Indexed OCR Text
Pages 21-40
فغيَّبهما في شِعب من شِعاب العقيق، ثم أتى إلى النبيّ وَّر وقال: يا محمد، أصبتم ابنتي، وهذا فِداؤها، فقال رسول الله وَالر: ((فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق، في شِعب كذا وكذا؟)) فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنك محمد رسول الله وَ الله فوالله ما اطلع على ذلك إلاّ الله، فأسلم الحارثُ، وأسلم معه ابنان له، وناس من قومه، وأرسل إلى البعيرين، فجاء بهما، فدفع الإبلَ إلى النبيّ بَِّ، ودُفِعَت إليه ابنتُه جُوَيْرِيَةُ، فأسلمت، وحسن إسلامها، فخطبها رسولُ الله وَله إلى أبيها، فزوّجه إيّاها، وأصدقها أربعمائة درهم. ما نزل من القرآن في حق الوليد بن عقبة: قال ابن إسحاق: وحدّثني يزيد بن رُومان: أن رسول الله وَ لو بعث إليهم بعد إسلامهم الوليدَ بن عقبة بن أبي مُعيط، فلما سمعوا به رَكبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم، فرجع إلى رسول الله وَّر، فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله، ومنعوه ما قِبَلهم من صَدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غَزْوهم، حتى هَمّ رسولُ الله ◌َِّهِ بأن يغْزوهم، فبينا هم على ذلك قَدِم وفدُهم على رسول الله وَّهِ، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك حين مُسْنَد البزَّار من طريق أبي بَكْرَةَ: ((لا حرجَ أن ينظر الرجلُ إلى المرأة إذا أراد تَزَوُّجِهَا، وهي لا تَشْعُر))(١) وفي تراجم البُخَاريِّ: النظرُ إلى المرأة قبل التزويج، وأورد في الباب قوله عليه السلام لعائشة: ((أُرِيتُك في المنام يجيء بك الملَكُ فِي سَرَقَةٍ من حَرِيرٍ، فَكُشِفَتْ عن وجهك، فقال: هذه امرأتُك، فقلت: إن يَكُن من عند الله يُمْضِه))(٢). وهذا استدلال حَسَنٌّ. وفي قوله: إن يكُنْ من عند الله سؤالٌ، لأن رؤياه وَحْيٌّ، فكيف يَشُكُ في أنها من عند الله . والجواب: أنه لم يشك في صحّة الرؤيا، ولكن الرُّؤيا قد تكون على ظاهرِها، وقد تكون لمن هو نظيرُ المرءِ أو سَمِيُّه، فمن هاهنا تَطَرَّق الشك ما بين أن تكون على ظاهرِها، أو لها تأويل كذلك، وسمعت شيخَنا يقول في معنى هذا الحديث، ولغيره فيه قول لا أرضاه، فلا يخلو نظرهُ عليه السلام إليها من أحد الأمرين، أو يكون ذلك قبل أن يُضْرَبَ الحجاب، وإلاّ فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ للمؤمنين يَغُضُّوا من أبْصَارِهم﴾ وهو إمام المتقين وقُدْوَةُ الوَرِعين ◌َّ. (١) أخرجه البزار (١٥٩/٢). (٢) أخرجه البخاري (٧١/٥) (٦/٧) ومسلم في الفضائل (٧٩) والبيهقي (٨٥/٧). ٢١ بعثته إلينا، فخرجنا إليه لنُكْرِمه، ونؤدّي إليه ما قِبَلنا من الصدقة، فانّشَمَر راجعًا، فبلغنا أنه زعم لرسول الله وَ ل أنَّا خرجنا إليه لنقتله، ووالله ما جئنا لذلك، فأنزل الله تعالى فيه وفيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيِّئُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنْ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ . لَعَنْتُمْ﴾ ... إلى آخر الآيات. [الحجرات: ٦ - ٨]. وقد أقبل رسولُ اللهِ وَّر من سفره ذلك، كما حدّثني من لا أتّهم عن الزهري، عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، حتى إذا كان قريبًا من المدينة، وكانت معه عائشة في سفره ذلك، قال فيها أهل الإفك ما قالوا. خبر الإفك في غزوة بني المصطلق سنة ست: قال ابن إسحاق: حدّثنا الزهري، عن عَلْقَمَةَ بن وقّاص، وعن سَعِيد بن جُبير، وعن عُرْوَةَ بن الزّبير، وعن عُبَيد الله بن عبد الله بن عُثْبة، قال: كلٌّ قد حدّثني بعض هذا الحديث، وبعضُ القوم كان أوعى له من بعض، وقد جمعت لك الذي حدّثني القوم. الهدى في السفر مع الزوجات: قال محمد بن إسحق: وحدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عن عائشة، وعبدُ الله بن أبي بكر، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، عن نفسها، حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا، فَكُلُّ قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعًا يحدّث بعضهم ما لم يحدّث صاحبه، وكلٌّ كان عنها ثقة، فكلّهم حدّث عنها ما سمع، قالت: كان رسول الله ◌َ﴿ إذا أراد سفرًا أقرع بين نِسائه، فأيَّتهنّ خَرج سهمُها خرج بها معه، فلما كانت غزوة بني المُصْطلِق أقْرع بين نسائه، كما كان يصنع، فخرج سَهْمي عليهنّ معه، فخرج بي رسولُ الله ◌َلَد . جويرية : وأما جويرية فهي بنت الحارث بن أبي ضِرَارٍ بن حَبِيب بن عائد بن مالك بن جَذِيمَة، وجَذِيمَةُ المُصْطلِقُ من خُزَاعَةَ، كان اسمُها بَرَّة، فسمّاها رسولِ الله - رََّ - جُوَيْرِيَةَ، وقد رُوي مثل هذا في حديث مَيْمُونَةَ بنتِ الحارثِ وكذلك زَيْنَب بنت جَخْشٍ، كان اسمُها بَرَّة أيضًا، وزينب بنت أبي سَلَمَة ربيبته عليه السلام، كان اسمُها بَرَّة فسماهُنَّ جُمَع بغير ذلك الاسم، توفيّت جُوَيْرِية في شهر ربيعِ الأوّل سنة سِتّ أو خمسٍ وخمسين من الهجرة، وكانت قبل أن تُسْبَى عند مُسَافِعٍ بن صَفْوانَ الخُزَاعي. ٢٢ حديث الإفك قالت: وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العُلَق لم يهجهنّ الَّلحم فيَثْقُلن وكنت إذا رُحِّل لي بعيري جلستُ في هَؤْدجي، ثم يأتي القومُ الذين يُرَحِّلون لي ويَخملونني، فيأخذون بأسفل الهَوْدج، فيرفعونه، فيضعونه على ظهر البعير، فيشدّونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير، فينطلقون به. قالت: