينك، فقال:
لا أستطيع، قال: لا استطعت، فما رفعها إلى فيه بعد(١).
فإن قلت: إنه * كان يتتبع الدباء من حوالي القصعة وهو
يعارض الأكل مما يلي.
فالجواب: أنه يحمل الجواز على ما إذا علم رضى من يأكل معه،
١/١٦٧ فإذا علم كراهة / من يأكل معه لذلك لم يأكل إلا مما يليه. قال ابن
بطال: وإنما جالت يد رسول الله وَلّر في الطعام، لأنه علم أن أحداً
لا يتكره(٢) ذلك منه ولا يتقذره، بل كانوا يتبركون بريقه وبما مسه
بيده، بل كانوا يتبادرون إلى نخامته فيتدلکون بها.
وقال غيره: إنما فعل ذلك لأنه كان يأكل وحده. وهو غير
مسلّم، لأن أنسأً أكل معه وَلّ .
وحديث عكراش عند الترمذي: الذي فيه التفصيل بين ما إذا
كان لوناً واحداً فلا يتعدى ما يليه، أو أكثر من لون فيجوز، ضعيف
والله أعلم.
[غسل الیدین]
وقرب إليه وَي﴿ طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ قال: إنما
أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة. رواه الترمذي.
(١) فتح الباري ٥٢٢/٩.
(٢) في ط: لا يكره، وفي ش: لا ينكر.
- ٤١٤ -

وفي رواية له: أنه رَيجر قال: بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء
بعده .
فيحمل الوضوء الأول على الشرعي والثاني على اللغوي.
وروى أبو يعلى بإسناد ضعيف من حديث ابن عمر: من أكل
من هذه اللحوم شيئاً فليغسل يده من ريح وضره، ولا يؤذي(١) من
حذاءه .
[الطعام الحار]
ولم يكن ◌َّ يأكل طعاماً حاراً، فروى الطبراني في الصغير
والأوسط من حديث بلال بن أبي هريرة عن أبيه أن النبي وَّ أُتي
بصحفة تفور، فقال: إن الله لم يطعمنا ناراً، قال: وبلال قليل الرواية
عن أبيه. انتهى.
وعند أبي نعيم في الحلية، من حديث أنس مرفوعاً: كان يكره
الكي والطعام الحار ويقول: عليكم بالبارد فإنه ذو بركة، ألا وإن
الحار لا بركة له. الحديث.
ولأحمد وأبي نعيم من حديث أسماء أنها كانت إذا ثردت غطته
بشيء حتى يذهب فوره ثم تقول: إني سمعت رسول الله وله يقول:
هو أعظم بركة (٢).
لكن عند البيهقي - بسند صحيح - عن أبي هريرة قال: أتي
(١) كذا في النسخ. والأصل لغةً حذف الياء لوجود لا الناهية والعطف على
مجزوم. [م].
(٢) في سنده ابن لهيعة وفيه ضعف. وكذا الأحاديث قبله فيها مقال.
- ٤١٥ -

النبي ◌َّ بطعام سخن فقال: ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا
وكذا قبل اليوم.
[صفة قدحه { ال*]
وكان له وَلّ قدح من خشب مضبب بحديد، قال أنس لقد
سقيته 80* بهذا القدح الشراب كله: الماء والنبيذ والعسل(١).
وفي البخاري عن سهل بن سعد قال: أقبل النبي ◌َّ حتى
جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثم قال اسقنا يا سهل،
فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه، فأخرج لنا سهل ذلك القدح
فشربنا منه ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك فوهبه له.
الحديث. وكان عمر بن عبد العزيز قد ولي حينئذٍ إمرة المدينة .
وعند البخاري من حديث عاصم الأحول قال: رأيت قدح
النبي ◌َّله عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع فسلسله بفضة.
قال: وهو قدح جيد عريض من نضار، وقال: قال أنس: لقد سقيت
رسول الله وير في هذا القدح أكثر من كذا وكذا، قال: وقال ابن
سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة
من ذهب أو فضة، فقال أبو طلحة: لا تغيرن شيئاً صنعه رسول الله
ال وترکه.
وعنده: في فرض الخمس من طريق أبي حمزة السكري عن
عاصم قال: رأيت القدح وشربت منه.
(١) رواه مسلم والترمذي، وسقط من قلم المصنف ذكر اللبن بعد العسل.
- ٤١٦ -

وأخرجه أبو نعيم من طريق علي بن الحسن بن شقيق عن أبي
حمزة، ثم قال: قال علي بن الحسن وأنا رأيت القدح وشربت منه.
وذكر القرطبي في مختصر البخاري أنه رأى في بعض النسخ
القديمة من البخاري: قال أبو عبدالله البخاري : - رأيت هذا القدح
بالبصرة وشربت فيه، وكان اشتري من ميراث النضر بن أنس بثمانمائة
ألف.
ووقع عند أحمد من طريق شريك عن عاصم: رأيت/ عند أنس ١٦٧/ب
قدح النبي ◌َّر فيه ضبة من فضة.
وقوله: من نضار - بضم النون وبالضاد المعجمة - الخالص من
العود ومن كل شيء ويقال: أصله من شجر النبع، وقيل: من الأثل
ولونه يميل إلى الصفرة.
[لم يأكل ◌َير على خوان]
ولم يأكل بَّ على خوان ولا أكل خبزاً مرققاً، رواه الترمذي.
والخوان - بكسر المعجمة ويجوز ضمها - المائدة ما لم يكن عليها
طعام .
وأما السفرة: فاشتهرت لما يوضع عليه الطعام.
وكان وَلّ ينهى عن النوم على الأكل، ويذكر أنه يقسي القلب،
ذكره أبو نعيم، ولذا قال الأطباء - كما في الهدي - من أراد حفظ
الصحة فليمش بعد العشاء ولو مائة خطوة ولا ينام عقبه فإنه يضر
جداً، والصلاة بعد الأكل تسهل هضمه.
- ٤١٧ -

