Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
٢٨- وعن عبد الله بن أبي بكر قال: كنا بالخَيْف، ومعنا عبدالله بن
عتبة، فحمد الله وأثنى عليه، وصلَّى على النبي وَلِّ، ودعا بدعوات، ثم
قام فصلى بنا. أخرجه إسماعيل القاضي.
٢٩- وعن عبد الله بن دينار: رأيت ابن عمر رضي الله عنهما يقف
على قبر النبي ◌َ له فيصلِّي على النبي ◌َّ ويدعو لأبي بكر وعمر رضي الله
عنهما. أخرجه إسماعيل القاضي وغيره من طريق مالك.
وفي لفظ لإسماعيل: أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر دخل المسجد
فقال: السلام عليك يارسول الله، السلام على أبي بكر، السلام على
أبي، ويصلي ركعتين.
وفي لفظ آخر: أنه كان إذا قدم من سفر صلَّى سجدتين في المسجد،
ثم يأتي النبيَّ ◌َّهَ فيضع يده اليمنى على قبر النبيِ وَّر ويستدبر القبلة، ثم
يسلّم على النبي ◌ََّ، ثم يسلُّم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وفي لفظ لمالك أيضاً: أن ابن عمر كان إذا أراد سفراً، أو قدم من
سفر، جاء قبر النبي وَلّ فصلَّى عليه ودعا، ثم انصرف.
وفي لفظ لغيره: أن ابن عمر أيضاً كان إذا قدم من سفر بدأ بقبر النبي
وَلّ فيصلي عليه ولا يَمَسُّ القبر، ثم يسلّم على أبي بكر، ثم يقول:
السلام عليك يا أبتِ، رضي الله عنهم.
وأخرج ابن أبي الدنيا - ومن طريقه البيهقي في ((الشُّعَب)) - من
حديث عبد الله بن مُنيب بن عبد الله بن أبي أمامة، عن أبيه قال: رأيت
أنس بن مالك أتى قبر النبي بَّر فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح
الصلاة فسلَّم على النبي ◌َّ ثم انصرف.
وعن يزيد بن أبي سعيد المدني مولى المَهْري قال: ودَّعت عمر بن
عبد العزيز فقال: إن لي إليك حاجةً! قلت: يا أمير المؤمنين كيف تَرى
حاجتك عندي؟ قال: إني أراك إذا أتيتَ المدينة سترى قبر النبي وَّل

٤٠٢
فأقرِثْه مني السلام. أخرجه ابن أبي الدنيا، ومن طريقه البيهقي في
((الشُّعب)).
وعن حاتم بن وَرْدان قال: كان عمر بن عبد العزيز يوجِّه البريدَ من
الشام قاصداً المدينةَ ليُقْرِىء النبيَّ وَّ عنه السلام. أخرجه البيهقي في
((الشُّعَب)).
٣٠- ويستحبُّ لقاصده بََّ إذا وقع بصره على معاهد المدينة
وحَرَمها ونخيلها وأماكنها: الإكثارُ من الصلاة عليه والتسليم، وكلما
قرُب من المدينة وعُمرانها زاد من ذلك، ويَستحضر تعظيم عَرَصاتها
وتبجيل منازلها ورَحَباتها، فإن المواطن عُمرت بالوحي والتنزيل، وكثُر
فيها تَرداد أبي الفتوح جبريل، وأبي الغنائم ميكائيل، واشتملتْ تُربتها
على سيد البشر، وانتشر عنها من دين الله وسنن رسوله ما انتشر، فهي
مشاهد الفضائل والخيرات، ومعاهدُ البراهين والمعجزات، وَلْيملأ قلبه
من تعظيمه وهيبته، وإجلاله ومحبته، كأنه يراه ويشاهده، محقِّقاً أنه
يسمع سلامهوفي الشدائد يساعده، وليجتنبْ الخِصام، والخوض فيما
لا ينبغي من الفعل والكلام(١).
٣١- وقد قال بعض المتأخرين: اعلم أنه يستحب لمن مرَّ بمنزلٍ نزله
رسول الله ﴿ أو موضع جلس فيه أن يصلِّ ويسلّم على النبي ◌َّ،
واستأنس لذلك بما أخرجه البخاري من حديث عبد الله مولى أسماء، أنه
كان يَسمع أسماء رضي الله عنها تقول كلما مرتْ بالحَجُون: صلى الله
على رسوله، لقد نزلنا معه هاهنا ونحن خِفافُ الحقائب، الحديثَ.
وكذلك يستحبُّ لمن رأى أثراً من آثاره الشريفة الصلاةُ والسلام
عليه، فقد رُوِّينا في ((مسند أحمد)) من حديث الحجاج بن حسان قال:
(١) هذا من كلام الإمام مجد الدين الفيروزأبادي صاحب ((القاموس)) في كتابه
((الصلات والبشر)) ص١٣٤، وبعض جمله من ((الشفا)) للقاضي عياض ٦٢٢:٢ من
طبعة البجاوي، و٤٣٩:٣ من شرح القاري والخفاجي.
ق
٥