فلما فَرِغ رسولُ الله وَلَر من سفره ذلك، وجَّه قافلاً حتى إذا كان قريبًا من المدينة نزل منزلاً، فبات به بعضَ الليل، ثم أذن في الناس بالرحيل، فارتحل الناسُ، وخرجتُ لبعض حاجتي، وفي عُنقي عِقْد لي، فيه جَزْع ظَفار، فلما فرغت انسلّ من عُنقي ولا أدري، فلما رجعتُ إلى الرَّحل ذهبتُ ألتمسه في عُنقي، فلم أجده، وقد أخذ الناسُ في الرَّحيل، فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه، فالتمسته حتى وجدته، وجاء القوم حلافى، الذين كانوا يُرَحِّلون لي البعير، وقد فَرغوا من راحلته، فأخذوا الهَوْدَج، وهم يظنُّون أني فيه، كما كنت أصنع، فاحتملوه، فشّدوه على البعير، ولم يشكّوا أني فيه، ثم أخذوا برأس البعير، فانطلقوا به، فرجعتُ إلى العسكر وما فيه من داعٍ ولا مُجيب، قد انطلق الناس. قالت: فَتَلفَّفْت بجلبابي، ثم اضْطَجَعْتُ في مكاني، وعرفت أن لو قد افتُقِدْتُ لرُجِع إليّ. قالت: فوالله إني لَمُضطجعة إذ مرّ بي صَفْوانُ بن المُعَطَّل السُّلَمي، وقد كان حديث الإفك(١) فيه من الغريب قولُ عائشةَ: والنساءُ يَوْمَئِذٍ لم يُهَيِّجْهُنَّ(٢) اللحم فَيَثْقُلْنَ. التَّهْييجُ: انتفاخٌ في الجسم قد يكون من سِمَنٍ، وقد يكون من آفة، قال الأصمَعِيُّ أو غيره: هَجَمْتُ على حَيٍّ من العرب بوادٍ خصيبٍ، وإذا ألوانُهم مُصْفَرَّةٌ ووجوهُهم مُهَيَّجَةٌ، فقلت لهم: ما بالُكم؟ واديكم أخْصَبُ وادٍ، وأنتم لا تُشْبِهُون المخاصب، فقال لي شيخ منهم: إن بلدنا ليست له رِيحٌ، يريد: أن الجبال أحاطت به فلا تُذْهِب الرياحُ وَبَاءَه ولاَ رُمْدَه. صفوان بن المعطل (٣): وفيه ذكر صَفْوان بن المُعَطَّلِ بن رُبَيْضَةَ بن خُزَاعِيّ بن مُحَارِبٍ بن مُرَّةً بن فَالج بن (١) انظر حديث الإفك في البخاري (٣٦٨/١٩٨/٥) ومسلم (٢٧٧٠) وأحمد (٢٧٢/٦) والترمذي (٣١٧٩) والزاد (٢٥٨/٣) وتفسير سورة النور لعبد الأعلى المودودي. (٢) التهييج: امتلاء الجسم وانتفاخه. (٣) له ترجمة من الإصابة (١٩٠/٢) الاستيعاب (١٢٢٣/٢) تاريخ الصحابة (٦٦٤). ٢٣ تخلّف عن العسكر لبَغْض حاجته، فلم يبتْ مع الناس، فرأى سَوَادِي، فأقبل حتى وقف عليّ، وقد كان يراني قبل أن يُضْرَب علينا الحجاب، فلما رآني قال: إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، ظَعِينة رسول الله وَّر! وأنا متلفّفة في ثيابي، قال: ما خلَّفك يرحمك الله؟ قالت: فلما كلَّمته، ثم قرّب البعير، فقال: اركبي واستأخر عَنِّي. قالت: فركبتُ، وأخذَ برأس البعير، فانطلق سريعًا، يطلب الناسَ، فوالله ما أدركنا الناس، وما افتقدت حتى أصبحتُ، ونزل الناس، فلما اطمأنوا طلع الرجلُ يقود بي، فقال أهل الإفك ما قالوا، فارْتَعَجَ العَسْكَرُ، ووالله ما أعلم بشيء من ذلك. ذَكُوان بن ثَعْلَبَة بن بُهْثَة بن سُلَيْم السُّلَمِيّ، ثم الذَّكْوانيّ يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو، وكان يكون على سَاقَةِ العَسْكَرِ يلتقط ما يَسْقُط من مَتاع المسلمين، حتى يأتيهم به، ولذلك تَخَلَّف في هذا الحديث الذي قال فيه أهل الإفك ما قالوا، وقد رُوِي في تخلُّفه سببٌ آخر، وهو أنه كان ثقيلَ النَّوْمِ لا يستيقظ حتى يَرْتَحِلَ الناسُّ. ويَشْهَد لصِحَّةِ هذا حديثُ أبي داود أن امرأةً صَفْوَان اشتكت به إلى النبيّ - وَّهـ وذكرت أشياءَ منها أنه لا يُصَلِّي الصبحَ، فقال صَفْوانُ: يا رسول الله إني امْرُؤْ ثقيلُ الرأس لا أستيقظ حتى تطلع الشمسُ، فقال له النبيّ عليه السلام: ((فإذا استيقظتَ فَصَلٌ)) وقد ضَعَّف البزَّارُ حديثَ أبي دَاودٍ(١) هذا في مُسْنَدِهِ. وقُتِل صَفْوانٌ بن المُعَطِّل شهيدًا في خلافة معاوية، واندقّتْ رِجْلُه يوم قُتِل، فطاعن بها، وهي مُنْكسرة، حتى مات، وذلك بالجزيرة بموضع له شِمْطَاط. تفسير أسقطوا: وفيه من غير رواية ابن إسْحَقِ أنهم دَعَوْا الجاريةَ، فسألوها حتى أسقطوا لها به، یرید: أَفْصَحوا بالأمر، ونَقَّروا عنه، يقال: ساقطته الحديثَ مُسَاقَطَةٌ وأَسْقَطُوا به، في هذا المعنى قال أبو حَيَّةَ [النُّمَيْرِيّ]: سِقَاطُ حَصَا المَرْجَان من سِلْك نَاظِم إذا هُنَّ ساقَطن الحديث كأنه كذا فسّره أبو الحسن بن بطال، وفيما ذكر ابنُ إسحق من رواية الشيباني عنه، أنهم أداروا الجاريةَ على الحديث، ولم يصرخوا لها حتى فَطِنَتْ بما أرادوا، فقالت: ما أعلم عليها عَيْبًا، الحديث. وأما ضَرْبُ علِيٍّ للجارِية وهي حُرَّة، ولم تسْتَوْجب ضَرْبًا، ولا استأذن رسولَ الله - نَّه ـ في ضربها، فأرى معناه أنه أغلَظ لها بالقول، وتوعَّدها بالضرب، واتَّهِمها أن تكونَ خانت الله ورسوله، فَكَتَمَت من الحديث ما لا يسعها کَتْمُهُ مع إدلاله، وأنه كان من (١) أخرجه أبو داود (٢٤٥٨ - بتحقيقي) وأحمد (٨٠/٣) وأصله في الصحيحين. ٢٤ ثم قَدِمْنا المدينة، فلم ألبث أن اشتكيتُ شكوى شديدة، ولا يبلغني من ذلك شيء، وقد انتهَى الحديثُ إلى رسول الله وَّل، وإلى أَبَوَيَّ لا يذكرون لي منه قليلاً ولا كثيرًا، إلاّ أني قد أنكرتُ من رسول الله وَّل بعض لُطْفه بي، كنت إذا اشتكيتُ رَحِمني ولَطَفَ بي، فلم يفعل ذلك بي في شكواي تلك، فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل عليّ وعندي أمي تُمَرِّضُني - قال ابن هشام: وهي أُم رُومَانَ، واسمها زَيْنب بنت عبد دُهْمَان، أحد بني فِرَاسٍ بن غَنْم بن مالك بنِ كِنانة - قال: كيف تِيكُمْ، لا يزيد على ذلك. أهلِ البيت، وفي غير حديث ابن إسحق قالت الجاريةُ: والله ما أعلم عليها إلاّ ما يعلم الصائغُ على الذَّهَبِ الأخْمَر. بريرة(١) : وأما بَرِيرَةُ فهي مَوْلاةُ عائشة - رضي الله عنها - التي اشترتها من بني كاهلٍ فأغْتَقَتْها، وخُيِرت في زَوْجها، وكان عَبْدًا لبني جَخْشٍ. هذه رواية أهل المدينة، وفي رواية أهلِ العراق أنه كان حُرًّا، وهي رواية الأسْوَد بن يزيد عن عائشة، والأولى روايةُ عُرْوَةً والقاسم بن محمد عن عائشة، وكذلك يقولون بتخيير الأَمَةِ إذا عُتِقَتْ، وإن كان بعلُها حُرًّا، وقول أهل الحجاز على حسب روايتهم، فلا يرون تَخْبِيرها، إلاّ إذا كان زوجُها عبدًا، وعاشت بَرِيرَةُ حتى رَوى عنها الحديثَ بعضُ التابعين. قال عبدُ الملك بن مَزْوانَ: كنت أجالس بَرِيرَة قبل أن أَلِيَ هذا الأمر، فتقول لي: يا أبا عبد الملك، إن فيك خصالاً خَلِيقَةً بهذا الأمرِ، فإن وَلِيتَ هذا الأَمْرَ فَاتَّقِ الله في الدِّماء، فإني سمعت رسول الله - وَّهِ - يقول: ((إن الرجل ليُحَالُ بينه وبين الجَنَّة بعد أَن يَنْظُر إليها بمخجَمَةٍ دم أراقَها مِنْ مُسْلِم في غير حَقِّ)). والبَرِيرَةُ واحدة البَرير وهو ثمر الأَراكِ. أُم رومان(٢): وأمّا أُمْ رُومَانَ، وهي أُمُّ عائِشة فَقد مرّ ذكرها في هذا الحديث، وهي زَيْنَبُ بنتُ عامٍ بن عُوَيمرِ بن عَبْدِ شَمْسٍ بن دُهْمَانَ، وهي من كِنَانَةَ، واختُلِف في عَمُود نسبِها، ولدت لأبي بكر عائشةَ وعبد الرحمن، وكانت قبل أبي بكر عند عبدِ الله بن الحارثِ بن سَخْبَرَةَ، فولدت له الطُّفَيْلَ، وتُوفيت أُمُّ رومانَ سنةَ سِتٍّ من الهجرة، ونزل النبيّ - نَّر - في قبرها، (١) لها ترجمة في الإصابة (٢٥١/٤) الطبقات (٢٥٦/٨). (٢) إلها ترجمة في الإصابة (٤٥٠/٤) الطبقات (٢٧٦/٨). ٢٥ قال ابن إسحاق: قالت: حتى وجدتُ في نفسي، فقلت: يا رسول الله، حين رأيتُ ما رأيت من جَفائه لي: لو أذنتَ لي، فانتقلت إلى أُمي، فمرّضتني؟ قال: ((لا عليكِ)). قالت: فانتقلتُ إلى أُمي، ولا علم لي بشيء مما كان، حتى نقِهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة، وكنا قومًا عربًا، لا نتخذ في بيوتنا هذه الكُثُف التي تتّخذها الأعاجم، نَّعافها ونكرهها، إنما كنا نذهب في فُسح المدينة، وإنما كانت النساء يخرجن كلّ ليلة في حوائجهنّ، فخرجتُ ليلةً لبعض حاجتي ومعي أُمّ مِسْطح بنت أبي رُهم بن المطّلب بن عبد مناف، وكانت أمها بنت صَخْر بن عامر بن كعب بن سَعد بن تيم، خالة أبي بكر الصدّيق رضي عنه؛ قالت: فوالله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مِرْطها، فقالت: تَعس مِسْطح! ومِسْطَحْ لَقَبٌ واسمه: عَوْف؛ قالت: قلت: بئس لَعَمْرُ اللهِ ما قلتِ لرجل من المهاجرين قد شهد بدرًا، قالت: أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: وما الخبر؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك، قالت: قلت: أو قد كان هذا؟ قالت: نعم والله فقد كان. قالت: فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي، ورجعت، فوالله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيَضْدع كَبدي؛ قالت: وقلت لأمي: يغفر الله لكِ، تحدّث الناسُ بما تحدّثوا به، ولا تذكرين لي من ذلك شيئًا! قالت: أي بُنَيَّة، خفْضي عليك الشأن، فوالله لقلَّما كانت امرأة حسناء، عند رجل يحبها، لها، ضرائر، إلاَّ كَثَّرْن وكثّر الناس عليها . وقال: ((اللهم إنه لم يَخْفَ عليك ما لِقِيَتْ أُمُّ رومان فيك، وفي رسولك)) وقال: ((مَنْ سَرَّه أن يَنْظُرَ إلى امرأةٍ من الحُوْرِ العِين، فلينظُرْ إلى أُمّ رُومَان))(١). وهم للبخاري: ورَوى البخاري حديثًا عن مَسْرُوق، وقال فيه: ((سألت أُمَّ رُومَانَ وهي أُمُّ عائشةَ عما قيل فيها) ومَسْروقٌ وُلِد بعد رسول الله - بَّه - بلا خلافٍ، فلم يَرَ أُمَّ رُومَانَ قَطُ، فقيل: إنه وهِم في الحديث، وقيل: بل الحديث صحيح، وهو مُقَدَّم على ما ذكره أهل السِّيرة من مَوْتها في حياة النبيّ وََّ، وقد تكلّم شيخُنا أبو بكر - رحمه الله - على هذا الحديث، واعتنى به الإشكالِه، فأوْرَدَه من طُرُقٍ، ففي بعضها: حدّثتني أُمُّ رومان، وفي بعضها عن مَسْرُوقٍ عن أُمّ رومَان مُعَنْعِنًا، قال رحمه الله: والعَنْعَنَةُ أَصَحُّ فيه، وإذا كان الحديثُ مُعَنْعَنًا كان محتملاً، (١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢٧٧/٨). ٢٦ قالت: وقد قام رسولُ الله ◌َّهَ في الناس يَخْطبهم ولا أعلَمُ بذلك، فحَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أيها الناس، ما بَالُ رجال يُؤذونني في أهلي، ويقولون عليهم غيرَ الحقّ، والله ما علمت منهم إلاّ خيرًا ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلاّ خيرًا، وما يَدْخل بيتًا من بيوتي إلّ وهو معي)). قالت: وكان كُبْر ذلك عند عبد الله بن أُبيّ ابن سَلُولّ في رجال من الخزرج مع الذي قال مِسْطح وحَمْنَة بنت جحش، وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله وَل#، ولم تكن من نسائه امرأة تُناصيني في المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعَصمها الله تعالى بدينها فلم تقل إلا خيرًا وأما حَمْنة بنت جَحش، فأشاعت من ذلك ما أشاعت، تُضادُّني لأخته، فشَقِيَت بذلك. ولم يلزم فيه ما يلزم في حَدَّثنا، وفي سألت، لأن للراوي أن يقولَ: عن فلان، وإن لم يُذْرَكُهُ وهو كثير في الحديث(١). تناصبني أو تناصيني: وقول عائشة: لم تكن امرأة تُنَاصِبُني في المنزِلَةِ عنده غيرها، هكذا في الأصل تُنَاصِبُني، والمعروفُ في الحديث: تُنَاصِيني من المُنَاصَاةِ، وهي المساواة، وأصله من