Indexed OCR Text

Pages 301-320

الوليد بن الوليد وعياش وهشام:
قال ابن هشام: فحدّثني من أثق به: أنَّ رسول الله وَّه قال وهو بالمدينة: ((مَنْ لي
بعيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاصي))؟ فقال الوليد بن الوليد بن المُغيرة: أنا لك يا
رسول الله بهما، فخرج إلى مكة، فقَدِمها مستخفيّا، فلقي امرأة تحمل طعامًا، فقال لها:
أين تريدين يا أمة الله؟ قالت: أريد هذين المحبوسين - تَعْنيهما - فتبعها حتى عرف
موضعهما، وكانا محبوسين في بيت لا سَقْف له؛ فلما أمسى تسوّر عليهما، ثم أخذ
مَرْوة. فوضعها تحت قَيْدَيْهما، ثم ضربهما بسيفه فقطعهما فكان يقال لسفيه: ((ذو المَرْوة)).
لذلك، ثم حملهما على بعيره، وساق بهما، فعثر فدَميت أصبعُه، فقال:
هل أنتِ إلا أصبعْ دَمِيتِ وفي سبيلِ اللهِ ما لَقِيتٍ
ثم قدم بهما على رسول الله - رَلية المدينة.
منازل المهاجرين بالمدينة:
قال ابن إسحاق: ونزل عمر بن الخطّاب حين قدم المدينةَ، ومَنْ لحق به من أهله
وقومه، وأخوه زيد بن الخطّاب، وعمرو وعبد الله ابنا سُرَاقة بن المعتمر وخُنَيس بن
خُذافة السّهميُّ - وكان صهرَه على ابنته حَفْصَة بنت عمر، فخلف عليها رسول اللهِ وَله
بعده - وسعيدُ بن زيد بن عمرو بن نُفَيل، وواقد بن عبد الله الثَّميمي، حليف لهم؛
وخَوْليّ بن أبي خَوْلِيٍّ، ومالك بن أبي خَوْلِيّ حليفان لهم.
قال ابن هشام: أبو خَوْلِيّ: من بني عجل بن لُجَيم بن صَعْب بن عليّ بن بكر بن
وائل.
قال ابن إسحاق: وبنو البُكَيْر أربعتهم: إياس بن البُكَير، وعاقل بن البُكَير،
وعامر بن البُكَير، وخالد بن البُكَير، وحلفاؤهم من بني سعد بن ليث، على رفاعة بن
عبد المنذر بن زَنْبَر، في بني عمرو بن عوف بقباء، وقد كان منزل عيَّاش بن أبي ربيعة
معه عليه حين قدما المدينة.
ثم تتابع المهاجرون، فنزل طَلْحةُ بن عبيد الله بن عثمان، وصُهَيْب بن سِنان على
خُبيب بن إساف أخي بَلْحارث بن الخزرج بالسُّنْح. قال ابن هشام: ويقال: يساف فيما
نزول طلحة وصهيب على خبيب بن إساف:
فصل: وذكر نزول طلحةً وصهيب على خُبَيْبٍ بن إسَاف ويقال فيه يَسَاف بياء مفتوحة
في غير رواية الكتاب، وهو إساف بن عِنَّبَة، ولم يكن حين نزول المهاجرين عليه مُسلمًا في
٣٠١

أخبرني عنه ابن إسحق. ويقال: بل نزل طلحة بن عبيد الله على أسعد بن زرارة، أخي
بني النَّجَّار.
قال ابن هشام: وذُكر لي عن أبي عثمان النَّهديّ، أنه قال: بلغني أن صُهَيْبًا حين
أراد الهجرة قال له كفَّار قريش: أتيتنا صُعْلوكًا حقيرًا، فكثُرَ مالُك عندنا، وبلغت الذي
بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم صُهيب: أرأيتم
إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. قال: فإني جعلت لكم مالي. قال:
فبلغ ذلك رسولَ اللهِ وَّرَ، فقال: ((رَبِحَ صُهيب رَبحَ صُهيب))(١).
منزل حمزة وزيد وأبي مرثد وابنه وأنسة وأبي كبشة
قال ابن إسحاق: ونزل حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو مَرْئد
کنّاز بن حِصن.
قال ابن هشام: ويقال: ابن حُصَين - وابنه مرثد الغنويان، حليفا حمزة بن
عبد المطلب، وأَنَسَة، وأبو كبْشة، موليا رسول الله وَ ◌ّر، على كُلْثوم بن هِدم، أخي بني
قول الواقدي بل تأخر إسلامه، حتى خرج رسول الله - وَلجر - إلى بدر، قال خُبَيْبٌ: فخرجت
معه أنا ورجل من قومي، وقلنا له: نكره أن يشهدَ قومُنا مشهدًا لا نشهده معهم، فقال:
أسلمتما؟ فقلنا: لا، فقال: ارجعا، فإنا لا نستعين بمشرك.
وخُبَيْبٌ هو الذي خلف على بنت خارجة بعد أبي بكر الصديق، واسمها: حَبِيبَةٌ، وهي
التي يقول فيها أبو بكر عند وفاته: ذو بطن بنت خارجة أراها جارية، وهي: بنت خارجة بن
أبي زُهير، والجارية: أم كُلْتُوم بنت أبي بكر، مات خُبَيْبٌ في خلافة عثمان، وهو جَدُّ
خُبَيْبٍ بن عبد الرحمن، الذي يروى عنه مالكٌ فِي مُوَطِّئِهِ.
أبو كبشة
وذكر أَنَسَة وأبا كَبْشَة في الذين نزلوا على كُلْثُوم بن الهِدم، فأما أَنَسَةُ مولى رسول
الله - وَ﴾، فهو من مُوَلَّدِي السَّرَاة، ويُكْنى: أبا مَسْروح، وقيل: أبا مِشْرَح شهد بدرًا،
والمشاهدَ كلّها مع رسول الله - مَ ل ـ ومات في خلافة أبي بكر، وأبو كَبْشة اسمه: سليم
يقال إنه من فارس، ويقال: من مُوَلِّدِي أرضٍ دَوْس، شهد بدرًا والمشاهد كلّها مع رسول
الله - ◌َّ - ومات في خلافة عمر في اليوم الذي ولد فيه عُرَّوةُ بن الزُّبير، وأما الذي كانت
(١) انظر الطبقات (١٦٢/١/٣) وابن عساكر في تهذيبه (٤٥٢/٦).
٣٠٢