٤٠٣
كنا عند أنس بن مالك، فأمر بإناء فيه ثلاثُ ضَبّاتِ حديدٍ، وحَلَق من
حديد، فأُخرج من غلاف أسود، وهو دون الربع، وفوق نصف الربع،
فأَمر أنس فجُعِل لنا فيه ماء، فأتينا به فشربنا، وصَبَيْنا على رؤوسنا
ووجوهنا، وصلينا على النبي ◌َّل .
فإذا دخل المسجد النبوي وقال الدعاء المأثور المتقدم(١): استُحبَّ
له أن يصلِّي في الروضة الشريفة ركعتين، ثم يأتيَ القبر الشريف من
ناحية قبلته، فيقف عند محاذاة تمام أربع أذرع من رأس القبر بعيداً منه،
ويقفَ ويجعلَ القنديل على رأسهَ والمِسْمار الذي في حائط الحجرة
الشريفة(٢)، وهو مسمارٌ من فضّة مضروبٌ في رخامة حمراء، محاذيةٍ
القنديل، فمن قابَلَ المسمار كان مواجِهاً وجهَ النبي ◌َّل، ويقف ناظراً
إلى أسفلٍ ما يستقبله من جدار القبر الشريف، غاضَّ الطرفِ في مقام
الخشوع والإطراق والإجلال، ثم ليقل:
السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك
يا خيرةَ الله، السلام عليك يا خيرَ خلق الله، السلام عليك يا حبيب الله،
السلام عليك يا سيد المرسلين، السلام عليك يا خاتم النبيين، السلام
عليك يا رسول ربِّ العالمين، السلام عليك يا قائد الغرِّ المُحَجَّلين،
السلام عليك يا بشيرُ، السلام عليك يا نذيرُ، السلام عليك وعلى أهل
بيتك الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات أمهات
المؤمنين، السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين، السلام عليك وعلى
سائر الأنبياء والمرسلين، وسائر عباد الله الصالحين، جزاك الله عنا
يا رسولَ الله أفضلَ ما جزى نبياً عن قومه ورسولاً عن أمته، وصلى الله
عليك كلما ذكرك الذاكرون، وكلما غَفَل عن ذكرك الغافلون، وصلَّى الله
(١) ص٣٦٣. والكلام الآتي من ((الصلات والبُشَر)) ص١٣٧ -١٣٨، ونحوه - وزيادة -
في كتب المناسك الفقهية على اختلاف مذاهبها.
(٢) لفظ الفيروزأبادي: ((والمسمار الذي في الحائط محاذيه)).

٤٠٤
عليكَ في الأولين، وصلَّى عليكَ في الآخِرِين أفضلَ وأكملَ وأطيب
ما صلَّى على أحدٍ من الخلق أجمعين، كما استنقَذَنا بك من الضلالة،
وبصَّرنا بك من العَمَى والجهالة، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك
عبده ورسوله، وأمينه وخِيرته من خلقه، وأشهد أنك قد بلَّغت الرسالة،
وأدَّيتَ الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدتَ في الله حقَّ جهاده، اللهم آتِهِ
نهاية ما ينبغي أن يأملَه الآمِلون.
ثم يدعو لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات.
ثم يسلِّم على أبي بكر، ثم على عمر رضي الله عنهما، ويدعو الله تعالى
ويسأله أن يُجازيَهما على نصرة رسوله والقيام بحقه وَّه أفضلَ الجزاء.
وليُعْلَم أن السلام عليه بَّ عند قبره أفضلُ من الصلاة(١)، وقال
الباجي: يدعو بلفظ الصلاة، والظاهر الأول، قاله المجد اللغوي،
واستدل بقوله: ((مامن مسلم يسلِّم عليَّ عند قبري)) الحديثَ(٢).
قلت: وقد تقدم في الكلام على فوائدٍ آيةِ الباب من المقدمة(٣) قولُ
ابن أبي فُدَيك: سمعت بعض من أدركتُ يقول: بلغنا أنه من وقف عند
قبر النبي بَيّ فتلا ﴿إن الله وملائكته﴾ الآية ثم قال: صلى الله عليك
يا محمد، حتى يقولها سبعين مرة، ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان،
لم تَسقط لك حاجة. أخرجه البيهقي أيضاً من طريق ابن أبي الدنيا.
ويُروى عن أبي الخير الحبشي قال: رأيت النبي ◌َّ في المنام
فقلت: يا رسول الله، إذا كنتُ عندك كيف أصلّي عليك؟ فقال: إذا كنت
عندي فقل: اللهم صلِّ على محمد وكلِّ نبي، وصلِّ على أبي بكر وكلِّ
ولي، وصلِّ على جبريل وكلِّ ملك، فقلت: يارسول الله، ويجوز أن
(١) أي: السلام عليه أفضل من الصلاة عليه، وَله .
(٢) تقدم حديثان أول الباب الرابع نحوه ص ٣١٣ من حديث أبي هريرة، أولهما بإسناد
جید .
(٣) صفحة ٨٧.

٤٠٥
أقول: اللهم صلِّ على عائشة وكل مؤمنة؟ فقال: إن شئتَ، قلت: وإن
لم أکن عندك؟ قال: وإن لم تکن عندي فصلِّ کیف شئت.
٣٢- وإذا أراد الانصراف فليودِّع القبر بمثل ما تقدم من التسليم،
وليضفْ إليه: وصلى الله عليه وسلم أفضلَ صلاة صلاها على أحدٍ من
النبيين، ورفع درجته في عليين، وآتاه الوسيلة والمقام المحمود
والشفاعة العظمى، كما جعله رحمة للعالمين، وهنّأه بما أعطاه، وزاده
فيما مَنَحه وأولاه، وتابع لديه مواهبه وعطاياه، وأسعدَنا بشفاعته يوم
القيامة(١)، وكافأه عنّا وجازاه، وأجزل مثوبته ورفع درجته، بما أداه إلينا
من رسالته، وأفاض علينا من نصيحته وعلَّمَناه، إنه قريب مجيب.
تنبيه: ما تقدم في أثر ابن أبي فُديك لا يصحُّ الاستدلال به على جواز
النداء باسمه بعد وفاته، وقد صرَّح الرافعي وغيره في الخصائص بأنه
كان لا يجوز لأحد نداؤه باسمه بأن يقول: يا محمد، يا أحمد، لما فيه
من ترك التعظيم، بل يا نبي الله، يا رسول الله، يا خيرة الله، ولا شك أن
حُرمتَه وَّ ميتاً كحرمته حياً، فيتعيّن لمن عمل بالأثر المذكور أن يقول:
يارسول الله، بدل: يامحمد. وإن قال الزين أبو بكر المَراغي في كتابه
((تلخيص معالم دار الهجرة)) عقِبه: الأولى أن ينادي: يا رسول الله، وإن
كانت الرواية : یا محمد.
ونحوه حكاية العزّ ابن جماعة(٢) عن أبيه البدر، أنه زِيدَ في القول
عند زيارة قبره الشريف: السلام عليك يا أحمد، السلام عليك يا محمد،
قال البدرُ: وفيه نظر، لأنه لا يليق بالأدب معه ێ مخاطبتُه باسمه.
قلت: وحكى شيخنا قُبيل خاتم النبوّة من ((فتح الباري))(٣) عن بعض
شيوخه أن النبي ون ◌َ ﴿ وإن كان ذا أسماءٍ وكنيةٍ، لكنْ لا ينبغي أن يُنادَى
(١) في ((الصلات والبشر)): يوم نلقاه. وهذه الفقرة منه ص١٣٩.
(٢) في ((هداية السالك)) ١٣٧٦:٣.
(٣) ٦: ٥٦١ (٣٥٤٠).

