Indexed OCR Text

Pages 61-80

النبوة قال: (وآدم بين الروح والجسد) رواه الترمذي (١) وقال: حديث
حسن (٢).
وروينا في جزء من أمالي أبي سهل القطان عن سهل بن صالح
الهمداني، قال: سألت أبا جعفر، محمد بن علي (٣)، كيف صار محمد
وَل﴿ يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث؟ قال: إن الله تعالى لما أخذ من
بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟
كان محمد مرَّليّ أول من قال بلى، ولذلك صار يتقدم الأنبياء، وهو آخر
من بعث.
[الوصف بالنبوة قبل الوجود].
.
فإن قلت: إن النبوة وصف لابد أن يكون الموصوف به موجوداً،
وإنما يكون بعد بلوغ أربعين سنة أيضاً، / فكيف يوصف به قبل وجوده ١/٦
وإرساله؟
(١) أبو عيسى، محمد بن عيسى، أحد أوعية العلم، والحفاظ الكبار، كان
يضرب به المثل في الحفظ، أخذ عن البخاري، وشاركه في شيوخه، بل
قال ابن عساكر: كتب عنه البخاري، وحسبه بذلك فخراً. مات سنة تسع
وثمانين ومائتين.
(٢) في المناقب برقم ٣٦٨٨ وقال: حديث حسن صحيح غريب من حديث أبي
هريرة لانعرفه إلا من هذا الوجه.
(٣) أبو جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الملقب
بالباقر، قال النووي: لأنه بقر العلم، أي: شقه، فعرف أصله وخفيه،
ولد سنة ست وخمسين، وروى عنه خلق، كالزهري، وعمرو بن دينار،
وكان سيد بني هاشم في زمانه، علما وفضلا وسؤددا ونبلا، قال ابن سعد:
ثقة كثير الحديث، مات سنة ثمان عشرة ومائة.
- ٦١ -

أجاب العلامة الغزالي (١) في كتاب ((النفخ والتسوية)) عن هذا،
وعن قوله: (كنت(٢) أول الأنبياء خلقاً وآخرهم بعثا)(٣): ((بأن المراد
بـ((الخلق)) هنا: التقدير دون الإيجاد، فإنه قبل أن ولدته أمه لم يكن موجوداً
مخلوقاً، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود)).
((قال: وهو معنى قولهم: ((أول الفكرة آخر العمل، وآخر العمل
أول الفكرة)» وبيانه: أن المهندس المقدر للدار، أول ما يمثل في نفسه صورة
الدار، فتحصل في تقديره دار كاملة، وآخر ما يوجد من أعماله هي الدار
الكاملة، فالدار الكاملة هي أول الأشياء في حقه تقديراً، وآخرها وجوداً،
لأن ما قبلها من ضرب اللبنات وبناء الحيطان، وتركيب الجذوع، وسيلة
إلى غاية وكمال وهي الدار، فالغاية هي الدار ولأجلها تقوم الآلات
والأعمال)).
((ثم قال: وأما قوله عليه السلام: (كنت نبيا) فإشارة إلى ما ذكرناه،
وأنه كان نبيا في التقدير قبل تمام خلقة آدم عليه السلام، لأنه لم ينشأ خلقُ
(١) أبو حامد، حجة الإسلام، محمد بن محمد الغزالي - بشد الزاي على
المشهور، كما قال ابن الأثير -، كان والده يغزل الصوف ويبيعه بدكان
بطوس - كما في طبقات السبكي -، ذكر له الأسنوي في ((المهمات)) ترجمة
حسنة .
وله كتب نافعة مفيدة، خصوصاً الإحياء، فلا يستغني عنه طالب
الآخرة، مات سنة خمس وخمسمائة.
(٢) كذا في ش، وفي النسخ: أنا.
(٣) قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم (٦٦١): ضعيف
[المحقق].
- ٦٢ -

آدم إلا ليُنتزَعَ من ذريته محمد نَّه ويستصفى (١) تدريجاً إلى أن يبلغ
كمال الصفا)).
((قال: ولا تفهم هذه الحقيقة إلا بأن يعلم أن للدار وجودين:
وجوداً في ذهن المهندس ودماغه، و[الوجود الثاني](٢) أنه ينظر إلى
صورة الدار خارج الذهن في الأعيان، والوجود الذهني سبب الوجود
الخارج للعين(٣)، فهو سابق لا محالة. وكذلك فاعلم أن الله تعالى
يقدر ثم يوجد على وفق التقدير ثانياً)) انتهى.
وهو متعقب بقول الشيخ تقي الدين السبكي(٤): ((إنه قد جاء
أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله: (كنت
نبياً) إلى روحه الشريفة، أو إلى حقيقة من الحقائق، والحقائق تقصر
عقولنا عن معرفتها، وإنما يعلمها خالقها ومن أمده الله بنور إلهي، ثم
إن تلك الحقائق يؤتي الله كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي
يشاء، فحقيقة النبي ◌ّليل قد تكون من حين خلق آدم آتاها الله ذلك
الوصف، بأن يكون خَلَقها متهيئة لذلك، وأفاضه عليها من ذلك
الوقت، فصار نبياً، وكتب اسمه على العرش(٥)، وأخبر عنه بالرسالة
لیعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده)).
(١) في ط: ويتصفى.
(٢) في (أ) و(ش).
(٣) في (ط، د) الخارجي العيني.
(٤) الإمام العلامة أبو الحسن علي بن عبد الكافي الملقب تقي الدين السبكي،
الفقيه الحافظ، المفسر الأصولي، المتكلم النحوي، شيخ الإسلام، بقية
المجتهدين، ولد بسبك من أعمال المنوفية سنة ثلاث وثمانين وستمائة،
وبرع في العلوم، وانتهت إليه الرياسة بمصر، وصنف تصانيف عديدة،
وتوفي سنة ست وخمسين وسبعمائة.
(٥) انظر التعليق (٢) ص٨٢ من هذا الجزء.
- ٦٣ -

