Indexed OCR Text

Pages 321-340

قال ابن هشام: ويقال: عبد الله بن أُرْقِط.
آک أبي بکر بعد هجرته :
قالَ ابن إسحق: فحدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن أباه عبَّدًا حدُّثه
عن جدته أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما خرج رسول الله بَّر، وخرج أبو بكر معه،
احتمل أبو بكر مالَه كله، ومعه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف، فانطلق بها معه. قالت:
فدخل علينا جذي أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله
مع نفسه. قالت: قلت: كلا يا أبتِ! إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا. قالت: فأخذت أحجارًا
فوضعتها في كوّة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم
أخذت بيده، فقلت: يا أبت، ضَغْ يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه، فقال:
لا بأس، إذا كان ترَك لكم هذا فقد أحسَن، وفي هذا بلاغ لكم. ولا والله ما ترك لنا
شيئًا ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك.
خبر سراقة بن مالك
قال ابن إسحاق: وحدّثني الزهري أن عبد الرحمن بن مالك بن جُعْشم حدّثه عن
أبيه، عن عمه سُراقة بن مالكٍ بن جعشم، قال: لما خرج رسولُ اللهِ وَله من مكة مُهاجرًا
إلى المدينة، جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن ردّه عليهم. قال: فبينا أنا جالس في نادي
قومي إذ أقبل رجلٌ منَّا، حتى وقف علينا، فقال: والله لقد رأيت رَكَبة ثلاثة مرّوا عليّ
آنفًا، إني لأراهم محمدًا وأصحابه، قال: فأومأت إليه بعيني: أن اسكت ثم قلت: قليلاً،
إنما هم بنو فلان، يبتغون ضالة لهم، قال: لعله: ثم سكت. قال: ثم مكثت ثم قمت
فدخلت بيتي، ثم أمرت بفرسي، فقيد لي إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحي، فأخرج لي
من دُبُر حجرتي، ثم أخذت قِداحي التي أستقسم بها، ثم انطلقت، فلبست لَأُمَّتِي ثم
حديث سراقة بن مالك بن جعشم الكناني(١)
ثم المُذْلِجيّ أحد بني مُذْلِجِ بن مرَّة بن تميم بن عَبْد مناة بن كِنانة. وقد ذكر ابن
إسحلق حديثه حين بذلت قريشٌ مائة ناقة لمن رد عليهم محمدًا عليه السلام، وأن سرَاقة
اسْتَقْسَم بالأزلام، فخرج السَهْم الذي يكره، وهو الذي كان فيه مكتوبًا لا تَضُرّه إلى آخر
(١) له ترجمة في الإصابة (١٩/٢) تاريخ الصحابة (٦٠٥) الاستيعاب (٩١٦/٢) أسد الغابة (٢٣١/٢)
الطبقات (٧٨/٩) شذرات الذهب (٣٥/١) الرياض المستطابة (١١٧/١) الكاشف (٣٤٩/١) مشاهير
علماء الأمصار (١٧٠) بتحقيقي.
٣٢١
الروض الأنف/ ج ٢/ م ٢١

أخرجت قِداحي، فاستقسمت بها؛ فخرج السهم الذي أكره («لا يضرّه)) قال: وكنت أرجو
أن أردّه على قريش، فآخذ المائة الناقة. قال: فركبت على أثره، فبينما فَرسي يشتدّ بي
عثر بي، فسقطت عنه. قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها
فخرج السهم الذي أكره «لا يضرّه)). قال: فأبيت إلا أن أتبعه. قال: فركبت في أثره،
فبينا فرسي يشتدّ بي، عثر بي، فسقطت عنه. قال: فقلت: ما هذا؟، قال: ثم أخرجت
قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره «لا يضرّه)) قال: فأبيت إلا أن أتبعه،
فركبت في أثره. فلما بدا لي القوم ورأيتهم، عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض،
وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعهما دخان كالإعصار. قال: فعرفت حين
رأيت ذلك أنه قد مُنع مني، وأنه ظاهر. قال: فناديت القوم: فقلت: أنا سُراقة بن
جُعْشُم: انظروني أكلمكم، فوالله لا أريبكم، ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. قال: فقال
رسول الله وَ﴿ لأبي بكر: ((قل له: وما تبتغي منا))؟ قال: فقال ذلك أبو بكر، قال:
قلت: تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك. قال: ((اكْتُبْ له يا أبا بكر)) (١).
فكتب لي كتابًا في عَظْم، أو في رقعة، أو في خَزَفة، ثم ألقاه إليّ، فأخذته،
فجعلته في كنانتي، ثم رجعت، فسكتّ فلم أذكر شيئًا مما كان حتى إذا فتحُ مكة على
رسول الله وَّر، وفرغ من حُنين والطائف، خرجت ومعي الكتاب لألقاه، فلقيته
بالجِعرانة. قال: فدخلت في كَتِيبة من خيل الأنصار. قال: فجعلوا يقرعونني بالرماح
ويقولون: إليك إليك، ماذا تريد؟ قال: فدنوت من رسولِ الله وَّر وهو على ناقته والله
لكأني أنظر إلى ساقه في غَزْزه كأنها جُمَّارة. قال: فرفعت يدي بالكتاب، ثم قلت: يا
القصة، وأن قوائم فرسه حين قَرُبَ من رسول الله - وَ لَّ ـ سَاخت في الأرض، وتبعها عُثَان،
وهو: الدخان وجمعه: عَوائِن. وذكر غير ابن إسحق أن أبا جهل لامه حين رجع بلا شيء،
فقال وكان شاعرًا :
لأمر جوادي إذ تَسُوعُ قوائمه
أبا حَكم والله لو كنتَ شاهدًا
رسول ببرهانٍ فمن ذا يُقاومه؟!
علمتَ ولم تَشْكُكْ بأن محمدًا
أرى أمرَه يومًا سَتبدو معالمُه
عليك بكّفّ القوم عنه، فإنني
بأن جميعَ الناس ◌ُرًّا يُسَالمه
بأمرٍ يَوَدُّ الناسُ فيه بِأَسْرِهم
(١) أخرجه البخاري (٣٣٨/٧) فتح. وابن الجوزي في المنتظم (٥٥/٣) والحاكم (٦/٣) ومسلم
(٢٠٠٩) بعضه. وأحمد (٢١٢/٣).
٣٢٢

. سول الله، هذا كتابك لي، أنا سُراقة بن جُعْشم؛ قال: فقال رسولُ الله وَلّر: (يوم وفاء
وبرّ، اذْنُهْ)). قال: فدنوت منه، فأسلم. ثم تذكرت شيئًا أسأل رسول الله وَله فما أذكره،
إلا أني قلت: يا رسول الله، الضالة من الإبل تَغْشَى حياضي، وقد ملأتها لإبلي، هل لي
من أجْر في أن أسقيها؟ قال: ((نعم، في كلّ ذات كبد حرّي أجْر)). قال: ثم رجعت إلى
قومي، فسقت إلى رسول الله وَّ صَدقتي. قال ابن هشام: عبد الرحمن بنُ الحارث بن
مالك بن جُغشم.
وقد قدمنا في هذا الكتاب عند ذكر كسرى ما فعله عمر بن الخطاب حين أتى بتاج
كسرى، وسوَارَيْه ومُنْطَقَته، وأنه دعا بسُرَاقَة، وكان أَزَبَّ الذراعين(١)، فَلاه حِلية كسرى،
وقال له: ارْفَعْ يديكَ، وقل: الحمدُ لله الذي سَلَب هذا كِسرى الملك الذي كان يزعم أنه
رَبُّ الناس وكساها أعرابيّا من بني مُذْلِج. فقال ذلك سراقة، وإنما فعلها عمر لأن رسولَ
الله - وَّ﴾ - كان قد بَشَّر بها سراقة حين أسلم، وأخبره أن الله سيفتح عليه بلاد فارس،
ويُغَنّمه مُلكَ كِسْرى، فاستبعد ذلك سُراقة في نفسه، وقال: أَكِسْرى ملك الملوك؟! فأخبره
النبي - رَّ - أن حِلْيَتَه ستجعل عليه تحقيقًا للوعد، وإن كان أعرابيًا بَوَّالاً على عقبيه، ولكن
الله يُعز بالإسلام أهلَه، ويُسْبغ على محمد وأمته نعمته وفضله.
وفي السير من رواية يونس شعر لأبي بكر رضي الله عنه في قصة الغار:
ونحن في سَدَفٍ(٢) من ظُلْمَة الغار
قال النبي ولم يزل يُوَقِّرَني
وقد توقّل لي منه بإظهار
لا تَخْشَ شيئًا؛ فإن الله ثالثُنا
كيدُ الشياطينٍ كَادته الكفار
وإنما كَيْدُ من تخشى بَوادِرَه
والله مُهْلِكُهم ◌ُرًّا بما كَسَبوا
وأنت مُرتَحلٌ عنهم وتاركُهم
وهاجرٌ أرضَهم حتى يكونَ لنا
حتى إذا الليلُ وارَثْنا جوانبُه
سار الأُرَيْقِطُ يَهْدِينا وأَيْثُقُه
يَغْسِفْنَ عرض الثَّنايا بعد أطولها
حتى إذا قُلْتُ: قد أَنْجَدْن عارضَها
وجاعلُ المُنْتَهى منهم إلى النار
إما عُدُوًّا وإما مُذلجْ سارِي
قومٌ عليهم ذَوُو عِزَّ وأنصارٍ
وسَدَّ مِنْ دونٍ مَن تَخْشَى بأسْتَارٍ
يَنْعَبْنِ بالقَرْمِ نَعْبًا تحت أكْوارِ
وكُلَّ سَهْب رَقَّاقِ التُّرابِ مَوَارٍ
من مذلج فارس في منصب وَار
(١) أي طويل الذراعين.
(٢) السدف: الظلمة من الليل.
٣٢٣

