Indexed OCR Text

Pages 441-460

٠
٤٤١
كان عليه ذنوب مثلَ عَنان السماء - يعني السحاب - ثم استغفر ربه يغفر
له، وإن لم يكن له ولد يرزقه الله ولداً، فإن دعاه أجابه، وإن لم يدعُه
يغضب عليه، وكان يقول: لا تعلموها سفهاءكم فيستعينوا بها على
فسقهم) .
وعن وُهيب بن الورد قال: بلغنا أنه من الدعاء الذي لا يردُّ أن يصليَ
العبد اثنتي عشرة ركعةً يقرأ في كل ركعة بأم القرآن وآية الكرسي و ﴿قل
هو الله أحد﴾ فإذا فرغ خرَّ ساجداً، ثم قال: سبحانَ الذي لَبِسَ العِزَّ وقال
به، سبحان الذي تعطّف بالمجد وتكرَّم به، سبحانَ الذي أحصى كل
شيء بعلمه، سبحان الذي لا ينبغي التسبيحُ إلا لهِ، سبحان ذي المنِّ
والفضل، سبحان ذي العزِّ والتكرم، سبحان ذي الطَّول. أسألك بمعاقد
العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك العظيم الأعظم،
وجدِّك الأعلى، وكلماتك التامات كلَّها التي لا يجاوزهنَّ بِّ ولا فاجر،
أن تصلي على محمد رَّه، ثم يسألَ الله ما ليس بمعصية.
وكان وهيب يقول: بلغنا أنه كان يقال: لا تعلموها سفهاءكم فيتقوَّوْن
بها على معاصي الله عز وجل. رواه الطَّبَسي في ((الصلاة)) له من
وجهين، والنميري في ((الإعلام))، وابن بشكوال، وقد تقدم نحوه عن
ابن مسعود مرفوعاً في أول هذه الترجمة (١).
وعند الطََّسي عن مقاتل بن حيَّان - وحالُه معروفٍ(٢) - في قصة
طويلة: من أراد أن يفرِّج الله كُربته ويكشف غُمَّته، ويبلِّغه أمله وأمنيته،
ويقضيَ حاجته ودَينه، ويشرح صدره ويُقِرّ عينه، فليصلِّ أربع ركعات
(١) صفحة ٤٣٠.
(٢) مقاتل بن حيان البلخي الخزّاز، مات قبيل سنة ١٥٠ بالهند، وهو صدوق فاضل.
أما مقاتل بن سليمان - وهو بلخي أيضاً -: فهو الذي كذبوه وهجروه ورَمَوه
بالتجسيم. انظر ترجمتهما في ((تقريب التهذيب)) (٦٨٦٧، ٦٨٦٨) وأصوله. وعبارة
المصنف تُشعر أنه حصل له سبق ذهن من ابن حيان إلى: ابن سليمان.

٤٤٢
متى شاء، وإنْ صلاها في جوف الليل أو ضحوة النهار كان أفضل، يقرأ
في كل ركعة الفاتحة ومعها في الأولى ﴿يَس﴾، وفي الثانية ﴿الَم تنزيل﴾
السجدة، وفي الثالثة الدخان، وفي الرابعة ﴿تبارك﴾، فإذا فرغ من صلاته
وسلَّم، فليستقبل القبلة بوجهه، ويأخذ في قراءة هذا الدعاء فيقرأَه مئة
مرة لا يتكلم بينها، فإذا فرغ سجد سجدة، فيصلي على النبي وَي وعلى
أهل بيته مراتٍ، ثم يسأل الله عز وجل حاجته، فإنه يرى الإجابة عن
قريب إن شاء الله تعالى، ثم ساق الدعاء.
وقد تقدم في الصلاة عليه ليلة الاثنين ما يأتي هنا(١).
ومن تشفَّع بجاهه بَّهِ، وتوسَّل بالصلاة عليه بُلِّغَ مراده، وأُنجح
قصده، وقد أفردوا ذلك بالتصنيف، ومن ذلك حديث عثمان بن حُنيف
الماضي(٢) وغيره.
وهذه من المعجزات الباقية على ممرّ الدهور والأعوام، وتعاقب
العصور والأيام. ولو قيل: إن إجابات المتوسّلین بجاهه عقب توسلهم،
يتضمن معجزاتٍ كثيرة بعدد التوسلات: لكان أحسن، فلا يَطْمَعُ حينئذ
في عَدِّ معجزاته حاصرٌ، فإنه - ولو بلغ ما بلغ منها - حاسرٌ قاصر، وقد
انتدبَ لها بعض العلماء الأعلام، فبلغ ألفاً، وايمُ الله إنه لو أمعن(٣)
النظر لزاد منها آلافاً تُلْفَى، وَلّ تسليماً كثيراً. وحسبُك قصةُ المهاجرة
التي مات ولدها، ثم أحياه الله عز وجل لها لمَّا توسلت بجنابه الكريم (٤).
(١) صفحة ٣٨٥.
(٢) صفحة ٤٣٣.
(٣) فى أ، وحاشية ب: لو أنعم. وانظر كلام العراقي في ((النكت على ابن الصلاح))
له أول تعریف ابن الصلاح للحدیث الحسن ص ٣٢.
(٤) القصة رواها ابن أبي الدنيا في ((كتاب مجابي الدعاء)) ص٥٦-٥٧، وابن عدي في
((الكامل)) ١٣٧٩:٤ في ترجمة صالح المري، ومن طريقهما أخرجها البيهقي في
((الدلائل)) ٦: ٥٠-٥١، وفي إسنادهما صالح المُرِّي، عن ثابت البناني، قال
البيهقي: ((صالح تفرّد بأحاديث مناكير عن ثابت وغيره)) وفيه كلمات جارحة =