((فحقيقته موجودة من ذلك الوقت وإن تأخر جسده الشريف
المتصف بها، واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من
الحضرة الإلهية [حاصل من ذلك الوقت](١)، وإنما يتأخر البعث والتبليغ،
وكل ما له من جهة الله ومن جهة تأهل ذاته الشريفة وحقيقته معجل لا
تأخر فيه. وكذلك استنباؤه وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوة، وإنما المتأخر
تكونه وتنقله إلى أن ظهر صلى الله عليه وسلم.)).
((وقد علم من هذا: أن من فسره بعلم الله بأنه سيصير نبياً لم يصل
إلى هذا المعنى، لأن علم الله تعالى محيط بجميع الأشياء. ووصف النبي
وَله بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك
الوقت. ولو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير في المستقبل لم يكن له
خصوصية بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم الله
تعالى نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية للنبي وَّ لأجلها
أخبر بهذا الخبر إعلاماً لأمته ليعرفوا قدره عند الله تعالى))(٢).
وعن الشعبي (٣): قال رجل يارسول الله، متى استنبئت؟ قال:
(١) هذه الجملة وردت في تصحيح على هامش الأصل حيث قال: ((قوله
(واتصاف) مبتدأ وخبره سقط من قلم المصنف سهواً وتقديره: حاصل من
ذلك الوقت)) اهـ . وقال الزرقاني: إن هذه الجملة سقطت من المصنف
سهواً، وهي ثابتة في كلام السبكي [م].
(٢) انتهى كلام السبكي، بتقديم وتأخير حسبما ذكره في رسالة لطيفة سماها
((التعظيم والمنة في لتؤمنن به ولتنصرنه)).
(٣) عامر بن شراحيل الكوفي، أبو عمرو، التابعي الوسط، ولد لست مضين
من خلافة عمر، على المشهور، وروى عن علي والسبطين، وسعد وسعيد،
وابني عباس وعمر وغيرهم، وقال: أدركت خمسمائة صحابي، وما كتبت
سوداء في بيضاء قط، ولا حدثني أحد بحديث إلا حفظته. مرَّ به ابن =
- ٦٤ -

وآدم بين الروح والجسد/، حين أخذ مني الميثاق. رواه ابن سعد(١)، من ٦/ب
رواية جابر الجعفي(٢)، فيما ذكره ابن رجب.
فهذا(٣) يدل على أنه من حين صور آدم طيناً استخرج منه محمد اله
ونبىء وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه
الذي قدر الله خروجه فيه فهو أولهم خلقاً.
لايقال: يلزم خلق آدم قبله، لأن آدم كان حينئذ مواتا لاروح
فيه (٤)، ومحمد ◌َّ كان حياً حين استخرج ونبىء وأخذ منه
الميثاق(٥)، فهو أول النبيين خلقاً وآخـهــ ... ] (٦)
فإن قلت إن استخراج ذرية آدم منه کان بعد نفخ الروح فيه، كما
دل عليه أكثر الأحاديث، والذي تقرر هنا: أنه استخرج ونبىء قبل نفخ
الروح في آدم عليه السلام.
= عمر، وهو يحدث بالمغازي، فقال: شهدتُ القومَ، فلهو أحفظ وأعلم بها
مني. قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بالكوفة سنة ثلاث ومائة .
(١) أبو عبدالله، محمد بن سعد بن منيع الهاشمي - مولاهم - البصري، كاتب
الواقدي، روى عنه كثيراً، وكتب الفقه والحديث والغريب والعربية،
وصنف: الطبقات الكبير والصغير والتاريخ، قال أبو حاتم وغيره: صدوق.
مات سنة ثلاثين ومائتين، عن اثنتين وستين سنة.
(٢) جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، أبو عبدالله، الكوفي، ضعيف، شيعي،
تركه الحفاظ. ووثقه شعبة فشذ. قال أبو داود: ليس له في کتابی حدیث،
سوى السهو، مات سنة ثمان وعشرين ومائة .
(٣) أي مرسل الشعبي، على ضعفه.
(٥) في (ط، د، ش): ميثاقه.
(٤) في (ط) و(ش): له.
(٦) هذا كلام لا دليل عليه، ونقاش لا طائل وراءه [المحقق].
- ٦٥ -