يُرْدِي بِه مُشْرِف الأقْطَارِ مُعْتزمٌ
فقال: كُرُّوا فقلت: إن كَرَّتنا
أَنْ يَخْسِفَ الأرضَ بالأحوى وفارسه
فَهِيلَ لما رأى أَرْسَاغَ مُقْربه
فقال: هل لكم أَنْ تُطْلِقوا فرسي
وأضرِفُ الحَيَّ عنكم إنْ لقيتهم
فاذعوا الذي هو عنكم كَفَّ عَوْرَتَنا
فقال قولا رسولُ الله مُبْتهلا
فَنَجِّه سالمًا من شَرِّ دعوتِنا
فأظهر الله إذ يدعو حوافرَه
كالسيد ذي اللِّبْدَة المُسْتَأسِد الضَّاري
من دونها لك نَصْرُ الخالقِ الباري
فانظر إلى أَرْبُع في الأرض غُوَّار
قد سُخْنَ في الأرض لم يُحْفَر بمحفار
وتأخذوا مَوْثِقي في نُضْح أسرار
وأن أُعَوّر منهم عَين عُوَّار
يُطْلِق جوادي وأنتم خير أبْرار
يا ربِّ إن كان منه غير إخْفَار
ومُهْرَه مُطْلقًا من كَلْم آثار
وفاز فارسُه من هَوْلِ أخطار(١)
حديث أُم معبد(٢)
وذكر عن أسماء بنت أبي بكر حين خفي عليها، وعلى من معها أمرُ رسول الله وَلَّهِ،
ولم يدروا أين توجه، حتى أتى رجل من الجن يسمعون صوته، ولا يرونه، فمر على مكة
والناس يتبعونه وهو ينشد هذه الأبيات:
جزى الله رَبُّ الناسِ خيرَ جَزَائِه
هما نَزلاً بالبِرّ ثم ترحَّلا
لِيَهْنِ بني كعب مَقَام فتاتِهم
فيالقِصَيِّ ما زَوَى الله عنكُمُ
سَلْوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا
دعاها بشاةٍ حائلٍ فَتَحَلَّبَتْ
فغادَرها رَهْنًا لدَيْها بحالِبٍ
رَفِيقَيْنِ حَلاَّ خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ
فأَفْلَح من أمسى رَفيقَ محمدٍ
ومَفْعَدُها لِلْمُؤْمِنِينَ بِمِرْصَدِ
به من فَعَال لا يُجازى وسُودَدٍ
فَإِنَّكُمْ إِنّ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهِدٍ
له بصريح ضَرَّةُ الشاةِ مُزْبِد
يُرَدِّدها في مَصْدَرٍ ثم مَوْرِد
(١) القصيدة تحتاج إلى صحة نسب.
(٢) انظر الخبر في الطبقات (٢٣٠/١) تاريخ الطبري (٣٨٠/٢) البداية والنهاية (١٩٠/٣) المنتظم
(٥٧/٣) الوفا (٣٢٨) والحاكم (٩/٣).
٣٢٤

ويروى أن حَسَّانَ بن ثابت لما بلغه شعر الجني، وما هتف به في مكة قال يجيبه:
وقد سُرَّ مَنْ يَسْري إليهم ويَغْتدي
لقد خابَ قومٌ عنهم نبيُّهم
ترخل عن قومٍ فضلْت عقولُهم
وحَلَّ على قومٍ بنورٍ مُجَدَّد
وأرشدهم مَنْ يَتْبَع الحقَّ يَرْشُد
هداهم به بعد الضلالة ربُّهم
عما يتهم هاد بها كل مهتد
وهل يَسْتَوي ضُلاَّلُ قوم تَسَفّهوا
ركابُ هُدّى حلت عليهم بأسْعُدِ
لقد نَزَلتْ منه إلى أهلٍ يَثْرِبٍ
ويتلو كتاب الله في كل مَشْهدٍ
نبيِّ يرى ما لا يرَى الناسُ حولَه
وإن قال في يومٍ مقالة غائب
لِيَهْنِ أبا بكر سعادةُ جَدِّه
فتصديقُه في اليوم أو في ضُحَى الغدِ
بصحبته مَنْ يُسعِد الله يَسْعَدِ
وزاد يونس في روايته أن قريشًا لما سمعت الهاتفَ من الجن أرسلوا إلى أمّ معبد،
وهي بخيمتها، فقالوا: هل مَرَّ بك محمّد الذي من حِلْيَته كذا، فقالت: لا أدري ما تقولون،
وإنما ضافني حالبُ الشاة الحائل، وكانوا أربعةً رسول الله - وَهـ وأبو بكر، وعامرُ بن فُهَيرة
مولى أبي بكر، وقد تقدم التعريف به وطرفٌ من ذكر فضائله في هجرة الحبشة، والرابعُ
عبد الله بن أُرَيْقِط اللَّيْئي ولم يكن إذ ذاك مسلمًا، ولا وجدنا من طريق صحيح أنه أسلم بعد
ذلك، وجاء في حديث أنهم استأجروه، وكان هاديًا خرِّيتًا، والخِرِيتُ: الماهرُ بالطريق الذي
يَهْتَدي بمثل خَرْتِ الإبرة، ويقال له: الخَوْتَعُ أيضًا قال الراجز:
يضل فيها الخَوْتَع المُشَهِرَّ
نسب أُم معبد وزوجها
وأما أُم معبد التي مرّ بخيمتها، فاسمها: عاتكة بنت خالد إحدى بني كعب من خُزَاعَةَ،
وهي أخت حُبَيْش بن خالد، وله صحبة ورواية، ويقال له الأشعر، وأخوها: حُبَيْش بن خالد
سيأتي ذكره والخلاف في اسمه وخالد الأشعر أبوهما، هو: ابن خُنَيْف بن مُنْقِذ بن رَبِيعة بن
أَصْرَم بن ضبيْس بن حرام بن حُبْشِيَّة بن كَغْب بن عمرو وهو أبو خُزاعة .
وزوجها أبو معبد يقال إن له رواية أيضًا عن رسول الله وَ لري ـ توفي في حياة رسول
اللهِ وََّ، ولا يُعرف اسمُه، وكان منزلُ أُمّ معبد بقُدَيْد، وقد روي حديثها بألفاظ مختلفة
متقاربة المعاني، وقد رواه ابْن قُتَيْبَةَ في غريب الحديث، وتقَصَّى شرح ألفاظه، وفيه أن
٣٢٥