٤٠٦
بشيء منها، بل يقال له: يارسول الله، كما خاطَبَتْه خالةُ السائب لمَّا أتت
به إليه. يعني في حديث السائب، وقول خالته: إنَّ ابن أُختي وَجِعٌ
فمسح رأسي، وفيه: ورأيت خاتم النبوة، الحديث. انتهى.
واستُدل لذلك بقوله تعالى: ﴿لا تَجعلوا دعاءَ الرسولِ بينكم كدعاء
بعضكم بعضاً﴾ [النور: ٦٣] حيث قال الضحاك عن ابن عباس: إنهم
كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز وجل إعظاماً لنبيه
وَالر فقال: قولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهكذا قال مجاهدٌ وسعيد
ابن جبير.
وقال مقاتل بن حيّان: لا تسمّوه إذا دعوتموه يا محمد، ولا تقولوا:
يا ابن عبد الله، ولكن شرِّفوه فقولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، وقال
قتادة: أمر الله تعالى أن يُهابَ نبيه بَّهِ وأن يُبجَّل وأن يعظّم وأن يُسَوَّد.
وقال مالك عن زيد بن أسلم: أمرهم أن يُشَرِّفُوه. وقيل في معنى الآية
غير هذا.
ولا يعارض هذا حديثَ عثمان بن حُنيف الآتي بعد يسير(١) في الصلاة
عليه عند الحاجة تَعرِضُ، فهو وإن كان صحيحاً لكنه يَحتمِل أن يكون
الصحابي ومن نحا نحوه فهمَ اختصاص هذا الموطن بما أرشد إليه وَلته،
ورأى أن ألفاظ الدعوات والأذكار لا يُتصرَّف فيها بالزيادة والنقص، بل
يُقتصر فيها على النصّ، أو اكتفى بما وَقَر في قلب كل مسلم من تعظيم
النبي ◌َّ وإجلاله، سيما مع كونه متوسِّلاً به. والله الموفق.
٣٣- وأما الصلاة عليه عند الذبيحة: فقد استحسنها الشافعي فقال:
والتسمية في الذبيحة ((بسم الله)) ومازاد بعد ذلك من ذكر الله فالزيادة
خير، ولا أكرهُ مع التسمية على الذبيحة أن يقول: صلى الله على
محمد، بل أحبُّ ذلك، وأحبُّ أن يُكثر الصلاةَ عليه على كل الحالات،
(١) صفحة ٤٣٣ -٤٣٤.

٤٠٧
لأن ذكر رسول الله وَ لّ بالصلاة عليه إيمانٌ بالله وعبادةٌ له يُؤجرُ عليها
- إن شاء الله - من قالها.
وقد ذكر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فساق حديثه الماضي
في الباب الثاني(١)، وبَسَط رضي الله عنه الكلام في هذا، ونازعه في
ذلك آخرون، منهم أصحاب أبي حنيفة، فإنهم كرهوا الصلاة في هذا
الموطن، كما ذكره صاحب ((المحيط)) وعلَّله بأن قال: لأن فيها إيهامَ
الإهلال لغير الله. انتهى.
وكره ابن حبيب من المالكية ذكر النبي وَِّ عند الذبح، ونقل أَصْبَغُ
عن ابن القاسم قال: موطنان لا يُذكر فيهما إلا الله: الذبيحة والعطاس،
فلا يُقال فيهما بعد ذكر الله: محمد رسول الله، ولو قال بعد ذكر الله
((صلى الله على محمد)): لم يكن تسمية له مع الله. وعن أشهبَ قال: لا
ينبغي أن يجعل الصلاة على النبي ◌َّ فيه استناناً.
واختلف أصحاب أحمد: فكرهها القاضي وأصحابه والجميع،
وحكاها أبو الخطاب في ((رؤوس المسائل)) وقال: إن شاء، ولا تستحب
كقول الشافعي .
واحتجَّ من كرهها بما روى أبو محمد الخلال بسنده عن معاذ بن جبل
رضي الله عنه، عن النبي وَلّ أنه قال: ((موطنان لا حظّ لي فيهما: عند
العُطاس والذبح))، وبما سيأتي بعد يسير عند العطاس(٢)، وقد قال
الحَليمي: كما يُتقرب إلى الله تعالى بالصلاة عليه في الصلاة، كذلك
يتقرَّب بها أيضاً عند الذبح، وليس ذلك إِشراكاً، لأنه لا يقال: بسم الله
واسم رسوله! وإنما يقال: بسم الله، وصلَّى الله على رسوله، أو: اللهم
صلِّ على محمد عبدك ورسولك. والله الموفق.
(١) ص ٢٣٥ .
(٢) ص ٤٢٤.