أجاب بعضهم: بأنه ◌َّ خص باستخراجه من ظهر آدم قبل
نفح الروح. فإن محمداً و 18 هو المقصود من خلق النوع
الإنساني (١)، وهو عينه وخلاصته وواسطة عقده. والأحاديث
السابقة صريحة في ذلك، والله أعلم.
[أخذ العهد على الأنبياء]
وروي عن علي بن أبي طالب(٢) رضي الله عنه أنه قال: لم
يبعث الله تعالى نبياً من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في
محمد بنَلّ لئن بعث، وهو حي، ليؤمنن به ولينصرنه، ويأخذ
العهد بذلك على قومه.
وهو مروي عن ابن عباس أيضاً (٣). ذكرهما العماد بن
كثير(٤) في تفسيره(٥).
وقيل(٦): إن الله تعالى لما خلق نور نبينا محمد اله أمره أن ينظر إلى
(١) هذا يتعارض مع قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [المحقق].
(٢) أمير المؤمنين، زوج البتول الزهراء، تربية من خص بالنظر ليلة الإسراء،
القائل في حقه: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) رواه الترمذي والنسائي
وغيرهما بأسانيد صحيحة، وعند مسلم وأحمد: ((لا يحبك إلا مؤمن ولا
يبغضك إلا منافق)). مناقبه شهيرة كثيرة جداً.
(٣) فهو موقوف عليهما لفظاً، مرفوع حكماً، ورواه ابن عساكر والبغوي بنحوه.
(٤) العماد الحافظ ذو الفضائل، إسماعيل بن عمر بن كثير القيسي، المفتي
المحدث البارع المتقن، كثير الاستحضار، سارت تصانيفه في البلاد في
حياته، مات سنة أربع وسبعين وسبعمائة، عن أربع وسبعين سنة،
وتفسيره لم يؤلف على نمطه مثله.
(٥) في تفسير الآية ٨١ من سورة آل عمران [م].
(٦) هذا القول باطل إذ لا دليل عليه [المحقق].
- ٦٦ -

أنوار الأنبياء عليهم السلام، فغشيهم من نوره ما أنطقهم الله به فقالوا:
ياربنا، من غشينا نوره؟ فقال الله تعالى: هذا نور محمد بن عبدالله، إن
آمنتم به جعلتكم أنبياء، قالوا: آمنا به وبنبوته فقال الله تعالى: أشهد
عليكم؟ قالوا: نعم. فذلك قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما
آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن
به ولتنصرنه﴾ إلى قوله: ﴿وأنا معكم من الشاهدين﴾(١).
قال الشيخ تقي الدين السبكي: ((في هذه الآية الشريفة من التنويه
بالنبي وَ* وتعظيم قدره العلي مالا يخفى، وفيه مع ذلك: أنه على تقدير
مجيئه في زمانهم يكون مرسلاً إليهم، فتكون رسالته ونبوته عامة لجميع
الخلق، من زمن آدم إلى يوم القيامة، وتكون الأنبياء وأممهم كلهم من
أمته، ويكون قوله: (وبعثت إلى الناس كافة)(٢) لا يختص به الناس
من زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضاً. ويتبين بذلك
معنى قوله وَ له: (كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد)).
((ثم قال: فإذا عرف هذا فالنبي وَلّ نبي الأنبياء، ولهذا ظهر في
الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه، وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم.
ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله
وسلامه عليهم وجب عليهم وعلى أمهم الإيمان به ونصرته. وبذلك أخذ
الله الميثاق عليهم)). انتهى(٣) وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في
المقصد السادس.
(١) سورة آل عمران. الآية ٨١.
(٢) من حديث رواه الشيخان وغيرهما، وليس دليلاً على ما ذهب إليه السبكي.
(٣) من رسالته ((التعظيم والمنة في لتؤمنن به ولتنصرنه)).
- ٦٧ -

مَّىللّه
[ طينته
وذكر العارف الرباني عبدالله بن أبي جمرة(١) في كتابه ((بهجة
النفوس))(٢)، ومن قبله ابن سبع في ((شفاء الصدور)) (٣) عن كعب
الأحبار (٤)، قال: لما أراد الله تعالى أن يخلق محمداً، أمر جبريل أن يأتيه
بالطينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها، قال: فهبط جبريل في
١/٧ ملائكة الفردوس وملائكة الرقيع (٥) الأعلى، فقبض قبضة / رسول الله وعلى
من موضع قبره الشريف، وهي بيضاء منيرة، فعجنت بماء التسنيم في معين
أنهار الجنة، حتى صارت كالدرة البيضاء، لها شعاع عظيم، ثم طافت بها
الملائكة حول العرش والكرسي، وفي السماوات والأرض والجبال والبحار،
فعرفت الملائكة وجميع الخلق سيدنا محمداً وفضله قبل أن تعرف آدم عليهما
السلام (٦).
(١) عبدالله بن أبي جمرة، المقرىء المالكي، العالم البارع الناسك، قال ابن
كثير: كان قوالاً بالحق أماراً بالمعروف، مات بمصر سنة خمس وتسعين
وستمائة .
(٢) كتاب ((بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها)) وهو اسم شرحه على
ما انتخبه من البخاري.
(٣) ورواه أبو سعد في ((شرف المصطفى)) وابن الجوزي في ((الوفاء)).
(٤) كعب بن ماتع، أبو اسحاق الحميري، التابعي المخضرم، أدرك المصطفى
وما رآه، المتفق على علمه وتوثيقه، سمع عمر وجماعة، وعنه: العبادلة
الأربعة، وأبو هريرة وأنس ومعاوية. وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر،
وكان يهودياً يسكن اليمن، وأسلم زمن الصديق، وقيل: عمر، وسكن
الشام، وتوفي سنة اثنين وثلاثين في خلافة عثمان وقد جاوز المائة، روى له
الستة إلا البخاري، فإنما له فيه حكاية لمعاوية عنه.
(٥) بالراء والقاف، السماء السابعة .
(٦) ضعيف جداً.
- ٦٨ -