النَّاصية . (١) يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في الزاد (٢٦٦/٣): ((ومما وقع في حديث الإفك، أن في بعض طرق البخاري عن أبي وائل عن مسروق قال: سألت أم رومان عن حديث الإفك فحدّثتني. قال غير واحد: وهنا غلط ظاهر؛ فإن أم رومان ماتت على عهد رسول اللهِ وَّ، ونزل رسول الله وَّ في قبرها وقال: ((من سرّه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى هذه)) قالوا: لو كان مسروق قَدِمَ المدينة في حياتها وسألها، للقي رسول اللّهِ وََّ وسمع منه، ومسروق إنما قَدِمَ المدينة بعد موتٍ رسول الله وَّرَ، قالوا: وقد رَوى مسروق عن أم رومان حديثًا غير هذا، فأرسل الرواية عنها، فظنّ بعض الرواة أنه سمع منها، فحمل هذا الحديث على السماع، قالوا: ولعلّ مسروقًا قال: سُئلت أُم رومان، فتصحفت على بعضهم: سألت؛ لأن من الناس من يكتب الهمزة بالألف على كل حال. وقال آخرون: كل هذا لا يرد الرواية الصحيحة التي أدخلها البخاري في صحيحه، وقد قالٍ إبراهيم الحربي وغيره: إن مسروقًا سألها، وله خمس عشرة سنة، ومات وله ثمان وسبعون سنة، وأُم رومان أقدم مَن حدّث عنه، قالوا: وأما حديث موتها من حياة رسول الله وَّ﴿ ونزوله في قبرها فحديث لا يصح وفيه علّتان تمنعان صحته: إحداهما: رواية علي بن زيد بن جدعان له، وهو ضعيف الحديث لا يحتجّ به، والثانية: أنه رواه عن القاسم بن محمد عن النبيّ بَّر، والقاسم لم يدرك زمن رسول الله ◌َّ، فكيف يُقَدم هذا على حديث إسناده كالشمس يرميه البخاري في صحيحه ويقول فيه مسروق: سألت أم رومان فحدّثتني، وهذا يرد أن يكون اللفظ: سُئلت: وقد قال أبو نعيم في كتاب (معرفة الصحابة)): قد قيل: إن أم رومان توفيّت في عهد رسول الله وَّر، وهو وهم)) اهـ. ٢٧ فلما قال رسول الله وَي تلك المقالة، قال أُسَيد بن حُضير: يا رسول الله، إن يكونوا من الأوس نَكْفكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج، فمُرنا بأمرك، فوالله إنهم لأهل أن تُضرب أعناقهم، قالت: فقام سَعْد بن عُبادة، وكان قبل ذلكَ يُرَى رجلاً صالحًا، فقال: كذبتَ لعَمْر الله، لا نضرب أعناقَهم، أما والله ما قلتَ هذه المقالة إلاّ أنَّك قد عَرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلتَ هذا، فقال أُسَيد: كذبت لعَمر الله، ولكنَّك مُنافق تُجادل عن المنافقين، قالت: وتساور الناس، حتى كاد يكون بين هذين الحيَّين من الأوس والخزرج شرٌّ. ونزل رسولُ اللهِ وَّرَ، فدخل عليّ. شعر حسَّان في العريض بابن المعطل : وذکر قول حسّان: وابن الفُرَيْعَةِ أمسى بَيْضَةَ البَلَدِ أمسی الجلابيبُ قد عَزُّوا وقد گثُروا يعني بالجلابيب الغُرَبَاءَ، وبَيْضَةَ البلد، يعني: منفردًا، وهي كلمة يُتَكلَّم بها في المدح تارةً وفي معنى القُلُ أُخْرى، يقال: فلانٌ بَيْضَة الْبَلَد، أي: أنه واحدٌ في قومه، عظيم فيهم، وفلان بَيْضَةُ البَد، یرید: أنه دليل ليس معه أحد. وأما قوله: قَذْ ثَكِلَتْ أُمُه مَنْ كنتَ صاحبَه فقد يجوز أن يكون قولُه: مَنْ مبتدأ، وقد ثَكِلتَ أُمُّه في موضع الخبرِ المقدَّم عليه، ويجوز أن يكونَ مَنْ مفعولاً بثَكِلَتْ، وأُضْمِر قبل الذكر مع اتصال الضمير بالفاعل، فيكون مثل قوله : جَزَى رَبُّه عني عَدِيَّ بن حَاتِمٍ ومثل قوله : أَبْقَى اليَومِ مَجْدُهُ مُطْعِمًا وقد تقدّم القولُ فيه. وقوله: فَيَغْطَئِلُّ، يريد البَحر أي: يَهِيجُ ويَعْتَلِمُ، وأصل هذه الكلمة من الغَيْطَلَةِ، وهي: الظُّلمة، وأصلها: يَغْطَالُّ مثل يَسْوَادُ، لكنه همز الألِفَ لئلا يجتمع ساكنان، وإن كان اجتماعُهما في مثل هذا الموضع حَسَنًا كقوله تبارك وتعالى: ﴿ولا الضَّالْين﴾، ولكنهما في الشعر لا يجتمعان إلاّ في عرُوض واحدةٍ، وهي المُتقَارِب، ومع هذا فقد قرأ أيوب بن أبي ٢٨ (قالت): فدعا عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، وأسامة بن زيد فاستشارهما، فأمَّا أُسامة فأثنى عليَّ خيرًا وقاله، ثم قال: يا رسول الله، أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرًا، وهذا الكذب والباطل، وأما عليّ فإنه قال: يا رسول الله إن النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تَستخلف، وسَل الجارية، فإنها ستصدقك. فدعا رسولُ اللهِ وَهُ بَرِيرَة لَيسألها، قالت: فقام إليها عليّ بن أبي طالب، فضَرَبها ضربًا تَمِيمَة [كيسان] السَّخْتَانيّ ولا الضالين بهمزة مفتوحة وقرأ عَمْرُو بن عُبَيْد: ﴿إِنْسٌ قَبْلَهُم ولا جَأْنٌ﴾ [الرحمن: ٥٦] وأنشَد الخطّابِيّ: عِظَامُ ابنِ لَيْلَى حَيْثُ كان رَمِيمُها سَقَى مُطغيات المَخْلِ سَكْبًا وديَمةً حَدَائِقَ خُضْرًا مُزْهِئَرًا عَمِيمُها فأصبح منها كلُّ وَادٍ وتَلْعَةٍ أنشد: خَاطِمَها زَأَمَّهَا أنْ تَهْرُبَا فإن قيل: الهمزةُ في هذا كله مفتوحة، وفي قوله: يَغْطَئِلُّ مَكْسُورة، وكذلك في الحديث الصحيح: أسْوَد مُزْبَئدٌ في روایة. قلنا: إنما كُسرتْ الهمزةُ في مُزْهَئِرٌّ ومُزْبَئِدٌ ويَغْطِئِلُ، بعد أنْ فُتِحَتْ في الماضي، فقيل: اغْطأَلَّ، وأزْهأَرَّ، فصار على وزن اطْمَأَنَّ، فجاء اسمُ الفاعل والمستقبلُ على ذلك القياسِ مكسورًا كما يُكْسَر في مُطْمَئِنَ. تفسير العجب: وقول ثابت لعبد الله بن رَوَاحَةَ: أَما أَعْجِبَك ضَرْبَ حسَّانِ بالسيفِ، معناه: أما جعلك تعجب، تقول: عجبتُ من الشيء وأعجبني الشيء، إذا كان ذلك العجبُ من مَكْرُوهٍ أو مَخْبوب، وهو عند الناس بمعنى سَرَّني لا غير، وفي الحديث، وكلام العربِ شواهدُ كثيرةٌ على هذا