Indexed OCR Text

Pages 41-60

قال الزهري: وخرج رسولُ اللهِ وَّرَ، حتى إذا كان بعُسْفان لَقِيه بشر بن سُفيان
الكَغْبي - قال ابن هشام: ويقال بُسْر - فقال: يا رسول الله هذه قُريش، قد سَمِعت
بِمَسِيرِكَ، فخرجوا معهم العُوذُ المَطافِيل، قد لَبِسوا جُلُودَ النُّمور، وقد نَزلوا بذي طُوَى،
يُعاهدون الله لا تَدْخلها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خَيْلِهم قد قَدّموها إلى كُراع
الغَميم، قال: فقال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يا وَيْحَ قُريش! لقد أكَلتهم الحربُ، ماذا عليهم لو
خَلَّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابُوني كان الذي أرادُوا، وإن أَظْهَرَنِي الله عليهم
دخلوا في الإسلام وافِرين، وإن لم يَفْعلوا قاتَلُوا وبهم قُوّة، فما تَظُنّ قريش، فوالله لا
أزال أُجاهِد على الذي بعثني الله به حتى يُظهرَه الله أو تَنْفرد هذه السَّالفة)).
وشَطُ الوادي: أيضًا جانبُه، وبعضهم يقول فيه الأشْطَاظ بالظاء المعجّمة، واسم عينه
ذلك بُسْرُ بن سُفِيَانَ بن عَمْرو بن عُمَيْرِ الخُزَاعِي، وهو الذي بعثه رسولُ الله ◌ِّهِ مع بُدَيْل ابن
أُمْ أَصْرَمَ وهو بُدَيْلَ بن سَلَمَة إلى خزاعة يَسْتَثِرُهم إلى قتالِ أهْلِ مكّة عامَ الفَتْحِ.
وفيه أن قريشًا خرجت ومعها العُوذُ المطَافِيلُ. العُوذُ: جمع عائِذٍ، وهي الناقة التي
معها ولدُها، يُريد أنهم خرجوا بذَوَاتِ الأَلْبَانِ من الإبل، ليتَزَوَّدوا أَلْبَانَها، ولا يَرْجعوا، حتى
يُنَاجِزوا محمدًا وأصحابَه في زعمهم، وإنما قيل للناقة: عائذ، وإن كان الولدُ هو الذي يعوذ
بها، لأنها عاطفٌ عليه، كما قالوا: تَجَارَةٌ رابحة، وإن كانت مَرْبُوحًا فيها، لأنها في معنى
نَامية وزَاكِية، وكذلك عيشة رَاضِيَة لأنها في معنى صالحة، ومن نحو هذا قوله: ﴿والهَذْيَ
مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥] وإن كان عاكِفًا، لأنه مَحْبُوسٌ في المعنى، فتحوّل وزنُه في اللفظِ
إلى وَزْنِ ما هو في معناه، كما قالوا في المرأة: تُهْرَاقُ الدِّمَاءِ، وقياسه: تُهْرِيقُ الدِّمَاءَ، ولكنه
في معنى: تُسْتَخَاضُ، فَحُوّل إلى وزن ما لم يُسَمَّ فاعلُه الدماءُ منصوبة على المفعول كما
کانت.
وقوله في بئر الحُدَيْبِيةَ: إنما يُتَبرَّضُ ماؤُهَا تَبَرَّضًا من البَرْضِ، وهو الماء الذي يَقْطُر
قَلِيلاً قَلِيلاً، والبارِضُ من النبات الذي كأنه يقطُر من الرِّيَّ والنعمة. قال الشاعر:
وصَمْعَاءَ حتى أَنَفْتُه(٢) نِصالُها
رَعَى بارِضَ البُهْمَى(١) جَمِيما وبُسْرَةً
يقال لكل شيء في أوّله: بُسْرة حتى للشمسِ عند طلوعها، وصَمْعَاء: مُتَّحِدَة قد
شَوَّكَت، قاله أبو حنيفة.
(١) البهمى: ضرب من النبات أخضر، فإذا كبُر فهو: جميم، ثم جمعاء.
(٢) آنفته: اشتكت بأنفها.
٤١

الرسول مثل ﴿ يسلك طريقًا غير طريق قريش:
ثم قال: مَنْ رَجُلٌ يَخْرِج بنا على طَريق غير طَريقهم التي هُمْ بها؟
قال ابن إسحاق: فحدّثني عبدُ الله بن أبي بكر: أن رجلاً من أسْلم قال: أنا يا
رسول الله، قال: فسَلك بهم طريقًا وَعْرًا أجْرَل بين شِعاب، فلما خرجوا منه، وقد شقّ
ذلك على المُسْلِمين وأفْضَوا إلى أرض سَهْلة عند مُنْقَطع الوادي؛ قال رسولُ الله الهوى
للناس: ((قُولوا: نستغفر الله ونتوب إليه))؛ فقالوا ذلك، فقال: ((والله إنها لَلْحِطَّة التي
عُرِضت على بني إسرائيل)). فلم يقولوها.
قال ابنُ شهاب: فأمر رسولُ اللهِ وَّ# الناس فقال: ((اسلكوا ذات اليمين بين ظَهْري
الحَمْش، في طريقٍ تُخرجه على ثَنِيَّة المُرَار مَهْبط الحديبية من أسفل مكّة))؛ قال: فسلك
الجيشُ ذلك الطريق، فلما رأت خيلُ قريش قَترَة الجيش قد خالَفوا عن طَريقهم، رَجعوا
راكضين إلى قُريش، وخرج رسولُ الله ◌َِّ، حتى إذا سلك، في ثَنَّة المُرَارِ برَكت ناقته،
فقالت الناس: خَلاَّتِ الناقة، قال: ((ما خَلَتْ وما هُوَ لها بخُلُق، ولكنْ حَبسها حابسُ
الفِيل عن مكة. لا تَذْعوني قريش اليومَ إلى خُطّة يسألونني فيها صِلَة الرحم إلا أعطيتُهم
وذكر أن رَجُلاً من أسلم سلك بهم طَرِيقًا وَغْرًا أَجْرَلَ يقال: إن ذلك الرَّجل هو ناجِيَة
الأسلمي، وهو سائق بُذْنِه، وهو ناجية بن جُنْدَب، ويقال: فيه ابنُ عُمَيْر، وكان اسمه:
ذَكْوَانَ، فسمّاه النبيّ وَلَّ: ناجِيَةً حين نجا من كفّار قريش، وعاش إلى زمن معاويةً، وأما
صاحبُ بُذْنِ رسول الله وَ﴿ المذكور في حديث آخر في المُوطأ وغيره، فاسمه: ذُؤَيْبُ بن
حَلْحَلَةَ بن عَمْرو بن كُلَيْب بن أَصْرَمَ بن عبدِ الله بن قُمَيْر بن حُبْشَيَّةَ ابن سَلُول بن كَعْب بن
عَمْرو بن رَبِيعة، وهو لُحَيُّ بِنُ حَارِثة جدُّ خُزَاعَةَ، وذُؤَيْبُ هذا هو والدُ قَبِيصَةً بِن ذُؤَيْبٍ
القاضي صاحبِ عبدِ الملك بن مَرْوَانَ، وعاش ذُؤَيبٌ إلى خِلاَفَةِ معاوية أيضًا.
وذكر في نَسَبِ أسْلَمَ بن أَفْصَى بن أبي حارثة، وهو وهم، وقد أصلحه ابنُ هشام،
فقال: هو حارثة يعني ابن ثَعْلَبَةَ بن عَمْرو بن عَامِر بن ماءِ السَّماءِ بن حَارِثَة الغِطْرِيفِ بن
امرِىءِ القيس بن ثَعْلَبَةَ بن مازن بن الأسد، ويحتمل أن يكون ابن إسحق لم يَهمْ فيه، ولكنه
نسبه إلى أبي حارثة بن عَمْرو بن عامر، وهو عَمُّ حارثَة بن ثَعْلَبَةَ، وحارثةُ هو أبو الأوْسِ
والخزرج.
وذكر قوله عليه السلام: ((لا تَدْعُوني قريشٌ اليوم إلى خطّةٍ))(١)، الحديث، وفي غير
(١) أخرجه أحمد (٣٢٤/٤).
٤٢