وقيل: لما خاطب الله تعالى السماء والأرض بقوله: ﴿ائتيا
طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين﴾(١). أجاب موضع الكعبة الشريفة،
ومن السماء ما يحاذيها. وقد قال ابن عباس: أصل طينة رسول الله وَالم
من سرة الأرض بمكة. فقال بعض العلماء(٢): هذا يشعر بأن ما أجاب
من الأرض إلا درة المصطفى محمد 3 38، ومن موضع الكعبة دحيت
الأرض فصار رسول الله ( قل هو الأصل في التكوين، والكائنات تبع
له. وقيل: لذلك سمي أمياً لأن مكة أم القرى، ودرته أم الخليقة.
فإن قلت: تربة الشخص مدفنه، فكان مقتضى هذا أن يكون
مدفنه عليه الصلاة والسلام بمكة، حيث كانت تربته منها .
فقد أجاب عنه صاحب عوارف المعارف(٣) - أفاض الله علينا من
عوارفه، وتعطف علينا بعواطفه - بأنه قيل: إن الماء لما تموج رمى الزبد
إلى النواحي، فوقعت جوهرة النبي وَ لَه إلى ما يحاذي تربته بالمدينة،
فكان ◌َال # مكياً مدنياً، حنينه إلى مكة وتربته بالمدينة انتهى (٤).
وفي ((المولد الشريف))(٥) لابن طغر بك(٦): ويروى أنه لما
خلق الله تعالى آدم، ألهمه أن قال: يا رب، لم كنيتني أبا محمد، قال الله
(١) سورة فصلت: الآية ١١.
(٢) هو السهروردي، وكلامه هذا باطل معارض للآية الكريمة قبله [المحقق].
(٣) هو العلامة عمر شهاب الدين بن محمد بن عمر السهروردي، نسبة إلى
سهرورد، بلد عند زنجان - كما في التبصير وغيره -، الفقيه الشافعي،
الزاهد الإمام الورع سمع الحديث من جماعة، وقرأ الفقه والخلاف، ثم
انقطع ولازم الخلوة والصوم والذكر، ثم تكلم على الناس عند علو سنه،
ثم كف وأقعد، ومع ذلك ما أخل بذكر ولا حضور جمع، ولد سنة تسع
وثلاثين وخمسمائة، وتوفي ببغداد سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
(٤) هذا الكلام قائم على الخيال ولا صلة له بالواقع. [المحقق].
(٥) المسمى ((الدر النظيم في مولد النبي الكريم)).
(٦) ابن طغر بك لقب للإمام العلامة المحدث سيف الدين أبي جعفر، عمر بن =
- ٦٩ -

تعالى: يا آدم ارفع رأسك، فرفع رأسه فرأى نور محمد #* في سرادق
العرش، فقال: يا رب، ما هذا النور؟ قال: هذا نور نبي من ذريتك
اسمه في السماء أحمد، وفي الأرض محمد، لولاه ما خلقتك ولا خلقت
سماء ولا أرضاً.
ويشهد لهذا، ما رواه الحاكم في صحيحه(١) أن آدم عليه السلام
رأى اسم محمد رَله مكتوباً على العرش، وأن الله تعالى قال لآدم لولا محمد
ما خلقتك.
ولله در القائل (٢):
وأثواب شمل الأنس محكمة السدى
وکان لدى الفردوس في زمن الرضى(٣)
يزيد على الأنوار في الضوء والهدى
يشاهد في عدن ضياء مشعشعا
جنود السما تعشو إليه ترددا
فقال إلهي ما الضياء الذي أرى
وأفضل من في الخير راح أو اغتدى
فقال نبي خير من وطىء الثرى
وألبسته قبل النبيين سؤددا
تخيرته من قبل خلقك سيدا
فإن قلت: إن مذهب الأشاعرة (٤): أن أفعال الله تعالى ليست
معللة بالأغراض، فكيف تكون خلقة محمد علة في خلق آدم صلى الله
علیهما وسلم؟
= أيوب بن عمر الحميري التركماني، الدمشقي الحنفي. لم أر له في ابن
خلكان ترجمة، وإنما فيه ترجمة آخر من الأمراء.
(١) رواه عن عمر، رفعه.
(٢) هو: صالح بن حسين الشاعر، والقصيدة ذكرها بتمامها صاحب ((مصباح
الظلام)) وغيره.
(٣) في (ط، د.ش): الصبا.
(٤) يعني أهل السنة القائلين بما عليه إمامهم أبو الحسن الأشعري.
- ٧٠ -