٤٤٣
ويدخل هنا: حديث أُبيِّ بن كعب(١) وغيره من الأحاديث الماضية في
الباب الثاني حيث قال فيها: ((إذاً تُكْفَى همَّك ويُغفرَ ذنبُك)) ولله الحمد.
٥٩- وأما الصلاة عليه في الأحوال كلِّها: فقد روى ابن أبي شيبة في
(المصنَّف)) له عن أبي وائل قال: ما شهد عبد الله(٢) مَجْمَعاً ولا مأدبةً
فيقومَ حتى يحمدَ الله ويصليَ على النبي ◌َّ، وإن كان مما يَتَبعُ أغفلَ
مكانٍ في السوق فيجلسُ فيه فيحمدُ الله ويصلي على النبي ◌ََّ(٣).
وقد تقدم في هذا الباب أيضاً عند ترجمة الصلاة عليه عند الخروج
إلى السوق (٤).
شديدة. ثم رواها البيهقي من طريق عبدالله بن عون، عن أنس بن مالك، وأعلَّها
=
بالانقطاع بينهما فقط .
ومحل الشاهد منها: قال أنس: كنا في الصفّة عند رسول الله وَ ل فأتته امرأة
مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ، فأضاف المرأة إلى النساء، وأضاف ابنها إلينا، فلم
يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياماً ثم قُبض، فغمَّضه النبي بَّ وأمر
بجهازه، فلما أردنا أن نغسِّله قال: ((يا أنس ائت أمه فأَعْلمها)»، قال: فأعلمتها،
فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذتْ بهما ثم قالت: اللهم إني أسلمت لك
طوعاً، وخلعت الأوثان زهداً، وهاجرت إليك رغبةً، اللهم لا تُشمت بي عبدة
الأوثان، ولا تحمّلني من هذه المصيبة مالا طاقة لي بحملها. قال: فوالله ما تقضَّى
كلامها حتى حرَّك قدميه وألقى الثوب عن وجهه، وعاش حتى قبض رسول الله وليله
وهلكت أمه .
وعبارة المصنف رحمه الله مشعرة بثبوت القصة عنده.
ولفظ أمِّ الشاب في الرواية الأخرى: ((اللهم إن كنتَ تعلم أني هاجرت إليك وإلى
نبيك .. ))، قال الزرقاني في ((شرح المواهب)) ١٨٣:٥: ((ووجه ذكر هذا الحديث
في المعجزات أنه أُحيي بالدعاء باسمه بَّله وحضوره، فلا يقال: هذه كرامة لأم
الشاب)). وهذا المعنى هو الذي أراده المصنف.
(٢) هو ابن مسعود رضي الله عنه.
(١)
صفحة ٢٥٦.
يريد: أنه كان يتقصد أماكن الغفلة فيجلس فيها ويذكر الله تعالى.
(٣)
(٤) صفحة ٤١٢ .

٤٤٤
وحكى الشيخ أبو حفص عمر بن الحسن (١) السمر قندي - فيما رَوَى
عن بعض أستاذِيه، عن أبيه - قال: سمعت رجلاً في الحرم وهو كثير
الصلاة على النبي ◌َّهِ حيثُ كان: من الحرم والبيت وعرفة ومِنى، فقلت
له: أيها الرجل إن لكل مقام مقالاً، فما بالك لا تشتغلُ بالدعاء ولا
بالتطوع بالصلاة سوى أنك تصلي على النبي وَلات؟.
فقال: إني خرجت من خُراسان حاجاً إلى هذا البيت، وكان والدي
معي، فلما بلغنا الكوفة اعتلَّ والدي وقويتْ به العلة فمات، فلما مات
غطّيت وجهه بإزار ثم غِبْت وجئت إليه، فكشفت وجهه لأراه فإذا
صورته كصورة الحمار، فحين رأيت ذلك عظُم عندي وتشوَّشت بسببه
وحزنت حزناً شديداً، وقلت في نفسي: كيف أُظهر للناس هذا الحال
الذي صار والدي فيه، وقعدت عنده مهموماً؟ فأخذَتْني سِنَةٌ من النوم
فنمت ! .
فبينا أنا نائم، إذْ رأيت في منامي كأن رجلاً دخل علينا وجاء إلى
عند(٢) والدي وكشف عن وجهه فنظر إليه ثم غطّاه، ثم قال لي: ماهذا
الغمُّ العظيم الذي أنت فيه؟ فقلت: وكيف لا أغتمُّ وقد صار والدي بهذه
المحنة! فقال: أبشِر إن الله عز وجل قد أزال عن والدك هذه المحنة،
قال: ثم كشفتُ الغطاء عن وجهه فإذا هو كالقمر الطالع، فقلت للرجل :
بالله من أنت، فقد كان قدومك مباركاً؟ فقال: أنا المصطفى، فلما قال
ذلك فرحت فرحاً عظيماً، وأخذت بطرف ردائه فلفَفْته على يدي وقلت:
بحقّ الله يا سيدي يا رسول الله إلا أخبرتني بالقصة ! .
فقال: إن والدك آكلُ الربا، وإن من حكم الله عز وجل أن من أكل
(١) انظر ص ٢٧٠.
(٢) نَّه علماء العربية إلى أن دخول ((إلى)) على ((عند))، لحن وخطأ. انظر ((المغني))
لابن هشام ١ : ١٥٦، وشرح ابن عقيل على الألفية آخر باب المفعول فيه. فيقال:
جاء إلى والدي، أو جاء إليه، إن سبق له ذکر مثلاً.

٤٤٥
الربا يحوِّل الله صورته عند الموت كصورة حمار، إما في الدنيا وإما في
الآخرة، ولكنْ كان من عادة والدك أن يصلِّ عليَّ في كل ليلة قبل أن
يضطجع على فراشه مئة مرة، فلما عرضت له هذه المحنة من أكل الربا
جاءني الملَك الذي يعرض عليَّ أعمال أمتي، فأخبرني بحالةِ والدك،
فسألت الله فشفَّعني فيه(١).
قال: فاستيقظت فكشفت عن وجه والدي فإذا هو كالقمر ليلة بدره!
فحمدت الله وشكرته وجهَّزته ودفنته، وجلست عند قبره ساعة، فبينا أنا
بين النائم واليقظان إذْ أنا بهاتف يقول له: أتعرفُ هذه العناية التي حفَّت
والدك، ما كان سببها؟ قلت: لا، قال: كان سببُها الصلاةَ والسلام على
رسول الله ﴾، فآليت على نفسي أنني لا أترك الصلاة والسلام على
رسول الله وَّ على أيِّ حال كنتُ، وفي أيِّ مكان كنت.
ونحوه عند ابن بشكُوال - ومن قبله ابن أبي الدنيا في ((المنامات))
له - عن عبد الواحد بن زيد قال: خرجت حاجاً فَصَحِبني رجل، فكان
لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا صلَّى على النبيِ وَّر، فقلت
له في ذلك؟ فقال: أُخبرك عن ذلك: خرجت منذ سُنَيَّات إلى مكة ومعي
أبي، فلما انصرفنا قِلْنا (٢) في بعض المنازل، فبينا أنا نائم إذْ أتاني آتٍ
فقال لي: قم فقد أمات الله أباك وسوَّد وجهه ! .
قال: فقمت مذعوراً فكشفت الثوب عن وجه أبي فإذا هو ميتٌ أسودُ
الوجه، فدخلني من ذلك رعب، فبينا أنا على ذلك من الغمّ إذ غلَبْني
عيناي فنمت، فإذا أنا على رأس أبي بأربعة سُودان معهم أعمدةٌ من
حديد عند رأسه، وعند رجليه، وعن يمينه، وعن شماله، إذْ أقبل رجل
يمشي حسنُ الوجه بين ثوبين أخضرين، فقال لهم: تنخَوا، فرفع الثوب
(١) ولئن صحتْ هذه المبشِّرة لهذا الرجل، فلا يلزم أن تكون لكل آكل ربا، فليتَّق الله
آكلو الربا الذين آذَنَهم الله تعالى ورسوله ◌َّه بالحرب !!.
(٢) مِن: قال يَقيل، إذا نام نومة القيلولة وسط النهار.