إيّاها)). ثم قال للناس: ((انزِلُوا»، قيل له: يا رسول الله: ما بالوادي ماءٌ ننزل عليه،
فأخرج سهمًا من كِنانته، فأعطاه رجلاً من أصحابه، فَنزل به في قَلِيب من تلك القُلُب.
فَغَرزه في جَوْفه، فجاش بالرَّوَاء حتى ضَرب الناس عنه بعَطَّن.
قال ابن إسحاق: فحدّثني بعضُ أهل العلم عن رجال من أسلم: أن الذي نزل في
القليبِ بسهم رسول الله وَ ل﴿ ناجية بن جُندَب بن عُمَير بن يَعْمَر بن دارم بن عَمْرو بن
وَائِلَة بن سَهْم بن مازن بن سلامان بن أسْلَم بن أفْصَى بن أبي حارثة، وهو سائق بُذْنِ
رسولِ اللهِ گالچ .
قال ابن هشام: أقصى بن حارثة.
قال ابن إسحاق: وقد زعم لي بعضُ أهل العلم: أن البَرَاء بن عازِبٍ كان يقول: أنا
الذي نزلت بسَهم رسول الله بَّر، فالله أعلم أي ذلك كان.
وقد أنشدت أسلم أبياتًا من شعر قالها ناجيةُ، قد ظَننا أنه هو الذي نَزل بالسهم،
فزعمت أسلم أن جاريةً من الأنصار أقبلت بدَلْوِها، وناجيةُ في القَلِيب يَمِيح على الناسِ،
فقالت :
إني رأيتُ الناسَ يَخمدُنّكا
يا أيها المائح دلوي دُونَکا
يُثْنون خيرًا ويُمَجِّدُونكا
قال ابن هشام: ويُروى:
إني رأيت النَّاس يمدحونكا
رواية ابن إسحقٍ عن الزُّهْرِي أنه قال: ((والذي نفْسِي بيده، لا تدعوني قريش))، ولم يقل في
الحديث: إن شاء الله، وقد تكلّموا في ذلك فقيل: إنما أسقط الاستثناء، لأنه أمرٌ واجبٌ كان
قد أُمر به، ألا تراه يقول في الحديث: ((إنما أنا عبدُ الله ورسوله لن أُخالف أمره، ولن
يُضَيِّعني))، وقيل: إن إسقاطَ الاستثناء، إنما هو من الراوي إمَّا نَسِيَه وإمّا لم يَخْفَظُه.
وفي الحديث: أَوْ تَنْفِرِدُ هذه السالفةُ. السالفةُ: صَفْحَةُ العُثُقِ، وانفرادُها عبارةٌ عن القتل
أو الذبح، وفي الرجز الذي أنشده:
يَا أيُّها المائحُ دَلْوِي دُونَكًا
لو قال: دُونَك دَلْوِي لكان الذَّلْوُ في موضع نَصْبٍ على الإغراءِ، فلما قَدَّمها على
دُونَك، لم يَجُزْ نصبُها بدونك، ولكنه بفعلٍ آخرَ، كأنه قال: املأ دَلْوِي، فقوله: دُونَكًا أَمْرٌ
بعد أَمْرٍ .
٤٣

قال ابن إسحاق: فقال ناجية، وهو في القَليب يَميح على الناس:
أنّي أنا المَائح واسمي ناجِيّة
قد علمت جاريةٌ يمانِيَة
طعنتُها عند صدور العادية
وطَعنةٍ ذات رَشاش واهِية
فقال الزهري في حديثه: فلما اطمأنّ رسولُ اللهِ وَّرِ أتاهُ بُدَيل بن وَزْقاء الخُزاعيّ،
في رجال من خُزاعَةً، فكلّموه وسألوه: ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم یأت یُرید حربًا،
وإنما جاء زائرًا للبيت، ومعظّمًا لحُرمته، ثم قال لهم نحوًا مما قال لبِشْر بن سُفْيان،
فرَجعوا إلى قُريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تَعْجلون على محمد، إن محمدًا لم يأت
القتال، وإنما جاء زائرًا هذا البيت، فاتهموهم وجَبَّهوهم وقالوا: وإن كان جاء ولا يريد
قتالاً، فوالله لا يدخلها علينا عَنْوة أبدًا، ولا تحدّثُ بذلك عنَّا العرب.
قال الزهري: وكانت خُزَاعَةُ عَيْبَةَ نُصْح رسول الله ◌َِّ، مُسْلمُها ومُشْركها، لا
يُخْفون عنه شيئًا كان بمكّة.
قال: ثم بعثوا إليه مِكْرَز بن حَفْص بن الأخْيَف، أخا بني عامر بن لؤَيّ، فلما رآه
رسول الله وَلِّ مُقبلاً قال: ((هذا رجل غادِر)) (١)، فلما انتهى إلى رسول الله ◌َّلته وكلَّمه،
قال له رسولُ اللهِ وَ له نحوًا مما قال لبُدَيل وأصحابه، فرجع إلى قُريش فأخبرهم بما قال
له رسولُ الله ◌َالچ.
ثم بعثوا إليه الحُلَيس بن عَلقمة أو ابن زَبَّان، وكان يومئذ سَيِّد الأحابيش، وهو
أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كِنانة؛ فلما رآه رسولُ اللهِ وَلقر قال: ((إن هذا من قوم
يتألَّهون، فابعثوا الهَذي في وجهه حتى يراه»، فلما رأى الهَذي يَسيل عليه من عُرض
الوادي في قلائده، وقد أكل أوبارَه من طُول الحَبس عن مَحَلْه، رجع إلى قُرَيْش، ولم
يَصِل إلى رسولِ اللهِ وَلَّ إعظامًا لما رأى، فقال لهم ذلك. قال: فقالوا له: اجلس، فإنما
أنت أغرابِي لا عِلْم لك.
وفيه قوله {وَل﴿: في الحُلَيْسِ: ((إن هذا من قوم يتألَّهون))(٢)، أي: يُعَظّمون أمرَ الإله،
ومنه قول رؤية :
.
سَبَّخْنَ واسْتَرْجَعْنَ من تَأَلَّه
أي: من تَنَسُّكِ وتعظيم الله سبحانه.
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٣٢٤).
(٢) أخرجه الطبري في تاريخه (١١٩/٢).
٤٤

قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن أبي بكر: أن الحُلَيس غضب عند ذلك
وقال: يا معشر قُريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم. أَيُصَدُّ عن
بيت الله مَنْ جاء مُعَظّمًا له! والذي نفس الحُلَيس بيده، لتُخَلَّنَّ بين محمد وبين ما جاء
له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفْرة رجل واحد. قال: فقالوا له: مَه، كفّ عنا يا حُلَيس حتى
نأخذَ لأنفسنا ما نرضی به.
: قال الزهريّ في حديثه:" ثم بعثوا إلى رسول الله وَّرَ عُروة بن مسعود الثّقفي؛
فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقى منكم مَنْ بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم من
التَّعنيف وسُوء اللَّفظ، وقد عَرفتم أنكم والدُ وإني وَلد - وكان عُروة لسُبَيْعَةً بنت
عبد شمس - وقد سمعتُ بالذي نابكم، فجمعتُ من أطاعني من قومي، ثم جِثْتكم حتى
آسَيْتكم بنفسي، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمثَّهم. فخرج حتى أتى رسول الله وَّل،
فجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد، أَجمعتَ أوْ شَابَ الناس، ثم جِئْتَ بِهِم إلى بَيْضَتك
لتَفْضّها بهم، إنها قُريش قد خَرجت معها العُوذُ المطافِيل. قد لَبِسوا جُلُودَ النُّمور،
يُعاهدون الله لا تَدْخلها عليهم عَنْوة أبدًا وايم الله، لكأنِّي بهؤلاء قد انكشفوا عَنْك غَدًا.
قال: وأبو بكر الصُّدِّيقِ خَلْف رسول اللهِوَ لَ قاعد؛ فقال: امْصُصْ بَظْر الَّلاتِ، أنحن
نَنْكشِف عنه؟ قال: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أبي قُحافة، قال: أما والله لولا يَدّ
وصف الجمع بالمفرد:
وقول عُزْوَةَ بن مَسْعُودٍ لقريش: قد عَرَفْتُم أنكم والدٌ، أي: كُلُّ واحدٍ منكم كالوَالِدِ،
وقيل: معناه أنتم حَيَّ قد وَلَدَني، لأنه كان لسُبَيْعَةً بنتِ عَبْدِ شَمْسٍ، وقد يجوز أن يقال في
الجماعة: هم لي صَدِيقٌ وَعَدُوِّ. وفي التنزيل: ﴿وَحَسُن أولئك رفيقًا﴾ [النساء: ٦٩] فيُفرَد
لأنه صفةٌ لفريق وحزب ويَقْبُحُ أن تقولَ: قومُك ضاحِكٌ أو بَاكِ، وإنما يحسُن هذا إذا
وَصَفْتَ بصديقٍ ورَفيقٍ وَعَدُو لأنها صفة تَصْلُح للفريقِ والحِزْبِ، لأن العَدَاوَةَ والصّدَاقَةَ
صفتان مُتَضادَّتَان، فإذا كان على أحدِهما الفريقُ الواحدُ، كان الآخرُ على ضِدِها، وكانت
قلوبُ أحد الفريقين في تلك الصفةِ على قَلْبٍ رَجُلٍ واحدٍ في عُرف العادة، فحَسُن الإفرادُ،
وليس يلزم مثلُ هذا في القيام والقعود ونحوه، حتى يقال: هم قاعدٌ أو قائمٌ كما يقال: هم
صَدِيقٌ لما قدّمناه من الاتفاق والاختلافِ. وأما قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾
[غافر: ٦٧]، بلفظ الإفراد، وقال في موضع آخر: ﴿وإذا بَلَغ الأطْفَالُ منكم الحُلْمَ﴾
[النور: ٥٩] فالأحسن في حكم البلاغةِ أن يُعَبَّر عن الأطْفَال الرُّضَّعِ بالطّفْل في الواحدِ
والجميع، لأنهم مع حِدْثَانِ الوِلاَدَةِ كالجِنْسِ الذي يقع على القليل والكثير بلفظ واحد، ألا
تَرَى أن بَدْءَ الخلقِ طينٌ، ثم منيٍّ، والمَنِيُّ جنس لا يتميز بعضُه مِنْ بَعْضٍ، فلذلك لا
٤٥

كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها، قال: ثم جعلَ يتناول لَخية رسولِ اللهِ وَه
وهو يكلِّمه قال: والمغيرةُ بن شُعْبة واقف على رأس رسول اللهِ وَّ في الحديد. قال:
فجعلَ يقْرَعِ يَده إذا تناول لِحْيَة رسولِ اللهِ وَله، ويقول: اكْفُفْ يدَك عن وَجْه رسولٍ
اللهِ وَل﴿ قبلَ أن لا تصلَ إليك، قال: فيقولُ عُزْوَةُ: وَيْحَكَ! ما أَفَظّك وأَغْلَظَك! قال:
فتبسّم رسولُ اللهِ وَّهَ، فقال له عُروة: مَن هذا يا محمد؟ قال: ((هذا ابنُ أخيك
المُغيرة بن شُعْبة))، قال: أَي غُدَر، وهل غَسَلْتُ سَوْءَتك إلاّ بالأمس.
قال ابن هشام: أراد عُروة بقوله هذا أن المُغيرة بن شُعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة
عشر رجلاً من بني مالك، من ثقيف، فتهايج الحيَّان من ثقيف: بنو مالك رهط
المقتولين، والأحلاف رَهْط المُغِيرة، فوَدَى عُروة المقتولين ثلاثَ عَشرة دِيَّةً، وأصلح
ذلك الأمر.
قال ابن إسحاق: قال الزُّهْرِيُّ: فكلَّمه رسولُ الله ◌ِّوَ بنَخْوِ مما كلَّم به أصحابَه،
وأخبره أنه لم يأتِ يُرید حَرْبًا.
فقام من عند رسول الله وَّه، وقد رأى ما يصنع به أصحابُه، لا يتوضأ إلاّ ابتدروا
وضوءه، ولا يَبْصق بُصاقًا إلاّ ابْتَدَرُوه، ولا يَسْقط من شعره شيء إلاّ أخذوه. فرجع إلى
قُريش، فقال: يا معشر قُريش، إني قد جِئْت كِسْرى في مُلكه، وقيصر في مُلكه،
والنَّجاشيَّ في مُلْكه، وإني والله ما رأيت مَلِكًا في قوم قطّ مثل محمد في أصحابه، ولقد
رأيتُ قومًا لا يُسْلِمونه لشيء أبدًا، فَرَوا رأيكم.
يُجْمَع، وكذلك الطين، ثم يكون الخلق علقًا، وهو الدم، فيكون ذلك جِئْسًا، ثم يخرجهم
الله ◌ِفْلاً، أي: جنسًا تاليًا للعَلَقِ والمَنِيِّ لا يكاد يَتَمَيِّزُ بعضُهم من بعضٍ إلاّ عند آبائهم، فإذا
كبروا وخالطوا الناس، وعرف الناسُ صُوَرَهم بعْضَهم من بَعْضٍ فصاروا كالرجال والفتيان،
قيل فيهم: حينئذ أطْفَالٌ، كما يقال: رِجَالٌ وفِتْيَان، ولا يُعْتَرَضُ على هذا الأصلِ بالأَجِنَّةِ
أنهم مُغَيِّبُون في البُطون، فلم يكونوا كالجنس الظاهر للعيون كالماء والطين والعَلَقِ، وإنما
جُمِعَ الجنينُ على أجِنَّةٍ، وحَسُن ذلك فيه، لأنه تَبَعْ للبَطنِ الذي هو فيه، ويقوى هذا الغرضَ
الذي صَمَّدْنا إليه في الطفل قولُ رجلٍ من بني مَجَاعَةً لِعُمَّرَ بن عبدِ العَزِير، وقد سأله: هل
بقي من كُهُول بني مَجَاعَةَ أحدٌ؟ قال: نعم، وشَكِيرٌ كثيرٌ، فانظر كيف قال: الكهول وجَمَع،
وقال في الصغار: شَكِيرٌ كما تقول: حَشِيشٌ، ونباتٌ، فَتُفْرد، لأنه جِئْسٌ واحدٌ، والطّفْل في
معنى الشّكِير ما داموا رُضِّعًا، حتى يَتَميَّزوا بالأسماءِ والصور عند الناس، فهذا حكمُ البلاغة،
ومَساقُ الفَصَاحَةِ فَانْهَمْه.
٤٦

قال ابن إسحاق: وحدّثني بعضُ أهل العلم: أن رسول الله وَّ دعا خِرَاشَ بن أُميَّة
الخُزاعي، فبعثه إلى قُرَيْش بمكّة، وحَمَله على بعير له يقال له الثَّعلب، ليبلّغ أشرافهم عنه
ما جاء له، فعَقروا به جمل رسول الله وَّهَ، وأرادوا قَتْله، فمَنَعَتْه الأحابيش، فخلّوا
سبيله، حتى أتى رسولَ اللهِ وَله.
قال ابن إسحاق: وقد حدّثني بعضُ من لا أتّهم عن عكْرِمة مولى ابن عبّاس عن
ابن عبّاس: أن تُرَيشًا كانوا بعثوا أربعين رجلاً منهم أو خمسين رجلاً، وأمروهم أن يُطيفوا
بعَسْكر رسول الله وَّر، ليُصيبوا لهم من أصحابه أحدًا، فأخذوا أخذًا، فأَتِي بهم رسول
الله وَ﴿، فعَفا عنهم، وخلَّى سبيلهم، وقد كانوا رَمَوْا في عسكر رسول الله وَّه بالحجارة
والنّبْل .
ثم دعا عمرَ بن الخطّاب ليبعثه إلى مكّة، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له،
فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بمكّة من بني عديّ بن كَغْب
أحد يمنعني، وقد عرفت قُرَيش عَدَاوتي إِيَّاها، وغِلْظَتي عليها، ولكني أدلك على رجل
أعَزّ بها مني، عثمانَ بن عفَّنَ. فدعا رسولُ اللهِ وَّهِ عثمانَ بن عفَّان، فبعثه إلى أبي
سُفيان وأشراف قريش، يُخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنه إنما جاء زائرًا لهذا البيت،
ومعظّمًا لحُزْمته.
قال ابن إسحق: فخرج عثمانُ إلى مكّة، فلَقيه أبانُ بن سَعيد بن العاص حين دخل
مكّة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلغ رسالةً رسول الله وَّةِ؛
فانطلق عثمانُ حتى أتى أبا سُفيان وعُظماء قريش، فبلَّغهم عن رسول الله وَّهِ وما أرسله
به؛ فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله وَلو إليهم: إن شئت أن تَطُوف بالبيت
فطُف؛ فقال: ما كنتُ لأفعل حتى يطوف به رسولُ اللهِ وَّر. واحتَبسَتْه قُرَيش عندها،
فبلَغ رسولَ اللهِ وَ﴿ والمسلمين أنّ عثمان بن عفَّان قد قُتل.
وأما قول عُزْوَةَ: جمعت أو شابَ الناس، يريد: أخْلاَطًا، وكذلك الأوْبَاشُ.
وقوله في حديث المُغِيرَة: ((أما المالُ فلستَ منه في شيءٍ» (١). فيه مِن الفقه أنَّ أَمْوَالَ
المُشْرِكين حرامٌ إذا أَمِنُوكُ وأمِنْتَهم، وإنما يَحِلُّ بالمُحَارَبَةِ والمُغَالَبَةِ لا عند طمأنِينَتهمّ إليك
وأَمَنَتِهِم منك، فإن ذلك هو الغَذْرُ، وفي هذا المعنى آثار قد مضى بعضُها، وسيأتي بعضُها
في غَزْوَةِ خَيْبَرَ وغَيرِها.
(١) أخرجه البخاري (٢٥٤/٣) وأحمد (٣٢٩/٤) والبيهقي في الكبرى (١١٣/٩) وفي الدلائل (١٠٤/٤)
وعبد الرزاق (٩٦٧٨ /٩٧٢٠).
٤٧