المعنى منها في الكامل فَلَأَعْجَبَني أنْ أعجَبه بكاءُ أبيه، وفي حديثٍ ذكره عن عبد الرحمن بن حسَّان، وكذلك أنشد: ألا هُزِئَتْ بنا قرشِيّةٌ يَهْتَزُّ مَنْكِبُه! تقول لي: ابنُ قَيْسٍ ذا وبعضُ الشَّيْبِ يُعْجَبُها. وقال کَعْبُ بنُ زُهَیْر: لو كنتُ أَعْجَبُ من شَيْءٍ لأَغْحَبنِي سَعْيُ الفتى، وهو مَخْبُوءٌ له القَدَرُ له ٢٩ شديدًا، ويقول: اصْدُقِي رسولَ الله وَّرَ، قالت: فتقول: والله ما أعلم إلاّ خيرًا، وما كنت أعِيب على عائشة شيئًا، إلاّ أني كنت أعجِن عجيني، فآمرها أن تحفظه، فتنام عنه فتأتي الشاة فتأكله. القرآن وبراءة عائشة قالت: ثم دخل عليّ رسولُ اللهِ وَّرَ، وعندي أبواي، وعندي امرأةٌ من الأنصار، وأنا أبكي، وهي تبكي معي، فجلس، فحَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا عائشة، إنه وقوله عليه السلام: أَتَشَوَّهْتَ على قَوْمِي أنْ هداهم الله، معناه: أَقَبَّحْتَ ذلك من فِعْلِهِم حين سميتَهُم بالجلابيبِ من أجل هِجْرتِهم إلى الله وإلى رسوله؟ بيرحاء: وقوله: فأعطاه عِوَضًا منها بِيَرحَاءِ، وذكر بعضُهم أن هذه البئر سُمّيت بيَرَحاءِ، بزجْر الإبل عنها، وذلك أن الإبلَ يقال لها إذا زُجِرَتْ عن الماء، وقد رَوِيتْ حَاحًا، وهكذا كان الأصيلي يقيده برفع الرَّاء إذا كان الاسم مَرْفوعًا، وبالمدّ، وغير الأصيلي يقول: بَيْرحَاء بالفتح على كل حال وبالقصر يجعله اسمًا واحدًا، وقد حكى عن بعضهم فيه بَيْرحاء، بفتح الباء مع القصر، وفي الصحيح أن أبا طلحة دَفَع بِيرحَاءٍ إلى رسول الله - وَّه - وجعلها صَدَقَّةً، فأمره النبيُّ - وََّــ أن يجعلها في الأقربين، فقسّمها بين أَبَيِّ وحَسَّان، وفسّر البخاري وأبو داود القَرابةَ التي بين أبي طلحة وبينهما قالا: فأما حسَّانُ فهو ابنِ المنذِر بن ثابتٍ بن حَرام، وأبو طَلْحة هو زيْد بن سَهْل بن حَرَام، فهذه قرابةٌ قريبةٌ، وأما أُبَيِّ، فيجتمع معه في الأب السادس، وهو عَمْرو بن مالكِ بنِ الثَّجَّار، وقد كان أُبَيٍّ غَنِيًّا، فكيف ترك مَنْ هو أقربُ منه، وخصّه؟ والوجْهُ في ذلك أن أُبيًّا كان ابن عمَّةِ أبي طَلْحَةَ، وهي صهيلة بنت الأسْوَدِ بن حرام، وهو معروف عند أهل النسب، فمن أجل ذلك النسب خَصَّه بها، لا من أجل النسب الذي ذكرناه فإنه بعيد، وإنما قال له النبيّ وَّر: ((اجعلها في الأقْرِبِين)). حول براءة عائشة وفي المسند من حديث عائشة أنه لما أنزل الله براءتها قام إليها أبو بكر، فقبّل رأسها، فقالت له: هَلأَّ كنت عَذَرتني، فقال: أيُّ سَماءٍ تُظِلُني، وأي أَرْضٍ تُقِلُّني، إن قلت بما لا أعلم، وكان نزول براءةِ عائشةَ - رضي الله عنها - بعد قومهم المدينةَ بِسَبْعٍ وثلاثين ليلةً في قول بعض المفسرين. ٣٠ قد كان ما قد بَلغك من قول الناس، فاتّقي الله، وإن كنتِ قد قارفتِ سُوءًا، مما يقول الناس فتُوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبةَ عن عباده، قالت: فوالله ما هو إلاّ أن قال لي ذلك، فَقَلَصَ دمعي، حتى ما أُحسّ منه شيئًا، وانتظرتُ أَبَوَيَّ أن يُجيبا عني رسولَ اللهِ وَّةٍ، فلم يتكَلَّما. قالت: وأيم الله لأنا كنت أَحْقَرُ في نفسي، وأَصْغَر شأنًا من أن يُنْزِل الله فيَّ قرآنًا يُقْرأُ به في المساجد، ويُصَلَّى به، ولكني قد كنت أرجو أن يرى رسولُ اللهَ وَّر في نومه شيئًا يكذّب به الله عني، لما يعلم من براءتي، أو يُخبر خبرًا، فأمَّا قرآن يَنزل فيّ، فوالله لنَفسي كانت أحقَر عندي من ذلك. قالت: فلما لم أر أبويّ يتكلَّمان، قالت: قلت لهما: ألا تجيبان رسول اللهِ الَّهُ؟ قالت: فقالا: والله ما نَدري بماذا نُجيبه، قالت: والله ما أعلم أهلَ بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام، قالت: فلما أن اسْتَعْجَمَا عليَّ، استعبرتُ فبكيتُ، ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدًا. والله إني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس، والله يعلم أني منه بريئة، لأقُولَنَّ ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تُصَدِّقونني. قالت: ثم التمستُ اسمَ يعقوب فما أذكره، فقلت: ولكن سأقولُ كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُستَعانُ عَلَى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. قالت: فوالله ما بَرح رسولُ الله وَّل مجلسه حتى تغَشَّاه من الله ما كان يتغَشَّاه، فسُجِّي بثوبه ووُضعت له وِسَادَةٌ من أدَم تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فوالله ما فَزِعْتُ ولا بالَيْتُ، قد عَرَفت أني بَرِيئة، وأن الله عزّ وجلّ غيرُ ظالمي، وأمَّا أبَواي، فوالذي نفسُ عائشةَ بيده، ما سُرِّي عن رسولِ اللهِ وَّ حتى ظننتُ لتخرُجَنَّ أنفسُهما، فَرَقًا من أن يأتيَ من الله تحقيقُ ما قال الناس، قالت: ثم سُرِّي عن رسولِ الله - وَهــ فجَلس، وإنه لَيَتَحَدَّثُ منه مثل الجُمَان في يوم شاتٍ، فجعل يَمْسَحِ العَرقَ عن جَبينه، ويقولُ: أبْشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك، قالت: قلت: بحمد الله، ثم خرج إلى الناس، فخَطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن في ذلك، ثم أمر بمِسْطح بن أُثَاثَةَ، وحسَّان بن ثابت، وحَمْنة بنت جحش، وكانوا ممن أفْصح بالفاحشة، فضُرِبوا حدَّهم. قال ابن إسحاق: وحدّثني أبي إسحاقُ بن يسار عن بعض رجال بني النَّجَّار: أن أبا أيُّوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أُمّ أيُّوب: يا أبا أيُّوب، ألا تَسمع ما يقول الناس في ٣١ عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت يا أُمّ أيوب فاعلة؟ قالت: لا والله ما كنتُ لأفعله؛ قال: فعائشة والله خيرٌ منك. قالت: فلما نزل القرآن بذكر مَنْ قال من أهل الفاحشة ما قال من أهل الإفك، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاءُوا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ منكم لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَل هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ ما اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١ وما بعدها]، وذلك حسَّان بن ثابت وأصحابه الذين قالوا ما قالوا. قال ابن هشام: ويقال: وذلك عبد الله بن أُبيّ وأصحابه. قال ابن هشام: والذي تولى كِبْرَه عبد الله بن أبيّ، وقد ذكر ذلك ابن إسحق في هذا الحديث قبل هذا. ثم قال تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِنَاتُ بأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾: أي: فقالوا كما قال أبو أيُّوب وصاحبتُه، ثم قال: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَه بأَلْسِنَتِكُمْ وتَقُولُونَ بأَفْوَاهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنَا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ . فلما نزل هذا في عائشة، وفيمن قال لها ما قال، قال أبو بكر، وكان ينفقُ على مِسْطح لقرابته وحاجته: والله لا أُنفق على مِسْطح شيئًا أبدًا، ولا أنفعه بنَفْع أبدًا بعد الذي قال لعائشة، وأدخل علينا، قالت: فأنزل الله في ذلك ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَضْفَّحُوا ألا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . تفسير ابن هشام لبعض الغريب: قال ابن هشام: يقال: كِبْره وكُبره في الرواية، وأما في القرآن فكِبْره بالكسر. قال ابن هشام: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم﴾ ولا يألُ أولو الفضل منكم. قال امرؤ القيس بن حُجر الکِندي: نصيح على تَغْذاله غيرُ مؤْتَل ألا رُبّ خَصْم فيك ألْوَى رَدَدْتُه وهذا البيت في قصيدة له، ويقال: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ﴾: ولا يحلف أولو الفضل، وهو قول الحَسن بن أبي الحسن البصري، فيما بلغنا عنه. ٣٢ وفي كتاب الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وهو من الألية، والألية: اليمين. قال حسَّان بن ثابت: آلَيْتُ ما في جميع الناس مُجتهدًا مِنِّي أَلِيَّةَ بِرَّ غَير إِفْناد وهذا البيت في أبيات له، سأذكرها إن شاء الله في موضعها. فمعنى: أن يؤتوا في هذا المذهب: أن لا يؤتوا، وفي كتاب الله عزّ وجلّ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أنْ تَضِلّوا﴾ [النساء: ١٧٦] يريد: أن لا تضلوا، ﴿ويُمْسِكَ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] يريد أن لا تقع على الأرض، وقال ابن مَفَرِّغ الحِمْيَرِيّ: ـح مُغِيرًا ولا دُعيتُ يزيدا لا ذَعَرْتُ السَّوَامَ في وَضَح الصُبُ والمَنايا يَرْصُذْنني أن أحِيدا يوم أُعْطِي مَخافَة المَوْتِ ضَیْمًا يريد: أن لا أحيد، وهذان البيتان في أبيات له. قال ابن إسحاق: قالت: فقال أبو بكر: بلى والله، إني لأحبّ أن يغْفِر الله لي، فَرَجعَ إلى مِسْطِحِ نَفَقَتَه التي كان يُنفِق عليه، وقال: والله لا أنزِعها منه أبدًا. ابن المعطل يهمّ بقتل حسَّان قال ابن إسحاق: ثم إن صَفوان بن المِعَطِّل اعترض حسَّان بن ثابت بالسَّيف، حين بلغه ما كان يقول فيه، وقد كان حسَّان قال شعرًا مع ذلك يعرّض بابن المعطل فيه وبمن أسْلم من العرب من مُضر، فقال: وابنُ الفُرَيْعة أمْسَى بَيْضة البلد أُمْسَى الجَلابیبُ قد عَزُّوا وقد کَثُرُوا أو كان مُنْتَشِبًا في بُرْثُنِ الأسَد قد ثَكِلَتْ أُمُه مَنْ كُنْتَ صَاحِبَه مِنْ دِيَّةٍ فِيه يُعطاها وَلا قَوَدِ ما لِقَتِيلي الذي أغْدُو فآخُذُه فَيَغْطَئِلُ(١) ويَرْمي العُبْرَ بالزَّبَد ما البَحر حين تَهبّ الرّيح شاميةٌ مِلْغَيْظِ (٢) أفْرِي كَفَرْي العارِض البَرِد يومًا بأغلب مني حين تُبْصِرني (١) يغطئل: يرتفع. (٢) ملغيظ: أي من الغيظ. ٣٣ الروض الأنف/ ج ٤/ م ٣ حتى يُنيبوا من الغَيَّات للرّشد أمَّا قُرَيْشٌ فإني لَن أَسالِمهم ويَسْجُدوا كلُّهم للواحد الصَّمد ويترُكوا اللَّتَ والعُزَّى بمَعْزِلَةٍ حَقٌّ ويُوفُوا بِعَهْدِ الله والوُكْد وَيَشْهَدُوا أنَّ ما قالَ الرَّسُولُ لهم فاعترضه صَفْوان بن المُعَطَّل، فضَربه بالسَّيف، ثم قال: كما حدّثني يعقوب بن عتبة : تَلَقَّ ذُبابَ السَّيف عني فإنني غُلام إذا هُوجيتُ لستُ بشاعرٍ قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: أن ثابت بن قَيْس بن الشَّماس وَثَب على صَفْوان بن المُعطّل، حين ضَرب حَسَّان، فجمع يَدَيه إلى عُنقه بحبل، ثم انطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رَوَاحَةً، فقال: ما هذا؟ قال: أما أعجبك ضرب حَسَّانَ بالسَّيف والله ما أراه إلاّ قد قتله، قال له عبد الله بن رواحة: هل علِم رسولُ الله وَلل بشيء مما صنعت؟ قال: لا والله، قال: لقد اجترأت، أطلق الرجل، فأطْلقه، ثم أتَوْا رسولَ الله وَّرَ، فذكروا ذلك له، فدعا حسَّان وصفوان بن المُعطِّل، فقال ابن المُعطّل يا رسول الله: آذاني وهجاني، فاحتملني الغضب، فضربته، فقال رسول الله بَّهَ لحسَّان: ((أحسن يا حسَّان، أَتَشَوّهْتَ على قومي أن هداهم الله للإسلام))، ثم قال: ((أَخْسِنْ يا حسَّان في الذي أصابك))، قال: هي لك يا رسول الله. قال ابن هشام: ويقال: أَبَعد أن هداكم الله للإسلام. قال ابن إسحاق: فحدّثني محمد بن إبراهيم: أن رسول الله وَلجر أعطاه عوضًا منها بِيَرحاءِ، وهي قصر بني حُدَيلة اليوم بالمدينة، وكانت مالاً لأبي طَلْحة بن سَهْل تصدَّق بها على آل رسول الله وَجَرَ، فأعطاها رسولُ اللهِ وَّهَ حَسَّان في ضَرْبته، وأعطاه سِيرين، أُمَة قَبْطِيَّة، فولده له عبد الرحمن بن حسَّان، قالت: وكانت عائشة تقول: لقد سُئل عن ابن المُعطل، فوَجده رجلاً حَصُورًا، ما يأتي النساء، ثم قُتل بعد ذلك شهيدًا. قال حسَّان بن ثابت يعتذر من الذي كان قال في شأن عائشة رضي الله عنها: حَصَانٌ رَزَانْ ما تُزَنْ برِيبةٍ وتُضْبح غَرْثَى من لُحوم الغَوافلِ شعر حسَّان في مدح عائشة : وقول حسَّان في عائشة: وتُصْبِح غَزْثى من لُحُومِ الغَوَافِلِ حَضَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُ بِرِيبَةٍ ٣٤ عَقِيلَةُ حَيٍّ من لُؤَيّ بن غالبٍ مُهَذَّبةٌ قد طَيَّبَ الله خِيمَها فإن كُنْتُ قد قلتُ الذي قد زَعمْتُمُ وكيف وَرُدّي ما حَييتُ ونُضْرتي كِرَام المسَاعي مَجْدُهم غيرُ زَائل وطَهَّرَها مِنْ كُلّ سُوءٍ وباطِلِ فَلا رفَعتْ سَوْطِي إليَّ أنامِلي لاَل رسولِ اللهِ زَيْنِ المَحافِل حَصَانٌ: فَعَالٌ بفتح الحاء يكثر في أوصافِ المؤنث، وفي الأعلام منها، كأنهم قصدوا بتوالي الفَتحَات مُشَاكَلَةَ خِفَّة اللفظ لخِفَّة المعنى، أي: المسَمَّى بهذه الصفاتِ خفيف على النفس، وحَصَان منِ الحِصْنِ والتَّحَصُّن، وهو الامتناعُ على الرجال من نظرهم إليها، وقالت جارية من العرب لأمها: يَسِيرُ في مُسْحَنْفِرٍ (١) لاحِبٍ (٢) يا أُمَنَا أُبْصَرَنِي راكبٌ جَعَلْتُ أَخْشِي الترابَ في وَجْهِهِ خُضْنًا وأَخْمِي حَوْزَة الغائِبِ فقالت لها أُمها: الحُضْنُ أَدْنَى لو تآبَيْتِه مِنْ حَثْبِك التُّزْبَ على الرَّاكب ذكر هذه الأبيات أحمدُ بن أبي سَعِيد السِّيرافي في شرح أبياتِ الإيضاح والرَّزَانْ والثَّقَالُ بمعنى واحد، وهي القليلةُ الحركة. و قوله: وتُصْبِح غَزْئى من لُحُومِ الغَوَافِل أي: خَمِيصَة البَطْنِ من لُحُوم الناسِ، أي: اغْتِيَابِهِم وضَرَبَ الغَرْثَ مَثَلاً، وهو عدم الطُّعْم وخُلُو الجُوْفِ، وفي التنزيل: ﴿أَيُحِبُّ أحدُكم أن يَأْكُلَ لَحْمَ أخيه مَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٢] ضرب المثل لأخذِه في العِرْض بأَكْل الَّلحم، لأن اللحم سِتْرٌ على العَظُم، والشائمُ لأخيه كأنه يَقْشِرُ ويَكْشِف ما عليه من سِتْرٍ . وقال: مَيْتًا، لأن الميتَ لا يُحس، وكذلك الغائبُ لا يَسْمَعُ ما يقول فيه المُغْتَابُ، ثم هو في التحریم کاكل لحم الميّت. وقوله: من لُحُومِ الغَوَافِلِ، يريد: العَفَائِفَ الغافلةُ قلوبُهُنَّ عن الشرّ، كما قال سبحانه: ﴿إن الذين يَرْمُون المُحصَنَاتِ الغافلاتِ المُؤمناتِ﴾ [النور: ٢٣] جَعَلَهُنَّ غافلاتٍ، لأن الذي (١) مسحتفر: أي ممتد. (٢) لاحب: واسع. ٣٥ تَقاصَرُ عنه سَوْرَة المُتَطَاوِلِ له رَتَب عالٍ على النَّاسِ كُلِّهِمْ ولكنَّه قَوْلُ امْرِىءٍ بِيّ ماحِلٍ فإنّ الذي قد قيلَ لَيْس بلائطٍ (١) قال ابن هشام: بيته: ((عقيلة حي)) والذي بعده، وبيته: ((له رتب عال)) عن أبي زيد الأنصاري. قال ابن هشام: وحدّثني أبو عُبيدة: أن امرأة امدحت بنتَ حسَّان بن ثابت عند عائشة، فقالت: حصَان رَزَان ما تُزَنْ بَرِيبة وتُضْبح غَرثى من لُحوم الغَوافِل فقالت عائشة: لكن أبوها. رُمِين به من الشَّرِّ لم يَهْمُمْنَ به قَطُ ولا خَطَر، على قُلوبهن، فهُنَّ فِي غَفْلَةٍ عنه، وهذا أبلغ ما يكون من الوصف بالعفاف. وقوله: له رَتَبّ عالٍ على الناسِ كُلُّهم الرَّتَبُ: ما ارتفع من الأرضِ وعَلاَ، والرَّتَبُ أيضاً: قُوَّةٌ في الشَّيء وغِلَظُ فيه، والسَّوْرَةُ رُتبة رفيعة من الشرف مأخوذة اللفظِ من سُور البناء. و قوله : فإن الذي قد قيل ليس بلائِطٍ أي: بلاصق، يقال: ما يَلِيطُ ذلك بفلان، أي: ما يلصق به، ومنه سُمِّي الرِّبا: لِيَاطًا، لأنه أَلْصَقُ بالبَيْعِ، وليس بِبَيْع. وفي الكتاب الذي كُتب لثقيف: وما كان من دَيْنٍ ليس فيه رَهْنٌ، فإنه لِيَاطْ مُبرَّأْ من اللهِ. وَسَيَأْتِي حديثُه مفسَّرًا إن شاء الله. وقوله في الشّعر: فلا رفَعَت سوطي إِلَيَّ أناملي دعاءٌ على نفسِه، وفيه تصديقٌ لمن قال: إن حَسَّان لم يُجْلَدْ في الإفْكِ، ولا خاض (١) بلائط: بلاحق. ٣٦ شعر في هجاء حسَّان ومسطح: قال ابن إسحاق: وقال قائل من المسلمين في ضرب حسَّان وأصحابه في فِزْيتهم على عائشة - قال ابن هشام: في ضرب حسَّان وصاحبيه: وحَمْنةُ إذْ قالوا ھَجیرًا ومِسْطَحُ لقَدْ ذَاقَ حَسَّانُ الذي كان أهْلَه وسَخْطة ذي العَزْش الكَريم فأُترحوا تعاطَوْا بِرَجْمِ الغَيْبِ زوجَ نبيُّهم فيه، وأنشدوا البيت الذي ذكره ابن إسحق: لقد ذاق حَسَّانُ الذي كان أهلَه على خلاف هذا اللفظ : وحَمْنَةُ إذ قالوا: هجِیرًا ومِسْطَحُ لقد ذاق عَبْدُ الله ما كان أهْلَه ما نزل في حق أصحاب الإفك: وذكر ما أنزلَ الله تعالى في أصحاب الإفْك وقوله تعالى: ﴿إِذ تَلَقَّوْنَه بأَلْسِنَتِكم﴾ [النور: ١٥] وكانت عائشةُ - رضي الله عنها تقرؤها: إذْ تَلِقُونه بألْسِنَتِكُمْ من الوَلَقِ، وهو استمرارُ اللسان بالكَذِبِ. وأما إقامةُ الحَدِّ عليهم ففيه النَّسْويَةُ بين أفضلِ الناس بعد النبيِّ - نَّهُ - وأدنى الناسِ دَرَجَةً في الإيمان، لا يُزَاد القاذفُ على الثمَّانِين، وإن شتم خير الناس بعد رسول الله وَّر، ولا