Indexed OCR Text

Pages 441-460

سنَّك؟ قال: ((تِيب على أبي لُبابة))، قالت: قلت: أفلا أُبَشِّره يا رسول الله؟ قال: ((بلى،
إن شئتٍ)). قال: فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يُضرب عليهنّ الحجاب،
فقالت: يا أبا لُبابة، أبْشِر فقد تاب الله عليك. قالت: فثار الناس إليه ليُطلقوه فقال: لا
والله حتى يكون رسولُ الله ◌َّله هو الذي يُطلقني بيده، فلما مرّ رسول الله وَّل خارجًا إلى
صلاة الصبح أطلقه.
قال ابن هشام: أقام أبو لُبابة مُرتبطًا بالجذع ستَّ ليالٍ، تأتيه امرأته في كلّ وَقْت
صلاة، فتحلّه للصلاة، ثم يعود فَيرتبط بالجِذْع، فيما حدّثني بعض أهل العلم والآية التي
نزلت في توبته قولُ الله عزّ وجلّ: ﴿وَآخَرُونَ اغْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ
سَيِّئَا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(١).
لعلّ وعسى وليت:
فإن قيل: ليس في الآية نصٌّ على تَوْبته وتوبة الله عليه أكثر من قوله تعالى: ﴿عسى
الله أن يتوبَ عليهم﴾ .
فالجواب: أن عسى من الله واجبةٌ وخبرُ صِدْقٍ. فإن قيل: وهو سؤال يجب الاعتناء
به: إن القرآن نزل بلسان العرب، وليست عسى في كلام العرب بخبرٍ، ولا تقتضي وجوبًا،
فكيف تكون عسى واجبةً في القرآن، وليس بخارج عن كلام العرب؟
وأيضًا: فإن لعلّ تعطي معنى التَّرجّي، وليست من الله واجبة، فقد قال: ﴿لعلهم
يشكرون﴾ فلم يشكروا، وقال: ﴿لعله يتذكر أو يَخْشَى﴾ فلم يتذكر ولم يَخْش، فما الفرق
بين لعلّ وعسى حتى صارت عسى واجبة؟.
قلنا: لعلّ تعطي التَّرَجُي، وذلك الترجي مصروف إلى الخلق، وعسى مثلُها في
الترجّي، وتزيد عليها بالمُقَارَبةِ، ولذلك قال: ﴿عسى أن يَبْعَثَكِ رَبُّك مقامًا مَحْمُودًا﴾
[الإسراء: ٧٩] ومعناه الترجّي مع الخبر بالقرب، كأنه قال قرُبَ أن يبعثَك، فالتَّرَجِّي
مَصْروفٌ إلى العبد، كما في لعلّ، والخبر عن القرب والمُقَاربة مصروفُ إلى الله تعالى،
وخَبَرُه حَقِّ وَوَعْدُهُ حَتْمٌ، فما تضمنته من الخبر فهو الواجب دون التَّرَجِّي الذي هو محال
على الله تعالى ومصروف إلى العبد، وليس في لعلّ منْ تَضَمُّن الخبرِ مثلُ ما في عسى، فمن
ثَمّ كانت عسى واجبةً إذا تكلّم الله بها، ولم تكن كذلك لعلّ.
(١) سورة التوبة آية رقم (١٠٢).
٤٤١

إسلام بعض بني هدل:
قال ابن إسحاق: ثم إن ثَعْلَبَةَ بنَ سَعْيَةً، وأَسِيْد بن سَعْيَةٍ، وأَسَد بن عُبَيْد، وهم نفر
من بني هَدَلٍ، ليسوا من بني قريظة ولا النَّضير، نَسَبُهُم فوق ذلك هم بنو عمّ القوم،
أسلَمُوا تلك الليلة التي نزلت فيها بنو قريظة على حُكم رسول اللهِ وَله.
عمرو بن سُعدی:
وخرج في تلك اللَّيلة عَمْرو بن سُعْدَى القُرَظي، فمرّ بحَرس رسول الله بَّر، وعليه
محمد بن مَسْلمة تلك الليلة، فلما رآه قال: ((من هذا؟)) قال: أنا عمرو بن سُعْدَى -
وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله وَّهِ، وقال: لا أغدر
بمحمد أبدًا - فقال محمد بن مَسْلمة حين عرفه: اللهم لا تحرِمني إقالة عَثرات الكِرام،
ثم خلَّى سبيله. فخرج على وجهه حتى أتى باب مسجد رسول الله # بالمدينة تلك
الليلة، ثم ذهب فلم يُذر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا، فذُكر لرسول الله وَله
شأنه، فقال: ذاك رجل نجَّاه الله بوَفائه. وبعض الناس يزعم أنه كان أُوثِقِ بِرُمَّةٍ فيمن أُوثقَ
من بني قريظة، حين نزلوا على حُكم رسول الله وَّرَ، فأصبحت رُمَّتُه مُلْقاة، ولا يُذْرى
أين ذهب، فقال رسولُ اللهِ وَّر فيه تلك المقالة، والله أعلم أيّ ذلك كان.
فإن قيل: فهل يجوز في ليت ما كان في لعلّ من ورودها في كلام الباري سبحانه،
على أن يَكُون التمنّي مَصْرُوفًا إلى العبد، كما كان الترجّي في لعل كذلك؟
قلنا: هذا غير جائز، وإنما جاز ذلك في لعلّ على شرط وصورةٍ، نحو أن يكون قبلها
فِعْلٌ، وبعدها فِعْلٌ، والأوَّل سَبَبٌ للثاني نحو قوله: ﴿يعظُكُم لَعَلَّكم تَذكَّرُون﴾
[النحل: ٩٠]، فقال بعض الناس: لعلّ ها هنا بمعنى كَيْ، أي: كي تَذَكَّرُوه، وأنا أقول:
لم يذهب منها معنى التّرَجّي، لأن الموعظة، مما يُرجى أن تكون سببًا للتذكُّر، فعلى هذه
الصورة وردت في القرآن، ونحو قوله أيضًا: ﴿فَلَعَلَّك تاركّ بعضَ ما يُوحَى إليك وضائقٌ به
صَدْرُك﴾ [هود: ١٢] هي هاهنا تَوَقُعْ وتخوف، أي: ما أصابك من التكذيب مما يُتَخَوَّف ويُتَوَقَّعُ منه
ضِيقُ الصدر، فهذا هو الجائز في لَعَل، وأما أنْ تَرِد في القرآن داخلةً على الابتداء والخبر
مثل أن تقول، مُبْتَدِئًا: لعلّ زيدًا يؤمن، فهذا غير جائز، لأن الربَّ سبحانه لا يَتَرَجَّى، وإن
صُرِف الترجي إلى حَقُ المخلوق، وموضوعُها في كلام العرب أن يكون المتكلمُ بها لا
يستقيم أيضًا إلاّ على الصورة التي قدمنا من كونها بمعنى: كي، ووقوعها بين السَّبَب
والمُسبَّب، وإذا ثبت هذا فلا إشكال في ليت أنها لا تكون في كلام الباري سبحانه، لأن
التمني مُحَالٌ عليه، والتَّرجِّي والتَّوَقُّعُ والتَّخَوُّف كذلك، حتى تزيلها عن الموضع الذي يكون
معناها فيه للمتكلم بها.
٤٤٢

