Indexed OCR Text
Pages 261-280
[ نقض الصحيفة ] ثم قام رجال في نقض الصحيفة (١)، فأطلع / الله نبيه وَلخير على أن الأرضة أكلت جميع ما فيها من القطيعة والظلم، فلم تدع إلا اسم الله تعالى فقط، فلما أنزلت لتمزق وجدت كما قال ◌َ له. وذلك في السنة العاشرة. (١) وأشدهم في ذلك صنيعاً، هشام بن عمرو بن الحارث العامري - أسلم بعد ذلك - وكان يصلهم في الشعب. أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أحمال طعاماً ... مشى هشام إلى زهير بن أبي أمية - أسلم بعد -، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت؟ فقال: ويحك يا هشام، فماذا أصنع؟ فإنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها، فقال: أنا معك، فقال: أبغنا ثالثاً .. ومشيا جميعاً إلى المطعم بن عدي فقالا له: أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد، فقال: إنما أنا واحد، فقالا إنا معك. فقال: ابغنا رابعاً. فذهب إلى أبي البختري بن هشام، فقال: ابغنا خامساً. فذهب إلى زمعة بن الأسود. فقعدوا ليلاً بأعلى مكة، وتعاقدوا على ذلك، فلما جلسوا في الحجر تكلموا في ذلك وأنكروه، فقال أبو جهل: أمر قضي بليل. وفي آخر الأمر قاموا إلى الصحيفة .. فوجدوا الأرضة قد أكلتها إلا ((باسمك اللهم)). هذا ملخص ما ذكره ابن إسحاق [سيرة ابن هشام ٣٧٥/١]. - ٢٦١ - [ عام الحزن ] [وفاة أبي طالب] ولما أتت عليه وَلل تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوماً، مات عمه أبو طالب، وله سبع وثمانون سنة. وقيل في النصف من شوال من السنة العاشرة. وقال ابن الجزار: قبل هجرته عليه الصلاة والسلام بثلاث سنين . [دعوته إلى الإسلام] وروي أنه وير كان يقول له عند موته: يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة . فلما رأى أبو طالب حرص رسول الله وَلثم قال له: والله يا ابن أخي، لولا مخافة قريش أني إنما قلتها جزءاً من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها. فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه، فأصغى إليه بأذنه فقال: يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بها. فقال ◌َله: لم أسمعه. كذا رواية ابن إسحاق أنه أسلم عند الموت. ورواه البيهقي في الدلائل من طريق يونس بن بكير عن ابن - ٢٦٢ - إسحاق حدثنا العباس عن عبد الله بن معبد بن عباس عن بعض أهله عن ابن عباس فذكره، وقال البيهقي: إنه منقطع(١). وأجيب عنه: بأن شهادة العباس لأبي طالب لو أداها بعد ما أسلم كانت مقبولة ولم ترد بقوله وير لم أسمع، لأن الشاهد العدل إذا قال سمعت وقال من هو أعدل منه: لم أسمع أخذ بقول من أثبت السماع. ولكن العباس شهد بذلك قبل أن يسلم. [موت أبي طالب كافراً] مع أن الصحيح من الحديث قد أثبت لأبي طالب الوفاة على الكفر والشرك، كما روينا في صحيح البخاري من حديث سعيد بن المسيب(٢). حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. قال رسول الله وَله والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل الله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى﴾(٣) وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله وَالآتى : ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ (٤). وأجيب أيضاً بأن أبا طالب لو قال كلمة التوحيد، ما نهى الله (١) هذه الفقرة - رواية البيهقي - ليست في ش. (٢) رقم الحديث ٤٧٧٢ . (٣) سورة التوبة. الآية ١١٣. وهذه السورة مدنية فلا يشكل بأن موت أبي طالب كان قبل الهجرة بثلاث سنين. فالآية مستثناة منها كما نقله في الإتقان . (٤) سورة القصص الآية ٥٦. - ٢٦٣ - عالى نبيه ولا عن الاستغفار له (١). وفي الصحيح(٢) عن العباس أنه قال لرسول الله وَ لقر: إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك، فهل ينفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح(٣). وفي رواية الصحيح أيضاً أنه والتر قال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه. (٤) وفي رواية يونس عن ابن إسحاق زيادة فقال: يغلي منه دماغه حتی یسیل على قدميه. قال السهيلي: من باب النظر في