Indexed OCR Text
Pages 401-420
غزوة ذات الرقاع(١) في سنة أربع قال ابن إسحاق: ثم أقام رسولُ اللهِ وَّرَ بالمدينة بعد غزوة بني النَّضير شهرَ ربيع الآخر وبعضَ جُمادَى، ثم غزا نجدًا مُحارب وبني ثَعْلبة من غَطفان، واستعمل على المدينة أبا ذَرّ الغِفَارِيّ، ويقال: عثمان بن عفَّان، فيما قال ابن هشام. لِمَ سمّيت بذات الزّقاع؟ : قال ابن إسحاق: حتى نزل نَخلاً، وهي غزوة ذات الرّقاع. قال ابن هشام: وإنما قيل لها: غزوة ذات الرّقاع، لأنهم رقّعوا فيها راياتهم،. ويقال: ذات الرقاع: شجرة بذلك الموضع، يقال لها: ذات الرّقاع. قال ابن إسحاق: فلقي بها جمعًا عظيمًا من غَطفان، فتقارب النَّاسُ، ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضُهم بعضًا حتى صلّى رسولُ اللهِ وَ﴿ بالنَّاس صلاةَ الخوف، ثم انصرف بالناس. غزوة ذات الرقاع وسُمِّيَتْ ذات الرُّقَاعِ، لأنهم رَقعُوا فيها راياتِهم في قول ابن هشام، قال: ويقال ذات الرِّقاع شجرةٌ بذلك الموضِع يقال لها: ذات الرّقاع، وذكر غيرُه أنها أرضٌ فيها بُقَّعْ سُودٌ، وبُقَعّ بِيضٌ، كأنها مُرَفَّعةٌ بِرِفَاع مختلفة، فسميت ذات الرقاع لذلك، وكانوا قد نزلوا فيها في تلك الغَزَاة، وأصح من هذه الأقوال كلها ما رواه البخاري من طريق أبي موسى الأشعري، قال: ((خرجنا مع النبيّ - صَلَ﴿ه- في غَزَاةٍ، ونحن سِنَّةُ نَفَر بيننا بعيرٌ نَعْتَقِبُه، فَنَقِبَتْ أقدامُنا، ونَقِبَتْ قَدَمَاي، وسَقَطَتْ أظفَاري، فكنا نلُفُّ على أرجلِنا الخِرَقَ، فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذاتِ الرِّقاعِ، لما كنا نَعْصِبُ من الخِرَقِ على أرجلنا، فحدّث أبو موسى بهذا، ثم كَرِه ذلك، فقال: ما كنت أصنع بأن أَذْكُرَه، كأنه كَرِه أن يكونَ شَيْئًا من عمله أفشاه))(٢). (١) انظر الواقدي (٣٩٥/١) الطبري (٥٥/٢) البداية والنهاية (٨٣/٤) الطبقات (٤١/١/٢) الكامل (٦٦/٢) الدلائل (٣٦٩/٣) المنتظم (٢١٤/٣) النويري (١٥٨/١٧) السيرة الحلبية (٣٥٣/٢) ابن حزم (١٨٢) الاكتفاء (١٥٢/٢) عيون الأثر (٧٢/٢) البخاري (١١٣/٥) ومسلم (١٧/١٢ - نووي) الزاد (٢٥٠/٣). (٢) أخرجه البخاري (٣٢٥/٧) ومسلم (١٨/٦). ٤٠١ الروض الأنف/ ج ٣/ م ٢٦ صلاة الخوف قال ابن هشام: حدّثنا عبد الوارث بن سعيد التَّوريّ - وكان يُكنى: أبا عُبَيدة - قال: حدّثنا يونس بن عُبيد، عن الحسن بن أبي الحسن، عن جابر بن عبد الله في صلاة الخَوْف، قال: صلّى رسُول الله بَله بطائفة ركعتين ثم سلّم، وطائفة مُقْبلون على العدوّ. قال: فجاءوا فصلّى بهم ركعتين أخريين، ثم سلّم. قال ابن هشام: وحدّثنا عبد الوارث، قال: حدّثنا أيرب، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: صفّنا رسولُ اللهِوََّ صفَّين، فركع بنا جميعًا، ثم سجدَ رسولُ اللهِ وَرِ، وسجد الصفُّ الأول، فلما رفعوا سجد الذين يلُونهم بأنفسهم، ثم تأخّر الصفّ الأوّل، وتقدّم الصفّ الآخر حتى قاموا مقامَهم ثم ركع النبيّ وَّر بهم جميعًا ثم سجد النبيّ وَّلـ وسجد الذين يلُونه معه، فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون بأنفسهم، فركع النبي ◌َّ بهم جميعًا، وسجد كلّ واحد منهما بأنفسهم سَجْدَتين. صلاة الخوف(١) فصل: وذكر صلاةَ الخوفِ، وأوردها من طُرُقٍ ثلاثٍ، وهي مَرْوِيَّةٌ بصُوّر مُخْتَلِفَةٍ أكثر مما ذكر. سمعت شيخَنا أبا بكرٍ - رحمه الله - يقول: فيها سِتَّ عَشْرَةَ روايةٍ، وقد خرج المصنفون أصحَّها، وخرَّج أبو داود منها جُمْلَةً، ثم اختلف الفقهاءُ في التّرْجِيح، فقال طائفة: يعمل منها بما كان أشبه بظاهر القرآن، وقالت طائفة: يُجْتَهِدُ في طَلَبِ الآخر منها، فإنه الناسخ لما قبله، وقالت طائفة: يُؤْخَذُ بأَصَحِّها نقلاً، وأعلاها رُوَاةً، وقالت طائفة - وهو مذهب شيخنا: يُؤْخَذ بجميعها على حَسَبِ اختلافٍ أحوالِ الخَوْفِ، فإذا اشْتَدَّ الخوفُ، أُخِذَ بأَيْسَرِها مُؤْنَةً، فإذا تفاقم الخوفُ صَلُوا بغيرِ إمامٍ القبلةٍ أو لغير قبلة، وقد رَوى ابنُ سَلاَّم عن طائفة من السَّلَفِ أن صَلاَةَ الخوف، قد تَؤُولُ إلىّ أن تكونَ أربَع تكبيراتٍ، وذلك عند مَّعْمَعةِ القتال، وسيأتي بقيةُ القول في صلاة الخوف في خَبَرِ بنِي قُرَيظَةً إن شاء الله، ومما تخالف به صلاةُ الخوفِ حُكْم غيرها أنه لا سَهْوَ فيها على إمام، ولا على مأموم رواه الدارقطني بسند ثابت عن النبيّ وَّ أنه قال: ((لا سَهْوَ فِي صَلاَةِ الخَوف))(٢). (١) انظر أبو داود (١٢٣٦) بتحقيقي. والنسائي (١٧٧/٣) وأحمد (٦٠/٥٩/٤). والتخريج السابق أيضًا. وانظر الفتح (٣٣٥/٦) والزاد (٢٥٢/٣). (٢) أخرجه الدارقطني (١/ ٣٧٧) بتحقيقي. ٤٠٢ قال ابن هشام: حدّثنا عبد الوارث بن سعيد التّنُّوري قال: حدّثنا أيوب عن نافع، عن ابن عمر، قال: يقوم الإمام وتقوم معه طائفة، وطائفة مما يلي عدوّهم، فيركع بهم الإمام ويَسْجد بهم، ثم يتأخّرون فيكونون مما يلي العدوّ، يتقدّم الآخرون فيركع بهم الإمام ركعة، ويسجد بهم، ثم تصلّ كلّ طائف بأنفسهم ركعة، فكانت لهم مع الإمام ركعة ركعة، وصلَّوْا بأنفسهم ركعةً ركعة. همّ غورث بن الحارث بقتل الرسول: قال ابن إسحاق: وحدّثني عمرو بن عُبيد، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله: ((أن رجلاً من بني مُحارب، يقال له: غَوْرَث، قال لقومه من غَطَّفان ومُحارب: ألا أقتُل لكم محمدًا؟ قالوا: بلى، وكيف تقتله؟ قال: أفتك به. قال: فأقبل إلى رسول الله وَّل وهو جالس، وسيفُ رسول الله وَّر في حِجره، فقال: يا محمد، أنْظُر إلى سيفك هذا؟ قال: نعم - وكان مُحَلَّى بفضة، فيما قال ابن هشام - قال: فأخذه فاستلَّه، ثم جعل يهزّه، ويَهُم فيَكْبِته الله، ثم قال: يا محمد، أما تخافني؟ قال: ((لا، ولا أخاف منك؟)) قال: أما تخافني وفي يَدي السَّيف، قال: ((لا، يَمنعني الله منك)). ثم عمد إلى سيف رسول اللهِ وٌَ، فردّه عليه))(١). قال: فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقَوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ﴾ . قال ابن إسحاق: وحدّثني يزيد بن رُومان: أنها إنما أنزلت في عَمْرو بن جِحاش، أخي بني النَّضير وما همّ به، فالله أعلم أيّ ذلك كان. قصة جمل جابر قال ابن إسحاق: وحدّثني وهب بن كَيْسان، عن جابر بن عبد الله، قال: خرجتُ مع رسول الله وَ﴿ إلى غَزْوة ذات الرّفاع من نخل، على جَمَل لي ضعيف، فلما قفَل رفع المنصوب فصل: وذكر حديث جابر حين أبطأ به جملُه فَنَخَسَه النبيّ - وَّ﴿ِ ـ نَخَساتٍ، فخرج (١) أخرجه مسلم (٥٧٦) وأحمد (٣٦٤/٣) والطبري في تاريخه (٨٦/٢) وابن سعد في الطبقات (٤٤/١/٢) والبيهقي في الدلائل (٣٧٥/٣) وأبو نعيم في الدلائل (٦٢/١). مع اختلاف. وإسناد ابن إسحق فيه ضعف. ٤٠٣ رسولُ اللهِ وَّه قال: جعلتِ الرّفاق تمضي، وجعلت أتخلَّف، حتى أدركني رسولُ الله وَل﴿، فقال: ((ما لك يا جابر؟)) قال: قلت: يا رسول الله، أبطأني جملي هذا؛ قال: (أنِخه))؛ قال: فأَنَخْته، وأناخ رسولُ اللهِ وَلَه؛ ثم قال: ((أعطني هذه العصا من يدك، أو اقطع لي عصا من شَجرة))؛ قال: ففعلت. قال: فأخذها رسولُ اللهِوَ لَّ فنخَسه بها نَخَساتٍ، ثم قال: ((اركب))، فركبتُ، فخرج والذي بعثه بالحقّ، يُواهِقُ ناقَته مُواهَقَةً. قال: وتحدّثت مع رسول الله وَله، فقال لي: ((أتبيعني جملك هذا يا جابر؟)) قال: قلت: يا رسول الله، بل أهبَه لك؛ قال: ((لا، ولكن بِعْنيه))، قال: قلت: فسُمْنيه يا يُوَاهِقُ نَاقَتَه مُوَاهَقَةً. المُوَاهَقَةُ كالمُسَابَقَةِ، والمُجَاراة، وأنشد سيبويه لأوْسٍ بن حَجَر : لها قَتبّ خَلْفَ الحَقِيبَة رادِفُ تُوَاهِقُ رِجْلاَهَا يداهَا وَرَأْسُه رَفَعِ يَدَاهَا ورِجْلاَها رفْعَ الفاعل، لأن المواهَقَة، لا تكون إلاّ من اثنين، فكل واحدٍ منهما فاعلٌ في المعنى كما ذكروا في قول الراجز: قَدْ سَالم الحَيَّاتُ مِنْه القَّدَمَا الأَفْعُوَانَ والشّجَاعِ الشَّجْعَمَا [وذات قَرْنيْن ضَمُورًا ضِرْزِما(١)] هكذا تأَوَّلَه سِيبَويْهِ، ولعل هذا الشاعر كان من لغته أن يجعل التثنية بالألف في الرَّفع والنَّصْب والخَّفْضِ كما قال: تَزَوَّدَ مِنَّا بين أُذْنَاهُ طَعْنَةٌ دَعَتْه إلى هَابِي التُّرابِ عَقِيم وكما قال الآخر: قد بَلَغَا في المجدِ غَايئَاها وهي لغةُ بني الحارث بن كعب، قاله أبو عبيد. وقال النحاس في الكتاب المُقْنع: هي أيضًا لغة لخَثْعَمَ وَطيِىءٍ وَأَبْطُنٍ من كِنَانَةَ، والبيتُ أعني: تُواهِقُ رِجْلاَهَا يدّاها، هو لأوْسٍ بن حَجَرِ الأَسَدِي، وليس مِمَّنْ هذه لغته، فالبيت إذًا على ما قاله سيبويه. مساومة جابر في جملة وما فيه من الفقه(٢): وذكّر مُساوَمة النبيّ ◌َّ﴿ لجابر في الجمل، حتى اشتراه منه بأُوقيَّة، وأنه أعطاه أَوَّلاً دِرْهمًا، فقال: لا إذًا تَغْبنُني يا رسول الله؛ فإن كان أعطاه الدِّرْهَمَ مازحًا، فقد كان يَمْزَحُ، (١) الضرزم: المسنة. (٢) انظر الحديث في البخاري (١٣٢/٣). ٤٠٤ رسول الله؛ قال: ((قد أخذته بدرهم))؛ قال: قلت: لا، إذن، تَغْبِنني يا رسول الله! قال: (فبدرهِمين))؛ قال: قلت: لا. قال: فلم يزل يرفع لي رسولُ الله ◌َلّر في ثمنه حتى بلغ الأُوقِيَّة. قال: فقلت: أفَقَد رضيتَ يا رسولَ الله؟ قال: ((نعم))؛ قلت: فهو لك، قال: ولا يقول إلاّ حقّا، فإذا كان حَقًّا، ففيه من الفقه إباحَةُ المُكايَسةِ الشَّدِيدَةِ في البَيْعِ، وأن يُعْطِي في السِّلْعَة ما لاَ يُشْبِهِ أن يكون ثَمنًا لها بِنَصْ الحَدِيثِ، وفي دليله أن من اشْتَرَىَ سِلْعَةٌ بما لا يُشْبِهِ أن يَكُونَ لها ثَمِنَا، وهو عاقل بصيرٌ، ولم يكن في البيع تَدْلِيسُ عليه، فهوَ بِيْعٌ ماضٍ لا رُجوعَ فيه، ورُوِي من وَجْهٍ صحيح أنه كان يقول له كُلَّما زاد له دِرهمًا قد أخذته بكذا والله يغفر لك، فكأنه عليه السلام أراد بإعطائه إيَّاه درهمًا درهمًا أن يَكْثُر استغفارُه له، وفي جَمَل جابر هذا أمور من الفِقْه سوى ما ذكرنا، وذلك أن طائفةً من الفُقَهاءِ احتَجُوا به في جواز بيع وشَرْطٍ(١)، لأن النبيَّ - نَّ - شَرَطَ له ظَهْرَه إلى المدينة، وقالت طائفةٌ: لا يجوز بَيْغٌ وشَرْطٌ، وإن وقع فالشَّرْطُ باطلٌ، والبيع باطل(٢)، واحتجّوا بحديثٍ عَمْرو بن شُعَيْبٍ عن أبِيه شُعَيْبٍ عن جَدِّ أبيه عبد الله بن عَمْرو بن العاصي أن النبيَّ - نَّهِ - ((نهى عن شَرْطٍ وبَيْع، وعَنْ بَيْعٍ وسَلَفِ))(٣). شعيب لا يروي عن أبيه وإنما عن جدّه: وقد رَوى أبو داود هذا الحديثَ، فقال: عن عمرو بن شُعَيْب عن أبيه شُعَيْبٍ عن أبيه مُحَمَّدٍ بن عَبْدِ الله بن عمرو عن أبيه عبد الله بن عَمْرٍو. وهذه رواية مُسْتَغْرَبَةٌ عند أهلِ الحديث جِدًا، لأن المعروفَ عندَهم أن شُعَيْبًا إنما يروي عن جَدِّه عبدِ الله، لا عن أبيه مُحَمَّدٍ لأن أباه محمدًا مات قبل جَدِّه عبدِ الله، فقف على هذه التنبيهة في هذا الحديث، فَقَلَّ مَنْ تَنَبَّه إليها، وقالوا: حُجَّة في حديثٍ جابرٍ لما فيه من الاضطرابِ، فقد روي أنه قال: أَفْقِرْنِي ظَهْرَه إلى المدينةِ، ورُوِي أنه قال: اسْتَثْتَيْتُ ظَهْرَه إلى المدينة، وروي أنه قال: شَرَط لي ظَهْرَهِ، وقال البخاري: الاشتراطُ أكثرُ وأصح، وكذلك اضْطَرَبُوا في الثمن، فقالوا: بِعْتُه منه بأُوقِيَّةٍ، وقال بعضهم: بأزْبَع أَوَاقِي، وقال بعضهم: بِخَمْسٍ أواقِي، وقال بعضهم: بِخَمْسَةٍ دَنَانِر، وقال بعضهم: بأرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وقال بعضهم: هو في معنى