رسول الله وَل﴿ قال لأُم معبد: وكان القومُ مُرَّملِينَ(١) مُسْنِتِينَ(٢)، فطلبوا لبَنًا أو لحمًا
يشترونه، فلم يجدوا عندها شيئًا، فنظر إلى شاة في كِسْرِ الخَيْمة(٣) خلفها الجَهْدُ (٤) عن
الغنم، فسألها: هل بها من لبن؟ فقالت: هي أجهد من ذلك، فقال: أتأذنين لي أن أَخْلُبَها،
فقالت: بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلبًا فاحلبها، فدعا بالشاة، فاعتَقَلها، ومَسَح ضَرْعها،
فتفاجَّت(٥) ودَرَّت واجْتَرَّت، ودعا بإناء يُرْبِضُ الرَّهط (٦) أي: يشبع الجماعة حتى يُرْبِضوا،
فحلب فيه حتى ملأه، وسقى القوم حتى رَووا ثم شرب آخرهم، ثم حلَب فيه مرة أخرى
عَلَلاً(٧) بعد نَهْلِ، ثم غادره عندها، وذهبوا، فجاء أبو معبد، وكان غائبًا فلما رأى اللبن
قال: ما هذا يَا أُم معبد أنَّى لكِ هذا والشاء عازب(٨) حِيَالٌ(٩)، ولا حَلُوبة بالبيت،
فقالت: لا والله، إلا أنه مرَّ بنا رجلٌ مُبَاركٌ، فقال: صِفيه يا أُم معبد، فوصفته بما ذكر القُتَبِيُّ
وغيره في الحديث، ومما ذكره القتبي: فشربوا حتى أراضوا جعله القتَبي من اسْتَراض الوادي:
إذا استنقع ومن الرَّوْضَة وهي بقيّة الماء في الحوض وأنشد:
وَرَوْضَةٍ سَقَيْتُ فيه نِضْوِي
ورواه الهَرَوِيُّ حتى آرضُوا على وزن آمنوا، أي ضَرَبوا بأنفسهم إلى الأرض من الري،
وفي حديث آخر أن آل أبي مَعْبَد كانوا يؤرخون بذلك، اليوم، ويسمونه: يوم الرجل
المبارك، يقولون: فعلنا كَيْتَ وكَيْت قبل أن يأتينا الرجل المبارك، أو بعد ما جاء الرجل
المبارك، ثم إنها أتت المدينة بعد ذلك بما شاء الله، ومعها ابنّ صغير قد بلغ السَّغْيِ فمر
بالمدينة على مسجد رسول الله - رَ﴾ - وهو يكلم الناس على المِنْبَر فانطلق إلى أمه يَشْتَدُّ،
فقال لها: يا أُمَّتَاهُ إني رأيت اليوم الرجلَ المبارك، فقالت له: يا بني وَيْحَك هو رسولُ
الله - وَالله.
ومما يُسأل عنه في هذا الحديث أن يقال: هل استمرت تلك البركة في شاة أُم معبد
بعد ذلك اليوم، أم عادت إلى حالها؟ وفي الخبر عن هشام بن حُبَيْش الكعبي، قال: أنا
رأيت تلك الشاةَ وإنها لتأدُم أمَّ معبد وجميعَ صِرمِها، أي: أهلَ ذلك الماء، وفي الحديث
(١) مرملين: أي نفذ زادهم.
(٣) كسر الخيمة: أي جانبها.
(٥) تفاجت: أي فتحت ما بين رجليها للحلب.
(٧) عللاً: مرة بعد مرة.
(٩) حيال: ليست بحامل.
(٢) مسنتين: من السنة، وهي الجدب.
(٤) الجهد: المشقة.
(٦) يربض الرهط: ينقلهم حتى يربضوا.
(٨) عازب: بعيدة عن المرعى.
٣٢٦

طريق الهجرة
قال ابن إسحاق: فلما خرج بهما دليلُهما عبدُ الله بن أزقط، سلك بهما أسفل مكة،
ثم مضى بهما على الساحل، حتى عارض الطريق أسفل من عُسْفَان، ثم سلك بهما على
أسفل أمَج، ثم استجاز بهما، حتى عارض بهما الطريق، بعد أن أجاز قُدَيْدًا، ثم أجاز
بهما من مكانه ذلك، فسلك بهما الخَرَّار، ثم سلك بهما ثَنِيَّةِ المَرَة، ثم سلك بهما لِقْفًا.
قال ابن هشام: ويقال: لَفْتًا. قال مَعْقِل بن خُويلد الهُذلي:
نَزِيعًا مُخلِبًا من أهل لَفْت لحيّ بين أثْلة والنِّجَام
أيضًا من الغريب في وصف الشاة: قال ما كان فيها بُصْرَة وهي النقط من اللبن تبصر
بالعين.
بلاد في طريق الهجرة
وذكر أن دليلَهما سلك بهما عُسْفَان. قال المؤلف رضي الله عنه: وقد روى عن كثير
أنه قال: سُمي عُسْفَان لتعسُّفِ السيول فيه، وسُئل عن الأبواء الذي فيه قبرُ آمنَة أُمّ النبي ◌َّ:
لم سُمِّي الأبواء؟ فقال: لأن السيول تَتَبَوَّءه أي: تحل به، وبعسفان فيما رُوِي كان مسكن
الجُذَمَاء، ورأيت في بعض المسندات أن رسول الله وَّ مرّ بعُسْفَان وبه الجُذَمَاء فأسرع
المشي ولم ينظر إليهم، وقال: ((إن كان شيء من العِلل يعدى فهو هذا))، وهذا الحديث هو
من روايتي، لأنه في مسند الحارث بن أبي أسامة، وقد تقدم اتصال سندي به، وكنت رأيته
قبل في مسند وكيع بن الجراح، وليس فيه إسناد.
فصل: وذكر أن دليلَهم سلك بهم أَمَجًا ثم ثنية المَرَة، كذا وجدته مخفف الراء مقيدًا،
كأنه مُسَهَّل الهمزة من المرأة.
وذِكر لَقْفًا بفتح اللام مقيدًا في قول ابن إسحق، وفي رواية ابن هشام: لَفْتًا، واستشهد
ابن هشام بقول مَعْقِل [بن خُوَيْلِد] الهُذليّ:
نَزِيعًا(١) مُحُلِبًا (٢) من أهل لَفْتٍ(٣)
لِحيِّ بين أَثْلَةَ فالنِّجَام
وألفيت في حاشية الشيخ على هذا الموضع قال: لِفْتْ بكسر اللام ألفيته في شعر مَعْقِل
هذا في أشعار هُذَيل في نسختي، وهي نسخة صحيحة جدًا، وكذلك ألفاه مَنْ وثقته وكلَّفته
(١) النزيع: الغريب، أو المسبية أمه.
(٣) لفتٍ: موضع [ثنية] بين مكة والمدينة.
(٢) المحلب: المعين من غير قومك.
٣٢٧