بيعة الرضوان:
قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن أبي بكر: أنّ رسولَ اللهِ وَّرَ، قال حين بلغه
أنّ عثمان قد قُتل: لا نَبْرح حتى نُناجز القوم، فدعا رسولُ اللهِ وَّرَ الناسَ إلى البيعة.
فكانت بيْعة الرّضْوانِ تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايَعهم رسولُ اللهِ وَ لّر على
المَوْت، وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسولَ اللهِ وَلِّ لمْ يُبايعنا على الموت، ولكن
بايعنا على أن لا نفرّ.
فبايع رسول الله وَلقول الناس، ولم يتخلّف عنه أحد من المسلمين حضرها، إلا
الجَدّ بن قَيْس، أخو بني سلمة، فكان جابر بن عبد الله يقول: والله لكأني أنظر إليه
لاصقًا بإبط ناقته. قد ضَبأ إليها، يَستتر بها من الناس. ثم أتى رسولَ اللهِ وَرَّ أنّ الذي
ذُكر من أمر عثمان باطل.
قال ابن هشام: فذكرَ وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعبيّ: أن أوّل من
بايع رسول الله وَ﴿ بيعةَ الرّضوان أبو سِنان الأسدي.
قال ابن هشام: وحدّثني من أثق به عمّن حدّثه بإسناد له، عن ابن أبي مُلَيْكة عن
ابن أبي عمر: أن رسول الله وَّر بايع لعثمان، فضَرب بإحدى يديه على الأخرى.
أمر الهدنة :
قال ابن إسحاق: قال الزهري: ثم بعثتْ قُريش سهيل بن عمرو، أخا بني عامر بن
لُؤَيّ، إلى رسولَ اللهِ وَ ﴿، وقالوا له: اثْتِ محمدًا فصالِخْه ولا يكن في صُلْحه إلا أن
وفيه: أنهم كانوا يَتَدَلْكِون بنُخَامَة النبيِّ - وَِّ إذا تَنَخَّم. وفي ذلك دليل على طهارة
النُّخَامَةِ خِلافًا للنَّخْعِيِّ، وما يُرْوَى في ذلك عن سلْمانِ الفارِسِيِّ. وحديث: ((إذا تَنَخَّم أحدُكم
في الصَّلاةِ» (١) أَبْيَنُ في الحُجَّةِ، لأن حديث السيرة يَحْتَمِل الخصوصَ بالنبيّ ◌َّر.
حول المصالحة:
فصل: وذكر مُصَالَحَةَ النبيِّ - وَهَ ـ لقُريشٍ وشَرْطِهِم أَنْ لاَ يأتيه منهم أحدٌ مِمَّن هو
على دينه إلاَّ ردَّه عليهم، وفي هذا الحديث مصالحةُ المشركين على غير مالٍ يؤخَذ منهم،
وذلك جائزٌ إذا كان بالمسلمين ضَعْفٌ، وقد تقدّم مصالحتُهم على مالٍ يعطُونه في غَزْوَة
(١) انظر مسلم في المساجد (٥٣) وأحمد (٢٥٠/٢) (٩٣/٥٨/٣) وابن خزيمة (١٣١١).
٤٨

يرجَع عنَّا عامة هذا، فوالله لا تحدّث العربُ عنَّا أنه دَخَلَها علينا عَنْوَةً أبدًا. فأتاه
سُهيل بن عمرو؛ فلما رآهُ رسولُ اللهِ وَلّ مقبلاً، قال: قد أراد القومُ الصلحَ حين بعثوا
هذا الرجل. فلما انتهى سُهيل بن عمرو إلى رسول الله وَ ر تكلّم فأطال الكلامَ، وتراجَعا
ثم جرى بينهما الصلح.
فلما التأم الأمر ولم يَبْق إلاّ الكتابُ، وثَب عمر بن الخطّاب، فأتى أبا بكر، فقال:
يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى. قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال:
أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فَعَلام نُعطي الدّنِيَّة في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر،
الزم غَزْزه، فإني أشهد أنه رسول الله؛ قال عمر: وأنا أشهد أنه رسولُ الله؛ ثم أتى رسولَ
الله وَ﴿ فقال: يا رسول الله ألستَ برسول الله؟ قال: ((بلى))، قال: أولَسنا بالمسلمين؟
قال: ((بلى))، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: ((بلى))، قال: فعَلام نُعْطي الدَّنِيَّة في ديننا؟
قال: ((أنا عبدُ الله ورسوله، لن أخالف أمرَه، ولن يُضَيِّعني!)) قال: فكان عُمر يقول: ما
زلت أتصدق وأصوم وأُصلي وأُغْتق، مِن الذي صنعتُ يومئذٍ! مخافَة كلامي الذي تكلّمت
به، حتی رجوتُ أن یکون خیرًا.
الخَنْدَقِ، واختلِف: هل يجوزُ صُلْحُهم إلى أكثر من عشر سنين؟ فقال بعضهم: يجوز ذلك
إذا رآه لإمامُ، وقالت طائفة: لا يُتَجَاوَز في صلحهم إلى أكثرَ من عَشْر سنين، وحجّتُهم أنَّ
حَظْرَ الصَّلْح هو الأصل بدليل آيةِ القتال، وقد ورد التحديدُ بالعشر في حديث ابن إسحاق
فحصلت الإباحَةُ في هذا المقدارِ مُتَحَقٌّقَةً، وبقيت الزيادة على الأصل وهو الحظر، وفيه
الصلحُ على أن يُرَدَّ المسلمُ إلى دارِ الكُفْرِ، وهذا منسوخ عند أبي حَنِيفَة بحديثٍ سَرِيَّة خالدٍ
حين وجّهه النبيّ - نَّه ـ إلى خَثْعَمَ، وفيهم ناسٌ مُسْلِمون فاعْتَصَمُوا بالسُّجُود فقتلهم خالدٌ،
فَوَدَاهُم النبيُّ - ◌َّهَ ـ نِصْفَ الدِّيَّة، وقال: ((أنا بريء من مُسْلِم بَيْن مُشْرِكين))(١)، وقال فقهاء
الحجاز: هو جائز، ولكن للخليفة الأَكْبَرِ لا لِمَن دونه، وفيه: نَسْخُ السُّنَّةِ بالقرآن على أحدٍ
القولين، فإن هذا العَهد، كان يقتضي أن لا يأتيه مُسْلِمٌ إلاَّ رَدَّه، فنسخ الله تعالى ذلك في
النِّسَاءِ خاصَّةً، فقال عزّ وجلّ: ﴿فإن عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ [فلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفَّارِ]﴾
[الممتحنة: ١٠] هذا على رواية عقيل بن خالد عن الزُّهْرِيِّ، فإنه قال في الحديث: أَنْ لا
يأتيه أحدٌ، وَأَحَدٌ يتضمّن الرجال والنساء، والأحسن أن يقال في مثل هذا تَخْصِيصُ عُمُومٍ لا
نَسْخٌ، على أن بعض حُذَّاق الأصُولْيين قد قال في العموم: إذا عُمِل بمقتضاه في عَضْر
(١) أخرجه أبو داود (٢٦٤٥ - بتحقيقي) والنسائي والترمذي (١٦٠٤) والبيهقي (١٣١/٨) وانظر تلخيص
الحبير (١١٩/٤ - بتحقيقي).
٤٩
الروض الأنف/ ج ٤/ ٢ ٤

