Indexed OCR Text

Pages 321-340

اختصاص الرسول عليًا بتأدية براءة عنه:
قال ابن إسحاق: وحدّثني حكيم بن حكيم بن عبَّاد بن حُنَيف، عن أبي جعفر
محمد بن عليّ رضوان الله عليه، أنه قال: لما نزلت براءة على رسولِ الله وَلَرَ، وقد كان
بعث أبا بكر الصدّيق ليُقيم للناس الحجّ، قيل له: يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبي
بكر، فقال: ((لا يؤدّي عني إلاّ رجل من أهل بيتي))، ثم دعا عليّ بن أبي طالب رضوان
الله عليه، فقال له: ((اخرج بهذه القصّة من صدر براءة، وأذن في الناس يوم النحر إذا
اجتمعوا بمِنى: أنه لا يدخل الجنّة كافر، ولا يحجّ بعد العام- مشرك، ولا يطوف بالبيت
عُريان، ومن كان له عند رسول الله وَر عهد فهو له إلى مدّته))، فخرج عليّ بن أبي
طالب رضوان الله عليه على ناقة رسول الله وَ العضباء، حتى أدرك أبا بكر بالطريق،
فلما رآه أبو بكر بالطريق، قال: أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا. فأقام أبو
بكر للناس الحجّ، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحجّ، التي كانوا
عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر، قام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فأذن
في الناس بالذي أمره به رسولُ اللهِ وَّر، فقال: أيها الناس، إنه لا يدخل الجنّة كافر، ولا
يحجّ بعد العام مُشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ومن كان له عند رسولِ الله ◌َّ عهد
فهو له إلى مدّته، وأجَّل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كلّ قوم إلى مأمنهم
أو بلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلاّ أحد كان له عند رسولِ الله وَلل عهد إلى
مذة، فهو له إلى مدّته. فلم يحجّ بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عُريان.
ثم قَدِما على رسولِ اللهِ وَّه .
قال ابن إسحاق: فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد
العام، وأهل المدّة إلى الأجل المسمّى.
ما نزل في الأمر بجهاد المشركين :
قال ابن إسحاق: ثم أمر الله رسوله ول﴿ بجهاد أهل الشرك، ممن نقض من أهل
العهد الخاصّ، وَمَن كان من أهل العهد العام، بعد الأربعة الأشهر التي ضرب لهم أجلاً
إلاّ أن يعدوَ فيها عاد منهم، فيقتل بعدائه، فقال: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُوا
الحَدَثَانِ، وفي الصحيح أن زَيْد بن مِرْبَع ويقال فيه أيضًا: عبد الله بن مِرْبَع كان ممن أُمَر أن
يُنادِي بذلك، ورُوي مثل ذلك عن بِشْرِ بن سُخَيْم الغِفَاريّ، وقد رُوي أن حُذَيْفَةً كان المنادِي
بذلك، وعن سعد بن أبي وقّاص أيضًا، وبلال، ذكر بعض ذلك البَزَّار في مُسْنَده، وقد قيل
في قوله تعالى: ﴿فإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ أنه أراد ذا الحِجَّةِ والمُحرَّم من ذلك العام، وأنه
٣٢١
الروض الأنف/ ج ٤/ م ٢١

بإخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
قاتِلُوهُمَّ يُعَذّبْهُمُ اللَّهُ بأيدِيكُمْ ويُخْرِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْم مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ
غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ﴾ أي: من بعد ذلك ﴿عَلَى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمْ حَكِيمٌ أَمْ حَسِبْتُمْ
أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ولَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا
المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: وليجة: دخيل، وجمعها: ولائج؛ وهو من وَلَجَ يَلِج: أي: دخل
يدخل، وفي كتاب الله عزّ وجلّ: ﴿حتى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمّ الخِياطِ﴾: أي: يدخل،
يقول: لم يتخذوا دخيلاً من دونه يُسِرُّون إليه غير ما يظهرون، نحو ما يصنع المنافقون،
يُظهرون الإيمان للذين آمنوا ﴿وَإِذَا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ قال الشاعر:
ساقوا إليك الحَتْف غيرَ مَشَوب
واعلم بأنك قد جُعِلتَ وليجَةً
ما نزل في الردّ على قريش بادعائهم عمارة البيت:
قال ابن إسحاق: ثم ذكر قولَ قريش: إنا أهلُ الحرم، وسُقاة الحاجّ، وعمَّار هذا
البيت، فلا أحد أفضل منّا، فقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ﴾:
أي: إن عمارتكم ليست على ذلك، وإنما يَعْمُر مساجدَ الله أي: من عمرها بَحقها ﴿مَنْ
آمَنَ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِر وأقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ولَمْ يَخْشَ إلاّ اللَّهَ﴾: أي: فأولئك
عُمارها ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ وعسى من الله: حقّ.
ثم قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاجٌ وعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ
الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
جعل ذلك أجَلَاً لِمَنْ لا عَهْدَ له من المشركين، ومن كان له عَهْدٌ جُعِل له أربعةُ أشهر أوّلُها
يوم النحر من ذلك العام، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ قيل: أراد حين الحجّ، أي أيّام
الموسم كلها، لأن نداء عليّ بن أبي طالب ببراءة كان في تلك الأيّام.
ما نزل في سورة براءة:
فصل: وذكر ابن إسحاق ما أنزل الله في سورة براءة في غَزْوَة تَبُوك، وأهلُ التفسير
يقولون إن آخرها نزل قَبْل أوّلها، فإن أوّل ما نزل منها:
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وثِقَالاً﴾ ثم نزل أوّلُها في نَبْذِ كُلِّ عَهْدٍ إلى صاحبِه كما تقدّم.
٣٢٢

ما نزل في الأمر بقتال المشركين :
ثم القصة عن عدوّهم، حتى انتهى إلى ذكر حنين، وما كان فيه، وتوليهم عن
عدوّهم، وما أنزل الله تعالى من نَصْرة بعد تخاذلهم، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكون
نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعدَ عامِهِمْ هذَا وإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ وذلك أن الناس قالوا:
لتنقطعنّ عنَّا الأسواق، فلتهكنّ التجارة، وليذهبنّ ما كنا نصيب فيها من المرافق، فقال الله
عزّ وجلّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: من وجه غير ذلك
﴿إِنْ شَاءَ إن اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمُ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا باليَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرّمُونَ ما
حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقْ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حتَى يُعْطُوا الجِزْيَةً عَنْ يَدِ
وَهُمْ صَاغِرونَ﴾: أي: ففي هذا عوض مما تخوّفتم من قَطع الأسواق، فعوّضهم الله بما
قطع عنهم بأمر الشرك، ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب، من الجِزْية.
وقوله: ﴿انْفِروا خِفَافًا وثِقَالاً﴾ فيه أقوالٌ: قيل معناه: شُبَّانًا وشُيُوخًا، وقيل: أغنياء
وفقراء، وقيل أصحاب شُغْلُ وغير ذِي شَغْلٍ، وقيل: رُكْبَانًا ورَجَّالَةَ .
عن الأجدع بن مالك:
وأنشد شاهدًا على أَوْضَعُوا خِلاَلَكُم للأجدَعِ بن مالك والدِ مَسْروق بن الأجدع، وقد
غيَّر عُمر رضي الله عنه اسم الأجُدَع، وقال: الأجْدَعُ: اسمُ شيطانٍ، فسمّاه عبدَ الرحمن
ويُكْنى مَسْروق أبا عائشة.
وقوله في البيت: يصطادك الوَحَدَ، أي: يصطاد بك، وأراد بالوَحِد: الثَّوْر الوَخْشِي.
وقوله: بِشَريج بين الشَّدْ والإيضاع، يقال: هما شريجان، أي: مختلفان، وقبل هذا
البيت بأبيات في شعر الأجدع:
أَسأَلْتِني برکائِبي ورحالِھا
ونَسِيتِ قَتْلَى فوارسِ الأَرْبَاعِ
وذكره أبو عَليَّ [القالي] في الأمالي(١)، فقال: وسَأَلْتِنِي بالواو، وقد خطَّئوه، وقالوا: إنما هو
أَسَأَلْتِنِي. وفوارسُ الأرباع قد سمّاعم أبو علي في الأمالي، وذكر لهم خبرًا.
إعطاء الجزية عن يد :
وذكر قوله تعالى: ﴿حتى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون﴾ وقيل فيه أربعةُ أقوال
أيضًا:
(١) الأمالي للقالي (٢٣/١).
٣٢٣