تحكيم سعد في أمر بني قريظة ورضاء الرسول به
(قال) فلما أصبحوا نزلوا على حُكم رسول الله بَّةَ، فَتَواثبتِ الأوس، فقالوا: يا
رسول الله، إنهم موالينا دون الخَزرج، وقد فعلتَ في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت
- وقد كان رسولُ اللهِ وَّ قبل بني قريظة قد حاصَر بني قَيْتُقاع، وكانوا حُلفاء الخزرج،
فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبدَ الله بن أُبَيّ ابن سَلُولَ، فَوَهبهم له. فلما كلَّمته
الأوس قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((ألا تَرْضَون يا مَعْشَرَ الأوْسِ أن يَحكم فيهم رجلٌ منكم؟))
قالوا: بلى، قال رسولُ اللهِ وَّه: ((فذاك إلى سعد بن مُعاذ)). وكان رسولُ الله وَلُّ قد
جعل سعد بنَ مُعَاذٍ في خَيْمة لامرأة من أسلم، يُقال لها: رُفَيدة، في مسجده، كانت
تُداوي الجَرْحَى، وتختسب بنفسها على خِذْمة مَنْ كانت به ضَيْعة من المُسلمين، وكان
رسولُ اللهِ وَله قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: ((اجعلوه في خَيْمة رُفَيدة حتى
أعُوده من قريب)). فلما حكَّمه رسول الله وَ ل﴿ في بني قريظة، أتاه قومه فحملوه على
حمار قد وطؤوا له بوسادة من أدَم، وكان رجلاً جسيمًا جميلاً، ثم أقبلوا معه إلى رسول
اللهِ وَله، وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسنْ في مواليك، فإن رسول الله وَّه - إنَّمَا ولآك
ذلك لتُحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: ((لقد أنَى لِسَعد أن لا تأخذه في الله لَوْمةُ
لائم)). فرجع بعضُ من كان معه من قَوْمه إلى دار بني عبد الأشهل، فنَعى لهم رجال بني
قُريظة، قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التي سمع منه. فلما انتهى سعدٌ إلى رسول
اللهِ وَّ والمسلمين، قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((قوموا إلى سيدكم)) - فأما المُهاجرون من
قُريش، فيقولون: إنما أراد رسولُ الله ◌َير الأنصار، وأما الأنصار، فيقولون: قد عمّ بها
رسولُ اللهِ وَ لَه - فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسولَ اللهِ وَّه قد وَلاَك أمرَ مواليك
لتَحكم فيهم، فقال سعد بن معاذ: عليكم بذلك عهدُ الله وميثاقه، أنّ الحُكم فيهم لَمَا
حَكَمْتُ؟ قالوا: نعم، وعلى مَنْ هاهنا، في الناحية التي فيها رسولُ اللهِ وَّهِ، وهو مُعرِض
عن رسول الله وَّ﴿ إجلالاً له، فقال رسول الله وَلقال: ((نعم))، قال سعد: فإني أحكم فيهم
أن تُقتل الرجالُ، وتُقسم الأموال، وتُسْبَى الذراري والنساء.
قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصمُ بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمرو بن
سَعْد بن معاذ، عن عَلْقمة بن وقَّاص اللَّيْثي، قال: قال رسولُ اللهِ وَلاَ لسعد: «لقد
حكمتَ فيهم بحُكم الله من فوق سبعة أرْقِعَةٍ)).
من أسماء السماء
فصل: وذكر حكم سعد في بني قُرَيْظَة، وقول النبيّ عليه السلام له: ((لقد حكمت فيهم
٤٤٣

قال ابن هشام: حدّثني بعضُ من أثقُ به من أهل العلم: أن عليّ بن أبي طالب .
صاح وهم مُخاصرو بني قريظة: يا كتيبة الإيمان، وتقدّم هو والزُّبير بن العوّام، وقال:
والله لأذوقنّ ما ذاق حَمْزة أو لأَفْتَحَنّ حِضْنَهم، فقالوا: يا محمد، ننزل على حُكم
سَعد بنِ مُعاذ.
تنفيذ الحكم في بني قريظة
قال ابن إسحاق: ثم اسْتُنْزِلُوا، فحبسهم رسولُ الله ◌َ ل# بالمدينة في دار بنت
بحُكم الله من فوق سَبْعَةِ أَزْقِعةٍ)) (١)، هكذا في السِّيرة: أرْقِعَةٍ، وفي الصحيح: ((من فوق سَبْع
سَمواتٍ))(٢)، والمعنى واحد، لأن الْرِقَيع من أسماءِ السماء، لأنها رُقِعت بالنُّجُوم، ومن
أسمائها: الجَزْباءُ وبِزْقِع، وفي غير رواية البكائِيِّ أنه عليه السلام قال في حكم سعد: بذلك:
طَرَقَنِي المَلكُ سَحَرًا.
فوقيّة الله سبحانه:
وفيه من الفقه تعليمُ حسنٍ اللفظ إذا تكلّمت بالفَوْق مُخْبِرًا عن الله سبحانه ألا تراه كيف
قال: بحكم الله من فَوْقٍ سَبْع سمواتٍ، ولم يقل: فوق على الظرف، فدلّ على أن الحكم
نازلٌ من فَوْق، وهو حكم الله تعالى، وهذا نحو من قوله تعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم من فَوْقهم﴾
[النحل: ٥٠]، أي: يخافون عقابًا ينزل من فوقهم، وهو عقابُ رَبِّهم.
فإن قيل: أوليس بجائز أن يخبر عنه سبحانه أنه فوق سَبْع سمواتٍ؟ قلنا: ليس في
هذه الآية، ولا في هذا الحديث دليل على إطلاق ذلك، فإن جاز فبدليل آخر، وكذلك قول
زينب: زَوَّجَنِي الله من نَبِيِّه من فوق سَبْع سمواتٍ، وإنما معناه: أن تزويجه إيَّاها نزل من
فوق سَبْع سمواتٍ ولا يبعد في الشرع وصَفُه سبحانه بالفوق على المعنى الذي يليق بجلالِهِ،
لا على المعنى الذي يَسْبِقِ للوَهم من التَّخْدِيدِ، ولكن لا يُتَلَقَّى إطلاقُ ذلك الوصف مما تقدّم
من الآية والحديثين لارتباط حرف الجر بالفعل، حتى صار وَصْفًا له لا وضْفًا للبارِي
سبحانه، وقد أملينا في حديث الأمَةِ التي قال لها: أين الله؟ قالت: في السماء مسألةٌ بديعةٌ
شافية رافعة لکل لَيْسٍ، والحمد لله.
كيسـة
فصل: وذكر حَبْسَ بني قُرَيْظَة في دار بنتِ الحَدَثِ، كذا وقع في هذا الكتاب،
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥٣/١/٢).
(٢) أخرجه البخاري (٨٢/٤) (٧٢/٨) ومسلم في الجهاد (٦٦/٦٤).
٤٤٤