٤٠٨
٣٤- وأما الصلاة عليه عند عقد البيع: فقد قال الأَرْدُبيلي في
((الأنوار)): إنه لو قال المشتري: بسم الله، والحمد لله، والصلاة على
رسول الله، قَبلتُ البيع: صحّ. قال: لأن المُضِرَّ ما ليس من مصالح
العقد ولا من مقتَضياته ولا من مستحباته.
قلت: وهو حسن، ومع ذلك فلا دليل على استحباب الصلاة عند
البيع سوى عموم إحدى الروايات في قوله: ((كلُّ أمرٍ ذي بال)). وبالله
التوفيق .
٣٥- وأما الصلاة عليه عند كتابة الوصية: فقد ذكره بعض المتأخرين،
واستدل له بما رَوَى ابن زَبّرٍ من طريق الحسن بن دينار، عن الحسن
البصري قال: لما حضرت أبا بكرةَ الوفاةُ، قال: اكتبوا وصيتي، فكتب
الكاتب: هذا ما أوصى به أبو بكرةَ صاحبُ رسول الله وَّهِ، فقال أبو
بكرة: أَكْتني عند الموت؟! أُمْحُ هذا واكتب: هذا ما أوصى به نُفَيْعٌ
الحبشي مولى رسول الله وَّة، وهو يشهد أن الله عز وجل ربُّه، وأن
محمداً أَليّ نبيه، وأن الإسلام دينه، وأن الكعبة قبلته، وأنه يرجو من الله
ما يرجو المعترِفون بتوحيده والمقرُّون بربوبيته، وذكر الوصية إلى آخرها.
قلت: وهو موطن حسن، لكنْ ليس في هذه القصة ما يشهد
لذلك(١)، والله أعلم.
٣٦- وأما الصلاة عليه عند خطبة التزويج: فقال النووي في
(الأذكار)): يستحب أن يبدأ الخاطب بالحمد لله، والثناء عليه، والصلاةِ
على رسول الله وَ له، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، جئتكم راغباً في فتاتكم فلانة، أو في
كريمتكم فلانة بنت فلان، أو نحو ذلك. انتهى. ولم يذكر رضي الله عنه
في ذلك دليلاً خاصاً (١).
(١) نعم، لكنه أولى بالدخول تحت عموم ((كل أمر ذي بال)) من عقد البيع.

٤٠٩
وقد رُوِّينا عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿إن الله
وملائكته يصلون على النبي﴾ قال: يعني: أن الله يثني على نبيكم ويغفرُ
له، وأَمر الملائكة بالاستغفار له ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾: أَثْنوا
عليه في صلاتكم، وفي مساجدكم، وفي كل موطن، وفي خطبة النساء
فلا تنسَوْه. أخرجه إسماعيل القاضي بسند ضعيف.
ورؤِّينا عن أبي بكر بن حفص قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا
دعا إلى نكاح قال: لا تَقْصِفُوا علينا الناس(١)، الحمد لله، وصلى الله
على محمد، إن فلاناً خطب إليكم فإنْ أنكحتموه فالحمد لله، وإن
رددتموه فسبحان الله ! .
وعن العُتْبي، عن أبيه قال: خطب عمر بن عبد العزيز في نكاح امرأة
من أهله فقال: الحمد لله ذي العزَّة والكبرياء، وصلى الله على محمد
خاتم الأنبياء، أما بعد، فإن الرغبةَ منك دَعَتْك إلينا، والرغبةَ منا فيك
أجابتك، وقد أحسنَ ظناً بك مَن أودعك كريمتَه، واختارك لحرمته،
وقد زوَّجناك على أمر الله به: من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
وعن شَبيب بن شيبة (٢) قال: أتاني رجل من العشيرة قال: أحبُّ أن
تخطُب عليَّ، فإن الذي يردُّ خالد بن صفوان(٣)، فمضيت معه، فإذا
أعرابٌ مجتمِعون وإذا خالد بن صفوان جالس، فلما تهيأتُ للكلام
بَدَرني أعرابي فقال: الحمد لله كما هو أهله، وصلى الله على محمد كما
(١) على حاشية ب، هـ: ((يقال: انقصفوا عنه: اندفعوا، إذا تركوه ومرّوا)). قلت:
انقصف: اندفع. وانقصفوا عنه: إذا تركوه ومرّوا، أما انقصفوا عليه: فمعناه:
اجتمعوا عليه وازدحموا. وانظر ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١٧٧٩٦) بتحقيقي.
(٢) في د: بن شيبان، خطأ. وهو من رجال ((التهذيب))، وقال ابن حبان في
((المجروحين)) ٣٦٣:١: ((كان من فصحاء الناس ودُهاتهم في زمانه، وكان يقال:
هو أعقل مَن بالبصرة)).
(٣) وصفه الذهبي في ((السِّير)) ٢٢٦:٦ بقوله: ((العلامة البليغ، فصيح زمانه)). وهو
وشبيب بن شيبة تميميان مِنْقَريان أَهْتَمیان .

٤١٠
يستحقُّه، أما بعد، فإن ابن فلان مَن قد عرفتم، وخطب من قد علِمتم،
وقد بذل ما قد رضيتم، فأنكحتم أم رددتم؟ فتنحنح خالد ليَرُدَّ عليه،
فبدره أعرابي فقال: الحمد لله كما حمدتَه، وصلى الله على محمد كما
قلتَه، كلُّ ما وصفتَ غيرُ مجهول، حبلُك موصول، وفرضُك مقبول،
هاتِ يا غلام نَثَيْرتَك، فقام مُهَنِّىءٌ لهم فقال: بالثَّبَاتِ والبَيَاتِ، والبنين
لا البنات، والرضا حتى الممات.
قال شَبيب: فقلت لخالد: رأيتَ هكذا قطَّ إيجازاً؟! فقال: لا والله.
أخرجها أبو عمر النَّوْقاني في ((معاشرة الأهلین)) له.
وعند العِجْلي، عن أبيه قال: خطب رجل فأطال الخُطبة، فأجابه
رجل فقال: الحمد لله، وصلى الله على رسوله، قد زوّجناك على بركة
الله عز وجلّ، به.
وعن أبيه أيضاً قال: قال شَبيب بن عِقال - وكان من بني تميم، وكان
من أخطبِ الناس وأبلغِهم -: ما تمنّيت أن يكونَ لي قليلٌ من كلام غيري
بكثيرٍ من كلامي إلا يوماً واحداً، فإنّا خرجنا بصاحب لنا نريد أن
نزوِّجه، فبَصُر بنا أعرابي، فظنَّ بنا الذي أردنا، فتبِعَنا، فلما أتينا القوم
تكلم الخطيب، فذكر السموات والأرضين والبحار، وشقَّقَ وطوّل، فلما
فرغ قلنا: من يجيبه؟.
قال الأعرابي: أنا. قلنا له: أجِبْ. قال: إني والله ما أدري
ما تَحطاطُك هذا اليوم وما تَلصافُك؟!، الحمد لله، وصلى الله على
رسوله، أما بعد، فقد توسَّلتَ بقرابة، وذكرتَ حقاً، وعظَّمت مرجوّاً،
أنت له كفؤٌ، وقد زوَّجناك، ورضينا. هاتوا خَبيصكم ! .
٣٧- ٣٩- وأما الصلاة عليه في طَرَفي النهار، وعند إرادة النوم،
ولمن قلَّ نومه: فقد سبق حديثُ أبي الدرداء وأبي كاهل في الباب