ما نزل في أهل الكتابين:
ثم ذكر أهل الكتابين بما فيهم من الشرّ والفِرية عليه، حتى انتهى إلى قوله تعالى:
﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأخبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بالباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفضَّةَ وَلا يُتْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشْرْهُمْ بِعَذَابٍ أليم﴾ .
ما نزل في النسيء:
ثم ذكر النسيء، وما كانت العرب أحدَثَت فيه. والنسيء ما كان يُحَلّ ما حرّم الله
تعالى من الشهور، ويُحَرّم مما أحلّ الله منها، فقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ
شَهْرَا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ مِنْها أَرْبَعَةً حُرُمٌ ذلكَ الدّينُ القَيِّمُ فَلا
تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: أي: لا تجعلوا حرامها حلالاً، ولا حلالها حرامًا: أي: كما
فعل أهلُ الشرك ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ الذي كانوا يصنعون ﴿زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الّذِينَ
كَفَرُوا يُحِلُونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّه زُيِّنَ لَهُمْ
سوءُ أَعمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافرينَ﴾.
ما نزل في تبوك:
ثم ذكر تبوكَ وما كان فيها من تثاقل المسلمين عنها، وما أعظموا من غزوة الرّوم،
حين دعاهم رسولُ اللهِ وَّه إلى جهادهم، ونِفاقَ من نافق من المنافقين، حين دُعوا إلى ما
دُعوا إليه من الجهاد، ثم ما نَعَى عليهم من إحداثهم في الإسلام، فقال تعالى: ﴿يا أيُّها
الَّذِينَ آمَنُوا مالَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّاقَلْتُمْ إِلى الأرضِ﴾، ثم القصّة إلى
أحدها: أن يؤدّيها الذِّمْيُّ بنفسه، ولا يرسلها مع غيره.
الثاني: أن يُؤَدِّيها قائمًا، والذي يأخذها قاعدًا.
الثالث: أن معناه: عن قَهْرِ وإِذْلاَلٍ.
الرابع: أن معناه عَنَ يَدٍ مِنْكُم، أي: إنعام عليهم بحَقْن دمائهم، وأخذِ الجِزْيَةِ منهم
بَدَلاً من القَتْل، كل هذه الأقوال مذكورة في كتب المفسرين، ولفظ الآية يتناول جميعَ هذه
المعاني، والله أعلم.
ومعنى قوله تعالى: في هذه الآية ﴿قاتلوا الذين لا يُؤْمِنُون بالله ولا باليوم الآخِرِ﴾
وإن كان أهلُ الكتاب يُصدِّقون بالآخِرَة، فمعناه فيما ذكر ابن سَلاَّم أن أهلَ الكتاب لا يقولون
بإعادة الأجْسَادِ ويقولون إن الأزوَاحَ هي التي تُبُعثَ دون الأجساد.
٣٢٤

قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غيرَكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ
فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ﴾.
ما نزل في أهل النفاق:
ثم قال تعالى لنبيّه وَلَ، يذكر أهل النفاق: ﴿لَوْ كانَ عَرِضًا قرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا
لاتَّبَعُوكَ ولكِنْ بَعُدَتْ عَلَيهِمُ الشُّقَةُ وَسَيَخْلفون بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ
أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذِبُونَ﴾: أي: إنهم يستطيعون ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ ... إلى قوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيَكُمْ ما
زَادُوكُمْ إلاَّ خَبالاً ولَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ .
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: أوضعوا خلالكم: ساروا بين أضعافكم، فالإيضاع: ضرب من
السير أسرع من المشي؛ قال الأجدَعُ بن مالك الهَمْدانِي:
يَصطادك الوحِدَ المُدِلَّ بشأوِهِ
بشَريج بين الشَّدّ والإيضاع
وهذا البيت في قصيدة له.
عود إلى ما نزل في أهل النفاق:
قال ابن إسحاق: وكان الذين استأذنوه من ذوي الشرف، فيما بلغني، منهم:
عبد الله بنُ أُبَيّ ابن سَلُول، والجَدّ بن قيس؛ وكانوا أشرافًا في قومهم، فثبّطهم الله لعلمه
بهم أن يخرجوا معه، فيفسدوا عليه جنده، وكان في جنده قومٌ أهل محبة لهم، وطاعةٍ
فيما يدعونهم إليه، لشرفهم فيهم. فقال تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بالظَّالِمِينَ لَقَدِ ابْتَغَوا الفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: من قبل أن يستأذنوك، ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾:
أي: ليُخَذّلُوا عنك أصحابك ويردّوا عليك أمرك ﴿حتى جاءَ الحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ
كَارِهُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اثْذَنْ لي وَلا تَفْتِنْي ألا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾، وكان الذي قال
ذلك. فيما سُمّي لنا، الجَدّ بن قيس، أخو بني سَلِمَة، حين دعاه رسولُ اللهِ وَلَّهِ إِلى
من المعذرين:
وذكر في المُعذّرين: خُفَافَ بن إيماء بن رَحْضَةً، ويقال فيه: رُخْضَة بالضم ابن خربة،
وكان له ولأبيه إيماء، ولجده رَخْضَة صحبةٌ. مات خُفَافٌ في خلافة عُمَر بن الخطّاب
- رضي الله عنه - وكان إمامًا لبني غِفَارٍ .
٣٢٥