الحارث، امرأة من بني النَّجَّار، ثم خرج رسولُ اللهِ وَليه إلى سوق المدينة، التي هي
سوقها اليوم، فخَنْدق بها خنادق، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق،
يُخرَج بهم إليه أرسالاً، وفيهم عدوّ الله حُيّيّ بن أخطب، وكَغْب بن أسد، رأس
القوم، وهم ستّ مائة أو سبع مائة، والمُكثِّر لهم يقول: كانوا بين الثمان مائة والتسع
مائة. وقد قالوا لكعب بن أسد، وهم يُذهب بهم إلى رسول الله صل و أرسالاً: يا كَغْب،
ما تراه يُصنع بنا؟ قال: أفي كلّ موطن لا تَعْقِلُون؟ ألا ترون الداعي لا يَنْزِعِ، وأنه من
ذهب به منكم لا يَرْجِع؟ هو والله القتل! فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسولُ
مقتل حُبّيّ بن أخطب:
وأُِيَ بحُييّ بن أخْطَبَ عدوّ الله، وعليه حُلَّة له فُقَّاحِيَّة - قال ابن هشامٍ: فُقَّاحِيَّة:
ضرب من الوشى - قد شقّها عليه من كل ناحية قدر أُنْمُلَةٍ لئلا يُسْلَبها، مجموعةً يداه إلى
عُنُقه بحبل. فلما نَظر إلى رسول اللهِ وَ ل﴿، قال: أما والله ما لُمت نفسي في عَدَاوتك،
والصحيح عندهم بنت الحارِثِ، واسمها: كَيِّسَةُ بنت الحارثِ بن كُرَيْز بن حَبِيبٍ بن
عَبْدٍ شَمْس، وكانت تحت مُسَيْلِمَةَ الكذّاب، ثم خلف عليها عبدُ الله بن عامر بن كُرَیْزِ،
وكَيْسة أُخْرَى مذكورة في النساء، وهي بنت عبد الحميد بن عامر بن كُرَيز، وكَيِّسَةُ بنت أَبِي
بَكْرَةَ، رَوت عن أبيها عنِ النبيّ - ◌َ ﴿ - أنه كان يَنْهى عن الحِجَامَة يوم الثلاثاء أَشَدَّ النَّهْيِ،
ويقول: ((فيه ساعَةٌ لا يَرْقأُ فيها الدَّمُ))(١): وأما كَيْسَة بسكون الياء، فهي بنت أبي کَثِير تَزْوِي
عن أُمِّها عن عائشة في الخمر: ((لا طَيَّب الله مَنْ تَطَيَّب بها، ولا شُفِي منِ اسْتَشْفَى بها))،
ذكره البخاري في الأشْرِبة في بعض روايات الكتاب، ووقع اسمُها في السيرة من غير رواية
ابن هشام: زَيْنَب بنت الحارث النَّجَّارِيَّة، فالله أعلم. وأما كَيِّسَةُ بنت الحارث، فهي التي أُنْزِل
في دارها وفدُ بني حنيفة، وسيأتي ذكرها.
رفيدة :
وذكر رُفَيْدَةَ، وهي امرأة من أَسْلم الذي كان سَعْدٌ يُمرَّضُ في خيمتها لم يذكرها أبو
عُمَر، وزادها أبو علي الغسّاني في كتاب أبي عُمَرَ، حدّثني بتلك الزوائد أبو بكر بن طاهر
عنه، وحدّثني عنه أيضًا عن أبي عمر أنه قال لأبي علي: أَمَانة اللهِ في عُنُقِك، متى عثرت
على اسم من أسماء الصحابة، لم أذكره إلا ألحقتَه في كتابي الذي في الصحابة . .
(١) (ضعيف)). انظر الموضوعات لابن الجوزي (٢١١/٣).
٤٤٥

ولكنه من يَخْذُلِ اللّه يُخْذَل، ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، إنه لا بَأْس بأمر
الله، كِتَابٌ وقَدرٌ ومَلْحَمَة كَتَبها الله على بني إسرائيل، ثم جَلس فضُرِبتْ عنقه.
فقال جَبل بن جَوّال الثَّعلبي:
ولكنَّه مَنْ يخْذُل الله يُخْذَلِ
لعَمْرُك ما لامَ ابنُ أخْطَبَ نَفْسَه
وقَلْقَل يَبْغي العزّ كلَّ مُقَلْقَل
لجاهَد حتى أبلع النَّفس عُذْرَها
المرأة القتيل من بني قريظة
قال ابن إسحاق: وقد حدّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عروة بن الزُّبير، عن
عائشة أُمّ المؤمنين أنها قالت: لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة. قالت: والله إنها
لعندي تَحَدَّت معي، وتَضحك ظَهْرًا وبَطْنًا، ورسولُ الله ◌ِّه يقتل رجالها في السُّوق، إذ
هَتف هاتفٌ باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله، قالت: قلت لها: ويلك، ما لك؟
قالت: أُقْتَل، قلت: ولم؟ قالت: لحدثٍ أحدثته، قالت: فانطلق بها، فضُربت عنقها،
فكانت عائشة تقول: فوالله ما أنسَى عَجَبًا منها، طيبَ نفسها، وكثرة ضحكها، وقد عرفَتْ
أنها تُقتل.
غزوة الخندق:
فصل: وذكر في غَزْوَة الخَنْدَقِ ثَعْلَبة بن سَعْيَةَ، وأَسَدَ بن سَعْية، وأُسِيد بن سَعْيَةً وهم
من بني هدل، وقد تكلّمنا في الجزء الثاني من هذا الكتاب على سَعْيَة وسُعْنَةً بالنون، وذكرنا
الاختلاف في أسيد وأُسَيْد، وذكرنا خبرًا عجيبًا لزَيْد بن سَعْيَة بالياء، ومن قال من النسَّابين
هَذْل بسكون الدال في بني هَذْل، فأغنى ذلك عن إعادته.
قتل المرتدّة
وأما حديث المرأة المقتولة من بني قُرَيْظَة، ففيها دليل لمن قال بقتل المُرْتَدَّةِ من
النساء، أخذًا بعموم قوله عليه السلام: ((مَنْ بَدَّل دينه، فاضرِبُوا عُنُقَهُ))(١). وفي هذا الحديث
مع العُمُوم قوّة أخرى، وهو تعليق الحكم بالعلَّة، وهو التبديل والرِّدَّةُ، ولا حُجَّةَ مع هذا
لِمِنْ زعم من أهل العراق بأن لا تُقْتَل المرأةُ لنَهيْه عليه السلام عن قَتْلِ النساء والولْدَان،
وللاختِجَاج للفريقين، وما نزل به كلَّ واحد منهم موطنٌ غير هذا.
(١) أخرجه البخاري (٧٥/٤) والترمذي (١٤٥٨) وأبو داود والنسائي (١٠٤/٧) وابن ماجة (٢٥٣٥)
وأحمد (٢١٧/١).
٤٤٦