حكمة الله، ومشاكلة الجزاء للعمل؛ أن أبا طالب كان مع رسول الله وَلّر بجملته متحزباً له، إلا أنه كان متثبتاً بقدميه على ملة عبد المطلب، حتى قال عند الموت: أنا على ملة عبد المطلب، فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته إياهما على ملة آبائه. ثبتنا الله على الصراط المستقيم. وفي شرح التنقيح (٥) للقرافي(٦): الكفار أربعة أقسام(٧)، فذكر (١) هذه الفقرة من قوله: وأجيب. ليست في ش. (٢) رواه البخاري برقم ٣٨٨٣ ومسلم برقم ٢٠٩. (٣) الضحضاح: ما رق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين، واستعير في النار [من شرح مسلم]. (٤) رواه البخاري برقم ٣٨٨٥ ومسلم برقم ٢١٠ . (٥) شرح التنقيح في الأصول. المتن والشرح للقرافي. (٦) العلامة شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن إدريس الصنهاجي، البارع في العلوم ذو التصانيف الشهيرة: كالقواعد والذخيرة وشرح المحصول. مات سنة أربع وثمانين وستمائة. ودفن بالقرافة. (٧) والأربعة حكاها ابن الأثير في النهاية وكذا البغوي وهي: - ٢٦٤ - = منها من آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع، كما حكي عن أبي طالب أنه كان يقول: إني لأعلم أن ما يقوله ابن أخي لحق، ولولا أني أخاف أن تعيرني نساء قريش لاتبعته. وفي شعره يقول: لقد علموا أن ابننا لا مكذب يقينا ولا يعزى لقول الأباطل فإن هذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان غير أنه لم يذعن. انتهى. [وصية أبي طالب لقريش] وحكي عن هشام بن السائب / الكلبي، أو أبيه أنه قال: لما ٣٠/ب حضرت أبا طالب الوفاة، جمع إليه وجوه قريش، فأوصاهم فقال: يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه .. إلى أن قال: وإني أوصيكم بمحمد خيراً، فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن، وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل الوبر والأطراف، والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذناباً، ودورها خراباً، وضعفاؤها أرباباً، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصغت له فؤادها، وأعطته قيادها، يا معشر قريش، = - كفر إنكار: وهو أن لا يعرف الله بقلبه ولا يعترف باللسان. - وكفر جحود: وهو من عرفه بقلبه دون لسانه، كإبليس واليهود. - وكفر نقاق: وهو المقر باللسان دون القلب. - وكفر عناد: وهو أن يعرفه بقلبه ويعترف بلسانه، ولا يدين به كأبي طالب. قال البغوي: وجميع الأربعة سواء في أن الله لا يغفر لأصحابها إذا ماتوا. - ٢٦٥ - كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي. ثم هلك. [وفاة خديجة] ثم بعد ذلك بثلاثة أيام - وقيل: بخمسة - في رمضان، بعد البعث بعشر سنين، على الصحيح، ماتت خديجة رضي الله عنها. وكان ◌َّ يسمي ذلك العام عام الحزن، فيما ذكر صاعد(١) وكانت مدة إقامتها معه و القر خمساً وعشرين سنة على الصحيح. ثم بعد أيام من موت خديجة تزوج عليه السلام سودة بنت زمعة . (١) صاعد بن عبيد البجلي، أبو محمد، الحراني. مقبول من كبار العاشرة، كما في التقريب، يعني الطبقة التي أخذت عن تبع التابعين. - ٢٦٦ - [ الخروج الى الطائف ] ثم خرج عليه السلام إلى الطائف بعد موت خديجة بثلاثة أشهر، في ليال بقين من شوال، سنة عشر من النبوة. لما ناله من قريش بعد موت أبي طالب. وكان معه زيد بن حارثة(١). فأقام به شهراً، يدعو أشراف ثقيف إلى الله تعالى فلم يجيبوه(٢) وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه. قال موسى بن عقبة: ورجموا عراقيبه بالحجارة حتى اختضبت نعلاه بالدماء، زاد غيره: وكان إذا أزلقته(٣) الحجارة قعد إلى الأرض، فيأخذون بعضديه فيقيمونه، فإذا مشى رجموه وهم يضحكون، وزيد ابن حارثة يقيه بنفسه، حتى لقد شج في رأسه شجاجاً. (١) هذه رواية ابن سعد. وذكر ابن عقبة وابن إسحاق وغيرهما: أنه خرج وحده ماشياً. (٢) هم عبد ياليل، ومسعود، وحبيب: فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، والثاني: أما وجد الله أحداً يرسله غيرك، والثالث: والله لا أكلمك أبداً، لئن كنت رسول الله لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك. [كذا