Indexed OCR Text

Pages 281-300

أمر القتلى بأحد
وفرغ الناس لقَتْلاهم، فقال رسولُ الله وَلَ كما حدّثني محمد بن عبد الله بن
عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة المازني، أخو بني النَّجَّار: ((مَنْ رَجُلٌ ينظر لي ما فعل
سَعْدُ ابن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات))؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر
لك يا رسول الله ما فعل سَعْد، فنظَر فوَجده جريحًا في القَتْلى وبه رمَق. قال: فقلت
له: إن رسولَ الله وَل﴿ أمرني أن أنظُر، أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: أنا
في الأموات فأبلغ رسولَ اللهِ وَّر عني السلام، وقل له: إن سعد ابن الرّبيع يقول
لك: جزاك الله عنَّا خير ما جزى نبيًّا عن أمته، وأبلغ قومَك عني السلام وقُل لهم:
إن سعد ابن الربيع يقول لكم: إنه لا عُذْر لكم عند الله إن خُلص إلى نبيكم الله
ومنكم عينٌ تطرف. قال: ثم لم أبرح حتى مات؛ قال: فجئتُ رسول الله الدول
فأخبرته خبره.
قال ابن هشام: وحدّثني أبو بكر الزُّبيري: أن رجلاً دخل على أبي بكر الصديق
وبِنْتٌ لسَعْد ابن الرَّبيع جاريةٌ صغيرةٌ على صَدْره يَرْشُفها ويقبّلها؛ فقال له الرجل: مَنْ
هذه؟ قال: هذه بنتُ رجل خير مني، سعدُ ابن الرّبيع، كان من النُّقباء يوم العَقَبة، وشهد
ـدرًا، واستشهد يوم أُحد.
الرسول يسأل عن ابن الربيع
فصل: وذكر قول النبيّ وَلّهِ: (مَنْ رَجُلٌ ينظر لي ما فَعَل سَعْدُ ابن الرَّبيع؟)) فقال رجل
من الأنصار: أنا (١)، وذكر الحديثَ. الرجل: هو محمد بن مَسْلَمَة، ذكره الواقدي، وذكر أنه
نادى في القَتْلى: يا سَعْدُ ابن الربيع مَرَّةً بعد مَرَّةٍ، فلم يُجْبه أحدٌ، حتى قال: يا سَعْدُ إن
رسول الله - رَ﴿ - أرسلني أنْظُر ما صنعتَ، فأجابه حينئذٍ بصوت ضعيفٍ، وذكر الحديث،
وهذا خلاف ما ذكره أبو عُمَر في كتاب الصحابة، فإنه ذكر فيه من طريق رُبَيْحٍ بن
عبد الرحمن بن أبي سَعيدِ الخُذْرِيّ عن أبيه عن جده أن الرجل الذي التمس سعدًا في
القَتْلى هو أُبِيُّ بن كَعْبٍ.
(١) أخرجه البيهقي في الدلائل (٢٨٥/٣) والحاكم (٢٠١/٣).
٢٨١

حزن الرسول على حمزة وتوعده المشركين بالمثلة:
قال ابن إسحاق: وخرج رسولُ اللهِ وَلّر، فيما بلغني يَتَلمّس حمزةً بن عبد
المُطَلب، فوجَده بَبَطْن الوادي قد بُقِر بطنه عن كبده، ومُثْل به، فجُدع أنفُه وأُذُناه.
فحدّثني محمدُ بن جَعْفر بن الزبير: أن رسولَ الله وَّر قال حين رأى ما رأى:
((لولا أن تَحْزَنْ صَفيَّة، ويكون سُنَّة من بعدي لَتَرَكْته، حتى يكون في بطُون السِّباعِ،
وحَواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش في مَوْطن من المواطن لأمثلنّ بثلاثين
رجلاً منهم))، فلما رأى المسلمون حُزْن رسول الله وَّهَ وَغَيظه على مَن فعل بعَمّه ما
فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يومًا من الدهر لنمثّلن بهم مُثْلة لم يُمثّلها أحد من
العرب.
قال ابن هشام: ولما وقف رسولُ اللهِ وََّ على حَمْزة قال: ((لن أُصاب بمثلك أبدًا؟
ما وقفتُ موقِفًا قطّ أغيظ إليّ من هذا!)) ثم قال: ((جاءني جبريلُ فأخبرني أنّ حمزة بن
عبد المطّلب مكتوبٌ في أهل السماوات السبع: حمزة بن عبد المطّلب، أسد الله، وأسد
رسوله)).
وكان رسول الله وَل﴿ وحمزة وأبو سَلَمة بن عبد الأسد، إخوة من الرضاعة،
أرْضَعتهم مولاة لأبي لهَب.
ما نزل في النهي عن المثلة
قال ابن إسحاق: وحدّثني بُرَيدة بنُ سُفيان بن فَزْوة الأسلمي، عن محمد بن كَعْب
القُرظي، وحدّثني من لا أتّهم، عن ابن عبّاس: إن الله عزّ وجلّ أنزل في ذلك، من قول
رسول الله وَ﴿، وقول أصحابه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُم فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَّرَتم لَهُوَ
خَبْرٌ للصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ باللَّهِ وَلا تحزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكْ فِي ضَيقٍ مَمَّا
يَمْكُرُونَ﴾(١) فعفا رسولُ اللهِ وَ، وصَبَر ونَهى عن المُثلة.
قال ابن إسحاق: وحدّثني حُمَيْد الطويل، عن الحسن، عن سَمُرَة بن جُنْدُب،
حميد الطويل وطلحة الطلحات
وذكر عن حُمَيْدِ الطَّوِيلِ عن الحَسَنِ عن سَمُرَة عن النّبيِّ ◌ِ نََّ - في النهي عن المُثْلَة،
وحُمَيْدُ الطّويل هو حُمَيدُ بنُ تِيرَوَيْه، ويقال: ابن تيرِي يكنى أبا حُمَيْدَةً مَوْلى طَلْحَة
(١) سورة النحل آية رقم (١٢٦).
٢٨٢

قال: ((ما قام رسولُ الله ◌َ ﴿ في مقام قط. ففارقه، حتَّى يأمرنا بالصَّدقة، ويَنْهانا عن
المُثْلة))(١).
صلاة الرسول على حمزة والقتلى
قال ابن إسحاق: وحدّثني من لا أتهم (٢) عن مِقْسَم، مولى عبد الله بن الحارث،
عن ابن عبّاس، قال: أمر رسولُ الله ◌ِّر بِحَمْزة فسُجِّي بَبردة ثم صلى عليه، فكبَّر سَبعَ
تكبيرات، ثم أُتِيَ بالقتلى فيوضعون إلى حمزة، فصلّى عليهم وعليه معهم، حتى صلّى
عليه ثنتين وسَبْعين صلاة.
الطلحات، وهو حديث صحيح في النهي عن المُثْلَةِ. فإن قيل: فقد مَثَّل رسولُ الله - وَّةٍ -
بالعُرَنِينَ فَقَطَّع أيدِيَهُمْ وأرجلَهم وسَمَل أعينَهُم، وتركهم بالحَرَّةِ (٣).
قلنا: في ذلك جَوَابَان: أحدهما: أنه فعل ذلك قِصَاصًا لأنهم قَطّعوا أيدي الرُّعَاءِ
وأرجلَهم وسَمَلُوا أعينهم، رُوي ذلك في حديث أنسٍ، وقيل: إن ذلك قبل تحريم المُثْلَةِ.
فإن قيل : - فقد تركهم يَسْتَسْقُون، فلا يُسْقَوْن، حتى ماتوا عَطَشًا، قلنا: عَطَّشَهم لأنهم عَطَّشُوا
أهْلَ بيتِ النبيّ - ◌َّ - تلك الليلة، رُوي في حديثٍ مرفوع أنه عليه السلام لما بقي وأهلُه
تلك الليلة بِلاَ لبَن، قال: ((اللَّهُمَّ عَطُشْ مَنْ عَطَّشَ أهلَ بيتِ نَبِيِّك)) (٤). وقع هذا في شرح
ابن بَطَّال، وقد خَرَّجَه النَّسَوِيّ.
الصلاة على الشهداء
ورَوى ابن إسحق عمّن لا يُتَّهَمُ عن مِقْسَم عن ابن عَبَّاسٍ أن النبيَّ - نََّـــ صلّى على
حَمْزَةَ، وعلى شهداء يوم أَحُدٍ، ولم يأخذ بهذا الحديث فقهاءُ الحجازِ، ولا الأوْزَاعِي
الوجهين، أحدهما ضَعْفُ إسْنادٍ هذا الحديث، فإن ابن إسحاق قال: حدّثني مَنْ لا أَنَّهِمُ،
يعني: الحسن بن عمارة - فيما ذكروا - ولا خلاف في ضَعْفِ الحَسَن بن عمارة عند أهل
الحديث، وأكثرهم لا يَرَوْنه شيئًا، وإن كان الذي قال ابن إسحاق: حدّثني مَنْ لا أتَّهِمُ غير
الحسن، فهو مَجْهول، والجَهْل يُوبِقه.
والوجه الثاني: أنه حديثٌ لم يصحبه العمل، ولا يُروى عن رسول الله - وَل ◌ِ - أنه
صلّى على شهيد في شيءٍ من مغازيه إلاّ هذه الرواية في غزوة أَحُدٍ، وكذلك في مدّة
(١) أخرجه ابن عديّ (١١٦٩/٣).
(٣) حديث العرنيين أخرجه الترمذي ومسلم وغيرهما.
(٤) أخرجه النسائي (٩٩/٧).
(٢) مجهول.
٢٨٣