قال ابن هشام: وهي التي طرحت الرَّحا على خلاّد بن سُويد، فقتلته.
شأن الزبير بن باطا
قال ابن إسحاق: وقد كان ثابت بن قَيْس بن الشَّمَّاس، كما ذكر لي ابنُ شهاب
الزُّهْرِي، أتي الزَّبِير بن بَاطَا القُرظيّ؛ وكان يُكَنَّى أبا عبد الرحمن وكان الزبير قد مَنَّ
على ثابت بن قيس بن شمَّاس في الجاهلية. ذكر لي بعضُ ولد الزَّبير أنه كان منّ عليه
يوم بُعاث، أخذه فجزّ ناصيتَه، ثم خلّى سبيله - فجاءه ثابت وهو شيخ كبير، فقال: يا أبا
عبد الرحمن، هل تعرفني؟ قال: وهل يَجهل مثلي مثلَك، قال: إني قد أردت أن
أجْزيك بيدك عندي، قال: إن الكريم يَجْزي الكريم، ثم أتى ثابتُ بن قيس رسولَ
اللهِ وَلّ، فقال: يا رسول الله إنه قد كانت للزَّبير عليَّ منَّة، وقد أحببت أن أجزيه بها،
فهبْ لي دَمه، فقال رسولُ اللهِ وَّر: ((هو لك))، فأتاه فقال: إن رسول الله بَّه قد وهب
لي دمَك، فهو لك، قال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد، فما يصنع بالحياة؟ قال: فأتى
ثابتٌ رسولَ اللهِ وَ﴿ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هَبْ لي امرأته وولَده، قال:
((هُمْ لك)). قال: فأتاه فقال: قد وهب لي رسولُ اللهِ وَ ل ◌َر أهلَك وولدك، فهم لك، قال:
أهلُ بيتٍ بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابتٌ رسولَ الله وَلِّ، فقال:
يا رسول الله، مالَه، قال: هو لك. فأتاه ثابت فقال: قد أعطاني رسولُ اللهِ وَّل مَالَك،
فهو لك، قال: أيْ ثابت، ما فعل الذي كأن وجهه مرآة صِينيّة يتراءى فيها عَذَارى الحيّ،
كعبُ بن أسد؟ قال: قُتل، قال: فما فعل سيِّد الحاضر والبادي حُيَيّ بن أخْطَب؟ قال:
قُتل، قال: فما فعل مُقدمتنا إذا شددنا، وحاميتنا إذا فَررنا، عَزَّال بن سَمَوأل؟ قال: قُتل،
قال: فما فعل المجلسان؟ يعني بني كعب بن قُريظة وبني عَمْرو بن قريظة؟ قال: ذهبوا
قُتلوا. قال: فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا أَلْحَقْتَنِي بالقوم، فوالله ما في العيش بعد
هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله قَتْلَة دَلْوِ ناضِح حتى ألقى الأحبَّة. فقدّمه ثابت، فضرب
عنقه .
فلما بلغ أبا بكر الصدّيق قوله: ((ألقى الأحبَّة)). قال: يلقاهم والله في نار جهنم
خالدًا مخلَّدًا.
الزبير بن باطا
فصل: وذكر حديثَ ثابت بن قيس مع الزَّبِيْر بن باطا، وهو الزَّبِيرُ بفتح الزاي وكَسْرٍ
الباء جَدُّ الزُّبَيْرِ بن عبد الرحمن المذكور في المُوَطّأ في كتاب النكاح، واختلف في الزبير بن
عبد الرحمن، فقيل: الزَّبِيرُ بفتح الزاي وكسر الباء كاسم جده، وقيل: الزُّبَيْر، وهو قول
البُخَارِي في التاريخ.
٤٤٧

قال ابن هشام: قَبْلَةَ دلو ناضح. وقال زهير بن أبي سُلمى في ((قَبْلَةٍ)):
على العَرَاقى يَداه قائمًا دَفَقا
وقابِلٍ يَتَغَنَّى كُلَّما قَدَرَتْ
وهذا البيت في قصيدة له.
قال ابن هشام: ويُروى: وقابِلٍ يَتَلقَّى، يعني قابل الدلو يتناول.
عطية القرظي ورفاعة
قال ابن إسحاق: وكان رسولُ اللهِ وَ﴿﴿ه قد أَمر بقَتْل كلْ من أَنْبَتَّ منهم.
قال ابن إسحاق: وحدَّثني شُعبة بن الحجّاج، عن عبد الملك بن عُمير، عن عطية
القرظي، قال: كان رسولُ اللهِ وَ ﴿ قد أمر أن يُقتل من بني قريظة كلّ من أنْبت منهم،
وكنت غلامًا، فوَجدني لم أُنْبت فخَلَّوا سبيلي.
وذكر فيه قول الزَّبير :
فما أنا بصابر لله فَتْلَةَ دلْوٍ نَاضِح
وقال ابن هشام: إنما هو قَبْلَةَ دَلْوٍ بالقاف والباء، وقابلُ الدّلْوِ هو الذي يأخذها من
المُسْتَقَى.
وذكر أبو عُبَيْدِ الحديثَ في الأقوال على غير ما قالاه جميعًا، فقال: قال الزَّبِيرُ: يا
ثابتُ الْحِقْنِي بهم، فلست صابرًا عنهم إِفْراغَةَ دَأْوٍ.
الإثبات أصل في معرفة البلوغ
وذكر حديث عَطِية القُرَظِيّ، وهو جدُّ مُحمد بن كَعْب القرطي، وذكر أنه لم يكن أَنْبَتَ
فَتْرِكَ، ففي هذا أن الإنْبَاتَ أصْلٌ في معرفة البُلوغ إذا ◌ُهلَ الاخْتِلامُ، ولم تُعْرَفْ سُنوُّهُ.
حلّة حُييّ:
وذكر حُيّيّ بن أَخْطَبَ حين قُدْم إلى القتل، وعليه حُلَّةٌ فُفَّاحِيَّة. الحلّة: إزَارٌ ورِدَاءٌ،
وأصل تسميتها بهذا إذا كان الثوبان جديدين، كما حُلَّ طيُّهُما، فقيل له: حُلَّة لهذا، ثم استمرّ
عليه الاسمُ، قاله الخطابي.
وقوله: فُقَّاحِيَّة نُسِبت إلى الفُفَّاح، وهو الزَّهْرُ إذا انْشَقَّت أكِمَّتُهُ، وانْضَرَجَتْ بَرَاعِيمُه،
وتَفَتَّقَتْ أَخْفِيَتُه، فيقال له حينئذ: فَقَّح وهو فُقَّاحٌ. والقَنَابعُ أيضًا في معنى البَرَاعِيم، واحدها:
قُنْبُعَةٌ، وأما الفِقَاعُ بالعين فهو الفُطُرُ، ويقال له أيضًا: آذانُ الكَمْأَة من كتاب النبات.
٤٤٨

قال: وحدّثني أيوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صَغْصعة أخو بني
عديّ بن النجَّار: أن سَلْمى بنت قيس، أُم المُنذر، أختَ سليط ابن أخت سليط بن
قيس - وكانت إحدى خالات رسول الله وَله، قد صلَّت معه القبلتين، وبايعته بيعةً
النّساء - سألته رفاعةَ بن سمَوأل القُرظي، وكان رجلاً قد بلغ، فلاذَ بها، وكان يعرفهم
قبل ذلك، فقالت: يا نبيّ الله، بأبي أنت وأَمي، هَبْ لي رِفاعة، فإنه قد زعم أنه سيصلّي
ويأكل لحم الجمل، قال: فوهبه لها فاستَخيته.
الرسول وَلا يقسم في بني قريظة:
قال ابن إسحاق: ثم إن رسولَ الله وَلقر قسّم أموال بني قريظة ونساءَهم وأبناءَهم
على المسلمين، واعلم في ذلك اليوم سُهْمان الخيل وسُهْمان الرجال، وأخرج منها
الخُمس، فكان للفارس ثلاثة أسهم، للفرس سَهمان ولفارسه سهم، وللراجل، من ليس
له فرس، سهم. وكانت الخيل يوم بني قريظة ستة وثلاثين فرسًا، وكان أوّل فَيءٍ وقعت
فيه السُّهمان، وأخرج منها الخمس، فعلى سنّتها وما مضى من رسول الله وَّر فيها وقعت
المقاسم، ومضت السنّة في المغازي.
ويروى أيضًا: حُلَّ شُقَحِيَّةٌ وهو سنح البُسْرِ إذا تلوّن. قاله الخطابي.
ولكنه مَنْ يَخْذُلِ اللهَ يُخْذَلِ
بنصب الهاء من اسم الله، ويُصَحِّح هذه الرواية أن في الخبر قول النبيّ نَلِّ: ألم يُمَكّن
الله منك؟ فقال: بَلَى، ولقد قَلْقَلْتُ كُلَّ مُقَلْقَل، ولكن من يَخْذُلْكَ يُخْذَل، فقوله: يَخُذُلْك
كقول الآخر في البيت:
ولكنه من يَخْذُل الله يُخْذَلِ
لأنه إنما نَظَم في البيت كلام حُيَيٍّ.
سلمى بنت أيُوب:
وذكر حديثه عن أَيُّوبٍ بن عبدِ الرَّحْمن عن عبد الله بن أبي صَعْصَعَة، وألفيتُ في
حاشية الشيخ، قال: وقع في تاريخ البُخَاري أن أيوبَ نفسَه هو المخبر أن سَلْمَى بنت قَيْس
هي: سَلْمَى بنت أيُّوبٍ بن عبد الرحمن بن عبد الله وهو الصحيح والله أعلم.
سلمى بنت قيس:
وقوله: عن سَلْمَى بنتِ قيس، هي: سلمى بنتُ قيسٍ بن عَمْرو بن عُبَيْدٍ بن مالك بن
عَمْرو بن عدِيٍّ بن عامر بن غَنْم بن عَدِيٍّ بن النَّجَّارِ .
٤٤٩
الروض الأنف/ ج ٣/ م ٢٩