عليٍّ يكتب شروط الصلح:
قال: ثم دَعا رسولُ الله ◌َله عليَّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال: اكتبْ:
بسم الله الرحمن الرحيم، قال: فقال سُهَيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللّهم،
فقال رسولُ اللهِ وَّر: ((اكتب باسمك اللهمّ))، فكتبها، ثم قال: ((اكتب هذا ما
صالح عليه محمد رسولُ الله سُهَيل بن عمرو))، قال: فقال سُهيل: لو شهدت أنَّك رسول
الله لم أُقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، قال: فقال رسولُ اللهِ وَلاته: ((اكتب: هذا
ما صالح عليه محمد بن عبد الله سُهَيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس
النبيّ - وَّه - واعتقد فيه العمومُ، ثم ورد التخصيصُ فهو نَسْخٌ، وهو قول حَسَنٌ، وفي رواية
أخرى أن لا يأتيه (جل. فهذا اللفظ لا يتناول النساء. وقالت طائفة: إنما اسْتَجَاز
النبيُّ - وََّ - ردَّ المسلمين إليهم في هذا الصلح لقوله عليه السلام: ((لا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ إلى
خُطّةٍ يعظمون فيها الحَرْمَ إلاّ أَجَبْتُهم إليها))، وفي رَدِّ المسلم إلى مكّةَ عِمَارَةُ البيت، وزيادة
خَيْر له في الصلاة بالمسجد الحرام والطواف بالبيت، فكان هذا من تعظيم حُرُمَاتِ الله
تعالى، فعلى هذا القولٍ يكون حُكْمًا مخصوصًا بمكّة، وبالنبيّ وَلّر، ويكون غير جائز لمن
بعده كما قال العراقيون.
حكم المهاجرات:
فصل: وذكر قول الله سبحانه: ﴿إذا جاءَكُمُ المؤمناتُ مُهَاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾
[الممتحنة: ١]. هذا عند أهل العلم مخصوصٌ بنساء أهلِ العهد والصلح، وكان الامتحان أن
يَسْتَخْلِف المرأة المهاجِرَةَ أنها ما خرجت ناشزًا ولا هاجرت إلاَّ لله ولرسوله، فإذا حلفت لم
تُرَدَّ ورُدَّ صداقُها إلى بَعْلِها، وإن كانت من غير أَهْلِ العَهْد لم تُسْتَحْلَف، ولم يُرَدَّ صداقُها(١).
وفيه: أن النبيّ وَّرِ محا اسمه، وهو رسولُ الله، وكتب: هذا ما صالح عليه محمدُ بن
عبد الله، لأنه قولُ حَقٌّ كلُّه، وظن بعضُ الناس أنه كتب بيده، وفي البخاري أنه كتب، وهو
لا يُخْسِن الكتابةَ، فتوهّم أن الله تعالى أطلق يده بالكتابة في تلك الساعة خاصَّةً، وقال: هي
آيةٌ، فيقال له: كانت تكون آيةً لولا أنها مناقضة لآية أخرى، وهو كونه أُمّيًّا لا يكتب،
وبكونه أُمَّيَّ فِي أُمة أُمّيَّةٍ قامت الحجةُ، وأُفْحِم الجاحدُ، وانْحَسَمَتْ الشُّبْهَةُ، فكيف يُطْلِقِ اللهُ
يدَه، لتكونَ آيةً؟ وإنما الآية أن لا يكتبَ والمعجزاتُ يَسْتَحِيلُ أن يَدْفَعَ بعضُها بَعْضًا، وإنما
معنى: كتب أي: أمر أن يُكْتَب.
(١) انظر تفسير الآية لابن كثير والقرطبي.
٥٠

عشرَ سنين يَأْمن فيهنّ الناسُ، ويكفُّ بعضُهم عن بعض، على أنه من أتى محمدًا من
قُرَيش بغير إذن وليِّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع محمد لم يردّوه عليه، وإن بيننا
عَيْبة مكفوفة، وأنه لا إسْلاَل ولا إغْلاَلَ، وأنه من أحبّ أن يدخل في عقْد محمد وعَهْده
دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقْد قُرَيش وعهدهم دخل فيه)).
وكان الكاتبُ في ذلك اليوم عَلِيَّ بن أبي طالب، وقد كتب له عِدَّةٌ من أصحابه، منهم
عبدُ الله بن الأَرْقَم، وخالدُ بن سعيد، وأخوه أَبَانُ، وزَيْدِ بن ثابت، وعبدُ الله بن عبد الله بن
أُبَيِّ ابن سَلُول، وأُبَيُّ بن كَعْب القاري، وقد كتب له أيضًا في بعضِ الأوْقَاتِ أبو بكر وعُمَر
وعُثْمَانُ رضي الله عنهم، وكتب له كثيرًا معاوية بن أبي سُفْيَانَ بعد عام الفتح، وكتب له أيضًا
الزّبَيْرُ بن العَوَّام، ومُعَيْقِيبُ بن أبي فَاطِمَة، والمغيرةُ بن شُعْبَةَ، وشُرَحْبِيلُ ابن حَسَنَةً،
وخالدُ بن الوَليد، وعَمْرو بن العاصي، وجُهَيْمُ بن الصَّلْتِ، وعَبْدُ الله بن رَوَاحَةَ،
ومحمد بن مَسْلَمَة، وعبدُ الله بن سَعْد بن أبي سَرْحٍ، وحَنْظَلُ الأُسَيْدِيُّ، وهو حَنْظَلةُ بن
الربيع، وفيه يقول الشاعر بعد موته:
إن سَوَادَ العَيْنِ أَوْدَى به حُزْنٌ على حنظَلَة الكاتب
والعَلاء بن الحَضْرَمِيُّ، ذكرهم عُمرُ بن شَبَّةَ في كتابِ الكُتَّابِ له.
باسمك الَّلهم:
وأما قولُ سُهَيْلٍ بن عَمْرٍو له: ولكن اكْتُبْ: باسمك الَّلهُمَّ، فإنها كلمةٌ كانت قريشٌ
تقولها ولقولهم لها سببٌ قد ذكرناه في كتاب التعريف والإعلام، وأول من قالها أُمَيَّةُ بن أبي
الصَّلْتِ، ومنه تَعلِّمُوها وتعلّمها هو من رَجُلٍ من الجِنِّ في خَبَرٍ طويلٍ ذكره المَسْعُودي وهو
الخبر الذي لخّصناه في الكتاب المذكور.
عيبة مكفوفة:
فصل: وذكر في الكتابِ: وإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنكم عَيْبَةً مَكْفُوفَةً أَي: صُدُور مُنْطَوِيَّة على ما
فيها لا تُبْدِي عَداوة، وضرب العَيْبَة مثلاً، وقال الشاعر:
وإن قيل أبناءُ العمُومَةِ تَصْفَرُ
وكادَتْ عِيَابُ الوُدّ مِنَّا ومِنْهُمُ
وقال ◌َله: ((الأنصَارُ كَرِشِي وَعَيْبتي))(١) فَضَرَبَ العَيْبَةَ مَثَلاً لموضِع السِّرِّ، وما يُعْتَدُّ به
من وُدِّهم. والكّرشُ وِعَاءٌ يُصْنَع من كرش البَعِير، يجعل فيه ما يُطبَخ من الَّلحم، يقال: ما
(١) أخرجه البخاري (٤٣/٥) وأحمد (١٥٦/٣) والحميدي (١٢٠١) وانظر فتح الباري (١٢١/٧).
٥١

خزاعة في عهد محمد، وبنو بكر في عهد قريش:
فتواثبت خُزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا:
نحن في عَقْد قُريش وعَهْدهم، وأنَّك ترجع عنَّا عامَك هذا، فلا تدخل علينا مكّة، وأنه
إذا كان عام قابل، خَرَجنا عنك فدَخلتها بأصحابك، فأقمتَ بها ثلاثًا، معك سلاح
الراكب، السُّيوف في القُرُب، لا ندّخلها بغيرها.
جندل بن سهيل
فبينا رسولُ الله ﴿ ﴿ يكتب الكتابَ هو وسُهيل بن عمرو، إذ جاء أبو جَنْدل بن
سُهيل بن عمرو يَرْسُف في الحديد، قد انفلتَ إلى رسول الله وَّر، وقد كان أصحابُ
رسول الله وٌَّ خرجوا وهم لا يُشْكُّونَ فِي الفَتْح، لرُؤْيا رآها رسولُ اللهِ وَ لَّ، فلما رأوا ما
رأوا من الصُّلح والرُّجوع، وما تحمل عليه رسولُ اللهِ وَ لّ في نفسه دخل على الناس من
ذلك أمرٌ عظيم، حتى كادوا يهلكون: فلما رأى سُهيل أبا جَنْدل قام إليه فضَربَ وَجْهه،
وأخذ بتلبيبه؛ ثم قال: يا محمد؛ قد لَجَّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا؛ قال:
وَجَدت لهذه البَضْعَة فَاكَرِش، أي: إنَّ الكرْشَ قد امتلأ، فلم يَسَعْها فمُه. ويُضْرَبُ أَيْضًا هذا
مَثَلاً، كما قال الحجاج: ما وَجَدتُ إلی دَمِ فُلاَنٍ فَاكَرِشٍ.
وقوله: ولا إغلال، هي الخِيَانَةُ، يقال: فُلان مغل الأصْبَع، أي: خائن اليد. قال
الشاعر :
حَدَّثْتَ نفسَك بالوَفَاءِ، ولم تَكُنْ بِالغَذْرِ خائنة مثل الأُضْبَعِ
والإسْلاَلُ: السرقةُ، والخُلْسَةُ ونحوها، وهي السلة. قالوا في المثل: الخَلَّةُ تدعو إلى
السَّنَّةِ .
أبو جندل وصاحبه في الخمر
فصل: وذكر خُرُوج أبي جَنْدَلٍ يَرْسُف في الحديد. أبو جندل، هو العاصي بن سُهَيْلِ،
وأما أخوه عبد الله بن سهيل، فكان قد فرّ يوم بدر إلى المُسلمين، فلحق بهم، وشهد بدرًا،
والمشاهَد كلَّها، وقتل يوم اليَمَامةِ شهيدًا، وأما أبو جَنْدَلٍ، فاستشهد مع أبيه بالشام في خلافة
عُمَر، وهو الذي شَرِب الخمرَ مُتَأَوّلاً لقوله تبارك وتعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعَمِلُوا
الصالحاتِ جُنَاحٌ فيما طَعِمُوا [إذا ما اتَّقَوْا وآمنوا وعَمِلوا الصالحاتِ ثم اتَّقَوْا وآمنوا ثم اتَّقَوْا
وأحسنوا والله يُحِبُّ المحسنين]﴾ [المائدة: ٩٣] فجلده أبو عُبَيْدَةَ بأمر عُمَرَ وجلد صاحبه،
وهو ضِرار، ثم إن أبا جَنْدَل أشفق من الذَّنْبِ حتى قال: لقد هلكْتُ، فبلغ ذلك عمر رضي
٥٢

