Indexed OCR Text
Pages 381-400
ثم قاتلوهم حتى قُتِلوا من عند آخرهم، يرحمهم الله، إلا كعبَ بن زيد، أخا بني دينار بن النجَّار، فإنهم تركوه وبه رَمَق، فارتُثْ(١) من بين القَتْلى، فعاش حتى قُتل يوم الخندق شهيدًا، رحمه الله . ابن أُميَّة والمنذر وموقفهما من القوم بعد علمهما بمقتل أصحابهما: وكان في سَرْح القوم عَمْرو بن أُمَيَّةِ الضَّمْرِي، ورجل من الأنصار، أحد بني عمرو بن عوف. قال ابن هشام: هو المُنذر بن محمد بن عُقْبة بن أُحَيْحَة بن الجُلاح. قال ابن إسحاق: فلم يُنبثهما بمُصاب أصحابهما إلا الطير تحومُ على العَسْكر، فقلا: والله إن لهذه الطير لشأنًا، فأقبلا لينظرا، فإذا القوم فِي دِمائهم، وإذا الخيلُ التي أصابتهم واقفة. فقال الأنصاري لعمرو بن أُمَيَّة: ما ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول اللهِ وَ﴿، فتُخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكن ما كنتُ لأرغب بنفسي عن مَوْطن قُتل فيه المُنذر بن عمرو، وما كنتُ لتُخبرني عنه الرجال؛ ثم قاتل القومَ حتى قُتل، وأخذوا عمرو بنَ أُميَّة أسيرًا؛ فلما أخبرهم أنه من مُضر، أطلقه عامر بن الطفيل، وجزّ ناصيته، وأغتقه عن رقبة زعم أنها كانت علی أُمه. إلى آخر الرَّجَز في خَبَر طويل، إنما قال: الأزْبَعَةَ، وهم خَمْسَةٌ، لأن أباه ربيعة قد كان ماتَ قبل ذلك، لا كما قال بعضُ الناس، وهو قول يُغْزَى إلى الفرَّاء أنه قال: إنما قال أربعة، ولم يَقُل خمسة من أجل القوافي، فيقال له: لا يجوز للشاعر أن يَلْحَن لإقامة وَزْنٍ الشّعر، فكيف بأن يَكْذِبَ لإقامة الوزْنِ، وأعجبُ من هذا أنه استشهد به على تأويلٍ فاسدٍ تأوّله في قوله سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّه جَنَّتَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٦] وقال: أرادَ جنَّةً واحدةً، وجاء بلفظ النَّثْنِيةِ، لتتفقَ رُؤوسَ الآي، أو كلامًا هذا معناه، فَصَمْي صَمَامْ ما أشنع هذا الكلام، وأبعدَه عن العِلم، وفهم القرآن: وأقلَّ هَيْبَةِ قائلِه من أنْ يَتَبَوَّأَ مَفْعَدَه من النار، فحذار منه حذار. ومما يدلّك أنهم كانوا أَرْبَعَةً حين قال لَبِيدُ هذه المقالة أن في الخبر ذِكْرَ يُثْم لَبِيد وصِغَر سِنْه، وأن أعمامَه الأربعة اسْتَصْغَرُوه أن يُدْخِلوه معهم على النعمان حين هَمَّهم ما قَاوَلَهُمْ به الربيعُ بن زِيادٍ، فسمعهم لبيدٌ يتحدّثون بذلك، ويَهْتَمُّون له، فسألهم أن يُدْخِلوه معهم على النُّعمانِ، وزعم أنه سَيُفْحِمُه فَتهَاوَنُوا بقوله، حتى اخْتَبَرُوه بأشياءَ مَذْكورةٍ في الخيَر، فبان بهذا كلِّه أنهم كانوا أربعةً، ولو سكت الجاهلُ لقلَّ الخلاَفُ والحمدُ لله. (١) ارتثّ: أي رُفع جريحًا. ٣٨١ قتل العامريين : فخرج عمرو بن أُميَّة، حتى إذا كان بالقَرْقرة من صَدْر قَناةُ(١)، أقبل رجلان من بني عامر. قال ابن هشام: ثم من بني كلاب، وذكر أبو عمرو المدني أنهما من بَني سُليم. قال ابن إسحاق: حتى نزلا معه في ظلُ هو فيه. وكان مع العامريين عَقدٌ من رسول اللهِ وَُّ وجِوار، لم يَعلم به عمرو بن أَميَّة، وقد سألهما حين نزلا، ممن أنتما؟ فقالا: من بني عامر، فأمهلهما، حتى إذا ناما، عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بِهما ثُؤْرةً من بني عامر، فيما أصابوا من أصحاب رسول الله بَّر، فلما قدم عمرو بن أُميَّة على رسول الله وَ ل ◌َ، فأخبره الخَبر، قال رسول الله بَّه: ((لقد قتلتَ قَتيلين، لاَدِینَهما!)). كراهية الرسول عمل أبي برّاء: ثم قال رسولُ الله وَلّر: هذا عمل أبي بَراء، قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا. فبلغ ذلك أبا براء، فشقّ عليه إخفارُ عامر إيَّاه، وما أصاب أصحابَ رسول الله - ◌َّل بسببه وجِواره؛ وكان فيمن أُصيب عامر بن فُهيرة. ابن فهيرة والسماء قال ابن إسحاق: فحدّثني هشام بن عُروة، عن أبيه: أن عامر بن الطُّفيل كان يقول: مَنْ رَجُلٌ مِنهم لمَّا قُتِل رأيته رُفع بين السماء والأرض، حتى رأيت السماء من دونه؟ قالوا: هو عامر بن فُهيرة. مصير ابن فهيرة وذكر ابن إسحق عن هِشَام بن عُزْوَةَ عن أبيه أن عامر بن الطفَيْلِ قال يومئذ: مَنْ رَجُلٌ لما طَعَنْتُه رُفِع حتى رأيتُ السماءَ من دونه. هذه رواية البَكْائي عن ابن إسحق، ورَوَى يونس بن بكير عنه بهذا الإسناد أن عامر بن الطفيل قدم المدينة بعد ذلك، وقال للنبيّ عليه السلام: مَنْ رَجُل يا محمدُ لما طَعَنْتُه رُفِع إلى السماء؟ فقال: هو عامر بن فُهَيْرة ورَوى (١) هي قرقرة الكدر: موضع بناحية المعدن قريب من الأرحضية، بينه وبين المدينة ثمانية برد، وقناة واد يأتي من الطائف. ٣٨٢ سبب إسلام ابن سلمى : قال ابن إسحاق: وقد حدّثني بعض بني جَبَّار بن سَلْمى بن مالك بن جعفر، قال : - وكان جَبار فيمن حضرها يومئذ مع عامر ثم أسْلم - (قال) فكان يقول: إن مما دعاني إلى الإسلام أني طعنتُ رجلاً منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه، فنظرتُ إلى سِنان الرمح حين خرج من صدره، فسمعته يقول: فُزْتُ والله! فقلت في نفسي: ما فاز! ألستُ قد قتلتُ الرجل! قال: حتى سألت بعد ذلك عن قوله، فقالوا: للشهادة؛ فقلت: فاز لعَمْرو الله. شعر حسَّان في تحريض بني أبي براء على عامر: قال ابن إسحاق: وقال حسَّان بن ثابت يحرّض بني أبي بَراء على عامر بن الطفيل : وأنتم مِن ذَوائب أهْل نَجْدٍ بَني أُمَ البَنين ألم يَرُغكم لِيُخْفرَهُ وَمَا خَطأْ كَعَمْدٍ تَهَكُمُ عامِرٍ بأبي بَرَاءِ فمَا أحدثتَ في الحَدَثان بَعدِي ألا أبْلِغْ رَبيعةَ ذا المَساعيِ وخالُك ماجدٌ حَكَم بنُ سَعْد أبُوك أبو الحُرُوب أبو براء نسب حكم وأم البنين: قال ابن هشام: حكم بن سعد: من القَيْن بن جَسْر؛ وأُمّ البنين: بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صَعْصعة وهي أم أبي بَراء. عبد الرَّزَّاقِ وابنُ المُبَارَكِ أن عامر بن فُهَيْرَةَ الْتُمِسَ في القَتْلَى يومئذ، ففُقِد، فيرَون أن الملائكة رفعته أو دَفَتَتْه. أُمّ البنين الأربعة: وذكر قول حسَّان: وأنتم في ذَوَائبِ أَهْلٍ نَجْدِ وهذه أم البنين التي ذكر لبيد في قوله: بَنِي أُمّ البَنينَ أَلَمْ يَرُغْكُمُ نحن بَنِي أُمّ البنين الأزبَعَةُ واسمها: لَيْلِى بنتُ عامر - فيما ذكروا وقد ذكر ابن هشام نسبَها، ولم يذكر اسمَها. ٣٨٣ طعن ربيعة لعامر: قال ابن إسحاق: فحمل ربيعةُ (بن عامر) بن مالك على عامر بن الطفيل، فطَعنه بالرمح، فوقع في فخذه، فأشْواه، ووقع عن فرسه، فقال: هذا عمل أبي بَراء، إن أَمُت فَدمي لعمِّي، فلا يُتْبَعَنَّ به، وإن أعش فسأرى رأيي فيما أُتِيَ إليَّ. مقتل ابن ورقاء ورثاء ابن رواحة له: وقال أنس بن عبَّاس السُّلَميّ، وكان خال طُعيمة بن عديّ بن نوفل، وقَتل يومئذ نافعَ بن بُدَيل بن وَزْقاء الخُزاعيَّ: بمُعْتَرَك تَسفِي عليه الأعاصِرُ تركتُ ابنَ وَرِقَاءَ الخُزاعيَّ ثاويًا وأيقنت أني عند ذلك ثائر ذكرتُ أبا الزَّيَّانِ لما رأيته وأبو الزبَّان: طُعيمة بن عديّ. وقال عبدُ الله بن رواحة يبكي نافع بن بُديل بن وَزْقاء: رحمةَ المُبتغى ثَواب الجهادِ رَحِم الله نافعَ بن بديلٍ أكثرَ القومُ قال قولَ السِّدادِ صابر صادق وفيّ إذا ما شعر حسَّان في بكاء قتلى بئر معونة: وقال حسَّان بن ثابت يبكي قَتلى بئر معونة، ويخُصُّ المُنذر بن عمرو: بدَمْعِ العَيْنِ سَخًّا غير نَزْرِ على قَتْلَى مَعونةَ فاستهلي مَناياهُم ولاقَتْهم بقَذْر على خَيْلِ الرَّسولِ غداةَ لاقَوا وذكر قول أنس بن عباس السلمي : بمُعْتَرَكِ تَسْفِي عليه الأَعَاصِرُ تركتُ ابنَ وَزقاءَ الخُزَاعِيَّ ثاوِیًا وأيقَنْتُ أني عند ذلك ثائِرُ ذكرت أبا الزَّبَّانِ لما رأيتُه الزبان أو الريّان: هكذا وقع في النسخة أبا الزبَّانِ، وفي رواية إبراهيم بن سَعْدٍ: أبا الرَّيَّانِ بالراء المهملة، وبالياء أخت الواو، وهكذا ذكره الدَّارَقُطْنيُّ في المُؤْتَلِف والمُخْتَلِف، كما في رواية إبراهيم بن سعد. ٣٨٤ نُخُوّن عَقْدُ حَبْلهم بغَذْر أصابهمُ الفَناءُ بعَقْدٍ قوْم وأعنَق في منيَّته بصَبْر فيّا لَهْفي لمُنذِر إذْ توَلَّى وكائنْ قد أُصيب غداة ذاكُم منَ ابْيض ماجدٍ من سرّ عمرو قال ابن هشام: أنشدني آخرها بيتًا أبو زيد الأنصاري. شعر كعب في يوم بئر معونة: وأنشدني لكعب بن مالك في يوم بئر مَعونة، يُعَيِّر بني جعفر بن كلاب: مخافةَ حَرْبهم عَجزًا وهُونا ترَكتُم جاركم لبَنِي سُلَيم لمَدّ بحَبْلها حبلاً مَتِينا فلو حَبْلاً تناولَ من عُقَيل وقِدْما ما وَفَوا إذ لا تَفُونا أو القُرَطاءِ ما إن أَسْلَموه نسب القرطاء قال ابن هشام: القُرطاء: قبيلة من هَوازن، ويُروى (من نَفيل)) مكان ((من عقيل))، وهو الصحيح؛ لأن القُرَطاء من نُفَيل قريب. القرطاء وذكر شعر كعب وفيه: أو القُرَطَاءِ ما إن أسْلَمُوه. القُرَطَاءُ: هم بنو قُرْطٍ وقُرَيْطٍ وقَرِيطِ، وهم أَبْطُنّ من بني عَامِرٍ ثم من بَنِي كِلاَبٍ. شيء منسوخ: ولما قتل أصحابُ بئر معونة نزل فيهم قرآن، ثم رُفع: أن أبلغوا قَوْمَنَا أَنْ قد لَقِينَا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينا عنه، فثبت هذا في الصَّحِيح؛ وليس عليه رَوْنَقُ الإعجاز، فيقال: إنه لم يَنْزِل بهذا النظم، ولكن بِنَظُمِ مُعْجِزٍ كَنَظُم القُرْآنِ. فإن قيل: إنه خَبرٌ والخبَر لا يدخلُه النسخُ، قلنا: لم يُنْسَخ منه الخبرُ، وإنما نُسِخَ منه الحكم، فإنَّ حُكْم القرآن أنْ يُتْلَى في الصَّلاة، وأنْ لا يَمَسَّه إلاَّ طاهرٌ، وأن يُكْتبَ بين اللَّوْحَيْن، وأن يكون تعلُّمه من فُروض الكِفاية، فكل ما نُسِخَ، ورفعت منه هذه الأحكامٌ، وإن بقي محفوظًا، فإنه منسوخٌ، فإن تضمن حُكْمًا جاز أنْ يَبْقَى ذلك الحكمُ معمولاً به، وأنكرت ذلك المعتزلةُ، وإن تضَمَّن خبرًا بقي ذلك الخبرُ مُصدقًا به، وأحكامُ التلاوة منسوخةٌ ٣٨٥ الروض الأنف/ ج ٣/ ٢ ٢٥ عنه، كما قد نزل: ((لو أن لابن آدمَ وَادِيَيْن مِن ذَهَبِ لابْتَغَى لهما ثالثًا، ولا يملأ جَوْفَ ابنِ آدم إلاّ الترابَ، ويتوبُ الله على من تاب))(١). ويُروى: لا يملأ عَيْنَيْ ابن آدمَ، وَفَم ابنِ آدم، كل ذلك في الصحيح، وكذلك رُوي : واديًا من مالٍ أيضًا، فهذا خَبرٌ حَقٍّ، والخبر لا يُنْسخُ، ولكن نُسِخِ منه أحكامُ التّلاوة له، وكانت هذه الآية