ثم بعث رسولُ الله ◌ِّوَ سَعدَ بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من
سبايا بني قُريظة إلى نجد، فابتاع لهم بها خيلاً وسلاحًا.
شأن ريحانة:
وكان رسولُ الله ◌َو قد اصطفى لنفسه من نسائهم رَيْحانة بنت عمرو بن خُنافة،
إحدى نساء بني عمرو بن قُريظة، فكانت عند رسول الله وَّر حتى تُوفّيَ عنها وهي في
مِلْكه، وقد كان رسولُ الله ﴿ عَرَض عليها أن يتزوّجها، ويَضْرب عليها الحجاب،
فقالت يا رسول الله، بل تتركني في مِلْكك، فهو أخفّ عليّ وعليك، فتركها. وقد كانت
حين سباها قد تعصّت بالإسلام، وأبت إلاّ اليهوديَّة، فعزلها رسولُ اللهِ وَلَّ، ووَجد في
نفسه لذلك من أمرها. فبينا هو مع أصحابه، إذ سمع وقع نَعلين خَلْفه، فقال: إن هذا
لثعلبة بن سَغية يبشرني بإسلام رَيْحانة، فجاءه فقال يا رسول الله، قد أسلمت ريحانة،
فسّه ذلك من أمرها.
ما نزل من القرآن في الخندق وبني قريظة
قال ابن إسحاق: وأنزل الله تعالى في أمر الخَنْدق، وأمر بني قريظة من القرآن،
القِصَّةَ في سورة الأحزاب، يذكر فيها ما نزل من البلاء، ونعمته عليهم، وكفايته إيّاهم
فرّج ذلك عنهم، بعد مقالة مَن قال من أهل النفاق: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
تفسير آيات قرآنية
وقوله تعالى: ﴿وبلغت القلوبُ الحناجر﴾ والقلبُ لا يَنْتَقِل من موضعِه، ولو انتقل
إلى الحَنْجَرَة لمات صاحبُه، والله سبحانه لا يقول إلا الحقَّ، ففي هذا دليل على أن التكلمَ
بالمجاز على جهة المبالغة فهو حَقُّ إذا فَهِم المخاطَبُ عنك، وهذا كقوله تعالى: ﴿يريد أن
يَنْقَضَّ فَأَقامَه﴾ [الكهف: ٧٧]، أي مثله كمثل مَنْ يريد أن يَفْعَلَ الفعلَ، ويهم به، فهو من
مَجَازِ التَّشبِيهِ، وكذلك هؤلاء مَثَلُهم فيما بلغهم من الخوفِ والوَهَلِ وضيقِ الصَّذر كمثل
المُنْخَلِع قلبُه من مَوْضعه، وقيل: هو على حذف المضاف. تقديره: بلغ وَجِيفُ القلوبِ
الحناجر(١) وأما قوله: ﴿إِذ القلوبُ لَدَى الحنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨] فلا معنى لحمله على
(١) ويقول العلم الحديث: أن الإنسان إذا بلغ به الخوف بلغة فإن قلبه يتضخّم عن حجمه حتى يكاد
يصل إلى حنجرة الخائف. فتأمل.
٤٥٠

بَصِيرًا﴾. والجنود قريش وغَطفان وبنو قريظة، وكانت الجنود التي أرسلَ الله عليهم مع
الريح الملائكةَ. يقول الله تعالى: ﴿إِذْ جاءُوكُمْ مِنْ فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمُ وَإِذْ زَاغَت
الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظنونا﴾. فالذين جاءُوهم من فوقهم بنو
قُريظة، والذين جاءوهم من أسفلَ منهم قُريش وغطفان. يقول الله (تبارك و) تعالى:
﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلِزَالاَ شَديدًا وَإِذْ يَقُولُ المُنافِقونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم
مَرَضٌ ما وَعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلاَّ غُرُورًا﴾ لقول مُعَتِّب بنِ قُشير إذ يقول ما قال: ﴿وَإِذْ
قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ
بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا﴾ لقول أوس بن قيظي وَمَنْ كان على رأيه
من قومه ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها﴾: أي المدينة.
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: الأقطار: الجوانب، وواحدها: قطر، وهي الأقتار، وواحدها:
قتر.
قال الفرزدق:
والخيلُ مُقْعية على الأقْطارِ
کم من غِنَی فَتح الإللهُ لهم به
ويُروى: ((على الأقتار)). وهذا البيت في قصيدة له.
المجاز، لأنه في صفة هول القيامة، والأمر فيه أشدُّ مما تَقَدَّم، لا سِيَّما وقد قال في
أخرى: ﴿لا يَرتَدُّ إليهم طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، أي: قد فارق القلبُ
الفؤادَ، وبقي فارغًا هَوَاء، وفي هذا دليلٌ على أنَّ القلب غيرُ الفؤاد، كأن الفؤادَ هو غلافُ
القلب، ويؤيده قول النبيّ وَ ﴿ في أهل اليمن: ((ألْيَنُ قُلوبًا وأَرَقُّ أفئدةَ))(١) مع قوله تعالى:
﴿فَوَيْلٌ للقاسيةُ قلوبُهم﴾ [الزمر: ٢٢]. ولم يقل للقاسية أفئدتُهم، والقَسْوةُ ضِدُ اللين،
فتأمله(٢) .
(١) أخرجه البخاري، ومسلم وأحمد (٢/ ٤٨٠).
(٢) ويؤيد أيضًا الفرق بين القلب والفؤاد قوله تعالى: ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا إن كادت لتبدي به
لولا أن ربطنا على قلبها﴾ [القصص: ١٠] ففرق تعالى بين القلب والفؤاد في آية واحدة. ولبيان
الفرق بينهما بإيجاز أقول: القلب هو هذه المضغة كلها التي إن صلحت صلح لها الجسد كله وإن
فسدت - والعياذ بالله - فسد الجسد كله. أما الفؤاد فهو لُبه وخالصه ومن ((فئد)) إذا سَخُن واشتعل،
فالقلب يتلقى الآيات المرئية والمسموعة والمقروءة فإذا اشتغل بها وتفاعل معها تولّد عن حرارة فيه
فكان ((فؤادًا)). والله أعلى وأعلم - انظر أيضًا رسالة الفرق بين القلب والفؤاد للترمذي.
٤٥١