((صدقتَ))، فجعل ينتره بتلبيبه، ويجرّه ليردّه إلى قريش، وجعل أبو جَنْدل يَصرخ بأعلى
صوته: يا معشر المسلمين، أَأَرَدّ إلى المشركين يَفْتنوني فِي ديني؟ فزاد ذلك النَّاسَ إلى ما.
بهم، فقال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((يا أبا جَنْدل؛ اصبر واحتَسِبْ فإن الله جاعِلٌ لك ولمن معك
من المستضعفين فرَجًا ومَخْرجًا، إنَّا قَد عَقدنا بيننا وبين القوم صُلحًا، وأعطيناهم على
ذلك، وأعطونا عهد الله، وإنّا لا نَغْدِر بهم))؛ قال: فوثب عمر بن الخطّاب مع أبي جندل
يَمْشي إلى جنبه، ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون وإنما دَمْ أحدهم دم
كلب. قال: ويُذْني قائم السَّيف منه. قال: يقول عمر: رجوتُ أن يأخذ السَّيفَ فيضرب
به أباه، قال: فضَنَّ الرجلُ بأبيه، ونفذت القضيّة.
الذين شهدوا على الصلح:
فلما فرغ رسول الله بَّه من الكتاب أشْهَد على الصلح رجالاً من المسلمين ورجالاً
من المشركين: أبو بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب، وعبد الرحمن بن عَوْف،
وعبد الله بن سُهيل بن عمرو، وسَعد بن أبي وقّاص، ومحمود بن مسلمة، ومِكْرَز بن
حَفْص، وهو يومئذ مشرك، وعليّ بن أبي طالب وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة.
الله عنه، فكتب إليه: إن الذي زيَّن لك الخطيئة هو الذي حظّر عليك التوبة: ﴿بسْم اللَّهِ
الرَّحْمنِ الرَّحِيم حمّ تنزيلُ الكتابِ من الله العزيزِ العليم غافرِ الذَّتْبِ وقابل الثَّوَّبِ﴾
[غافر: ١ وما بعدها] الآية. وكان شربها معه ضَرارُ بن الخطّاب، وأبو الأَزْوَرِ، فلما أمر
عمرُ أن يُجْلَدوا، قالوا: دعنا نَلْقَى العَدُوَّ، فإن قُتِلْنَا فذاك، وإلا حَدَدْتُمُونا، فَقُتِلَ أبو الأَزْوَرِ،
وحُدَّ الآخران.
فصل: وذكر قول عُمَرَ - رضي الله عنه - فَعَلاَمَ نُعْطَى الدَّنِيَّةَ في دِيننا، هي فَعِيلَةٌ من
الدَّنَاءَةِ، وأصلها الهَمْزُ، وفي غير رواية ابن إسحق أن النبيَّ وَّ قال لِعمر: ((إني عبدُ الله ولستُ
أَعْصِيَه، وهو ناصري))، وأنه أتى أبا بكر - رضي الله عنه - فقال له مثل ما قال للنبيّ وَّ، فجاوبه
أبو بكر بمثل ما جاوبه به النبيُّ ◌َ﴿ حَرْفًا بِحَرْفٍ، ثم قال له: يا عُمَرُ الْزَمْ غَرْزَهُ، فإني أشْهَد أنه
رسولُ الله، قال عُمَرُ: وما شَكَكْتُ منذ أَسْلَمْتُ إلاّ تلك الساعةَ، وفي هذا أن المؤمَن قد يَشْكُ،
ثم يُجَدِّدُ النظر في دلائلِ الحقِّ فيذهب شَكُه، وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: هو شَيْءٌ لا يَسْلَم
منه أَحَدٌ، ثم ذكر ابنُ عباس قولَ إبراهيم - وَلَّ -: ﴿ولكنْ لِيَطْمَئِنَّ قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]
ولولا الخروجُ عما صَمَدْنا (١) إليه في هذا الكتاب لذكرنا ما للعلماء في قول
(١) صمدنا: أي قصدنا.
٥٣

الإحلال
قال ابن إسحاق: وكان رسول اللهَ﴿ مضطربًا في الحِلّ، وكان يُصلي في الحرم،
فلما فرغ من الصُّلح قدم إلى هَديه فنحره، ثم جلس فحلق رأسه، وكان الذي حلقه، فيما
بلغني، في ذلك اليوم خِراش بن أُميَّة بن الفضل الخزاعيُّ، فلما رأى الناسُ أن رسول
اللهِ وَ لّ قد نَحر وحَلَق تواثبوا يَنْحَرون ويَحْلِقون.
المحلّقون والمقصّرون
قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مُجاهد عن ابن عبَّاس، قال:
إبراهيمَ وَلِ: ﴿ولكن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، وذكرنا النُّكْتَة العُظْمَى في ذلك، ولعلّنا أن نلقى لها
موضعًا، فنذكرها. والشَّكُّ الذي ذكره عُمَر وابنُ عباس ما لا يُصرَّ عليه صاحبُه، وإنما هو
من باب الوَسْوَسَةِ التي قال فيها عليه السلام مُخْبِرًا عن إبليس: ((الحمدُ لله الذي رَدَّ كيده إلى
الوَسْوَسَةِ))(١).
موقف أم سلمة في الحديبية
وفي غير رواية ابن إسحق من الصحيح أنه عليه السلام دخل على أُمُّ سَلَمَة، وشكا
إليها ما لقي من الناس حين أَمَرَهم أن يَخْلِقُوا ويَنْخَروا، فلم يَفْعَلوا لما بهم من الغَيْظِ،
فقالت: يا رسول الله اخْرُجْ إليهم، فلا تكلّمهم، حتى تَخْلِقَ وتَنْحَر، فإنهم إذا رأوك قد
فعلت ذلك، لم يُخَالِفُوك. ففعَل ◌َِّ، وفعل الناسُ، وكان الذي حلق رأسَ رسول
الله - زَ﴿ - في ذلك اليوم خِراشُ بن أُمَيَّةَ [بن ربيعة بن الفضل بن منقذ بن عفيف بن
كليب بن حُبْشية ابن سَلُول] الخزاعي [ثم الكلبي] وهو الذي كان بعثه رسولُ الله ◌َّ يومئذ
إلى مكّة فعقروا جَمَلَه، وأرادوا قتله، فحينئذ بعث إليهم عثمانَ بن عَفَّانَ رضي الله عنه، ففي
تَرْكِهِمْ لِلْبِدَارِ دليلٌ على أن الأمَرِ ليس على الفَوْرِ، كما ذهب إليه بعضُ الأُصُولِيِّن، وفيه أنهم
حَمَلُوا الأمْرَ على غير الوُجُوبِ لقرينَةٍ، وهي أنهم رَأَوْه لم يَخْلِقْ ولم يَنْحَرِ، ولم يُقَصِّر، فلما
رأَوْه قد فعل اعتقدوا وجوبَ الأمر وامْتَثَلُوه. وفيه أيضًا إباحةُ مُشَاوَرَةِ النِّسَاء، وذلك أن النهي
عن مُشَاوَرَتِهِنَّ إنما هو عندهم في أمر الولاية خاصّةً، كذلك قال أبو جعفر النحاس في شرح
هذا الحديث.
المقصّرون
فصل: وذكر ابنُ إسحق استغفارَ النبيّ - وَه ◌ِ لِلمُحَلْقين ثلاثًا وللمُقَصِّرين مَرّةً واحدةً.
(١) أخرجه أبو داود (٥١١٢) وأحمد (٢٣٥/١) والطحاوي في المشكل (٢٥٢/٢).
٥٤

