Indexed OCR Text

Pages 1-20

تَ وَصِ الْأَنفُ،
في تَفْسِير السّيَرَةِ النَّبَوَةِلِأَبْنِ هِشَامِ
للإمَامِ أَبَيَ الْفَاسِمِ عَبد الرحمن بن عَبدِ اللَّه بِنْ أَحَدَ بن أبي الحَسَن
الختعَ السُّهِلِي
المتوفّسَنة ٥٨١هـ
وَمَعَه
السّيرَة النَّبَوَيَّة
للإمَامِ أَبَ محمد عَبَد المَلكِ بِنْ هِشَامِ المَعَافِريّ
المتوفى سنة ٢١٣هـ
علَّق عليه وَوضع حَواشيه
مجدي به منصور بن سيد الشورى
تنبيه
وَضعَانصّ السِّيرَة النبوية لابن هِشَامٍ في أعلى الصفحات
وَوَضعَنَا أَسْفَل منهَانصّ الرَّوَضِ الأُنُفُ
وَفَصَلَنَا بينهَمَا بِخْطٍ
الجُزءُ الرَّائع
منشورات
محمد عَلى بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Copyright C
All rights reserved
Exclusive rights by DAR al-KOTOB al-
ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this
publication may be translated, reproduced,
distributed in any form or by any means, or
stored in a data base or retrieval system,
without the prior written permission of the
publisher.
الطّبعَة الأولى
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
: رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
العنوان
تلفون وفاكس: ٢٦٤٣٩٨ - ٢٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١ ) ..
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
DAR al-KOTOB al-ILMIYAH
Beirut - Lebanon
Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1st Floore.
Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon

وَلَهِالرَّمنِ الرَّحِيـ
غزوة ذي قرَد
ثم قدم رسولُ اللهِ وَّ المدينة، فلم يُقِم بها إلاّ ليالي قلائلَ، حتى أغار عُيَيْنَة بن
حِصْن بن حُذَيْفَةَ بن بدر الفَزَارِي، في خَيْل من غَطفَان على لقاح لرسول الله وَّر بالغابَة،
وفيها رجلٌ من بني غِفار وامرأة له، فقَتلوا الرجلَ، واحتملوا المرّأة في اللّقاح.
قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، ومَنْ لا
أنَّهم، عن عبد الله بن كعب بن مالك، كلٌّ قد حدَّث في غزوة ذي قَرَد بعض الحديث:
أنه كان أوّل من نَذَر بهم سَلمة بن عمرو بن الأكوعِ الأسْلميّ، غدًا يريد الغابة متوشْحًا
قَوْسه ونَبْله، ومعه غلامٌ لطلحة بن عُبيد الله معه فَرَس له يقوده، حتى إذا علا ثَنِيَّة الوَدَاعِ
نظرَ إلى بعض خُيُولهم فأشرف في ناحية سَلْع. ثم صرخ: واصباحاه، ثم خرج يَشْتَدّ في
آثار القوم، وكان مثل السبع حتى لَحق بالقوْم، فجعَل يَردُّهم بالنَّبل، ويقول: إذا رمى
خذها وأنا ابن الأكوع، اليوم يوم الرُّضَّع، فإذا وُجُّهت الخيلُ نحوه انطلق هاربًا، ثم
عارضَهم، فإذا أمكنه الرَّمْي رَمى، ثم قال: خُذْها وأنا ابن الأكوع، اليوم يوم الرُّضع،
قال: فيقول قائلهم: أُوَيْكِعُنا هو أوّل النهار.
غزوة ذي قرد(١)
ويقال فيه: قُرُدٌ بضمتين هكذا ألفيتُه مُقَيِّدًا عن أبي علي، والقَرَدُ في اللغة الصوفُ
الرَّدِيء، يقال في مثل: عَثَرْتُ على الغَزْل بأخَرَةٍ فلم تَدَعْ بِنَجْدٍ قَردَةً.
(١) انظر البداية (١٧٨/٤) الطبري (٦٤٠/٢) الكامل (٩٢/٢) المنتظم (٢٥١/٣) ابن سيد الناس
(٨٤/٢) شرح المواهب (١٥٣/١٤٨/٢) ابن حزم (٢٤٢) الطبقات (٦١/١/٢) الواقدي (٥٥٠/٢)
الزاد (٢٧٨/٣). وانظر البخاري (٣٥٣/٧) ومسلم في الجهاد (١٥٠٦) وأبو داود (٢٧٥٢) وأحمد
(٤٨/٤). والغابة: موضع قرب المدينة من ناحية الشام.
٣

تسابق الفرسان إلى الرسول ويليه :
قال: وبلغ رسولَ الله ◌َّ صِياحُ ابن الأكوع، فصرخ بالمدينة: الفَزع الفَزع،
فترامت الخيولُ إلى رسول الله وَله.
وكان أوّل من انتَهى إلى رسول الله وَّر من الفُرسان: المِقْداد بن عمرو، وهو الذي
يُقال له: المِقْداد بن الأسود، حليف بني زُهرة؛ ثم كان أوّلَ فارس وقَف على رسول
اللهِ وَلّ بعد المِقْداد من الأنصار، عبَّاد بن بشر بن وقُش بن زُغْبة بِن زَعُوراء، أحد بني
عَبْدِ الأشْهل، وسعد بن زيد، أحد بني كَعْب بن عبد الأشهل، وأُسَيْد بن ظُهَيْر، أخو
بني حارثة بن الحارث، يُشكّ فيه، وعُكّاشة بن مِخْصَن، أخو بني أسد بن خُزيمة؛
ومُخرز بن نَضلة، أخو بني أسد بن خُزيمة، وأبو قَتادة الحارث بن رِبعِيّ، أخو بني
سَلمة؛ وأبو عَيَّاش، وهو عُبيد بن زيد بن الصَّامت، أخو بني زريق. فلما اجتمعوا إلى
رسول الله وَلِّ أَمَّرَ عليهم سعدَ بن زَيْد فيما بَلَغني، ثم قال: اخرُج في طَلب القوم، حتى
ألحقك في الناس.
نصيحة الرسول لأبي عياش :
وقد قال رسول الله وَّرَ، فيما بلغني عن رجال من بني زُريق، لأبي عيَّاش: ((يا أبا
عياش، لو أعطيت هذا الفرس رجلاً، هو أفرس منك فلحق بالقوم؟ قال أبو عيَّاش: فقلت
يا رسول الله، أنا أفرس الناس، ثم ضربتُ الفرس، فوالله ما جرَى بي خمسين ذراعًا حتى
طَرحني، فعَجبت أن رسول الله وَّل يقول: («لو أعطيتَه أفرس منك))، وأنا أقول: أنا أفرس
الناس، فزعم رجالٌ من بني زُريق أن رسولَ الله وَّرَ أُعطَى فرس أبي عيَّاش مُعاذ بن
ماعص، أو عائذَ بن ماعص بن قيس بن خَلَدة، وكان ثامنًا، وبعض الناس يعدّ سلمة بن
عمرو بن الأكوع أحد الثمانية، ويطرح أُسيدَ بن ظُهير، أخا بني حارثة، والله أعلم أيّ
ذلك كان. ولم يكن سلمة يومئذ، فارسًا، وقد كان أوّل من لَحق بالقوم على رِجليه.
فخرج الفرسانُ في طلب القوم حتى تلاحقوا.
مقتل محرز بن نضلة:
قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنّ أوّل فارس لحق بالقوم
مُخْرِزُ بن نَضْلة، أخو بني أسد بن خُزَيمة - وكان يُقال لمحرز: الأخْرَم؛ ويقال له:
قُمَير - وأن الفزع لما كان جال فرسٌ لمحمود بن مَسْلمة في الحائط، حين سَمِع صاهلة
٤