﴿ثم سُئلوا الفتنة﴾: أي الرجوع إلى الشرك ﴿لَآَتَوْها وَما تَلَبَّئُوا بِها إِلاَّ يَسِيرًا وَلَقَدْ
كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَذْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً﴾ فهم بنو حارثة، وهم
الذين همّوا أن يَفْشلوا يوم أُحُد مع بني سَلمة حينَ همّتا بالفشل يوم أحد، ثم عاهدوا الله
أن لا يعودوا لمثلها أبدًا، فذكر لهم الذين أعطوا من أنفسهم، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ
يَتْفَعَكُمُ الفرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَوِ القَّتْلِ وَإِذَا لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَليلاً قُلْ مَنْ ذَا الذِي
يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا
وَلا نَصِيرًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾: أي أهل النفاق ﴿والقائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا
وَلا يَأْتُونَ الْبَّأْسَ إِلَّ قَلِيلاً﴾: أي إلا دفعًا وتعذيرًا ﴿أَشِحَةً عَلَيْكُمْ﴾: أي للضّغن الذي في
أنفسهم ﴿فإِذَا جاءَ الخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ
المَوْتِ﴾: أي إعظامًا له وَفرَقًا منه ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةِ حِدَادٍ﴾: أي في
القول بما لا تحبون، لأنهم لا يرجون آخرة، ولا تحملهم حِسْبَة، فهم يهَابون الموتَ
هَيْبَةً من لا يرجون ما بعده.
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: سلقوكم: بالغوا فيكم بالكلام، فأحرقوكم وآذَوْكم. تقول العرب:
خطيب سَلاّق، وخطيب مِسْلَق ومُسْلاق. قال أعشَى بني قَيْس بن ثعلبة:
ـدة فيهم والخاطب السلاقُ
فيهم المجدُ والسَّماحةُ والنجْـ
وهذا البيت في قصيدة له.
﴿يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ قُريش وغَطفان ﴿وَإِنْ يَأْتِ الأخْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أنهم
بادُونَ فِي الأغْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ ولَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قَاتِلُوا إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
ثم أقبل على المؤمنين فقال: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ
يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ﴾: أي لئلا يَرْغبوا بأنفسهم عن نفسه، ولا عن مكانٍ هُو به.
ثم ذكر المؤمنين وصدقهم وتصديقهم بما وَعدهُمُ الله من البلاء يختبرهم به، فقال:
﴿ولمَّا رأى المُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما
زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾: أي صبرًا على البلاء وتسليمًا للقضاء، وتصديقًا للحقّ، لما
وقوله تعالى: ﴿قد يعلم الله المُعَوِّقين منكم﴾ [الأحزاب: ١٨] أي المُخَذِّلين
لإحوانهم: فَيُعَوِّقُونَهُمْ بالتَّخْذِيلِ عن الطاعة، لقولهم: هَلُمَّ إلينا. تقول: عاقني الأمرُ عن
كذا، وعَوَّقني فلانٌ عن كذا، أي: صرفني عنه.
٤٥٢

كان الله تعالى وَعدهم ورسوله وَّرَ. ثم قال: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا ما عَدُوا اللَّهَ
عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾: أي فرغ من عمله، ورجع إلى ربّه، كمن استشهد يوم بَذْر
ویوم أُحُد.
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: قضى نَخبه: مات، والنحب: النفس، فيما أخبرني أبو عبيدة،
وجمعه: نحوب، قال ذو الرمَّة:
عَشَيَّة فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَ ما قَضَى نخبه في مُلْتَقى الخَيلِ هَوْبرُ
وهذا البيت في قصيدة له. وهَوْبر: من بني الحارث بن كَعْب، أراد: زيد بن
هَوْبر. والنحب (أيضًا): النذر قال جَرِير بن الخَطَفَى:
بِطِخْفَةَ جَالَدْنا المُلوكَ وخَيْلُنا
عَشِيَّةَ بِسْطَامٍ جَرَيْنَ على نَخْبٍ
يقول: على نَذْر كانت نَذَرت أن تَقْتله فقَتلتْه، وهذا البيت في قصيدة له. وبسطام:
بسطام بن قَيس بن مسعود الشَّيباني، وهو ابن ذي الجَدّين: حدّثني أبو عبيدة: أنه كان
فارس ربيعة بن نزار. وطَخْفَة: موضع بطريق البصرة.
والنحب (أيضًا): الخِطار، وهو: الرهان. قال الفرزدق:
وإذ نَحَبَتْ كَلْبٌ على النَّاس أيُّنا على النَّحْب أعطَى للجَزِيلِ وأفضلُ
والنَّحب (أيضًا): البكاء. ومنه قولهم ينتحب. والنحب (أيضًا): الحاجة والهمَّة،
تقول: ما لي عندهم نَخب. قال مالك بن نُوَيرة اليَزْبوعي:
تَلَمَّست ما تَبغي من الشُّدُن الشُّجْر
وما لِيَ نَخْبٌ عِنْدَهُمُ غيرَ أنَّنِي
وقال نهار بن تَوْسِعة، أحد بني تيم اللات بن ثَعْلبة بن عُكابة بنِ صعب بن
عليّ بن بكر بن وائل.
قال ابن هشام: هؤلاء موال بني حنيفة:
دِراكٌ بعد ما وَقَع اللّواءُ
ونَجَّى يوسف الثقفيَّ رَكْضٌ
ولو أذرَكْنه لَقَضَينَ نَخْبًا
به ولِكُلّ مُخطأَةٍ وقاء
والنَّحب (أيضًا): السير الخفيف المَرِّ.
٤٥٣

قال ابن إسحاق: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾: أي ما وعد الله به من نصره، والشهادة على
ما مضى عليه أصحابه. يقول الله تعالى: ﴿وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾: أي ما شكوا وما تردّدوا
في دينهم، وما استبدلوا به غيره. ﴿لَيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إِنْ
شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾: أي قريشًا
وغَطَفان ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا وأَنْزَلَ الَّذِينَ
ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ﴾: أي بني قريظة ﴿من صَياصِيهِمْ﴾، والصياصي: الحصون
والآطام التي كانوا فيها.
قال ابن هشام: قال سُحَيم عَبْد بني الحَسْحاس، وبنو الحسحاس من بني أسد بن
خُزيمة :
نساء تَميم يَبْتَدِزْنَ الصَّياصيا
وأصبحت الثّیران صَزْعی وأصبحت
وهذا البيت في قصيدة له. والصياصي (أيضًا): القرون. قال النابغة الجعدي:
وسادَةَ رَهْطِيَ حتى بَقِيـ ـتُ فِزْدًا كَصِيصَية الأعْضَبِ
يقول: أصاب الموت سَادَة رهطي. وهذا البيت في قصيدة له. وقال أبو داود
الإياديّ :
فَذَعَرْنا سُخم الصَّياصي بأيدِيـ ـهنّ نَضْحْ من الكُحَيْلِ وقار
٠
وذكر الصَّياصي وأنها الحُصُون، واستشهد بقول سُحيْم يصف سَيْلاً:
نساءُ تَمِیم یَبْتَدِرْنَ الصَّیَاصِیًا
وأصبحت الثيرانُ صَزْعی، وأصبحت
وألفيت في حاشية الشيخ أبي بحر رحمه الله على هذا البيت: الصياصي: قُرُون الثيران
المذكورة فيه، لأماتوهم ابنُ هشام أنها الحُصُون والآطامُ، يقول: لما أهلك هذا السيلُ النيرانَ
وغَرَّقها أصبحت نساءُ تميم يَبْتَدِرْنَ أخذَ قرونها، لِيَنْسِجِنَ بها البُجُدَ، وهي: الأكْسِيَةُ، قال:
هذا يعقوب عن الأضمَعِيِّ. ويصحح هذا أنه لا حُصُونَ في بادية الأعراب قال المؤلّف:
ويصحح هذا التفسير أيضًا رواية أحمدُ بن داوُد له، فإنه أنشده في كتاب النَّبات له، فقال
فيه: يَلْتَقِطْنَ الصَّيَّاصِيًا ولم يقل: يبتدرن، وأنشد:
ـهِنَّ نَضْحْ من الكُحَيْلِ وَقَارُ
فَذَعَرْنَا سُخْمَ الصَّيَّاصِي بِأَيْدِي
٤٥٤