قال ابن إسحاق: ثم أجاز بهما مَذْلَجة لَقْف ثمَّ استبطن بهما مَذْلَجةٍ مِحَاج
- ويقال: مَجَاج، فيما قال ابن هشام - ثم سلك بهما مَرْجِح مَجَاجٍ، ثم تبطّن بهما
مَرْجِح من ذي الغَضوين - قال ابن هشام: ويقال: العَضَوين - ثم بطن ذي كَشْر، ثم
أخذ بهما على الجَدَاجِد، ثم على الأخرد، ثم سلك بهما ذَا سَلَم، من بطن أغْداء
أن ينظر فيه لي في شعر مَعْقل هذا في أشعار هُذَيْل مكسور اللام في نسخة أبي حلِي القَالي
المقروءة على الزيادي، ثم على الأحول، ثم قرأتها على ابن دُرَيْد رحمه الله، وفيها صَرِيحًا
مُحُلِيًا، وكذلك كان الضبطُ في هذا الكتاب قديمًا، حتى ضبطه بالفَتْح عن القاضي، وعلى ما
وقع في غيرها. انتهى كلام أبي بحر. وقد ذكر أبو عُبَيْد البَكْرِي: لِفْتًا، فقيده بكسر اللام
كما ذكر أبو بحر وأنشد قبله:
جبالَ الجَوْزِ من بَلَدٍ تَهَام
لَعمْرُكَ ما خشیت، وقد بلغنا
صريحًا مُخْلِيًا البيت.
وذكر المواضع التي سلك عليها، وذكر فيها مِجَاج بكسر الميم وجيمين، وقال ابن
هشام: ويقال فيها: مَجاج بالفتح، وقد ألفيت شاهدًا لرواية ابن إسحق في لَقْف، وفيه ذكر
مَجاح بالحاء المهملة بعد الجيم، وهو قول محمّد بن عُزوة بن الزُّبير:
وَجَاحًا وما أُحِبُّ مَجَاحًا
لعن الله بطْنَ لَقْفٍ مَسِيلاً
بلدًا مُجْدِبًا وأرضًا شَحَاحًا
لَقِيَتْ ناقتي به، وبَلِقْفٍ
هكذا ذكره الزبير بن أبي بكر، ولقف آخر غير لفْتٍ فيما قال البكري.
وذكر مَرْجِحَ الجيم على الحاء، وذكر مَذْلِجَة تِعْهِن بكسر التاء والهاء، والتاء فيه أصلية
على قياس النحو فوزنه فِعْلِل إلا أن يقومَ دليل من اشتقاق على زيادة التاء، أو تصح رواية
من رواه تُعْهِن بضم التاء، فإن صحَّت فالتاء زائدة، كسرت أو ضمت وبِتِعْهِن صخرة، يقال
لها: أم ◌ِقْى عُرفت بامرأة كانت تسكن هناك، فمر بها النبي ◌َّه واستسقاها فلم تسقه، فدعا
عليها فُمُسِخَت صخرة، فهي تلك الصخرة فيما يذكرون(١).
وذكر الجَدَاجِدَ بجيمين ودالين كأنها جمع جُذْجُد، وأحسبها آبارًا ففي الحديث: أتينا
على بئر جُذْجُد، قال أبو عبيد: الصواب: بئر جُدّ أي قديمة، وقال الهَرَوِيُّ عن اليزيدي:
وقد يقال: بئر جدجد قال: وهو كما يقال في الكم كمكُم وفي الرَّفِ رَفْرَف.
(١) قصة دعاء النبي ◌َلتر على المرأة فمسخت صخرة، في حاجة إلى دليل ((صحيح)).
٣٢٨

مَدلَجَة تِعْهِن، ثم على العَبابيد. قال ابن هشام: ويقال: العَبابيب، ويقال: العِثْيانة.
يريد العبابيب.
قال ابن إسحاق: ثم أجاز بهما الفاجَّة، ويقال: القاحة، فيما قال ابن هشام.
قال ابن هشام: ثم هبط بهما العَرْج، وقد أبطأ عليهما بعض ظهرهم، فحمل رسولَ
الله وَلَّ رجلٌ من أسلم، يقال له: أوس بن حُجْر، على جمل له - يقال له: ابن الرّداء
- إلى المدينة، وبعث معه غلامًا له، يقال له: مسعود بن هُنيْدَة، ثم خرج بهما دليلهما من
العَرْج، فسلك بهما ثَنِيَة العائر، عن يمين رَكُوبَة - ويقال: ثنية الغائر، فيما قال ابن هشام -
وذكر العبابيد كأنه جمع عباد، وقال ابن هشام: هي العبَابِيب، كأنها جمع: عُبّاب من
عَبَيْتُ الماءَ عبَّا، فكأنها - والله أعلم - مياه تَعُبُّ عُبَابًا أو تُعَبُّ عَبًّا .
وذكر الفاجَّة بفَاء وجيم، وقال ابن هشام: هي: القاحَّة بالقاف والحاء.
قصة أوس بن حجر:
وذكر قدومَهم على أوس بن حجر، وهو أَوْسُ بن عبد الله بن حُجْرِ الأسْلَمِيِّ،
وبعضهم يقول فيه: ابن حَجَر، وهو قول الدَّارَقُطْني، والمعروف، ابن حُجْر بضم الحاء،
وقد تقدم في المبعث ذكر من اسمه حجر في أنساب قريش، ومن يسمى: حُجْرًا من غيرهم
بسكون الجيم، ومن يسمَّى الحِجر بكسر الحاء، فانظره هنالك عند ذكر خديجة وأمها، ولا
يختلف في أوس بن حَجَر أنه بفتحتين.
وذكر أن أوسًا حمل رسول الله - مَّه ـ على جَمَل له، يقال له: ابن الرداء، وفي
رواية يونس بن بكير بن إسحلق يقال له: الرَّدَاح، وفي الخطابي أنه قال لغلامه مسعود،
وهو مسعود بنُ هَنَيْدَة: أسلُك بهم المخارق بالقاف، قال: والصحيح المخارِم، يعني:
مخارِم الطريق، وفي النَّسَويِّ أن مسعودًا هذا قال: فكنت آخذ بهم إخفاء الطريق. وفِقْه
هذا أنهم كانوا خائفين، فلذلك كان يأخذ بهم إخفاءَ الطريقِ ومخارقَه، وذكر النَسَوِي في
حديث مسعود هذا: أن أبا بكر قال له: ائت أبا تميم، فقل له: يحملني على بعير ويبعث
إلينا بزاد، ودليل يدلّنا، ففي هذا أن أوْسًا كان يُكَنَّى أبا تميم، وأن مسعودًا هذا قد روى
عن رسول الله - ◌َر - وحفظ عنه حديثًا في الخمس وحديثًا في صلاة الإمام بالواحد
والاثنين ذكره النَّسَوِي في هذا الحديث، غير أنه قال في مسعود هذا: غلام فَرْوَة
الأسْلَمي. وقال أبو عُمر: قد قيل في أوس هذا إن اسمَه تميم، ويكنى أبا أوس فالله
أعلم.
٣٢٩

حتى هبط بهما بطن رِئم، ثم قدم بهما قُباء، على بني عمرو بن عوف، لاثنتي عشرة ليلة
خلت من شهر ربيع الأوّل يوم الاثنين، حين اشتدَّ الضُّحَاء، وكادت الشمس تعتدل.
النزول بقباء:
قال ابن إسحاق: فحدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن
عبد الرحمن بن عُويمر بن ساعدة، قال: حدّثني رجال من قومي من أصحاب رسول
اللهِ وََّ، قالوا: لما سمعنا بمَخرج رسول الله وَل من مكة، وتوكّفنا قدومَه، كنا نخرج
إذا صلينا الصبح، إلى ظاهر حَرّتنا ننتظر رسولَ الله وَلَّ، فوالله ما نبرح حتى تغلبنا
الشمسُ على الظلال فإذا لم نجد ظلاً دخلنا، وذلك في أيام حارَّة. حتى إذا كان اليوم
الذي قدم فيه رسول الله وَلقر، جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظلّ دخلنا بيوتنا،
وقدم رسول الله وَّر حين دخلنا البيوت، فكان أوّل من رآه رجلٌ من اليهود، وقد رأى ما
كنا نصنع، وأنَّا ننتظر قدوم رسول الله - وَلجاره ـ علينا، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قَيْبلة،
هدا جَدُّكم قد جاء. قال: فخرجنا إلى رسول الله وَّرَ، وهو في ظلّ نخلة، ومعه أبو بكر
رضي الله عنه في مثل سِنّه، وأكثرُنا لم يكن رأى رسولَ الله - وَّر - قبل ذلك، ورَكِبه
الناس وما يعرفونه من أبي بكر، حتى زال الظلّ عن رسول الله وَالقتل، فقام أبو بكر فأظلَّة
بردائه، فعرفناه عند ذلك(١).
وروي أن رسول الله - رَّله ـ قال لمسعود حين انصرف إلى سيده: مُرْ سيّدك أن يَسِم
الإبلَ في أعناقها قَيْدَ الفَرَسِ، فلم تَزَلْ تلك سِمَتَهم في إبلهم، وقد ذكرنا في شرح قصيدة
أبي طالب عند قوله: مُوَسَّمة الأعضاد أسماء السِّمات كالعِراض والخِبَاط والهلال، وذكرنا
قَيْدَ الفرس، وأنه سِمَةٌ في أعناقها، وقول الراجز:
كُومٌ على أعناقِها فَيْدُ الفَرَسِ
تَنْجُو إذا اللَّيْلُ تدانى والتَبَسْ
متى قدم الرسول وَلفي المدينة؟
كان قدومُ رسول الله ور المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة من ربيع الأول، وفي شهر
أيلول من شهور العَجَم، وقال غير ابن إسحق قدمها لثمانٍ خَلَوْن من ربيع الأول، وقال ابن
الكلبي: خرج من الغار يوم الاثنين أول يوم من ربيع الأول، ودخل المدينة يوم الجمعة لِثِشَيْ
عشرة سنة، وكانت بَيْعَة العَقَبَة أَوْسَطَ أَيَّامِ الْتَّشْريق.
(١) انظر البداية (١٩٤/٣) والطبقات لابن سعد (٢٣٣/١) والحاكم (١١/٣) والبخاري (١٨٩/٧)
بنحوه .
٣٣٠