جهاد الرّوم. ثم كانت القصّة إلى قوله تعالى: ﴿لوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مَدَّخَلاً
لَوَلَّوا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ وَمِنْهُم مَن يَلْمِزُكُ في الصَّدَقاتِ فإنْ أَعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ
يُعْطَوا مِنْها إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾: أي: إنما نيتهم ورضاهم وسخطهم لدنياهم.
ما نزل في ذكر أصحاب الصدقات :
ثم بيّن الصدقات لمن هي وسمى أهلها، فقال: ﴿إِنمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِين
والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلََّةِ قُلُوبُهُمْ وفِي الرّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَة
مِنَّ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
ما نزل فيمن آذوا الرسول:
ثم ذكر غشّهم وأذاهم النبيّ بَّه، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ
أُذُنْ قُل أُذُنُ خَيْرِ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ للْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ للَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ
رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وكان الذي يقول تلك المقالة، فيما بلغني، نَبْتَل بن
الحارث أخو بني عمرو بن عوف، وفيه نزلت هذه الآية، وذلك أنه كان يقول: إنما
محمد أُذُن، مَن حدّثه شيئًا صدّقه. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَذُنُ خَيْرِ لَكم﴾: أي: يسمع
الخیر ویصدّق به.
ثم قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ باللَّهِ لكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أحَقُّ أن يُرْضُوهُ إنْ
كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾، ثم قال: ﴿وَلَئِنْ سألْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أباللَّهِ وآياتِهِ
وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ ... إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمُ نُعذّبْ
طائِفَةٌ﴾، وكان الذي قال وديعة بن ثابت، أخو بني أُميَّة بن زيد، من بني عمرو بن
عوف، وكان لذي عُفِيَ عنه، فيما بلغني: مُخَشِّنُ بن حُميِّر الأشْجعيّ، حليف بني
سَلِمة، وذلك أنه أنكر منهم بعض ما سمع.
ثم القصَّةَ من صفتهم حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفَّارَ
والمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِثْسَ المَصِيرُ يَحْلِفُونَ باللَّهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قالُوا
كلِمَة الكُفْرٍ وكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وهَمُّوا بمَا لَمْ يَنالُوا وَمَا نَقَمُوا إلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ... إلى قوله: ﴿مِنْ وَلِيّ وَلا نَصِيرٍ﴾. وكان الذي قال تلك المقالة
الجُلاس بن سُويد بن صامت، فرفعها عليه رجلٌ كان في حِجْرة، يقال له: عُمير بن
وذكر ابن عقيل صاحب الصَّاع الذي لَمَزَه المنافقون، واسمه جَثْجَاتٌ وقد قيل في
صاحب الصَّاع إنه رِفَاعَة بن سَهْل.
٣٢٦

سعد، فأنكرها وحلف بالله ما قالها، فلما نزل فيهم القرآن تاب ونزع، وحسُنَت حالُه
وتوبته، فيما بلغني.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ
الصَّالِحِينَ﴾، وكان الذي عاهد الله منهم ثَعلبة بن حاطب، ومِعَتِّب بن قُشير، وهما من
بني عمرو بن عوف.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوْعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ
إلَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَمَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ وكان المطّوّعون من
المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف، وعاصمَ بن عديّ أخا بني العجلان،
وذلك أن رسولَ الله وَلَّ رَغَّب في الصدقة، وحضّ عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف،
فتصدَّق بأربعة آلاف درهم، وقام عاصم بن عديّ، فتصدّق بمائة وَسْق من تمر،
فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلّ رياء، وكان الذي تصدّق بجهده أبو عقيل أخو بني أُنيف،
أتى بصاع من تمر، فأفرغها في الصدقة، فتضاحكوا به، وقالوا: إن الله لغَنيّ عن صاع
أبي عقيل.
ثم ذكر قول بعضهم لبعض، حين أمر رسولُ اللهِ وَّ بالجهاد وأمر بالسِّير إلى
تبوك، على شدّة الحرّ وجدب البلاد، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الحَرّ قُلْ نَارُ
جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ ... إلى قوله: ﴿وَلا
تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وأَوْلادُهُمْ﴾.
ما نزل بسبب صلاة النبيّ على ابن أُبيّ:
قال ابن إسحاق: وحَدّثني الزهري عن عُبيد الله بن عبد الله بن عقبة، عن ابن
عباس، قال: سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول: لما توفي عبد الله بن أُبَيّ، دُعِيَ رسولُ
الله وَيّ للصلاة عليه، فقام إليه؛ فلما وقف عليه يُريد الصلاة تحوّلتُ حتى قمت في
صدره، فقلت: يا رسول الله، أتُصلّي على عدوَّ الله عبد بن أُبيّ ابن سلول؟ القائل كذا
يوم كذا، والقائل كذا يوم كذا؟ أعدّد أيامه، ورسول الله وَله يتبسّم حتى إذا أكثرت قال:
يا عمر أخّر عني، إني قد خُيُرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْلا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غُفر
له، لزدت. قال ثم صلّى عليه رسولُ الله بَّرَ، ومشى معه حتى قام على قبره، حتى فُرِغ
٣٢٧

منه. قال: فعَجِبت لي ولجُرأتي على رسولِ اللهِ وَّ ورسوله أعلم. فوالله ما كان إلاّ
يسيرًا حتى نزلَت هاتان الآيتان: ﴿وَلا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ
إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ومَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فما صلّى رسولُ الله ◌َله بعده على منافق
حتى قبضه الله تعالی.
ما نزل في المستأذنين :
٠
قال ابن إسحاق: ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجَاهِدُوا مَعَ
رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَك أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾، وكان ابن أُبَيّ من أولئك، فنَعَى الله ذلكِ عليه،
وذكره منه، ثم قال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والْذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهَارُ
خالِدِينَ فِيها ذلكَ الفَوْزُ العَظيمُ وجاءَ المُعَذّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا
اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ... إلى آخر القصّة. وكان المعذّرون، فيما بلغني نفرًا من بني غِفار، منهم
خُفافُ بن أيماء بن رَحَضة، ثم كانت القصّة لأهل العُذر، حتى انتهى إلى قوله: ﴿وَلا
عَلَى الَّذِينَ إِذَا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ
الدَّمْعِ حَزَنًا ألاَّ يَجِدُوا ما يُتْفِقُونَ﴾ وهم البكاءون.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بَأَنْ يَكُونُوا
مَعَ الخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يعْلَمونَ﴾ والخوالف: النساء. ثم ذكر حَلِفهم
للمسلمين واعتذارهم، فقال: ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فإنَّ
اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفَاسِقِينَ﴾ .
ما نزل فيمن نافق من الأعراب:
ثم ذكر الأعراب ومن نافق منهم وتربُّصهم برسول الله وَّر وبالمؤمنين، فقال:
﴿وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ﴾: أي: من صدقة أو نفقة في سَبيل الله ﴿مَغْرَمًا
وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمْ﴾ .
ثم ذكر الأعرابَ أهل الإخلاص والإيمان منهم، فقال: ﴿وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ألا إنَّهَا قُرْبَةٌ
لَهُمْ﴾ .
٣٢٨