أعني قوله: لو أنَّ لابن آدمَ في سُورَة يُونُسَ بعد قوله: كأن لم تَغْنَ بالأمْسِ كذلك نُفَصِّل الآياتِ لقوم يتفكرون، كذلك قال ابن سلام، وأما الحكم الذي بَقِي، وكان قرآنًا يُثْلَى: ((فالشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنيا، فارجُمُوهُمَا البَنَّة نَكَالاً من الله، ولا تَرْغَبُوا عن آبائِكم، فإن ذلك كُفْرٌ بكم))(٢)، فهذا حكمٌ كان نسخُه جائزًا حين نُسِخَ حكمُ التلاوة، وكان جائزًا أن يبقى حُكْمُ التِّلاَوَةِ، وينسخ هذا الحكم بخلاف هذا الخبر كما تقدّم. (١) أخرجه البخاري (١١٥/٨) وأحمد (١٦٨/٣) والترمذي (٣٧٩٣) وابن ماجة (٤٢٣٥) وابن حبان (٤٨٤ - موارد). (٢) انظر أحمد (١٨٣/٥) والبيهقي (٢١١/٨) والدارمي (١٧٩/٢) والقرطبي في تفسيره (٨٩/٥) وفتح الباري (٩/ ٦٥). ٣٨٦ أمر إجلاء بني النضير في سنة أربع بنو النضير يأتمرون بالرسول الله : قال ابن إسحاق: ثم خرج رسولُ اللهِ وَّه إلى بني النَّضير يَسْتعينهم في دِيّة ذينك القَتيلين من بني عامر، اللذين قَتل عمرو بن أُميَّةِ الضَّمْري، للجوار الذي كان رسولُ اللهِ وَلّ عَقد لهما، كما حدّثني يزيد بن رُومان، وكان بين بني النَّضير وبين بني عامر عَقْد وچِلْف. فلمَّا أتاهم رسولُ اللهِ وَلَهِ يَسْتعينهم في دِيّة ذَيْنك القَتيلين، قالوا: نعم، يا أبا القاسم، نُعينك على ما أحببت، مما استَعَنت بنا عليه. ثم خلا بعضُهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجلَ على مثل حاله هذه - ورسولُ اللهِ وَّه إلى جَنْب جِدار من بيوتهم قاعد - فمَنْ رجلٌ يعلُو على هذا البيت، فيُلْقى عليه صخرةً، فَيريحنا منه؟ فانتدَب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدُهم، فقال: أنا لذلك، فصَعد ليُلْقَى عليه صخرَة كما ، غزوة بني النضير وما نزل فيها(١) ذكر ابن إسحق هذه الغزوةً في هذا الموضِع، وكان ينبغي أن يذكرها بعد بَدْرٍ، لما روى عقيل بن خَالِد وغيره عن الزُّهْري، قال: كانت غَزْوَةُ بني النَّضير بعد بَذْرٍ بسِئَّةٍ ◌ُشھر . (١) انظر الواقدي (٣٦٣/١) الطبقات (٤٠/٢/١) تاريخ الطبري (٥٥٠/٢) البداية (٧٤/٤) الكامل (٦٤/٢) الاكتفاء (١٤٦/٢) المنتظم (٢٠٣/٣) ابن حزم (١٨١) عيون الأثر (٦١/٢) السيرة الحلبية (٣٤٤/٢) الشامية (٩/٤) أنساب الأشراف (١٦٣/١) الدرر لابن عبد البر (١٦٤) النويري (١٣٧/١٧). وانظر البخاري (٨٨/٥) الدلائل (١٧٦/٣/ ٣٥٤) الفتح (٣٢٩/٧). ٣٨٧ قال، ورسولُ اللهِ وَلّ فِي نَفَر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعليّ، رِضْوان الله علیھم. الله يُعلم نبيّه بما دبروا: فأَتَّى رسولَ اللهِوَ ﴿ الخبرُ من السماء بما أراد القومُ، فقام وخرج راجعًا إلى المدينة، فلما اسْتلبث النبيَّ وَلِّ أصحابُه، قاموا في طَلبه، فلقُوا رجلاً مُقبلاً من المدينة، فسألوه عنه؛ فقال: ((رأيته داخلاً المدينة)). فأقبل أصحابُ رسول الله وَّر، حتى انتهوا إليه ◌َ*، فأخبرهم الخبرَ، بما كانت اليهودُ أرادتْ من الغَذْر به، وأمرَ رسولُ اللهِ وَاهـ بالتّھیؤ لحزبهم، والسَّیر إلیھم. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أُمّ مكتوم. قال ابن إسحاق: ثم سار النَّاس حتى نزل بهم. قال ابن هشام: وذلك في شهر ربيع الأوّل، فحاصرهم ستَّ ليال؛ ونزل تحريم الخمر . حصار الرسول لبني النضير: قال ابن إسحاق: فتحصَّنوا منه في الحُصون، فأمر رسولُ الله - وَ﴿رَ بِقَطْعِ النَّخيل والتَّخريق فيها، فنادَوْه: أنْ يا محمد، قد كنتَ تَنْهى عن الفساد، وتَعِيبه على مَن صَنَعه، فما بال قَطْع النخل وتحريقها؟ قطع اللينة وتأويله: وذكر نزولَ رسول الله - وَ ﴿ ـ ببني النَّضِير، وَسْيَرَه إليهم حين نَقَضُوا العهدَ الذي كان بينهم وبينه، وهمّوا بقتْلِه، فلما تَحَصَّنوا في حُصُونِهم وحُرِقَ نخلُهم نادَوْه أن يا محمدُ، قد كنتَ تَنْهَى عن الفسادِ وتعيبُه، وذكر الحديثَ. قال أهلُ التأويل: وقع في نفوس المسلمين من هذا الكلام شيءٌ، حتى أنزل الله تعالى: ﴿ما قَطَعْتُمْ من لِينَةٍ أو تَرَكْتُمُوها قائمَةٌ على أُصولها﴾ [الحشر: ٥] الآية. واللينَةُ ألوانُ الثَّمْرِ ما عدا العَجْوةَ والبَزْنِيّ ففي هذه الآية أن النبيّ - ﴿ - لم يَخْرِقْ من نخْلِهِمْ إلاَّ ما ليس بقُوتٍ للناسِ، وكانوا يَقْتَاتُون العَجْوَةَ، وفي الحديث: ((العَجْوَة من الجَنَّةِ))(١)، وثَمَرُها يَغْذُو أحسن غِذَاءٍ، والبَزْنِيَّ أيضًا كذلك. وقال أبو (١) أخرجه الترمذي (٢٠٦٦/ ٢٠٦٨) وابن ماجة (٣٥٤٣/ ٣٥٤٥) وأحمد (٣٠١/٢ /٣٠٥) والدارمي (٣٣٨/٢). ٣٨٨ تحريض الرهط لهم ثم محاولتهم الصلح: وقد كان رَهْط من بني عَوْف بن الخزرج، منهم (عدُوّ الله) عبدُ الله بن أُبَيّ ابن سَلول، ووديعة، ومالك بن أبي قَوْقل، وسُوَيد وداعِس، قد بعثوا إلى بني النَّضير: أن اثبتُوا وتمنّعوا، فإنَّا لن نُسلَمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخْرِجتم خَرَجنا معكم، فتربَّصوا ذلك من نَصْرهم، فلم يَفْعلوا، وقَذف الله في قلوبهم الرُّعب، وسألوا رسولَ الله وَل﴿ أن يُجْليَهم ويكفّ عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحَلْقة، ففعل. فاحتملوا