عمرو بن عوف بقُبَاء: ويقال: بل نزلوا على سعد بن خَيْئمة؛ ويقال: بل نزل حمزةُ بن
عبد المطلب على أسعد بن زرارة، أخي بني النجَّار. كلّ ذلك يقال:
ونزل عُبيدة بن الحارث بن المطلب، وأخوه الطُّفيل بن الحارث، والحُصين بن
الحارث؛ ومِسْطَح بن أثاثة بن عبَّاد بن المطلب، وسُويبط بن سعد بن حُريملة، أخو بني
عبد الدار، وطُليب بن عُمير، أخو بني عبد بن قُصَيّ، وخبَّاب مولى عُتبة بن غَزْوان،
على عبد الله بن سلمة، أخي بَلْعجلان بقُباء.
ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع أخي
بَلْحارث بن الخزرج، في دار بَلْحَارِث بن الخزرج.
كفار قريش تذكره وتنسب النبي عليه السلام إليه، وتقول: قال ابن أبي كَبْشَةً وفعل ابن أبي
كَبْشَة، فقيل فيه أقوال: قيل: إنها كُنية أبيه لأُمه وَهْبٍ بن عبد مناف، وقيل: كُنْية أبيه من
من الرضاعة الحارث بن عبد العُزَّى، وقيل: إن سَلْمى أخت عبد المطلب كان يكنى أبوها
أبا كَبْشَة، وهو عمرو بن لَبِيد، وأشهر من هذه الأقوال كلها عند الناس أنهم شبهوه برجل
كان يعبد الشّغرى وحده دون العرب، فنسبوه إليه لخروجه عن دين قومه.
وذكر الدارَقُطْني اسم أبي كَبْشَة هذا في المؤتلف والمختلف، فقال: اسمه وَجْزُ بن
غالب، وهو خُزَاعِيُّ، وهو من بني غُبْشَانَ.
وذكر نزولهم بقُبَاء، وهو مسكن بني عمرو بن عوف وهو على فرسخ من المدينة،
وهو يُمَد ويُقْصَرِ ويُؤَنَّث ويذَكَّر، ويُصرف ولا يُصْرَف، وأنشد أبو حاتم في صَرْفه:
وَلَأَبْغِيَنْكُمْ قُبّا [و] عُوَارِضًا
ولأُقْبِلَنَّ الخيلَ لاَبةً ضَرْغَدٍ
وكذلك أنشده قاسم بن ثابت في الدلائل قُبا بضم القاف و [فتح] الباء وهو عند أهل
العربية تصحيف منهما جميعًا، وإنما هو كما أنشده سيبويه: قَنَا وعُوارِضًا، لأن قَنَّا جَبَلٌ عند
عُوارِض يقال له، ولجبل آخر معه قَنَوَان، وبينهما وبين قباء مسافات وبلاد، فلا يصح أن
يقرن قُباء الذي عند المدينة مع عُوارِض وقَنَوَيْن، وكذا قال البكري في مُعْجَم ما استعجم
وأنشد: [لمعقِل بن ضِرارَ بن سنان الملقب بالشّماخ].
كأنها لما بدا عُوَارِضُ والليلُ بِين قَنَوَيْنِ رَابِضُ
وقُبَاء: مأخوذ من القَبْو، وهو الضَّمُّ والجمعُ قاله أبو حنيفة، وقال: القوَابِي: هن
اللواتي يجمعن العصفر واحدتهن: قَابِيَةٌ. قال: وأهلُ العربية يسمون الضمة من الحركات
قَبْوَا، وأما قولهم: لا والذي أخرج قُوبًا من قابية يعنون: الفَرْخَ من البَيْضَة فمن قال فيه:
٣٠٣

ونزل الزبير بن العوّام، وأبو سبْرة بن أبي رُهُم بن عبد العُزَّى، على مُنْذِر بن
محمد بن عُقبة بن أُحَيْحَة بن الجُلاَحِ بالعُصبة، دار بني جَحْجَبَى.
ونزل مُصْعَب بن عُمَير بن هاشم، أخو بني عبد الدار على سعد بن مُعَاذ بن
النّعمام، أخي بني عبد الأشهل، في دار بني عبد الأشهل.
ونزل أبو حُذيفة بن عُثْبة بن ربيعة، وسالم مولى أبي حُذيفة.
قال ابن هشام: سالم مَوْلَى أبي حُذيفة سائبةً، لثُبَيْتة [أو نَبَيْتَة] بنت يَعَار بن
زيد بن عُبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوْسِ، سَيِّته
فانقطع إلى أبي حُذَيفة بن عتبة بن ربيعة فَتَبَنَّاه، فقيل: سالم مَوْلَى أبي حذيفة ويقال:
كانت ثُبَيتة بنت يَعار تحت أبي حُذيفة بن عُتبة فأعتقت سَالمًا سائبةً. فقيل: سالم مولى
أبي حُذيفة.
قابية بتقديم الباء، فهو القَبْو الذي يقدم، ومن قال فيه: قابية، فهو من لفظ القُوبِ لأنهَا
تَتَقَوَّب عنه، أي تَتَقَشِّرُ قال الكميت يصف النساء:
من الأمثال قابِيةٌ وقُوبُ
لَهُنَّ وللْمَشِيبٍ ومَنْ عَلاَهُ
وفي حديث عمر: فكانت قابيّةً قُوبٍ عامها، يعني: العُمْرة في أشهر الحج، وقد ذكر
أن قُبَاء اسم بئرٍ عُرِفت القرية بها.
سالم مولى أبي حذيفة:
فصل: وذكر سالمًا مَوْلى أبي حُذَيْفَة الذي كان أبو حذيفة قد تَبَنَّاه كما تبنى رسولُ
الله - زَل﴾ - زيدًا، وكان سائبةً أي: لاَ ولاءَ عليه لأحد، وذكر المرأة التي أعتقته سائبةً، وهي
ثبيتة بنتَ يعَار، وقد قيل في اسمها بُثَيْنَة ذكره أبو عمر، وذكر عن الزُّهري أنه كان يقول
فيها: بنت تَعَار، وقال ابن شيبة في المعارف: اسمها سَلْمى [وقال ابن حبان: يقال لها:
ليلمة] ويقال في اسمها أيضًا: عمرة، وقد أَبطل التَّسْبيبَ في العِثْق كثيرٌ من العلماء، وجعلوا
الوَلاَءِ لكل مَنْ أَعْتَقَ أخذًا بحديث النبي ◌ََّ في ذلك وحَمْلاً له على العموم، ولما روى
أيضًا عن ابن مسعود أنه قال: لا سائبة في الإسْلاَم، ورأى مالكٌ ميراثَ السائبة لجماعة
المسلمين، ولم ير ولاءه لمن سَيَّبه، فكان للتسييب والعتق عنده حكمان مختلفان، وسالم
هذا هو الذي أمر رسولُ اللهِ وَ سَهْلة بنت سُهَيْل أن ترضعَه ليحرُم عليها، فأرضعته وهو ذو
لحية.
٣٠٤