صفية وحزنها على حمزة:
قال ابن إسحاق: وقد أقبلتْ فيما بَلَغني، صفيَّةُ بنت عبد المطّلب لتنظُر إليه وكان
أخاها لأبيها وأُمّها، فقال رسولُ اللهِ وَّر لابنها الزُّبير بن العوام: القَها فأرجعها، لا تَرى
ما بأخيها، فقال لها: يا أُمَّه، إن رسولَ الله وَ يَأْمُرُكِ أن تَرْجعي، قالت: ولِمَ؟ وقد
بلغني أن قد مُثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك! لأحتسِبنّ ولأضْبرن
إن شاء الله. فلما جاء الزُّبير إلى رسولِ الله ◌ِّرِ فأخبره بذلك، قال: خلّ سبيلَها، فأَتَتْه،
فنظرت إليه، فصلَّت عليه واستَرْجعت، واستغفرت له، ثم أمر به رسولُ اللهِ وَ ﴿ فدُفن.
دفن عبد الله بن جحش مع حمزة
قال: فَزعم لي آلُ عبدِ الله بن جَخْش - وكان لأُمَيْمَةَ بنت عبد المطّلب، حَمْزَةٌ
خالُه، وقد كان مُثِّل به كما مُثْل بحَمْزة، إلاّ أنه لم يُبْقَرْ عن كَبِده - أنّ رسولَ اللهِ وَلِيل
دَفَتَه مع حَمْزَة في قبره، ولم أسمع ذلك إلاّ عن أهله.
الخليفَتَيْن إلاَّ أن يكون الشهيدُ مُزْتًَّا(١) من المعركة، وأما ترك غَسْلِه، فقد أجمعوا عليه، وإن
اخْتَلَفوا في الصلاة إلا روايةً شَاذَةً عند بعض التابعين، والمعنى في ذلك - والله أعلم - تحقيقُ
حياةِ الشهداءِ وتصديقُ قوله سبحانه: ﴿ولاَ تَحْسَبنَّ الذين قُتِلوا في سبيل الله أَمْوَاتًا﴾(٢) الآية
مع أن في تركٍ غَسْلِه معنى آخر، وهو أن دَمَه أثرُ عبادةٍ، وهو يجيء يوم القيامة وجُرحُه
يثْعَبُ دَمًا، وريحُه ريحُ المِسْكِ، فكيف يُطَهَّر منه وهو طَيْب وأثرُ عِبَادَةٍ، ومن هذا الأصلِ
انتزع بعضُ العلماءِ كَرَاهِيةَ تَجْفيفِ الوجه من ماءِ الوُضوء، وهو قول الزُّهْرِيِّ، قال الزُّهري:
وبلغني أنه يوزَن، ومن هذا الأصلِ انتزع كراهية السِّوَاكِ بالعَشِيِّ للصائم لئلا يذهب خُلُوفُ
فَمِه، وهو أَثَر عبادةٍ، وجاء فيه ما جاء في دَم الشُّهَداءِ أنه أَطْيَبُ عند الله من ريح المِسْكِ،
ويُزْوَى أطيبُ يوم القيامة من ريح المسك. رواه مسلم باللفظين جميعًا، والمعنى واحد،
وجاءت الكراهيةُ للسّوَاكِ بالعَشيِّ للصائم عن عَلِيٍّ وأبي هُرَيْرَةَ، ذكر ذلك الدَّارَقُطْنِي.
عبد الله بن جحش المجدع
وذكر عبدَ الله بن جَحْشِ ابن أخت حَمْزَة، وأنه مُثِّل به كما مُثْل بِحَمْزَةَ، وعَبْد الله هذا
يُعْرفُ بالمُجَدّع في الله، لأنه جُدِعِ أنفُه وأذناه يَوْمَئِذٍ، وكان سعدُ بن أبي وَقَّاصٍ يحدّث أنه
لَفِيَه يومَ أُحُدٍ أوّل النهار، فَخَلاَ به، وقال له عبد الله: يا سَعْدُ هَلُمَّ فَلْتَدْعُ اللهَ وليذكُر كلُّ
(٢) سورة آل عمران آية رقم (١٦٩).
(١) مرتثّ: جريح.
٢٨٤

دفن الشهداء:
قال ابن إسحاق: وكان قد احتمل ناسٌ من المسلمين قَتْلاهم إلى المَدينة، فدَفنوهم
بها، ثم نَهَى رسولُ اللهَ وَّر عن ذلك، وقال: ((ادفنوهم حيث صُرِعوا))(١).
قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بن مُسلم الزُّهريّ، عن عبد الله بن ثعلبة بن
صُعَير العُذْري، حليف بني زُهرة: أن رسولَ الله وَّرَ لمَّا أشرف على القَتْلى يوم أُحد،
قال: ((أنا شَهيد على هؤلاء، إنه ما من جَريح يُجرح في الله، إلاّ والله يَبْعثه يوم القيامة
يَذْمي جرحهُ، اللونُ لونْ دَم والريحُ يرح مسك، وانظروا أكثَرَ هؤلاء جَمْعًا للقرآن،
فاجعلوه أمام أصحابه في القَبَرَ - وكانوا يَدْفِنون الاثنين والثلاثة في القبر الواحد))(٢).
قال: وحدّثني عمِّي موسى بن يسَار، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال أبو
القاسم ◌َّر: ((ما من جريح يُجرح في الله إلاّ والله يبعثه يوم القيامة وجُرحه يَدْمي، اللّون
لون دم، والرّيح ريح مسك)).
واحدٍ منا حاجَتَه في دعائه، وليُؤَمِّن الآخرُ، قال سعد: فدَعُوْتُ الله أَن أَلْقَى فارسًا شديدًا
بأسُه شَدِيدًا حَرْدُهُ(٣) من المُشْرِكين فأقْتُله، وآخذ سَلَبُه، فقال عبدُ الله: آمين، ثم استقبل
عبدُ الله القِبْلَة، ورفع يديه إلى السَّماء، وقال: اللهم لَقْنِي اليومَ فارسًا شديدًا بأسُهُ شَدِيدًا
خَرْدُه، يقتلني ويَجْدعُ أنفي وأَذْنِي، فإذا لقيتُك غَدًا تقول لي: يا عَبْدِي: فيم ◌ُدِعٍ أنفُك
وأُذناك، فأقول: فيك يا رب، وفي رسولك، فتقول لي: صَدَقْتَ، قل يا سَعْد: آمين، قال:
فقلت: آمين، ثم مررت به آخر النهار قتيلاً مَجْدُوعَ الأَنْفِ والأَذُنَيْنِ، وأن أُذْنَيْهِ وأنفَه معلقان
بِخيْطِ، ولقيتُ أنا فلانًا من المشركين، فَقَتَلْتُه، وأخذتُ سَلَبَه، وذكر الزُّبَيْر أن سَيْفَ
عبدِ الله بن جَخْشِ انقطع يوم أُحُدٍ فأعطاه رسولُ الله - نَّهِ - عُرْجُونًا، فعاد في يده سيفًا،
فقاتل له، فكان يسمي ذلك السيفُ العُرْجُونَ، ولم يزلْ يُتَوَارَثُ حتى بيع من بغاء التركي(٤)
بمائِتَيْ دينار، وهذا نحو من حديث عُكَّاشَة الذي تقدّم إلاّ سَيْف عُكَّاشَةَ، كان يُسَمَّى العَوْن،
وكانت قصّة عُكَّاشَة يوم بَدْرٍ، وكان الذي قتلَ عبدَ الله بنَ جَخْشٍ أبو الحَكَم بن الأَخْنَسِ بن
شَرِيقٍ وكان عَبْدُ الله حين قُتِلَ ابنَ بِضْع وأربعين سنةً، فيما ذكروا ودُفِن مع حَمْزَةَ في قَبْرِ
واحد.
(١) أخرجه الطبري في تاريخه (٧٣/٢) والبيهقي في الدلائل (٢٩/٣) والنسائي (٧٩/٤) وابن سعد
(١٠٥/٢/٣).
(٢) أخرجه البخاري (١١٤/٢) والنسائي (٦٢/٤) والترمذي (١٠٣٦) وأبو داود (٣٠٣٨) والدارقطني
(٤/ ١٧٧) بتحقيقي. وابن الجارود في المنتقى (٥٥٢) كلام بنحوه.
(٣) حرده: غضبه.
(٤) بغاء التركي: أحد أمراء المعتصم بالله.
٢٨٥