٤٤٦
عن وجهه يمسح وجهه بيديه، ثم أتاني فقال لي: قمْ فقد بيَّض الله وجه
أبيك! فقلت: من أنت بأبي أنت وأمي؟ قال: أنا محمد نَّهِ، فكشفت
الثوب عن وجه أبي فإذا هو أبيضُ الوجه، فأصلحتُ من شأنه ودفنته،
فما تركت الصلاة على النبي ثَل .
ومما يقرب من هذه الحكاية: ماحكاه سفيان الثوري قال: رأيت
رجلاً من أهل الحج يُكثِرِ الصلاة على النبي ◌َّ، فقلت له: هذا موضعُ
الثناء على الله عزَّ وجلَّ، فقال: ألا أخبرك! إنني كنت في بلدي ولي أخٌ
قد حضرته الوفاة فنظرته، فإذا وجهه قد اسودَّ، وتخيَّلت أن البيت قد
أظلم، فأحزنني مارأيت من حال أخي، فبينا أنا كذلك إذ دخل عليّ
رجلٌ البيتَ وجاء إلى أخي، ووجهُ الرجل كأنه السراج المضيء، فكشف
عن وجه أخي ومسحه بيده، فزال ذلك السواد وصار وجهه كالقمر! فلما
رأيت ذلك فرحتُ، وقلت له: من أنت جزاك الله خيراً عما صنعت؟
فقال: أنا ملكٌ موكَّلٌ بمن يصلِّ على النبي ◌ِِّ أَفْعلُ به هكذا، وقد كان
أخوك يكثر من الصلاة على النبي ◌َّليو، وكان قد حصلت له محنة فعوقب
بسواد الوجه، ثم أدركه الله عز وجل ببركة الصلاة على النبي ◌َّر، فأزال
عنه ذلك السواد و کساه هذا.
وروى أبو نعيم وابن بشكُوال عن سفيان الثوري أيضاً قال: بينما أنا
حاجٌ إذ دخل عليَّ شابٌ لا يرفع قدماً ولا يضعُ أخرى إلا وهو يقول: اللهم
صلِّ على محمد وعلى آل محمد، فقلت: أبعلم تقول هذا ؟ قال: نعم،
ثم قال: من أنت؟ قلت: سفيان الثوري، قال: العراقي؟ قلت: نعم.
قال: هل عرفتَ الله؟ قلت: نعم، قال: كيف عرفته؟ قلت: بأنه
يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويصوِّر الولد في الرحم،
قال: ياسفيان ماعرفتَ الله حقَّ معرفته، قلت: كيف تعرفه أنت ؟ قال:
بفسخ العزم والهمّ ونقض العزيمة، هممتُ ففسخ هَمَّتي، وعزمت
فنقض عزمي، فعرفت أن لي رباً یدبِّرني.

٤٤٧
قال: قلت: فما صلاتُك على النبي وَّ؟ قال: كنت حاجاً ومعي
والدتي، فسألَتني أن أُدخلها البيت، ففعلت، فوقعتْ وتورَّم بطنها
واسودّ وجهها، قال: فجلست عندها وأنا حزين، فرفعت يديّ نحو
السماء، فقلت: ياربّ هكذا تفعلُ بمن دخل بيتك! فإذا بغمامة قد
ارتفعتْ من قِبَل تِهامة، وإذا رجل عليه ثياب بيض، فدخل البيتَ وأمرَّ
يده على وجهها فابيضَّ، وأمرَّ يده على بطنها فابيضَّ، فسكن المرض،
ثم مضى ليخرج فتعلّقت بثوبه فقلت: من أنت الذي فرَّجتَ عني؟ قال:
أنا نبيّك محمد بَّ، قلت: يارسول الله فأوصني، قال: لا ترفعْ قدماً
ولا تضعْ أخرى إلا وأنت تصلي على محمد وعلى آل محمد وَله.
٦٠- وأما الصلاة عليه لمن الُّهم وهو بريء: فعن ابن عمر رضي الله
عنهما، أنهم جاؤوا برجل إلى النبي ◌َّ فشهدوا عليه أنه سرقَ ناقةً لهم،
فأمر به النبيُّ وَِّ أن يُقطع، فولَّى الرجل وهو يقول: اللهم صلِّ على
محمد حتى لا يبقى من صلاتك شيء، وسلّم على محمد حتى لا يبقى
من سلامك شيء، وبارك على محمد حتى لا يبقى من بركاتك شيء،
فتكلم الجملُ، فقال: يامحمد إنه بريء من سَرقتي، فقال النبي ◌َّ:
((من يأتيني بالرجل؟)) فابتدره سبعون من أهل بدر فجاؤوا به، فقال:
يا هذا ما قلتَ آنفاً وأنت مدبر، فأخبره بما قال. فقال النبي وَّ: ((لذلك
نظرتُ إلى الملائكة محدِقون(١) سِكك المدينة حتى كادوا يَحُولوا بيني
وبينك))، ثم قال: ((لَتَرِدَنَّ عليَّ الصراط ووجهُك أضواً من القمر ليلة
البدر)). أخرجه الديلمي، ولا يصح.
(١) على حاشية ب، هـ إشارة إلى نسخة فيها: يخترقون. وهي كذلك في رواية
الطبراني في «الدعاء)) (١٠٥٥).
وروى الحاكم ٦١٩:٢ -٦٢٠ نحو هذه القصة عن ابن عمر، وفي الإسناد يحيى
ابن عبدالله المصري، قال الحاكم: لا أعرفه بعدالة ولا جرح، فقال الذهبي: هو
الذي اختلقه.