حلق رجالٌ يوم الحُديبية، وقَصَّر آخرون. فقال رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((يَرْحم الله المحلقين))،
قالوا: والمُقَصِّرين يا رسول الله؟ قال: ((يرحم الله المحلّقين))، قالوا: والمقصِّرين يا
رسول الله؟ قال: ((يرحم الله المحلّقين))، قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال:
((والمقصِّرين))، فقالوا: يا رسول الله: فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصِّرين؟ قال:
((لم یشگُوا)).
وقال عبد الله بن أبي نجيح: حدّثني مجاهد، عن ابن عباس: أن رسول الله وَّلِ أَهْدى
عام الحُدَيبية في هَدياه جملاً لأبي جَهْل، في رأسه بُرَةٌ من فضَّة، يغيط بذلك المشركين.
نزول سورة الفتح:
قال الزهري في حديثه: ثم انصرف رسولُ الله ◌َليل من وجهه ذلك قافلاً، حتى إذا
كان بين مكّة والمدينة، نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنا لكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَك اللَّهُ ما
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك ومَا تَأَخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيكَ صِرَاصًا مُسْتَقِيمًا﴾ .
ذكر البيعة :
ثم كانت القصّة فيه وفي أصحابه، حتى انتهى إلى ذكر البيعة، فقال جلّ ثناؤه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايعُونَكَ إِنَّمَا يُبَابِعُونَ اللَّهَ يَدْ اللَّهِ فوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فإِنَّما يَنْكُثُ عَلَى
نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ فَسَيُؤْتِهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ .
ذكر من تخلّف:
ثم ذكر من تخلّف عنه من الأعراب، ثم قال: حين استفزّهم للخروج معه فأبطؤوا
عليه: ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأْرَابِ شَغَلَتْنا أَمْوَالُنا وأَهْلُونا﴾. ثم القصّة عن
خبرهم، حتى انتهى إلى قوله: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا
نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ .. ثم القصّة
عن خبرهم وما عرض عليهم من جهاد القوم أولي البأس الشديد.
قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي نجيح، عَن عطاء بن أبي رباح، عن ابن
عباس، قال: فارس. قال ابن إسحاق: وحدّثني من لا أتّهم، عن الزهري أنه قال:
أولو البأس الشديد: حنيفةُ مع الكذّاب.
ولم يكن المُقَصِّر يَوْمَئِذٍ من أصحابه إلاّ رَجُلَيْنٍ، أحدُهما عُثْمانُ بن عَفَّان، والآخر أبو قَتَادَة
الأنْصَارِيّ، كذلك جاء في مُسْتَدِ حديثٍ أبي سعيد الخُدْرِيّ رضي الله عنه.
٥٥

ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشِّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي
قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا
حَكِيمًا وَعَدَكُم اللَّهُ مَغانمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وكفَّ أيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ
وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ويَهْدِيَكُمْ صِرَاصًا مُسْتَقِيمًا وأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ
بِها وكانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَديرًا﴾.
ذكر كفّ الرسول عن القتال:
ثم ذكر محبسه وكَفُه إيّاه عن القتال، بعد الظفر منه بهم، يعني النَّفر الذين أصاب
منهم وكفّهم عنه، ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ
مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وكانَ اللَّهُ بمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ
كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ .
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: المعكوف: المحبوس، قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:
وكأنّ السَّموطَ عَكَّفه السِّل ـكِ بعطْفِي جَيْداء أُمّ غَزَال
وهذا البيت في قصيدة له.
قال ابن إسحق: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَنُوهُم
فَتُصَيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرّةٌ بغيرِ عِلْم﴾، والمعرّة: الغرم، أي أن تصيبوا منهم (معرّة) بغير علم
فتخرجوا دِيَّته، فإما إثم فلم يخشه عليهم.
قال ابن هشام: بلغني عن مجاهد أنه قال: نزلت هذه الآية في الوليد بن الوليد بن
المُغيرة، وَسَلَمَة بن هشام، وعَيَّش بن أبي ربيعة، وأبي جَنْدل بن سُهيل. وأشباههم.
قال ابن إسحاق: ثم قال تبارك وتعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ
حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ يعني سهيل بن عمرو حين حَمِي أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم،
وأن محمدًا رسول الله، ثم قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ
وألْزِمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وكانوا أحقّ بها وأهلها﴾: أي التوحيد، شهادة أن لا إله إلاّ الله،
وأن محمدًا عبده ورسوله.
٥٦

ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بالحَقْ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ
شاءَ اللَّهُ مُحَلْقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِين لاَ تخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾: أي لرؤيا رسولٍ
الله وَالر التي رأى، أنه سيدخل مكّة آمنًا لا يخاف؛ يقول: محلْقين رؤوسكم، ومقصِّرين
معه لا تخافون، فعلم من ذلك ما لم تعلموا، فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا، صلح
الحديبية .
يقول الزهري: فما فُتح في الإسلام فتح قبلَه كان أعظَم منه، إنما كان القتال حيث
التَّقَى الناس؛ فلما كانت الهُدنة، ووضعت الحرب، وآمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا،
فتفاوضوا في الحديث والمُنازعة، فلم يكلّم أحد بالإسلام يَعْقل شيئًا إلاّ دخل فيه، ولقد
دخل في تينك السَّنتين مثلُ مَنْ كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.
قال ابن هشام: والدليل على قول الزُّهري أن رسولَ الله وَ لَ خرج إلى الحُدَيبية في
ألف وأربع مائة، في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في
عشرة آلاف.
ما جرى عليه أمر
قوم من المستضعفين بعد الصلح
مجيء أبي بصير إلى المدينة وطلب قریش له:
قال ابن إسحاق: فلمَّا قدِم رسولُ الله ◌َ ﴿ المدينة أتاه أبو بَصير عُثْبة بن أسيد بن
جارية، وكان ممن حُبس بمكّة، فلما قَدِم رسول الله وَ ل# كتب فيه أزْهَر بن عبد عوف بن
عبد بن الحارث بن زُهْرَة، والأخنس بن شَريق بن عمرو بن وهب الثّقفي إلى رسول
اللهِ وَلَه وبعثا رجلاً من بني لُؤَيّ، ومعه مولى لهم، فَقَدِما رسولِ اللهِ وَّر بكتاب الأزهر
والأخنس؛ فقال رسول الله وَطاهر: ((يا أبا بَصِيرِ إنا قد أعطينا هؤلاء القومَ ما قد علمتَ،
ولا يصلحُ لنا في ديننا الغدرُ، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المُسْتَضْعَفين فَرَجًا
ومخرجًا، فانُطلِقٍ إلى قومك))، قال: يا رسول الله، أتردّني إلى المشركين يَفْتِنونني في
ديني؟ قال: ((يا أبا بصير، انطلِقٍ، فإنّ الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من المُستَضْعفين
فَرَجًا ومخرجًا)).
٥٧

قتل أبي بصير للعامري، ومقالة الرسول في ذلك
فانطلَق معهما، حتى إذا كان بذي الحُلَیفة، جلس إلى جدار، وجلس معه صاحباه،
فقال أبو بَصير: أصارمٌ سيفُك هذا يا أخا بني عامر؟ فقال: نعم؛ قال: انظر إليه؟ قال:
انظُر، إن شئت. قال: فاسْتَلَّه أبو بَصِير، ثم علاه به حتى قتله، وخرج المولى سريعًا
حتى أتى رسولَ اللهِوَّهُ وهو جالس في المسجد، فلما رآه رسولُ اللهِ وَلِّ طالعًا، قال:
((إن هذا الرجل قد رأى فَزَعاً))، فلما انتهى إلى رسول الله وَّر، قال: ((ويحك! ما لك؟))
قال: قَتَل صاحبُكم صاحبي. فوالله ما بَرح حتى طلَع أبو بَصير مُتَوَشْحًا بالسَّيف، حتى
وقف على رسولِ الله وَّل، فقال: يا رسول الله، وَفَتْ ذِمَّتك، وأدّى الله عنك، أسْلَمتني
بيد القوم وقد امتنعتُ بديني أن أُفتن به، أو يُعْبَث بي. قال: فقال رسول الله وَّر: ((ويل
أُمِّه مَحَشَّ حرب لو كان معه رجال!)).
أبو بصير وزملاؤه في العيص
ثم خرج أبو بَصير حتى نزل العِيصَ، من ناحية ذي المَرْوة، على ساحل البحر،
بطريق قُرَيش التي كانوا يأخذون عليها إلى الشام، وبلغ المُسْلمين الذين كانوا احتبسوا
بمكّة قولُ رسول الله وَ﴿ لأبي بصير: ((وَيْلُ أُمِّه مِحَشَّ حَرب لو كان معه رجال!))،
فخرجوا إلى أبي بصير بالعِيص، فاجتمع إليه منهم قريب من سبعين رجلاً، وكانوا قد
ضيَّقوا على قُرَيش، لا يظفرون بأحد منهم إلاّ قتلوه، ولا تَمُرُّ بهم عِيرٌ إلاّ اقتطعوها،
حتى كتبت قُريش إلى رسول الله وهو تسأل بأرحامها إلاّ آواهم، فلا حاجة لهم بهم.
فآواهم رسول الله وَيهر، فقدموا عليه المدينة.
أبو بصير
وذكر حديثَ أبي بَصِيرٍ واختلف في اسمِه، فقيل: عُبَيْد بن أَسِيد بن جارِيَةً، وقيل:
عُتْبَة .
وذكر قول النبيِّ وَّ له حين قَتَل أحدَ الرجلين: وَيْلُ أُمَّهِ مِحَشَّ حَرْبٍ. وفي الصحيح:
(وَيْلُ أُمِّه مِسْعَرُ حَرْبٍ))(١)، يقال: حَشَشْتُ النار، وأَرَّثْتُها، وَأَذْكَيْتِها، وأَثْقَبْتُها وَسَعَّرتها بمعنى
واحد، وسُمِّي الأَسْعَرِ الجُعْفِيَّ أَسْعَرَ بقوله:
فلا يَدْعُنِي قَوْمي لِسَعْدِ بن مالِكِ
لَئِنْ لم أُسْعِزْ عليهم وأُثْقِبٍ
(١) أخرجه البخاري (٢٥٧/٣) وأبو داود وأحمد (٣٣١/٤) والبيهقي في الكبرى (٢٢١/٩) وفي الدلائل
(١٠٧/٤) وعبد الرزاق (٩٧٢٠) والطبري في تاريخه (١٢٥/٢).
٥٨