الأُوقِيَّةِ، وكل هذه الروايات قد ذكرها البخاري، وقال مسلمٌ في بعض رواياته: دِينَارَيْنِ ودِزْهَمَيْن، وقالت طائفةٌ بإبطال الشرط، وجَوازِ البَيْع، واحْتَجُوا بحديث بَرِيرَةً حين (١) وهو مذهب أحمد والبخاري. (٢) وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. (٣) ((باطل)). قاله ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى (٦٣/١٨). وانظر السلسلة الضعيفة للعلامة الألباني حفظه الله تعالى وأمتع به (٤٩١). ٤٠٥ ((قد أخذته)). قال: ثم قال: ((يا جابر، هل تزوّجتَ بَعْدُ؟)) قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: ((أَثَيِّبًا أم بِكْرًا؟)) قال: قلت: لا، بل ثَيِّبًا؛ قال: ((أَفَلاَ جَارِيَةً تُلاعبها وتُلاعِبُك!)) قال: قلت: يا رسول الله، إن أبي أُصيب يوم أُحُدٍ وترك بَنَاتٍ له سَبْعًا، فنكَحتُ امرأةً جامعةً، تجمع رُؤوسَهُنَّ، وتَقُوم عليهنّ؛ قال: ((أَصبْتَ إن شاء الله، أما إنَّا لو قد جِئنا صِرَارًا أمَرْنا بجَزُور فنُحرت، وأقمنا عليها يومَنا ذاك، وسمعت بنا، فنَفَضَتْ نمارقَها)) قال: قلت: والله يا رسول الله ما لنا من نَمارق؛ قال: ((إنها ستكون، فإذا أنت قَدِمت فاعمل عملاً كيِّسًا)). قال: فلما جِئْنا صِرارًا أمر رسولُ الله وَلَهُ بِجَزْور فنُحرت، وأقمنا عليها ذلك اليوم؛ فلما أمسَى رسولُ اللهِ وَّرِ دخل ودَخَلنا، قال: ((فحدثتُ المرأة الحديثَ))، وما قال لي رسولُ اللهِ وَّر قالت: فدُونك، فسمع وطاعة. قال: فلما أصبحتُ أخذتُ برأس الجمل، فأقبلتُ به حتى أنخته على باب رسول الله وَّر، قال: ثم جلستُ في المسجد قريبًا منه، قال: وخرج رسولُ الله وَ لتر، فرأى الجمل، فقال: ((ما هذا؟)) باعها أَهلُها من عائِشةَ، واشترطوا الوَلاَءَ فأجاز النبيُّ وََّ البيعَ وأبطل الشَّرْطَ، واسْتَعْمَلَ مالِكٌ هذه الأحاديثَ أجمَع، فقال: بإبطالِ البَيْعِ والشرطِ على صورةٍ، وبجوازهما على صورة أُخْرَى، وبإبطال الشرطِ وجوازِ البيع على صورةٍ أيضًا، وذلك بيِّنْ في المسائل لمن تدبرها، وأبين ما توجد مُحكَمَة الأصولِ مُسْتَثْمَرَة الجَنَا والفُصُولِ في كتاب المقدِماتِ لابنِ رُشْدٍ، فلينظرها هنالك من أرادها(١). الحكمة من مساومة النبيّ لجابر: فصل: ومن لطيف العلم في حديث جابر بعد أن تَعْلَم قَطْعًا أن النبيَّ - وَّر - لم يكن يَفْعَلُ شَيْئًا عَبَثًا بل كانت أفعالُه مَقْرُونةً بالحِكْمَةِ ومُؤَيَّدَةً بالعِصْمَةِ، فاشتراؤُه الجملَ من جابرٍ ثم أعْطَاه الثمن، وزاده عليه زيادةً، ثم رَدَّ الجمل عليه، وقد كان يمكن أن يعطيه ذلك العَطَاءَ دون مُسَاوَمَةٍ في الجمل، ولا اشْتِراءٍ ولا شَرْطٍ ولا تَوْصيلِ، فالحِكْمَةُ في ذلك بَدِيعَة جدًا، فلتُنْظَر بعين الاعتبار، وذلك أنه سأله: هل تزوجتَ، ثم قال له: هَلاَّ بِكْرًا، فذكر له مَّقْتَلَ أبيه، وما خَلَّف من البناتِ،. وقد كان عليه السلامُ قد أخبر جابرًا بأنَّ الله، قد أحيا أباه، ورَدَّ عليه رُوحَه، وقال: ما تشتهي فأزيدك، فأكَّد عليه السَّلامُ هذا الخبر بمثل ما يُشْبِهُهُ، فاشترى منه الجملَ، وهو مَطِيَّته، كما اشترى الله تعالى من أبيه، ومن الشُّهَداءِ أنفسهم بثمنٍ هو الجَنَّة، ونفسُ الإنسانِ مَطِيتُه، كما قال عُمَرُ بن عَبْدِ العزيز - رضي الله عنه - إن نفسي (١) انظر بداية المجتهد (١٣٢/٢). ٤٠٦ قالوا: يا رسول الله، هذا جمل جاء به جابر، قال: ((فأين جابر؟)) قال: فدُعيتُ له، قال: فقال: ((يا ابن أخي خُذ برأس جملك، فهو لك، ودَعا بِلالاً، فقال له: اذهب بجابر، فاعطه أوقِيَّة)) قال: فذهبت معه، فأعطاني أُوقِيَّةٌ، وزادني شيئًا يسيرًا. قال: مَطِيَّتِي، ثم زادهم زِيادَةً فقال: ﴿لِلَّذِينِ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وزِيادَة﴾ [يونس: ٢٦]، ثم رَدَّ عليهم أنفسَهم التي اشترى منهم فقال: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلوا في سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية، فأشار عليه السلام باشترائِه الجملَ من جابرٍ وإعطائِه الثمنَ وزيَادَتِه على الثمن، ثم رَدَّ الجمل المُشتَرى عليه، أشار بذلك كُلِّه إلى تأكيدِ الخبَر الذي أَخْبَرَ به عن فعل الله تعالى بأبيه، فتشاكل الفعلُ مع الخبر، كما تراه، وحاش لأفعاله أن تخلو من حِكْمَةٍ، بل هي كلها نَاظِرة إلى القرآنِ ومُنْتَزَعَةٌ مِنْهَ وَِّ. سیاقه الحديث عن عمرو بن عبيد: فصل: وحَدَّث عن عَمْرٍ عُبَيْد عن الحَسَن عن جَابِرٍ، وذكر حديث غَوْرَثٍ، وقد ذكره البخاري فقال فيه: غَوْرَثُ بن الحارِث، وقد ذَكّره الخَطَّابي، فقال فيه: إنه لما هَمّ بقتل النبيّ - نَّهِ - رمي بالزُّلَخَةِ فَتَدَر السيفُ من يَدِه، وسقط إلى الأرضِ. الزُّلَّخَةُ: وجع يأخذ في الصُّلْبِ، وأما روايته الحديثَ عن عَمْرِو بن عُبَيدٍ فأعجبُ شيءٍ سِيَاقَتُه إياه عن عَمْرو بن عُبَيد، وقد رواه الأثْبَاتُ عن جابر، وعَمْرُو بن عُبَيْدٍ مُتَّفَقٌ على وَهَنٍ حديثه، وتَرْك الرواية عنه، لما اشْتَهر من بِدعتِه، وسوء نِخْلَتِهِ، فإنه حُجَّة القَدَرِيَّة، فيما يُسْنِدون إلى الحَسَنِ - رضي الله عنه - من القول بالقَدَرِ، وقد بَرَّأه الله منه، وكان عنْدَ اللهِ وجيهًا، وأما عَمْرو بن عُبَيْدٍ بن دَأْبٍ، فقد كان عظيمًا في زمانه عالي الرُّتْبَةِ في الوَرَع، حتى اقْتتن به، وبمقالته أُمَّةٌ فصاروا قَدَرِيَّةً، وقد نُبِزَ بمذهبه قومٌ من أهلِ الحَدِيث، فلم يَسْقُط حديثُهم، لأنهم لم يجادلوا على مَذْهَبِهِم، ولا طَعَنُوا في مُخَالِفيهم من أهل السُّنَّةِ، كما فعل عَمْرو بن عُبَيْدٍ. فَمِمَّن نُبِزَ بالقَّدَر ابنُ أبي ذِئْبٍ وَقَتَادةُ ودَاود بن الحُصَيْنِ وعبدُ الحميد بن جَعْفَر، وطائفةٌ سواهم من الأَثْبَاتِ في عِلْم الحديثِ، وعمرُو بن عُبِيْدٍ يُكَنَّى أبا عُثْمَانَ وأبوه عُبَيْدُ بنُ دَأْبٍ كان صاحبَ شُرْطَةٍ فيما ذكروا وسمع يَوْمًا نَاسًا في ابنِهِ هذا خيرُ النَّاسِ ابنُ شَرِّ الناس، فالتفت إليهم، وقال: وما يعجبكم من هذا؟ هو كإبراهيمَ وأنا كآزَر، وكان أبو جعفر المنصور، يقول بعد موت عَمْرو بن عُبَيْدٍ: ما بقي أحَدٌ يُسْتَحْيَا منه بعد عَمْرو، وكان يقول: كُلُكُمْ خَاتِلِ صَيْدٍ كُلُكُمْ يَمْشِي رُوَيْد غَيْرَ عَمْرِو بن عُبَيْد وقد نُبز ابن إسحق بالقَدَرِ أيضًا، وروايتُه عن عَمْرو بن عُبَيْدٍ تُؤَيِّد قول من عزاه إليه، والله أعلم. ٤٠٧ فوالله ما زال يَنْمِي عندي، ويُرَى مكانُه من بيتِنا، حتى أُصيب أمسٍ فيما أُصيب لنا، . يعني يوم الحَّة)). وقعة الحزّة وموقف الصحابة منها: فصل: وذكر قول جابر فوالله ما زال يَنْمِي عندنا، ويُرَى مكانُه من بيتنا حتى أُصيب فيما أُصيب منا يَوْمَ الحَرَّةِ يعني: وَقْعَة الحَرَّةِ التي كانت بالمدينة أيامَ يزيد بن مُعَاوِيةً على يَدَيْ مُسْلِم بن عُقْبَةَ المُرِّي الذي يُسَمِّيه أهلُ المدينة مُسْرِف بن عُقْبَةَ، وكان سببها أن أهلَ المدينة خَلَعُوا يزيدَ بن مُعَاوِيةً وأخرجوا مَرْوَانَ بن الحَكَمِ وبَنِي أُمَيَّة، وأَمَّرُوا عليهم عبدِ اللهِ بن حَنْظَلة الغَسِيلَ الذي غَسَّلت أباه الملائكةِ يوم أُحُدٍ، ولم يوافق على هذا الخَلْعِ أحَدٌ من أكابر الصَّحَابة الذين كانوا فيهم. رَوى البخاري أن عبدَ الله بن عمرَ لما أرجف أهلٌ المدينة بيزيدَ دعا بنيه ومَوَاليه، وقال لهم: إنَّا قد بايعنا هذا الرجلَ على بَيْعَةِ الله وبَيْعَة رسوله، وإنه والله لا يبلغني عن أحدٍ منكم أنه خَلَع يَدًا من طاعته إلا كانت الفَيْصَلَ بيني وبينه، ثم لَزِم بيته، ولزم أبو سَعِيد الخُذْرِيّ بيتَه، فدخل عليه في تلك الأيام التي انْتُهِبَتْ المدينةُ فيها، فقيل له: من أنت أيها الشيخ؟ فقال: أنا أبو سعيد الخدري صاحبُ النبيّ - ◌َّهِ - فقالوا له: قد سمعنا خَبَرَك، ولَنِعْمَ ما فعلتَ حين كَفَفْتِ يدَك، ولَزِمتَ بِيتَك، ولكن هاتِ المال، فقال قد أخذه الذين دَخَلُوا قَبْلَكُم عليَّ، وما عندي شيء، فقالوا: كذَبْتَ ونَتَفُوا لِحُيَتَه، وأخذوا ما وجدوا حتى صُوفَ الفرش، وحتى أخذوا زوجين من حَمَامٍ كان صبيانُه يلعبون بهما. وأما جابرُ بن عبدِ الله الذي كنا بِمَسَاقٍ حديثهِ، فخرج في ذلك اليوم يطوف في أَزِقَّةِ المدينة والبيوتُ تُنْتَهَبُ، وهو أعمى، وهو يَعْثُر في القَتْلى، ويقول: تَعِسَ مَن أخافَ رسولَ اللهِ وَّر، فقال له قائل: ومَن أخافَ رسولَ الله؟ فقال: سمعت رسولَ الله اليه يقول: ((مَن أخاف المدينةَ، فقد أخاف ما بين جَنْبيَّ))(١)، فحملوا عليه ليقتلوه، فأجاره منهم مَزْوانُ، وأدخله بيته، وقُتِل في ذلك اليوم من وُجوه المهاجرين والأنصار ألفٌ وسَبْعُمِائِة، وقُتِل من أخلاط الناس عَشَرةُ آلافٍ سوى النِساء والصُّبْيانِ، فقد ذكروا أن امرأةً من الأنصار دخل عليها رجلٌ من أهل الشام، وهي تُرْضعُ صَبِيَّها، وقد أُخذ ما كان عندها، فقال لها: هات الذَّهَبَ، وإلاّ قَتَلْتُكِ، وقَتَلْتُ صَبِيَّك، فقالت: ويحك إن قتلته فأبوه أبو كَبْشَةَ صاحبُ النبيّ - * - وأنا من النسوة اللاتي بايَعْن رسولَ الله - وَّهــ وما خُنْتُ الله في شيءٍ بايعتُ رسولَّه عليه، فانْتَفَضَ الصَّبِي من حِجْرِها، وثَذْيُها في فيّه، وضَرَب به الحائطَ حتى انْتَثَر دماغُه في الأرض والمرأةُ تقول: يا بُنَيَّ لو كان عندي شَيءٍ نَفْدِيك به، لفديتُك، فما خرج من البيت حتى اسْوَدَّ نصفُ وَجْهِه، وصار مُثْلَةً في الناس. (١) أخرجه أحمد (٣٩٣/٣٥٤/٣). ٤٠٨ ابن ياسر وابن بشر، وقيامهما على حراسة جيش الرسول وما أُصيبا به: قال ابن إسحاق: وحدّثني عمي صَدقة بن يسار، عن عَقيل بن جابر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: خرجنا مع رسول الله وَّر في غزوة ذات الرّقاع من نخل، فأصاب رجل امرأة رجل من المُشركين، فلما انصرف رسولُ الله ◌ِ الر قافلاً، أتى زوجُها وكان غائبًا، فلما أُخبر الخبر حَلَف لا ينتهي حتى يُهَرِيق في أصحاب محمدٍ وَّلـ دمًا، فخرج يتبع أثَر رسول اللهِ وَّرَ، فنزل رسولُ اللهِ لتر منزلاً، فقال: ((من رجل يكلؤنا ليلَتنا (هذه)؟)) قال: فانتدب رجلٌ من المهاجرين، ورجل آخر من الأنصار، فقالا: نحن يا رسول الله، قال: ((فكونا بفَم الشّعب)). قال: وكان رسول الله وَل وأصحابُه قد نزلوا إلى شِعب من الوادي، وهماَ عمَّار بن ياسر وعبَّاد بن بِشْر، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: فلما خرج الرجلان إلى فَم الشّعب، قال الأنصاريَّ للمهاجريَّ أيّ الَّليل تحبّ أن أكْفيكه: أوّلَه أم آخرَه؟ قال: بل أكفني أوّله، قال: فاضطجع المهاجِرِيّ فنام، وقام الأنصاري يصلّي، قال: وأتَى الرجل، فلما رأى شخص الرجلِ عَرَف أنه رَبِيئَةُ القوم. قال: فرمى بسهم فوضعه فيه، قال: فنزعه ووضعه، فثبت قائمًا، قال: ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه. قال: فنزعه فوضعه، وثبت قائمًا، ثم عاد له بالثالث، فوضعه فيه، قال: فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد، ثم أَهَبَّ صاحِبَه فقال: اجلس فقد أُثْبِتُ، قال: فوثبَ، فلما رآهما الرجلُ عرف أن قد نَذِرا به، فهرب، قال: ولما رأى المهاجريّ ما قال المؤلّف: وأحسَب أن هذه المرأَةَ جَدَّةً للصبي، لا أُمَّا له، إذْ يبعد في العادَةِ أن تبايَع النبيَّ عليه السلام، وتكون يوم الحَرَّةِ في سِنْ من تُرضِع. والحَرّة التي يُعْرَف بها هذا اليومُ يقال لها: حَرَّة زُهْرَةٍ، وفي الحديث أن النبيَّ - وََّــ وقف بها، وقال: لَيُقْتَلَنَّ بهذا المكانِ رجالٌ هُمْ خِيَارُ أُمَّتِي بعد أصحابي، ويذكر عن عبد الله بن سَلاَم، أنه قال: لقد وَجَدْتُ صِفَتَها في كتاب يَهُودَ بن يَعْقُوبَ الذي لم يدخله تبديلٌ، وأنه يُقْتَل فيها قومٌ صالحون يجيئون يوم القيامة وسلاحُهم على عَوَاتِقِهم، وذكر الحديث. وعُرفَتْ حَرَّة زُهْرَةَ بقَريةٍ كانت لِبَنِي زُهْرَةً قومٍ من اليهودِ، وكانت كبيرةً في الزَّمَان الأَوّل، ويقال: كان فيها ثلاثمائة صائغ، ذكر هذا الزبيّر في فضائل المدينة له: وكانت هذه الوَقْعَة سَنَّةَ ثلاثٍ وستّين، وقد كان يزيدُ بن معاوية قد أعذر إليهم فيما ذكروا، وبذل لهم من العطّاء أضعافَ ما يُغْطِي الناسَ واجتهد في استمالتهم إلى الطاعةِ، وتحذيرهم من الخلافِ، ولكن أبى الله إلاّ ما أراد، والله يحكم بين عبادِه فيما كانوا فيه يختلفون: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قد خَلَت لها ما كَسَبتْ ولكم ما كَسَبْتُم ولا تُسْأَلُون عما كانوا يَعْلَمُون﴾ [البقرة: ١٣٤، ١٤١]. ٤٠٩ بالأنصاريّ من الدماءَ، قال: سبحان الله! أَفلا أهْبَيْتَنِي أوْل ما رماك؟ قال: كنت في سُورة أقرؤها فلم أُحِبّ أن أقطعها حتى أَنْفِذَها، فلما تابع عليّ الرّمْيَ ركعتُ فأذِنْتك، وأيم الله، لولا أن أُضيَّعِ ثَغْرًا أمَرِي رسولُ اللهِ وَّه بحفظه، لقَطع نفسي قبل أن أقطعَها أو أُنْفِذَها. قال ابن هشام: ويقال: أنفذها. رجوع الرسول: قال ابن إسحاق: ولما قَدِم رسول الله وَلهر المدينة من غزوة الرّقاع، أقام بها بقية جمادى الأولی وجمادى الآخرة ورجبًا . غزوة بدر الآخرة(١) في شعبان سنة أربع خروج الرسول: قال ابن إسحاق: ثم خرج في شعبان إلى بَذْر، لميعاد أبي سفيان، حتى نزله. استعماله ابن أُبيّ على المدينة: قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عبدَ الله بن عبد الله بن أُبَيّ ابن سَلول الأنصاريّ. معنى الربيئة: فصل: وذكر حديث(٢) الأنصاريِّ والمُهَاجِرِيٍّ، وهما عَبَّدُ بن بشْرٍ، وعَمَّارُ بن ياسِرٍ، وأن رجلاً من العدوّ رمى الأنصاري بسهم، وهو يصلّي لما علم أنه رَبِيئَةُ القَوْمِ. الرَّبِيئَةُ هو الطَّلِيعَة، يقال: رَبأَ على القوم يَزبأُ فهو رباء وربِيئَةٌ قال الشاعر [الهُذليُّ]: رَبَّاء شَمَّاءُ لا يَأْوِي لِقُلْتِها إلا السَّحَابُ وإلّ الأَوْبُ والسَّبَلُ فَرَبَّاءُ: فَعَّالٌ مِن رَبَا إذا نَظَر من مَكَانٍ مُرْتَفِع، وشَمّاءُ، يريد هَضَبَةٌ شَمَّاءَ، وإنما قالوا: رَبِيئَة بهاء التأنيث، وطليعة؛ لأنهما في معنى العَيْنَ، والعَيْنُ مؤنَّئةٌ، تقول: ثلاث أَعْيُن، وإن كانوا رِجَالاً، يعني الطَّلاَئِع، لأن الطليعةَ والرَّبِيئةَ إنما يُرَاد منه عينه الناظرة، كما تقول في ثلاثة أعبد: أعْتَقْتُ ثلاثَ رِقابٍ، فتؤنّث، لأن الرقبة تَرْجَمَةٌ عن جميع العبد، كما أن العَيْنِ (١) انظر الطبري (٤١/٣) ابن سيّد الناس (٥٣/٢) المواهب (٩٣/٢) ابن سعد في الطبقات (٥٩/٢) الزاد (٢٥٥/٣). (٢) أخرجه أبو داود في الطهارة (١٩٨ - بتحقيقي) وأحمد (٣٤٤/٣). ٤١٠ رجوع أبي سفيان في رجاله: قال ابن إسحاق: فأقام عليه ثمانيَ ليالي ينتظر أبا سُفيان، وخرج أبو سُفيان في أهل مكّة حتى نزل مَجنّة، من ناحية الظّهران، وبعض الناس يقول: قد بلغ عُسْفان، ثم بدا له في الرجوع، فقال: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلاَّ عام خصيب تَزعون فيه الشّجر، وتشْربون فيه اللبن، وإنّ عامكم هذا عامُ جذب، وإني راجعٌ، فارجِعوا فرجع الناس. فسَماهم أهْل مكّة جيش السَّويق، يقولون: إنما خرجتم تَشْرَبون السَّويق. الرسول ومخشي الضمري: وأقام رسولُ اللهِ وَِّ على بَدر ينتظر أبا سُفيان لمِيعاده فأتاه مَخْشِي بن عَمْرو الضَّمْري، وهو الذي كان وادَعه على بني ضَمْرة في غزوة ودّان، فقال: يا محمد، أجئتَ للقاء قُريش على هذا الماء؟ قال: ((نعم، يا أخا بني ضَمْرة، وإن شئتَ مع ذلك رَددنا إليك ما كان بيننا وبينك، ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك))، قال: لا والله يا محمد، ما لنا بذلك منك من حاجة. الذي هو الطَّلِيعَةُ كذلك، ويجوز أن تكونَ الهاءُ في رَبِيئَةٍ وطَلِيعة للمُبالغة، كما هي في عَلاَّمةٍ ونسَّابةٍ، فعلى الوجه الأوّل تقول: ثَلاَثَ طَلائع، وثلاثَ ربايَا في جمع رَبِيئةٍ، كما تقول: ثلاث أَعْيُنٍ، لأنه بابٌ واحدٌ من التأنيثِ، وإذا كانت الهاء للمبالغة قلت: ثَلاَثَةٌ وأربعةٌ، لأنك تقصد التذكير، لأن هاءَ المبالغة لا توجب تأنيث المُسَمَّى، ولأنها في الصّفَةِ، والصَّفَةُ بعد الموصوف؛ ولذلك تقول: هذا عَلاَّمةٌ، ولا تقول: هذه عَلاَّمَةٌ بخلافِ الرَّقَبةِ والعينِ، لأنك تقول في العبد الذكر: هذه رَقَبَةً فاعْتِقْها، وفي العين: هذه طلِيعَة، وهذه عَيْنٌ، وأنت تَعنِي الرجلَ. هذا معنى الفرق بينهما. فقه الحديث : وفي هذا الحديثِ من الفِقْهِ صَلاَةَ المَجْرُوحِ وجُرْحُه يَشْعَبُ دَمًا، كما فعل عمرُ بن الخطّابِ، وقد ترجم بعضُ المصنفين عليه لموضع هذه الفِقهِ، وفيه مُتَعَلَّقٌ لمن يقول: إن غُسْلَ النَّجَاسَةِ، لا يُعَدُّ في شُروطِ صحَّةِ الصَّلاة، وَفيه من الفِقْهِ أيضًا تعظيمُ حُرمة الصَّلاَةِ، وأنَّ لِلْمُصَلِّي أنْ يَتَمَادَى عليها، وإن جَرَّ إليه ذلك القتلَ، وتفويت النفس، مع أن التعرّضَ لِفَوَاتِ النفس، لا يَحِلُّ إلاَّ في حَال المُحَارَبةِ، ألا ترى إلى قوله: لولا أنْ أُضَيِّع ثَغْرًا أَمَرَني رسولُ الله ◌َيهِ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أَقْطَعَها أو أَنْفِذها، يعني: السورة التي كان يقرؤها. ٤١١ معبد وشعره في ناقة للرسول هوت فأقام رسولُ اللهِ وَله ينتظر أبا