الخيل، وكان فرسًا صَنِيعًا جامًّا، فقال نساءٌ من نساء بني عبد الأشهل، حين رأين الفرسَ
يجول في الحائط بِجِذْع نخل هو مَرْبوط فيه: يا قُمَير، هل لك في أن تركب هذا
الفَرسَ؟ فإنه كما ترى، ثم تَلْحق برسول الله وَّرُ وبالمسلمين؟ قال: نعم، فَأَعْطَيْنَه إياه.
فخرج عليه، فلم يلبث أن بذّ الخيل بجَمَامِه، حتى أدرك القومَ، فوقف لهم بين أيديهم،
ثم قال: قِفُوا يا معشر بني اللَّكِيَعة حتى يلحق بكم مَنْ وَرَاءكم من أذباركم من المهاجرين
والأنصار. قال: وحمل عليه رجلٌ منهم فقَتله، وجال الفرس، فلم يَقْدر عليه حتى وقف
على آرِيِّهِ من بني عَبْد الأشهل، فلم يُقتل من المسلمين غيره.
قال ابن هشام: وقُتل يومئذ من المسلمين مع مُحرز، وَقَّاص بن مُجزّرِ المُذْلجيّ،
فيما ذَكر غير واحد من أهل العلم.
أسماء أفراس المسلمين
قال ابن إسحاق: وكان اسم فرس محمود: ذا اللمّة.
قال ابن هشام: وكان اسم فرس سَعْد بن زيد: لاحِقٍ، واسم فرس المِقَداد بَعْزَجَة،
ويقال: سَبْحَة، واسم فرس عُكّاشة بن مِخصن: ذو الْلِمَّة؛ واسم فرس أبي قتادة:
حَزْوة، وفرس عَبَّاد بن بِشْر: لَمَّاع، وفرس أُسَيد بن ظُهير: مَسْئُون، وفرس أبي عَيَّاش:
جُلُوة.
أسماء أفراس المسلمين
وذكر ابنُ إسحق في هذه الغَزْوَةِ أسماءَ خَيْل جماعةٍ ممَّن حَضَرها، فذكر بَعْزَجَةَ فرسَ
المِقْدَادَ، والبَعْزَجَةُ: شِدَّةُ جَرْيٍ في مُغَالَبَةٍ كأنه مَنْحُوت من بَعَجَ إذا شق، وعَزَّ، أي: غَلَبَ.
وأما سَبْحَة فمن سَبَح إذا علاَ عُلُوًّا في اتساع، ومنه: سُبْحَان الله، وسُبُحَاتُ الله: عَظمتُه
وعلوُّه، لأن الناظر المفكر في [الله] سبحانه يَسْبَح في خرٍ لا ساحِل له، وقد ذكرنا في معنى
هذه الكلمةِ حقائقَ ودقائقَ أسرارٍ في شَرْح: سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ. وأما حَزْوةُ، فمن حَزَوْتُ
الطير إذا زَجَرْتها، أو من حَزَوْتُ الشيء إذا أظهرتُه. قال الشاعر:
من الحَرِّ واستقبالِهِ الشَّمْسَ مَسْطَحُ(١)
تَرَى الأَمْعَزَ المَخْزُوَّ فيه كأنه
وجُلْوَةٌ من جَلَوْتُ السَّيْفَ، وجَلَوْتُ العَرُوسَ، كأنها تَجْلُو الفَمَّ عن قلب صاحِبها،
ومَسْئُون من سَنَنْتُ الحديدةَ إذا صَقَّلْتُها.
(١) المسطح: ضرب من الحصير.
٥

قال ابن إسحاق: وحدّثني بعضُ من لا أتّهم عن عبد الله بن كَعْب بن مالك: أنّ
مُجَزّرًا إنما كان على فَرس لعُكاشة بن مِخصن، يقال له: الجَناح، فقُتل مُجَزّر واستُلبت
الجناح.
قتلى المشركين :
ولما تلاحقت الخيل قَتل أبو قتادة الحارث بن ربعي، أخو بني سَلمة، حبيب بن
عُيينة بن حِصْن، وغشَّاه بُرده، ثم لحق بالناس.
وأقبل رسولُ اللهِ وَ ◌ّ في المسلمين.
استعمال ابن أم مكتوم على المدينة:
قال ابنُ هِشَامٍ: واستعمل على المدينة ابن أُمّ مَكْتوم.
قال ابن إسحاق: فإذا حَبيب مُسَجَّى ببُزدٍ أبي قَتَادَةَ، فاسترجع الناسُ وقالوا: قُتِل
أبو قتادة؛ فقال رسول الله وَله: ((ليس بأبي قَتادة ولكنه قَتيل لأبي قتادة، وضَع عليه
بُرْدَه، لتَعْرِفوا أنه صاحبه)).
سلمة بن الأكوع:
وذكر سَلَمَة بن الأكْوَعِ، واسم الأكْوَعِ: سِنَانُ، وخبر سَلَمَةَ في ذلك اليوم أطولُ مما
ذكره ابنُ إسحق، وأعجب، فإنه استلب وحده في ذلك اليوم من العَدُوِّ وهو راجِلٌ قبل أن
تلحق به الخيلُ ثلاثين بُرْدَةً وثلاثين دَرَقَةً، وقتل منهم بالنّبْلِ كثيرًا، فكلّما هربوا أدركهم،
وكلّما راموه أفلت منهم، وشُهْرَةُ حديثِهِ تُغْني عن سَرْدِه، فإنه في كتاب الحديث المشهورة،
وقيل: إن سَلَمَة هذا هو الذي كلَّمه الذئبُ، وقيل: إن الذي كلّمه الذئبُ هو أُهْبَانُ بن صَيْفِي
وهو حديث مشهور.
شرح اليوم يوم الرضّع :
وقوله: اليوم يومُ الرُّضَّع، يريد يوم اللئام، أي: يوم جُبْنهم، وفي قولهم: لئيم راضع
أقوال، ذكرها ابن الأَنْبَارِيُّ. قيل: الراضع هو الذي رَضَع الْلؤْمَ في نَذْيَيْ أُمِّه أي: غُدِي به،
وقيل: هو الذي يَرْضَع ما بين أسنانه يَسْتَكْثِر من الجَشَع بذلك. وشاهدُ هذا القولِ قولُ امرأةٍ
من العرب تَذُمُّ رَجُلاً: إنه لأُكُلَةٌ ثُكَلَةٌ يأكل من جَشَعِه خِلَلَه، أي: ما يَتَخَلْلُ بين أسْنَانِهِ. قال
ابن قتيبة: ولم أسمع في الجَشَعِ، والحرصِ أبلغ من هذا، ومن قولهم: هو يُثِير الكلابَ من
٦