عند ابن إسحاق والواقدي وغيرهما]. (٣) أي: آلمته . - ٢٦٧ - وفي البخاري ومسلم من حديث عائشة أنها قالت للنبي صل﴾، هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد، قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت - وأنا مهموم - على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت، فناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين(١). قال ◌َله: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً (٢). وعبد ياليل - بالتحتانية وبعدها ألف ثم لام مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم لام - ابن عبد كلال ـ بضم الكاف وتخفيف اللام آخره لام - وكان ابن عبد ياليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف . وقرن الثعالب: هو ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل. وأفاد ابن سعد: أن مدة إقامته وَليل بالطائف كانت عشرة أيام. [إسلام عداس] ولما انصرف وا عن أهل الطائف، مر في طريقه بعتبة وشيبة (١) الأخشبان هما جبلا مكة. أبو قبيس والذي يقابله قعيقعان. (٢) رواه البخاري برقم ٣٢٣١ ومسلم - واللفظ له - برقم ١٧٩٥ . - ٢٦٨ - ابني ربيعة وهما في حائط لهما، فلما رأيا ما لقي تحركت له رحمهما، فبعثا له مع عداس النصراني - غلامهما - قطف عنب، فلما وضع وَيز يده في. القطف قال: بسم الله، ثم أكل، / فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: ١/٣١ والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له رسول الله وسلم: من أي البلاد أنت. وما دينك؟ قال نصراني من نينوى. فقال **: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ قال: وما يدريك؟ قال: ذاك أخي، وهو نبي مثلي. فأكب عداس على يديه ورأسه ورجليه يقبلها وأسلم (١). [ذكر الجن] ولما نزل نخلة - وهو موضع على ليلة من مكة - صرف الله إليه سبعة من جن نصيبين - مدينة بالشام - وكان ◌َّر قد قام في جوف الليل يصلي فاستمعوا له وهو يقرأ سورة الجن. وفي الصحيح أن الذي آذنه وَله بالجن ليلة الجن شجرة، وأنهم سألوه الزاد فقال كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في يد أحدكم أوفر ما كان لحماً، وكل بعر علف لدوابكم (٢). وفي هذا رد على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب. (١) رواه ابن إسحاق وغيره، وفيه عند ابن إسحاق: يقول ابنا ربيعة أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك یا عداس، مالك تقبل رأس هذا الرجل ویدیه وقدمیه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي، قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه. [ سيرة ابن هشام ٤٢١/١]. (٢) رواه مسلم برقم (٤٥٠). - ٢٦٩ - وذكر صاحب الروض من أسماء السبعة الذين أتوه وَلخير، عن ابن دريد: منشي وناشي وشاصر وماضر والأحقب. لم يزد تسمية على هؤلاء. قال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر ابن إسحاق خروجه عليه السلام إلى أهل الطائف ودعاءه إياهم، وأنه لما انصرف عنهم بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن، فاستمعه الجن من أهل نصيبين. قال: وهذا صحيح، لكن قوله إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء، ويدل له حديث ابن عباس عند أحمد قال: كان الجن يستمعون الوحي فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشراً، فيكون ما سمعوه حقاً وما زادوه باطلاً، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله وَليّ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب منه، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبعث جنوده فإذا بالنبي ◌َّ يصلي بين جبلي نخلة فأخبروه فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض(١). ورواه النسائي وصححه الترمذي . قال: وخروجه ◌َلي إلى الطائف كان بعد موت عمه. وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال: هبطوا على النبي ◌ّله وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، فأنزل الله عز وجل: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن﴾ الآية(٢). (١) المسند ٢٧٤/١، ورواه الشيخان بنحوه ولم يعزه لهما لزيادة فيما ذكر على روایتھما . (٢) سورة الأحقاف. الآية ٢٩. - ٢٧٠ - فهذا مع رواية ابن عباس تقتضي أن رسول الله وَ لو لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالاً، قوماً بعد قوم وفوجاً بعد فوج. انتھی . [دعاء] وفي طريقه - عليه السلام - هذه، دعا بالدعاء المشهور: ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، وأنت رب المستضعفين، إلى من تكلني إلى عدو بعيد يتجهمني أم إلى صديق قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبانَ علي (١) فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)». أورده ابن إسحاق(٢)، ورواه الطبراني في كتاب الدعاء عن عبدالله بن جعفر قال: لما توفي أبو طالب، خرج النبي وَلقر ماشياً إلى الطائف، فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال: اللهم إليك أشكو .. فذكره. وقوله: يتجهمني - بتقديم الجيم على الهاء - أي يلقاني بالغلظة والوجه الكريه. (١) وفي رواية: إن لم يكن بك غضب، وفي أخرى: إن لم تكن ساخطاً .. (٢) سيرة ابن هشام ٤٢٠/١. - ٢٧١ - [العودة إلى مكة] ثم دخل يلي مكة في جوار المطعم بن عدي(١). (١) ذكر ابن إسحاق، وكذا الفاكهي بإسناد حسن مرسل: أنه وله بعث عبد الله بن أريقط إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليف، والحليف لا يجير، فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه، فدخل ◌َّ فبات عنده، فلما أصبح تسلح المطعم هو وبنوه - وهم ستة أو سبعة - فقالوا له وَلقر: طف، واحتبسوا بحمائل سيوفهم بالمطاف، فقال أبو سفيان للمطعم: أمجير أم تابع؟ قال: بل مجير، قال: إذن لا تخفر، قد أجرنا من أجرت، فقضى ◌َإذ طوافه وانصرفوا معه إلى منزله. - ٢٧٢ - [ وقت الاسراء (١)] [ملخص قصة الإسراء] ولما كان في شهر ربيع الأول أسري بروحه وجسده يقظة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى/، ثم عرج به من المسجد الأقصى ٣١/ب إلى فوق سبع سماوات، ورأى ربه بعيني رأسه، وأوحى الله إليه ما أوحى، وفرض عليه الصلوات الخمس، ثم انصرف في ليلته إلى مكة . فأخبر بذلك، فصدقه الصديق، وكل من آمن بالله. وكذبه الكفار واستوصفوه مسجد(٢) بيت المقدس، فمثله الله له، فجعل ينظر إليه ويصفه. [وقت الإسراء] قال الزهري: وكان ذلك بعد المبعث بخمس سنين. (٣) حكاه عنه القاضي عياض، ورجحه القرطبي والنووي. واحتج: بأنه لا (١) تفصيل الإسراء والمعراج سيأتي إن شاء الله في المقصد الخامس، وإنما ذكر هنا زمن وقوعه مراعاة لالتزامه ترتيب الوقائع. (٢) سقطت من ط. (٣) الذي في فتح الباري عن الزهري: قبل الهجرة بخمس سنين [٢٠٣/٧]. - ٢٧٣ - خلاف أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة إما بثلاث أو بخمس، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء. وتعقب: بأن موت خديجة بعد البعث بعشر سنين على الصحيح في رمضان، وذلك قبل أن تفرض الصلاة. ويؤيده إطلاق حديث عائشة أن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلوات الخمس. ويلزم منه أن يكون موتها قبل الإسراء وهو المعتمد، وأما التردد في سنة وفاتها فيرده جزم عائشة بأنها ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين قاله الحافظ ابن حجر. وقيل: قبل الهجرة بسنة. قاله ابن حزم، وادعى فيه الإجماع. وقيل: قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر، قاله السدي وأخرجه من طريقه الطبري والبيهقي، فعلى هذا كان في شوال. وقيل: كان في رجب. حكاه ابن عبد البر، وقَبْله ابن قتيبة، وبه جزم النووي في الروضة. وقيل: كان قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر، فعلى هذا يكون في ذي الحجة، وبه جزم ابن فارس(١). وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، ذكره ابن الأثير وقال الحربي(٢): إنه كان في سابع عشري ربيع الآخر، وكذا (١) أحمد بن فارس، أبو الحسين الرازي، اللغوي، الإمام في علوم شتى، المالكي الفقيه، غلب عليه علم النحو ولسان العرب، فشهر به، له مصنفات وأشعار جيدة، مات