المنازل التي نزلت بقباء
قال ابن إسحاق: فنزل رسول الله وَ﴿ ـ فيما يذكرون - على كُلْثُوم بن هِذْم، أخي
بني عمرو بن عوف، ثم أحد بني عُبيد: ويقال: بل نزل على سعد بن خَيْئمة. ويقول
من يذكر أنه نزل على كُلثوم بن هِذْم: إنما كان رسول الله - وَّو إذا خرج من منزل
كلثوم بن هذم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة. وذلك أنه كان عَزبا لا أهل له،
وكان منزل العُزَّابِ من أصحاب رسول الله بَّر من المهاجرين، فمن هنالك يقال: نزل
على سعد بن خيثمة، وكان يقال لبيت سعد بن خَيْثَمَة: بيت العُزَّاب. فالله أعلم أيّ ذلك
کان، کلاًّ قد سمعنا.
ونزل أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه على خُبَيْب بن إساف، أحد بني الحارث بن
الخزرج بالسُّنْح. ويقول قائل: كان منزله على خارجة بن زيد بن أبي زُهير، أخي بني
الحارث بن الخزرج.
وأقام عليّ بن أبي طالب عليه السلام بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدّى عن
رسول الله وَ﴾ الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله القتال،
فنزل معه على كلثوم بن هِذم.
سهيل بن حنيف(١) وامرأة مسلمة:
فكان علي بن أبي طالب، وإنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين يقول: كانت بقُباء
امرأة لا زوج لها، مسلمة. قال: فرأيت إنسانًا يأتيها من جوف الليل، فيضرب عليها
كلثوم بن الهدم
فصل: وذكر ابن إسحق نزول رسول الله - وَ﴿ ـ على كُلْثُوم بن الهِدْم، وكُلْتُوم هذا
كُنْيَتُه أبو قيس، وهو كلثوم بن الهِذْم بن امُرِىء القيس بن الحارث بن زيد بن مالك بن
عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وكان شيخًا كبيرًا مات بعد قُدوم رسول
الله - رَّ - المدينةَ بيسير، هو أول من مات من الأنصار بعد قدوم النبي ◌َّر، ثم مات بعده
أسعدُ بن زُرَارَة بأيام، وسعدُ بن خَيْئَمة، وأنه كان يقال لبيته: بيت العُزَّاب هكذا روي،
وصوابُه: الأعزبُ؛ لأنه جمع عَزَبٍ، يقال: رجل عَزَبٌ، وامرأةٌ عَزَبَّ، وقد قيل: امرأة
عَزَبَة بالتاء .
(١) انظر ترجمته في الطبقات (٤٧١/٣) (١٥/٦) الإصابة (٨٧/٢) الاستيعاب (٦٦٢/١).
٣٣١

بابها، فتخرج إليه فيعطيها شيئًا معه فتأخذه. قال: فاستربتُ بشأنه، فقلت لها: يا أمة
الله، من هذا الرجل الذي يضرب عليك بابك كلّ ليلة، فتخرجين إليه فيعطيك شيئًا لا
أدري ما هو، وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك؟ قالت: هذا سهل بن حُنيف بن واهب،
قد عرف أني امرأة لا أحد لي، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها، ثم جاءني بها،
فقال: احتطبي بهذا، فكان عليّ رضي الله عنه يَأْثِر ذلك من أمر سهل بن حُنيف، حتى
هلك عنده بالعراق.
قال ابن إسحاق: وحدثني هذا، من حديث عليّ رضي الله عنه، هندُ بن سهل بن
حنيف، رضي الله عنه.
بناء مسجد قباء
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله وَل﴿ بقُباء، في بني عمرو بن عوف، يوم الاثنين
ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسَّس مسجده.
ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة. وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه
مكث فيهم أكثر من ذلك، فالله أعلم أيّ ذلك كان. فأدركتْ رسولَ الله وَّر الجمعة في
بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، وادي رانُونَاء، فكانت
أوّل جمعة صلاها بالمدينة.
تأسيس مسجد قباء
فصل: وذكر تأسيس مسجدٍ قُبَاء، وأنَّ رسول الله وَّ أسسه لبني عَمْرو بن عَوْف، ثم
انتقل إلى المدينة، وذكر ابن أبي خَيْثَمة أن رسول الله وَ لل حين أسسه، كان هو أول من
وضع حَجَرًا في قِيلته، ثم جاء أبو بكر بحجَر فوضعه، ثم جاء عُمّر بحجر فوضعه إلى حَجَرٍ
أبي بكر، ثم أخذ الناسُ في البنيان. في الخطابي عن الشَّمُوسِ بنت النعمان [بن عامر بن
مجمع الأنصارية] قالت: كان النبي وَلِّ حين بنى مسجد قباء يأتي بالحجر قد صَهَرَهُ إلى
بَطْنه، فيضعه فيأتي الرجل يريد أن يُقِلَّه فلا يستطيع حتى يأمرَه أن يَدَعَه ويأخذَ غيره. يقال:
صَهَره وأَضْهَره إذا ألصقه بالشّيء، ومنه اشتقاق الصِّهْر في القرابة، وهذا المسجد أول مسجد
بني في الإسلام، وفي أهله نزلت ﴿فيه رجالٌ يُحِبُّونَ أن يَتَطَهَّروا﴾ [التوبة: ١٠٨] فهو على
هذا المسجد الذي أسس على التقوى، وإن كان قد روى أبو سَعِيدِ الخُذْرِيّ أن رسول
الله ◌َو سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فقال: ((هو مسجدي هذا))(١)، وفي رواية
(١) أخرجه الترمذي (٣٠٩٩) والنسائي (٣٦/٢) وأحمد (٩١/٨٩/٨/٣) (٣٣١/١١٦/٥) والخطيب =
٣٣٢

أخرى قال: ((وفي الآخر خير كثير))، وقد قال لبني عمرو عوف حين نزلت: ((لَمَسْجِدٌ أُسْسَ
على الثَّقْوى))، ((ما الطَّهُور الذي أثنى الله به عليكم))؟ فذكروا له الاستنجاء بالماء بعد
الاسْتَجْمَارِ بالحجر، فقال: ((هو ذاكم فَعَلَيْكُموه)»(١)، وليس بين الحديثين تعارضٌ كلاهما
أُسس على التقوى، غير أن قوله سبحانه: من أول يوم يقتضي مسجد قباء لأن تأسيسه كان
في أول يوم من حُلول رسول الله - وَ * - دار معجزته والبلد الذي هُو مُهَاجَرهُ.
التاريخ العربي :
وفي قوله سبحانه: ﴿من أول يوم﴾ وقد عُلم أنه ليس أول الأيام كلها، ولا أضافه إلى
شيء في اللفظ الظاهر [فتعين أنه أضيف إلى شيء مضمر] فيه من الفقه صحة ما اتفق عليه
الصحابة مع عمر حين شاورهم في التاريخ، فاتفق رأيهم أن يكون التاريخُ من عام الهجرة
لأنه الوقت الذي عزَّ فيه الإسلام، والذي أَمَر فيه النبيُّ - وَّرِ وأسْس المساجدَ. وَعَبَد الله
آمنًا كما يحب(٢)، فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل، وفهمنا الآن بفعلهم أن قوله سبحانه من
أول يوم أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي يورَّخ به الآن، فإن كان أصحاب رسول
الله ◌َالثّ أخذوا هذا من الآية، فهو الظن بأفهامهم، فهُم أعلمُ الناسِ بكتاب الله وتأويله،
وأفهمُهم بما في القرآن من إشارات وإفصاح، وإن كان ذلك منهم عن رأي واجتهاد، فقد
علم ذلك منهم قبل أن يكونوا وأشار إلى صحته قبل أن يفعل، إذ لا يعقل قول القائل: فعلته
أول يوم إلا بإضافةٍ إلى عامٍ معلوم أو شهرٍ معلوم، أو تاريخ معلوم، وليس هاهنا إضافة في
المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ أو قرينة حال
فتدبره ففيه معتبرٌ لمن اذْكَّر وعِلْمٌ لمن رأى بعين فؤاده واسْتَبْصَر والحمد لله.
مِنْ ودخولها على الزمان:
وليس يحتاج في قوله من أول يوم إلى إضمار كما قرره بعضُ النحاة: من تأسيس أول
يوم، فرارًا من دخول مِنْ على الزمان، ولو لفظ بالتأسيس لكان معناه من وقت تأسيس أول
يوم، فإضماره للتأسيس لا يفيد شيئًا، ومِنْ تدخل على الزمان، وغيره، ففي التنزيل ﴿من
=
(٧٩/٤) والحاكم (٤٨٧/١).
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٥٥) والبيهقي (١٠٥/١) والحاكم (١٥٥/١) والدارقطني (٦٢/١) بتحقيقي.
(٢) ردّ ابن المنير وغيره تفسير السهيلي لقوله تعالى: ﴿من أول يوم﴾ فانظر الفتح (٢١٤/٧) شرح
المواهب (٣٥٣/١).
٣٣٣