وأدرك عُّاشة بنُ مِحصن أوْبارًا وابنه عَمْرو بن أوْبار، وهما على بَعير واحد،
فانتَظَمهما بالرمح فقَتلهما جميعًا، واستَنْقذوا بعضَ اللقاح، وسار رسولُ اللهِ وَلّل حتى نزل
بالجبل من ذي قَرَد، وتلاحق به الناس، فنزل رسولُ الله ◌َّر به، وأقام عليه يومًا وليلة؛
وقال له سلمة بن الأكوع: يا رسول الله، لو سرختني في مائة رجل لاستنقذتُ بقيَّة
السَّرح، وأخذت بأعناق القوم؟ فقال له رسولُ اللهِ وَّر، فيما بلغني: ((إنهم الآن ليغْبَقُون
في غَطَفان))(١) .
تقسيم الفيء بين المسلمين :
فقَسم رسولُ الله وَله في أصحابه في كل مائة رجل جَزُورًا، وأقاموا عليها، ثم رجع
رسولُ اللهِ وَِّ قافلاً حتى قَدِم المدينة.
مَرَابِضها، أي: يلتمس تحتها عَظْمًا يَتَعَرَّقُه، وقيل في اللئيم الراضع غير ما ذَكرْنَاهُ مما هو
معروفٌ عند الناس ومَذْكُور في كُتُبِهم.
وقوله: اليوم يَوْمُ الرُّضَّعِ بالرفع فيهما، وبنصب الأوّل، ورفع الثاني، حكى سِيبَوَيْه:
اليومَ يومُك، على أن تجعلِ الَيومَ ظرفًا في موضع خبر للثاني، لأن ظروف الزمان يخبر بها
عن زمانٍ مثلِها إذا كان الظرفْ يتَّسِع، ولا يضيق على الثاني، مثل أن تقول: الساعة يومُك،
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فذلكَ يَوْمَئذٍ يومٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩٠] أن يَومَئِذٍ ظرفٌ ليوم
عسيرٍ، وذلك أن ظروف الزمانِ أحداثٌ، وليست بجُثَثٍ فلا يَمْتَنعُ فيها مثلُ هذا، كما لا
يمتنعُ في سائر الأحداثِ.
وقوله عليه السلام للغِفَارِيَّةِ، واسمها ليلى، ويقال هي امرأة أبي ذَرِّ حين أخبرته أنها
نَذَرَتْ إن الله نَجَّاها، عليها أن تَنْحَرَها، قال: فَتَبسَّم رسولُ الله - وَّر - ثم قال: ((بئس ما
جَزَيتها أنْ حَمَلَك الله عليها ونَخَّاك بها، ثم تَنْحَرَينَها إنه لا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ الله، ولا في ما لا
تملِكين))(٢)، فيه حُجَّة للشافعي، ومن قال بقوله: إن ما أحرزه العدوّ من مالٍ إنه لهم بلا
ثمن قبل القَسم وبعدَه، لأنه لا يُخْرجه من مِلْكهِ حَوْزُ العَدُوِّ له، وقال مالك: هو أولى به
قبل القَسْم وصاحبُه بعد القسم أولى به بالثمن، وفيه قولان آخران لأهل العراق.
(١) أخرجه مسلم في الجهاد (١٣٢). وابن سعد في الطبقات (٥٨/١/٢ - ٦٠).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٧٨/٥ - ٧٩) وأحمد (٤٣٠/٤٢٩/٤) وأخرجه عبد الرزاق (٩٣٩٥)
والبغوي في شرح السنّة (٣٢/١٠) وسعيد بن منصور في سننه (٢٩٦٧).
٧

امرأة الغفاري وما نذرت مع الرسول
وأقبلت امرأة الغِفاريّ على ناقة من إبل رسولِ الله وَطير، حتى قدمت عليه فأخبرته
الخبرَ، فلما فرغت، قالت: يا رسول الله، إني قد نَذَرت لله أن أنحرها إنْ نجَّاني الله عليها؛
قال: فتبسّم رسول الله وَ له، ثم قال: ((بئس ما جَزَيْتِها أن حملك الله عليها ونجّاك بها ثم
تنحرينها! إنَّه لا نَذْر في مَعْصية الله ولا فيما لا تَمْلكين، إنما هي ناقة من إيلي، فارجعي
إلى أهلك على بركة الله)).
والحديث عن امرأة الغفاريّ وما قالت، وما قال لها رسول الله وَّر، عن أبي الزبير
المكيّ، عن الحسن بن أبي الحسن البَصْريّ.
شعر حسَّان في ذي قَرَد
وكان مما قيل من الشّعر في يوم ذي قَرَد قولُ حسَّان بن ثابت :
بجَنوب سايَةً أمسٍ في التَّقْوَادِ
لولا الذي لاقتْ ومَسّ نُسُورَها
حول النذر والطلاق والعتق
وقوله عليه السلام: ((إنه لا نذَر في مَعْصِيَةِ الله، ولا فيما لا تملكين))، وقوله عليه
السلام: «لا نَذْر لأحدٍ فيما لا يملك، ولا طَلاَقَ لأحد فيما لا يملك، ولا عِثْق لأحد فيما
لا يملك)»(١)، حديثٌ مَرْوِيٍّ من طريق عبدِ الله بن عَمْرو، ومن طريقٍ أبي هُرَيْرَة ولكنه لم
يخرج في الصحيحين لِعلَلِ في أسانيده، وقد قال بهذا الحديث أن لا طَلاَقَ قبل المِلْكِ
جماعةٌ من الصحابة وفقهاءِ التابعين وفقهاءِ الأمصار، وسواءٌ عندهم عَيَّن امْرَأة، أو لم يُعَيِّن،
وإليه مال البخاري رحمه الله، ورواه ابن كِنَانة عن مالك، وابن وَهْبٍ، واحتجّ ابنُ عَبَّاسٍ في
هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿إذا نكحتم المُؤْمِنَاتِ ثم طَلَّقْتُموهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] قال: فإذا
لا طَلاَق إلاَّ بعد نكاح، وقال شُرَيْكُ القاضي: النكاحُ عَقْدٌ والطلاقُ حَلٍّ، فلا يكون الحَلَّ
إلاّ بعد العَقْد.
من شرح شعر حسَّان أعضاء الخيل
وذكر شعر حسَّان:
لولا الذي لاقت ومَسَّ نُسُورَها
(١) أخرجه ابن عساكر (٣٣٠/٥) والخطيب (٤٣٥/٨) والطحاوي في المشكل (٢٨١/١) والحاكم
(٢٠٤/٢) والبيهقي (٣١٦/٧) وانظر نصب الراية (٢٧٨/٣ - بتحقيقي).
٨

لَلَقِينكم يَحْمِلْنَ كُلَّ مُدَجَّجٍ(١)
ولَسَرَّ أوْلادَ الَّلَقِيطَةِ أَنَّنا
كُنَّا ثِمَانِيةً وكانُوا جَحْفَلاً (٢)
حامِي الحَقيقة ماجِدِ الأجْداد
سِلْمُ غَدَاةَ فَوارِسِ المِقْداد
لجِبًا (٣) فشُكُوا بالرّماحِ بَدَاد (٤)
يعني: الخيْلَ، والنَّسْر كالنَّواة في باطن الحافِرِ، وفي الفَرَسِ عشرون عضوًا، كلُّ عضو
منها يُسَمَّى باسم طائر، فمنها النَّسْرُ والنَّعَامَةُ والهامَةُ والسَّمَامَةُ والسَّعْدانةُ وهي الحَمَامَةُ والقَطَاءُ
الذُّبَابُ والعُصْفُورِ والغُراب والصُّرَد والصَّقْرُ والخَرَبُ والنَّاهِضُ، وهو فَرْخِ العُقَابِ والخُطَّاب،
ذكرَها وبقيتها الأَصْمَعِي، ورَوى فيها شِعْرًا لأبي حَزْرَة جرير، وهو :
ما بَيْنَ هَامَتِه إلى النَّسْر
وَأَقَبَّ كالسِّزْحان تَمَّ له
وتمكَّن الصُّرَدَانِ في النَّحْرِ
رَحُبَتْ نَعامتُه وَوُفْرِ فَرْخُه
هامِ أشَمّ مُوثَّق الجِذْرِ
وأَنَافَ بالعُصْفُور في سَعَف
وازْدَانَ بِالدِيكَيْنِ صَلْصَلَه
والنَّاهِضَانِ أُمِرَّ جَلْزُهُما
مُسْحَنْفِرَ الجَنْبَيْنِ مُلْتئِم
وصَفَتْ سُمَانَاهُ وحافِرُه
وَسما الغُرابُ لمَوْقِعَيْهِ مَعًا
واكُتَنَّ دون قَبِيحه خُطَّافُه
وتَقَدَّمت عنه القَطَاءُ له
وسما على نِقْوَيْه دون حِدَاتِه
يَدَعُ الرَّضِيمَ إذا جَرَى فِلَقًا
رُكُبْنَ في مَخضِ الشَّوَى سَبِطٍ
ونَبَتْ دَجَاجتُه عن الصَّدْرِ
فكَأنَّما عُثما على كسْرِ
ما بين شِيمته إلى الغُرِّ
وأديمُهُ ومنابِتُ الشّغر
فُأْبِينَ بينهُما على قَذْرِ
ونأتْ سَمامتُه على الصَّقْر
فَنأَتْ بموقِعها عن الحُرِّ
خَرَبَان بينهما مَدَى الشِّبْرِ
بتوائم كمَوَاسِم سُمْرٍ
كَفْتِ الوُثُوبِ مُشَدَّدِ الأسْرِ (٥)
بداد وفجار:
وقوله: فشَكُوا بالرُّمَاحِ بَدَادِ. بَدَادٍ من التَّبَدُّدِ، وهو التفرُّقُ، وهو في موضع نصب غير
أنه مَبْنِيٍّ ونصبُه كانتصابِ المصدر، إذا قلت: مَشَيتُ القَهْقَرَى، وقَعَدْتَ القُرْفُصَاء، وكأنه
(١) مدجّج: كل فارس معه أسلحته.
(٣) لجبًا: كثيروا الهتاف.
(٢) الجحفل: الجيش الكبير.
(٤) بداد: متعبين.
(٥) انظر نهاية الأرب (ص ٢٣) العقد الفريد (٦١/١) سمط اللآلىء (٩١/٢).
٩