من أموالهم ما استقلَّت به الإبلُ، فكان الرجلُ منهم يَهْدِه بيتَه عن نِجَافِ بابِهِ، فيَضعه على ظَهْر بعيرِه، فينطلق به. فخرَجوا إلى خَيْبَر ومنهم مَن سار إلى الشام. من هاجر منهم إلى خيبر: فكان أشرافُهم مَنْ سار منهم إلى خَيْبر: سلام بن أبي الحُقَيق، وكِنانة بن الرَّبيع بن أبي الحُقَيق، وحُيّيّ بن أخْطَب. فلما نزلوها دان لهم أهلُها. قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن أبي بكر أنه حُدّث: أنهم استقلُّوا بالنساء والأبناء والأموال، معه الدُّفوف والمزامير، والقِيان يَعْزفن خَلْفهم، وإنّ فيهم لأُمّ عَمْرو صاحبةَ عُزْوة بن الوَزْد العَبْسيّ، التي ابتاعوا منه، وكانت إحدى نساء بني غِفار، بزُهَاءٍ وفَخْر ما رُئِيَ مثله من حيّ من الناس في زمانهم. تقسیم الرسول أموالهم بين المهاجرين: وخلّوا الأموال لرسول الله وَلغيره، فكانت لرسول الله وَل خاصّةً، يضعها حيث يشاء، فقسَّمها رسولُ الله ◌َّر على المهاجرين الأوّلين دون الأنصار. إلاّ أنّ سَهْل بن حُنيف وأبا دُجانة سِماك بن خَرشة ذكرا فَقْرًا، فأعطاهما رسولُ اللهِ وَلِ. حنيفة: معناه بالفارسية حِمْلٌ مُبَارَكٌ، لأن بَرَّ معناه: حِمْلٌ، ونِيّ معناه جَيِّدٌ، أو مُبَارَكٌ فَعرَّبته العرب، وأدخلته في كلامها، وفي حدیث وفد عبد القيس أن رسولَ الله - پ۔۔ قال لهم، وذَكَر البَزْنِيَّ: إنه من خير تَمْرِكُم، وإنه دواءٌ وليس بِدَاءٍ، رواه منهم مَزِيدَةُ العَصْرِيّ، ففي قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ ولم يقل: من نَخْلَةٍ على العموم: تنبيه على كراهةٍ قطع ما يُقْتَاتُ ويَغْذُو من شَجَر العَدُوِّ إذا رُچِي أن يصيرَ إلى المسلمين، وقد كان الصِّدِيقِ - رضي الله عنه - يوصي الجيوشَ ألاَّ يَقْطِعُوا شَجَرًا مُثْمِرًا، وأخذ بذلك [أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو] الأوْزَاعِيُّ، فإمّا تأوَّلوا حديثَ بني النَّضِير، وإما رأوه خَاصًّا للنبيّ عليه السلام، ولم ٣٨٩ من أسلم من بني النضير: ولم يُسْلم من بني النَّضير إلاّ رجلان: يامينُ بن عُمر، أبو كَعْب بن عمرو بن جِحاش؛ وأبو سعد بن وهب، أسْلما على أموالهما فأخرزاها. تحريض يامين على قتل ابن جحاش: قال ابن إسحاق : - وقد حدّثني بعض آل يامين: أن رسولَ الله وَ ◌ّر قال ليامين: ألم تر ما لقِيتُ من ابن عمِّك، وما هم به من شأني؟ فجعل يامينُ بن عُمير لرجعل جُعْلاً على أن يقتل له عَمْرو بن جِحاش، فقَتله فيما يزعمون. ما نزل في بني النضير من القرآن ونزل في بني النَّضير سورةُ الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم الله به من نقمته. وما سلْط عليهم به رسوله وََّ، وما عمل فيه فيهم، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ مِنْ دِيارِهِم لِأَوَّلِ الحَشْرِ ما ◌َظَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أنَّهُم مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فأتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَخْتَسِبُوا وَقَدَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّغْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾، وذلك لهَذمهم بيوتهم عن نُجُف أبوابهم إذا احتملوها. ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُوْلِي الأَبْصَارِ وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءِ﴾ وكان لهم من الله نقمة، ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾: أي بالسيف، ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عذابُ النَّارِ﴾ مع ذلك. ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾. واللينة: ما خالف العجوة من النخل ﴿فَبَإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي فبأمر الله قُطعت، لم يكن فسادًا، ولكن كان نقمة من الله ﴿وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾. يختلفوا أن سورة الحَشْر نزلت في بني النَّضِير، ولا اختلفوا في أموالهم، لأن المسلمين لم يُوجِفُوا عليها بخَيْلِ ولا ركَابٍ، وإنما قُذِفَ الرُّعْبُ في قُلوبهم وجَلَوْا عن منازِلهم إلى خَيْبَر، ولم يكن ذلك عن قتالٍ من المسلمين لهم، فقسمها النبيُّ وَّهِ - بين المهاجرين، ليرفع بذلك مُؤْنَتَهُمْ عن الأنصارِ، إذ كانوا قد ساهَمُوهم في الأموال والدِّيار، غير أنه أعطى أبا دُجَانَة وسَهْلَ بن حُنَيْفٍ لحاجتهما، وقال غير ابن إسحاق: وأعطى ثلاثة من الأنصارِ، وذكر الحارث بن الصَّمَّة فیھم. حول أوّل سورة الحشر وقوله سبحانه: ﴿يُخَرِّبُون بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأيْدِي المؤمنين﴾ [الحشر: ٢]. أي: يُخَرِّبُونها من داخلٍ، والمؤمنون من خَارِج، وقيل: معنى بأيديهم بما كسبت أيديهمْ مِنْ نَقْضِ العَهْد، وأيدي المؤمنين، أي: بجهادهم. ٣٩٠ ۔۔ تفسير ابن هشام لبعض الغريب: قال ابن هشام: اللّينة: من الألوان، وهي ما لم تكن بَرْنِيَّة ولا عَجْوة من النخل، فيما حدّثنا أبو عُبيدة. قال ذو الرُّمَّة: كأنّ قُتُودي فوقها عُشَّ طائر على لِينَةٍ سَوْقَاءَ تَهْفو جُنُوبها وهذا البيت في قصيدة له. ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ - قال ابن إسحاق: يعني من بني النَّضير - ﴿فمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خَيْلِ وَلا رِكابٍ ولكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ على كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ : أي له خاصة. تفسير ابن هشام لبعض الغريب: قال ابن هشام: أوجفتم: حركتم وأتعبتم في السير. قال تميم بن أبيّ بن مُقْبِل أحد بني عامر بن صَعْصعة: عن الرّكب أحيانًا إذا الركبُ أوجَفوا مذاويد بالبيض الحَديثِ صِقالها وهذا البيت في قصيدة له، وهو الوجيف. (و) قال أبو زيد الطائيّ، واسمه حَرْملة بن المُنْذِر: مُسْنفات كأنهنَّ قَنا الهثـ ـدِ لِطُول الوَجِيف جَذْبَ المَرُود وهذا البيت في قصيدة له. وقوله: (لأوَّلِ الحَشْرِ)، رَوى موسى بن عُقْبَةَ أنهم قالوا له: إلى أين تخرج يا محمد؟ قال: إلى الحَشْرِ، يعني: أرضَ المَخْشَر، وهي الشَّام، وقيل: إنهم كانوا من بَسْطٍ لم يُضْبُهم جَلاءُ قَبلها، فلذلك قال: لأوَّل الحَشْرِ، والحشرُ: الجلاء، وقيل: إن الحشرَ الثاني، هو حشْرُ النار التي تخرج من قَعْر عَدَن فتحشُر الناسَ إلى الموقف، تَبِيت معهم، حيث باتوا، وتقيلُ معهم قالُوا، وتأكل مَنْ تَخَلَّف، والآية مُتَضَمِّنَةٌ لهذه الأقوالِ كُلِّها، ولزائدٍ عليها، فإن قوله: لأوَّل الحَشْرِ يُؤْذِن أن ثَمَّ حَشْرًا آخرَ، فكان هذا الحشرُ والجلاءُ إلى خَيْبَر، ثم أجلاهم عُمَر من خَيْبَر إلى تَيْمَاء وأَرِيحًا، وذلك حين بلغه التَّقَبْتُ عن النبيّ وَّ أنه قال: ((لا يَبْقَين دِينان بأرض العرب»(١). (١) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٤٦٣/٦). ٣٩١ قال ابن هشام: السِّناف: البِطان. والوجيف (أيضًا): وجيف القلب والكبد، وهو الضَّربان. قال قيس بن الخَطِيمِ الظَّفَري: أكْبادُنا مِنْ وَرائهم تَجِف إنّا وإن قَدَّموا التي علمُوا وهذا البيتَ في قصيدة له. ﴿ما أفاءَ اللَّهُ على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَللَّهِ وللرَّسُولِ﴾ - قال ابن إسحق: ما يُوجِف عليه المسلمون بالخيل والركاب، وفُتح بالحرب عنوة فللَّه وللرسول - ﴿وَلِذِي القُرْبَى واليَتَامَى والمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْلا يَكُونَ دُولةً بينَ الأغْنِياءِ مِنْكُمْ ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فخُذُوهُ ومَا نهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. يقول: هذا قَسْم آخر فيما أُصيب بالحرب بين المسلمين، على ما وضعه الله علیه. ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَر إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾ يعني عبد الله بن أُبَيِّ وأصحابه، ومَن كان على مثل أمرهم ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ﴾: يعني بني النَّضير، إلى قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: يعني بني قَيْقاع. ثم القصّة .. إلى قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قَالَ للإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنّي بَرِيءٌ مِنْكَ إنّي أَخافُ الله رَبَّ العَالَمِينَ فكانَ عاقبتَهُما أَنْهُما في النارِ خالِدَيْنِ فِيهَا وذلكَ جزاءُ الظَّالمينَ﴾. ما قيل في بني النضير من الشعر: وكان مما قيل في بَني النَّضير من الشعر قولُ ابن لُقيْمِ العَيْثمي، ويقال: قاله قيس بن بَحْر بن طَرِيف. قال ابن هشام: قيس بن بحر الأشجعي - فقال: وقوله: ﴿فأتاهم الله من حَيْثُ لَمْ يَخْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]، يقال: نَزَلت في قتْلِ كعب بن الأشْرَفِ. وقوله تعالى: ﴿ما أفاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِه مِنْ أهلِ القُرى﴾ [الحشر: ٧]. ورُوِي عن مالكِ أنه قال: هم بنو قُرَيْظَةَ، وأهلُ التأويل على أنها عامَّة في جميع القُرى المُفْتَتَحَةِ على المسلمين وإن اختلفوا في حُكْمِها، فرأى قوم قَسْمَها كما تُقْسَمَ الغنائمُ، ورأى بعضُهم للإمام أن يَقفَها، وسيأتي بيانُ هذه المسألة في غَزْوَةِ خَيْبَر إن شاء الله. ٣٩٢ أهْلِي فِداءٌ لامرِىءٍ غيرِ هالكِ يَقيلون في جَمْرِ الغَضَاةِ وبُدّلُوا فإنْ يَكُ ظَنِّي صَادقًا بِمُحَمَّدٍ يَؤْمِ بهَا عمرو بن بُهْثة إنهُمْ عليهنّ أبطالٌ مساعيرُ في الوَغَى وكُلَّ رقيق الشّفرتين مهنّد فمَنْ مُبْلغٌ عنّي قُرَيشًا رِسالةً بأنَّ أخاكم فاعلمُنْ محمَّدًا فدِينُوا له بالحقّ تَجْسُم أمُورُكم نبِيّ تلاقَتْه من الله رحمةٌ فقد كانَ في بَذْرٍ لعَمْرِي عِبْرةٌ غداةً أتَى في الخَزْرجيَّة عامدًا أحَلَّ اليهودَ بالحَسيّ المُزَنَّم(١) أُهَيْضِب عُودي بالوَدِيّ المُكمَّم تَرَوْا خَيْلَه بين الصَّلا(٢) ويَزْمرم عذوّ وما حيّ صديق كمُجْرِم يهزّون أطْرافَ الوَشِيج (٣) المُقوّم تُوُورِثْن من أزْمان عادٍ وجُزْهم فَهَلْ بعدهم في المجْدِ من مُتكرّم تَلِيدُ النَّدى بين الحَجون وزَمْزم وتَسْموا من الدُّنيا إلى كلّ مِعْظَم ولا