٤١١
الثاني(١)، وحديثُ عليّ في الصلاة بعد الصبح والمغرب من هذا
الباب (٢)، وهي من الأدلة هنا.
وعن أبي قِرْصافَةَ - واسمه جَنْدَرة بنُ خَيْشَنَة من بني كِنانة وله
صحبة - رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَ ل يقول: ((من أوى إلى
فراشه ثم قرأ ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ ثم قال: اللهم ربَّ الحِلِّ
والحرام، وربَّ البلد الحرام، وربَّ الركن والمقام، ورب المَشْعر
الحرام، بحقِّ كل آيةٍ أنزِلتَها في شهر رمضان، بلِّغ روح محمدٍ تحيةً
وسلاماً، أربع مرات، وكَّل الله به ملكين حتى يأتيا محمداً فيقولان له:
إن فلانَ ابن فلانٍ يقرأ عليك السلامَ ورحمةَ الله، فأقول: على فلان ابن
فلانٍ مني السلامُ ورحمة الله وبركاته)). رواه أبو الشيخ، ومن طريقه
الديلمي في ((مسند الفردوس)) له، وكذا الضياء في ((المختارة)) وقال: لا
أعرف هذا الحديث إلا بهذا الطريق، وهو غريب جداً، وفي رُواته مَن
فيه بعض المقال. انتهى.
وقال ابن القيم: إنه معروف من قول أبي جعفر وإنه أشبه، والله
أعلم.
وذكر ابن بشكُوال - كما مضى في المقدمة (٣) - عن عبدوس الرازي أنه
وَصَف لإنسان قليلِ نومُه إذا أراد أن ينام أن يقرأ: ﴿إن الله وملائكته
يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ .
ويُروى عنه ◌ََّ - مما لم أقف على أصله -: ((من صلى عليَّ مساءً غُفِر
له قبل أن يصبح، ومن صلَّى عليَّ صباحاً غُفر له قبل أن يمسي)).
٤٠- وأما الصلاة عليه عند إرادة السفر: فقد قال النووي في أذكار
(١) صفحة ٢٦١، ٢٥٣.
(٢) صفحة ٣٤٨-٣٤٩.
(٣) صفحة ٨٧.

٤١٢
المسافر من ((كتاب الأذكار)) له: ويفتتح دعاءه ويَختمه بالتحميد لله
تعالى، والصلاة والتسليم على رسول الله وَ لقول، لكنْ لم يذكر في ذلك
دليلاً خاصاً (١)، والله أعلم.
٤١- وأما الصلاة عليه عند ركوب الدابة: فعن أبي الدرداء رضي الله
عنه أن النبي وَس* قال: ((من قال إذا ركبَ دابةً: بسم الله الذي لا يضرُّ مع
اسمه شيءٌ، سبحانه ليس له سَمِيٌّ، سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنّا
له مُقْرِنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله
على محمدٍ وعليه السلام، قالت الدابة: بارك الله عليك مِن مؤمن
خفَّفتَ عن ظهري، وأطعتَ ربك، وأحسنت إلى نفسك، بارك الله لك
في سفرك، وأنجَحَ حاجتك)). أخرجه الطبراني في ((الدعاء))(٢).
٤٢- وأما الصلاة عليه عند الخروج إلى السوق أو الانصراف من
الدعوة ونحوها: فعن أبي وائل قال: ما رأيت عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه جلس في مأدُبة ولا خِتان - وفي لفظ: ولا جنازة - ولا
غير ذلك، فيقومُ حتى يَحمَد الله ويثنيَ عليه ويصليَ على النبي ◌َّ،
ويدعوَ بدعوات، وإن كان يخرج إلى السوق فيأتي أغفلَها مكاناً،
فيجلسُ ويحمدُ الله ويصلي على النبي ◌ٍَّ ويدعو بدعوات. أخرجه ابن
أبي حاتم، وابن أبي شيبة، والنميري.
٤٣- وأما الصلاة عليه عند دخول المنزل: ففيه حديث سهل بن
سعد، الماضي في الباب الثاني (٣).
وعن عمرو بن دينار في قوله تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتاً فسلِّموا على
أنفسكم﴾ [النور: ٦١] قال: إن لم يكن في البيت أحدٌ فقل: السلام على
(١) انظر التعليق على ما تقدم ص ٤٠٨، رقم (٣٥، ٣٦).
(٢) رقم (٧٧٦)، وإسناده تالف.
(٣) صفحة ٢٧٣.