كُنَّا مِن القَوْم الذين يَلْونَهم
كلّ وربّ الرّاقصات إلى مِنّى
حتى نبيل الخَيل في عَرَصاتكم (١)
رَهْوَا(٢) بكُلّ مُقَلَّصٍ(٣) وطِمرَّةٍ(٤)
ويُقَدّمون عِنانَ كُلّ جَواد
يَقْطَعْنَ عُرْض مَخارِمِ الأطْوَاد
ونَؤُوب بالمَلَكاتِ والأولاد
في كلّ مُعْترك عَطَفن رَوَادِي
قال: طُعُنوا الطَّعْنةَ التي يُقال لها بَدَادِ، وبَدَادِ مثل فَجَارٍ من قوله: احْتَمَلَتْ فَجَارِ جعلوه اسمًا
عَلَمًا للمصدرِ، كما قالوا: فَحَمَلْتُ بَرَّةَ، فجعل بَرَّةً عَلَمًا لِلْبِرُّ، وسِرُّ هذه العَلَمِيَّةِ في هذا
الموطنِ أنَّهُم أرادوا الفعل الأتَمَّ الذي يُسمَّى باسم ذلك الفعلِ حقيقةً، فقد يقول الإنسان: بَرَّ
فلانٌ وفَجَرَ أي: قَارَبَ أن يَفْعَلَ ذلك، أو فعلَ منه بعضَه، فإذا قال: فَعَلْتُ بَرَّةَ، فإنما يريد
البِرَّ الذي يُسَمَّى بِرًّا على الحقيقةِ، فجاء بالاسم العلَم الذي هو عبارة عن مُسمَّاه حقيقةً، إذ
لا يتصوّر هذا الضربُ من المجاز في الأعلام، وكذلك إذا أراد الفجورَ على الحقيقةِ، وأراد
رَفْعَ المجازِ سمَّاه، فجاز تحقيقًا للمعنى، أي: مثل هذه الفعلة ينبغي أن تُسَمَّى باسم الفجورِ
حقيقةً، وكذلك قالوا في النداء: يا فَسَاقٍ ويا فُسْقُ فجاءوا بالصِّيغَة المعروفة العَلِمِيَّة المعروفة
مع النّداءِ خاصَّة، أي: إن هذا الاسمَ ينبغي أن يكون اسمه الذي يُدْعَى به، إذ الاسْمُ العَلَم
أَلْزَمُ لمسَمَّاه من اسم مُشْتَقِّ من فِعْلِ فَعله، لأن الفعلَ لا يَثْبُتُ، والاسم العلَم يَثْبُتُ، فهذا
هو مَعْزَاهم في هذه الأسماءِ التي هي على صِيَغ الأعْلاَم في هذه المواطنِ، فتأملها، وقد
بسطنا هذه الغرض بَسْطًا شافِيًا في أسرار ما يَنْصَرِفُ، وما لا ينصرف، فَلْتُنْظَرِ هنالك، فَثَمَّ
ترى سِرَّ بنائها على الكسر مع ما يتصل بمعانيها إن شاء الله، وألفَيْتُ في حاشية الشيخ رحمه
الله على قوله: فشُكُوا بالرّماح فَشُلُوا باللام الرواية الصحيحة، وحقيقة المعنى، ووقع في
الأصلين: فشُكُوا بالكاف كما في هذا الأصل. إلى هاهنا انتهى كلام الشيخ، والشّلُّ باللام:
الطَّرْدُ، والشَّكُ بالكاف: الطَّعْنُ كما قال:
شَكَّ الفَرِيصَةَ بِالمِدْرَى فأنْفذَهَا
[شَكَّ المُبَيْطِر إذ يَشْفِي من العَضَد]
عود إلى شرح شعر حسَّان:
وقوله: رَهْوًا أي: مَشْيًا بسكون، ويقال: لمُسْتَنْقع الماء أيضًا رَهْوٌ والرَّهْوُ أسماءُ
الكُزْكِيٌّ، والرّهُوُ: المِرآةُ الواسعة.
وقوله: روادي، أي: تَرْدِي بفُرْسَانِها، أي: تسرع.
(١) عرصاتكم: ساحات دياركم.
(٣) مقلّص: صفة للناقة.
(٢) رهوًا: أي بتمهل.
(٤) طمرّة: صفة للخيل.
١٠

أفْنَى دوابرَها ولاحَ مُتُونَها
فكَذاك إنّ جيادَنا مَلْبُونٌ (٢)
وسُيوفنا بيضُ الحَدائد تَجْتلي
أَخَذَ الإلهُ عليهمُ لحَرامه
كانُوا بدارٍ ناعمين فبُدّلُوا
قال ابن هشام: فلمَّا قالها حسَّان غَضِب عليه سعدُ بن زيد، وحَلف أن لا يكلِّمه
أبدًا؛ قال: انطلَقَ إلى خيلي وفوارسي فجعلها للمقداد! فاعتذر إليه حسَّان وقال: والله ما
ذاك أردتُ، ولكن الرويّ وافق اسمَ المِقْداد؛ وقال أبياتًا يُرضي بها سعدًا:
إذا أرَدْتُم الأشَدّ الجَلْدا
أو ذا غَناء فعَلَيكم سَعْدا
سَعْد بن زَيْد لا يُهَدّ هَدّا
فلم يقبل منه سعد ولم يُغْن شيئًا.
شعر آخر لحسَّان في يوم ذي قَرَد
وقال حسَّان بن ثابت في يوم ذي قَرَد:
بأن سوفَ يَهْدِم فيها قُصورا
أظَنَّ عُيَيْنة إذْ زَارها
وقُلتم سَنَغْنَمُ أمْرًا كبيرا
فأُكْذِبْتَ ما كنتَ صَدَّقته
وآنَسْت للأسْد فيها زَثيرا
فَعِفْتَ المَدينة إِذْ زُرتها
ولم يكشفوا عن مُلِطٌّ(٥) حَصِيرا
فوَلَّوْا صِرَاعًا كشدّ النَّعام
قصيدة أُخرى لحسَّان
وقول حسَّان في خيل عُيَّيْنَة :
فَوَلَّوْا سِرَاعًا كَشَدُ النَّعا م لم يَكْشِفُوا عن مُلِطْ حَصِيرا
(١) طراد: رماح قصيرة.
(٣) غواد: مبكرة.
(٥) ملط : ضبهاء.
(٢) ملبونة: سكرى.
(٤) جنن: تروس.
١١
يومٌ تُقاد به ويَوْمُ طرَادُ(١)
والحربُ مُشْعَلة بريح غَواد(٣)
جُنَنَ(٤) الحَدِيد وهامَةَ المُزْتاد
ولعزّة الرحمن بالأشْداد
أيَّامَ ذي قَرَد وُجُوهَ عِباد
غضب سعد على حسَّان ومحاولة حسَّان استرضاءه:

أميرٌ علينا رسُولُ المَليك
رسُول نُصَدّقُ ما جاءه
شعر کعب في يوم ذي قَرَد:
أخبب بذاكَ إلينا أميرا
ويَتْلو كتابًا مضيئًا مُنِيرا
وقال كعب بن مالك في يوم ذِي قَرَد للفوارس :
أتحسَبُ أولادُ الَّلِقيطةِ أنَّنا
وإنَّا أُناسٌ لا نرى القَتلِ سُبَّة
وإنَّا لَنَقْري الضّيف من قَمَع الذُّرا
نَرُدّ كُماة المُعْلَمين إذا انتخَوْا
بِكُلّ فتّى حامي الحقيقة ماچِدٍ
يَذُودون عن أخسابهِم وتِلادِهِم
فسائِلْ بَنِي بَدْر إذا ما لَقِيتَهم
إذا ما خَرَجتم فاصدُقوا مَن لَقيتُمُ
وقُولُوا زَللْنا عن مخالب خادر(٧)
على الخَيْل لسنا مِثلهم في الفوارِس
ولا نَنْثني عند الرّماح المَداعس(١)
ونَضرب رأسَ الأبْلج(٢) المَتشاوس(٣)
بضرب يُسَلِّي نَخْوة المُتقاعِس
كريمٍ كسِرْحان الغَضاة (٤) مُخالس (٥)
بِبِيضٍ تَقُدّ الْهَامَ تحت القَوانِس(٦)
بِمَا فَعَل الإخوانُ يَوْمَ الثَّمارُس
ولا تَكْتُموا أخبارَكم في المجالسِ
به وَحَرٌ في الصَّذْر ما لم يمارِس
قال ابن هشام: أنشدني بيته: ((وإنّا لنَقْري الضَّيف)) أبو زيد.
شعر شداد لعيينة:
قال ابن إسحاق: وقال شدّاد بن عارض الجُشَمي، في يوم ذي فَرَد: لعُيينة بن
حِصْن، وكان عُيينة بن حِصْن يُكنى بأبي مالك:
وخَيْلُك مُذْبِرة تُقْتَلُ
فهلاً كَرَزْتَ أبا مالك
وهَيْهات قد بَعُد المُقْفَل
ذكرتَ الإيابَ إلى عَسْجَر
أي: لم يَغْنَمُوا بعيرًا، ولا كَشَفوا عنه حَصِيرًا، يعني: بالحصير ما يَكْثَّفُ به حَوْل الإبل
من عِيدَان الحَظَيرَةِ، والمُلِطُّ من قولهم: لَطَّت الناقةُ، وأَلَطّتْ بذَنِها إذا أدخلته بين رِجْلَيها.
(١) مداعس: الرمح يطعن به.
(٣) المتشارس: البطل.
(٥) مخالس: شجاع حذر.
(٧) خادر: أي متحيّر.
(٢) الأبلج: حسن الوجه.
(٤) العضاة: الشجر الكثير.
(٦) القونس: أعلى بيضة الحديد.
١٢

وطَمَّنْتَ نَفْسَك ذا مَيْعة
إِذَا قَبَّضَتْه إليك الشّما
فلمَّا عَرَقْتم عِبادَ الإلا
عَرفتم فَوارِس قد عُوّدوا
إذا طَرَدُوا الخَيْلَ تَشْقَى بهم
فيَعْتَصِمُوا في سَواءِ المُقا
مِسَح الفَضاء إذا يُرْسَل
لُ جاشَ كما اضطرمَ المِرْجَل
ـه لم يَنْظر الآخرَ الأوّل
طِرَاد الكُماة إذَا أسهَلوا
فَضَاحًا وإِن يُطْرَدوا يَشْزِلوا
م بالبِيض أُخْلَصهَا الصَّيْفَلُ
غزوة بني المصطلق
قال ابن إسحاق: فأقام رسولُ الله وَل﴿ بالمدينة بعض جمادى الآخرة ورجَبًا ثم غزا
بني المُصْطَلِقِ من خُزاعَة، في شَغْبان سنة ست.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا ذَرِّ الغِفاريّ؛ ويقال: نُمَيْلَة بن عبد الله
الليثي.
سبب الغزوة:
قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصم بن عُمر بن قَتادة وعبدُ الله بن أبي بكر،
ومحمد بن يحيى بن حَبّان، كلِّ قد حدّثني بعض حديث بني المصطلق، قالوا: بلغ
رسولَ اللهِ وَ﴿ أَنّ بني المُصْطَلِقِ يَجْمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جُوَيْرية
بنت الحارث، زوج رسول الله وَل﴾؛ فلما سمع رسولُ الله ◌ِّر بهم خَرج إليهم، حتى
لَقيهم على ماءٍ لهم يقال له: المِرَيْسِيع، من ناحية قُدَید إلى الساحل، فتزاحف الناسُ
غزوة بني المصطلق(١)
وهم بَتُو جَذِيمةً بن كَعْبٍ من خُزَاعَةَ، فَجَذيمةُ هو المُصْطَلِقُ وهو مُفْتَعِلٌ من الصَّلقِ،
وهو رَفْعُ الِّوْتِ.
وذكر المُرَيْسِيعَ، وهو ماء لخُزَاعَةً(٢)، وهو من قولهم: رَسَعَتْ عينُ الرجل: إذا دَمَعت
من فَسَادٍ .
(١) انظر البداية (١٥٧/٤) الزاد (٢٥٦/٣) الطبري (٥٩٣/٢) الطبقات (٤٥/١/٢) الكامل (٢/ ٨١)
الاكتفاء (٢١٧/٢) المنتظم (٢١٨/٣).
(٢) ماء خزاعة بينه وبين الفرع مسيرة يوم.
١٣