٤٤٨
وكذا أخرجه الطبراني في ((الدعاء)) وفي سنده سعيد بن موسى الأزدي
اتّهم بوضع الحديث.
وعنده أيضاً في ((الدعاء)) و ((معجمه الكبير)) معاً من طريق هارون بن
يحيى الحاطِبي، عن زكريا بن إسماعيل بن يعقوب بن زيد بن ثابت،
عن أبيه، عن عمِّه(١) سليمان بن زيد بن ثابت قال: قال لي زيد بن
ثابت: غَدَوْنا يوماً غداةً من الغَدَوات مع رسول الله بَّر حتى كنا في
مجمع طُرق المدينة، فبصُرنا بأعرابي آخِذ بخِطام بعيره حتى وقف على
النبي ◌َّ ونحن حوله، فقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته، فردَّ عليه النبي ◌َّ، فقال: كيف أصبحت ؟ قال: ورَغَا البعير
وجاء رجل كأنه حَرَسيّ، فقال الحَرَسيُّ: يارسول الله ! هذا الأعرابي
سرق البعير، ورغا البعير ساعةً وحنَّ، فأنصتَ له رسول الله وَّ! فسمع
رُغاءَه وحنينه، فلما هدأ البعير أقبل النبي وَّر على الحرسيِّ، فقال:
((انصرف عنه، فإن البعير يشهد عليك أنك كاذب))، فانصرف الحَرَسي،
فأقبل النبي على الأعرابي، وقال: ((أيُّ شيء قلتَ حين جئتني؟)) قال:
قلت - بأبي أنت وأمي -: اللهم صلِّ على محمد حتى لا تبقى صلاة،
اللهم وبارك على محمد حتى لا تبقى بركة، اللهم وسلّم على محمد
حتى لا يبقى سلام، اللهم وارحم محمداً حتى لا تبقى رحمة، فقال
رسول الله وَ له: ((إن الله تبارك وتعالى أبداها لي والبعيرُ ينطِق بعذره،
وإن الملائكة قد سَدُّوا أفق السماء)) .
قلت: وهو ظاهر النكارة، كما صرح به شيخي في ترجمة هارون بن
يحيى من ((اللسان))، وعزاه بعضهم لصاحب «الدر المنظّم في المولد
المعظّم)) بلفظ: رُوي أن جماعة شهدوا عند النبي ◌َّ على رجل
بالسرقة، فأمر بقطعه وكان المسروق جملاً، فصاح الجمل لا تقطعوه،
فقيل له: بمَ نجوتَ؟ فقال: بصلاتي على محمد في كل يوم مئة مرة،
(١) أي عمّ أبيه.

٤٤٩
فقال له النبي وَلّ: ((نجوتَ من عذاب الدنيا والآخرة)). وكذا أورده ابن
بشگوال بلا سند.
٦١- وأما الصلاة عليه عند لقاء الإخوان: فعن أنس رضي الله عنه،
عن رسول الله وَل قال: ((مامن عبدين متحابَّين في الله عز وجلَّ)) وفي
رواية: ((ما من مسلمين يَستقبل أحدُهما صاحبه)) وفي رواية: ((يلتقيان
فيتصافحان ويصليان على النبي وَّ إلا لم يتفرقا حتى تُغفر لهما ذنوبُهما
ماتقدم منها وما تأخر)) أخرجه الحسن بن سفيان وأبو يعلى في
مسنديهما، وابن حبان في ((الضعفاء)) له، والرشيد العطار، وابن بشكُوال
من طريق بَقِيٍّ بن مَخْلَد(١) ولفظُه :
((مامن مسلمين يلتقيان فيصافحُ أحدُهما صاحبه ويصلِّيان على النبي
وَ﴿ إلا لم يَبْرَحا حتى تُغفر ذنوبُهما ما تقدَّم منها وما تأخر)). ومن طريق
أبي نعيم من وجهين عنه بلفظ: ((ما من متحابَّين يستقبلُ أحدهما صاحبه
فيصافحه ويصلّيان على النبي وَّ إلا لم يبرحا حتى تُغفر لهما ذنوبهما ما
تقدم منها وما تأخر)) وقال: غريب.
قلت: بل ضعيف جداً، لكنْ قد حكى الفاكهاني عن بعض الفقراء
المباركين أنه أخبره قال: رأيت النبي وَّ فيما يرى النائم فقلت:
يارسول الله أنت قلت: ((ما من عبدين متحابّين في الله يلتقيان فيصافح
أحدهما صاحبه)) فقال النبي وثر: ((إلا لم يفترقا حتى تغفر ذنوبهما ما تقدم
منها وما تأخر، والدعاء بين صلاتين عليَّ لايردُّ)) وَّ. والله أعلم.
٦٢ - وأما الصلاة عليه عند تفرّق القوم بعد اجتماعهم: ففيه حديثُ
(١) على حاشية هـ كلمة أنقلها لأُنبّه إلى غلطها: ((قوله بقي: هو بفتح الموحدة،
والقاف المشددة، بوزن: مكّي. نقله شيخنا البقاعي (؟) عن الحافظ ابن حجر)).
قلت: ((البقاعي)) غير واضح الرسم، وأما الضبط فخطأ جزماً، وهو بفتح الباء
الموحدة، وكسر القاف المخففة، وتشديد الياء، وهو مقتضى كلام الحافظ في
((تبصير المنتبه)) صفحة ٢٠١، بل هو صريح كلام غيره ممن ترجم له.

٤٥٠
((ماجلس قومٌ مجلساً ثم تفرَّقوا عن غير ذكر الله)) الحديثَ، وقد تقدم في
الباب الثالث(١)، وحديثُ: ((زيِّنوا مجالسَكم بالصلاة عليَّ)) وتقدم في
الباب الثاني(٢).
٦٣- وأما الصلاة عليه عند ختم القرآن: فقد وردت آثار في أن هذا
المحلَّ محلُّ دعاء، وعند ختم القرآن تنزل الرحمة.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من خَتَم القرآن فله دعوةٌ
مستجابةٌ. وحينئذ إذا كان هذا المحلُّ من آكد مواطن الدعاء وأحقُّها
بالإجابة، فهو من آكد مواطن الصلاة على رسول الله ومَله، وبالله
التوفيق .
٦٤- وأما الصلاة عليه في الدعاء لحفظ القرآن: فعن ابن عباس
رضي الله عنهما أنه قال: بينما نحن عند رسول الله إذ جاءه علي بن أبي
طالب رضي الله عنه فقال: بأبي أنت وأمي تَفَلَّت هذا القرآن يارسول الله
من صدري فما أَجِدُني أقدر عليه! فقال له رسول الله وَ ل و: ((يا أبا الحسن!
أفلا أعلِّمك كلماتٍ ينفعُك الله بهنَّ وتنفعُ بهنَّ مَن علَّمته، ويثبتُ
ما تعلَّمت في صدرك ؟)) قال: أجلْ يارسول الله فعلُّمني.
قال: ((إذا كان ليلةُ الجمعة فإن استطعتَ أن تقوم في ثلث الليل الآخر
فإنها ساعة مشهودة، والدعاء فيها مستجاب، وقد قال أخي يعقوب لبنيه
﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾ يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة، فإن لم
تستطع فقمْ في وسطها، فإن لم تستطع فقم في أولها فصلِّ أربع ركعات،
تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يَس، وفي الركعة الثانية
بفاتحة الكتاب والدخان، وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب والّم تنزيل
السجدة، وفي الركعة الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصّل، فإذا
(١) صفحة ٣٠٤ فما بعدها.
(٢) صفحة ٢٧٢.