ما نزل في السابقين من المهاجرين والأنصار:
ثم ذكر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وفضّلهم، وما وعدهم الله من
حُسن ثوابه إيّاهم، ثم ألحق بهم التابعين لهم بإحسان، فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا
عَنْهُ﴾، ثم قال تعالى: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى
النّفاقِ﴾: أي: لجُوا فيه، وأبَوْا غيره ﴿سَنُعَذّبُهُمْ مَرَّتَيْنٍ﴾، والعذاب الذي أوعدها الله
تعالى مرّتين، فيما بلغني: غمّهم بما هم فيه من أمر الإسلام، وما يدخل عليهم من غَيظ
ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها، ثم العذاب العظيم الذي
يُردّون إليه، عذاب النار والخلد فيه. ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا
يُعَذّبِهُمْ وإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾، وهم الثلاثة الذين خُلْفوا، وأرجأ رسول الله وَّر أمرهم حتى
أتت من الله توبتهم. ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ ... الخ. القصّة
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ بِأَنّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾. ثم كان
قصّة الخبر عن تبوك، وما كان فيها إلى آخر السورة.
وكانت براءة تُسمّى في زمان النبيّ وَّ وبعدَه المبعثرة، لما كشفت من سرائر
الناس. وكانت تَبُوكُ آخر غزوة غزاها رسول الله وَله .
شعر حسَّان الذي عدّد فيه المغازي
وقال حسَّان بن ثابت يُعدّد أيام الأنصار مع النبيّ وَّر ويذكر مواطنهم معه في أيّام
غزوه :
قال ابن هشام: وتُروى لابنه عبد الرحمن بن حسَّان:
ألسْتُ خيرَ معدّ كلّها نفرًا ومعشرًا إن همُ عُمُّوا وإن حُصِلوا
قصيدة حسَّان الميمية
فصل: وذكر كلمة حسَّان المِيمِيَّة (١) وفيها:
أَلَسْتُ خَيْرَ مَعَدٍّ كلّها نَفَرا
وحَسَّانُ ليس من مَعَدُ، ولكن أَرَاد: ألست خَيْرِ النّاس، فأقام مَعَدًا لكثرتها مقام
النَّاس.
(١) بل هي اللاميّة، فلعله تصحيف أو سهو.
٣٢٩

مع الرسول فما أَلَوا(١) وما خَذَلوا
قَوْمِ همُ شَهِدوا بدرًا بأجمعهم
وبايعوه فلم يَنْكُثْ به أحَدٌ
ويؤْمَ صَبَّحهم في الشّعب من أُحُد
ويوم ذي قَرَد يومَ اسْتَثار بهمْ
وذا العُشيرة جاسُوها بِخَيْلِهمُ
ويوم وَدّانَ أَجْلَوا أهلَه رَقَصًا
ولَيْلَةَ طلَبُوا فيها عَدُوَّهُمُ
وغَزْوَةً يَوْمَ نَجْدٍ ثم كانَ لهُم
ولَيْلَةً بِحُنَيْنِ جالدُوا معَهُ
وَغَزْوَةَ القاعِ فرَّقْنا العدوَّ به
ويومَ بُويَع كانوا أهلَ بَيْعته
وَغَزْوَةَ الفَتْحِ كانوا في سَريَّته
ويومَ خَيْبَر كانوا في كْتِيبَته
بالبِيض تَرْعَش في الأيمانِ عاريةً
ويؤمَ سارَ رَسولُ اللهِ مُختَسِبًا
وساسةُ الحَرْبِ إن حزبٌ بدَتْ لهمُ
أُولَئِك القَوْمُ أنصَارُ النّبيّ وهمْ
ماتوا كِرامًا ولم تُنْكَثْ عُهودُهُم
منهم ولم يَكُ في إيمانِهِم دَخَلُ(٢)
ضَرْبٌ رَصِينٌ كحَرّ النَّار مُشْتعلُ
على الجِيادِ فمَا خامُوا ومَا نَكلوا
معَ الرَّسول عَليها البَيْضُ والأسَلُ(٣)
بالخيْلِ حتى نَهانا الحَزْن (٤) والجَبَلُ
للِهِ والله يَجْزِيَهم بما عَمِلوا
معَ الرَّسولِ بها الأسْلاب والنَّفَلُ
فيها يعَلُّهم(٥) بالحَزْب إذ نَهَلوا (٦)
كما تُفَرَّق دون المَشْرب الرَّسَلُ
على الجِلاد فآسَوْه وما عَدَلوا
مُرابِطِينَ فمَا طاشُوا ومَا عَجِلوا
يَمْشون كلُّهم مُسْتَبْسِلٌ بَطَلُ
تَعْوَجْ في الضرب أحيانًا وتعتدلُ
إلى تَبُوكَ وهم راياتُه الأُوَلُ
حتى بَدا لهمُ الإِقْبالُ والفَفَل
قَوْمي أصِيرُ إليهم حينَ أَتَّصِلُ
وقَتلُهم في سبيلِ اللهِ إذْ قُتلوا
قال ابن هشام عجز آخرها بيتًا عن غير ابن إسحق.
قال ابن إسحاق: وقال حسَّان بن ثابت أيضًا:
كُنَّا مُلوكَ النَّاسِ قبلَ مُحَمَّدٍ
فلمَّا أتى الإسلامَ كان لنا الفَضْلُ
(١) آلوا: قصروا.
(٣) الأسل: الرماح.
(٥) علّهم: سقاهم.
(٢) الدخل: الشكّ.
(٤) الحزن: الأرض الصعبة.
(٦) النهل: الشراب.
٣٣٠

إله بأيّام مَضَتْ ما لها شَكْلُ
وأكرَمنا الله الذي ليسَ غيرَهُ
بنَصْرِ الإلهِ والرَّسولِ ودِينه
أولَئك قَوْمي خيرُ قوّمك بأسْرهم
يَرُبُّون بالمعروف معروف من مضَى
إذا اختُبِطوا لم يُفْحِشوا في ندیُهمُ
وإن حارَبوا أو سالمُوا لم يُشَبَّهوا
وجارُهم مُوفٍ بعَلْياءَ بيته
وحاملُهم مُوفٍ بكلّ حَمالة
وألْبَسنَاه اسمًا مَضَى ما له مِثْلُ
فمَا عُدّ من خَيرٍ فَقَوْمي له أهْلُ
وليس عليهم دونَ معروفهم قفُلُ
وليس على سُؤَالهم عندهم بُخلُ
فحَرْبهم حَتْفٌ وسِلْمِهِمْ سَهْلُ
له ما ثَوَى فينا الكرامةُ والبذْلُ
تحمَّل لا غُزْمٌ عليها ولا خَذْلُ
وقائلُهمْ بالحَقّ إن قالَ قائلٌ
وحِلْمِهمُ عَوْد وحُكمهمُ عَذْلُ
ومنَّا أميرُ المُسْلمينِ حَياتَه
ومَنْ غَسَّلَتْهُ مِن جَنابَته الرُّسْلُ
قال ابن هشام: وقوله: ((وألبسناهُ اسمًا)) عن غير ابن إسحق.
قال ابن إسحاق: وقال حسَّان بن ثابت أيضًا:
كرَامٌ إذا الضَّيْفُ يومًا أَلَمْ
قَوْمي أُولَئِكَ إِنْ تَسألي
يَكُبُّونَ فِيها المُسِنَّ السَّنِمْ
عِظامُ القُدُورِ لأيْسارِهم
ويَحْمُونَ مَوْلاهُم إِنْ ظُلِمْ
يُؤَاسُونَ جارَهُمْ في الغِنَى
وفيها:
وناد جهارًا ولا تَخْتَشِم
وفيها رَدِّ على من زعم أن الحِشْمَة لا تكون إلاّ بمعنى الغَضَب وأنها مِمَّا يضعها
الناسُ غير موضعها، وقد جاء عن ابن عباس: لكل طاعم حِشمَةٌ، فابْدَؤوه باليمين، وفي
الحديث المرفوع: لا يَرْفَعَنَّ أحدُكم يده عن الطعام قبل أَكِيله، فإن ذلك مما يَحْشِمُهُ، وأنشد
أبو الفَرَج لمحمد بن يسير، وإن كان ليس مثل حَسَّان في الحجّة:
جالستُ أهلِ الوَفَاءِ والكَرَمِ
في انْقِبَاضِ وحِشْمَةٍ فإذا
وقلت ما شئت غَيْر مُختَشِمٍ
أرْسَلتُ نَفْسِي على سَجِيَّتِها
٣٣١