واقتتلوا، فهزَم الله بَني المُصطلق، وقُتل من قُتل منهم، ونَفّل رسول الله بَلِّ أبناءهم
ونساءهم وأموالهم، فأفاءهم عليه.
مقتل ابن صبابة خطأ:
وقد أُصيب رجلٌ من المسلمين من بني كَلْب بن عَوْف بن عامر بن ليث بن بكر،
يقال له: هشام بن صُبَابة، أصابه رجل من الأنصار من رَهْطِ عُبَادَة بن الصامت، وهو
يرى أنه من العدوّ، فقتله خطأً.
فتنة
فبينا رسولُ اللهِ وَّ على ذلك الماء، وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطّاب
أجيرٌ له من بني غِفَارٍ، يقال له: جَهْجاه بن مَسْعود يقود فرسَه، فازدحم جَهْجَاه
وسِنَانُ بن وَبَر الجهني، حليف بني عَوْف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصَرخ
الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جَهْجاه: يا معشر المهاجرين؛ فغضب عبدُ الله بن
أُبيّ ابن سَلُول، وعنده رَهْط من قومه فيهم: زيد بن أرقم، غلام حَدث، فقال: أوَقَد
فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدّنا وجلابيب قريش إلاّ كما قال
الأوّل: سَمِّن كَلْبك يأْكُلْك، أما والله لَئن رَجَعْنا إلى المدينة ليُخْرِجِنّ الأعزُّ منها الأذلَّ.
وذكر سِنَانَ بِن وَبْرَةَ وقال غيره: هو سِنَانُ بن تَميم من جُهَيْنَة بن سَوْد بن أَسْلمُ حليف
الأنصار.
تحريم دعوى الجاهلية
وذكر أنه نادى: يا للْأَنْصَارِ، ونادى جَهْجَاه الغِفَارِيُّ يا لَّلْمُاجِرين، ولم يذكر ما قال
النبيّ ◌َّ حين سمعهما، وفي الصحيح أنه عليه السلام حين سمعهما منهما، قال: ((دعوها
فإنها مُنْتِنَةٌ))(١)، يعني: إنها كَلِمَةٌ خبيثة، لأنها من دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، وجعل الله المؤمنين إخْوَةً
وحِزْبًا واحدًا، فإنما ينبغي أن تكونَ الدعوةُ يا لَلْمُسْلِمين، فمن دعا في الإسلام بدَغوى
الجاهِليَّةِ فيتوجه للفقهاء فيها ثلاثةُ أقوال: أحدها: أن يُجْلَدَ من استجابَ لها بالسلاحِ خمسين
سَوْطًا اقتداءً بأبي موسى الأشْعَرِيِّ في جَلْدِهِ النابغةَ الجَعْدِيَّ خمسين سوطًا، حین سَمِع: یا
لَعَامِرٍ، فأقبل يَشْتَدُّ بعُصْبَةٍ له. والقول الثاني: إن فيها الجلَد دون العَشَرة لنهيه عليه السلام أن
(١) أخرجه البخاري (٢٢٣/٤) ومسلم في البرّ والصلة (٦٤/٦٣) والترمذي (٣٣١٥) وأحمد (٣٣٨/٣)
والطحاوي في المشكل (٢٣٩/٤). وانظر الفتح (٦٥٢/٨).
١٤

ثم أقبل على مَنْ حَضره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحلَلْتموهم
بلادكم، وقاسمتوهم أموالكم، أما والله أو أمْسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير
داركم. فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله وَّر، وذلك عند فراغ رسول
اللهِ وَرَ من عدوّه، فأخبره الخبرَ، وعنده عمرُ بن الخطّاب، فقال: مُرْ به عَبّادَ بن بِشْرٍ
فليقتله؛ فقال له رسولُ اللهِ وََّ: ((فكيفَ يا عُمَرُ إذا تحدّث الناس أن محمدًا يقتل
أصحابه!)) لا ولكن أذّن بالرَّحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسولُ الله ◌َ * يرتل فيها،
فارتحل الناسُ.
حول فتنة ابن أُبيّ ونفاقه :
وقد مشى عبد الله بن أَبيّ ابن سَلُول إلى رسولِ اللهِ وَّر، حين بلغه أن زيد بن
أَرْقَمَ قد بلَّغه ما سمع منه، فحلف بالله: ما قلت ما قال، ولا تكلّمت به . - وكان في
قومه شريفًا عظيمًا - فقال: مَنْ حضر رسول الله وَّر من الأنصار من أصحابه: يا رسول
الله، عسى أن يكونَ الغلامُ قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل، حَدَبًا على
ابن أُبيِّ ابن سَلُولَ، ودَفْعًا عنه.
قال ابن إسحاق: فلما استقلّ رسولُ اللهِ وَله وسار، لقيه أُسَيد بن حُضَيْرِ فحيَّاه
بتحيَّة النبوّة وسلَّم عليه، ثم قال: يا نبيّ الله، والله لقد رُحتَ في ساعة مُنكرة، ما كنتَ
تروح في مثلها، فقال له رسول الله وَ له: ((أو ما بلَغَك ما قال صاحبُكم؟)) قال: وأيّ
صاحبٍ يا رسول الله؟ قال: ((عبد الله بن أُبَيّ)). قال: وما قال؟ قال: ((زعم أنه إن رجع
إلى المدينة ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ))، قال: فأنت يا رسول الله والله تُخرجه منها إن
شئت، هو والله الذليلُ وأنت العزيز؛ ثم قال: يا رسول الله، ارفق به فوالله لقد جاءنا الله
بك، وإنّ قومه لَيَنْظمون له الخرز ليتوّجوه، فإنه لَيرى أنك قد استلبته مُلكًا.
يُجْلَد أحدٌ فوق العشرة إلاَّ في حَدِّ، والقول الثالثُ: اجتهادُ الإمام في ذلك على حَسَبِ ما
يراه مِنْ سَدُ الذَّرِيعَةِ وإغلاق باب الشر، إمَّا بالوَعيد، وإمّا بالسّجن، وإمّا بالجلد(١).
فإن قيل: إن النبيّ وَّ لم يُعاقِب الرجلين حين دَعَوا بها قلنا: قد قال: دَعُوها فإنها
منتنة، فقد أكّد النهي، فمن عاد إليها بعد هذا النهي، وبعد وصف النبيّ وَّ لها بالإنْتانِ
وَجَب أن يُؤَذَّب، حتى يشم نَتَنَها، كما فعل أبو موسى رحمه الله بالجَعْدِيِّ، فلا معنى لنَتَنَها
إلا سوءُ العاقبة فيها والعقوبة عليها.
(١) أَلاَ مِن مُجيب ومتدبّر يا أصحاب الطرق ((الصوفية)) ويا عبَّاد القبور والمشايخ.
١٥

ثم مشى رسول الله وَ لّ بالناس يومَهم ذلك حتى أمْسی، وليلتَهم حتى أصبح،
وصَذْر يَومهم ذلك حتى آذتهم الشمسُ، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وَجَدوا مسّ
الأرض فوقعوا نِيامًا، وإنما فعل ذلك رسولُ الله ◌ِّهِ ليَشغل النَّاس عن الحديث الذي كان
بالأمس، من حديث عبد الله بن ◌ُبِّ.
ثم راح رسوُل الله وَ﴿ بالنَّاس، وسلَك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فُوَيق
النَّقيع؛ يقال له: بقعاء. فلما راح رسولُ اللهِ وَ ◌ّرَ هبَّت على الناس ريحٌ شديدة آذتهم
وتخوّفوها؛ فقال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((لا تخافوها، فإنما هبّت لموت عَظيم من عُظماء
الكُفَّار)). فلمَّا قدموا المدينة وجدوا رِفاعة بن زَيد بن الثَّابوت، أحد بني قَيْنقاع، وكان
عظيمًا من عُظماء يهود، وكَهْفًا للمُنافقين، مات في ذلك اليوم.
ما نزل في ابن أُبيّ من القرآن:
ونزلت السورة التي ذَكَر الله فيها المنافقين في ابن أُبَيّ ومَنْ كان على مثل أمره،
فلما نزلتْ أخذَ رسولُ الله ◌َ﴿ بأذن زَيْد بن أرقم، ثم قال: «هذا الذي أوفى الله بأُذنه)».
وبلغ عبدَ الله بن عبد الله بن أُبيّ الذي كان من أمر أبيه.
جهجاه:
وأما جَهْجَاهُ فهو ابن مَسْعُودٍ بن سعد بن حَرَام، وهو الذي روى عن النبيّ ◌َّهِ: ((المؤمن
يأكل في مِعَى واحدٍ، والكافر يأكل في سَبْعة أَمْعَاء)) (١)، وهو كان صاحب هذه القصّة فيما رَوى
ابن أبي شَيْئَةً والبزار(٢)، وقد قيل أيضًا: إن الرجل الذي قال فيه عليه السلام هذه المقالة،
هو ثُمّامَةُ بن أثال الحنفي، ذكره ابن إسحق، وقيل: بل هو أبو بَصْرَة [جَميل بن بَصْرَة]
الغِفارِي، قاله أبو عبيد، ومات جَهْجَاه هذا بعد قَتْل عثمان رحمه الله، أخذته الأَكِلَةُ في ركبته
فمات منها، وكان قد كسر برُكْبَته عَصَا رسولِ الله وَله ـ التي كان يخطب بها، وذلك أنه
انتزعها من عُثْمانَ حين أُخْرِج من المسجد، ومُنع من الصلاة فيه، فكان هو أحد المعيّنين
عليه، حتى كسر العصا على رُكبته، فيما ذكروا، فابتُلِي بما ابتُلي به من الأَكِلَةِ. نعوذ بالله من
عُقُوبته، ونستجير به من الأهواء المضِلَّة.
(١) أخرجه البخاري (٩٢/٧) ومسلم في الأشربة (١٨٥/١٨٤/١٨٢) والترمذي (١٨١٨) وابن ماجة
(٢٣٥٨/٢٣٥٧/٢٣٥٦) وأحمد (٢١/٢) والدارمي (٩٩/٢).
(٢) ابن أبي شيبة (١٣٣/٨) والبزار (٤٣٠/٣٤٦/٣) (٧٦/١).
١٦