قال ابن إسحاق: وحدّثني أبي إسحقُ بن يسار، عن أشياخ من بني سَلَمة(١): أن
رسولَ اللهِ وَّهِ، قال يومئذ، حين أمر بدَفْنِ القَتْلى: ((انظروا إلى عَمْرو بن الجَموح،
وعبد الله بن عمرو بن حَرام، فإنهما كانا مُتصافيين في الدنيا، فاجعلوهما في قبر واحد)).
حزن حمنة على حمزة:
قال ابن إسحاق: ثم انصرف رسولُ اللهِ وَّ﴿ي راجعًا إلى المدينة، فلقِيتُهُ حَمْنَةُ بنتُ
جحش، كما ذُكر لي، فلما لقيت الناسَ نُعِي إليها أخوها عبد الله بن جحش، فاسترجعت
واستغْفَرت له، ثم نُعي لها خالها حمزة بن عبد المطّلب فاسترجعت واستغْفَرت له، ثم
نُعي لها زوجها مُصْعب بن عُمير، فصاحت وَوَلْولت! فقال رسولُ اللهِ وَّر: ((إن زَوْج
المرأة منها لبكان! لِمَا رأى من تَثَبُّتها عند أخيها وخالها، وصياحها على زوجها)).
بكاء نساء الأنصار على حمزة:
قال ابن إسحاق: ومرّ رسولُ الله ◌َ و بدار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل
وظَفَر، فسَمع الكباء والنَّوائح على قَتْلاهم، فذرفت عينا رسول الله وََّ، فبكى، ثم قال:
((لكنّ حمزة لا بواكي له!)) فلما رجع سعدُ بن مُعاذ وأُسيد بن حضير إلى دار بني
عبد الأشهل أمرا نساءهم أن يتحزّمن، ثم يذهبن فَيَبْكِين على عمّ رسولِ الله وَلـ
قال ابن إسحاق: حدّثني حكيم بن حكيم عن عَبَّاد بن حُنَيف، عن بعض رجال
بني عبد الأشهل، قال: لما سمع رسولُ اللهِ وَّ بُكاءَهنّ على حمزة خرج عليهنّ وهنّ
على باب مَسْجده يبكين عليه، فقال: ((ارجعن يَرْحمكنَّ الله، فقد آسيتنّ بأنفسكن))(٢).
قال ابن هشام: ونُهِي يومئذ عن النَّوْح.
حديث عمر وأبي سفيان:
فصل: وممَّا وقع في هذه الغَزْوَةِ من الكَلِم الذي يُسْأَلُ عنه قولُ أبي سُفْيانَ حين قال:
اعْلُ هُبَلْ، أي زِدْ عُلوًّا، ثم قال: أَنْعَمَتْ، فَعَالٍ، قالوا: معناه الأزْلاَمُ، وكان اسْتَقْسَم بها
حين خَرَج إلى أُحُدٍ، فخرج الذي يُحِبُّ وقوله: فَعَالٍ: أَمْرٌ أي عالٍ عَنْها وأقْصِر عن لَوْمها،
تقول العرب: اعْلِ عَنِّي، وعَالِ عني بمعنى: أي ارِتَفِعْ عني، ودعني. ويُرْوَى أن الزُّبَيْرِ قال
لأبي سُفْيانَ يوم الفَتْحِ: أين قولك: أنْعَمتْ، فَعَالٍ؟ فقال: قد صنع الله خَيْرًا، وذهب أمرُ
الجاهلية .
(١) مجاهيل.
(٢) أخرجه البيهقي في الدلائل (٣٠٢/٣).
٢٨٦

لكلّ ذي إزبةٍ منهم ومعقول
إني نذيرٌ لأهل البَسْل ضاحيةً
وليس يُوصَف ما أنذرتُ بالقِيل
من جَيش أحمد لا وَخْشٍ (١) تَنَابِلةٍ
فثنی ذلك أبا سُفيان ومن معه.
رسالة أبي سُفيان إلى الرسول على لسان ركب:
ومَرَّ به ركبٌ من عبد القَيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة؟ قال:
ولِم؟ قالوا: نُريد الميرة؛ قال: فهل أنتُم مُبلغون عنّي محمدًا رسالة أرسلكم بها إليه،
وأُحمّل لكم هذه غدًا زَبيبًا بعُكاظ إذا وافيتُموها؟ قالوا: نعم؛ قال: فإذا وافيتُموه
فأخبروه أنّا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنَسْتأصل بقيتهم، فمرّ الركبُ برسولِ
الله وَّر وهو بحَمْراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سُفيان؛ فقال: ﴿حَسْبنا الله ونعم
الو کیل﴾.
كفّ صفوان لأبي سفيان عن معاودة الكرّة:
قال ابن هشام: حدّثنا أبو عبيدة: أنّ أبا سُفيان بن حَرْب لمَّا انصرف يوم أحد،
أراد الرُّجوع إلى المدينة، ليَسْتأصل بقيّة أصحاب رسول الله وَّرَ، فقال لهم صَفْوان بن
أُميَّة بن خَلف: لا تَفْعلوا، فإنّ القوم قد حَرِبُوا، وقد خشينا أن يكون لهم قِتال غير الذي
كان، فارجِعُوا، فَرَجَعُوا. فقال النبيّ وَّه، وهو بحَمْراءِ الأسد، حين بلغه أنهم هَمّوا
بالرَّجعة: والذي نَفْسي بيده، لقد سُوّمت لهم حجارة، لو صُبِّحوا بها لكانوا كأمس
الذاهب .
وتسمية هذا سِناد عَربية لا صِنَاعية، قال عَدِيُّ بن الرِّفَاعِ:
حتى أُقَوْمِ مَيْلَها وسِنَادَها
وقَصِيدَةٍ قد بِتُّ أجمع بَيْئَها
كيما يقيّم ثِقَافُه مُنْآدَها
نظر المُثَقِّفِ في كُعُوبٍ قَناتِه
وقوله: لا تَنَابِلة. التَّنَابِلة: القِصار، وأحدُهم: تِثْبَالٌ، تَفِعَالٌ من النّبلِ، وهي صِغَارُ
الخَصَى.
(١) وخش: رديء.
٢٩١