فكانُوا مُلُوكًا بأرْضِيهِمُ
مُلوكًا على النَّاس، لم يُمْلكُوا
فأتْبَوا بعادٍ وأشياعها
بِيَثْرِبَ قدِ شَيَّدوا في النّخيلِ
نَوَاضِحَ قد عَلَّمتها اليهُو
وفيما اشْتَهَوْا مِن عَصِير القِطا
فَسِرْنا إلَيهِمْ بأثْقالِنا
جَنَبْنا بهِنَّ جِيادَ الخُيُو
فلمَّا أناخُوا بجَنبيْ صِرَار
فمَا راعَهُم غيرُ معْجِ الخُيو
فطارُوا سِراعًا وقَدَ أُفْزِعُوا
على كلّ سَلْهبة في الصيّا
وكلِ كُمَيْتٍ مُطار الفُؤَادِ
عليها فوَارِسُ قد عُوّدُوا
مُلوك إذا غَشَمُوا في البِلا
فأُبْنا بسادَاتِهم والنّساء
وَرِثْنا مَساكِنَهُمْ بَعْدَهم
فلمَّا أتانا الرَّسُولُ الرَّشِيـ
قُلْنا صَدَقْتَ رَسُولَ المَليك
فِنَشْهَدَ أنَّكَ عبدُ الإلـ
فإنا وأولادُنا جُنَّةٌ
فنحنُ أُوَلئِكَ إن كذّبوك
يُنادُونَ عَضْبًا بأمر غُشُمْ
منَ الدَّهرِ يومًا كحِلٌ القَسَمْ
ثَمُودَ وبَعْضٍ بَقايا إرَمْ
خُصُونًا ودُجِّنَ فيها النُّعَمْ
دُ (عَلْ) إليك وقَوْلاً هَلُمْ
ف والعيْشِ رخوًا على غيرِهُم
على كُلّ فَخلٍ مِجانٍ قَطِمْ
لٍ قد جَلَّلوها جِلال الأدَمْ
وشَدّوا السُّرُوجَ بَلى الحُزُم
ل والزَّخْفُ من خلفهم قد دَهِم
وجِثْنا إليهم كأُسْد الأُجُمْ
ن لا يَشْتكين نحُولَ السَّأَمْ
أمينِ الفُصوص كمثل الزُّلَمْ
قرَاعَ الكُمَاةِ وَضَرْبَ البُهَمْ
د لا يَنْكُلونَ ولكن قُدُمْ
وأولادُهم فيهِمُ تُقْتَسَمُ
وكُنّا مُلُوكًا بِها لَمْ نَرِمْ
ـد بالحَقّ والنُّور بعدَ الظُّلَمْ
هَلُمْ إِلَيْنا وفينا أقِمْ
ـه أُرْسِلْتَ نُورًا بدينٍ قِيَمْ
نَقِيكَ وفي مالِنا فاختكم
فنادِ نِداءٌ وَلا تَحْتَشِمْ ر
وفيها قوله:
وكانوا مُلوكًا، ولم يَمْلِكوا من الدَّهْرِ يومًا كَحِلُ القَسَمْ
فيه شاهد لما قاله ابن قُتَيْبَةً في تفسير كحِلَّة القَسَم، وخلافه لأبي عبيد، وقد قدمنا
قولهما فيما تقدّم من شرح قصيدة كَغْبٍ بن زهير.
٣٣٢

وناد بما كُنْتَ أخْفَيْتَهُ
فصار الغُواةُ بأسيافهم
فقُمْنا إلَيْهِمْ بِأسْيافنا
بكلّ صقيلٍ لهُ مَيْعَةٌ
إذا ما يصادِفُ صُمّ العظا
فذلكَ ما وَرَّثَتْنا القُرُو
إذا مَرَّ نَسْلٌ كَفَى نَسْلُه
فمَا إِنْ من النَّاسِ إِلاَّ لَنا
ندَاءً جهارًا وَلا تَكْتَتِمْ
إِلَيه يظُتُونَ أن يُخْتَرَمْ
نجالدُ عنهُ بُغاةً الأُمَمْ
رقيقِ الذَّباب عَضوضٍ. خَذِمْ
م لم ينْبُ عنها ولم يَنْثَلِمْ
مُ مَجْدًا تَلِيدًا وعِزَّا أشَمّ
وغادرَ نَسْلا إذا ما انْفَصمْ
علَيْه وإن خاص فضلُ النِّعَمْ
قال ابن هشام: أنشدني أبو زيد الأنصاري بيته:
يُنادُونَ غُضْبًا بأمر غُشُمْ
فكانُوا مُلُوكًا بأرضِيهم
وأنشد ابن قُتَيْبَةَ :
بها وَتَدّ إلاّ تَحلَّة مُقْسِم
إذا عَصَفَتْ ريحٌ فليس بقائم
وأنشد أيضًا:
قليلاً كتَخلِيل الأُلَى ثم أصبحت
البيت.
وقوله: وعزَّا أَشَمْ، هو كقول العَرَبِ: عِزَّةٌ قَعْسَاء، يريد: شَمَّاءَ، لأن الأقْعَسَ الذي
يَخْرج صدرُه ويدخل ظهره، وقد فسّره المُبَرِّد غير هذا التفسير، وبيت حَسَّانِ يشهد لما قلناه،
إنما هو الشَّمَمُ الذي يوصف به ذو العِزَّة، فوصفت العزةُ به مَجَازًا.
تفسير سورة النصر:
فصل: وذكر سورة: ﴿إذا جاء نصرُ الله﴾، وتفسيرُه لها في الظاهر خلاف ما ذكره ابن
عباس حين سأله عمرُ عن تأويلها، فأخبره أن الله تعالى أعلم فيها نبيَّه عليه السلام بانقضاءٍ
أجله، فقال له عمر: ما أعلم منها إلاّ ما قلت. وظاهر هذا الكلام يدلّ على ما قاله ابنُ
عباس وعمر؛ لأن الله تعالى لم يقل: فاشْكُرْ ربَّك، واخمِدْه، كما قال ابنُ إسحق: إنما
قال: ﴿فَسَبِّح بحمد ربِّك واستغفره إنه كان توّابًا﴾، فهذا أمرٌ لنبيِّه عليه السلام بالاستعداد للقاءِ
ربُّه تعالى والتوبة إليه، ومعناها الرجوع عَمَّا كان بسبيله مما أرسل به من إظهار الدين، إذ قد
فرغ من ذلك، وتم مُرادُه فيه، فصار جوابُ إذا مِنْ قوله تعالى: ﴿إذا جاء نصرُ الله والفتحُ
٣٣٣