وهذا البيت في قصيدة له. والصياصي أيضًا: الشوك الذي للنسّاجين، فيما
أخبرني أبو عبيدة. وأنشدني لذريد بن الصمَّة الجُشَمي، جُشَم بن معاوية بن بكر بن
هوازن :
كوَقْع الصياصي في النَّسيجِ المُمَدَّدِ
نَظَرْتُ إليه والزّماحِ تَنُوشُه
وهذا البيت في قصيدة له. والصَّياصي (أيضًا): التي تكون في أزجل الدّيكة ناتئة
كأنها القرون الصّغار، والصياصي (أيضًا): الأصول. أخبرني أبو عُبيدة أن العَرب تقول:
جَذَّ الله صیصیته: أي أصله.
قال ابن إسحاق: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾: أي
قتل الرجال، وسبي الذّراري والنساء، ﴿وَأوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وأَرْضًا لَمْ
تَطَّئُوها﴾: يعني خَيْبر ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ .
إكرام سعد في موته
قال ابن إسحاق: فلما انقضى شأن بني قريظة انفجَر بسعد بن مُعاذ جُرحه، فمات
منه شهيدًا.
قال ابن إسحاق: حدّثني مُعاذ بن رفاعة الزُّرَقي، قال: حدّثني مَنْ شئت من رجال
قومي: أن جبريل عليه السلام أتى رسولَ الله ◌َّ حين قُبض سعد بن معاذ من جوف
الليل معتجرًا بعمامة من استبرق، فقال: يا محمد، من هذا المَيِّت الذي فُتحت له أبوابُ
السماء، واهتزّ له العرش؟ قال: فقام رسولُ اللهِ وَر سريعًا يجرّ ثَوبه إلى سَعد، فوجده
قد مات.
الكُحَيْلِ: القَطَرَنُ، والقارُ: الزِّفْتُ، شَبَّه السوادَ الذي في أيديهن بنَضْح من ذلك
الكُحَيْلِ والقارِ، يصف بَعْر وَخْشٍ، وأنشد لِدُرَيدِ بن الصَّمَّة:
كَوَقْعِ الصّيَاصِي فِي النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
وحمله الأَصْمَعِيُّ على ما تقدّم في البيت قبل هذا من أنها القرون التي يُنْسَج بها، لا
أنها شَوْكٌ كما قال ابن هشام.
اهتزاز العرش
وذكر اهتزازَ العرش، وقد تكلّم الناس في معناه، وظنُّوا أنه مُشْكِلٌ، وقال بعضهم:
الاهتزازُ هاهنا بمعنى الاسْتِبْشَارِ بقدوم رُوحِه، وقال بعضهم: يريد حَمَلة العَرْشِ ومن عنده
٤٥٥

قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن
قالت: أقبلت عائشة قافلة من مكّة، ومعها أُسيد بن حُضير، فلقيه موتُ امرأة له، فحَزِن
عليها بعضَ الحُزن، فقالت له عائشة: يغفر الله لك يا أبا يحيى، أتحزن على امرأة وقد
أُصِبْت بابن عمك، وقد اهتزّ له العرش!
قال ابن إسحاق: وحدّثني من لا أتهم عن الحسن البَصْري، قال: كان سعد رجلاً
بادِنًا، فلما حمله الناس وجَدوا له خفّة، فقال رجالٌ من المنافقين: والله إن كان لبادنًا،
وما حملنا من جنازة أخفَّ منه، فبلغ ذلك رسولَ اللهِ وَّرَ، فقال: ((إنّ له حَمَلةً غيركم،
والذي نفسي بيده، لقد استبشرت الملائكة بروح سعد، واهتزّ له العرش))(١).
قال ابن إسحاق: وحدّثني مُعاذ بن رِفاعة، عن محمد بن عبد الرحمن بن
عمرو بن الجموح، عن جابر بن عبد الله، قال: لما دُفن سعد ونحن مع رسول
اللهِ وَُّ، سبَّح رسولُ اللهُ بَّرَ، فسبَّح الناس معه، ثم كبَّر فكبّر الناس معه، فقالوا: يا
رسول الله، ممّ سبَّحت؟ قال: ((لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره، حتى فرَّجه الله
عنه)) .
قال ابن هشام: ومجاز هذا الحديث قولُ عائشة: قال رسول الله وَله: ((إن للقبر
لَضَمَّةً لو كان أحد منها ناجيًا لكان سعدُ بن مُعاذ)).
قال ابن إسحاق: ولسعد يقول رجل من الأنصار:
وما اهتزّ عرش الله من موت هالك
سمِعْنا به إلاّ لسَعْدٍ أبي عَمْرو
من الملائكة، استبعادًا منهم، لأن يَهْتَزَّ العرشُ على الحقيقة، ولا بُعْد فيه، لأنه مَخْلُوقٌ
وتجوز عليه الحركة، والهَزَّةُ، ولا يُعْدَلُ عن ظاهر اللفظ، ما وُجد إليه سبيل، وحديثُ
اهتزازِ العَرْشِ لموتٍ سَعْدٍ صحيحٌ. قال أبو عُمَر: هو ثابت من طُرُقٍ متواترةٍ، وما رُوي من
قول البَرَاء بن عازب في معناه: أنه سَرِيرُ سَعْدِ اهْتَزَّ لم يلتفت إليه العُلَمَاءُ، وقالوا: كانت بين
هذين الحَيَّيْنِ من الأنصار ضغائنُ. وفي لفظ الحديث: اهتزّ عرش الرحمن، رواه أبو الزُّبَيْر
عن جابر يرفعه، ورواه البخاري من طريق الأعمَشِ عن أبي صالح وأبي سُفيان كلاهما عن
جابر، ورواه من الصحابة جماعةٌ غيرُ جابر، منهم أبو سعيد الخُذْرِيُّ، وأَسَيْد بن حُضَيْرٍ،
ورُمَيْئَةُ بنت عمرو، ذكر ذلك التِّزْمِذِيُّ. والعجبُ لما رُوي عن مالك رحمه الله من إنكاره
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٦/٢/٣).
٤٥٦

وقالت أُمُّ سعد، حين احتُمل نعشه وهي تبكيه - قال ابن هشام - وهي كُبيشة بنت
رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة بن عبد بن الأبجر، وهو خُذْرة بن عَوْف بن
الحارث بن الخزرج:
صَرَامةً وحَدا
وَيْلِ أُمَ سَعدٍ سعدًا
وفارسًا مُعَدا
وسُودَدًا ومجدًا
يَقُدُّ هامَا قَدا
سُدّ به مَسَدًّا
يقول رسول الله وَل: (كلّ نائحة تَكْذب، إلا نائحةَ سعد بن مُعَاذٍ».
شهداء الغزوة:
قال ابن إسحاق: ولم يُستشهد من المسلمين يوم الخندق إلا ستّة نفر.
ومن بني عبد الأشهل: سعدُ بن مُعاذ، وأنس بن أوس بن عَتيك بن عمرو،
وعبد الله بن سهل. ثلاثة نفر.
ومن بني جُشَم بن الخزرج، ثم من بني سَلمة: الطّفيل بن النعمان، وثَعلبة بن
غَنمة. رجلان .
ومن بني النَّجار، ثم من بني دينار: كعبْ بن زيد، أصابه سهم غَرْب، فقتله.
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: سَهْمُ غَرْبٍ وسَهْمٌ غَرْبٌ، بإضافة وغير إضافة، وهو الذي لا يُعرف
من أين جاء ولا من رمی به.
قتلى المشركين :
وقُتل من المشركين ثلاثة نفر.
من بني عبد الدّار بن قُصَيّ: مُنبِّه بن عثمان بن عُبَيد بن السبّاق بن عبد الدّار،
أصابه سهم، فمات منه بمكّة.
قال ابن هشام: هو عثمان بن أُميَّة بن منَّه بن عُبيد بن السبّاق.
للحديث، وكراهيته للتحدّث به مع صحّة نقله، وكثرة الرواة له، ولعلّ هذه الرواية لم تصحّ
عن مالك والله أعلم.
٤٥٧