قال ابن هشام: فلما بلغ سُهَيلٍ بن عمرو قتلُ أبي بصير صاحبَهم العامريّ، أسند
وكان اسمه مَرْتَدَ بن حُمْرَانَ، ومالك في هذا البيت: هو مَذْحِجٌ، وأما لُحُوق أبي بَصِيرٌ
بِسيفِ البحر، ففي رواية مَعْمَرٍ عن الزُّهْرِيِّ، أنه كان يُصَلِّي بأصحابه هنالك، حتى لحق بهم
أبو جَنْدَل بن سُهَيْلٍ فقدّموه، لأنه قُرَشِيٍّ، فلم يزل أصحابُه يكثرون، حتى بلغوا ثَلاَثَمائةٍ،
وكان أبو بصير كثيرًا ما يقول هنالك: الله العَلِيُّ الأكْبَرُ، مَنْ يَنْصُر الله فسوف يُنْصَر، فلما
جاءهم الفرجُ من الله تعالى، وكلّمت قريشٌ النبيّ وَ ◌ّر أن يؤربهم إليه لما ضيقوا عليهم، ورد
كتاب النبي ◌ِّهِ وأبو بَصِيرٍ في الموت، يجود بنفسه، فأُعْطِي الكتابَ فجعل يقرأه ويُسَرُّ به،
حتى قُبِضَ والكتابُ على صَدْرِهِ، فبُني عليه هناك مسجدٌ يَرْحمه الله(١).
(١) قوله: ((فبُني عليه هناك مسجد)». الفاء هذا ليست للتعقيب، أي بمجرد موته أقاموا على قبره
مسجدًا، إذ ليس هذا من هدي الإسلام، بل قد ورد النهي الصحيح الصريح في أربعة عشر حديثًا
عن الصلاة في المساجد المقامة على القبور فيقول وَلهو: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد)) قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها - رواية الحديث - ((فلولا ذلك أبرز قبره غير
أنه خُشي أن يتخذ مسجد)) رواه البخاري (١٥٦/٣) ومسلم (٦٧/٢). ويقول وَّ: ((ألا وإنه من
كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم
عن ذلك)) رواه ابن أبي شيبة (٨٣/٢). ويقول وَّر: ((وقد ذكرت أم سلمة وأم حبيبة ما رأتا بأرض
الحبشة من كنيسة بها تسمى ـ مارية - وفيها ما فيها من التصاوير)). قال ◌َ﴿ معلقًا على هذا الكلام:
((أولئك - أي النصارى - إذا كان فيهم الرجل الصالح ينوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا تلك
الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)). رواه البخاري (٤١٦/١) ومسلم (٦٦/٢)
وغيرها. إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي جاء فيها النهي صريحًا عن بناء المساجد على
القيود، أو إدخال القبور في المساجد، وينظر العلماء إلى المساجد التي فيها قبور، فإذا كان القبر
بُني أولاً ثم أقيم عليه المسجد هُدم المسجد، والعكس. وقد يقول قائل: كيف لا نصلّي في
المساجد التي بها قبور وينهى النبي ◌ّر عن ذلك وهو مدفون في مسجده ونحن نصلي في هذا
المسجد بل ونتقرّب إلى الله تعالى بالصلاة فيه؟! فيقال له: علينا أولاً أن نعلم كيف دُفن النبيّ وَّه
عند موته وهل أُمر بدفنه قبلُ في مسجده أم لا؟! أعلم أخي في الله: أن النبيّ وَّر بعد موته اختلف
الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في موضع دفنه فقائل بنفسه في البقيع وآخر يقول: بل يُدفن
بمكّة، حتى قال الصديق رضي الله عنه: ((إني سمعت حديثًا من النبيّ وَ ﴿ أنه إذا قَبض نبيّ دُفن
مكانه)). فقام الصحابة بدفنه حيث قُبض - وَّه - بحجرة أم المؤمنين عائشة. وبقي الأمر كما هو
حتى دخلت الحجرة وضُمّت إلى المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة ثمان وثمانين، وذلك
الأمور سياسته، ولم يكن قد بقي من الصحابة أحد بالمدينة. وهكذا دخل القبر في المسجد. هذا
ويقول النبيّ ◌َله: ((أنه لا تشدّ الرحال إلاّ إلى مساجد ثلاثة الحرام والأقصى ومسجده وَلغيره، وأن
الصلاة في مسجده تعدل ألف صلاة في غيره»، هذا والصلاة في المساجد المقامة على القبور
محرّمة في المذاهب الأربعة وعند أهل السنّة والجماعة سلفًا وخلفًا. وانظر مزيد بيان وإيضاح:
الصارم المنكي (١٣٦) تاريخ الطبري (٢٢٢/٥) وكتاب تحذير الساجد للعلامة الألباني حفظه الله =
٥٩

ظهرَه إلى الكعبة، ثم قال: والله لا أُؤْخَر ظَهْري عن الكعبة حى يُودَى هذا الرجل، فقال
أبو سُفيان بن حرب: والله إن هذا لهو السَّفه، والله لا يُودَى ثلاثًا، فقال في ذلك
مَوْهَب بن رياح أبو أُنَيس، حليف بني زهرة:
عمرة:
وفي الحديث من غير السيرة أن المسلمين حين حَلَقُوا في ذلك اليوم، وهم بالحِلُ قَد
مُنِعوا أن يَدْخُلوا الحَرَمَ جاءت الريحُ، فاحتملت شُعُورَهم حتى ألقَتْها في الحَرَم، فاسْتَبْشَروا
بقبول الله عُمْرَتَهُمْ. ذكره أبو عُمَر.
والعُمْرَةُ مُشْتَقَّةٌ من عِمَارَةِ المسجد الحرام وبُنِيَت على فُعْلة، لأنها في معنى قُرْبَة،
ووُصْلَة إلى الله تعالى، وليس قول من قال: إنها الزيارة في اللغَةِ يَبيِّن، ولا في قول الأعشى
حُجَّةٌ لهم لأنه مُحْتَمَلُ التّأويل وهو قوله:
وراكبٌ جاء من تَثْلِيث مُعْتَمِرُ
وجَاشَتِ النفسُ لما جاء فَلُهُمُ
قتل أبي بصير للكافر
فصل: ومما يُسْأَلُ عنه في حديث أبي بَصِيرٍ قتلُه الرجلَ الكافرَ، وهو في العهد: أكان
ذلك حَرَامًا أم مُبَاحًا له، وظاهرُ الحديثِ رفعُ الحَرَج عنه، لأن النبيَّ - نَّهِ - لم يَثْرِبْ، بل
مَدَحَه، وقال: ((وَيْلُ أُمه مِحَشَّ حَرْبٍ)). فإن قيل: وكيف يكون ذلك جائزًا له، وقد حَقَنَ
الصلْحُ الدماءَ؟ قلنا: إنما ذلك في حق أبي بَصِير على الخُصوص، لأنه دافع عن نفسِه
ودينه، ومَنْ قُتلَ دون دَمِه فهو شَهِيدٌ، وإنما لم يُطالبُهُ رسولُ اللهِ وَهِ - بِدِيَّةٍ. ولأن أولياءَ
المقتول لم يطالبوه، إمَّا لأنَّهُمْ كانوا قد أسْلَموا، وإما لأن الله شَغَلَهُم عن ذلك، حتى انْتَكْثَ
العهدُ، وجاء الفتح.
فإن قيل: فإن النبيَّ وَِّ كان يَدِي مَنْ قُتل خَطأَ من أهل الصُّلْح كما وَدَى العامِرِيِّين
وغيرهما قلنا: عن هذا جوابان، أحدهما: أن أبا بَصِيرٍ كان قد ردّه إلى المشركين، فصار في
حُكْمِهِمْ، ولم يكن في فِئَّةِ المُسْلِمين وحِزْبِهِمْ، فيحكم عليه بما يحكم عليهم.
والجواب الثاني: أنه إن كان قَتَلَ عَمْدًا، ولم يكن قَتَلَ خطأ، كما كان قَتْلُ العامريين،
وقد قال عُمَر بن الخطّاب: لا تَعْقِلُ العاقِلَةُ (١) عَمْدًا ولا عَبْدًا [ولا صُلْحًا ولا اعترافًا].
= ونفع به. فقد جمع فأوعى.
(١) العاقلة: الأقارب من جهة الأب.
٦٠