مقتل أبي عزة ومعاوية بن المغيرة
قال أبو عبيدة: وأخذ رسولُ الله وَّر في جهة ذلك، قبل رُجوعه إلى المدينة،
مُعاوِيةً بن المغيرة بن العاص بن أُميَّة بن عبد شمس، وهو جدّ عبد الملك بن مروان،
أبو أُمه عائشة بنت مُعاوية، وأبا عَزّة الجْمَحِيَّ، وكان رسول اللهِ وَّرَ أْسَره ببدر، ثم مَنْ
عليه، فقال: يا رسولَ الله، أقِلْني، فقال رسول الله وَّر: ((والله لا تَمْسح عارضيك بمكّة
بعدَها وتقول: خَدَعْتُ محمدًا مرّتين، اضرب عنقه يا زُبير)». فضرب عُنقَه.
قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المُسَيَّبِ أنه قال: قال رسول الله وَله: ((إنّ
المؤمن لا يُلْدَغْ من جُخْر مرّتين)»(١)، اضربْ عُنقَه يا عاصِمُ بن ثابت، فضرب عُنقه.
مقتل معاوية بن المغيرة:
قال ابن هشام: ويقال: إن زيد بن حارثة وعَمَّار بن ياسر قتلا معاوية بن المُغيرة
بعد حَمْراء الأسد، كان لجأ إلى عثمان بن عفَّان فاستأمن له رسولَ اللهِ وَّ فأمنه، على
أنه إن وُجد بعد ثلاث قُتل، فأقام بعد ثلاث وتوارى، فبعثهما النبيُّ وَّر، وقال: إنكما
ستَجدانه بموضع كذا وكذا، فوجَداه فقَتلاه.
أبو عزة الجمحي
وذكر أبا عَزَّةَ، وكان الذي أسره عُمَيْرُ بنُ عَبْدِ الله، كذا ذكر بعضُهم، وأَحسَبُه
عبدَ الله بن عُمَيْرِ أحدٍ بني خُدَارَة، أو عبدَ الله بن عُمَيْرِ الخطمي. ومن خبر أبي عَزَّةَ ما ذكر
الزُّبَيْر عن ابن جُعْدُبَةَ والضَّحَّاكِ بنُ عثمان. والجُعْدُبَةُ في اللغة واحدة الجِعَادبِ، وهي
النُّفَّاخَاتُ التي تكون في الماء. قالا: بَرِصَ أبو عَزَّةَ الجُمَحِي، فكانت قُرَيْشٌ لا تُؤَاكله ولا
تُجَالسه فقال: الموت خيرٌ من هذا، فأخذ حَدِيدةً، ودخل بعضَ شِعَابٍ مَكَّة فَطَعَن بها في
مَعَدِهِ، والمَعَدُّ مَوْضِعُ عَقِبِ الرَّاكبِ من الدَّابَّةِ، وقال ابن جُعْدُبَةَ: فمارت الحديدةُ، وقال
الضحّاك: بين الجِلْدِ والصِّفَاقِ فسال منه أصفرُ فَبَرِىء، فقال:
والتَّهَمَاتِ والجِبالِ الجُزْدِ
اللَّهُمْ رَبَّ وَائِلٍ ونَهْدٍ
أصبحتُ عبدًا لك وابنَ عَبْدِ
وَرَبَّ مَنْ يَرْعَى بأرضٍ نَجْدٍ
مِنْ بعد ما طَعَنْتُ في مَعَدُي
أَبْرَأْتَنِي من وَضَحِ بِجِلْدِ
٠٠
(١) تقدم تخريجه. والمسند فيه انقطاع.
٢٩٢

شأن عبد الله بن أُبيّ بعد ذلك
قال ابن إسحاق: فلما قَدِم رسول الله وَ ﴿ المدينة، وكان عبد الله بن أُبيّ ابن
سَلول، كما حدّثني ابن شهاب الزُّهري، له مقامٌ يقومه كل جمعة لا يُنْكَر، شرفًا له في
نفسه وفي قومه، وكان فيهم شريفًا، إذا جلس رسولُ اللهِ وَله يوم الجمعة وهو يَخْطب
الناس، قام فقال: أيّها الناس، هذا رسول الله وَليل بين أظهركم، أكرمكم الله وأعزّكم به،
فانصُروه وعزّرُوه، واسمعوا له وأطيعوا ثم يَجْلسُ، حتى إذا صنع يوم أُحد ما صَنع،
ورجع بالناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المُسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا:
اجلس، أيْ عَدُوَّ الله، لست لذلك بأهل، وقد صنعتَ ما صنعتَ، فخرج يتخطَّ رقابَ
الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بَجْرًا أن قمت أُشَدِد أمرَه. فلَقيه رجلٌ من الأنصار
بباب المسجد، فقال: ما لك؟ ويلك! قال: قمتُ أشدِّد أمره، فوَثب عليّ رجالٌ من
أصحابه يجذبونني ويُعنِّقونني، لكأنما قلت بَجْرًا أنْ قُمت أشدّد أمره، قال: ويلك! ارجع
يَسْتغفر لك رسولُ اللهِ وَّر، قال: والله ما أبتَغي أن يَسْتغفر لي.
کان یوم أُحد یوم محنة:
قال ابن إسحاق: كان يوم أحد يوم بلاء ومُصيبة وتمحيص، اختبر الله به المؤمنین،
ومحن به المُنافقين ممَّن كان يُظهر الإيمان بلسانه، وهو مُسْتخف بالكُفر في قلبه، ويومًا
أكرم الله فيه مَن أراد كرامته بالشّهادة من أهل ولايته.
موصل مقالة أبي سفيان:
وذكر إرسال أبي سُفيانَ مَع الركب بالوعيد، وكان المُوَصِّل مقالَته للمؤمنين نُعَيمُ بن
مَسْعُودٍ، ﴿فقالوا حَسْبُنا الله ونعم الوكيل﴾، كذلك جاء في التفسير.
قول لعبد الله بن أبيّ
وذكر قول عبد الله بن أُبَيّ حين أُخْرِج من المسجد: لكأنما قلت: بَجْرًا. البَجْرُ: الأمْرُ
العَظِيمُ والبَجَارِي: الدَّوَاهي، وفي وصية أبي بكر: يا هَادِيَ الطريق جُرْتَ، إنما هو الفَجْرُ أو
البَجْرُ، قال الخطّابي: معناه الداهية.
وذكر ابن إسحق في غير هذه الرواية قول النبيّ وَّهِ في قتلى أُحُدٍ: ((يا ليتني غُودِرْتُ
مع أصحاب نُخْصِ الجَدَلِ)). نُخْصُ الجَبَل: أسفلُه، قاله صاحب العَين.
٢٩٣

ذكر ما أنزل الله في أُحُد من القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم
قال: حدّثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال: حدّثنا زياد بن عبد الله البكائي
عن محمد بن إسحق المطّلبي، قال: فكان مما أنزل الله تبارك وتعالى في يوم أحد من
القرآن ستون آية من آل عِمْران، فيها صِفة ما كان في يومهم ذلك، ومُعاتبة من عاتَب
منهم، يقول الله تبارك وتعالى لنبيَّهِ وَالَ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ
للقتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١].
قال ابن هشام: تبوّىء المؤمنين: تتخذ لهم مقاعد ومنازل. قال الكُميت بن زيد:
قد تبوأتُ مَضجعا
ليتني كنتُ قبلَه
وهذا البيت في أبيات له.
أي: سميع بما تقولون، عليم بما تخفون.
﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانٍ مِنْكُمْ أنْ تَفْشَلا﴾: أن تتخاذلا، والطائفتان: بنو سلمة بن
جُشم بن الخَزرج، وبنو حارثة بن النَّبيت من الأوس، وهما الجناحان. يقول الله تعالى:
﴿والله وليُّهما﴾: أي المُدافع عنهما ما همّتا به من فَشلهما، وذلك أنه إنما كان ذلك
منهما عن ضَعف ووَهن أصابهما غير شكّ في دينهما، فتولّى دفع ذلك عنهما برحمته
وعائدته، حتى سَلِمتا من وُهونهما وضَعفهما، ولَحِقتا بنبيِّهمَا وَّل.
قال ابن هشام: حدّثني رجل من الأسْد من أهل العلم، قال: قالت الطائفتان: ما
نحب أنَّا لم نَهمّ بما هممنا به، لتولى الله إيانا في ذلك.
قال ابن إسحق: يقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾: أي من كان به
ضَغْف من المؤمنين فليتوكُّل عليّ، وليستعِنْ بي، أُعِنْه على أمره، وأدفع عنه، حتى أبلغ
به، وأدفع عنه، وأقوّيه على نيّته. ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُم اللَّهُ بِبَذْرٍ وَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُم
تَشْكُرُونَ﴾: أي فاتَّقوني، فإنه شُكر نعمتي. ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ وأنتم أقل عددًا
تفسير ما نزل من القرآن في أُحُد
بعض من آمن رغم الدعاء عليهم:
قد ذكر ابن إسحق ما يحتاج إليه قارىءُ السيرةِ من تفسير ذلك، وذكر قولَه سبحانه:
﴿لَيْسَ لَكَ من الأمْرِ شيءٌ أَوْ يَتُوبَ عليهم﴾ الآية لم يزد على ما في الكتابِ منه. وفي تفسير
٢٩٤