٤٥١
فرغتَ من التشهد فاحمد الله وأَحسن الثناء على الله، وصلِّ عليَّ
وأحسن، وعلى سائر النبيين، واستغفر للمؤمنين والمؤمنات ولإخوانك
الذين سبقوك بالإيمان، ثم قل في آخر ذلك:
اللهم ارحمْني بترك المعاصي أبداً ما أبقيتَني، وارحمْني أن أتكلَّفَ
مالا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، اللهم بديعَ
السموات والأرض، ذا الجلال والإكرام، والعزِّة التي لا تُرام، أسألك
يا الله يارحمن بجلالك ونور وجهك أن تُلزِم قلبي حفظَ كتابك كما
علَّمتني، وارزقني أن أتلوَه على النحو الذي يرضيك عني.
اللهم بديعَ السموات والأرض ذا الجلال والإكرام، والعزة التي لا
تُرام، أسألك يا الله يارحمن بجلالك ونور وجهك أن تنوِّر بكتابك
بصري، وأن تُطلِق به لساني، وأن تفرِّج به عن قلبي، وأن تشرح به
صدري، وأن تَغسل به بدني، فإنه لا يُعينُني على الحقّ غيرُك، ولا يؤتيه
إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
يا أبا الحسن تفعلُ ذلك ثلاث جُمَع أو خمسَاً أو سبعًاً(١)، تُجابُ
بإذن الله، والذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمناً قط)).
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: فوالله مالبث عليّ رضي الله
عنه إلا خمساً أو سبعاً حتى جاء رسول الله وَّ في مثل ذلك المجلس
فقال: يارسولَ الله! إني كنت فيما خلا لا آخُذُ إلا أربع آيات ونحوَهن،
وإذا قرأتُهن على نفسي تفلَّتْن وأنا أتعلّم اليوم أربعين آيةً ونحوها، وإذا
قرأتها على نفسي فكأن كتاب الله عز وجل بين عينيّ! ولقد كنت أسمع
الحديث فإذا ردَّدته تفلَّتَ، وأنا اليومَ أسمع الأحاديث فإذا تحدثتُ بها
لم أخرِم منها حرفاً! فقال له رسول الله وَ لّ عند ذلك: ((مؤمنٌ وربِّ
(١) في أ،ب، ج: أو خمس أو سبع، وكأن المصنف رحمه الله كتبها على لغة ربيعة
في رسم المنصوب كالمرفوع والمجرور، لكنه يُقرأ ويوقف عليه كما يقرأ
المنصوب ويوقف عليه، وانظر ماعلقته على الحديث (٢٧٣) من سنن أبي داود.

٤٥٢
الكعبة يا أبا الحسن)).
أخرجه الترمذي في ((جامعه)) هكذا وقال: غريب، والحاكم في
((صحيحه)) وقال: صحيح على شرطهما وتعقَّبه الذهبي فقال: هذا
حديث منكر شاذ أخافُ لا يكونُ مصنوعاً، وقد حيَّرني والله جودة
إسناده. انتهى .
وجزم في موضع آخر بأنه موضوع، وفي آخَر بأنه باطل، وكذا ذكره
ابن الجوزي في ((الموضوعات)) واتَّهم بوضعه مَن هو بريء من ذلك
حسبما يظهر من جمع طُرق الحديث(١).
وقد أخرجه الطبراني في ((الدعاء)) و ((الكبير)) من وجه آخر.
وأورده ابن الجوزي من طريقه أيضاً، ولفظه: عن ابن عباس رضي
الله عنهما قال: قال عليّ رضي الله عنه: يارسول الله! إن القرآن تفلَّت
من صدري، فقال النبي ◌َّهِ: ((ألا أعلمك كلماتٍ ينفعُك الله بهن وتنفعُ
من علمته؟)) قال: بلى، بأبي أنت وأمي، قال: ((صلِّ ليلة الجمعة أربع
ركعات تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب ويَس، وفي الثانية بفاتحة
الكتاب وحّم الدخان، وفي الثالثة بفاتحة الكتاب والم تنزيل الكتاب
السجدة، وفي الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصّل، فإذا فرغتَ من
التشهد فاحمد الله تعالى وأَثْنِ عليه، وصلِّ على النبيين، واستغفر
للمؤمنين، ثم قل :
اللهم ارحمني بترك المعاصي أبداً ما أبقيتني، وارحمني من أن
أتكلّف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، اللهم بديعَ
السموات والأرض، ذا الجلال الإكرام والعزَّة التي لا تُرام، أسألك يا الله
بجلالك ونورِ وجهك أن تُلِزم قلبي حفظ كتابك كما علّمتني، وارزقني
(١) على حاشية ب بخط المصنف رحمه الله مانصه: ((ثم بلغ سماعاً من لفظي
وعرضاً، وسمع جُلَّه الشيخ علم الدين الزواوي نفع الله بهما)).