قال ابن إسحاق: ونزل عُثْبة بن غَزْوان بن جابر على عبَّاد بن بشرا بن وقَشْ أخي
بني عبد الأشهل في دار عبد الأشهل.
ونزل عثمان بن عفَّان على أوس بن ثابت بن المُنذِر، أخي حسَّان بن ثابت في دار
بني النجّار، فلذلك كان حسَّان يحبّ عثمان ويبكيه حين قُتل.
وكان يقال: نزل الأعزاب من المهاجرين على سعد بن خَيْئمة، وذلك أنه كان
عَزَبا، فالله أعلم أيّ ذلك كان.
فإن قيل: كيف جاز له أن ينظر إلى ثديها، فقد روي في ذلك أنها حلبت له في مِسْعَط
وشرب اللبن(١)، ذكر ذلك محمد بن حبيب.
(١) انظر الحديث في مسلم في الرضاع (٢٨/٢٧) وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد.
ستـ
٣٠٥
الروض الأنف/ ج ٢/ ٢ ٢٠

خبر الندوة وهجرة الرسول
وأقام رسولُ الله وَله بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يُؤذّن له في الهجرة،
ولم يتخلَّف معه بمكة أحدٌ من المهاجرين إلا من حُبس أو فُتن، إلا عليّ بن أبي طالب،
وأبو بكر بن أبي قُحافة الصدّيق رضي الله عنهما، وكان أبو بكر كثيرًا ما يستأذن رسولَ
الله ◌َيّ في الهجرة، فيقول له رسول الله وَ لقر: ((لا تعجل لعلَ الله يجعل لك صاحبًا»،
فيطمع أبو بكر أن يكونه.
الملأ من قريش يتشاورون في أمر الرسول الهول
قال ابن إسحاق: ولمَّا رأت قريش أن رسول الله - وَلجه - قد صارت له شِيعةٌ
وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروجَ أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم
قد نزلوا دارًا، وأصابوا منهم مَنَعة، فحَذِرُوا خروجَ رسول الله وَّر إليهم، وعَرفوا أنهم قد
أجمع لحَزْبهم. فاجتمعوا له في دار النَّدوة - وهي دار قصيّ بن كلاّب التي كانت قريش
لا تَقْضي أمرًا إلا فيها - يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله وَّ، حين خافوه.
قال ابن إسحاق: فحدّثني من لا أتّهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبي نَجِيح،
عن مجاهد بن جَبْر أبي الحجّاج، وغيره ممن لا أتهم، عن عبد الله بن عبَّاس رضي الله
عنهما قال: لمَّا أجمعوا لذلك، واتَّعدوا أن يدخلوا في دار النَّدوة ليتشاوروا فيها في أمر
اجتماع قريش للتشاور في أمر النبي وَلِيمٍ(١)
ذكر فيه تمثلُ إبليس - حين أتاهم - في صورة شيخ جليل وانتسابه إلى أهل نجد.
(١) الخبر في تاريخ الطبري (٣٧٠/٢) البداية والنهاية (١٧٣/٣) الكامل (٣/٢) الدلائل (٤٦٥/٢)
المنتظم (٤٥/٣) الاكتفاء (٤٣٨/١).
٣٠٦

رسول الله - رَ﴿ ــ غَدْوا في اليوم الذي اتَّعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى يومَ الرَّخمة،
فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، عليه بتلة، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفًا
على بابها، قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سَمع بالذي اتعدتم له، فحضر
معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يُغْدِمكم منه رأيًا ونُصحًا، قالوا: أجل، فأدخل،
فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشرافُ قُرَيش، من بني عبد شمس: عُتبة بن ربيعة،
وشَيْبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب. ومن بني نَوْفل بن عبد مناف: طُعَيمة بن عديّ،
وجُبير بن مُطْعِم، والحارث بن عارم بن نوفل: ومن بني عبد الدار بن قصيّ: النضرُ بن
الحارث بن كلدة. ومن بني أسد بن عبد العزى: أبو البَخْتَرِيّ بن هشام، وزَمَعْةَ بن
الأسود بن المُطَّلِب، وحكيم بن حزام. ومن بني مخزوم: أبو جهل بن هشام. ومن بني
سَهم: نبيه ومُنَبِه ابنا الحجّاجِ، ومن بني جُمَح: أَمَيَّة بن خَلَفٍ، ومن كان معهم وغيرهم ممن
لا يُعَدِّ من قریش.
قوله في صورة شيخ جليل يقول: جَلَّ الرجل وجلت المرأة إذا أسَنَّت، قال الشاعر:
وما حظها أن قيل عَزَّتْ وجَلَّت
ويقال منه: جلَلْتَ يا رجل بفتح اللام، وقياسمه جَللْتُ لأن اسم الفاعل منه: جلیل،
ولكن تركوا الضَّمَّ في المضاعف كلِّه استثقالاً له مع التضعيف إلا في لَيُبْت، فأنتَ لبيب،
حكاه سيبويه بالضَّم على الأصل.
وإنما قال لهم: إني من أهل نجد فيما ذكر بعضُ أهل السيرة، لأنهم قالوا: لا يدخلن
معكم في المشاورة أحدٌ من أهل تِهَامة لأن هواهم مع محمّد، فلذلك تمثل لهم في صورة
شيخ نَجْدِي، وقد ذكرنا في خبر بُنْيان الكعبة أنه تمثّل في صورة شيخ نجدي أيضًا، حين
حكْموا رسول الله - 18 - في أمر الركن: من يرفعه))، فصاح الشيخ النجدي: يا مَعْشَر
قريش: أقد رَضِيتم أن يليَه هذا الغلامُ دون أشرافكم وذوي أسنانكم، فإن صح هذا الخبرُ
فَلِمَعْنَى آخر تمثل نَجُدِيًّا، وذلك أن نجدًا منها يَطْلُع قَرْنُ الشَّيْطانِ، كما قال رسول
الله - * - حين قيل له: وفي نَجْدِنا يا رسول الله؟ قال: ((هنالك الزلازل والفِتن، ومنها
يطلع قَرْنُ الشيطان)»(١)، فلم يُبارِك عليها، كما بارَك على اليمن والشام وغيرها، وحديثه
الآخر أنه نظر إلى المشرِق، فقال: إن الفِتْنَة هاهنا من حيث يطلُع قَرْنُ الشيطان، وفي حديث
ابن عمر، أنه حين قال هذا الكلام، ووقف عند باب عائشة، ونظر إلى المشرق فقاله، وفي
(١) أخرجه البخاري (٣٧/١).
٣٠٧

فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجلَ قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ما
نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمِعوا فيه رأيًا. قال: فتشاوروا ثم
قال قائل منهم: احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابًا، ثم تَرَبَّصوا به ما أصاب أشباهَه
من الشعراء الذين كانوا قبله، زُهيرًا والنابغة، ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتى
يُصيبَه ما أصابهم، فقال الشيخ النّجديّ: لا والله، ما هذا لكم برأي. والله لئن
حبستموه كما تقولون ليخرجَنَّ أمرُه من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه،
فَلَ وْشَكوا أن يثبوا عليكم، فينزِعوه من أيديكم، ثم يُكاثروكم به، حتى يغلبوكم على
أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره، فتشاوروا، ثم قال قائل منهم: نُخرجه
من بين أظهرنا، فنتفيه من بلادنا، فإذا أُخرج عنَّا فوالله ما نُبالي أين ذهب، ولا حيث
وقع، إذا غاب عنَّا وفرغنا منه، فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. فقال الشيخ النجديّ:
لا والله، ما هذا لكم برأي، ألم تَرَوْا حُسْن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على
قلوب الرجال بما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحلّ على حيّ من العرب،
فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم، حتى
يطأكم بهم في بلادكم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبِروا فيه رأيًا
غير هذا. قال: فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيًا ما أراكم وقعتم عليه
بعد، قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كلّ قبيلة فتى شابا جليدًا
نسيبًا وسيطًا فينا، ثم نعطي كلَّ فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمِدوا إليه، فيضربوه بها
ضربةً رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه. فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل
جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعَقْل، فَعَقَلْناه
لهم. قال: فقال الشيخ النجديّ: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره،
فتفرّق القوم على ذلك وهم مجمعون له.
وقوفه عند باب عائشة ناظرًا إلى المشرق يحذر من الفتن، وفكّر في خروجها إلى المشرق
عند وقوع الفتنة تفهم من الإشارة واضْمُم إلى هذا قوله عليه السلام حين ذكر نزول الفتن:
أيقظوا صَوَاحِبَ الحُجر، والله أعلم.
وذكر تشاورَهم في أمر النبي ◌ِّ، وأن بعضَهم أشار بأن يُحبَس في بيت، وبعضهم
بإخراجه عليه السلام من بين أظهرهم ونفيِه، ولم يُسمِّ قائل هذا القول، وقال ابن سلام:
الذي أشار بحبسه هو أبو البَخْتَرِيِّ بن هشام، والذي أشار بإخراجه ونفيه هو أبو الأسْوَد
رِبيعةُ بن عمرو، أحد بني عامر بن لُؤَيّ، وقول أبي جهل: نَسِيبًا وسِيطًا، هو من السِّطة في
العشيرة، وقد تقدم في باب تزويجه خديجة معنى الوَسِيط، وأین یکون مدحًا.
٣٠٨

مما يقال عن ليلة الهجرة:
فأتى جبريلُ عليه السلام رسولَ الله ◌َّه، فقال: لا تَبِتْ هذه الليلة على فراشك
الذي كنت تبيت عليه. قال: فلمَّا كانت عَثْمة من الليل اجتمعوا على بابه يَرْصُدُونه متى
ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله وَلّ مكانهم، قال لعليّ بن أبي طالب: ((نَمْ على
فراشي وتَسجّ ببردي هذا الحَضْرميّ الأخضر، فَنَمْ فيه، فإنه لن يَخْلُص إليك شيء تكرهه
منهم))، وكان رسول الله وَّليه ينام في بُرده ذلك إذا نام.
قال ابن إسحاق: فحدّثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القُرَظِيّ قال: لما
اجتمعوا له، وفيهم أبو جهل بن هشام، فقال وهم على بابه: إن محمدًا يزعم أنكم إن
تابعتموه على أمره، كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بُعثتم من بعد موتكم، فجُعلت لكم
جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بُعثتم من بعد موتكم، ثم
جعلت لکم نار تُحرقون فيها.
قال: وخرج عليهم رسول الله وَالر، فأخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: ((أنا
أقول ذلك، أنت أحدُهم))، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يَرَوْنه، فجعل ينثر
ذلك الترابَ على رؤوسهم، وهو يتلو هؤلاء الآيات من يَس: ﴿يَس والقُرآنِ الحَكِيمِ
إنّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ على صِراطٍ مُسْتَقِيم تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ .. إلى قوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمَّ
فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ حتى فرغ رسولُ اللهَ- وَلَرَ - من هؤلاء الأيات، ولم يبق منهم رجل إلا
وقد وضع على رأسه ترابًا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آتٍ ممن لم
وأما قوله على بابه يتطلَّعون، فيرون عَلِيًا وعليه بُرْدُ رسول الله وَّر فيظنونه إياه، فلم
يزالوا قيامًا حتى أصبحوا، فذكر بعضُ أهل التفسير السببَ المانع لهم من التَّقَحُم عليه في
الدار مع قِصَر الجِدار، وأنهم إنما جاؤوا لقتله، فذكر في الخبر أنهم همُّوا بالؤُلُوج عليه،
فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: والله إنها للسُّبَّةُ في العَرب أن يُتحدثَ عنا أنا
تَسَوَّزنا الحيطان على بنات العم، وهَتَكْنا سِتر حُزْمتنا (١)، فهذا هو الذي أقامهم بالباب حتى
أصبحوا ينتظرون خروجه، ثم طَمَسَتْ أبصارُهم عنه حين خرج، وفي قراءة الآيات الأُول من
سورة: يَس من الفقه التّذْكِرةُ بقراءة الخائفين لها اقتداء به عليه السلام، فقد روى
الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن النبي بَّ في ذكر فضل يَس أنها إن قرأها خائف أمِن،
أو جائع شَبه أو عارٍ كُسَي، أو عاطش سُقِي حتى ذكر خلالاً كثيرة.
(١) كانت هذه هي أخلاق ((أهل الجاهلية)): ((إنها للسبة في العرب أن يتحدث عنّا أنّا تسوّرنا الحيطان
على بنات العم وهتكنا ستر حرمتنا)). أين هي اليوم بين أتباع النبي وَلا؟ !!.
٠
٣٠٩

يكن معهم، فقال: مَا تَنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمدًا، قال: خَيَّكم الله! قد والله خرج
عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلاً إلاّ وقد وضع على رأسه ترابًا، وانطلق لحاجته،
أفما ترون ما بكم؟ قال: فوضع كُلُّ رجل منهم يدَه على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم
جعلوا يتطلَّعون، فَيَرون عليًّا على الفراش مُتَسَجِّيًا بِبُزْدِ رسولِ الله - وَ الرَ، فيقولون: والله
إن هذا لمحمدٌ نائمًا، عليه بُرْدُه. فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام عليّ - رضي الله
عنه - عن الفراش فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي حدّثنا(١).
الآيات التي نزلت في تربص المشركين بالنبي:
قال ابن إسحاق: وكان مما أنزل الله عزّ وجلّ من القرآن في ذلك اليوم، وما كانوا
أجمعوا له: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُقْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمِكُرُ
اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقول الله عزّ وجلّ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ
بِهِ رَيْبَ المَنُونِ قَلْ تَرَبَّصُوا فإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ المُتَرَبَّصِينَ﴾ [الطور: ٣٠].
قال ابن هشام: المنون: الموت. وريب المنون: ما يَرِيبُ ويعرض منها.
قال أبو ذُؤَيْبِ الهذلي:
والدهر ليس بمُعْتِب من يجزعُ
أمِنَ المَنُون ورَيْبِها تَتَوَجّع
وهذا البيت في قصيدة له.
وذكر ابن إسحق ما أنزل الله في ذلك، وشرح ابن هشام رَيْبَ المَنُون، وأنشد قول أبي
ذُؤَيْب :
أمن المنونِ ورَيْبه تتفجع
والمَنُون يذكَّر ويؤنَّث، فمن جعلها عبارةً عن المَنِيَّة أو حوادث الدهر أنَّث، ومن جعلها
عبارةً عن الدهر ذكَّر، ورَيْبُ المنون ما يَرِيبُك من تغير الأحوال فيه، سُمِيت المَنُون لنزعِها
مُنَنَ الأشياء أي: قُواها، وقيل: بل سميت مَنُونًا لقطعها دونَ الأمال من قولهم: حَبل منين
أي: مقطوع، وفي التنزيل قوله تعالى: ﴿فَلَّهُم أجر غير مَمْنُون﴾ [التين: ٦] أي غير
مقطوع.
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢٢٧/١) من طريق الواقدي. وأخرجه عبد الرزاق (٣٨٩/٥) وأحمد
(٣٤٨/١) من وجه آخر بنحوه.
٣١٠

قال ابن إسحاق: وأذن الله تعالى لنبيه وَّلقول عند ذلك في الهجرة.
قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر رضي الله عنه رجلاً ذا مال، فكان حين استأذن
رسول الله ◌َ في الهجرة، فقال له رسول الله وَليقول: ((لا تعجّل، لعل الله يجد لك
صاحبًا))، قد طمع بأن يكون رسولُ اللهِ وَل﴿، إنما يعني نفسه، حين قال له ذلك، فابتاع
راحلتين، فاحتبسهما في داره، يعلفهما إعدادًا لذلك.
٣١١

الهجرة إلى المدينة
قال ابن إسحاق: فحدّثني من لا أتهم، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أُمّ المؤمنين
أنها قالت: كان لا يخطىء رسول الله وَالتّر أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما
بكرة، وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله وَظهر في الهجرة، والخروج
من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله وَلير بالهاجرة، في ساعة كان لا يأتي فيها.
إذن الله سبحانه لنبيّه بالهجرة
ذكر فيه أن رسول الله - وَلجر: أتى بيت أبي بكر في الظّهيرة: قالت عائشة: وفي البيت
أنا وأختي أسماءُ فقال أَخْرِجْ مَن معك، فقال أبو بكر: إنما هما بنتاي يا رسول الله.
وقال في جامع البخاري: إنما هم أهلُك يا رسول الله(١)، وذلك أن عائشة قد كان
أبوها أنكحها من قبل ذلك، وكذلك روي عن أُمها أُم رُومان بنت عامر بن عويمر، ويقال
في اسم أبيها: رَوْمَان بفتح الراء أيضًا، فقال ابن إسحق في غير رواية ابن هشام في حديث
طويل ثابت اختصرته: إن أبا بكر حين هاجر مع رسول الله - * خلف بناتِه بمكة، فلما
قدموا المدينةَ أرسل رسولُ الله - وَّ﴾ - زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه، وأرسل أبو بكر
عبد الله بن أُرَيْقِط [الدِّيلي]، وأرسل معهم خمسمائة درهم، فاشتروا بها ظفرًا بقُدَيْد، ثم
قدموا مكة فخرجوا بسَوْدَة بنت زَمْعَة، وبفاطمة وبأُم كُلْثُوم. قالت عائشة: وخرجتْ أُمي
معهم ومع طَلْحة بن عُبَيْد الله مصطحبين، فلما كنا بقُدَيْدٍ نفر البعيرُ الذي كنت عليه أنا
وأُمي: أُم رومان في مِحَفَّة، فجعلت أُمي تنادي: وَابنَيَّتَاه واعَرُوسَاه !! وفي رواية يونس عن
ابن إسحاق، وفيه قالت عائشة: فسمعت قائلاً يقول - ولا أرى أحدًا - ألْقى خِطامَه، فألقيته
(١) أخرجه البخاري (١٨٣/٧).
٣١٢

قالت: فلما رآه أبو بكر، قال: ما جاء رسول الله ﴿ هذه الساعة إلا لأمر حدَث.
قالت: فلما دخل، تأَخَّرَ له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله وَّر، وليس عند أبي
بكر إلا أنا وأُختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله وَّيٍ: ((أخْرِج عني مَنْ عندك))؛
فقال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي، وما ذاك؟ فداك أبي وأمي! فقال: ((إن الله قد أذن
لي في الخروج والهجرة)). قالت: فقال أبو بكر، الصحبةَ يا رسول الله؛ قال: ((الصحبةَ)).
من يدي، فقام البعير يستدير به، كأن إنسانًا تحته يمسكه، حتى هبط البعير من الثَِّيَّة، فسلم
الله، فقدمنا على رسول الله - * - وهو يبني المسجد وأبياتًا له، فنزلت مع أبي بكر،
ونزلت سَوْدَةُ بنت زَمْعَة في بيتها، فقال أبو بكر: ألا تَبْني بأهلك يا رسول الله، فقال: ((لولا
الصَّدَاق)»، قالت: فدفع إليه ثنْتَيْ عَشْرَةَ أوقية، ونَشّا، والنَّشُّ: عشرون دِرْهَما وذكرَت
الحديثَ. ورواه ابن أبي الزِّنَاد عن هشام بن عُزوة عن أبيه عن عائشة.
لِمَ اشتريت الراحلة؟
وفي حديث ابن إسحق أن أبا بكر قد أعد راحلتين، فقدم لرسول الله وَلا ير واحدة،
وهي أفضلهما، فقال رسول الله وَّير: ((إني لا أركب بعيرًا ليس لي))، فقال أبو بكر: هو لك
يا رسول الله، فقال رسول الله وَله: ((بالثمن))، فقال أبو بكر: بالثمن يا رسول الله فركبها (١)،
فسُئِل بعضُ أهل العلم، لِمَ لَمْ يقبلها إلا بالثمن، وقد أنفق أبو بكر عليه من ماله ما هو أكثر
من هذا فقبل؟ وقد قال عليه السلام: ((ليس من أحد أَمَنَّ عليّ في أهلٍ ومالٍ من أبي بكر))،
وقد دفع إليه حين بنى بعائشة ثنْتَيْ عَشْرَة أوقية ونَشًّا، فلم يأب من ذلك؟ فقال المسؤول:
إنما ذلك لتكون هجرتُه إلى الله بنفسه وماله رغبةً منه عليه السلام في استكمال فضل الهجرة
والجهاد على أتم أحوالهما، وهو قولُ حَسَنٌ حدّثني بهذا بعضُ أصحابنا عن الفقيه الزاهد أبي
الحسن بن اللوان رحمه الله.
ذكر ابن إسحق في غير رواية ابن هشام:
وذكر ابن إسحق في غير رواية ابن هشام: أن الناقة التي ابتاعها رسول الله - وَ طاهر - من
أبي بكر يومئذ هي: ناقته التي تسمى بالجَذْعَاء، وهي غير العَضْبَاء التي جاء فيها الحديث
حين ذكر رسول الله - وَليّ ناقة صالح، وأنها تحشر معه يوم القيامة فقال له رجل: وأنت
يومئذ على العَضْباء يا رسول الله، فقال: ((لا. ابنتي فاطمة تُخْشَر على العَضْبَاء، وأُخْشَر أنا
على البُرَاقِ، ويُخْشَر هذا على ناقةٍ من نُوق الجنة)) وأشار إلى بلال.
(١) أخرجه الطبري في تاريخه (١/ ٥٧٠).
٣١٣