القبائل تعترضه لينزل عندها:
فأتاه عِثْبان بن مالك، وعبَّاس بن عُبادة بن نَضلة في رجال من بني سالم بن
عوف، فقالوا: يا رسول الله. أقم عندنا في العدد والعدّة والمَنَعَة؛ قال: ((خلُّوا سبيلَها،
فإنها مأمورة))، لناقته: فخلُوا سبيلَها، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني بَياضَة، تلقّاه
زياد بن لَبيد، وفَزْوة بن عمرو، في رجال من بني بَياضَة فقالوا: يا رسول الله: هلمّ
إلينا، إلى العَدد والعُدّة والمَنَعَة؛ قال: ((خلوا سبيلها، فإنها مأمورة))، فخَلَّوا سبيلها.
فانطلقت، حتى إذا مرّت بدار بني ساعدة، اعترضه سعدُ بن عُبادة، والمنذر بن عمرو،
في رجال من بني ساعدة، فقالوا: يا رسول الله، هلمّ إلينا إلى العدد والعدة والمنعة؛
قال: ((خلوا سبيلها، فإنها مأمورة)»، فخلَّوا سبيلَها، فانطلقت، حتى إذا وازنت دارَ بني
الحارث بن الخزرج، اعترضه سعدُ بن الربيع، وخارجةُ بن زيد، وعبد الله بن رَوَاحة،
في رجال من بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا رسول الله هلمّ إلينا إلى العدد والعدة
والمنعة، قال: ((خلوا سبيلها، فإنها مأمورة))، فخلوا سبيلها. فانطلقت، حتى إذا مرّت
بدار بني عديّ بن النجار، وهم أخواله دِنْيا - أُم عبد المطلب، سَلْمی بنت عمرو، إحدى
نسائهم - اعترضه سَلِيط بن قيس، وأبو سَليط أُسَيرة بن أبي خارجة، في رجال من بني
قبل ومن بعد﴾ والقَبْل والبَعْد زمان، وفي الحديث: ((ما من دابة إلا وهي مُصِيحَةٌ(١) يوم
الجمعة من حين تطلع الشمس إلى أن تغرب)»(٢)، وفي شعر النابغة [في وصف سيوف]:
إلى اليوم قد جُرِّبْنَ كُلَّ التَّجَارِبِ
تُورِّثْنَ من أَزْمَانِ يوم حَليمةٍ
ويُوقِدْنَ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُبَاحِب]
[تَقُد السَّلُوقِيَّ المُضَاعَفَ نَسْجُهُ
وبين مِنْ الداخلة على الزمان، وبين منذ فرق بديع قد بيناه في شرح آية الوصية.
تحلحل وتلحلح(٣):
فصل: وذكر لقاء كل قبيلة من الأنصار له يقولون: هَلُمَّ إلينا يا رسول الله إلى
العَدَد والعُدَّة، فيقول: ((خَلُّوا سبيلَها فإنها مأمورة)) حتى بَرَكَت بموضع مسجده، وقال:
(١) مصيخة: أي مصغية.
(٢) أخرجه أبو داود وابن حبان (١٠٢٤/٥٥١ موارد) وأحمد (٤٨٦/٢) والشافعي في مسنده (٧٢).
(٣) تحلحل: التحلحل: التحرّك والذهاب، وحَلْحَلتهم: حرّكتهم، وتحلحلت عن المكان كتزحزحت،
ويقال: تحلحل: إذا تحرك وذهب، وتلحلح: إذا أقام ولم يتحرك. اللسان (١٧٣/١١).
٣٣٤

عديّ بن النجَّار، فقالوا: يا رسول الله، هلمّ إلى أخوالك، إلى العدد والعدّة والمنعة؛
قال: ((خلوا سبيلها، فإنها مأمورة))، فخلوا سبيلها، فانطلقت.
مبرك الناقة بدار بني مالك بن النجار:
حتى إذا أتت داز بني مالك بن النجَّار، بركت على باب مسجده ◌َّار، وهو يومئذ
مِرْبدٌ لغلامين يتيمَيْن من بني النجَّار، ثم من بني مالك بن النجَّار، وهما في حِجر
مُعاذ ابن عَفْراء، سَهْل وسُهيل ابني عمرو. فلما بَرَكت - ورسولُ اللهِ وَّ ر عليها - لم
ينزل، وثبت فسارت غيرَ بعيد، ورسول الله بَّه واضع لها زِمامها لا يَثنيها به، ثم التفتت
إلى خلفها فرجعتْ إلى مَبْرَكِها أوّل مرّة، فبركت فيه، ثم تَحَلْحَلَتْ وَرَزَمَتْ ووضعتْ
جِرانها، فنزل عنها رسول الله وَّ، فاحتمل أبو أيوب خالدُ بن زيد رَحْلَه، فوضعه في
بيته، ونزل عليه رسولُ اللهَ وَّ، وسأل عن المِرْبَد ((لمن هو))؟ فقال له مُعَاذ ابن عَفْراء:
تَحَلْحَلَتْ ورَزَمَتْ وألقت بِجِرَانِها أي: بعنقها، وفسره ابن قتيبة على تَلَخلَحَ أي: لَزِم
مکانه. ولم يبرح، وأنشد:
أقاموا على أَثْقَالِهِمْ وتَلَخْلَحُوا
أناس إذا قيل انْفِروا قد أُتِيتُمُ
قال: وأما تَحلْحَلَ بتقديم الحاء على اللام فمعناه: زال عن موضعه، وهذا الذي قاله
قوي من جهة الاشتقاق، فإن التّلخلُح يشبه أن يكون من لَحِحَتْ عينُه: إذا التصقت، وهو
ابن عَمِي لَحًا.
وأما التَّحَلْحُلُ: فاشْتِقَاقُه من الحَلِّ والانحلال بَيِّن، لأنه انْفِكَاكُ شَيءٍ من شيء، ولكن
الرواية في سيرة ابن إسحق: تَحَلْحَلَتْ بتقديم الحاء على اللام، وهو خلاف المعنى إلا أن
يكون مقلوبًا من تَلَحْلَحَتْ، فيكون معناه: لصقت بموضعها، وأقامت على المعنى الذي فسره
ابن قتيبة في تَلَخلَحَتْ.
وأما قوله: ورَزَمَت فيقال: رَزَمت الناقة رُزُومًا إذا أقامت من الكَلالَ ونُوقٌ رَزْمَى، وأما
أَرْزَمَتْ بالألف، فمعناه: رَغَتْ، ورجَّعت في رُغَائها، ويقال منه: أَزْزَمَ الرعدُ، وأَرْزَمَت
الريحُ قاله صاحب العين، وفي غير هذه السيرة: أنها لما ألقت بِجِرَانها في دار بني النجار
جعلَ رَجُلٌ من بني سَلَمَة، وهو جَبَّارُ بن صَخْرٍ يَنْخُسَها رجاءَ أنْ تقومَ فَتَبْرُك في دارٍ بني
سَلَّمة، فلم تفعل.
المربد وصاحباه:
وقوله: كان المسجد مِرْبِدًا. المِرْبَدُ والجَرينُ [والجُزْنُ والمِجْرَنُ] والمِسْطَحُ وهو
٣٣٥