قال ابن إسحاق: ومن بني مخزوم بن يَقَظة: نوفل بن عبد الله بن المُغيرة، سألوا
رسولَ الله وَ ﴿رَ أن يَبيعهم جَسَده، وكان اقتحم الخندق، فتورَّط فيه، فقُتل، فغَلب
المُسلمون على جَسَده. فقال رسول الله وَلّر: ((لا حاجة لنا في جَسده ولا بثَمنه، فخلَّى
بينهم وبينه))(١).
قال ابن هشام: أعطَوْا رسولَ الله وَلَه بجسده عشرة آلاف درهم، فيما بلغني عن
الزُّهري .
قال ابن إسحاق: ومن بني عامر بن لُؤَيّ، ثم من بني مالك بن حِسْل: عمرو بن
عَبْد وُد، قتله عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه.
قال ابن هشام: وحدّثني الثقة أنه حدّث عن ابن شهاب الزهريّ أنه قال: قتل
عليٍّ بن أبي طالب يومئذ عَمْرو بن عبد ودّ وابنه حِسْل بن عمرو.
قال ابن هشام: ويقال عمرو بن عبد وَد، ويقال: عمرو بن عَبْد.
شهداء المسلمين يوم بني قريظة:
قال ابن إسحاق: واسْتشهد يوم بني قريظة من المسلمين، ثم من بني الحارث بن
الخزرج: خلاّد بن سُويد بن ثعلبة بن عمرو، طُرحت عليه رحَى، فشَدَخَتْه شَدْخًا
شديدًا، فزعموا أنّ رسول الله وَّ قال: ((إن له لأجرَ شهيدين))(٢).
ومات أبو سنان بن مِخْصَن بن حُزْثان، أخو بني أسد بن خُزيمة، ورسولُ اللهِ وَه
محاصر بني قريظة، فدُفن في مَقْبرة بني قُريظة التي يَذْفنون فيها اليوم، وإليه دفنوا أمواتهم
في الإسلام.
البشارة بغزو قريش :
ولما انصرف أهلُ الخَنْدَق عن الخندق، قال رسولُ اللهِ وَ چور فيما بلغني: ((لن
تَغْزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تَغزونهم» (٣). فلم تغزهم قُریش بعد ذلك، وكان
هو الذي يَغْزوها، حتى فتح الله عليه مكّة.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤١٩/١٢). (٢) انظر الطبقات (٨٢/٢/٣).
(٣) أخرجه البيهقي في الدلائل (٤٥٨/٣).
٤٥٨

ما قيل من الشعر في أمر الخندق وبني قريظة
شعر ضرار
وقال ضِرار بن الخَطَّاب بن مِزْداس، أخو بني مُحارب بن فِهْر، في يوم الخندق:
وقد قُدْنا عَرَنْدَسة (١) طحُونا
ومُشْفِقةٍ تَظُنّ بِنا الظنونا
بعدَتْ أزكانُه للنَّاظِرِينا
كأنّ زُهاءها أُحُد إذا ما
على الأبطال واليَلَبَ الحَصِينا
ترَى الأبدانَ فيها مُسْبغاتٍ
فصل في أشعار يوم الخندق
شعر ضرّار
ذكر فيها شِعْرَ ضِرَارٍ بن الخَطَّابِ:
على الأبطال واليَلَبِ الخَصِينا
اليَلَبُ: التَّرَسَةُ، وقيل: الدَّرَقُ، وقيل: بَيْضَاتٌ ودُرُوعٌ كانت تُنَّخَذُ من جُلود الإبلِ،
ویشهد لهذا قولُ حَبيب:
هذه الأَسِنَّةُ والماذِيُّ(٢) قد كَثُرا فلا الصَّيَاصِي لها قَدْر ولا اليَلَبُ
أي: لا حَاجَة بعد وُجُودِ الدُّرُوعَ المادِيَّة إلى اليَلَبِ، وبعد الأسِنَّة إلى الصياصي،
وهي: القُرُونُ، وكانت أسنّتُهم منها في الجاهلية. قال الشاعر:
نّقِيعُ السُّمِّ أو قَرْن محِيقُ
يُهَزْهِزُ صَعْدَةً جَزْدَاءَ فيها
(١) عرندسة: حرب طاحنة.
(٢) الماذي: سلاح من حديد.
٤٥٩

وجُزْدًا كالقِداح مُسَوَّمات
كأنهمُ إذا صالُوا وصُلْنا
أناسٌ لا نرَى فيهم رَشيدًا
فأحجَرْناهُم شَهْرًا كَرِيْثًا(١)
مُزاوحُهم ونَغْدُو كلّ يوم
بأيدينا صَوارِمُ مُرْهَفاتٌ
كأنّ وَميضَهنّ مُعَرَّيات
وَميضُ عقيقةٍ(٢) لمَعتْ بِلَيلٍ
فلَوْلا خَنْدَق كانوا لَدَيه
ولكن حالَ دونَهمُ وَكانُوا
فإنْ نرجل فإنَّا قد تركنا
إذا جنّ الظلام سمعتَ نَّوْحَى
وسوفَ نَزْوركم عمَّا قريب
بجَمْعٍ من كنانة غير عُزلٍ
نَؤُمّ بها الغُواة الخاطِيينا
بباب الخَنْدَقَيْنِ مُصافحونا
وقد قالوا ألَسْنا راشدينا
وكنّا قوتَهم كالقاهرينا
عليهم في السلاح مُدَجَّجينا
نَقُد بها المَفارق والشؤونا
إذا لاحت بأيدِي مصلّتينا
ترى فيها العَقائق مسْتَبينا
لَدَمّزْنا عليهم أجمعينا
به منْ خَوْفنا متَعَوّذينا
لَدَى أبْياتكم سَعْدًا رَهينا
على سَعْدٍ يُرَجْعْنِ الحَنينا
كما زُرْناكُمُ مُتَوازِرِينا
كأُسْدِ الغابِ قد حَمَتِ العَرینا
كعب يرد على ضرار
فأجابه كعب بن مالك، أخو بني سلمة، فقال:
ولو شَهدتْ رَأَتْنا صابرِينا
وسائلةٍ تُسائلُ ما لَقينا
عَلى ما نَابَنا مُتَوَكِّلِينا
صَبْرنا لا نرَى لِلَّهِ عَذلاً
به نَعْلو البَرِيَّة أجمَعِينا
وكان لنا النبيّ وزيرَ صَدْقٍ
وكانُوا بالعداوة مُزْصِدينا
نُقاتل مَعْشرًا ظِلَموا وعَقُّوا
شعر كعب
وذكر في شعر كعب:
فكْثْتُم تحتها مُتَكَمُهينا
(١) كريتًا: شديدًا.
(٢) عقيقة: سهم يُرمى به جهة السماء.
٤٦٠