ينقص منها، فإن قذف قاذفٌ اليومَ إحدى أمهات المؤمنين سوى عائشة، فيتوجه فيه للفقهاء قولان: أحدهما: أنْ يُجلَد ثمانين كما يقتضيه عمومُ التنزيل، وكما فعل النبيُّ - وَ ل﴿ - بالذين قَذَفوا أهلَه قبل نزول القرآن ببراءتها، وأما بعد نزول القرآن ببراءتها فيُقْتَل قاذفُها قَتْل كُفْرٍ، ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُورث، لأنه كَذَّب الله تعالى. والقولُ الثاني في قاذف أُمهاتِ المؤمنين غير عائشة - رضي الله عنهن أن يُقْتَل أيضًا، وبه كان يأخذ شيخُنا - رحمه الله تعالى - ويحتجّ بقوله تعالى: ﴿إن الذين يُؤْذُون الله ورسولَه لَعنَهم الله في الدنيا والآخرة﴾ [الأحزاب: ٥٧] الآية، وإذا قذف أزواجَ النبيّ عليه السلام، فقد سَبَّه. فمن أعظم الإذاية، أن يُقَالَ عن الرَّجُل: قَرْنَان(١) وإذا سُبَّ نبيّ بمثل هذا فهو كُفْرٌ صُرَاحٌ وقد قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَخَانتَاهُمَا﴾ أي: خانتا في الطاعة لهما، والإيمان، وما بغت امرأةٌ نَبِيِّ قَطُ، أي: ما زنت. (١) قرنان: أي له قرین یشاركه في زوجه. ٣٧ وآذّوْا رسولَ الله فيها فجُلُّلوا وصُبَّتِ علَيهِم مُخصّدات كأنّها مَخازِي تَبْقَى عُمْمُوها وفُضّحوا شآبيبُ قَطْر من ذُرَ المُزْنِ تسْفَح إهداء سيرين إلى حسَّان: وذكر أن النبيّ - وَ﴿ - أعطى حَسَّانَ جاريتَه بضربٍ صَفْوَانَ بن المُعَطَّلِ له، وهذه الجاريةُ اسمها سيرين بنت شَمْعُون أختُ مارِيَة سُرِّيَّةُ النبيِّ - وََّ - وهي أُمُ عبد الرحمن بن حَسَّانَ الشاعر، وكان عَبدُ الرحمْنِ يَفْخَر بأنه ابن خَالةِ إبراهيم ابن النبيّ ◌َّرِ وقد روت سيرينُ هذه عن النبيّ ◌َ ﴿ حديثًا قالت: رأى رسولُ الله ◌َل﴿ خللاً في قبر إبراهيم ابنِه فأصلحه، وقال: ((أن الله يحبّ من العبد إذا عمل عملاً أن يُصْلِحَه))(١) . (١) انظر المجمع (٤٨/٤). ٣٨ أمر الحديبية في آخر سنة ست، وذكر بيعة الرضوان والصلح بين رسول الله وَله وبين سهيل بن عمرو قال ابن إسحاق: ثم أقام رسولُ اللهِ وَّر بالمدينة شهر رمضان وشوّالاً، وخرج في ذي القعدة معتمرًا، لا یرید حربًا. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة نُمَيلة بن عبد الله الَّليني. غزوة الحديبية(١) يقال فيها: الحُدَيْبِيَة بالتخفيف، وهو الأعرف عند أهل العربية. قال الخطابي: أهلُ الحديث يقولون: الحُدَيْبِيَّة بالتشديد، والجِعِرَّانَة كذلك، وأهل العربية يقولونهما: بالتخفيف، وقال البكري: أهلُ العراق يشدِدُون الراءَ والياء في الجِعِرَّانة والخدَيْبِيَّة، وأهل الحجاز يخففون، وقال أبو جعفر النحاس: سألت كل من لَقِيته ممن أَثِقِ بعلمه عن الحُدَيْبِيَة، فلم يختلفوا على أنها بالتخفيف(٢). الميقات والإشعار: فصل: وذكر خروج النبيّ - ونَ﴾ - مُعْتَمِرًا إلى مكّة، ولم يذكر في حديثه: من أَيْنَ أحرم، وفي الصحيح من رواية الزُّهْرِيِّ أنه أحرم من ذي الحُلَيْفَة، وهو خلاف ما يُروى عن (١) انظر البداية (١٤٦/٤) الطبري (٦٢٠/٢) ابن سيد الناس (١١٣/٢) شرح المواهب (١٧٩/٢) الطبقات لابن سعد (٩٥/٢) الزاد (٢٨٦/٣) الكامل (٨٦/٢) الاكتفاء (٢٢٣/٢) المنتظم (٢٦٧/٣) الواقدي (٥١٧/٢) أنساب الأشراف (١٦٩/١) ابن حزم (٢٤٨) البخاري (١٢١/٥). (٢) الحديبية: قرية على تسعة أميال من مكّة. وسمّيت ببئر فيها عند مسجد الشجرة التي بايع رسول الله ◌َل تحتها . ٣٩ قال ابن إسحاق: واستنفر العربَ ومَن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قُريش الذي صنعوا، أن يعرضوا له بحرب أو يصدّوه عن البيت، فأبطأ عليه كثيرٌ من الأعراب، وخرج رسولُ اللهِ وَ له بمن معه من المهاجرين والأنصار من لَحِق به من العرب، وساق معه الهَذي، وأحرم بالعُمرة ليأمن النَّاسُ من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرًا لهذا البيت ومعظّمًا له. قال ابن إسحق: حدّثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهريّ، عن عُروة بن الزُّبير عن مِسْوَر بن مَخْرمة ومَروان بن الحكم أنهما حدّثاه قالا: خرجَ رسولُ اللهِوَلّر عام الحُدَيْبِيَة يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً، وساقَ معه الهَذْيَ سَبعين بَدَنةً، وكان الناس سبعمائة رجل فكانت كلّ بَدَنَةٍ عن عَشْرة نفر. وكان جابر بن عبد الله، فيما بلغني، يقول: كنّا أصحابَ الحُدَيبية أربعَ عشرة مائة(١). . عليٍّ رحمه الله من قوله: ((إن تمام العُمرة أن تُخرَم بها من دُوَيْرَة أهلِك))(٢)، وهذا من قول عليَّ مُتَأَوَّلٌ فيمن كان منزلُه من وَرَاءِ الميقاتِ، فهو الذي يُخْرم من دُوَيْرةٍ أهلِه، كما يُخرِمُ أهلُ مكّة من مكّةً في الحجّ. وفيه: أنه أَشْعَرَ الهَذْيَ، وهو خلاف قول النَّخِيِّ وأَهلِ الكوفة في قولهم إن الإشعارَ منسوخٌ بنهيه عن المُثْلَةِ، ويقال لهم: إن النَّهي عن المُثْلَةِ كان بإِثْرِ غَزْوَة أُحُد، فلا يكون الناسخُ متقدّمًا على المنسوخ. من شرح حديث الحديبية: وفيه أنهم مَرُّوا بطَرِيقٍ أَجْرَدَ، ومعناه: كثيرُ الحجارةِ، والجَرَدُ: الحَجَرُ. وفيه أنه بعث عَيْنًا له من خُزَاعَة إلى مكّة، فدلّ على أنه يجوزُ للرجل أن يسافرَ وحده، إذا مسَّتْ الحاجةُ إلى ذلك، أو كان في ذلك صَلاحٌ للمسلمين. وفي البخاري والنَّسَوِيِّ أن عَيْنه الذي أرسل جاءه بغَدِيرِ الأشْطَاطِ، والأشْطَاطُ: جَمْع شَطْ، وهو السَّنَامُ، قال الراجزُ : شَطًّا رَمَيْتَ فوقه بِشَطٌ (١) انظر البخاري (٣٤١/٧) ومسلم (١٨٥٦) والفتح (٣٤١/٧). (٢) أخرجه الحاكم (٣٧١/٢). ٤٠ ١