٤٥٣
أن أتلوَه على النحو الذي يرضيك عني، وأسألك أن تنور بالكتاب
بصري، وتُطِلق به لساني، وتفرِّج به عن قلبي وتشرحَ به صدري،
وتغسلَ به ذنوبي، وتقوِّيني على ذلك، وتعينني عليه، فإنه لا يُعيني
على الخير غيرُك، ولا يُوفِّق له إلا أنت.
فافعلْ ذلك ثلاث جُمَع أو خمساً أو سبعاً تحفظُه بإذن الله، وما أخطأ
مؤمناً قط)).
فأتى النبيَّ وَّه بعد ذلك بسبع جُمَع فأخبره بحفظ القرآن والحديث،
فقال النبي ◌َّرَ: ((مؤمنٌ وربّ الكعبة، عَلَّم أبا حسن، عَلَّم أبا حسن)).
وقد قال المنذري: طرق أسانيد هذا الحديث جيدة ومتنه غريب جداً.
انتهى. ونحو ذلك قولُ العماد ابن كثير: إن في المتن غرابةً بل نكارةً.
قلت: والحقُّ أنه ليست له علةٌ إلا أنه عن ابن جُريج عن عطاء،
بالعنعنة، أفاده شيخنا (١)، وأخبرني غير واحد أنهم جرَّبوا الدعاء به
فوجدوه حقاً، والعلم عند الله تعالى.
٦٥- وأما الصلاة عليه عند القيام من المجلس: فعن عثمان بن عمر
قال: رأيت سفيان بن سعيد الثوريَّ مالا أحصي إذا أراد القيام يقول:
صلَّى الله وملائكته على محمد، وعلى أنبياء الله وملائكته(٢). أخرجه
ابن أبي حاتم والتُّميري.
(١) أي: ابن حجر، وهذه العلة لا تؤثر، لما ذكره ابن حجر نفسه في ((تهذيب
التهذيب)) ٤٠٦:٦ آخر ترجمة ابن جريج أنه قال: ((إذا قلت: قال عطاء، فأنا
سمعته منه وإن لم أقل: سمعت)).
(٢) أُقحم هنا في طبعة المكتبة العلمية بالمدينة المنورة ص ٢٤٥، والطبعة الهندية ص
١٨٥، بين أثر الثوري وتخريجه، ما نصه: ((قال بعض المحدثين: سمعت أبا داود
الطيالسي يقول: لولا هذه العصابة لانْدَرَس الإسلام. يعني أصحاب الحديث
الذين يكتبون الآثار)). وكأنه من حاشية كتبها بعض قراء النسخة الخطية التي طُبع
عنها الكتاب، يدل على ذلك إقحامه على وجه غير سليم. وهو في ((شرف
أصحاب الحديث)) للخطیب ص٥٢ .

٤٥٤
٦٦ - وأما الصلاة عليه في كل موضع يُجتمع فيه لذكر الله: ففيه حديث
أبي هريرة: ((إن الله سيارةً من الملائكة)) وقد تقدم في الباب الثاني(١)،
وأخرجه أبو سعيد القاضي في ((فوائده)»، وأصل الحديث في مسلم.
ولله درُّ القائل:
وهدىّ لكل مُلَذَّدٍ حيرانِ(٢)
روحُ المجالسِ ذکرُه وحديثُه
فأولئك الأموات في الجبَّانِ
وإذا أُخِلَّ بذكره في مجلسٍ
٦٧- وأما الصلاة عليه عند افتتاح كل كلام: فعن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((كلُّ كلام لا يذكرُ الله تعالی فیه فيبدأ به
وبالصلاة عليَّ فهو أقطعُ ممحوقٌ من كَل بركةٍ)). أخرجه الديلمي في
(مسند الفردوس))، وأبو موسى المديني، والخليلي(٣) في ((الإرشاد))،
ومن طريقه الزُّهاوي في ((الأربعين)) له، وسنده ضعيف، وهو في الثاني
من «فوائد أبي عمرو ابن منده)) بلفظ: ((كل أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه بذكر
الله ثم الصلاةِ عليَّ فهو أقطعُ أكتعُ(٤) ممحوقٌ من كلِّ بركةٍ)). وأخرجه
ابن عساكر - ومن طريقه أبو اليمن - بلفظ ((لم يبدأ)) وليس عنده:
أکتع.
والحديث مشهور لكن بغير هذا اللفظ، وقد قال الشافعي: أُحِبُّ أن
يقدِّمَ المرءُ بين يدي خُطبته وكلِّ أمر طلبه حمدَ الله والثناء عليه سبحانه
وتعالى والصلاةَ على رسول الله وَله .
٦٨- وأما الصلاة عليه عند ذكره: ففيه أحاديثُ في الباب الثاني
(١) صفحة ٢٥٤، ونحوه حديث أنس ص ٢٦٢ .
(٢) على حاشية هـ: ((قال في ((الصحاح)): فلان يَتَلَذَّد: أي يلتفت يميناً وشمالاً)).
«الصحاح)) ٥٣٥:٢.
(٣) سها ناسخ ب فكتب: المحاملي.
(٤) إن صح هذا فإنه ينقض قول من يقول: لا تأتي أكتع وأخواتها - أبتع وأبصع -
إلا بعد: أجمع.

٤٥٥
والثالث(١)، وتقدم الحكم فيه في المقدمة(٢)، وقد نقل عياض رحمه
الله(٣) عن أبي إبراهيم التُّجِيبي أنه قال: واجب على كل مؤمن ذَكَرَه ◌َله
أو ذُكِر عنده أن يخضع ويخشع، ويتوفّر ويُسكِّن من حركته، ويأخذ من
هيبته ◌َّ وإجلاله بما كان يأخذ به لنفسه لو كان بين يديه، ويتأدبَ بما
أدَّبنا الله تعالی به .
قال: وهذه كانت سيرة سلفنا الصالح وأئمتنا الماضين، وكان مالك
رضي الله عنه إذا ذَكَر النبيَّ وَّهِ يتغيّر لونه وينحني حتى يصعُبَ ذلك على
جلسائه، فقيل له يوماً في ذلك؟ فقال: لو رأيتم مارأيت لما أنكرتم عليَّ
ماترون ! :
لقد كنتُ أرى محمد بن المنكدر - وكان سيدَ القراء - لا نكادُ نسأله
عن حديث أبداً إلا يبكي حتى نرحمه. ولقد كنت أرى جعفر بن محمد
وكان كثير الدُّعابة والتبسُّم فإذا ذُكِر عنده النبي ◌ََّ اصفرَّ، وما رأيته
يحدث عن رسول الله ◌َلل إلا على طهارة. ولقد كان عبد الرحمن بن
القاسم يذكر النبي ◌َ ◌ّ فننظر إلى لونه كأنه نُزِف منه الدم(٤)، وقد جفَّ
لسانه في فِيه هيبةً لرسول الله وَ لّ. ولقد كنت آتي عامرَ بن عبد الله بن
الزبير فإذا ذكر عنده رسول الله مَلّ يبكي حتى لا يبقى في عينيه دموع.
ولقد رأيت الزهري - وكان من أهنأ الناس وأقربهم - فإذا ذُكر عنده
النبي ◌َّ فكأنه ماعرفك ولا عرفته! ولقد كنت آتي صفوان بن سُلَيم
- وكان من المتعبِّدين المجتهدين - فإذا ذَكَر النبي وَلّ بكى، فلا يزال
يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه. وكنا ندخل على أيوبَ السَّخْتِياني
(١) من أحاديث الباب الثاني صفحة ٢٣٢، وغالب أحاديث الباب الثالث تُفيد هذا.
(٢) صفحة ٥٩ .
في ((الشفا)» ٢: ٥٩٥، والمصنف يختصر ما عنده.
(٣)
(٤) أي: يصفرُّ لونه كما يصفرّ من نزف دمه.

٤٥٦
فإذا ذُكِر له حديث رسول الله ◌َله بكى حتى نرحمه(١). انتهى.
فإذا تأملتَ هذا عرفتَ مايجب عليك من الخشوع والخضوع، والوقار
والتأدب، والمواظبة على الصلاة والتسليم عند ذكرِه أو سماع اسمه
الكريم ◌َلتر تسليماً كثيراً كثيراً كثيراً.
٦٩- وأما الصلاة عليه عند نشر العلم والوعظ وقراءة الحديث ابتداء
وانتهاءً: فمتأكِّدة لمن اتصف بوصف التبليغ عن رسول الله وَّ، فيفتتحُ
كلامه بحمدِ الله تعالى والثناءِ عليه وتمجيدِه والاعتراف له بالوحدانية
وتعريفٍ حقوقه على العباد، ثم بالصلاة على رسول الله وَّه وتمجيده
والثناء عليه، وأن يختمَ ذلك أيضاً بالصلاة عليه وَ لا تسليماً.
وقد رُئي منصور بن عمار في النوم فقيل له: مافعل الله بك ؟ قال:
أوقفني بين يديه فقال لي: أنت منصور بن عمار؟ قلت: بلى، قال: أنت
الذي كنت تزهِّد الناس في الدنيا وتَرْغَبُ فيها؟(٢) قال: قلت: قد كان
ذلك، ولكني ما اتّخذت مجلساً إلا وبدأت بالثناء عليك، وثنيت بالصلاة
على نبيك وَلَه، وثلَّئتُ بالنصيحة لعبادك، قال: صدقتَ، ضعوا له
كرسياً في سمواتي يمجِّدني بين ملائكتي، كما مجَّدني بين عبادي.
أخرجه ابن بشكُوال من طريق أبي القاسم القُشَيري في ((رسالته))(٣).
فسبحان الله المجيد، الفعَّال لما يريد، لا إله سواه، ولا نعبد إلا
إياه، وصلى الله على محمد، وعلى آل محمد وسلَّم.
وقال النووي في ((الأذكار)): يستحب لقارىء الحديث وغيره ممن في
(١) وفي أوائل ((إسعاف المُبَطَّأ)): ((قال مالك: رأيت أيوب السَّختياني بمكة حَجتين
فما كتبت عنه، ورأيته في الثالثة قاعداً في فناء زمزم، فكان إذا ذكر النبي ◌َّه
عنده بكى حتى أرحمه، فلما رأيت ذلك كتبت عنه)).
(٢) هو الصواب، والمراد: عتب الله تعالى عليه بأن فعله يخالف قوله، وكتُب على
حاشية د: ((كان القياس: عنها)).
(٣) ١٣٦:١ بشرح القاضي زكريا الأنصاري وحاشية العروسي.

٤٥٧
معناه إذا ذَكَر رسول الله وَّر أن يرفع صوته بالصلاة عليه والتسليم، ولا
يبالغَ في الرفع مبالغة فاحشة، وممن نصَّ على رفع الصوت الإمام
الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي وآخرون، وقد نقلته إلى علوم
الحديث، ونص العلماءُ من أصحابنا وغيرهم على أنه يستحب أن يرفع
صوته بالصلاة على رسول الله وَّر في التلبية. انتهى.
وقد تقدم في الباب الثاني(١) الحكايةُ عن مِسْطَح في المنام أن الله غفر
له ولأهل المجلس برفع أصواتهم بالصلاة على النبي ◌َّل.
وقيل: لا ينبغي أن يرفع صوته، لأنه قد يكون سبباً لفوات سماع
حديثه ◌َّ، فإن لم يكن سبباً لذلك فلا شك أنه لا يكره (٢) رفع الصوت
بها لِمَا يلزمنا من حرمته وَّله بعد موته وتوقيره وتعظيمه، كما كان في
حال حياته وعملالجله
وعن محمد بن يحيى(٣) الكرماني قال: كنا يوماً بحضرة أبي علي ابن
شاذان، فدخل علينا شابٌ لا يعرفه منا أحد فسلّم علينا، ثم قال: أيُّكم
أبو علي ابن شاذان؟ فأشرنا له إليه فقال: أيها الشيخ رأيت رسول الله وله
في المنام فقال لي: سلْ عن مسجد أبي علي ابن شاذان، فإذا لقيتَه
فأقرئه مني السلام، ثم انصرفَ الشاب، فبكى أبو علي وقال: ما أعرِف
لي عملاً أستحقُّ به هذا إلا أن يكون صبري على قراءة الحديث وتكرير
الصلاة على النبي مير كلما جاء ذكره.
قال الكرماني: ولم يلبث أبو عليّ بعد ذلك إلا شهرين أو ثلاثة حتى
مات رحمه الله تعالى. رواه الخطيب وأبو اليمن ابن عساكر من طريقه،
وابن بشگوال.
(١) صفحة ٢٥٤.
(٢) هكذا في الأصول الخمسة: لا يكره، والسياق يقتضي حذف ((لا)).
(٣) يحيى: هو الصواب، مع أن المصنّف كتبه بقلمه: علي. انظر القصة في «تاريخ
بغداد)» ٢٧٩:٧، وعنه الذهبي في ((السِّير» ١٧ : ٤١٧.