هو يا رسول الله لسَهْلٍ وسُهَيْل ابني عمرو، وهما يتيمان لي، وسأرضيهما منه، فاتخذه
مسجدًا(١).
المسجد والمسكن
قال: فأمر به رسول الله ﴿ أن يُبنى مسجدًا، ونزل رسول الله وَلّ على أبي أيُّوب
حتى بنى مسجده ومساكنه، فعمل فيه رسول الله وَ ل﴿ ليرغب المسلمين في العمل فيه،
فعمل فيه المهاجرون والأنصار، ودأبوا فيه، فقال قائل من المسلمين:
يُ لَذَاكَ مِنَّا العملُ المضلِّلُ
لئِنْ قعدنا والنَّبِيُّ يَعْمَلُ
بالفارسية: مشطاح والجوخار والبَيْدَرُ والأَنْدَر لغاتٌ بمعنى واحد للموضِع الذي يُجُعَل فيه
الزرع والتمرُ للتَّيْبِيسِ، وأنشد أبو حنيفة في المِسْطَح [لتميم بن مُقْبِل]:
ترى الأَمْعَزَ(٢) المَخْزُوَّ فيه كأنه من الحَرِّ في نَخْرِ الظَّهِيرَةِ مِسْطَحُ
قال: والمَخْزوُ من: حَزَوْتُ الشيء: إذا أظهرته. والمِسْطَحُ هو بالفارسية: مشطح،
وأما المِسْطَحُ الذي، هو عود الخَباءِ فَعَرَبِيَّة .
وذكر أن ذلك المِرْبد كان لِسَهْلٍ وسُهَيْلِ ابْني عَمْرٍو يتيمين في حِجْرِ مُعَاذ ابن عَفْراء
ولم يعرفهما بأكثر من هذا، وقال موسى بن عُقْبة: كانا يتيمين في حِجْرِ أسعد بنُ زرَارَة
وهما ابنا رافع بن عَمْرو بن أبي عمرو بن عُبَيْد بنَ ثَعْلَبة بن غَنْم بن مالك بن النَّجَّار شهد
سُهَيْلٌ منهما بدرًا، والمشاهِدَ كلَّها، ومات في خلافة عَمْر يشهد سَهْلٌ بدرًا، وشهد غيرَها
ومات قبل أخيه سُهَيْل.
حول بنيان المسجد
فصل: وذكر بُنْيَانَ المسجد إلى آخر القصة، وفي الصحيح أنه قال: يا بني النجار
ثَامِنُوني بحائطكم(٣) [هذا] حين أرادَ أن يتخذَه مَسْجِدًا، [فقالوا: لا، والله لا نطلب ثمنه إلا
إلى الله، وفي رواية أخرى في الصحيح أيضًا: ((ثم دعا رسول الله - وَّ ر الغلامين فساومهما
بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، ثم بناه مسجدًا]، وقد ترجم
البخاري على هذه المسألة لفِقْهٍ، وهو أن البائع أولى بتسمية الثمن الذي يطلبه، قال أنس:
(١) انظر مسلم (١٦٢٣/٣) البخاري (١٩٦/٧) الطبقات (٢٣٧/١).
(٢) الأمعز: الأرض الغليظة كثيرة الصخر والحصى.
(٣) أخرجه البخاري (١١٧/١) (٢٦/٣) ومسلم في المساجد (٩) وأحمد في مسنده (١٢٣/٣) والطبري
في تاريخه (٨/٢).
٣٣٦

وارتجز المسلمون وهم يبنونه يقولون:
٠
اللهم ارحم الأنصار والمُهَاجِرة
لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخرة
قال ابن هشام: هذا كلام وليس برجز.
قال ابن إسحاق: فيقول رسول الله وَله: ((لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم
المهاجرين والأنصار))(١).
عمار والفئة الباغية
قال: فدخل عمَّار بن ياسر، وقد أثقلوه باللَّبِن، فقال: يا رسول الله، قتلوني،
وكان في موضع المسجد نَخْلٌ وخِرَبٌ ومقابر مشركين، فأمر بالقبور فنُبِشَتْ(٢) وبالخِرَبُ
فَسُوْيَتْ، وبالنَّخْلِ فَقُطِعَتْ.
ويُروى في هذا الحديث نَخْل وحَرْث مكان قوله: وخِرَبٌ، وروي عن الشّفاءِ بنت
عبد الرحمن الأنصارية قالت: كان النبي - وَّــ حين بنى المسجدَ يُؤْمُّه جبريلُ إلى الكعبة
ويقيم له القبلة.
وذكر فيه قول الرجل لعَمَّار: قد سمعتُ ما تقول يا ابن سُمَيَّة. قال ابن هشام: وقد
سمى ابن إسحق الرجل، وكره ابن هشام أن يسميه كي لا يُذْكّر أحدٌ من أصحاب رسول
الله - رَ﴿ - بمكروه، فلا ينبغي إذًا البحثُ على اسمه.
سمية أُم عمار(٣)
وسُمَيَّة: أُم عمار وقد تقدم التعريف بها في الهجرة الأولى ونبهنا على غلط ابن
قتيبة (٤) فيها فإنه جعلها وسُمَيَّة أُمَّ زياد واحدةً وسُمَّيَّة أُم زياد كانت للحارِث بن كَلَدَةً
المتَطَبِّب، والأولى: مَوْلاَةٌ لبني مَخْزُوم وهي سُمَيَّة بنت خباط، كما تقدم، وكان أهدى سُمَيَّة
.
(١) انظر البخاري (٤٢/٥) البداية والنهاية (٢١٦/٣) الفتح (١١٨/٧).
(٢) أمره ◌َله بنبش القبور لبناء المسجد، دعوة إلى أصحاب المقابر والمشاهد من أصحاب الطرق
الصوفية وغيرهم إلى الاقتداء برسول الله وَ﴿، وقد نهى وَّر عن الصلاة في المساجد المُقامة على
القبور، بل ونهى عن فهل هذا، وقال ◌َ له﴿ في الحديث الصحيح: ((لعن - قاتل الله اليهود والنصارى
اتخذوا قبور أنبيائهم - وفي رواية - وصالِحِيهم مساجد)». فهي مَن يجيب؟ !.
(٣) له ترجمة في الطبقات (٢٦٤/٨) الإصابة (٣٣٤/٤) الاستيعاب (١٨٩٣/٤).
(٤) انظر المعارف لابن قتيبة (٧٦).
الروض الأنف/ ج ٢/ م ٢٢
٣٣٧
٠