تَسألُوه أمرَ غَيْبٍ مُرَجّم لكم يا قُرَيْشًا والقَّلِيبِ المُلَمَّمِ إليكم مُطيعًا للعظيم المُكّرِّم وذكر شِعر العَبْسِيِّ في إجلاء اليهود، فقال: أُحَلَّ اليهودَ بالحَسِيِّ المُزَثَّمِ يريد: أَحَلَّهم بأرض غُرْبَةٍ، وفي غير عشائِرِهم، والزَّنِيمُ والمُزَنَّمُ: الرجلُ يكون في القوم، وليس منهم، أي أنزلهم بمنزلة الحَسِيِّ، أي: المُبْعَد الطَّريدُ، وإنما جُعل الطريدُ الذَّلِيلُ حَسِيًّا لِإِنه عُرْضَةُ الأَكْلِ، والحَسِيُّ والحَسُوُ ما يُخْسَى من الطعام حَسْوًا، أي أنه لا يَمْتَنِعِ على آكل، ويجوز أن يريد بالحَسِيِّ معنى الغَذِيِّ من الغَنَم، وهو الصَّغِيرُ الضّعِيفُ الذي لا يستطيع الرَّغي، يقال: بُدُلوا بالمالِ الدَّثْرِ والإِبِلِ الكُوم رُذَالَ المالِ وغِذَاءَ الغَنَم، والمُزَنَّمَ منه، فهذا وَجْهٌ يحتمل، وقد أكثرتُ النَّقِيرَ عن الْحَسيِّ في مَضَانْهِ من اللغة فلم أجد نَصَّا شافيًا أكثر من قول أبي عَلِيٍّ: الحَسِيَّةُ، والحَسِيُّ ما يُخْسَى من الطعام، وإذ قد وَجدنًا الغَذِيّ واحد غِذاءِ الغَنَم، فالحَسِيُّ في معناه غيرُ مُمْتَنِعٍ أن يقال، والله أعلم. والمُزَنْمُ أيضًا: صِغَارُ الإبِلِ، وسائرُ هذا الشعرِ مع ما يعدّه من الأشعار ليس فيه عَويصٌ من الغريب، ولا مُسْتَغْلِقُ من الكلام. (١) المزنم: من دخل في قوم وليس منهم. (٣) الوشيج: الرماح. (٢) الصلا: وسط الظهر. ٣٩٣ رسولاً مِن الرَّحمن حَقًّا بَعْلَم مُعانًا برُوحِ القُدْس یُنکی عَدُوّه فلمَّا أنارَ الحَقُّ لم يتَلَغْثَم رسولاً مِنَ الرَّحمن يَثْلو کِتابَه عُلُوًّا لأمر حَمَّه الله مُخكم أرى أمرَه يَزْداد في كلّ مَوطن قال ابن هشام: عمرو بن بُهْثة، من غَطَفان. وقوله: ((بالحسيّ المزنم)) عن غير ابن إسحق : قال ابن إسحاق: وقال عليّ بن أبي طالب: يذكر إجلاء بني النضير، وقَتْل کعب بن الأشرف. قال ابن هشام: قالها رجلٌ من المسلمين غير عليّ بن أبي طالب، فيما ذكر لي بعضُ أهل العلم بالشّعر، ولم أر أحدًا منهم يعرفها لعليّ: وأيْقَنْتُ حَقًّا ولم أصْدِفٍ عرفتُ ومَنْ يَعْتَدلْ يَعْرِفِ لدى الله ذي الرأفة الأرأف عَن الكلم المُحكم اللاء من بهنّ اصطَفَى أحمدَ المُصْطَفى رسائلُ تُذْرَس في المُؤمنين عزيزَ المقامةِ والمَوْقِف فأصبح أحمدُ فِينا عزيزًا ولم يأتِ جَوْرًا ولم يَغْنُف فيا أيُّها المُوعِدوه سَفاهًا ألَستم تَخافُون أدنى العَذابِ وأنْ تُضرعوا تحت أسْيافه غَداة رأى الله طُغْيانه فأنْزَلَ جبريلَ في قَتْله وما آمِنُ اللهِ كالأَخْوف كمَضرع كعبٍ أبي الأشْرف وأعرض كالجمّل الأجْنَف(١) بِوَخيٍ إِلى عَبْده مُلْطّف الكاهنان: وما ذكر من أمر الكاهنين فهما قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ، وفي الحديث: يخرج في الكاهِنَيْن رجل يَذْرُسُ القرآنَ ذَرْسًا لم يَذْرُسْه أحدٌ قبله، ولا يَذْرُسُه أحدٌ بعده(٢)، فكانوا يَرَوْنَه أنه مُحَمَّد بن كَعْبِ القَرَظِيّ وهو محمد بن كعب بن عطية، وسيأتي خبرُ جَدِّه عَطِيَّة في بني قُرَيْظَةَ، والكاهنُ في اللغة بمعنى الكاهِلِ، وهو الذي يقوم بحاجةِ أهلِه، إذا خَلَفَ عليهم، يقال: هو كاهنُ أبيهِ وكاهِلُه، قاله الهروي، فيحتمل أن يكون سُمِّي الكاهِنَان بهذا. (١) الأجنف: المنحني الظهر. (٢) أخرجه أحمد (١١/٦) والبيهقي في الدلائل (٤٩٩/٦). ٣٩٤ فَدَسَّ الرَّسولُ رسولاً له فَبَاتَتْ عَيُونْ لَهُ مُغْوِلاتٍ وقُلْن لأحمَد ذَرْنا قَليلاً فخَلاَّهُمُ ثم قالَ اظْعَنُوا(١) وأجْلَى النَّضِيرَ إلى غُرْبةٍ إلى أذرِعاتٍ رُدَافَى وَهُم فأجابه سَماك اليهوديّ، فقال : إِنْ تَفْخَرُوا فَهُوَ فَخْرٌ لكم غَداةَ غَدَوْتُم على حَتْفه بأبْيَض ذِي هَبَّة مُزْهَف متى يُنْعَ كعبُ لهَا تَذْرِف فإنَّا مِنَ النَّوْحِ لم نَشْتَف دُحورًا (٢) على رَغْم الآنْف(٣) وكانوا بدارٍ ذوي زُخْرف على كلّ ذي دَبَر أعْجَف بمَقْتلٍ كَغْبٍ أبي الأشرف ولم يَأْت غدرًا ولم يُخْلِف خروج بني النضير إلی خییر: فصل: وذكر ابن إسحاقٍ خروجَ بني النَّضِير، إلى خيبر، وأنهم استقلّوا بالنساء والأبناء والأموالِ معهم الدفوفُ والمزامير والقِيَانُ يَعْزِفْنَ خَلْفَهم، وإنَّ فيهم لأُمَّ عَمْرٍو صاحبة عُزْوَةً بن الوَزْدِ التي ابتاعوا منه، وكان إحدى نساء بني غِفَار. انتهى كلام ابن إسحق، ولم يذكر اسمَها في رواية البَكَّائي عنه، وذكره في غيرِها، وهي سَلْمَى، قال الأصْمَعِيُّ: اسمها: لَيْلَى بنت شَعْوَاء، وقال أبو الفرج: هي سَلْمَى أُمُّ وَهْبِ امرأةٌ من كِنَانَة، كانت ناكحًا في مُزِينَةً، فأغار عليها عُرْوةُ بن الوَردِ، فسباها، وذكر الحديث، وقول أبي الفرج إنها من كِنَانَة لا يدفع قول ابن إسحق إنها من غِفَار، لأن غِفَارَ من كِنَانَةَ غِفَارُ بن مُلَيْلٍ بن ضَمْرَةً بن لَيْثِ بن بَكْر بن عَبْدِ مَنَاة بن كِنَانَةَ. وعُزْوَةُ بن الوَزْدِ بن زَيْد، ويقال: ابن عَمْرو بن نَاشِب بن هِدْم بن عَوْذ بن غالبٍ بن قُطَيْعَة بن عَبْس، فهو عَبْسِيٍّ غَطَفَانِيُّ قَيْسِيٍّ، لأن عَبْسًا هو ابنُ بَغِيضٍ بن ريْثِ بن غَطَفَانَ قال فيه عبدُ الملك بن مروان: ما يسرني أنَّ أَحَدًا من العرب ولدني إلا عُزْوَةُ بن الوَرْدِ لقوله: بِجِسْمِي مَسَّ الحَقِّ والحَقُّ جَاهِدُ أَتَهْزَأُ مِنِّي أَنْ سَمِنْتَ، وقد تَرَی وأنت امْرُؤْ عافي إنائِك وَاحِدُ وأخْسُو قَراحَ الماءِ والماءُ بارِدُ(٤) إنّي امْرُؤْ عافِي إنائِيَ شِرْكَةٌ أُقْسِّم جِسْمِي في جُسُومٍ كَثِيرةٍ (١) أظعنوا: ارتحلوا. (٣) الآنف: السابق. (٢) دحورًا: مهزومين. (٤) انظر الأمالي للقالي (٢٠٤/٢). ٣٩٥ يُديل مِنَ العادِل المُنْصِف وعَقْرِ النَّخِيل ولم تُقْطَّف وكلّ جُسامٍ مَعَّا مَرْهَف فَعَلَّ اللَّيالي وَصَرَفَ الدُّهُور بِقَتْلِ النَّضير وأخلافِها فإنْ لا أمُتْ نَأْتَكُم بالقَنَا متى يَلْق قِرْنًا له يُثْلِف بكفِّ كَمِيِّ به يَختمي إذا غاوَر القَوْمَ لم يَضْعُف مَعَ القَوْمِ صَخْرٌ وأشْياعُه كَلَيْثٍ بِتَرْجِ حمَّى غِيلَه أخِي غابةٍ هاصِرٍ أجْوَف شعر كعب في إجلاء بني النضير وقتل ابن الأشرف: قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقَتْل كعب بن الأشرف: كذاكَ الدّهْرُ ذو صَرْفِ يَدُورُ لقد خَزِيَتْ بِغَدْرتها الحُبُورُ(١) عَزيزِ أمرُه أمرٌ كَبِير وذلك أنّهم كَفَرُوا برَبِّ وجاءهُمُ مِنَ اللهِ النَّذِير وآياتٍ مُبِيَّنةً تُنير وأنتَ بِمُنكَر منَّا جَدير يُصدّقني به الفَهِم الخَبِير ومن يَكْفر به يُجْزَ الكَفُور وحاد بهِمْ عن الحَقّ الثّفور وكان الله يَخكُمُ لا يَجُور وكان نَصِيرُه نِعْمَ النَّصِير وقد أُوقُوا مَعَا فَهْمًا وَعِلْمًا نذيرٌ صادِقٌ أدّى كِتَابًا فقالوا: ما أتَيْتَ بأمرٍ صِدْقٍ فقال: بَلى لقد أدّيْتُ حَقًّا فمن يَتْبعه يُهْدَ لكلّ رُشْدٍ فلما أُشْربوا غدرًا وكُفرًا أرى الله النّبِيَّ برأيٍ صدقٍ فَأَيَّده وسَلَّطه عليهِم وكان يقال: مَنْ قال: إن حاتمًا أَسْمَحُ العَرَب، فقد ظلم عُرَوَةَ بن الوَرْدِ، قال أبو الفرج: وكان عُرْوَةُ يَتَردِّدُ على بني النَّضِيرَ، فَيَسْتَقْرِضهُمْ إذا احتاج، ويَبيع منهم إذا غَنم، فرأوا عنده سَلْمى، فأعجبتهم، فسألوه أن يبيعها، منهم فأبى فَسَقَوْه الخمر، واحتالوا عليه، حتى ابتاعوها منه، وأشهدوا عليه، وفي ذلك يقول: سَقَوْنِي الخَمْرَ ثم تَكْثُّفُوني عِدَاةَ اللهِ مِنْ كَذِبٍ وزُورٍ (١) الحبور: جمع حبر، وهو العالم اليهودي. ٣٩٦ فغُودِر منهمُ كَعْبٌ صَرِيعًا على الكَفَّيْن ثَمَّ وقد عَلَتْه بأمر محمَّدٍ إذا دسَّ لَيْلاً فمَا كَّرِه فأنزله بمَكْرٍ فتِلكَ بنو النَّضير بدارٍ سَوْءٍ غَدَاةَ أتاهُمُ في الزَّحْفِ رَهُوَا(٢) وغَسَّانَ الحُماة مُوَازِرُوهُ فقال السِّلمِ وَيحَكُمُ فَصَدُوا فذاقُوا غِبّ أمُرِهِمُ وَبالاً وأَجْلَوا عامِدِينَ لقَيْتُقَاعِ شعر سمَّاك في الرد على كعب: فأجابه سمَّاك اليهوديّ، فقال: أرِقتُ وضافَنِي همّ كبيرُ أُرَى الأخبار تُتْكِرِه جميعًا وكانوا الدَّارِسين لكلّ عِلْم قَتَلتم سَيِّد الأخبار كَغْباً فذلَّت بعد مَضْرعه النَّضير بأيْدِينا مُشَهَّرَةٌ ذُكُور إلى كَغْبٍ أخا كَعْبٍ يَسِير ومَحمُودٌ أخو ثِقَةٍ جَسُور (١) اجتَرِمُوا المُبير بما أبارَهمُ رسولُ الله وَهُوَ بِهِمْ بَصير على الأعداء وَهوَ لَهُم وَزِير وحالفَ أمرهم كَذِب وزُور الكُلِّ ثَلاثَةٍ مِنْهُمْ بَعير وغُودر منهمُ نَخْل ودُور بِلَيْلِ غيرُه ليلٌ قَصِيرُ وكلُّهمُ له عِلْم خَبير به الثَّورَاة تَخْطِق والزَّبُور وقِدْمًا كانَ يَأْمن مَنْ يُجِير ورُوي أيضًا أن قومها افْتَدَوْها منه، وكان يظن أنها لا تختار عليه أحدًا، ولا تفارقه، فاختارت قومَها، فندم، وكان له منهَا بَنُونَ، فقالت له: والله ما أعلم امرأة من العَرَب أزخَتْ سِتْرًا على بعلِ مثلك أغض طرفًا، ولا أنْدَى كَفَّا ولا أغْنَى غناء، وإنك لرفيعُ العِمَادِ(٣)، كثيرُ الرَّمادِ(٤)، خَفِيفُ على ظهور الخيل، ثقيلٌ على مُتُون الأعداء، راضٍ للأهل والجارِ، وما كنت لأوثر عنك أهلِي، لولا أني كنت أسمع بنات عَمِّك يقلن: فعلت أَمَةُ عُزْوَةً، وقال: أَمَةُ عُزوةَ، فأجد من ذلك الموتَ، والله لا يجامع وَجْهِي وَجْه غَطَفَانِيَّة أبدًا، فَاسْتَوْصٍ بِبَنيكَ (٢) رهوًا: يسير سيرًا خفيفًا. (١) أبارهم: أمكهم. (٣) رفيع العماد: قيل رفيع النسب. (٤) كثير الرماد: كناية عن الكرم، لكثرة ما يُطبخ في الدار. وانظر حديث أم زرع في البخاري ومسلم وغيرهما. ٣٩٧ تَدلَّى نحو محمودٍ أخيه فغادره كأنّ دَمًا نجيعًا فقد وأبيكُم وأبي جميعًا فإنْ نَسْلَم لكم نترك رِجالاً كأنهم عَتائر يومِ عيدٍ ببِيضِ لا تُلِيقُ لَهُنّ عَظِمًا كما لاَقِيتُم مِن بأسٍ صَخْر ومحمودٌ سرِيرته الفُجُور يَسيل على مَدارِعه عَبير أُصيبتْ إذ أصيب به النَّضِير بكَغْب حَولَهُم طَيْرٌ تَدُور تُذَبَّحُ وَهْيَ ليس لهَا نَكير صَوَافي الحَدَّ أكثرُها ذُكور بأُخد حيثُ ليس لكم نصير شعر ابن مرداس في امتداح رجال بني النضير: وقال عباسُ بن مرداس أخو بني سليم يمتدح رجال بني النضير: رأيتَ خِلال الدارِ مَلْهی ومَلعبا لو أنّ أهلَ الدّار لم يتصدّعُوا سَلَكْن على رُكن الشَّطاة فَتيأُبا فإنَّك عَمْري هل أُريك ظَعائِنًا أوانسُ يُصبِين الحليمَ المُجرِّبا