أجيب: بأن الظاهر من الأدلة تعليل بعض الأفعال بالحكم
والمصالح التي هي غايات ومنافع لأفعاله تعالى، لابواعث على إقدامه،
ولا علل مقتضية لفاعليته، لأن ذلك محال في حقه تعالى، لما فيه من
استكماله بغيره. والنصوص شاهدة بذلك، كقوله تعالى: ﴿وما خلقت
الجن والإنس إلا ليعبدون﴾(١) أي: قرنت الخلق بالعبادة، أي:
خلقتهم وفرضت عليهم العبادة، فالتعليل لفظي لاحقيقي، لأن الله
تعالى مستغن عن المنافع، فلا يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى
غيره، لأن / الله قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة ٧/ب
العمل.
[أول المخلوقات]
وروى عبد الرزاق(٢) بسنده عن جابر بن عبدالله الأنصاري(٣)
قال: قلت يارسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه
الله تعالى قبل الأشياء. قال: ياجابر، إن الله تعالى قد (٤) خلق قبل
الأشياء نور نبيك من نوره(٥)، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث
(١) سورة الذاريات. الآية ٥٦.
(٢) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم، الحافظ أبو بكر
الصنعاني، أحد الأعلام، روى عن معمر وابن جريج ومالك والسفيانين
والأوزاعي وخلق. وعنه: أحمد واسحاق وغيرهما. مات سنة إحدى عشرة
ومائتین ببغداد عن خمس وثمانين سنة.
(٣) جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي،
الصحابي ابن الصحابي، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد
السبعين، وهو ابن إحدى وتسعين سنة .
(٤) [قد] في ا، ش.
(٥) قوله: ((من نوره)) الإضافة إضافة تشريف، وإشعار بأنه خلق عجيب، وأن =
- ٧١ -

شاء الله تعالى، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم، ولا جنة ولا
نار، ولا ملك ولا سماء، ولا أرض ولا شمس ولا قمر، ولا جني ولا
انسي (١)، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة
أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث
العرش. ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول
حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم
قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السماوات، ومن
الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة
أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم -
وهي المعرفة بالله - ومن الثالث نور أنسهم، وهو التوحيد، لا إله إلا
الله محمد رسول الله .. الحديث (٢).
وقد اختلف: هل القلم أول المخلوقات بعد النور المحمدي؟
فقال الحافظ أبو يعلى الهمداني(٣): الأصح أن العرش قبل
= له شأناً، على حد قوله تعالى: ﴿ونفخ فيه من روحه﴾ وهي بيانية.
(١) في ط: ولا جن ولا إنس.
(٢) قال الشيخ عبد العزيز الخالدي في تعليقه على هذا الحديث في طبعته
لشرح الزرقاني: حديث جابر هذا المنسوب إلى عبد الرزاق خطأ، فهو
غير موجود في مصنفه ولا جامعه، ولا تفسيره، وقد حكم الشيخ
عبد الله بن الصديق في رسالة ((مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر))
على هذا الحديث بالوضع. [المحقق].
(٣) العلامة أبو يعلى الهمداني شيخ الإسلام، الحسن بن أحمد، المتقن المتفين
في عدة علوم، البارع على حفاظ عصره، الذي لا يغشى السلاطين، ولا
يقبل منهم شيئاً ولا مدرسة ولا رباطاً، ولا تأخذه في الله لومة لائم،
توفي سنة تسع وستين وخمسمائة.
- ٧٢ -

القلم، لما ثبت في الصحيح (١) عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول
الله الله: (قدر (٢) الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض
بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء)(٣)، فهذا صريح أن التقدير
وقع بعد خلق العرش. والتقدير(٤) وقع عند أول خلق القلم لحديث
عبادة بن الصامت(٥)، مرفوعاً: (أول ما خلق الله القلم قال له
اكتب، قال: رب، وما أكتب، قال: اكتب مقادير كل شيء) رواه
أحمد، والترمذي وصححه(٦).
ورويا أيضاً من حديث أبي رزين العقيلي (٧) مرفوعاً: (إن الماء
خلق قبل العرش)(٨).
(١) صحيح مسلم، وهو عنده بلفظ ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق
السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: وعرشه على الماء)) رقم
الحديث ٢٦٥٣ [م].
(٢) في ش: إن الله قدر.
(٣) تبين من التعليق السابق أن هذا ليس لفظ الصحيح، وإنما ورد بلفظ قريب
منه عند أحمد، هو: ((قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض
بخمسين ألف سنة)). المسند ١٦٩/٢. [م]
(٤) لفظ (التقدير) ليس في ط .
(٥) عبادة بن الصامت الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد، المدني النقيب،
البدري وجهه عمر إلى الشام قاضياً ومعلماً، فأقام بحمص ثم انتقل إلى
فلسطين، وبها مات - وقيل بالرملة - سنة أربع وثلاثين. ودفن ببيت
المقدس، وقبره به معروف.
(٦) هو في المسند بلفظ قريب ٣١٧/٥ وعند الترمذي برقم ٢٢٤٤ ورقم ٣٣٧٥
وهو كذلك عند داود برقم ٤٧٠٠ .
(٧) لقيط بن عامر العُقَيلي، صحابي مشهور، غير لقيط بن صبرة - عند الأكثر -
كما في التقريب.
(٨) في المسند ( .. ثم خلق عرشه على الماء) ١١/٤ و ١٢ وعند الترمذي برقم
٥١٠٩ في تفسير سورة هود. [م]
- ٧٣ -