٤١٣
النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين،
السلام على أهل البيت ورحمة الله وبر كاته.
قلت: وجاء عن ابن عباس أن المراد بالبيوت هنا المساجد.
وعن النخعي قال: إذا لم يكن في المسجد أحدٌ فقل: السلام على
رسول الله، وإذا لم يكن في البيت أحدٌ فقل: السلام علينا وعلى عباد
الله الصالحين .
٤٤- وأما الصلاة عليه في الرسائل وبعد البسملة: فهو من سنة
الخلفاء الراشدين، التي أمر بها سيدُ المرسلين، عليه أفضل الصلاة
والتسليم.
ذكر الحافظ أبو الربيع ابن سالم الكَلاعي في كتابه ((الاكتفا» وغيره،
عن الواقدي بسنده عن ردَّة بني سُلَيم: أن أبا بكر رضي الله عنه كتب إلى
طريفة بن حاجز عاملِه عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر
خليفة رسول الله، إلى طريفة بن حاجز، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك
الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد وَلقر، أما بعد، إلى
آخر الكتاب.
وقد مضى عليه عمل الأمة في أقطار الأرض، من أول ولاية بني
هاشم، ولم ينكر ذلك، ومنهم من يختم به الكتب، وسيأتي قوله: ((من
صلَّى عليَّ في كتاب)) وما أشبهه.
وقد رأيت فيما نُقِل عن ((التاريخ المظفَّري)): أن أول من صدّر
الرسائل بالصلاة على النبي وّر هارون الرشيد، وما تقدَّم يردُّه إلا إنْ
أُوِّلَ.
وفي ((الأذكار)) للنووي في النهي عن لفظة: أطال الله بقاءك، قال:
ويُروى عن حماد بن سلمة أن مكاتبة المسلمين كانت: من فلان إلى

٤١٤
فلان، أما بعدُ، سلامٌ عليك، فإني أحمد الله إليك(١) الذي لا إله إلا
هو، وأسأله أن يصلِّ على محمد وعلى آل محمد، قال: ثم أحدث
الزنادقة هذه المكاتبات التي أولُها: أطال الله بقاءك، والله أعلم.
٤٥- وأما الصلاة عليه عند الهمّ والشدائد والكُرب: فعن أُبيّ فيه
حديثٌ تقدم في الباب الثاني(٢).
وروي عنه ◌َّ - مما لم أقف على أصله - أنه قال: ((من عَسُرَ عليه
شيءٌ فليكثر من الصلاة عليَّ فإنها تَحلُّ العقد وتكشِفُ الكُرب)).
وروى الطبراني في ((الدعاء)) من حديث محمد بن جعفر بن محمد بن
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم قال: كان أبي (٣)
إذا كَرَبه أمر، قام فتوضأ وصلى ركعتين، ثم قال في دُبُر صلاته: اللهم
أنت ثقتي في كل كرب، وأنت رجائي في كل شدة، وأنت لي في كل
أمرٍ نزل بي ثقةٌ وعُدَّةٌ، فكم من كرب قد يضعف عنه الفؤاد، وتقِلُّ فيه
(١) من معاني ((إلى)): المعية، أي: أنها تكون بمعنى: مع، حكى ذلك ابن هشام في
((المغني)) ١: ٧٥ عن الكوفيين وجماعة من البصريين، كقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا
أموالهم إلى أموالكم﴾ وذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب غسل المرافق مع اليدين
لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾
أي: مع المرافق.
فالمعنى هنا فيما يحكيه حماد بن سلمة: أحمد الله معك، وبهذا صرَّح الخليل بن
أحمد في كتابه ((العين)) ١٨٩:٣، قال: ((قولهم: أحمد إليك الله، أي: معك،
ويقال: إنما هو كقولك: أشكو إليك)). أي أتقدم إليك بالشكوى، وكذلك أتقدم
إليك بالحمد. ويرجِّح هذا المعنى الثاني: ورود هذا التعبير في مكاتبات النبي وَل
والخلفاء من بعده والقادة منهم، إلى بعض الملوك والرؤساء من غير المسلمين،
فتفسيرها بمعنى: أتقدم إليك بالحمد لله، مع غير المسلم، أولى من تفسيرها:
أحمد الله تعالى معك. والله أعلم.
(٢) صفحة ٢٥٦.
(٣) هو جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط الشهيد
رضي الله عنهم أجمعين .

٤١٥
الحيلة، ويرغب عنه الصَّديق، ويشمتُ به العدو، أنزلتُه بك وشكوتُه
إليك، ففرَّجتَه وكشفتَه، فأنت صاحب كل حاجة، ووليُّ كل نعمة،
وأنت الذي حفظتَ الغلام بصلاح أبويه، فاحفظني بما حفظتَه به، ولا
تجعلْني فتنةً للقوم الظالمين .
اللهم وأسألك بكلّ اسم هو لك سمَّته في كتابك، أو علَّمته أحداً من
خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، وأسألك بالاسم الأعظم
الأعظم الأعظم، الذي إذا سئلتَ به كان حقاً عليك أن تجيب، أن تصلي
على محمد وعلى آل محمد، وأسألك أن تقضيَ حاجتي. ويسألُ حاجته.
٤٦- وأما الصلاة عليه عند إلمام الفقر والحاجة أو خوفٍ وقوع
ذلك: فعن سَمُرة وسهل بن سعد رضي الله عنهما، فيه حديثان تقدما في
الباب الثاني(١).
٤٧- وأما الصلاة عليه عند الغَرَق: فحكى الفاكهاني في كتاب
((الفجر المنير)) قال: أخبرني الشيخ الصالح موسى الضريرُ أنه ركب في
مركب البحر المِلْح، قال: وقد قامت علينا ريح تسمى الإقلابية، قلَّ من
ينجو منها من الغرق، فنمت، فرأيت النبي ◌ّ ل وهو يقول لي: قل لأهل
المركب يقولوا ألف مرة: اللهم صلّ على محمد صلاةً تُنجينا بها من
جميع الأهوال والآفات، وتقضي لنا بها جميعَ الحاجات، وتطهِّرنا بها
من جميع السيئات، وترفعُنا بها عندك أعلى الدرجات، وتبلِّغنا بها
أقصى الغايات، من جميع الخيرات، في الحياة وبعد الممات.
قال: فاستيقظت وأخبرت أهل المركب بالرؤيا، فصلينا نحو ثلاث
مئة مرة، ففرَّج الله عنا وأسكن عنا تلك الريح ببركة الصلاة على النبي
محَى له
وساقها المجد اللغوي بإسناده مثلَه سواء، ونقل عقبها عن الحسن بن
(١) صفحة ٢٧٣.

٤١٦
علي الأُسواني قال: من قالها في كل مُهمٍّ ونازلةٍ وبليّةٍ ألف مرة فرَّج الله
عنه وأدرك مأموله.
٤٨- وأما الصلاة عليه عند وقوع الطاعون: فنقل ابن أبي حَجَلة عن
ابن خطيبٍ يَبْروذَ أن رجلاً من الصالحين أخبره أن كثرة الصلاة على
النبي ◌َِّ تدفعُ الطاعون. وقال - أعني ابن أبي حَجَلة -: إنه تلقَّى ذلك
بالقبول، وإنه جعل في كل حين يقوم ويقول: اللهم صلِّ على محمد
وعلى آل محمد، صلاةً تعصمنا بها من الأهوال والآفات، وتطهِّرنا بها
من جمیع السيئات.
ثم استدلَّ على أصل المسألة بأمور خمسة:
أحدها: قوله في الحديث: ((إذاً تُكفى همَّك))، وقد سبق(١).
ثانيها: قوله في قصة الجمل المسروق ((نجوتَ من عذاب الدنيا
والآخرة)) وسيأتي(٢).
وثالثها: أن الصلاة من الله تعالى رحمة، وأما الطاعون فهو - وإن
كان في حق المؤمنين شهادةً ورحمة - فقد كان في الأصل رجزاً
وعذاباً، والرحمة والعذاب ضدّان فلا يجتمعان.
رابعها: قوله في الحديث المتقدم(٣): ((إن أنجاكم من أهوالها
ومواطنها يوم القيامة أكثرُكم عليَّ صلاةً في الدنيا)) فإذا كانت تَدفع أهوال
يوم القيامة، فدفعُها للطاعون الذي هو من أهوال الدنيا من بابِ أولى.
خامسها: قوله: ((إن المدينة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال)) إنما
كان سببُه بركتَه وَّه، فكانت الصلاة عليه أيضاً سبباً لدفعه.
قلت: وأولها مستندٌ جيد، وباقيها ليس بذاك، والله أعلم.
(١) هو حديث أبيّ بن كعب المتقدم ص٢٥٦ .
(٢) صفحة ٤٤٨ -٤٤٩.
(٣) صفحة ٢٥٩.

٤١٧
وذكر الشيخ شهاب الدين ابن أبي حَجَلة أيضاً أن بعض الصالحين
حين كثُر الطاعون في المَحَلَّة، ذكر أنه رأى النبيَّ وَّ في المنام وشكا
إليه الحال، فأمره أن يدعو بهذا الدعاء: اللهم إنا نعوذ بك من الطعن
والطاعون، وعظيم البلاء في النفس والمال والأهل والولد، الله أكبر،
الله أكبر، الله أكبر مما نخاف ونحذر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر عددَ
ذنوبنا حتى تُغفر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وصلَّى الله على محمد
وآله وسلَّم، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهم كما شفَّعت نبيك فينا،
فأمهلتَنَا وعَمَرتَ بنا منازلَنا: فلا تُهلكنا بذنوبنا يا أرحم الراحمين.
قال شيخنا: ويبعد صحة صدور هذا الدعاء، لمصادمته لما ثبت عنه
وَ يّر أنه دعا بذلك لأمته، فكيف يُتصوَّر أن يأمرهم أن يستعيذوا مما دعا
لهم به؟! والله أعلم.
٤٩- وأما الصلاة عليه أولَ الدعاء وأوسطَه وآخره: فقد أجمع
العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء عليه، ثم
بالصلاة على رسول الله وم ثير، وكذلك يختم بها لفظاً.
قال الأُقليشي: ومهما(١) دعوتَ إلَهك فابدأ بالتحميد، ثم ثَنِّ بالصلاة
على نبيك المجيد، واجعل صلاتك عليه في أولِ دعائك وأوسطِه
وآخره، وانشر بثنائك عليه نفائسَ مفاخره، فبذلك تكون ذا دعاء
مجاب، يُرفع بينك وبينه الحجاب. صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَالر: ((لا
تَجعلوني كقَدَح الرَّاكب)) قيل: وما قَدَح الرَّاكب؟ قال: ((إن المسافر إذا
فرغ من حاجته صبَّ في قدحه ماءً، فإن كان له إليه حاجةٌ توضأ منه أو
شربه، وإلا أَهَراقه، اجعلوني في أول الدعاء وأوسطه وآخره)). رواه عبدُ
ابن حُمَيد والبزار في مسنديهما، وعبد الرزاق في ((جامعه))، وابن أبي
(١) يريد: ومتى.