قالت: فوالله ما شَعَرْت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر
يبكي يومئذ، ثم قال: يا نبيّ الله، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا، فاستأجرًا
عبدَ الله بن أَرْقط - رجلاً من بني الدِّيل بن بكر [وهو من بني عبد بن عدي - هاديًا
خِرِيتًا - والخريت: الماهر بالهداية قد غَمَس حلفا في آل العاصي بن وائل السَّهْمِي - عن
البخاري]، وكانت أمه امرأة من بني سَهْم بن عمرو، وكان مشركًا - يدلهما على الطريق،
فدفعا إليه راجلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما.
وذكر أذانه في الموقف في حديث طويل يرويه عبدُ الحميد بن كيسان عن سُوَيْد بن
عُمَيْر، وعبد الحميد مجهول عندهم.
وفي مسند البزار عن أنس قال: خطبنا رسولُ الله ﴿ على العَضْباء، وليست
بالجدعاء، فهذا من قول أنس: إنها غير الجدعاء، وهو الصحيح، لأنها غُنِمت، وأخذ
صاحبُها العقيلي بالمدينة، فقال: بِمَ أخذتني يا محمّد، وأخذت سابقة الحاج، يعني:
العَضْباء، فقال: أخذتك بجرِيرة حُلفائك(١).
بكاء الفرح من أبي بكر:
وذكر ابن إسحق في قول عائشة - رضي الله عنها - ما كنتُ أرى أحدًا يبكي من الفرح
حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي من الفرح. قالت ذلك لصغر سنها، وأنها لم تكن علمت
بذلك قبل، وقد تطرقت الشعراء لهذا المعنى، فأخذته استحسانًا له، فقال الطائِيُّ يصف
السحاب :
عيونُ أزهارِها تبكي من الفرح
دُهْم إذا وَكَفَتْ فَي رَوْضِه طَفِقَتْ
وقال أبو الطيب، وزاد على هذا المعنى:
فَمِنْ فَرَحِ النَّفْسِ ما يَقْتُلُ
فلا تُنْكِرَنَّ لها صَرْعَةً
وقال بعض المحدثين:
سيزورني فاسْتَغْبَرَتْ أجفاني
وَرَدَ الكتابُ من الحبيب بأنه
غلب السرور علَيّ حتى إنه
يا عينُ صار الدمعُ عندك عادةً
من فَرطِ ما قد سَرَّني أبْكّاني
تَبْكِينَ في فَرَحٍ وفي أحْزَان
(١) أخرجه البيهقي (٦/ ١٢٠) وأحمد (٤٣٣/٤) والبغوي في شرح السُّنّة (٨٣/١١).
٣١٤

الذين كانوا يعلمون بالهجرة:
قال ابن إسحاق: ولم يعلم فيما بلغني، بخروج رسول الله ◌َّ ر أحد، حین خرج،
إلا عليّ بن أبي طالب، وأبو بكر الصدّيق، وآل أبي بكر. أمّا عليّ فإن رسول الله وَّو
- فيما بلغني - أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلَّف بعده بمكة، حتى يؤدّيَ عن رسول
الله ◌َّ الودائع، التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله وَ لوليس بمكة أحدٌ عنده شيء
يخشَى عليه إلا وضعه عنده، لما يُعلم من صدقه وأمانته وَله .
الرسول ◌َ وأبو بكر في الغار
قال ابن إسحاق: فلما أجمع رسولُ اللهِ وَ﴿ الخروج، أتى أبا بكر بن أبي قُحَافة،
فخرجا من خَوْخَةٍ لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عَمَدَا إلى غارٍ بِثَوْرٍ - جبل بأسفل مكة -
مكة والمدينة :
فصل: ومن قوله عليه السلام حين خرج من مكة، ووقف على الحَزْوَرَةِ (١)، ونظر إلى
البيت، فقال: ((والله إنك لأحبُّ أرض الله إليّ، وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن
أَهلَك أخرجوني منك ما خرجت))(٢). يرويه الزُّهْرِيُّ عن أبي سلمة عن عبد الله بن عَدِيٍّ بن
الحمراء يرفعه، وبعضهم يقول فيه: عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هُريرة، وهو من
أَصَحْ ما يُختج به في تفضيل مكة على المدينة، وكذلك حديث عبد الله بن الزبير مرفوعًا:
((إن صلاةً في المسجد الحرام خير من مائة ألف صلاة فيما سواه))(٣) فإذا كانت الأعمال تبعًا
للصلاة، فكل حسنة تعمل في الحرام، فهي بمائة ألف حسنة، وقد جاء هذا منصوصًا من
طريق ابن عباس عن رسول الله - وَلّر قال: ((من حَجَّ ماشيًا كُتب له بكل خطوة سبعمائة
حسنة من حسنات الحرم))، قيل: وما حسنات الحَرَم؟ قال: ((الحسنة فيه بمائة ألف حسنة))
[قال عطاء: ولا أحسب السيئةَ إلا مثلها](٤) أسنده البزار.
حديث الغار
وهو غار في جبل ثَوْرٍ، وهو الجبل الذي ذكره في تحريم المدينة، وأنها حرام ما بين
(١) الحزورة: سوق كانت بمكة.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٩٢٥) وابن ماجه (٣١٠٨) والحاكم (٤٣١/٧/٣) والدارمي (٢٣٩/٢) وابن
عساكر (٩/٤) وأحمد في مسنده (٣٠٥/٤).
(٣) انظر تلخيص الحبير (١٧٩/٤) بتحيقي. وابن عساكر (٢٢٥/٧).
(٤) أخرجه البزار (٢٥/٢).
٣١٥

فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنَه عبدَ الله بن أبي بكر أن يتسمَّع لهما ما يقول الناس فيهما
نهَارَه، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامرَ بن فُهَيْرة مولاه
أن يرعى غنمَه نهاره، ثم يُرِيحها عليهما، يأتيهما إذا أمسى فِي الغار. وكانت أسماءُ بنت
أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يُصلحهما.
قال ابن هشام: وحدّثني بعض أهل العلم، أن الحسن بن أبي الحسن البصري
قال: انتهى رسول الله وَلجه وأبو بكر إلى الغار ليلاً، فدخل أبو بكر رضي الله عنه قبل
رسول الله وَ﴿، فتلمس الغار، لينظر أفيه سبع أو حيَّة، يَقِي رسولَ الله وَله بنفسه.
غيْرٍ إلى ثَوْر، وهو وهم في الحديث، لأن ثورًا من جبال مكة، وإنما لفظ الحديث عند
أكثرهم ما بين عَيْر إلى كذا، كأن المحدث قد نسي اسمَ المكان، فكنى عنه بكذا(١).
وذكر قاسم بن ثابت في الدلائل فيما شرح من الحديث أن رسول الله - وَ ل و - لما
دخله وأبو بكر معه أنْبَتَ الله على بابه الرَّاءة: قال قاسم: وهي شجرة معروفة، فحجبت عن
الغار أعينَ الكفار(٢).
وقال أبو حنيفة: الرَّاءة: من أَغْلاَثِ الشجر، وتكون مثل قامة الإنسان، ولها خيطان،
وزَهر أبيض تُحشى به المَخَادّ، فيكون كالريش لخفته ولينه، لأنه كالقطن أنشد:
ترى وَدَكَ الشريف على لَحَاهُم كمثلِ الراء لَبَّدَه الصَّقِيعُ
وفي مُسْنَد البزار: أن الله تعالى أمر العنكبوتَ فَنَسجت على وجه الغار، وأرسل
حمامتين وخشِيَّتين، فوقعتا على وجهِ الغار، وأن ذلك مما صَدَّ المشركين عنه، وأن حمّام
الحرَم من نسل تَيْنِك الحمامتين، وروي أن أبا بكر - رضي الله عنه حين دخله وتقدم إلى
دخوله - قبْلَ رسول الله - رََّ ـ ليقيه بنفسه، رأى فيه جُحْرًا فَأَلقَمَه عَقِبَه، لئلا يخرجَ منه ما
يؤذي رسولَ اللهِ وَ﴾(٣)، وفي الصحيح عن أنس: قال: قال أبو بكر - رضي الله عنه -
لرسول الله ◌َ - وهما في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لرآنًا، فقال له رسول الله وَالخبر:
(١) أخرجه البخاري وغيره.
(٢) في هذا نظر، وهو يفتقر إلى الحديث ((الصحيح)).
(٣) (ضعيف)). أخرجه ابن الجوزي في المنتظم (٥٣/٣) وأورده في الوفا أيضًا (٣١٩) نحوه وفي
الطبقات لابن سعد (٢٢٨/١) نحوه. وذكره الحافظ في الفتح (٧/ ١٨٥) وحسّنه ابن كثير وابن حجر
أيضًا، مع قوله في أحد رواته وهو عثمان بن عمرو بن ساج في التقريب: فيه ضعف. وقصة
الحمامتين أخرجها ابن عساكر. وقال الحافظ ابن كثير في البداية (١٨٠/٣) وهذا حديث غريب جدًا
من هذا الوجه.
٣١٦

الذين قاموا بشؤون الرسول في الغار
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله وَ لّ في الغار ثلاثًا ومعه أبو بكر، وجعلت قُريش
فيه حين فقدوه مائة ناقة، لمن يردّه عليهم. وكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش
نهاره معهم، يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسولِ الله وَّر وأبي بكر، ثم
يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخير. وكان عامر بن فُهيرة، مولى أبي بكر رضي الله عنه،
يرعى في رُغيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر، فاحتلبا وذبحا، فإذا
عبد الله بن أبي بكر غدا من عندهما إلى مكة، اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفّي
عليه، حتى إذا مضت الثلاث، وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه
ببعيريهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما بسُفرتهما، ونسيت أن
تجعل لها ◌ِصامًا فلما ارتحلا ذهبت لتعلَّق السفرة، فإذا ليس لها عصام، فتحلّ نِطاقها
فتجعله عصامًا، ثم علقتها به.
((ما ظَنُّك باثنين، الله ثالثهما))(١)، وروي أيضًا أنهم لما عَمِي عليهم الأثر جاؤوا بالقَافَةِ،
فجعلوا يَقْفون الأثر، حتى انتهوا إلى باب الغار، وقد أنبَت الله عليه ما ذكرنا في الحديث قبل
هذا، فعند ما رأى أبو بكر رضي الله عنه القافة اشتد حزنه على رسول الله - مَله - وقال: إن
قتلتُ فإنما، أنا رجل واحد، وإن قُتلتَ أنتَ هلكت الأمة، فعندها قال له رسول الله وَّه:
((لا تحزن إن الله معنا))، ألا ترى كيف قال: لا تحزن، ولم يقل لا تخف؟! لأن حزنه على
رسول الله - * شَغَله عن خوفه على نفسه، ولأنه أيضًا رأى ما نزل برسول الله وَ له من
النَّصَب، وكونه في ضيقة الغار مع فرقة الأهل، ووخشَة الغُربة، وكان أرقَّ الناسِ على رسول
اللهِ وَلّ، وأشفقَهم عليه، فحزن لذلك، وقد روي أنه قال: نظرت إلى قدميْ رسول
الله - وَّر في الغار، وقد تَفَطَّرتا دمًا، فاسْتَبْكَيْتُ، وعلمت أنه عليه السلام لم يكن تعود
الحَفَاءَ والجَفْوَةَ(٢)، وأما الخوف فقد كان عنده من اليقين بوعد الله بالنصر لنبيه. ما يسكن
خوفه، وقول الله تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ قال أكثر أهل التفسير: يريد على أبي
بكر، وأما الرسول فقد كانت السكينة عليه، وقوله: ﴿وأيَّدَه بجُنود لم تَرَوْهَا﴾ الهاء في أيده
راجعة على النبي، والجنودُ: الملائكةُ أنزله عليه في الغار، فبشروه بالنصر على أعدائه، فأيده
ذلك، وقواه على الصبر [و] قيل أيده بجنود لم تروها، يعني: يومَ بدر وحنين وغيرهما من
مشاهده، وقد قيل: الهاء راجعة على النبي عليه السلام في الموضعين جميعًا وأبو بكر تَبَعْ
(١) أخرجه البخاري (٨/٧) ومسلم في فضائل الصحابة وأحمد (٤/١) والترمذي (٣٠٩٦).
(٢) لا صحة لحديث القدمين هذا.
٣١٧