وروى السدي(١) بأسانيد متعددة: أن الله تعالى لم يخلق شيئاً مما
خلق قبل الماء. فيجمع بينه وبين ما قبله، بأن أولية القلم بالنسبة إلى
ما عدا النور النبوي المحمدي والماء والعرش، انتهى. وقيل: الأولية
في كل بالإضافة إلى جنسه، أي أول ما خلق الله من الأنوار نوري،
وكذا في باقيها.
وفي أحكام ابن القطان(٢)، مما ذكره ابن مرزوق(٣)، عن علي
ابن الحسين (٤) عن أبيه(٥) عن جده أن النبي ◌َ لّ قال: كنت نوراً بين
(١) اسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، المفسر المشهور، عن أنس وابن
عباس، وعنه: شعبة والثوري وزائدة. ضعفه ابن معين، ووثقه أحمد،
واحتج به مسلم. وفي التقريب: أنه صدوق، يهم ويتشيع، مات سنة سبع
وعشرين ومئة، روى له الجماعة إلا البخاري.
(٢) ابن القطان الحافظ الناقد، أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك كان من
أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله وأشدهم عناية في
الرواية، معروفاً بالحفظ والإتقان، صنف: الوهم والإيهام على الأحكام
الكبرى لعبد الحق ومات سنة ثمان عشرة وستمائة.
(٣) العلامة محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق
التلمساني، عرف بالخطيب، ولد عام عشرة وسبعمائة، ومهر وبرع، وشرح
العمدة، والشفاء، والبردة، والأحكام الصغرى لعبد الحق، ومختصر ابن
الحاجب الفرعي، ومات سنة إحدى وثمانين وسبعمائة بمصر.
(٤) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الملقب ((زين العابدين)) التابعي
الوسط، قال الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل منه ولا أفقه. وقال ابن
المسيب: ما رأيت أورع منه، وقال ابن سعد: كان ثقة مأموناً كثير
الحديث، عالماً عابداً، ولم يكن في أهل البيت مثله، وكان إذا توضأ يصفر
لونه، فإذا قام يصلي أرعد من الخوف، فقيل له في ذلك، فقال: أتدرون
بين يدي من أقوم؟ ولمن أناجي؟. ولد سنة ثلاث وثلاثين وتوفي أول سنة
أربع وتسعين. ودفن بالبقيع.
(٥) الحسين بن علي السبط، أشبه الناس بجده - كما قال أنس عند البخاري -، =
- ٧٤ -

يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام.
وفي الخبر: لما خلق الله آدم جعل ذلك النور في ظهره فكان
يلمع في جبينه، فيغلب على سائر نوره، ثم رفعه الله على سرير مملكته
وحمله على أكتاف ملائكته وأمرهم فطافوا به في السماوات ليرى عجائب
ملكوته .
[خلق آدم والسجود له]
قال جعفر بن محمد: مكثت الروح في رأس آدم مئة عام، وفي
صدره مئة عام وفي ساقيه وقدميه مئة عام(١)، ثم علمه الله تعالى أسماء
جميع المخلوقات، ثم أمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس،
فطرده الله تعالى وخزاه.
وكان السجود لآدم سجود تعظيم وتحية، لاسجود عبادة،
كسجود أخوة يوسف له، فالمسجود له في الحقيقة / هو الله تعالى، ١/٨
وآدم كالقبلة .
وروي عن جعفر الصادق(٢) أنه قال: كان أول من سجد لآدم
= المقتول ظلماً، يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء، ودفن جسده حيث
قتل، وأما الرأس فقد حمل إلى المدينة ودفن بها، على ما ذكره الزبير بن
بكار. قال ابن دحية: لم يصح سواه. وأما الزعم بأنه في المشهد الحسيني
بالقاهرة فقد نفاه ابن تيمية وقال: اتفق العلماء كلهم على أن المشهد الذي
بقاهرة مصر، المسمى: مشهد الحسين، باطل، وإنما حدث بمصر في دولة
بني عبيد القداح ملوك مصر في أثناء المائة الخامسة.
(١) هذا القول يحتاج إلى دليل. [المحقق].
(٢) جعفر بن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، لقب
بالصادق لصدقه في مقاله، كان من سادات أهل البيت، ولد سنة ثمانين
وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة.
- ٧٥ -

جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل(١) ثم الملائكة المقربون.
وعن أبي الحسن النقاش: أول من سجد إسرافيل(٢)، قال:
ولذا جوزي بتولية اللوح المحفوظ.
وعن ابن عباس: كان السجود يوم الجمعة من وقت الزوال إلى
العصر.
[خلق حواء]
ثم خلق الله تعالى له حواء زوجته من ضلع من أضلاعه اليسرى،
وهو نائم، وسميت حواء لأنها خلقت من حي، فلما استيقظ ورآها سكن
إليها(٣)، ومدَّ يده إليها، فقالت الملائكة: مه يا آدم، قال: ولم
وقد خلقها الله لي؟ فقالوا: حتى تؤدي مهرها، قال: وما مهرها؟
قالوا: تصلي على محمد نَّالقر ثلاث مرات.
وذكر ابن الجوزي (٤) في كتابه ((سلوة الأحزان)): أنه لما رام القرب
منها طلبت منه المهر، فقال: يارب، وماذا أعطيها، فقال: يا آدم صل على
حبيبي محمد بن عبدالله عشرين مرة، ففعل.
(١) هذا الاسم لم يثبت به نص صحيح، بل يقال: ملك الموت. [المحقق].
(٢) رواه ابن أبي حاتم عن ضمرة، والسلفي عن عمر بن عبد العزيز.
(٣) في ط: لها.
(٤) العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، الحافظ البغدادي، الحنبلي،
الواعظ، صاحب التصانيف السائدة في الفنون، قال في تاريخ الحفاظ: ما
علمت أحداً صنف ما صنف، وحصل له من الحظوة في الوعظ ما لم
يحصل لأحد قط، وحضره ملوك ووزراء وخلفاء، وقال على المنبر: كتبت
بأصبعي ألف مجلد .. مات سنة سبع وتسعين وخمسمائة .
- ٧٦ -

[الأكل من الشجرة]
ثم إن الله تعالى أباح لهما نعيم الجنة، ونهاهما عن شجرة الحنطة،
وقيل: شجرة العنب، وقيل: شجرة التين، فحسدهما إبليس، فهو أول
من حسد وتكبر، فأتى إلى باب الجنة فاحتال حتى دخل الجنة، وأتى إلى آدم
وحواء، فوقف وناح نياحة أحزنتهما، فهو أول من ناح، فقالا: ما يبكيك؟
قال: عليكما، تموتان وتفقدان النعيم، ألا أدلكما على شجرة الخلد، فكلا
منها، وحلف لهما أنه ناصح، فهو أول من حلف كاذباً، وأول من غش.
فأكلت حواء منها، ثم زينت لآدم حتى أكل، وظنا أن أحداً
لا يتجاسر أن يحلف بالله كاذباً، فقال الله تعالى: ياآدم، ألم يكن فيما
أبحتك من الجنة مندوحة(١) عن الشجرة؟! قال: بلى يارب وعزتك،
ولكن ظننت أن أحداً لا يحلف بك كاذباً، قال الله: وعزتي وجلالي،
لأهبطنك إلى الأرض، لاتنال العيش إلا كدا، فأهبط من الجنة.
وعن ابن عباس: قال الله تعالى: يا آدم، ما حملك على ما صنعت؟
قال: زينته لي حواء، قال: فإني أعقبها(٢) أن لاتحمل إلا كرها، ولا تضع
إلا كرها، ولأدمينها في الشهر مرتين.
وقال وهب بن منبه(٣): لما أهبط آدم إلى الأرض مكث يبكي
ثلاثمائة سنة لا يرقأ له دمع.
وقال المسعودي(٤) : لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع
(١) مندوحة: سعة وفسحة.
(٢) أعقبها - بضم الهمزة وسكون العين وكسر القاف - أجازيها.
(٣) الحافظ وهب بن منبه بن كامل، أبو عبدالله الصنعاني، العلامة الإخباري
الصدوق، ذو التصانيف، روى عن ابن عباس وابن عمر، وعنه: آله،
وسماك بن الفضل. مات سنة أربع عشرة ومائة .
(٤) عبد الرحمن بن عبدالله بن عتبة بن مسعود الكوفي، الحافظ، قال ابن نمير : =
- ٧٧ -

آدم أكثر حين أخرجه الله من الجنة.
وقال مجاهد (١): بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه إلى السماء، وأنبت
الله من دموعه العود الرطب والزنجبيل والصندل وأنواع الطيب، وبكت
حواء حتى أنبت الله من دموعها القرنفل والأفاوى(٢).
[موعظة]
يابني آدم، انظروا كيف بكى أبوكم على فعلة واحدة ثلاثمائة سنة،
فكيف بكم يا أرباب (٣) الكبائر العظيمة؟ فاعتبروا ياأولي الأبصار، كان
كلما رأى الملائكة تصعد وتهبط ازداد شوقاً إلى الأوطان، وتذكر العهد
والجيران، ياأصحاب الذنوب احذروا زلة يقول فيها الحبيب: هذا فراق
بيني وبينك، فياذا العقل السليم، انظر كيف جلس أبوك آدم على سرير
المملكة، فمد يده إلى لقمة نهي عنها فأخرج من الجنة، فاحذروا يابنيه
عواقب المعاصي فإنها من نزلت به نزلت به (٤) وحطته عن مرتبته.
[خطيئة آدم كبيرة أم صغيرة ؟]
فإن قلت: هذه الفعلة التي أهبط بها آدم من الجنة، إن كانت كبيرة
= ثقة اختلط آخراً، وقال ابن مسعر: ما أعلم أحداً أعلم بعلم ابن مسعود
منه، مات سنة ستين أو خمس وستين ومائة.
(١) مجاهد بن جبير المخزومي، مولاهم، المكي، الثقة الحافظ، الإمام في
التفسير وفي العلم، أحد الأعلام المجمع على إمامته - وذكر ابن حبان له في
الضعفاء، مردود - مات بمكة، وهو ساجد، سنة ثلاث ومائة، خرج له في
الستة .
(٢) أي الطيب.
(٣) في ش: يا أصحاب.
(٤) أي: خفضته.
- ٧٨ -

فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء، وإن كانت صغيرة فلم جرى عليه ما جرى
٨/ب
بسببها، من نزع اللباس والإخراج من الجنة / وغير ذلك؟
أجاب الزمخشري (١): بأنها ما كانت إلا صغيرة، مغمورة بأعمال قلبه
من الإخلاص والأفكار (٢) الصالحة التي هي أجل الطاعات، وأعظم
الأعمال، وإنما جرى عليه ما جرى تعظيماً للخطيئة، وتفظيعاً لشأنها
وتهويلا، ليكون ذلك لطفاً له ولذريته في اجتناب الخطايا، واتقاء المآثم .
[من حكمة نزول آدم]
ياهذا، انظر كم الله من لطف وحكمة في إهباط آدم من الجنة إلى
الأرض، لولا نزوله لما ظهر جهاد المجاهدين، واجتهاد العابدين
المجتهدين(٣)، ولا صعدت زفرات أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات
دموع المذنبين، يا آدم إن كنت أهبطت من دار القرب فإني قريب، أجيب
دعوة الداع، إن كان حصل لك بالإخراج من الجنة كسر فأنا عند المنكسرة
قلوبهم من أجلي، وإن كان فاتك في السماء زجل المسبحين فقد تعوضت في
الأرض أنين المذنبين، أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيحهم، زجل
المسبحين ربما يشوبه الافتخار، وأنين المذنبين يزينه الانكسار، ((لو لم تذنبوا
لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم)) (٤).
(١) العلامة جار الله، أبو القاسم محمود الزمخشري، المعتزلي، قال ابن خلكان
وغيره: كان يتظاهر به، وإذا استأذن على صاحب له بالدخول يقول: أبو
القاسم المعتزلي بالباب، وأول ما صنف: الكشاف، توفي سنة ثلاث
وثلاثین وخمسمائة .
(٢) في ش: الأذكار.
(٣) في (ش، ب) جهاد المجتهدين واجتهاد العابدين.
(٤) رواه مسلم برقم ٢٧٤٩، وفي مسند الإمام أحمد ٣٠٩/٢.
- ٧٩ -

سبحان من إذا لطف بعبده في المحن قلبها منحا، وإذا خذل عبداً لم
ينفعه كثرة اجتهاده وكان عليه وبالا، لقن الله آدم حجته، وألقى عليه ما
تقبل به توبته، وطرد إبليس اللعين بعد طول خدمته، فصار عمله هباء
منثوراً، قال: اخرج منها ﴿فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم
الدين﴾(١)، إذا وضع عدله على عبد لم يبق له حسنة، وإذا بسط فضله
على عبد لم يبق له سيئة.
انظر لما ظهرت فضائل آدم عليه الصلاة والسلام على الخلائق
بالعلم، وكان العلم لا يكمل إلا بالعمل بمقتضاه، والجنة ليست دار عمل
ومجاهدة، إنما هي دار نعيم ومشاهدة، قيل له: يا آدم اهبط إلى أرض
الجهاد، وصابر جنود الهوى بالجد والاجتهاد، وكأنك بالعيش الماضي وقد
عاد على أكمل من ذلك المعتاد.
ولما أظهر إبليس - عليه اللعنة - الحسد، سعى في الأذى، حتى كان
سبباً في إخراج السيد آدم من الجنة، وما فهم الأبله أن آدم إذا خرج من
الجنة كملت فضائله، ثم عاد إلى الجنة على أكمل من الحال الأول.
قالوا(٢): وفيه إشارة، كأنه تعالى يقول: لو غفرت في الجنة لما تبين
كرمي، بأني (٣) أغفر لنفس واحدة، بل أخرجه (٤) إلى الدنيا، وآتي بألوف
من العصاة حتى أغفر له ولهم ليتبين جودي وكرمي. وأيضاً: علم الله
تعالى أن في صلبه الأولاد، والجنة ليست دار توالد، وأيضاً: ليخرج من
ظهره في الدنيا من لا نصيب له في الجنة.
(١) سورة الحجر. الآية ٣٤.
(٢) أي الصوفية .
(٣) في (ب، ط) بأن، والباء هنا سببية.
(٤) في ش: أؤخره.
- ٨٠ -