وأنشدني:
حُصونًا ودُجِّن فيها النَّعَم
بيثربَ قد شيَّدوا في النَّخِيل
وبيته :
((وكلّ كُمَيْت مطار الفُؤاد»
عنه .
ورأيت الناسَ يَدْخُلون في دين الله أَفْوَاجًا﴾ مَخْذُوفًا. وكثيرًا ما يجيءُ في القرآن الجوابُ
محذوفًا، والتقدير: ﴿إذا جاء نصرُ الله والفتحُ﴾، فقد انقضى الأَمْرُ، ودنا الأجَلُ، وحان اللقاء،
﴿فسبِّخْ بِحمْدٍ رَبِّك واسْتَغْفِرْهُ إنه كان توّابًا﴾، ووقع في مُسْنَد البَزَّار مُبَيِّنَا مِنْ قَوْل ابن عَبَّاسٍ
فقال فيه: فقد دنا أجَلُك فسبح، هذا المعنى هو الذي فهمه ابنُ عباس، وهو حذف جواب
إذا، ولمَّا بِتَنَبَّهُ لهذه النُّكْتَةِ حُسِب أن جوابَ إذا في قوله سبحانه: فسَبِح، كما تقول: إذا جاء
رمضانُ فصُمْ، وليس في هذا التأويل من المُشاكَلَةِ لما قبله ما في تأويل ابن عباس فتدبّرِه،
فقد وافقه عليه عُمَرُ رضي الله عنه، وحَسْبُك بهما فَهْمًا لكتابِ الله تبارك وتعالى، فالفاء على
قول ابن عباس رابطةٌ للأمر بالفعل المحذوف، وعلى ما ظهر لغيره رابطة لجوابِ الشَّرْطِ
الذي في إذا .
٣٣٤

ذكر سنة تسع وتسميتها سنة الوفود
ونزول سورة الفتح
قال ابن إسحاق: لما افتتح رسولُ الله ◌َليل مكّة، وفرغ من تَبوك، وأسلمت ثقيف
وبايعت، ضربت إليه وفودُ العرب من كلّ وجه.
قال ابن هشام: حدّثني أبو عُبيدة: أن ذلك في سنة تسع، وأنها كانت تسمّى سنة
الوفود.
انقياد العرب وإسلامهم:
قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تَرَبَّص بالإسلام أمرَ هذا الحيّ من قُريش،
وأمر رسول الله وَّر، وذلك أن قريشًا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام،
وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وقادة العرب لا يُنكرون ذلك، وكانت
قدوم الوفود على رسول الله وَالـ
وفد عبد القيس(١):
من أصَحّ ما جاء في هذا الباب حديثُ وفْدٍ عَبْدِ القيس، وهم الذين قال لهم رسولُ
اللهِ وَلجر: ((مَرْحَبًا بالوفدِ غيرِ خَزَايَا ولا نَدَامَى))(٢)، وقد تكرّر حديثهم في الصَّحِيحين دون
تَسْمِيَةِ أحدٍ منهم، فمنهم أَشَجُّ عبد القيس، وهو المُنْذِر بن عائذٍ، قال له النبيُّ وَّ: ((إن
(١) انظر الطبقات (٦٤/٢/١) الطبري (١٣٦/٣) المنتظم (٣٨٢/٣) الزاد (٦٠٥/٣) والبخاري
(١٢٠/١) ومسلم في الإيمان (١٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٢٠/١) ومسلم في الإيمان (٢٤) وابن خزيمة في صحيحه (٣٠٧) والطبراني في
الكبير (٢٢٥/١٢) وانظر الفتح (١٢٩/١).
٣٣٥

قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله مس له وخلافه، فلما افتُتحت مكّة، ودانت له
قُريش، ودَوَّخها الإسلام، وعرفت العرب أنه لا طاقةً لهم بحرب رسول الله وَلٍ ولا
عداوته، فدخلوا في دين الله، كما قال عزّ وجلّ، أفواجًا، يضربون إليه من كلّ وجه،
يقول الله تعالى لنبيّه وَالرّ: ﴿إِذَا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ورَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دينِ اللَّهِ
أفْوَاجًا فَسَبِخْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا﴾: أي: فاحمد الله على ما أظهر من
دینك، واستغفره إنه کان توابًا .
قدوم وفد بني تميم ونزول سورة الحجرات:
رجال الوفد:
فقدمت على رسول الله وَ ◌ّرُ وفُود العرب، فقدّم عليه عُطارد بن حاجب بن
زُرارة بن عُدُس التميميّ، في أشراف بني تميم، منهم الأقرع بن حابس التميمي،
والزّبْرِقَان بن بَذْر التميمي، أحد بني سعد، وعمرو بن الأهتم، والحَبْحاب بن يزيد.
فيك خَلَّتَيْنِ يحُبُّهما الله ورسولُه: الحلم والأناة، ومنهم أبو الوازع الزَّارِع بن عامر وابن أخته
مَطَر بن هِلال العَنْزِي)).
ولما ذكّروا للنبيّ وَّ أنه ابنُ أختِهم قال: ابن أُخْتِ القوم منهم. ومنهم: ابن أخي
الزَّارع، وكان مجنونًا، فجاء به معه ليدعُوَ له النبيُّ - صَلَّ - فمسح ظهرَه، ودعا له فبرِىء
لچِينِهِ، وكان شيخًا كبيرًا فكُسِي جَمَالاً وشَبَابًا، حتى كان وَجْهُه وجهَ العذْرَاء، ومنهم
الجَهْم بنُ قَثْم لما نهاهم النبيُّ عليه السلام عن الشُّرب في الأوعية وحذَّرهم ما يقع في ذلك
من الجِراح، وأخبرهم أنهم إذا شربُوا المُنْكَر عَمَدَ أحدُهم إلى ابن عَمِّه، فجرحه، وكان فيهم
رجل قد جُرِح في ذلك وكان يُخفى جرحه ويكتُمه، وذلك الرجلُ هو جَهْم بن قُثَمَ، عجبوا
من علم النبيّ عليه السلام بذلك، وإشارته إلى ذلك الرجلِ.
ومنهم: أبو خَيْرَةَ الصُّبَاحِي من بني صُبَاحِ بن لُكَيٍْ من حديثه عن رسولِ الله وَلِّ أنه
قال: ((الَّلهُمَّ اغْفِرْ لعبد القَيسْ))(١)، وأنه زَوَّدَهم الأرَاكَ يَسْتَاكُون به، ومنهم: مَزيدة العَصْرِي
جَدَّ هُودِ بن عبد الله بن سعد بن مَزيدة، وعلى هُود يدور حديثُه في التَّمْر البَرنيّ، وأنه دواء،
وليس فيه داء، ومنهم: قَيْس بن النُّعمان ذكره أبو داود في كتاب الأشْرِبة، فهذا ما بلغني من
تَسْمِيَة مَنْ وَفَد على النبيّ ◌ََّ في وَقْدِ عبدِ القيس.
(١) أخرجه البخاري (١٩٨/٥) ومسلم (١٩٤٤) والبيهقي في الدلائل (١٥٣/٥).
٣٣٦