موقف عبد الله من أبيه
قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبد الله أتى رسولَ
الله وَّة، فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتلَ عبد الله بن أَبيّ فيما بلغك عنه،
فإن كنت لا بدّ فاعلاً فمُرني به، فأنا أحمِل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرجُ ما كان
لها من رجل أبرَّ بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعُني نفسي أنظر
إلى قاتل عبد الله بن أُبَيّ يمشي في الناس، فأقتلَه فأقتلَ (رجلاً) مؤمنًا بكافر، فأدخل
النار؛ فقال رسول الله وَ له: ((بل نَتَرَفَّق به، ونُحسن صُحبته ما بقي معنا)).
وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدثَ كان قومه هم الذين يُعاتبونه ويأخذونه
ويُعنّفُونه؛ فقال رسول الله وَّرَ العُمر بن الخطّاب، حين بلغه ذلك من شأنهم: ((كيف ترى
يا عمر؛ أما والله لو قتلته يوم قلتَ لي اقْتُله، لأزعِدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقَتْلِه
لقتلته))؛ قال: قال عمر: قد والله علمتُ لَأمرُ رسول الله وَلِّ أعظم بركة من أمري.
موقف عبد الله الصحابي من أبيه المنافق ودلالته
وذكر مقالةَ عبدِ الله بن أُبيّ، وأن ابنه عبدَ الله بن عَبْد الله استأذن النبيّ وَّ في قتل
أَبِيه من أجلِ تلك المقالة، وفي هذا العلم العظيم والبُزْهَان النَّيِّر من أعلام النُّبُوَّة، فإن
العرب كانت أشدَّ خَلْقِ الله حَمِيَّةٌ وتعصُّبًا، فبلغ الإيمان منهم ونورُ اليقين من قلوبهم إلى
أن يَرْغَب الرجلْ منهم في قتل أبيه وولده، تَقَرُّبًا إلى الله، وتَزَلَّفًا إلى رسوله، مع أن
الرسولَ - عليه السلام - أبعدُ الناسِ نَسَبًا منهم، وما تأخّرِ إسلام قومِه وبني عَمْه وسَبَق إلى
الإيمان به الأباعدُ إلاَّ لحكمة عظيمة، إذ لو بادر أهلُه وأَقْرَبُوه إلى الإيمان به، لقيل: قوم
أرادوا الفخرَ برجل منهم، وتعصّبوا له، فلمّا بادر إليه الأباعدُ، وقاتلوا على حُبِّه مَنْ كان
منهم أو من غيرهم، عُلِمَ أن ذلك عَنْ بَصِيرَةٍ صادقة ويقين قد تَغَلْغَلَ في قلوبهم، ورَهْبَةٌ
من الله أزالت صِفة، قد كانت سَدِكَتْ (١) في نُقُوسِهم من أخلاق الجاهلية لا يستطيع إزالتها
إلاّ الذي فَطَرِ الفِطْرَة الأولى، وهو القادر على ما يشاء، وأما عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله، فكان
من كُتَّاب النبيّ - صَلّهِ - وكان اسمُه حُبَاب، وبه كان يُكَنَّى أبوه، فسمّاه رسول الله وَهُ
عبد الله، مات شهيدًا باليمامة رضي الله عنه، ورَوى الدَّارَقُطْنِي مُسْنَدًا أن النبيَّ - وََّ - مرّ
على جماعةٍ فيهم عبدُ الله بن أَبِيِّ فسلَّم عليهم، ثم ولّى، فقال عبد الله: لقد عَنا ابنُ أَبي
كَبْشَةَ في هذه البلادِ، فسمعها ابنُه عبدُ الله، فاستأذن النبيّ وَّ في أن يأتيه برأس أبيه،
(١) سلكت: ألزمت.
الروض الأنف/ ج ٤/ ٢ ٢
١٧

قدوم مقیس مسلمًا وشعره:
قال ابن إسحق: وقَدِم مَقْيَس بن صُبَابة من مكّة مسلمًا، فيما يُظْهِر، فقال: يا
رسول الله، جئتك مسلمًا، وجئتك أطلُب دِيَّة أخي، قُتل خطأ. فأمر له رسولُ اللهِ وَيه
بديّة أخيه هِشام بن صُبابة؛ فأقام عند رسول الله وَّرَ غَير كثير، ثم عَدا على قاتل أخيه
فقتله، ثم خرج إلى مكّة مرتدًا؛ فقال في شعر يقوله:
تُضَرِّجُ ثَوْبَيْه دماءُ الأخادِعِ
شَفَى النفسَ أن قد مات بالقاعِ مُسْنَدًا
تُلِمّ فَتَحْمِينِي وِطَاءَ المَضَاجِعِ
وكانت هُمومُ النَّفسِ من قبل قَتْله
وكنتُ إلى الأوْثان أوّل راجع
سَرَاةً بني النَّجَّارِ أربابَ فارِعٍ(٢)
حَلَلْتُ به وِتْري وأدركتُ ثُؤْرَتي
ثَأرتُ به فِهْرًا(١) وحَمَّلْتُ عَقْلَه
وقال مِقيَس بن صُبابة أيضًا:
جلَّلته ضَرْبةً باءت لها وشَلٌ
فقُلْتُ والمَوْتُ تَغْشاه أسِرّته
من ناقِعِ الجَوْف يَعلوه ويَنْصَرِمُ
لا تأمَننّ بَني بَكْرٍ إذ تُلِموا
شعار المسلمين :
قال ابن هشام: وكان شعار المُسلمين يوم بني المُصْطلق: يا منصور، أمِثْ
أمِتْ.
قتلى بني المصطلق:
قال ابن إسحق: وأُصِيب من بني المُضْطلق يومئذ ناسٌ، وقَتل عليّ بن أبي طالب
منهم رجلَين، مالكًا وابنه، وقَتل عبدُ الرحمن بن عوف رجلاً من فُرسانهم، يقال له:
أحمر ، أو أُخیمر.
فقال: ((لا، ولكن برَّ أباك))(٣) وذكر ابنُ إسحق في هذا الخبر أن النبيّ وَلَو حين بلغته
مقالةُ عبد الله بن أبي: مَتَنَ الناسُ يومَهم ذلك، ويُروى مَشَى، فأما مَتَن، فقال صاحب
العَيْنِ: يقال: ساروا سَيْرًا مُمَاتِنًا، أي: بعيدًا.
(١) فهرًا: تعبًا.
(٣) انظر المجمع (١٠٩/١) (٣١٨/٩).
(٢) فارع: أشراف.
١٨