لكلّ ذي إزبةٍ منهم ومعقول
إني نذيرٌ لأهل البَسْل ضاحيةً
وليس يُوصَف ما أنذرتُ بالقِيل
من جَيش أحمد لا وَخْشٍ (١) تَنَابِلةٍ
فثنی ذلك أبا سفيان ومن معه.
رسالة أبي سُفيان إلى الرسول على لسان ركب:
ومَرَّ به ركبٌ من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة؟ قال:
ولِم؟ قالوا: نُريد الميرة؛ قال: فهل أنتُم مُبلغون عنّ محمدًا رسالة أُرْسلكم بها إليه،
وأُحمّل لكم هذه غدًا زَبيبًا بعُكاظ إذا وافيتُموها؟ قالوا: نعم؛ قال: فإذا وافيتُموه
فأخبروه أنّا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنَسْتأصل بقيتهم، فمرّ الركبُ برسولِ
الله وَ﴿ وهو بحَمْراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سُفيان؛ فقال: ﴿حَسْبنا الله ونعم
الوكيل﴾ .
كفّ صفوان لأبي سفيان عن معاودة الكرّة:
قال ابن هشام: حدّثنا أبو عبيدة: أنّ أبا سُفيان بن حَرْب لمَّا انصرف يوم أحد،
أراد الرُّجوع إلى المدينة، ليَسْتأصل بقيَّة أصحاب رسول الله وَّل، فقال لهم صَفْوان بن
أُميَّة بن خَلف: لا تَفْعلوا، فإنّ القوم قد حَرِبُوا، وقد خشينا أن يكون لهم قِتال غير الذي
كان، فارجِعُوا، فَرَجَعُوا. فقال النبيّ وََّ، وهو بحَمْراءِ الأسد، حين بلَغه أنهم هَمّوا
بالرَّجعة: والذي نَفْسي بيده، لقد سُوّمت لهم حجارة، لو صُبِّحوا بها لكانوا كأمس
الذاهب .
وتسمية هذا سِناد عَربية لا صِنَاعية، قال عَدِيُّ بن الرِّقَاعِ:
حتى أُقَوْم مَيْلَها وسِنَادَها
وقَصِيدَةٍ قد بِتُّ أجمع بَيْئَها
كيما يقيّم ثِقَافُه مُتآدَها
نظر المُثَقِّفِ في كُعُوبٍ قَناتِه
وقوله: لا تَنَابِلة. التَّنَابِلة: القِصار، وأحدُهم: تِنْبَالٌ، تَفِعَالٌ من النَّبلِ، وهي صِغَارُ
الخَصّى.
(١) وخش: رديء.
٠٠
٢٩١

مقتل أبي عزة ومعاوية بن المغيرة
قال أبو عبيدة: وأخذ رسولُ الله وَل﴿ في جهة ذلك، قبل رُجوعه إلى المدينة،
مُعاوِيةَ بن المغيرة بن العاص بن أُميَّة بن عبد شمس، وهو جدّ عبد الملك بن مروان،
أبو أُمه عائشة بنت مُعاوية، وأبا عَزّة الجْمَحِيَّ، وكان رسول الله وَّرَ أْسَره ببدر، ثم مَنّ
عليه، فقال: يا رسولَ الله، أقِلْني، فقال رسول الله وَّهِ: ((والله لا تَمْسح عارضيك بمكّة
بعدَها وتقول: خَدَعْتُ محمدًا مرّتين، اضرب عنقه يا زُبير)). فضرب عُنقَه.
قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المُسَيَّبِ أنه قال: قال رسول الله وَله: ((إنّ
المؤمن لا يُلْدَغْ من ◌ُخْر مرّتين)»(١)، اضربْ عُنقَه يا عاصِمُ بن ثابت، فضرب ◌ُنقه.
مقتل معاوية بن المغيرة:
قال ابن هشام: ويقال: إن زيد بن حارثة وعَمَّار بن ياسر قتلا مُعاوية بن المُغيرة
بعد حَمْراء الأسد، كان لجأ إلى عثمان بن عقَّن فاستأمن له رسولَ اللهِ وَلّر فأمنه، على
أنه إن وُجد بعد ثلاث قُتل، فأقام بعد ثلاث وتوارى، فبعثهما النبيُّ بَّر، وقال: إنكما
ستَجدانه بموضع كذا وكذا، فوجَداه فقَتلاه.
أبو عزة الجمحي
وذكر أبا عَزَّةَ، وكان الذي أسره عُمَيْرُ بنُ عَبْدِ الله، كذا ذكر بعضُهم، وأَحسَبُه
عبدَ الله بن عُمَيْرٍ أحدٍ بني خُدَارَة، أو عبدَ الله بن عُمَيْرِ الخطمي. ومن خبر أبي عَزَّةَ ما ذكر
الزُّبَيْرِ عن ابن جُعْدُبَةَ والضَّحَّاكِ بنُ عثمان. والجُعْدُبَةُ في اللغة واحدة الجِعَادبِ، وهي
النُّفَّاخَاتُ التي تكون في الماء. قالا: بَرِصَ أبو عَزَّةَ الجُمَّحِي، فكانت قُرَيْشٌ لا تُؤَاكله ولا
تُجَالسه فقال: الموت خيرٌ من هذا، فأخذ حَدِيدةً، ودخل بعضَ شِعَابٍ مَكّة فَطَعَن بها في
مَعَدْهِ، والمَعَدُّ مَوْضِعُ عَقِبِ الرَّاكبِ من الدَّابَّةِ، وقال ابن جُعْدُبَةَ: فمارت الحديدةُ، وقال
الضحّاك: بين الجِلْدِ والصِّفَاقِ فسال منه أصفرُ فَبَرِىء، فقال:
والتَّهَمَاتِ والجبالِ الجُزْدِ
اللَّهُمّ رَبَّ وَائِلٍ ونَهْدِ
أصبحتُ عبدًا لك وابنَ عَبْدِ
وَرَبَّ مَنْ يَرْعَى بأرضٍ نَجْدٍ
مِنْ بعد ما طَعَنْتُ في مَعَدِّي
أَبْرَأْتَنِي من وَضَحِ بِجَلْدِ
(١) تقدم تخريجه. والمسند فيه انقطاع.
٢٩٢