شيء عن الحتات:
قال ابن هشام: الحتات وهو الذي آخى رسولُ اللهِ وَّ بينه وبين معاوية بن أبي
سُفيان، وكان رسولُ اللهِ وَّه قد آخى بين نفر من أصحابه من المهاجرين؛ بين أبي بكر
وعمر، وبين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وبين طلحة بن عبيد الله
والزبير بن العوّام، وبين أبي ذَرّ الغِفاري والمِقْداد بن عمرو البَهْراني، وبين معاوية بن أبي
سُفيانَ والحُتَات بن يزيد المُجَاشِعِي، فمات الحُتات عند معاوية في خلافته، فأخذ معاوية
ما ترك وِرَاثَةٌ بهذه الأخُوّة، فقال الفَرَزْدَقُ لمعاوية:
تُراثًا فيَختاز التّراثَ أقارِيُة
أبوكَ وعمِّي يا معاويَ أوْرَثا
وميراثِ حزبٍ جامدٌ لك ذائِبة
فما بالُ مِيراثِ الحُتات أكْلتَه
وهذان البيتان في أبيات له.
سائر رجال الوفد:
قال ابن إسحاق: وفي وفد بني تميم: نُعَيم بن يَزيد، وقَيْس بن الحارث،
وقيس بن عاصم، أخو بني سعد، في وفد عظيم من بني تميم.
قال ابن هشام: وعطارد بن حاجب، أحد بني دارم بن مالك بن حنظلة بن
مالك بن زيد مناة بن تميم، والأقرع بن حابس، أحد بني دارم بن مالك، والحتات بن
يزيد، أحد بني دارم بن مالك، والزّبرقان بن بدر، أحد بني بهدلة بن عوف بن كعب بن
سعد بن زيد مناة بن تميم، وعمرو بن الأهتم، أحد بني مِنْقر بن عُبيد بن الحارث بن
عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وقيس بن عاصم، أحد بني منقر بن
عُبيد بن الحارث.
قال ابن إسحاق: ومعهم عُيينة بن حصنٍ بن حذيفة بن بدرِ الفَزاريُّ، وقد كان
الأقرع بن حابس، وعُيينة بن حصن شهدا مع رسول الله وَّةٍ فَتح مكّة وحُنَينًا والطائف.
وذكر في الوُفود الحُتَاتَ بنَ يزيدَ وقول الفرزدق لمعاوية فيه:
فما بالُ ميرَاثِ الحُتَاتِ أكلتَه
البيت، وبعده في غير سيرة ابن إسحق:
لَبُؤْت بها أو غَصَّ بالماء شَارِبُه
فلو أَنَّ هذا كان في غَيْرَ ملككم
الروض الأنف/ ج ٤/ م ٢٢
٣٣٧

صياحهم بالرسول وكلمة عطارد :
فلما قدم وفد بني تميم كانا معهم، فلما دخل وفد بني تميم المسجد نادوا رسولَ
الله وَلوُ من وراء حُجراته: أن اخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسولَ الله وَلُّ من
صِياحهم، فخرج إليهم، فقالوا: يا محمد، جئناك نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخَطيبنا، قال:
((قد أذنت لخطيبكم فليقل))(١)، فقال عُطارد بن حاجب، فقال: الحمد لله الذي له علينا
الفضل والمنّ، وهو أهلُه، الذي جعلنا مُلوكًا، ووهب لنا أموالاً عِظامًا، نفعل فيها
المعروف، وجعلنا أعزَّ أهل المشرق وأكثره عددًا، وأيسره عُدَّة، فمَن مِثلنا في الناس؟
ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدّد مِثْل ما عدّدنا، وإنا لو نشاء
لأكثرنا الكلام، ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نُعرف بذلك.
أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمرٍ أفضلَ من أمرِنا. ثم جلس.
شرح صاحب الحلّة:
وذكر فيهم عطارِد بن حَاجِب بن زُرَارَةَ، وهو صاحب الحُلَّةِ التي قال فيها النبيّ وَّ:
((إنما يلبس هذه الحُلّة مِن لا خَلاَقَ له [في الآخرة])»(٢) وقول عمر رضي الله عنه: أَتَكْسُوني
هذه، وقد قلت في حُلَّةٍ عَطَارِد ما قلت، وكان سَبَبُ تلك الحُلَّة أن حاجبَ بن زُرَارَةَ أبا
عطارِد كان وفد على كَسْرى ليأخذ منه أمانًا لقومه لِيَقْرُبُوا من ريفِ العِرَاق لجَذْبٍ أصاب
بلادهم، فسأله كِسْرى رَهْنًا لِيَسْتَوْثِقَ بها منهم، فدفع إليه قَوْسَه رَهِينةً فاسْتَحْمَقَهُ المَلِكُ
وضحِك منه، فقيل له: أيّها الملكُ إنهم العربُ لو رَهَنك أحدُهم تَبْنَةً ما أسلمها غَدْرًا فقبلها
منه كَسْرَى، فلما أخصبت بلادهم انتشروا راجعين إليها، وجاء حاجُبٌ يطلب قوسَه، فعند
ذلك كساه كَسْرى تلك الحُلَّة التي كانت عند عَطَارد المذكورة في جامع المُوَطَّأ. ذكره ابن
قُتَيْبَة في المعَارِف أو معناه، وفي المُوطَّأ أن عُمَرَ رضي الله عنه - كسا الحُلَّةِ أَخّا له مُشْرِكًا
بمكّة، قال ابن الحَذَّاء: كان أخاه لأُمُّه، واسمه: عُثْمَان بن حَكِيم الثَّقَفِيّ، وهو جد
سعيد بن المُسَيَّبِ لأُمه، هكذا ذكر في تَسْمِية رجَالِ المُوَطَّأ، وغلط من وجهين، أحدهما أنه
قال: كان أخا عُمَرَ لأُمُّه، وإنما هوَ أخو زيد بن الخَطَّاب لأُمُّه أسماءَ بنت وَهْبٍ بن أسَدٍ بن
(١) أخرجه أحمد (٣٩٤/١) والبيهقي في الدلائل (١٣/٤) وابن عساكر في تهذيبه (١١٠/١)
(٣٥٨/٣).
(٢) أخرجه البخاري (٥/٢) ومسلم في اللباس (٨٦/٩) وأبو داود (١٠٧٦) والنسائي (٩٦/٣) وابن
ماجة (٣٥٩١) وأحمد (٢٠/٢) ومالك (٩١٧) والبيهقي في الآداب (٦٠٩ - بتحقيقي) وانظر الفتح
(٣٧٣/٢) (٢٣٢/٥) (٤١٤/٢٩٦/١٠).
٣٣٨