سُفيان، فمرّ به مَعْبَدُ بن أبي مَعْبد الخُزاعي، فقال، وقد رأی مکان رسول الله ځۇ وناقته تهوي به . وعَجْوَةٍ مِن يَثْرِب كالعَنْجَدِ قد نَفَرَتْ مِن رُفْقَتيْ مُحَمَّدٍ قد جعَلَتْ ماءَ قُدَيْدِ مَوْعِدي تَهْوي على دِين أبيها الأَثَلّد وماء ضَجْنان لها ضُحى الغَدِ شعر لابن رواحة أو كعب في بدر: وقال عبدُ الله بن رَوَاحة في ذلك - قال ابن هشام: أنشدنيها أبو زيد الأنصاري لکعب بن مالك: لمِيعاده صِدْقًا وما كان وَافِیا وَعَدْنا أبا سُفْيانَ بدرًا فلم نَجِدْ لَأُبْتَ ذَميمًا وافتَقَدْتَ المَوَالِیا فأقْسِم لو وافَيْئَنا فلَقيتنا وعمرًا أبا جَهْل ترَكْناه ثاوِيا ترَكْنا به أوْصالَ عُثْبةٍ وابنه وأمْركم السيىء الذي كان غاوِيا عصَيتم رسولَ الله أُفٍّ لدينكم فِدّى لرسولِ الله أهلِي وماليا فإنّي وإن عَنْفتموني لقائلٌ شِهابًا لنا في ظُلْمة اللَّيل هاديا أُطَعْناه لم نَعْدلْهُ فينا بغَيْره شعر حسَّان في بدر وقال حسَّان بن ثابت في ذلك: جلادٌ كأفواهِ المخاضِ الأوَارِك(١) دُعُوا فَلَجَاتِ الشَّام قد حال دُونها حول رجز معبد وشعر حسَّان وأبي سُفيان وذکر قول معبدٍ : وعجوة من يثرب كالعَنْجَد العَنْجَدُ: حَبُّ الزَّبِيب، وقد يقال للزبيب نفسِه أيضًا عَنْجَدٌ، وأما العنب، فيقال: لِعِجْمِه: الفِرْصَد. والْأَتَلدُ: الأقْدَمُ من المال التَّليد. وأما قول حسَّان: .. دَعُوا فَلَجَاتِ الشَّامِ. (١) العوارك: جوانب القوس من مجرى الوتر. ٤١٢ بأيدي رجالٍ هاجرُوا نحو ربهم إذا سَلَكْتَ للغَوْر من بَطْنِ عالج أقَمْنا على الرَّسُّ النَّزُوعِ ثَمانِيا بكلّ كُمَیْت جوزُه نِصْف خَلْقه تَرَى العَرْفَجِ(١) العامِيَّ تَذْرِي أُصُوله فإنْ تَلْقَ في تَطْوَافِنا والتماسنا وإن تَلْقَ قَيْس بن امرىء القَيس بعده فأبْلِغْ أبا سُفْيان عَنّي رسالةً وأنصارِهِ حَقًّا وأيْدِي المَلائك فقُولا لها ليس الطَّريق هُنالِك بأزعَنَ جَرَّارٍ عَريض المَبارِك وقُبِّ طوالٍ مُشْرفات الحَوَارك مَناسِمُ أخْفاف المَطيِ الرَّواتِك(٢) فُراتَ بن حَيَّانٍ يكُنْ رَهنَ هالِك يُزَدْ في سوادٍ لونُه لونُ حالك فإنَّك مِنْ غُرّ الرّجال الصّعالك شعر أبي سُفيان في الردّ على حسَّان فأجابه أبو سُفيان بنُ الحارث بن عبد المطّلب، فقال: وجدّك نَغْتال الحُروق كذلكِ أَحَسَّانِ إنَّا يا ابنَ آكِلةِ الفَغا(٣) ولو وألَتْ منَّا بشَدِّ مُدَارِك خَرَجْنا وما تَنْجو اليَعافير (٤) بَيْنَنا مُدَمَّن أهل المَوْسِمِ المُتَعارك إذا ما انبعثنا من مُناخٍ حَسِبْتَهُ وتترُكنا في النَّخْلِ عند المَدَارِك أقمتَ على الرسّ النَّزوع تُرِيدنا فمَا وَطِئَتْ الْصَفْنه بالدَّكادِك على الزَّرْع تَمْشِي خَيْلُنا ورِکابُنا جمعُ فَلَجِ، وهو الماء الجاري، سُمِّي فَلَجًا، لأنه قد خَدَّ في الأرضِ، وفرَّق بين جانبيه مَأْخُوذٌ مَنْ فَلَجِ الأسْنَانِ، أو من الفَلْج وهو القَسْمُ، والفالِجُ مِكْيَالٌ يُقْسِّم به، والفَلْجُ والفالِجُ بعيرٌ ذُو سَنَامَيْنٍ، وهو من هذا الأصل، ورواه أبو حنيفة بالحاء وقال: الفلجة المزرعة . وذكر شعر أبي سفيان: أُحَسَّانُ إِنَّا يا ابْنَ آكلة الفغا الفَغَا: ضرب من الثَّمْر، ويقال: هي غَبَرَة تَعْلو، البُسْرَ، والغَفَالغة في الفَغَا. (١) العرفج: رمال لا طريق فيها. (٣) الفغا: التمر قبل أن ينضج. (٢) الرواتك: البعير يمشي بطيئًا. (٤) اليعافير: الغزلان. ٤١٣ أقمْنا ثلاثًا بين سَلْع وفارِع بِجُزْدِ الجِيادِ والمَطِيِّ الرَّوَاتِك كمأخَذِكم بالعَيْنِ (١) أزطالَ أَنّكِ (٢) حَسِبتُم جِلاد القَوْم عند قِبابِهم على نخو قولِ المُعْصِم المتماسِك فلا تبعثِ الخيل الجِياد، وقُلْ لهَا فوارِسُ من أبناء فِهْرِ بنِ مالك سَعِدْتم بها وغَيرُكم كان أهلَها ولا حُرُماتِ الدِّينِ أنتَ بناسِك فإنَّك لا في هجرةٍ إن ذَكَرْتَها قال ابن هشام: بقيت منها أبيات تركناها. لقُبح اختلاف قوافيها. وأنشدني أبو زيد الأنصاريّ هذا البيت: خرجنا وما تنجو اليَعافير بينَنا والبيت الذي بعده لحسَّان بن ثابت في قوله: دُعُوا فَلَجات الشأمِ قدْ حالَ دونها وأنشدني له فيها بيته: ((فأبلغ أبا سفيان)). وفيه : كمأخَذِكُمْ بالعين أزْطَالَ أنَّك ألفيت على هذا البيت في حاشيةٍ أبي بحرٍ ما هذا نصه: ذكر مُحَمَّدُ بن سَلاَّم في الطبقات له هذا البيت : كأخْذِكُم في العين أزْطَالَ آنُكِ حَسِبْتم چِلادَ القَوْم حَوْل بُيُوتکم ووصل به بأن قال: فقال أبو سُفيان بن حَرْبٍ لأبي سُفْيَان بن الحارِثِ: يا ابْنَ أخِي: لم جعلتها آنُّك إن كانت لَفِضّةً بَيْضَاءَ جَيِّدَةٌ. وقوله: سَعِدْتُم بها وغَيْرُكم كان أهلَها وفي حاشية الشيخ: شَقِيتُم بها وغيرُكم أهلُ ذِكْرِها. وقوله: خَرَجْنًا وما تَنْجُو اليَعَافِيرُ بَيْئَنَا اليعافير: الظِّبَاءُ العُفْر يريد أنهم لكثرة عددهم لا تنجوا منهم اليعافير. (١) العين: أي المال الحاضر. (٢) آنك: متألم. ٤١٤ غزوة دومة الجندل في شهر ربيع الأول سنة خمس قال ابن إسحاق: ثم انصرف رسولُ اللهِ وَ ﴿ إلى المدينة، فأقام من مَقْدم رسولٍ الله وَلي بها أشهرًا حتى مضى ذو الحجّة وولى تلك الحجّة المشركون وهي سنة أربع ثم غزا رسولُ اللهِوَلِّ دُومة الجَنْدل. قال ابن هشام: في شهر ربيع الأوّل، واستعمل على المدينة سِباع بن عُرْفُطَةَ الغِفَارِيّ. قال ابن إسحاق: ثم رَجع رسولُ اللهِ وَ طله قبل أن يصل إليها، ولم يَلْق كيدًا، فأقام بالمدينة بقيّة سنته. غزوة دُومَةَ الجَنْدَل(١) قال أبو عُبَيْدِ البَكْرِيُّ: سميت دُومَةَ الجَنْدَلِ بدُومي بن إسماعيل، كان نزلها. (١) انظر الواقدي (٤٠٢/١) الطبري (٥٦٤/٢) البداية (٩٢/٤) الطبقات (٤٤/١/٢) ابن حزم (١٨٤) النويري (١٦٢/١٧) أنساب الأشراف (١٦٤/١) المنتظم (٢١٥/٣) السيرة الحلبية (٣٦٢/٢) الشامية (٤/ ٣٨٤) الدلائل (٣٨٩/٣) عيون الأثر (٧٥/٢) الزاد (٢٥٦/٣) ابن سيّد الناس (٥٤/٢) شرح المواهب (٩٤/٢ - ٩٥). ٤١٥ غزوة الخندق في شوال سنة خمس تاريخها: حدّثنا أبو محمد بن عبد الملك بن هشام: قال: حدّثنا زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحق المطّلبي، قال: ثم كانت غزوة الخندق في شوّال سنة خمس. اليهود تحرّض قريشًا: فحدّثني يزيد بن رُومان مَوْلى آل الزُبير بن عُروة بن الزبير، ومَن لا أنَّهم، عن عبد الله بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب القرظيّ، والزُّهري، وعاصم بن عمر بن غزوة الخندق(١) وحَفْرُ الخَنْدَق لم يَكُن من عَادةِ العَرَب، ولكنه من مَكَابِدِ الفُرْسِ وحُروبها، ولذلك أشار به سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ، وأوّلُ مَنْ خَنْدَق الخنادق من مُلُوك الفُرس فيما ذكر الطبري ((مِنُوشِهْر بن أبيرج بن أَفْرِيدُون وقد قيل في أفريدون: إنه ابن إسحق عليه السلام، وأكثرهم يقول فيه: هو ابن أثْقيَان، وهو أوّل من اتخذ آلة)) الرَّمْي، وإلى رأس ستين سنةٍ من مُلْكِه بُعِث موسى عليه السلام، وقد تقدّم ذكر الكَمَائِن في الحروب، وأن أوّل من فعلها بُخْتَنَصَّر في قول الطّبري. (١) انظر البداية (٩٢/٤) الطبري (٥٦٤/٢) الكامل (٧٠/٢) الطبقات (٧٤/١/٢) الواقدي (٤٤٠/٢) إمتاع الأسماع (٢١٧/١) المنتظم (٢٢٧/٣) الاكتفاء (٣٨/٢) عيون الأثر (٧٦/٢) الزاد (٢٦٩/٣) السيرة الحلبية (٤٠١/٢) الشامية (٥١٢/٤) النويري (١٦٦/١٧) والدلائل (٣٩٢/١٣) البخاري (١٠٧/٥) ومسلم (١٤٥/١٢ - نووي). ٤١٦ قَتادة، وعبد الله بن أبي بكر، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق، وبعضهم يحدّث ما لا يحدّث به بعض، قالوا: إنه كان من حديث الخندق أن نفرًا من اليهود، منهم: سلام بن أبي الحُقَيْقِ النَّضَري، وحُييُّ بن أخْطَبَ النَّضري، وكِنانة بن أبي الحُقَيْقِ النَّضَري، وهَوْذَةُ بن قيس الوائلي، وأبو عمَّار الوائلي، في نفر من بني النَّضير، ونَفَر من بني وائل، وهُم الذين حَزَّبوا الأحزاب على رسول الله وَّ، خرجوا حتى قَدِموا على قُريشِ مكّةَ، فدعوهم إلى حَرْب رسول اللهِ وَّر، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه، حتى نَسْتَأْصِلَهُ - فقالت لهم قُريش: يا مَعْشَرَ يَهُودَ، إنكم أهلُ الكتاب الأوّل والعلم بما أصبحنا نَخْتلف فيه نحن ومحمد أفَدِيتُنَا خيرٌ أم دِينُه؟ قالوا: بل دِينُكم خيرٌ من دينه، وأنتم أولى بالحق (منه) فهُم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بالجِبْتِ والطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لهُ نَصِيرًا﴾ ... إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فِضْلِهِ﴾: أي النبوّة، ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبرَاهِيم الكِتابَ والحِكْمَة وآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُم مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ . اليهود تحرّض غطفان: قال: فلما قالوا ذلك لقُريش، سرَّهم ونَشطوا لما دَعَوْهم إليه، من حَرب رسول الله ◌َّ، فاجتمعوا لذلك واتّعدوا له. ثم خرج أولئك النَّفر من يهودَ، حتى جاءوا غَطَفَان، من قيس عَيْلاَنَ، فَدَعَوهم إلى حرب رسول الله وَّل، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه. خروج الأحزاب من المشركين قال ابن إسحق: فخرجت قريش، وقائدُها أبو سُفيان بن حَرْب؛ وخرجت غَطفَان، وقائدها عُيَيْنَةُ بن حِصْنٍ بن حُذَيْفَةَ بن بَذْرٍ، في بني فَزَازَة؛ والحارث بن عَوْف بن أبي وذكر تحزيب بني قُرَيْظَةَ الأحزابَ، ونَسَبَ طائفةً من بني النَّضِير، فقال فيهم النَّضَرِيّ، وهكذا تقيد في النسخة العتيقة، وقياسه: النَّضِيريُّ إلا أنْ يكون من باب قولهم: ثَقَفِيٌّ وقُرَشِيٍّ، وهو خارجٌ عن القياس، وإنما يقال: فَعَلِيٍّ في النَّسَب إلى فَعِيلة. عيينة بن حصن وذكر قائد غَطَّفَان يوم الأحزاب، وهو عُيَيْنَةُ بن حِصْنٍ، واسمه حُذَيْفَةُ، وسُمِّي: عُيَيْنَةُ الروض الأنف/ ج ٣/ م ٢٧ ٤١٧ حارثة المُرِّي، في بني مُرَّة؛ ومِسْعر بن رُخَيلة بن نُويرة بن طَريف بن سُحْمَة بن عبد الله بن هِلال بن خُلاَوَة بن أشْجع بن رَيْثِ بن غَطفان، فيمن تابعه من قومه من أشجع . حفر الخندق وتخاذل المنافقين وجد المؤمنين: فلما سمع بهم رسولُ اللهِ وَلَّ، وما أجمعوا له من الأمر، صَرب الخَنْدَق على المدينة، فعمل فيه رسولُ اللهِ وَ لا تَرْغيبًا للمسلمين في الأجر، وعَمل معه المسلمون فيه، قَدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله وَّر وعن المسلمين في عملهم ذلك رجالٌ من المنافقين، وجعلوا يُوَرّون بالضّعيف من العمل ويتسلَّلون إلى أهليهم بغير عِلْم من رسول اللهِ وََّ، ولا إذن، وجعل الرجلُ من المسلمين إذا نابته النائبة، من الحاجة التي لا بدّ له منها، يذكر ذلك لرسول الله وَالر، ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله، رغبةً في الخير، واحتسابًا له. ما نزل في حق العاملين في الخندق: فأنزل الله تعالى في أولئك من المؤمنين: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حتى يَسْتَأْذُنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شأنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ﴾. فنزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة في الخير، والطاعة لله ولرسوله وَلتر. ثم قال تعالى، يعني المنافقين الذين كانوا يتسلّلون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبيّ ◌َّهِ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولَ بَيْنَكُمْ كَدُعاءٍ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَو يُصِيبَهِم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . لِشَتَرِ كان بِعَيْنِهِ، وهو الذي قال فيه عليه السلام: ((الأحمَقُ المُطَاعُ))، لأنه كان من الجَرَّارِينَ تَتْبَعُهِ عَشْرةُ آلافٍ قَنَاةٍ، وهو الذي قال فيه النبيّ وَّهِ: ((إن شَرَّ الناس من وَدَعَه الناسُ اتَّقاء شَرِّه))(١)، وفي رواية أخرى: أنه قال: ((إني أُداريه، لأني أخشى أن يُفْسِدَ عَلَّي خَلْقًا كثيرًا))، وفي هذا بيان معنى الشّرِّ الذي اتَّقَى منه، وكان دخل على النبيّ ◌ََّ بِغير إذْنٍ، فلما قال له: (١) أخرجه البخاري (١٦/٨) ومسلم في البرّ والصلة (٧٣) وعبد الرزاق في مصنفه (٢٠٤٤). ٤١٨ تفسير بعض الغريب: قال ابن هشام: اللّواذ: الاستتار بالشيء عند الهرب، قال حسَّان بن ثابت : . وقُريْش تَفِرُّ مِنَّا لِواذاً أن يُقيموا وخَفّ منها الحُلومُ وهذا البيت في قصيدة له قد ذكرتها في أشعار يوم أُحُد. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّمَوَاتِ والأرضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. قال ابن إسحاق: من صدق أو كذب. ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . المسلمون يرتجزون في الحفر: قال ابن إسحاق: وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه، وارتجزوا فيه برجل من المسلمين، يقال له جُعَيل، سمّاه رسولُ اللهِ وَلَ: عَمرًا، فقالوا: وكان للبائس يومًا ظَهْرَا سَمَّاه منْ بَعد جُعَيْل عَمْرًا فإذا مرّوا ((بعَمرو)) قال رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((عمرًا))، وإذا مرّوا ((بظَهْرِ)) قال رسولُ الله وَلٌ: ((ظهرًا)). الآيات التي ظهرت في حفر الخندق: قال ابن إسحاق: وكان في حفر الخندق أحاديثُ بلَغتني، فيها من الله تعالى عبرة في تصديق رسول الله وَطهر، وتحقيق نبوّته، عاين ذلك المسلمون. فكان مما بلغني أن جابر بن عبد الله كان يحدّث: أنه اشتدّت عليهم في بعض الخَنْدق كُذية، فشَكَوها إلى رسول الله - رَّ ـ فدعا بإناء من ماء، فتَفل فيه، ثم دعا بما (أين الإذْنُ))؟ قال: ما استأذنت على مُضَرِيٍّ قبلك، وقال: ما هذه الحُمَيْراءُ معك يا محمد؟ فقال: ((هي عائشة بنت أبي بكر))، فقال: طَلِّقْها، وأَنْزِلُ لك عن أُمّ البنين، في أمور كثيرة تذكر من جفائه، أَسْلَم، ثم ارْتَدَّ، وآمن بطُلَيْحَة حينَ تَبَّأ وأُخِذ أسيرًا، فأتى به أبو بكر رضي الله عنه أسيرًا، فَمَنَّ عليه، ولم يزل مُظْهرًا للإِسلام على جَفْوَتِهِ وعُنْجُهيَته ولُوثَة أعْرابِيَّتِه حتى مات. قال الشاعر : ولُوثَةِ أعْرابِيَّتِي لَأَدِيبُ وإنّي على ما كان من عُنْجُهِيَّتي ٤١٩ شاء الله أن يَذْعَو به، ثم نَضَح ذلك الماء على تلك الكُذية، فيقول من حَضرها: فوالذي بَعثه بالحق نبيًّا، لانهالت حتى عادت كالَئيب، لا تردّ فأسًا ولا مِسْحاة. قال ابن إسحاق: وحدّثني سَعيد بن مِينا أنه حُدّث: أن ابنةً لبشير بن سعد، أخت النعمان بن بشير، قالت: دعتني أُمِّ عَمْرة بنتُ روَاحة، فأعطّتني حفنة من تمر في ثَوبي، ثم قال: أي بُنَيَّة، اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رَوَاحة بغدائهما، قالت: فأخذتها، فانطلقت بها، فمررتُ برسول الله وَ ﴿ وأنا ألتمس أبي وخالي؛ فقال: ((تعالى يا بُنيَّة ما هذا معك؟)) قالت: فقلت: يا رسول الله، هذا تمر، بعثتْنِي به أمي إلى أبي بَشير بن سعد، وخالي عبد الله بن رَوَاحة يتغذَّيانه؛ قال: ((هاتيه))؛ قالت: فصَبَيْته في كفّيْ رسول الله ◌َ﴿، فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحا بالتمر عليه، فتبدّد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: ((اصرخ في أهل الخندق: أن هَلُمّ إلى الغداء))، فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه، وجعلَ يزيد، حتى صَدر أهل الخَنْدق عنه، وإنه ليسقُط من أطراف الثوب. قال ابن إسحاق: وحدثني سَعيد بن مينا، عن جابر بن عبد الله، قال: عملنا مع رسول الله وَ﴿ في الخَندق، فكانت عندي شُوَيهة، غير جِدّ سَمِينة. قال: فقلت: والله لو صَنَّعناها لرسول الله وَ﴿؛ قال: فأمرتُ امرأتي، فطحنت لنا شيئًا من شعير، فصنعت لنا منه خبزًا، وذَبحت تلك الشاة، فشَويناها لرسول الله وَ لَّهِ. قال: فلما أمْسَينا وأراد رسولُ الله ◌َلّ الانصراف عن الخندق - قال: وكنا نعمل فيه نهارَنا، فإذا أمْسينا رَجعنا إلى أهالينا - قال: قلت: يا رسول الله، إني قد صنعت له شُوَيهة كانت عندنا، وصنعنا معها شيئًا من خبز هذا الشّعير فأحبّ أن تَنْصرف معي إلى منزلي، وإنما أُريد أن يَنْصَرف معي رسولُ اللهِ وَ له وحدَه. قال: فلما أن قلت له ذلك قال: نعم، ثم أمر صارخًا فصرخ: أن انصرفوا مع رسول الله وَ﴿ إلى بيت جابر بن عبد الله؛ قال: قلت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! قال: فأقبل رسولُ اللهِ وَ ◌ّر، وأقبل الناس معه؛ قال: فجلس وأخرجناها إليه. قال: فبرّك وِسمّى (الله)، ثم أكل، وتوارَدها الناس، كلما فرغ قومٌ قاموا وجاء ناس، حتى صدر أهلُ الخندق عنها. قال ابن إسحاق: وحُدّثت عن سلمان الفارسيّ، أنه قال: ضربتُ في ناحية من الخندق، فغَلُظت عليّ صخرةٌ، ورسولُ اللهِ ﴿﴿ قريب مني؛ فلما رآني أضرب ورأى شدّة المكان عليَّ، نزل فأخذ المِعْول من يدي، فضرب به ضربةً لَمَعَتِ تحت المِعْول برقةٌ، وذكر خَلْرَةُ الخَلْدَقَ، وأنه عَرَضَتْ له صَخْرَةٌ، ووقَع في غيرِ السِّيرَة عَبْلَةٌ وهي الصخرة الصَّمَّاءُ، وجمعها عَبلات، ويقال لها: العَبْلاَءِ والأَعْبَل أيضًا، وهي صخرة بيضاء. ٤٢٠