أمر جويرية بنت الحارث
وكان رسول الله وَ ل﴿ قد أصاب منهم سَبْيًا كثيرًا، فَشا قَسْمُه في المسلمين؛ وكان
فيمن أُصيب يومئذ من السَّبايا جُوَيْرية بنت الحارث بن أبي ضِرار، زوج رسول الله وَّر .
قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُروة بن الزبير، عن
عائشة، قالت: لما قسّم رسولُ اللهِ وَ له سبايا بني المُصْطلِقِ، وقعتْ جُويرية بنت الحارث
في السّهم لثابت بن قَيْس بن الشَّماس، أو لابن عمّ له، فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة
حُلْوَةٌ مُلاَّحَة، لا يراها أحد إلا أخذت بنَفْسه، فأتت رسولَ الله وََّ تَسْتعينه في كِتابتها
حول حديث جويرية (١) ((ملاحة ومليح))
فصل: وذكر جُوَيْرِيَة بنتَ الحارثِ، ووقوعَها في السَّهْم لثابِتِ بن قَيْسٍ، أو لابْنِ عَمْ
له، ثم جاءت تستعين في كتابتها، قالت عائشة: وكانت امرأةٌ حُلْوَةٌ مُلاَّحَةً. المُلأَحُ أبلغ من
الملِيح في كلام العرب، وكذلك الوَضَّاء أبلغُ من الوَضِيءٍ، والكُبَّارُ كذلك أبلغ من الكبير،
غير أنه لا يوصف البارِي سُبْحَانه بهذا اللفظِ، فيقال فيه كُبَّار بمعنى كبير، لأنه على بِنْيَةِ
الجَمْعِ، نحو ضُرَّاب وشهَّاد، فكان لفظُ الكبير ونحوه أبعدَ من الاشتراك، وأدلَّ على
الوَحْدَانِيَّةِ، والله أعلم(٢).
وأما معنى: المُلاَّحَة، فذهب قومٌ إلى أنها من المُلْحَّةِ وهي البياضُ، تقول العربُ:
عِنَبٌ مُلاَحِيٍّ والصحيح في معنى المليح، أنه مُسْتَعارٌ من قولهم: طعامٌ مَلِيحْ إذا كان فيه من
المِلْح بقدر ما يُصْلِحِه، ولذلك إذا بالغوا في المدح قالوا: مَلِيحْ فَرِيحْ، فَملِيحٌ من مَلَحْتُ
القِدرَ، وقَزِيحٌ من قَزَحْتُها إذا طيبت نكْهَتَها بالأفَاوِية، وهي الأقْزَاحُ، وبذلك على بُعْد هذا
المعنى من البياض قولهم: في الأَسْوَد: مَلِيحٌ، وفي العينين إذا اشتدّ سوادُهما وحُسْنُهما كما
جاء في تفسير قوله سبحانه: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٢٩]. أنها مَلاَحَةٌ في
العينين، وقال الأصْمَعِيُّ: الحُسْنُ في العَيْنَيْن، والجَمَالُ في الأنف، والمَلاَحَةُ في الفَم. وقالت
امرأة خالد بن صفوان لبعلها: إنك لجَمِيلٌ يا أبا صَفْوَانَ، فقال: وكيف وليس عندي رِدَاءُ
الجَمال ولا بُرْنُسُه ولا عَمُودُه؟ ثم قال: عَمُودُه الطُولُ، وأنا رَبْعَةٌ، وبُرْنُسُه سوَادُ الشعر، وأنا
أُشْمَطُ، ورِدَاؤُه البياضُ، وأنا آدَمُ، ولكن قولي: إنك مَلِيحْ ظَرِيفٌ. فعلَّمها أن المَلاحَةَ قد
تكون من صِفَةٍ لآدَمَ، فهي إذًا ليست من معنى البياضِ في شَيْءٍ، وإنما هي ضد المَسَاسَةِ.
(١) أخرجه أحمد (٢٧٧/٦) والطبري في تاريخه (١١١/٢).
(٢) انظر للمحقق ((القول الأسني في تفسير الأسماء الحسنى)).
١٩

قالت عائشة: فوالله ما هو إلاّ أن رأيتها على باب حُجْرَتي فكَرِهتها، وعَرُفت أنه سيرى
منها وََّ ما رأيتُ، فدخلَتْ عليه، فقالت: يا رسول الله، أنا جُوَيْرِيَةُ بنت الحارث بن أبي
صِرارٍ، سيّدِ قومه، وقد أصابني من البَلاَء، ما لم يَخْفَ عليك، فوقعتُ في السّهم
لثابت بن قيس بن الشَّماس، أو لابن عمّ له، فكاتبتُه على نفسي فجِئتك أسْتعينك على
كِتابتي، قال: ((فهل لكِ في خير من ذلك؟)) قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: ((أقضي
عنكِ كتابتكِ وأتزوّجك))؛ قالت: نعم يا رسول الله، قال: ((قد فعلت)).
قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسولَ الله وَل قد تزوّج جُويرية ابنة الحارث بن
أبي ضرار، فقال الناس: أصهار رسول الله وَله، وأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أُغْتق
بتزويجه إيّاها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها
بركة منها .
قال ابن هشام: ويقال: لما انصرف رسولُ اللهِ وَّر من غزوة بني المُصطلِقِ ومعه
جُويرية بنت الحارث، وكان بذات الجيش، دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعةً،
وأمره بالاحتفاظ بها، وقدم رسولُ الله المدينة، فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء
ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء، فرغب في بعيرين منها،
غيرة نساء النبيّ، والنظر إلى المرأة:
وقول عائشة في جُوَيْرِية: فوالله ما هو إلاّ أن رأيتها على باب حُجْرَتي فكرهْتُها. فيه ما
كان عليه أزواجُ النبيّ - ◌َّهـــ من الغَيْرَةِ عليه، والعلم بموقع الجَمالِ منه، كما قد رُوي أنه
- عليه السلام - أنه خَطَبَ امرأةٌ فأرسَلَ عائشةً لتنظرَ إليها، فلما رجعت إليه قالت: ما رأيت
طائلاً، فقال: بلى لقد رأيت: خَالاً قد خَدِّها اقْشَعَرَّتْ منه كلُّ شَعْرَةٍ في جسدك. وأما نظرهُ
عليه السلام لجُوَيْرِيَةَ حتى عَرَفَ من حُسْنِها ماعَرَف، فإنما ذلك لأنها كانت امرأة مملوكة، ولو
كانت حُرَّةً ما ملأ عينَه منها، لأنه لا يُكْره النظرُ إلى الإماء، وجائز أن يكون نظر إليها، لأنه
نوى نكاحَها، كما نظر إلى المرأة التي قالت له: إني قد وَهَبْتُ نَفْسِي لك يا رسولَ الله،
فصَعَّد فيها النظر ثم صَوَّب، ثم أنكَحَها من غيره، وقد ثبت عنه عليه السلام الرُّخْصَة في
النظر إلى المرأة عند إرادةِ نِكاحِها، وقال لِلْمُغِيرة حين شاوره في نكاح امرأةٍ: ((لو نظرت
إليها، فإن ذلك أخرَى أن يُؤْدَمَ بينكما)»(١)، وقال مثل ذلك لمحمد بن مَسْلَمَةً حين أراد نِكاح
ثُبَيْئَةَ بنت الضَّحَّاكِ، وقد أجازه مالكٌ في إحدى الروايتين عنه ذكرها ابن أبي زَيْد. وفي
(١) انظر النسائي (٧٧/٦) ومسلم في النكاح (٧٤/ ٧٥).
٢٠
.