شأن عبد الله بن أبيّ بعد ذلك
قال ابن إسحاق: فلما قَدِم رسول الله وَ﴿ المدينة، وكان عبد الله بن أبيّ ابن
سَلول، كما حدّثني ابن شهاب الزُّهري، له مقامٌ يقومه كل جمعة لا يُنْكَر، شرفًا له في
نفسه وفي قومه، وكان فيهم شريفًا، إذا جلس رسولُ الله وَ ل﴿ يوم الجمعة وهو يَخْطب
الناس، قام فقال: أيّها الناس، هذا رسول الله وَله بين أظهركم، أكرمكم الله وأعزّكم به،
فانصُروه وعزّرُوه، واسمعوا له وأطِيعوا ثم يَجْلسُ، حتى إذا صنع يوم أُحد ما صَنع،
ورجع بالناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المُسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا:
اجلس، أيْ عَدُوَّ الله، لست لذلك بأهل، وقد صنعتّ ما صنعتَ، فخرج يتخطَّ رقابَ
الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بَجْرًا أن قمت أُشَدِّد أمرَه. فلَقيه رجلٌ من الأنصار
بباب المسجد، فقال: ما لك؟ ويلك! قال: قمتُ أشدِّد أمره، فوَثب عليّ رجالٌ من
أصحابه يجذبونني ويُعنِّفونني، لكأنما قلت بَجْرًا أنْ قُمت أشدّد أمره، قال: ويلك! ارجع
يَسْتغفر لك رسولُ اللهِ وَلَّ، قال: والله ما أبتَغي أن يَسْتغفر لي.
كان يوم أُحد يوم محنة:
قال ابن إسحاق: كان يوم أحد يوم بلاء ومُصيبة وتَمْحيص، اختبر الله به المؤمنين،
ومحن به المنافقين ممَّن كان يُظهر الإيمان بلسانه، وهو مُسْتخف بالكُفر في قلبه، ويومًا
أكرم الله فيه مَن أراد كرامته بالشّهادة من أهل ولايته.
موصل مقالة أبي سفيان:
وذكر إرسال أبي سُفيانَ مَع الركب بالوعيد، وكان المُوَصِّل مقالَته للمؤمنين نُعَيمُ بن
مَسْعُودٍ، ﴿فقالوا حَسْبُنا الله ونعم الوكيل﴾، كذلك جاء في التفسير.
قول لعبد الله بن أُبيّ
وذكر قول عبد الله بن أُبَيّ حين أُخْرِج من المسجد: لكأنما قلت: بَجْرًا. البَجْرُ: الأمْرُ
العَظِيمُ والبَجَارِي: الدَّوَاهي، وفي وصية أبي بكر: يا هَادِيَ الطريق جُرْتَ، إنما هو الفَجْرُ أو
البَجْرُ، قال الخطّبي: معناه الداهية.
وذكر ابن إسحق في غير هذه الرواية قول النبيّ وَله في قتلى أُحُدٍ: ((يا ليتني غُودِرْتُ
مع أصحاب نُخصِ الجَبَلٍ)). نُخْصُ الجَبَل: أسفلُه، قاله صاحب العَين.
٢٩٣

ذكر ما أنزل الله في أُحُد من القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم
قال: حدّثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال: حدّثنا زياد بن عبد الله البكائي
عن محمد بن إسحق المطّلبي، قال: فكان مما أنزل الله تبارك وتعالى في يوم أحد من
القرآن ستون آية من آل عِمْران، فيها صِفة ما كان في يومهم ذلك، ومُعاتبة من عاتَب
منهم، يقول الله تبارك وتعالى لنبيَّهِ وَالَ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ
للقتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١].
قال ابن هشام: تبوّىء المؤمنين: تتخذ لهم مقاعد ومنازل. قال الكُميت بن زيد:
لَيتني كنتُ قبلَه
وهذا البيت في أبیات له.
قد تبوأتُ مَضجعا
أي: سميع بما تقولون، عليم بما تخفون.
﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أنْ تَفْشَلا﴾: أن تتخاذلا، والطائفتان: بنو سلمة بن
جُشم بن الخزرج، وبنو حارثة بن النَّبيت من الأوس، وهما الجناحان. يقول الله تعالى:
﴿والله وليُّهما﴾: أي المُدافع عنهما ما همّتا به من فَشلهما، وذلك أنه إنما كان ذلك
منهما عن ضَعف ووَهن أصابهما غير شكّ في دينهما، فتولّى دفع ذلك عنهما برحمته
وعائدته، حتى سَلِمتا من وُهونهما وضَعفهما، ولَحِقتا بنبيِّهما وَِّ.
قال ابن هشام: حدّثني رجل من الأسد من أهل العلم، قال: قالت الطائفتان: ما
نحب أنَّا لم نَهمّ بما هممنا به، لتولى الله إيانا في ذلك.
قال ابن إسحاق: يقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾: أي من كان به
ضَعْف من المؤمنين فليتوكّل عليّ، وليستعِنْ بي، أُعِنْه على أمره، وأدفع عنه، حتى أبلغ
به، وأدفع عنه، وأقوّيه على نيَّته. ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُم اللَّهُ بِبَذْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُم
تَشْكُرُونَ﴾: أي فاتَّقوني، فإنه شُكر نعمتي. ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَذْرٍ﴾ وأنتم أقل عددًا
تفسير ما نزل من القرآن في أُحُد
بعض من آمن رغم الدعاء عليهم:
قد ذكر ابن إسحق ما يحتاج إليه قارىءُ السيرةٍ من تفسير ذلك، وذكر قوله سبحانه:
﴿لَيْسَ لَكَ من الأمْرِ شيءٌ أَوْ يَتُوبَ عليهم﴾ الآية لم يزد على ما في الكتابِ منه. وفي تفسير
٢٩٤

وأضعف قُوّة ﴿إِذْ تَقُولُ للمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ
مُنْزَلِينَ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِذُكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ
المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾: أي إن تصبروا لعدوّي، وتُطيعو أمري، ويأتوكم من وجههم هذا،
أُمدّكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين.
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: مسوِّمين: مُعْلَمين. بلغنا عن الحسن بن أبي الحسن البصريّ أنه
قال: أعْلَموا على أذناب خَيْلهم ونَواصيها بصوف أبيض. فأما ابن إسحق فقال: كانت
سيماهم يوم بدر عَمائم بيضًا. وقد ذكرت ذلك في حديث بدر. والسيما: العلامة. وفي
كتاب الله عزّ وجلّ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: أي علامتهم.
و ﴿حِجَارَةٌ مِنْ سِجِيل مَنْضُودٍ مُسَوَّمةً﴾ يقول: مُعلَمة. بلغنا عن الحسن بن أبي الحسن
البصري أنه قال: عليها علامة، أنها ليست من حجارة الدنيا، وأنها من حجارة العذاب.
قال رُؤبة بن العجَّاج:
فالآنَ تُبلى بي الجيادُ السَّهَم ولا تُجاريني إذا ما سَوَّمُوا
وشَخَصت أبصارُهم وأجْذَموا
[أجذموا ((بالذال المعجّمة)): أي أسرعوا: وأجدموا ((بالدال المهملة)): أقطعوا].
وهذه الأبيات في أرجوزة له: والمُسوّمة (أيضًا) المَرْعيَّة. وفي كتاب الله تعالى:
﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ و﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. تقول العرب: سَوّم خَيْله وإِيلَه، وأسامها:
إذا رعاها. قال الگميت بن زيد:
راعيًا كان مُسْجِحًا ففَقَدنا هُ وفَقَدُ المُسيم مُلْكُ السَّوَامِ
قال ابن هشام: مُسجحًا: سَلِس السياسة محسن (إلى الغنم). وهذا البيت في
قصيدة له .
﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَما النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ
العَزِيزِ الحَكِيم﴾: أي ما سَمّيت لكم مَنْ سَمَّيتُ من جنود ملائكتي إلا بُشرى لكم،
ولتطمئنّ قلوبكم به، لما أعرف من ضَعْفكم، وما النَّصر إلاّ من عندي، لسُلْطاني
وقُدرتي، وذلك أن العِزّ والحكم إليّ، لا إلى أحد من خَلْقي. ثم قال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ
الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾: أي ليقطع طرفًا من المُشْركين بقَتْل يَنتقم به
الترمذي حديث مَرْفُوعٍ أن رسول الله - ◌َّهِ - كان يدعو على أبي سُفيان والحارثِ بنِ هِشَامٍ
٢٩٥