[شربه ** ]
وأما شربه ولا فقد كان يستعذب له الماء، أي يطلب له الماء
الحلو. قالت عائشة: كان يستعذب له الماء من بيوت السقيا. رواه أبو
داود. وهي - بضم المهملة وبالقاف - وهي عين بينها وبين المدينة
یومان(١).
قال ابن بطال: واستعذاب الماء لا ينافي الزهد، ولا يدخل في
الترفه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه، فقد كرهه مالك لما
فيه من السرف. وأما شرب الماء الحلو وطلبه فمباح قد فعله
الصالحون. وليس في شرب الماء المالح فضيلة.
وقد كان ◌َله يشرب العسل الممزوج بالماء البارد.
قال ابن القيم: وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى
معرفته إلا أفاضل الأطباء، فإن شرب العسل ولعقه على الريق يزيل
البلغم ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها ويدفع عنها الفضلات،
ويسخنها باعتدال ويفتح سددها، والماء البارد رطب يقمع الحرارة
ويحفظ البدن.
وقالت عائشة: كان أحب الشراب إليه ويشمل الحلو البارد. رواه
الترمذي .
(١) كذا نقله أبو داود عقب روايته الحديث عن شيخه فيه قتيبة بن سعيد. قال
السمهودي: وهو صحيح، لكنها ليست المراد هنا. وكأنه لم يطلع على أن
بالمدينة بئراً تسمى بذلك. وقال أبو بكر بن موسى: السقيا بئر بالمدينة، أي
على بابها، وكان يستسقى لرسول الله مرض خطير منها. فالحديث محمول على هذا.
ثم لو سلم أن المراد الاستعذاب من العين التي ذكر قتيبة فمحمول على أنه
كان يستعذب له منها إذا نزل قربها في سفرحج أو غيره، أما استعذابه منها
إلى المدينة فلا أراه وقع أصلاً. انتهى ملخصاً [المحقق].
- ٤١٨ -

ويحتمل أن تريد به الماء الممزوج بالعسل أو الذي نقع فيه التمر
والزبيب.
وكان ينبذ له أول الليل ويشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة
التي تجيء، والغد إلى العصر، فإن بقي شي سقاه الخادم أو أمر به
فصب. رواه مسلم.
وهذا النبيذ: هو ماء يطرح فيه تمر يحليه، وله نفع عظيم في
زيادة القوة، ولم يكن يشربه بعد ثلاث خوفاً من تغيره إلى الإسكار.
وكان ◌َّ يشرب اللبن خالصاً تارة، وتارة مشوباً بالماء البارد،
لأن اللبن عند الحلب يكون حاراً، وتلك البلاد في الغالب حارة،
فكان يكسر حر اللبن بالماء البارد.
وعن جابر أنه رَّ دخل على رجل من الأنصار، ومعه صاحب
له، فسلم فرد الرجل وهو يحول الماء في حائطه، فقال ◌َله: إن كان
عندك ماء بات في شنه وإلا كرعنا، فقال: عندي ماء بات في شن،
فانطلق إلى العريش فسكب في قدح ثم حلب عليه من [لبن](١)
داجن، فشرب ◌َّر الحديث. رواه البخاري.
وكان ◌َّ يقول: ليس يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن.
قال الترمذي: حديث حسن.
وللترمذي أيضاً: عن ابن عمر مرفوعاً: ثلاثة لا ترد: اللبن
والوسادة والدهن.
وأنشد بعضهم:
(١) في [أ، ط].
- ٤١٩ -

قد كان من سيرة خير الورى صلى عليه الله طول الزمن
أن لا يرد الطيب والمتكا واللحم أيضاً يا أخي واللبن
قال ابن القيم: ولم يكن وَل﴿ يشرب على طعامه لئلا يفسده،
ولا سيما إن كان الماء (١) حاراً أو بارداً فإنه رديء جداً. انتهى.
١/١٦٨
وكان ◌َل﴿ يشرب قاعداً وكان ذلك عادته. رواه مسلم /.
وفي رواية له أيضاً: أنه نهى عن الشرب قائماً. وفي رواية له
أيضاً عن أبي هريرة: لا يشربن أحدكم قائماً، فمن نسي فليستقئ.
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: أتيت النبي وَّج
بدلو من ماء زمزم فشرب وهو قائم.
وفي حديث علي عند البخاري: أنه(٢) شرب وهو قائم، ثم
قال: إن أناساً يكرهون الشرب قائماً، وإن النبي وَلّ صنع مثل ما
صنعت .
وكل هذه الأحاديث صحيحة ولا إشكال فيها ولا تعارض،
وغلط من زعم أن فيها نسخاً، وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان
الجمع بين الأحاديث، والصواب: أن النهي محمول على كراهة
التنزيه، وأما شربه وله قائماً فلبيان الجواز.
فإن قلت: كيف يكون الشرب قائماً مكروهاً، وقد فعله وَ له؟
فالجواب: أن فعله وَل﴿ إذا كان بياناً للجواز لا يكون مكروهاً،
بل البيان واجب عليه واله .
(١) ليست في ش.
(٢) أي علي رضي الله عنه.
- ٤٢٠ -