كلمة ثابت في الردّ على عطارد
فقال رسول الله وَلّ لثابت بن قَيْس بن الشمّاس، أخي بني الحارث بن الخزرج:
قم، فأجب الرجل في خطبته. فقام ثابت، فقال: الحمدُ للهِ الذي السمواتُ والأرض
خَلْقُه، قضَى فيهنّ أمرَه، ووسع كرسيَّه علمُه، ولم يك شيء قطّ إلاّ من فضله، ثم كان
من قُدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفى من خير خلقه رسولاً، أكرمه نسبًا، وأصدقه
حديثًا، وأفضله حسبًا، فأنزل عليه كتابَه وأأتمنَه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين،
ثم دعا الناسَ إلى الإيمان به، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرمُ
الناس حسبًا، وأحسن النَّاس وجوهًا، وخير الناس فِعالاً. ثم كان أوّل الخلق إجابة، واستجاب
الله حين دعاهُ رسولُ اللهِ وَّر نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا
بالله، فمن آمن بالله ورسوله منه منّا ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدًا، وكان قتله علينا
يسيرًا. أقول قولي هذا واستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.
خُزَيْمَةَ، وأما أُمُّ عُمَرَ فهي حَنْتَمَةُ بنت هاشِم بن المُغِيرَةِ [بن عبد الله بن مخزوم]، والغلط
الثاني أنه جعله ثَقِيفيًّا وإنما هو سُلَمِيّ وهو عثمان بن حَكِيم بن أُميَّة بن مُرَّة بن هلال بن
فَالجَ بن ذَكْوَانِ بن ثَعْلَبَة بن بُهْثَة بن سُلَيم، هكذا نسبه الزبيرُ وبنتُه أُم سعيد، ولدت
سعيد بن المسيَّب.
نسب ابن الأهتم:
وذكر فيهم عَمْرو بن الأَهْتَم ونسبه، واسم الأهتَم: سُمَيُّ بن سِنَانٍ، وهو جد
شَبِيب بن شَيْبَةً وخالد بن صَفْوَان الخَطِيبين البليغين، وسُمِّي سُمَيّ بالأهْتَم، لأن قَيْسَ بن
عَاصِمٍ ضربه فَهَتَم فاه.
عن كرسيّ الله
وذكر خطبة ثابت بن قَيْسٍ، وفيها وسع كُرْسِيَّه علمُه، وفيه رَدِّ على من قال: الكرسي
هو العِلم، وكذلك من قال هو القدرة، لأنه لا توصف القدرةُ والعلمُ بأن العِلم وسعها،
وإنما كرسيُّه ما أحاط بالسَّمُواتِ والأَرَضِين، وهو دون العَرْشِ كما جاءت به الآثارُ، فعلمُه
سُبْحَانَه قد وَسِع الكُرْسِيَّ بما حواه من دَقَّائِقِ الأشياء وجلائِلها وجُمَلِها وتَفَاصِيلها، وقد قيل:
إن الكرسي في القرآن هو العَرشُ، وهو قول الحَسَنِ، وفي هذا الحديث ما يكاد أن يكونُ
حُجَّةً لهذا القول، لأنه لم يُرِذ أن العِلْمَ وسع الكُرْسِيِّ، فما دونه على الخصوص، دون ما
فوقه، فجائزٌ أن يريد به العرشَ، وما تحته والله أعلم. فإن صحّت الروايةُ عن ابن عباس أن
٣٣٩

شعر الزّبْرِقان في الفخر بقومه
فقام الزِّبْرِقَان بن بَدْر، فقال:
مِنَّا المُلُوكُ وفينا تُنْصَبُ البِيَعِ
نحنُ الكِرَامُ فَلا حَيّ يُعادِلُنا
عند النّهاب وفضْلُ العزّ يُتَّبَع
وكُمْ قَسَرْنا منَ الأخياءِ كُلْهِمٍ
مِن الشّواء إذا لم يُؤْنَس الفَزَعُ
ونحنُ يُطعِم عند القَخْط مُطْعَمنا
من كلّ أرضٍ هُوِيًّا ثم تَصْطَنِعُ
بما تَرَى النَّاسَ تَأْتِينا سُراتُهُم
الكرسِيَّ هو العلم، فَمُؤَوَّلَةٌ، كأنه لم يقصد تفسيرَ لفظ الكُرْسِيِّ، ولكن أشار إلى أن معنى
العلم والإحاطة يُفهَم من الآيةَ، لأن الكُرْسِيَّ الذي هو عند العرب موضع القَدَمين من سَرِيرٍ
المُلكِ إذا وَسِعَ ما وسع، فقد وسعه علمُ المِلكِ ومُلْكُه وقُذْرَتُه، ونحو هذا، فليس في أن
يسعِ الكُرْسِيُّ ما وَسِعه مدحْ وثَناءٌ على الملك سبحانه، إلاّ مِنْ حيث تَضَمَّنَ سِعَةَ العِلم
والمُلْك، وإلاّ فلاَ مَذْح في وَصْفِ الكرسي بالسِّعة، والآية لا مَحَالَة واردةٌ في معرض المدح
والتعظيم للعَلِيّ العظيم الذي لا يَتُودُه حفظُ مخلوقاته كلها، وهو الحيّ القَيُّومُ، وقَرَّى الطبري
قولَ ابن عباس، واحتجّ له بقوله عزّ وجلّ: ﴿ولا يَتُوده حفظُهما﴾ وبأن العَرَبَ تسمّي العلماء
كَرَاسِيَّ. قال: ومنه سُمّيَتْ الكُرَّاسُ لما تَضَمَّنته وتجمعه من العِلْم، وأنشد:
كَرَاسِيُّ بالأخدَاثِ حينَ تنُوبُ
تَحُفُّهم بيضُ الوُجُوهِ وعُضْبَةٌ
أي: عالمون بالأحداث.
شعر الزبرقان
وذكر شعر الزِّبْرِقان، وأن بعضَ الناس يُنْكِر الشعرَ له، وذكر البرقي أن الشعر لِقَيْسٍ بن
عاصم المنْقَرِيّ، وكان الزِّبْرِقَانُ يُرْفَع له بيتٌ من عَمَائِمَ وثيابٍ، ويُنْضَخُ بالزَّغْفَران والطّيبِ،
وكانت بنو تميم تحجّ ذلك البيتَ. قال الشاعر، وهو المُخَبَّلِ السَّعْدِي، واسمه كَعْبُ بن
ربيعة بن قِتَال:
يَحُجُّونِ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
وأَشْهَدَ من عَوْف حُلُولاً كَثِيرَةً
والسَّبُّ: العِمَامَةُ، وأحسبه أشار إلى هذا المعنى بقوله:
بما تَرَى الناسَ تأتِينا سُرَاتُهم
البيت. وليس الشُّرَاةُ جمع سَرِى كمّا ظنُّوا، وإنما هو كما تقول ذِرْوَتُهم وسَنَامُهم،
وسَرَاةُ كل شيء: أعلاه، وقد أوضحناه فيما مضى من هذا الكتاب، والزِّبْرِقَانُ من أسماء
٣٤٠