عليهنّ عِينٌ من ظباء تَبالةٍ له بوجُوه كالدَّنانير مزحبا إذا جاء باغي الخيرِ قُلْنَ فُجاءَةً ولا أنت تَخْشى عندنا أن تُؤَنَّبا وأهلاً فلا مَمْنوع خيرٍ طَلَبْتَه سَلامٍ ولا مَوْلى حُيّيّ بن أخطبا فلا تحسبنّي كنت مولى ابن مِشكم شعر خوّات في الردّ على ابن مرداس : فأجابه خَوّات بن جُبير، أخو بني عمرو بن عوف، فقال: مِن الشَّجْو لو تَبْكي أحبَّ وأقْرَبا تبكي على قَتْلَی یهود وقد تری بكيْتَ ولم تُغْوِل من الشَّجو مُسْهبا فهَلاً على قَتْلَى بِبَطْنِ أُرَيْنِق وفي الدين صَدَّادًا وفي الحَرْب ◌َعْلبا إذا السّلْم دارت في صديق رددتَها لهم شَبَهَا كَيْما تَعزّ وتَغْلَبا عمدتَ إلى قَدْر لِقَوْمِك تَبْتغي خَيْرًا، قال: ثم تزوجها بعده رجلٌ من بني النضير، فسألها أن تُثْنِي عليه في نادي قومه، كما أثنت على عُزوةَ، فقالت: اغْفِني، فإني لا أقول إلا ما علمته، فأبى أن يُغْفِيها، فجاءت حتى وقفت على النادي، وهو فيه، فقالت: عِمُوا صَبَاحًا، ثم قالت: إن هذا أَمَرني أنْ أُثْنِي عليه بما علمت فيه، ثم قالت له: والله إن شَمْلَتَكَ لا التِفَاف، وإن شُرْبك لاشْتِفَافٌ، وإن ٣٩٨ فإنَّك لمَّا أنْ كَلِفْتَ تمدُّحًا رحَّلْتَ بأمرٍ كنتَ أهلاً لمِثْله فهَلاَ إلى قَوْمٍ مُلُوكٍ مدحتَهم إلى مَعْشَر صَاروا مُلُوكًا وكُرّمُوا أولئك أخرى مِن يَهُودَ بمدْحةٍ شعر ابن مرداس في الردّ على خوّات: فأجابه عبَّاس بن مرداس السلميّ، فقال: هجَوْتَ صريحَ الكاهِنَيْن وفيكُم أولئك أخرَى لو بَكَيْتَ علیھمُ من الشُّكر إنّ الشكر خيرٌ مَغَبَّةً فكُنْتَ كمَن أمسَى يُقطّع رأسه فَبَكّ بني هارون واذكُر فِعَالَهُم أخوّاتُ أذرِ الدَّمعَ بالدَّمع وابكهِمْ فإنّك لو لاقيتَهم في دِيارِهم سِراعٌ إلى العَلْيا كرامٌ لَدی الوَغی لمن كان عَيْبًا مدحُه وتَكَذُّبا ولم تُلْفِ فيهم قائلاً لك مَرْحَيا تَبَنَّوْا مِن العزّ المُؤَثَّلِ مَنْصِبا ولم يُلْفَ فيهم طالبُ العُزْف مجدبا تراهُم وفيهم عِزّة المَجْد تُرْتُبا لهم نِعَمْ كانت من الذّهر تُرتُبا وقومُك لو أدَّوا من الحقّ مُوجَبا وأوفقُ فعلاً للذي كان أضْوَبا ليَبْلُغ عزَّا كان فيه مُرَكَّبا وقَتْلَهم للجُوعِ إذ كنتَ مُجْدِبا وأغْرِض عن المَكْرُوه منهم ونَكُبا لأُلْفِيتَ عمّا قد تَقُول مُتَكِّبا يُقال لباغِي الخَيْر أهلاً ومَرْحبا ضَجْعَتَك لا انْجِعَاف، وإنك لَتَشْبَع ليلة تُضَافُ، وتنامُ لَيْلَةَ تخافُ، فقال له قومه: قد كنتَ في غِنَّى عن هذا، وفيها يقول عُزْوةُ بن الوَزْدِ (١): لِبَرْقٍ في تِهَامَةً مُسْتَطير أَرِقْتُ وصُخبَتي بِمِضِيقٍ عُمْقٍ يحور ربابه حور الكسير إذا قُلْتُ استهلّ على قديد إذا حَلَّتَ مُجَاوِرَةَ السَّرِير سَقَى سَلْمَى، وأَيْنَ مَحَلْ سَلْمَى وأهلك بين أمَّرَةٍ وكِيرٍ إذا حَلَّتْ بأرضٍ بني عَلِيٍّ مَحَلَّ الحيِّ أسفل ذي النَّقِيرِ ذكرتُ منازِلاً من أُمّ وَهْبٍ مُعَرْسُنَا فُوَيْقَ بني النَّضِير وآخرُ مَعْهَدٍ مِن أُمّ وَهْبٍ (١) انظر الأغاني للأصبهاني (٧٥/٣) مع بعض النقص والتغير. ٣٩٩ شعر لكعب أو ابن رواحة في الردّ على ابن مرداس : فأجابه كعب بن مالك، أو عبد الله بن رواحة، فيما قال ابن هشام، فقال: ـ أطارَتْ لُؤيًّا قبلُ شَرْقا ومَغْرِبا لعمري لقد حگّت رحی الحرب بعدھـ فعادَ ذليلاً بَعدما كان أغْلَبا بقِيَّة آل الكاهِنَيْنِ وعِزَّها وقيدَ ذليلاً للمَنايا ابنُ أخْطبا فطاحَ سَلامٌ وابْنُ سَّغْية عَثْوَةً وأجْلَبَ يَبْغِي العزَّ والذلَّ يَبْتغي خِلافَ يَدَيْه ما جَنى حين أجلَبا كتارك سَهْل الأضٍ والحَزنُ هَمَّهُ وقد كلن ذا في الناس أكْدَى وأصعبًا وما غُيِّبا عن ذاك فيمن تَغَيَّبا وشأس وعزّال وقَد صَلیا بها وكَعبٌ رئيسُ القوم حان وخُيِّبا وعوفُ بن سلمی وابن عَوْف كلاهما فبُعْدًا وسُحقًا للنَّضِير ومثلها إن أعقبَ فتْحٌ أو إنِ الله أعْقَبا قال ابن هشام: قال أبو عمرو المدني: ثم غزا رسولُ اللهِ وَّ بعد بني النَّضير بَني المضطلق. وسأذكر حديثَهم إن شاء الله في الموضع الذي ذكره ابن إسحق فيه. إلى الإصباح آثِرَ ذِي أثِيرٍ وقالت: ما تشاء، فقلت: أَلْهُو بُعَيْدِ النَّوْم كالعِنَبِ العَصِير بآنِسَةِ الحديثِ رُضَابُ فيها فَطَارُوا في بلاد اليَسْتَعُورِ أَطَعْتُ الآمِرِين بِصَرْم سَلْمَى عِداءُ الله من كَذِبٍ وزُورِ سَقَوْنِي الخَمْرَ ثم تَكَتَّفُوني وقالوا ليست بعد فِدَاءِ سَلْمٍ بِمُغْنٍ ما لَدَيْكَ ولا فَقِيرٍ وَمَنْ لك بالتَّدَبُّرِ في الأمور ولا وأَبِيكَ لو كاليوم أَمْرِي على ما كان من حَسَكِ الصُّدُور إذًا لملكْت عِضْمَةً أُمّ وَهْبٍ على شيءٍ وَيَكْرَهُه ضَمِيرِي فيا للناس كيف غَلَبْتُ نَفْسِي قوله: السرير موضعٌ في ناحية كِنَانة، وقوله: اليَسْتَعُور: هو موضعٌ قبل حَرَّةِ المدينة، فيه عِضَاهُ من سَمُرٍ وَطَلْحٍ، وقال أبو حنيفة: اليَسْتَعُورُ شجر يُسْتَاكُ به، يَنْبُت بِالسَّرَاة، والْيَسْتَعُور أيضًا من أسماء الدّواهي، والياء في اليَسْتَعُورِ أَصْليَّة، فهذا شرح ما أومأ إليه ابن إسحق من حديث أُمّ عَمْرٍو، وإنما هي أُمْ وَهْبٍ كما تكرر في شعره. ٤٠٠