سنة تسعين وثلاثمائة. (٢) إبراهيم بن إسحاق الحربي - نسبة إلى محلة الحربية ببغداد - البغدادي، = - ٢٧٤ - قال النووي في فتاويه، لكن قال في شرح مسلم: في ربيع الأول. وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من رجب، واختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي(١). [اليوم التالي ليلة الإسراء] وأما اليوم الذي يسفر عن ليلتها، فقيل الجمعة، وقيل السبت، وعن ابن دحية: يكون إن شاء الله يوم الإثنين، ليوافق المولد والمبعث والهجرة والوفاة، فإن هذه أطوار الانتقالات: وجوداً ونبوة ومعراجاً وهجرة ووفاة. وسيأتي إن شاء الله تعالى في قصة الإسراء والمعراج وما فيهما من المباحث والله الموفق والمعين. = الحافظ، شيخ الإسلام، الإمام البارع في العلوم، الزاهد، مات سنة خمس وسبعين ومائتين. (١) عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي - نسبة لجد أبيه - الحنبلي، الإمام، أوحد زمانه في الحديث والحفظ، الزاهد العابد، صاحب العمدة والكمال وغير ذلك، نزل مصر آخر عمره، ومات بها سنة ستمائة، وله تسع وخمسون سنة. - ٢٧٥ - [عرضه وَخَّ نفسه على القبائل ] [اللقاء الأول مع الأنصار] ولما أراد الله تعالى إظهار دينه وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له، خرج ◌َّهر في الموسم الذي لقي فيه الأنصار(١) - الأوس والخزرج -. فعرض نفسه و # على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم(٢)، فبينما هو عند العقبة، لقي رهطاً من الخزرج، أراد الله بهم (١) جمع ناصر، كأصحاب وصاحب. وهم الأوس والخزرج الذين سماهم رسول الله وَلاير الأنصار، لكونهم أجابوه إلى إيوائه ونصره. [كما في حديث ابن عباس عند الحاكم وأبي نعيم والبيهقي]. (٢) قال موسى بن عقبة عن الزهري: كان قبل الهجرة يعرض نفسه على القبائل، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم إلا أن يؤوه ويمنعوه، ويقول: لا أكره أحداً منكم على شيء، بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالات ربي، فلا يقبله أحد، بل يقولون: قوم الرجل أعلم به. وعن جابر - عند أحمد وأصحاب السنن - كان ◌َّير يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول: هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي .. وذكر الواقدي بعض هذه القبائل ومنها: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب وفزارة وغسان ومرة وحنيفة وسليم وعبس، وبنو نصر، وكنده وكعب، وعذرة، والحضارمة. - ٢٧٦ - خيراً، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج، قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وكان من صنع الله، أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب، وكان الأوس والخزرج أكثر منهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبياً سيبعث الآن، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه. فلما كلمهم النبي ◌َّر عرفوا النعت، فقال بعضهم لبعض: لا تسبقنا اليهود إليه. فأجابوه إلى ما دعاهم إليه، وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، فأسلم منهم ستة نفر وكلهم من الخزرج وهم: أبو أمامة، أسعد بن زرارة. وعوف بن الحارث بن رفاعة، وهو ابن عفراء. ورافع بن مالك بن العجلان. وقطبة بن عامر بن حديدة. وعقبة بن عامر بن نابي. وجابر بن عبد الله بن رئاب، وليس بجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام. ومن أهل العلم بالسير، من يجعل / فيهم عبادة بن الصامت، ١/٣٢ ويسقط جابر بن رئاب. فقال لهم النبي وَلّ: تمنعون ظهري حتى أبلغ رسالة ربي. فقالوا: يا رسول الله، إنما كانت بعاث(١) عام الأول، يوم من (١) وقعة بين الأوس والخزرج، قتل فيها كثير منهم، وكان رئيس الأوس : = - ٢٧٧ - أيامنا، اقتتلنا به، فإن تقدم ونحن کذلك لا یکون لنا علیك اجتماع، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا، لعل الله أن يصلح ذات بيننا، وندعوهم إلى ما دعوتنا، فعسى الله أن يجمعهم عليك، فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتبعوك فلا أحد أعز منك، وموعدك الموسم العام القابل. وانصرفوا إلى المدينة. ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله وَله . [بيعة العقبة الأولى] فلما كان العام المقبل لقيه اثنا عشر رجلاً - وفي الإكليل(١): أحد عشر - وهي العقبة الثانية (٢)، فيهم خمسة من الستة المذكورين، وهم: أبو أمامة. وعوف بن عفراء، ورافع بن مالك وقطبة بن عامر ابن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، ولم يكن فيهم جابر بن عبد الله ابن رئاب لم يحضرها. والسبعة تتمة الاثني عشر هم: معاذ بن الحارث بن رفاعة، وهو ابن عفراء أخو عوف المذكور. وذكوان بن عبد قيس الزرقي، وقيل إنه رحل إلى رسول الله وَلّ إلى مكة فسكنها معه، فهو مهاجري أنصاري قتل يوم أحد. وعبادة بن الصامت بن قيس . = حضير والد أسيد الصحابي. ورئيس الخزرج: عمرو بن النعمان البياضي. وقتلا يومئذ. وكان النصر فيها أولاً للخزرج، ثم ثبتهم حضير فرجعوا وانتصرت الأوس. (١) اسم كتاب للحاكم. (٢) عدها ابن إسحاق وغيره ((أولى)) باعتبار المبايعة. - ٢٧٨ - وأبو عبد الرحمن، يزيد بن ثعلبة البلوي. والعباس بن عبادة بن نضلة. وهؤلاء من الخزرج، ومن الأوس رجلان: أبو الهيثم بن التيهان، من بني عبد الأشهل. وعويم بن ساعدة. فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء(١)، أي وفق بيعتهم التي نزلت بعد ذلك عند فتح مكة وهي: أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، والسمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق حيث كنا لا نخاف في الله لومة لائم. قال ◌َلير: فإن وفيتم فلكم الجنة، ومن غشي من ذلك شيئاً كان أمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. ولم يفرض يومئذ القتال(٢). ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام. وكان أسعد بن زرارة يجمع بالمدينة بمن أسلم(٣). (١) رجح الحافظ أن المبايعة ليلة العقبة إنما كانت على الإيواء والنصر وما يتعلق بذلك، وأما على الصفة المذكورة فإنما هي بعد فتح مكة، بدليل ما في البخاري من حديث عبادة: أنه وَلير لما بايعهم قرأ الآية كلها. وقال المصنف: الراجح أن التصريح بذلك - أي بأن بيعة العقبة وقعت على وفق بيعة النساء - وهم من بعض الرواة. (٢) أخرجه الشيخان وغيرهما بألفاظ متقاربة. (٣) أي يقيم لهم الجمعة، بمعاونة مصعب الذي نزل عليه، فلا تعارض بين هذا وبين حديث الدارقطني الآتي. - ٢٧٩ - [مصعب في المدينة] وكتبت الأوس والخزرج إلى النبي وَلّ: ابعث إلينا من يقرئنا القرآن، فبعث إليهم مصعب بن عمير. وروى الدارقطني عن ابن عباس أن النبي وَلل كتب إلى مصعب ابن عمير أن يجمع بهم .. الحديث، وكانوا أربعين رجلاً. فأسلم على يد مصعب بن عمير خلق كثير من الأنصار، وأسلم في جماعتهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير (١)، وأسلم بإسلامهما جميع بني عبد الأشهل في يوم واحد، الرجال والنساء، ولم يبق منهم أحد إلا (١) ومن قصة إسلامهما: أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب يريد دار بني عبد الأشهل، فجلسا في حائط لبني ظفر واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي بني عبد الأشهل. فقال سعد لأسيد انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما .. فذهب أسيد إليهما، فلما رآه أسعد قال لمصعب: هذا سيد قومه، فاصدق الله فيه، قال مصعب إن يجلس أكلمه ... فوقف عليهما متشتماً وقال: اعتزلانا إن كان لكما بأنفسكما حاجة. فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته، كف عنك ما تكره؟ قال أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب وقرأ عليه القرآن .. فقالا: والله لعرفنا في وجهه الإسلام .. ثم أسلم، ثم قال إن ورائي رجلاً إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ. وجاء سعد .. وسمع .. وأسلم ثم رجع إلى قومه فقال: يا بني عبد الأشهل: كيف تعلمون أمري فيكم قالوا: سيدنا وأفضلنا .. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله .. قالا: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً ومسلمة [ملخصاً. من سيرة ابن هشام ٤٣٥/١ - ٤٣٧. المحقق]. - ٢٨٠ -