منهم، أو يردّهم خائبين: أي ويَرْجع مَنْ بَقِي منهم فَلا خائبين، لم ينالوا شيئًا مما كانوا
يأملون.
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: يَكْبِتهم: يغمَّهم أشدّ الغَم، ويمنعهم ما أرادوا. قال ذو الرُّمَّة:
ما أنْسَ مِن شَجَنٍ لا أنسَ مَوْقِفَنا في خَيْرة بين مَسْرور ومَكْبوتٍ
ویکْبتهم (أيضًا) يصرعهم لوجوههم.
قال ابن إسحاق: ثم قال لمحمَّد رسول الله وَّهِ: ﴿لَيْسَ لَك مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ
يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾: أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي، إلاّ
ما أمرتُك به فيهم، أو أتُوب عليهم برحمتي، فإن شئتُ فعلت، أو أعذّبهم بذنوبهم
فبحَقِّي ﴿فإنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾: أي قد استوجبوا ذلك بمعصيتهم إيَّاي ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
أي يغفر الذنب ويَزْحم العباد، على ما فيهم.
وعمرو بن العاصي، حتى أنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم﴾ قال:
فَتَابوا وأَسْلَمُوا، وحَسُن إسلامهم، وهذا حديث ثابت في حسن إسلام أبي سُفيانِ خِلافًا
لمن زعم غير ذلك، وأما الحارث بن هشام فلا خلافَ في حُسْن إِسْلاَمِه، وفي موته شهيدًا
بالشام، وأما عَمْرُو بن العاصي، فقد قال فيه النبيّ عليه السلام: ((أسلم الناسُ وآمن
عَمْرو))(١)، وقال في حديث جَرى: ما كانت هِجْرَتي للمال، وإنما كانت الله ورسوله، فقال
له النبيّ - وَ﴿ه -: ((نِعِمًا بالمال الصالح للرجل الصالح))(٢)، فسمّاه: رجلاً صالحًا، والحديث
الذي جَرَى: أنه كان قال له: إني أُريد أن أبعثَك وَجْهَا يُسَلِّمُك الله فيه، ويُغَنْمُكَ، وأَزْعَب(٣)
لك زَعبَةً من المال، وستأتي نُكَتُ وعُيُونٌ من أخبار الحارِثِ، وأبي سُفيَانَ - فيما بعد - إن
شاء الله .
معنى اتخذ:
وذكر قوله سبحانه: ﴿وَيَتَّخِذَ منكم شُهَدَاء﴾ وفيه فضل عظيمٌ للشهداءِ وتنبيه على حُبِّ الله
إياهم حيث قال: ﴿وَيَتَّخِذَ منكم شُهَدَاء﴾ ولا يقال: اتَّخَذْتُ ولا أَتَّخِذُ إلاّ في مُضْطَفَى
(١) أخرجه الترمذي (٣٨٢٤) وأحمد (١٥٥/٤) والطبراني في الكبير (٣٠٧/١٧).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٢/٤) والحاكم (٢٣٦/٢) وابن أبي شيبة (١٨/٧).
(٣) أزعب: أدفع.
٢٩٦

النهي عن الربا:
ثم قال: ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرّبا أضعافًا مُضَاعَفَةً﴾؛ أي لا تأكلوا في
الإسلام، إذ هداكم الله به ما كُنتم تأكلون إذ أنتم على غَيرِه، مما لا يحلّ لكم في دينكم
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي فأطيعوا الله لعلَّكم تَنْجُون مما حذّركم الله من عذابه،
وتُذْركون ما رغّبكم الله فيه من ثَوابه، ﴿واتَّقُوا النَّارَ التي أُعِدَّتْ للكافِرِين﴾: أي التي
جُعلت دارًا لمن كَفَر بي.
الحض على الطّاعة:
ثم قال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ معاتبةً للذين عَصَوْا رسولَ
الله ◌َلل حين أمرهم بما أمرهم به في ذلك اليوم وفي غيره. ثم قال: ﴿وَسارِعُوا إلى
مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبَّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها السَّمْوَاتُ والأرْضُ أُعِدَّت للمُتَّقِينَ﴾ أي دارًا لمن أطاعني
وأطاع رسولي: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النَّاسِ
وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾: أي وذلك هُوَ الإحسانُ، وأنا أُحبّ مَنْ عمل به، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا
فَعَلُوا فاحِشةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللَّهُ
ولَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أي إن أتوا فاحشة، أو ظلموا أنفسهم بمعصية
ذكروا نَهْى الله عنها، وما حرّم عليهم، فاستغفروه لها، وعَرفوا أنه لا يغفر الذنوب إلاّ
هو. ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أي لم يُقيموا على مَعْصيتي كِفِعْل مَن
أشرك بي فيما غَلَوْا به في كفرهم، وهم يعلمون ما حرّمتُ عليهم من عِبادة غيري.
مَحْبُوبٍ، قال الله سبحانه: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ وقال: ﴿وَلَم يَتَّخِذْ صاحِبَةً ولا وَلَدًا﴾
فالاتّخاذُ إنما هو اقْتِنَاءٌ واجْتِبَاءٌ، وهو افتعال من الأخْذِ، فإذا قلت: اتَّخَذْتُ كذا، فمعناه:
أخذتُه لنفسي، واخترتُه لها، فالتاء الأولى بَدَلْ من ياء، وتلك الياءُ بَدَلٌ من هَمْزَة أَخَذ،
فَقُلِبَتْ تَاءً إذ كانت الواوُ تنقلب تاء في مثل هذا البناء، نحو اتَّعد واتَّزَرَ والياءُ أختُ الواو،
فقُلبت في هذا الموضع تَاءً، وكثُرِ استعمالهم لهذه الكلمة، حتى قالوا: تَخِذْتُ بحذف إحْدى
التاءين اكتفاءً بأحَدَيْهَما عن الأُخْرى، ولا يكون هذا الحذفُ إلاّ في الماضي خَاصَّة، لا
يقال: تَتْخَذُ كما يقال: تَخِذَ، لأن المستقبلَ ليس فيه هَمْزةُ وَصْلٍ، وإنما فرّوا في الماضي من
ثقل الهمزة في الابتداء، واسْتَغْنَوا بحركةِ التاء عنها، وكسروا الخاء من تَخِذْتُ لأنه لا مستقبل
له مع الحذف، فحرّكوا عينَ الفعل بالحركة التي كانت له في المستقبل. وكلامُنا هذا على
اللغة المشهورة، وإلا فقد حُكِيَ يَتخذُ في لغة ضعيفة ذكرها أبو عبيد، وذكرها النحاس في
إعراب القرآن.
٢٩٧