يَحمِلون عليّ ما لا يحملون. قالت أمّ سَلَمَة زوجُ النبيّ وَلَ: فرأيت رسول الله وَّل
ينفُضُ وَفْرته بيده، كان رجلاً جَعْدًا، وهو يقول: ((ويحَ ابن سُميَّة، ليسوا بالذين
يتقلونك، إنما تقتلك الفئةُ الباغية))(١).
ارتجاز عليّ :
وارتجز علي بن أبي طالب رضي الله عنه يومئذ:
يدأب فيه قائمًا وقاعدا
لا يستوي من يَعْمُرُ المَساجدا
ومَنْ يُرَى عن الغبار حائدًا
قال ابن هشام: سألت غير واحد من أهل العلم بالشعر، عن هذا الرجز، فقالوا:
بلغنا أن عليّ بن أبي طالب ارتجز به، فلا يُذْرى: أهو قائله أم غيرُه.
مشادة عمار :
قال ابن إسحاق: فأخذها عمَّار بن ياسر، فجعل يرتجز بها.
قال ابن هشام: فلما أكثر، ظنّ رجل من أصحاب رسول الله وَليل أنه إنما يُعرّض
به، فيما حدّثنا زياد بن عبد الله البَكَّائِيُّ، عن ابن إسحق، وقد سمّى ابنُ إسحق الرجل.
الرسول ◌َر يوصي بعمار:
قال ابن إسحاق: فقال: قد سمعتُ ما تقول منذ اليوم يا ابن سُميَّة، والله إني
إلى الحرث رَجُلٌ من مُلوك اليمن: يقال له أبو جَبْر، وذلك أنه عالجه من داءٍ كان به فَبَرىء،
فوهبها له، وكانت قبل أبي جبر لملِكِ من مُلوك الفرس وفَد عليه أبو جَبْر، فأهداها إليه
الملكُ ذكره ابن قُتَيْبَةَ، وفي جامع مَعْمَر بن راشد أن عمارًا كان يَنْقُل في بُنْيَان المسجِد
لَبِنَتَيْن، لَبِنةٌ عنه، ولَبِنةً عن رسول الله - وَ ل ◌َــ والناس ينقلون لَبِنةً واحدة، فقال له
النبي - وَجَ ـ للناس أجرٌ ولك أجران، وآخر زادك من الدنيا شَرْبَةُ لبن، وتقتلك الفِئةُ الباغية
فلما قُتِل يوم صِفِين دخل عَمْرٌو على معاوية فَزِعا، فقال: قتِل عَمَّارٌ، فقال معاوية: فماذا؟
فقال عَمْرو: سمعت رسول الله - وَ﴿ - يقول: ((تقتله الفئة الباغية))، فقال معاوية: دَحَضْتَ(٢)
في بَوْلِك، أنحن قتلناه؟ إنما قتله من أخرجه(٣)؟!
(١) أخرجه البخاري (١٢٢/١) (٢٥/٤) وأحمد (٩١/٣) والبيهقي في الدلائل (٥٤٦/٢).
(٢) أي زلقت.
(٣) أخرجه البيهقي في الدلائل (١٣٧/٣) والحاكم (٣٨٧/٣) وصححه على شرطهما.
٣٣٨

لأراني سأعرض هذه العصا لأنفك. قال: وفي يده عصا. قال: فغضب رسولُ اللهِ وَتِه
ثم قال: ((ما لهم ولعمَّار، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار، إن عمارًا جِلْدة ما بين
عينيّ وأنفي، فإذا بل ذلك من الرجل فلم يُسْتبق فاجتنبوه))(١).
إضافة بناء أول مسجد إلى عمار
قال ابن هشام: وذكر سُفيان بن عُيينة عن زكريا، عن الشّعبيّ، قال: إن أوَّل من
بنى مَسجدًا عمَّارُ بن ياسر(٢).
إضافة بناء المسجد إلى عمار
وذكر ابن إسحق في هذا الموضع الحديث الوارد في عَمَّار، وهو: أولُ من بنى لله
مسجدًا عمار بن ياسر، فيقال: كيف أضاف إلى عمار بنيان المسجد، وقد بناه معه الناس؟
فيقول: إنما عنى بهذا الحديث مسجد قُبَاء، لأن عمارًا هو الذي أشار على النبي - وَّ -
ببنيانه، وهو جمع الحجارة له، فلما أسّسَّه رسولُ الله - بَّ اسْتَتَمَّ بنيانَه عمارٌ.
أطوار بناء المسجد :
كذلك ذكر ابن إسحق في رواية يونس بن بكير عنه: وبُني مسجد رسول الله - وَله -
وسقِف بالجريد وجعلت قبلتُه من اللَِّن، ويقال: بل من حِجَارةٍ مَنْضُودةٍ بعضُها على بعض،
وجُعِلَت عُمُدُه من جُذُوعِ النَّخْلِ، فَتَخِرَتْ في خلافة عُمَر فجرَّدها، فلما كان عثمان بناه
بالحجارة المنقوشة بالقَصَّة وسَقَّفَه بالسَّاج(٣)، وجعل قبلتَه من الحجارة، فلما كانت أيام بنى
العباس بناه محمدُ بن أبي جعفر المتسمى بالمَهْدي، ووسعه وزاد فيه، وذلك في سنةٍ ستين
ومائةٍ، ثم زاد فيه المأمونُ بن الرَّشيد في سنة ثنتين ومائتين، وأتقن بنيانه، ونقش فيه: هذا ما
أمر به عبدُ الله المأمون في كلام كثير كَرهْتُ الإطالة بذكره. ثم لم يبلغنا أن أحدًا غيَّر منه
شيئًا، ولا أحدث فيه عملاً.
بيوت النبي 0 *:
وأما بيوته عليه السلام فكانت تسعةً، بعضُها من جريدٍ مُطَيِّن بالطّين وسقفها جريد،
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١١٩/١٢) وتقدم نحوه عند البخاري (١٢٢/١).
(٢) أخرجه الحاكم (٣٨٥/٣) عن الحكم بن عتيبة والقاسم بن عبد الرحمن.
(٣) الساج: ضرب من الشجر ضخم.
٣٣٩

الرسول ◌َ# في بيت أبي أيوب
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله وَّر في بيت أبي أيوب، حتى بُني له مسجدُه
وبعضها من حِجارة مَرْضُومَة، بعضُها فوق بعض، مسقفة بالجريد أيضًا. وقال الحسن بن أبي
الحسن: كنت أدخل بيوت النبي عليه السلام، وأنا غلام مراهق، فأنال السقف بيدي، وكانت
حُجَرُه - عليه السلام - أكْسِيَةً من شعر مربوطة في خشب عَرْعَر وفي تاريخ البخاري أن بابه
- عليه السلام - كان يُقْرَع بالأظافر، أي لا حَلَقَ له، ولما تُوفِي أزواجُه عليه السلام خُلطت
البيوتُ والحُجَر بالمسجد، وذلك في زمن عَبْد الملك، فلما ورد كتابُه بذلك ضَجَّ أهلُ
المدينة بالبكاء، كيوم وفاته عليه السلام، وكان سريرُه خَشَباتٍ مشدودةً بالليف، بيعت زمن
بني أُميَّة، فاشتراها رجل بأربعة آلاف درهم قاله ابن قتيبة. وهذا يدل على أن بيوته عليه
السلام إذا أُضيفت إليه، فهي إضافة مِلْكِ، كقوله تعالى: ﴿لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبي﴾
[الأحزاب: ٥٣] وإذا أضيفت إلى أزواجه كقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]
فليست بإضافةِ ملْكٍ، وذلك أن ما كان مُلْكًا له عليه السلام، فليس بمَوْرُوثٍ عنه.
حب حباب:
فصل: وذكر حديث أُم أيوب، وقولها: انكسر حُبُّ لنا. الحُبُّ جَرَّةٌ كبيرة، جَمْعُه
[أحب وحِبَاب] حِبَبَه مثل جُخرٍ وجِحَرة (وأجحار وجِحَر] وكأنه أخذ لفظه من حَبَابِ الماء أو
من حَبَبِةٍ، وحَبَابُه بالألف: ترافعه. قال الشاعر:
حَبّابُ الماءِ يَتَّبِعُ الحَبَابَا
كأن صَلاَ جَهِيزَةً حين تمشي
والحَبَبُ بغير ألفٍ نُفَّخَاتٌ بِيضٌ صِغار تكون على وَجُه الشراب قاله ابن ثابت.
الثوم:
وذكر قوله عليه السلام لأم أيوب - حين رَدَّ عليها الثَّرِيدَ من أجل الثُوم: ((أنا رجل
أُناجي))، وروى غيرَه حديث أُم أيوب، وقال فيه: ((إن الملائكةَ تتأذِّى بما يتأذى به
الإنس))(١). وروي أن خَصِيفَ بن الحارث قال: رأيت رسول الله وَ ل﴿ في المنام، فقلت: يا
رسول الله: الحديث الذي ترويه عنك أُمّ أيوب أن الملائكة تتأذى بما يتأذى به الإنس
أصحيح هو؟ قال: ((نعم)).
مصیر منزل أبي أيوب
ومنزل أبي أيوب الذي نزل فيه النبيّ - وَل﴿ - تصيَّر بعده إلى أَفْلَح مولى أبي أيوب،
(١) انظر مسلم في المساجد (٧٢) وابن ماجه (٣٣٦٥) وأحمد (٣٧٤/٣).
٣٤٠