٤١٨
عاصم في ((الصلاة)) له، والتيمي في ((الترغيب))، والطبراني، والبيهقي
في ((الشُعب))، والضياء، وأبو نعيم في ((الحلية))، ومن طريقه الديلمي،
كلهم من طريق موسى بن عُبيدة الرَّبَذي، وهو ضعيف والحديث غريب.
وقد أخرجه أبو اليمن ابن عساكر من طريق المُعافَى بن عمران ووكيع
كلاهما عن موسى، قال: وتابعهما جعفر بن عون، وكذا الثوري، غير
أنه قال: عن محمد بن إبراهيم، عن جابر. يعني: والطرق الأولى عن
موسى، عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جابر، قال:
ولم يسمع محمد بن إبراهيم من جابر.
قلت: ويحرَّر هذا.
ورواه سفيان بن عيينة في ((جامعه)) من طريق يعقوب بن زيد بن
طلحة، يبلُغ به النبيَّ وَّ قال: ((لا تجعلوني كقدح الراكب، اجعلوني
أولَ دعائكم وأوسطه وآخره)) وسنده مرسل أو معضل، فإن كان يعقوب
أخذه عن غير موسى تقوَّت به رواية موسى، والعلم عند الله تعالى.
والقَدَح: بفتح القاف والدال وبالحاء المهملتين. قال الهَرَوِي
- وتبعه ابن الأثير -: أراد: لا تؤخِّروني في الذِّكر، والراكب يعلِّق
قدحه في آخرة رحله ويجعله خلفه. قال حسان:
كما نِيطَ خلفَ الراكب القَدَحُ الفَرْهُ (١)
وقوله ((أَهَرَاق)): في بعض الروايات ((هَرَاق)) والهاء فيه مُبْدَلة من
همزةٍ: أراق، يقال: أراق الماء، يُرِيقه، وهَرَاقه يُهَريقه - بفتح الهاء -
هَرَاقةً، ويقال فيه: أَهْرقتُ الماءَ أُهَرِيقه إهراقاً، فَيُجمع بين البدل
والمبدَل منه، والله أعلم.
وعن فَضَالة بن عبيد رضي الله عنه، عن النبي وَّ قال: ((إذا دعا
أحدُكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبي ◌ِّر ثم ليدعُ
(١) البيت في ((ديوانه)) أواخر قافية الدال بشرح الأستاذ البرقوقي ص٢١٣.

٤١٩
بما شاء)) الحديثَ، وقد سبق في الصلاة عليه في التشهد من هذا
الباب(١).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئاً
فليبدأ بحمده والثناء عليه بما هو أهله، ثم يُصَلِّ على النبي ◌َّ، ثم
ليسألْ بعدُ، فإنه أجدرُ أن يَنجح أو يصيب. رواه عبدالرزاق، والطبراني
في ((الكبير)) من طريقه ورجاله رجال الصحيح، وهو عند ابن أبي الدنيا
في ((الذكر)) له بلفظ: إذا أراد أحدكم أن يدعوَ فأحبّ أن يُستجابَ له
فليحمدِ الله وَلْيُتْنِ عليه، وليصلِّ على النبي ◌َّ، ثم ليدعُ بحاجته، فإنه
أجدرُ أن يُستجاب له.
وقد تقدم بلفظ آخر في المكان المذكور أيضاً(٢).
وعن عبد الله بن بُسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ لَ: ((الدعاءُ
كلُّه محجوبٌ حتى يكون أولَه ثناءٌ على الله عزَّ وجلَّ وصلاةٌ على النبيِ وَِّ،
ثم يدعو فيستجابُ لدعائه)). رواه النسائي، وأبو القاسم ابن بشكُوال من
طريقه، من رواية عمر بن عمرو الحمصي، عنه.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي بَّ قال: ((كلُّ دعاءٍ
محجوبٌ حتى يصلَّى على النبيِ وَ ◌ّه)). أخرجه الديلمي في ((مسند
الفردوس)» له.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن رسول الله وَ له أنه قال:
((صلاتكم عليَّ مُخْرِزةٌ لدعائكم)) الحديث. وقد تقدم في الباب
(٣)
الثاني(٣) .
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ذُكر لي: ((أن الدعاء يكون
(١) صفحة ٣٥٣.
(٢) صفحة ٣٥٠.
(٣) صفحة ٢٧٠ .

٤٢٠
بين السماء والأرض لا يصعدُ منه شيءٌ حتى يصلَّى على النبيِ وَليّ)).
رواه إسحاق بن راهويه، وهو عند الترمذي من طريقه، وابن بشكُوالَ
بلفظ: ((الدعاء موقوفٌ بين السماء والأرض)) والباقي مثلَه، وفي سنده
من لا يُعرف(١)، وقد أخرجه الواحدي، ومن طريقه عبدالقادر الرُّهاوي
في ((الأربعين))، وفي سنده من لا يُعرف أيضاً.
قلت: والظاهر أن حكمه حكم المرفوع، لأن مثل هذا لا يُقال من
قِبَل الرأي، كما صرح به جماعة من أئمة أهل الحديث والأصول.
وأيضاً فإن حديث فَضَالة المشار إليه(٢) يدل على قوة رفعه لأنه بلفظه،
وقد أخرجه الديلمي بلفظ: ((الدعاء يُحجب عن السماء، ولا يَصعد إلى
السماء من الدعاء شيءٌ حتى يصلَّى على النبي ◌َّ، فإذا صُلِّي على النبي
وَخليه صعد إلى السماء))، وهو في ((الشفا)) بلفظ: ((الدعاء والصلاة معلقٌ
بين السماء والأرض، ولا يصعد إلى الله منه شيءٌ حتى يصلَّى على النبي
.‘意
وفي ((شرف المصطفى)) بلا إسنادٍ، عنه وَّ أنه قال: ((الدعاء بين
الصلاتین لا یردُّ) انتهى.
وقد رُوِّينا معنى ذلك عن أبي سليمان الداراني، كما سيأتي بعد يسير
في الصلاة عليه عند الحاجة تعرِض(٣).
وخرّج الباجي عن ابن عباس رضي الله عنهما - مما لم أقف على
أصله - قال: إذا دعوتَ الله فاجعل في دعائك الصلاةَ على النبي ◌ِّه
فإن الصلاة عليه مقبولة، والله أكرمُ من أن يقبل بعضاً ويردَّ بعضاً.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي وَّ قال: ((ما من
(١) بعدالة ولا جرح، كما قال ابن خزيمة، وهو أبو قرَّة الأسدي، ومع ذلك أخرج له
في ((صحيحه))، كما في ((تهذيب التهذيب)) ١٢ :٢٠٦-٢٠٧.
(٢) قبل صفحة.
(٣) صفحة ٤٣٥.