﴿أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهار خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أْرُ
العامِلِينَ﴾: أي ثواب المُطيعين.
ذكر ما أصابهم وتعزيتهم عنه:
ثم استقبل ذكر المُصيبة التي نزلت بهم، والبلاء الذي أصابهم، والتَّمحيص لما كان
فيهم، واتخاذَه الشُّهداء منهم، فقال: تعزيةً لهم، وتَعْريفًا لهم فيما صنعوا، وفيما هو
صانع بهم: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلَكُمْ سُنَنْ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبةُ
المُكَذِّبِينَ﴾: أي قد مَضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرُسلي والشّرك بي: عاد
وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، فرأوا مَثُلات قد مَضت مني فيهم، ولمن هو على مثل
ما هم عليه من ذلك مني، فإني أمْلَيت لهم: أي لئلا يظنوا أنّ نقمتي انقطعت عن عدوّكم
وعدوّي للدولة التي أدلتهم بها عليكم، ليَبتليكم بذلك، ليُعلمكم ما عندكم.
ثم قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدَى وَمَوْعِظٌ للمُتَّقِينَ﴾: أي هذا تفسير للناس
إن قَبلوا الهدى ﴿وَهُدَى وَمَوْعِظَةٍ﴾: أي نور وأدب ﴿للمثَّقِين﴾ أي لمن أطاعني وعَرف
أمري، ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾: أي لا تَضْعفوا ولا تَبْتئسوا على ما أصابكم، ﴿وأنْتُم
الأعْلَوْنَ﴾ أي لكم تكون العاقبة والظهور ﴿إِنْ كُنْتُم مُؤْمِنِين﴾ أي إن كنتم صدّقتم نبي بما
جاءكم به عنّي. ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ فَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾: أي جراح مثلها،
﴿وَتِلكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بينَ النَّاسِ﴾: أي نُصرّفها بين الناس للبلاء والتمحيص ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: أي ليُميّز بين المؤمنين
والمنافقين، وليُكْرِم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة ﴿وَاللَّهُ لا يُحِب
الظَّالِمِينَ﴾: أي المنافقين الذي يُظهرون بألسنتهم الطاعةَ وقلوبهم مُصِرّة على المَعْصية
﴿وليُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يختبر الذين آمنوا حتى يخلصهم بالبَلاء الذي نَزل بهم،
أدلة على صحّة خلافة أبي بكر:
وذكر قوله سبحانه: ﴿أفإنْ مات أو قُتِلِ انْقَلَبْتم على أعقابكم﴾ إلى قوله: ﴿وَسَيَخزي
اللَّهُ الشاكرين﴾ ظهر تأويل هذه الآية حين انقلب أهلُ الرِّدَّةِ على أعقابهم، فلم يَضُرَّ ذلك دينَ
الله، ولا أُمَّةَ نَبِيِّه، وكان أبو بكر يُسَمَّى: أمير الشاكرين لذلك، وفي هذه الآية دليلٌ على
صحة خلافتِه، لأنه الذي قاتل المنقلبِين على أعقابهم حين رَدَّهم إلى الدين الذي خرجوا
منه، وكان في قوله سبحانه: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشاكرين﴾ دليلٌ على أنهم سَيَظْفَرُون بمَنْ
ازْتَدَّ، وتَكْمُل عليهم النعمةُ، فيشكرون، فتحريضُه إيَّاهم على الشُّكْرِ - والشكرُ لا يكون إلاَّ
على نعمة - دليلٌ على أن بَلاَءَ الرِّدَّةِ لا يَطُول، وأن الظَفَر بهم سَرِيعٌ، كما كان.
٢٩٨

وكيف صَبْرهم ويَقينهم ﴿وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾: أي يُبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما
ليس في قلوبهم، حتى يظهر منهم كُفْرهم الذي يَسْتترون به.
دعوة الجنّة للمجاهدين:
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلمَّا يَعْلَم اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ
وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾: أي حسبتم أن تدخلوا الجنّة، فتصيبوا من ثوابي الكرامة، ولم
أختبركم بالشدّة، وأبتليَكم بالمكاره، حتى أعلم صِدْق ذلك منكم بالإيمان بي، والصبر
على ما أصابكم فيَّ، ولقد كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الشَّهَادَةَ على الذي أنتم عليه من الحقّ قبل أن
تلقوا عدوّكم، يعني الذين اسْتَنْهضوا رسولَ الله وَ لَه إلى خُروجه بهم إلى عدوّهم، لِما
فاتهم من حُضور اليوم الذي كان قَبْله ببدر، ورغبةً في الشهادة التي فاتّتهم بها، فقال:
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ يقول: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: أي
الموت بالسُّيوف في أيدي الرجالَ قد خلِّي بينكم وبينهم وأنتم تنظرون إليهم، ثم صدّهم
عنكم ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى
أعقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾: أي لقَول
الناس: قُتل محمد نَّه، وانهزامُهم عند ذلك، وانصرافهم عن عدوّهم ﴿أفإن ماتَ أوْ
قُتِلَ﴾ رجعتم عن دينكم كفَّارًا كما كنتم، وتركتم جهاد عدوّكم، وكتاب الله. وما خلَّف
نبيُّه ◌َلّ من دينه معكم وعندكم وقد بيّن لكم فيما جاءكم به عنّي أنه ميّت ومفارقكم،
﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: أي يرجع عن دينه ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾: أي ليس ينقص
ذلك عزَّ الله تعالى ولا مُلكه ولا سلطانه ولا قُدْرته، ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِين﴾: أي مَنْ
أطاعه وعَمِل بأمره.
وكذلك قوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفين من الأعرَابِ﴾ فيه أيضًا: التصحيحُ لخلافَةِ أبي
بكر، لأنه الذي دعا الأعرابَ إلى جهَادٍ حَنِيفَة، وكانوا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، ولم يُقاتلوا لِجِزْيَةٍ،
وإنما قُوتِلُوا لِيُسْلِمُوا، وكان قتالُهم بأمر أبي بكر، وفي سلطانه، ثم قال: ﴿فإن تطيعوا يُؤْتَكُمُ
اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا﴾ فأوجب عليهم الطاعةَ لأبي بكر، فكان في الآية كالنص على خلافته.
وكذلك قوله: ﴿يا أيّها الذين آمنوا اتَّقُوا الله وكانوا مع الصادقين﴾ وقد بَيَّن في سورة
الحَشْرِ مَن الصَّادقون، وهم المهاجرون بقوله: ﴿أولئك هم الصادقون﴾ فأمر الذين تبوؤوا
الدارَ والإيمان أنْ يَكُونوا معهم، أي: تَبَعًا لهم، فحصلت الخلافةُ في الصادقين بهذه الآية،
فاستحقوها بهذا الاسم، ولم يكن في الصادقين مَنْ سمّاه الله الصِّدِّيقَ إلا أبو بكر، فكانت له
خاصّةً، ثم للصادقین بعده.
٢٩٩

ذكره أن الموت بإذن الله :
ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤْجَّلاً﴾: أي أن
لمحمد ﴿ أجلاً هو بالغه، فإذا أذِنَ الله عزّ وجلّ في ذلك كان. ﴿مَنْ يُرِدِ ثَوَابَ الدُّنْيا
نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وَسَنجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾: أي من كان منكم يريد
الدنيا، ليست له رَغْبة في الآخرة، نُؤته منها ما قُسم له من رزق، ولا يَعْدوه فيها، وليس
له في الآخرة من حظّ ﴿ومن يُرِد ثواب الآخرة نُؤْته منها﴾ ما وُعد به، مع ما يُجزى عليه
من رزقه في دُنياه، وذلك جزاء الشَّاكرين، أي المتَّقين.
ذكر شجاعة المجاهدين من قبل مع الأنبياء
ثم قال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيِّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابرين)) أي وكأين من نبيّ أصابه القتل، ومعه
ربُّّون كثير: أي جماعة، فما وَهَنوا لفَقْد نبيِّهم، وما ضعفوا عن عدوّهم؛ وما استكانوا
لما أصابهم في الجهاد عن الله تعالى وعن دينهم، وذلك الصبر، والله يُحبّ الصابرين
﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أقْدَامَنا وَانْصرْنَا
عَلَى القَوْمِ الكافِينَ﴾
ربِّئُون ورفعها في الآية
وذكر قوله تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ مِنْ نَبِيِّ قُتِل (١) معه رِبْيُّون كَثِيرٌ﴾ ارتفع رِبُّون على تفسير
ابن إسحقِ بالابتداءِ، والجملة في موضع الحالِ من الضمير في قُتِل، وهذا أصحُ التّفْسِيرين،
لأنه قال: فما وَهَنُوا لما أصَابَهُم، ولو كانوا هم المقتولين ما قال فيهم: ما وَهَنوا لما أصابَهم
أي: ما ضَعُفوا، وقد يُخَرَّج أيضًا قولُ من قال: رِبُّّونَ مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعلُه بقُتِل على أن
يكون معنى قوله: فما وَهَنُوا أي ما وَهَنَ الباقون منهم، لما أُصِيبوا به مِنْ قَتْلِ إخوانهم،
وهذا وَجْهٌ، ولكن سبب نزول الآية يدل على صحة التفسير الأوّل.
وقوله: رِبّيُّون، وهم الجماعات في قول أهل اللغة، وقال ابن مسعود: رِيّيُّون أُلوفٌ،
وقال أَبَانُ بن تَغْلِب: الرِّبِيُّ: عشرة آلاف(٢).
(١) في مصحف عثمان الذي بين أيدينا ((قاتل)).
(٢) وقيل: الربّيون: المُعبّدون للرب، العابدون له تعالى.
٣٠٠