٤٥٨
وروى أبو القاسم التيمي في ((ترغيبه)) من طريق أبي الحسن الحرّاني،
قال: كان أبو عَروبة الحراني لا يترك أحداً يقرأ عليه الأحاديث إلا ويصلَي
على النبي ◌ّ﴿ ويبين ذلك، وكان يقول: بركةُ الحديث كثرة الصلاة على
رسول الله وَّ في الدنيا، ونعيمُ الجنة في الآخرة إن شاء الله تعالى.
ورُوِّينا عن وكيع بن الجراح من طريق ابن بشكوال وغيره، قال: لولا
الصلاةُ على النبي ◌َّ ما حدَّثت. وفي رواية: لولا الصلاةُ على النبي وَّل
في كل حديث ماحدثت أحداً. وفي رواية أخرى: لولا أن الحديث
أفضلُ عندي من التسبيح ما حدثت. وفي أخرى: لو أعلم أن الصلاة
أفضل من الحدیث ما حدثت.
وروى أبو القاسم التيمي - ومن طريقه أبو اليمن ابن عساكر - من
طريق أبي الحسن التُّهاوَنْدي الزاهد قال: لقي رجلٌ الخَضِرَ النبيَّ عليه
السلام، فقال له: أفضل الأعمال اتباع رسول الله وَلله والصلاة عليه،
قال الخضر: وأفضل الصلاة عليه ماكان عند نشر حديثه وإملائه: يُذكرُ
باللسان ويكتب في الكتاب، ونرغبُ فيه شديداً ونفرحُ به كثيراً، وإذا
اجتمعوا لذلك حضرتُ ذلك المجلس معهم. صلى الله عليه وسلم
تسليماً كثيراً.
وعن أبي أحمد الزاهد قال: أبركُ العلوم وأفضلها وأكثرها نفعاً في
الدين والدنيا بعد كتاب الله تعالى: أحاديثُ الرسول وََّ، لِما فيها من
كثرة الصلاة عليه، فإنها كالرياض والبساتين، تجدُ فيها كلَّ خير وبرّ
وفضل، وقد تقدم في أواخر الباب الثاني أيضاً(١).
وذكر ابن بشكوال في ((الصِّلة)) له، في ترجمة أبي محمد عبد الله بن
أحمد بن عثمان الطُّلَيْطلي أنه كان يبدأ في المناظرة بذكر الله عز وجل،
والصلاة على محمد نبيه وَّة، ثم يورد الحديث والحديثين والثلاثة
(١) صفحة ٢٨١.

٤٥٩
والموعظة، ثم يبدأ بطرح المسائل.
وروى أبو نعيم في ترجمة عمر بن عبد العزيز من ((الحِلية)) له بسنده
إلى الأوزاعي قال: كتب عمر - يعني ابن عبد العزيز - إلى عماله أن
يأمروا القُصّاص أن يكون جُلُّ إطنابهم ودعائهم الصلاةَ على رسول الله
صلی الله عليه وسلم.
قال الليث بن سعد رحمه الله: هما قَصَصَان: قَصَص العامة، يجتمع
إليه النفر من الناس يعظهم ويذكِّرهم، وقصَص الخاصة، هو الذي
أحدثه معاوية رضي الله عنه، ولَّى رجلاً على القصص إذا سلّم الإمام من
صلاة الصبح جلس فذكر الله وحمده ومجَّده وصلی علی نبيه وسلّم،
ودعا للخليفة ولأهله ولأهل ولايته وجنوده، وعلى أهل حربه وعلى
الكفار كافة .
٧٠- وأما الصلاة عليه عند كتابة الفتيا: فقال النووي رحمه الله في
((الروضة)) من زوائده: يستحب عند إرادة الفُتيا أن يستعيذ من الشيطان،
ويسميَ الله تعالى ويحمَده ويصلِّيَ على النبي ◌َّر، ويقول: لا حول ولا
قوة إلا بالله، ويقول: رب اشرح لي صدري ويسِّر لي أمري، واحلُل
عقدة من لساني يفقهوا قولي، ثم قال: وإذا كان السائل قد أغفل الدعاء
أو الحمد أو الصلاة على رسول الله وَّ في آخر الفتوى ألحقَ المفتي
ذلك بخطه، فإن العادة جارية به، والله أعلم.
٧١- وأما عند القضاء: فقد كان قاضي الحنابلة بدمشق الإمام التقيُّ
أبو الفضل سليمان بن حمزة بن عمر بن الشيخ أبي عمر إذا أراد أن
يحكمَ يقول: صلوا على رسول الله وَّل، فإذا صلّوْا حكم.
٧٢- وأما الصلاة عليه عند كتابة اسمه وص له ومافيه من الثواب وذمّ من
أغفله: فاعلم أنه كما تصلِّي بلسانك، فكذلك خُطّ الصلاةَ عليه بِبَنانك،
مهما كتبتَ اسمه الشريف في كتاب، فإن لك به أعظم الثواب، وهذه
فضيلةٌ يفوز بها تُبَّاعُ الآثار، ورواة الأخبار، وحَمَلة السنَّة، فيا لها من

٤٦٠
مِنَّةٍ، وقد استحبَّ أهل العلم أن يكرِّر الكاتب الصلاةَ على النبي
کلما كتبه .
قال ابن الصلاح: ينبغي أن يُحافظ على كِتبة الصلاة والتسليم على
رسول الله وَ ل عند ذكره، ولا يسأمَ من تكرير ذلك عند تكرره، فإن ذلك
من أكبر الفوائد التي يتعجَّلها طلبة الحديث وكَتَبْتُه، ومَن أغفل ذلك
حُرِم حظاً عظيماً، وقد رُوِّينا لأهل ذلك منامات صالحة، وما يكتبه من
ذلك فهو دعاء يثبتُه لا كلام يرويه، فلذلك لا يُتَقَيَّد فيه بالرواية، ولا
يُقتصر فيه على ما في الأصل، وهكذا الأمر في الثناء على الله سبحانه
عند ذكر اسمه نحو: عز وجل، وتبارك وتعالى، وما ضاهى ذلك.
قال: ثم لْيتجنب في إثباتها نقصَين: أن يكتبها منقوصة صورةً رامزاً
إليها بحرفين أو نحو ذلك، يعني كما يفعله الكُسالى والجهلة وعواٌ
الطلبة، فيكتبون صورة: ((صلعم)) بدلاً من (َليّ)(١). والثاني: أن يكتبها
منقوصة معنى بأن لا يكتب فيها: وسلّم، وإن وُجِد ذلك في خط بعض
المتقدمين .
قلت: وقد أسلفت مسألة إفراد الصلاة عن السلام في المقدمة(٢).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله وَ له: ((من صلَّى
عليَّ في كتابٍ لم تَزَلِ الملائكة يستغفرون له مادام اسمي في ذلك
الكتاب)) رواه الطبراني في ((الأوسط))، والخطيب في ((شرف أصحاب
(١) قال السيوطي رحمه الله تعالى في ((التدريب)) من النوع الخامس والعشرين آخر
المسألة الثالثة: ((يقال: إن أول من رَمَزها بـ: صلعم قُطعت يده)). ومما يُجتنب
أيضاً أن يُرمز لها بـ: ص، كما شاع في زماننا، ورمز: رض، بدل: رضي الله
عنه !! .
(٢) في التنبيه الذي في ص١٥٦ وختم به الباب الأول، ثم يليه فصول الباب الأول،
وكان المصنف كتبه أولاً في المقدمة آخر القول الثامن وقبل القول التاسع من
أقوال العلماء في حكم الصلاة على النبي ◌َّ كلما ذُكر، ثم عدل عن ذلك فأثبتَه
حيثُ أثبتُّه، ولم يعدِّل الإحالة هنا.