لِمَ سُمِّيت أسماء بذات النطاقين:
٠
فكان يقال لأسماء بنت أبي بكر: ذات النطاق، لذلك.
قال ابن هشام: وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول: ذات النطاقين.
وتفسيره: أنها لما أرادت أن تعلّق السفرة شفَّت نطاقها باثنين، فعلَّقت السفرة
بواحد، وانتطقت بالآخر (١).
له، فدخل في حكم السكينة بالمعنى، وكان في مصحف حَفْصَةً: فأنزل الله سكينته
عليهما(٢)، وقيل: إن حزن أبي بكر كان عند ما رأى بعضَ الكفار يبول عند الغار، فأشفق
أن يكونوا قد رأوهما، فقال له النبي وَّر: ((لا تحزن، فإنهم لو رأونا لم يَسْتَقْبِلُونا بفروجهم
عند البول، ولا تشاغلوا بشيء عن أخذنا))، والله أعلم.
الردّ على الرافضة فيما بهتوا به أبا بكر:
فصل: وزعمت الرافضةُ(٣) أن في قوله عليه السلام لأبي بكر لا تحزن غَضًّا من أبي
بكر وذمًّا له؛ فإن حزنه ذلك: إن كان طاعةٌ فالرسولُ عليه السلام لا ينهى عن الطاعة،
فلم يبق إلا أنه معصية، فيقال لهم على جهة الجدّل: قد قال الله لمحمد عليه السلام:
﴿فِلاَ يَخْزُنْك قولُهم﴾ [يَس: ٧٦] وقال: ﴿ولا يَخْزُنْك الذين يُسارعون في الكفر﴾
[آل عمران: ١٧٦] وقال لموسى: ﴿خُذْها ولاَ تَخفْ﴾ [طه: ٢١] وقالت الملائكة للوط:
لا تخف، ولا تحزن، فإن زعمتم أن الأنبياءَ حين قيل لهم هذا كانوا في حال معصية،
فقد كفرتم، ونقضتم أصلَكم في وجوب العصمة للإمام المعصوم في زعمكم، فإن الأنبياءَ
هم الأئمة المعصومون بإجماع، وإنما قوله: لا تحزن، وقولُ الله لمحمد: لاَ يَخْزُنْك،
وقوله لأنبيائه مثلَ هذا تسكينٌ لجَأْشِهم(٤) وتبشير لهم وتأنيسٌ على جهة النهي الذي
زعموا، ولكن كما قال سبحانه: ﴿تَتَنَزَّل عليهم الملائكةُ ألاَّ تَخَافُوا ولاَ تخزَنُوا﴾
" [فصّلت: ٣٠] وهذا القول إنما يقال لهم عند المعاينة، وليس إذ ذاك أمر بطاعة ولا نهي
عن معصية .
(١) (صحيح)). أخرجه البخاري (٧/ ١٨٣) وابن سعد في الطبقات (٢٢٩/١).
(٢) لا يصح من السهيلي رحمه الله تعالى قوله أن قول ((كليهما)) ثابت في مصحف حفصة، فهو دليل
عل نقص ما في مصحفنا الذي بين أيدينا، ولا يقول هذا إلا رافض شيعي فانتبه.
(٣) الرافضة هم الذين رفضوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه. انظر الملل والنحل الشهر ستاني
وغيره.
(٤) الجأش: روع القلب.
٣١٨

راحلة النبي لة:
قال ابن إسحاق: فلما قرّب أبو بكر، رضي الله عنه، الراحلتين إلى رسولٍ
الله وَّر، قدّم له أفضلهما، ثم قال: اركب، فداك أبي وأمي؛ فقال رسول الله وَلّر: ((إني
لا أركب بعيرًا ليس لي)). قال: فهي لك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قال: ((لا،
ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به))؟ قال: كذا وكذا، قال: ((قد أخذتها به))، قال: هي لك
يا رسول الله. فركبا وانطلقا. وأردف أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه عامر بن فُهيرة مولاه
خلفه، ليخدِمهما في الطريق.
ووجه آخر من التحقيق، وهو أن النهي عن الفعل لا يقضي كونَ المنهِيِّ فيه، فقد نهى
الله نبيّه عن أشياء، ونهى عباده المؤمنين، فلم يقتض ذلك أنهم كانوا فاعلين لتلك الأشياء في
حال النهي، لأن فعلَ النهي فعلٌ مستقبل، فكذلك قوله: لأبي بكر: لا تحزن، لو كان
الحزن كما زعموا لم يكن فيه على أبي بكر - رضي الله عنه - ما ادَّعَوْا من الغَضِّ، وأما ما
ذكرناه نحن من حزنه على النبي وَ ل 9، وإن كان طاعة، فلم ينهه عنه الرسولُ عليه السلام إلا
رفقًا به وتبشيرًا له لا كراهية لعمل، وإذا نظرت المعاني بعين الإنصاف لا بعين الشهوة
والتعصب للمذاهب لاحت الحقائق، واتَّضحت الطَّرائق والله الموفّق للصواب.
معية الله مع رسوله وصاحبه (١):
وانتبه أيها العبد المأمور بتدبُّر كتابِ الله تعالى لقوله: ﴿إِذْ يقولُ لصاحبه لا تَحْزَنْ إن
الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠] كيف كان معهما بالمعنى، وباللفظ، أما المعنى فكان معهما بالنصر
والإرفاد(٢) والهداية والإرشاد، وأما اللفظ فإن اسمَ الله تعالى كان يذكر إذا ذُكر رسولُه، وإذا
(١) وقد قال بعض أهل العلم في قوله تعالى: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾. قالوا فيهما:
((إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)). قال بعض أهل العلم في قوله وَلقر لأبي
بكر: ﴿إن الله معنا﴾ وقول موسى عليه السلام لما اتبعه فرعون وجنوده، فرأوا البحر أمامهم
وفرعون من خلفهم قالوا: ﴿إنّا لمدركون﴾ قال موسى عليهم السلام ردًّا عليهم: ﴿كلا إن معي ربي
سيهدين﴾. فقدّم النبي ◌َّ ذكر ربه فقال: ﴿إن الله معنا﴾ وقال موسى لقومه: ﴿إن معي ربي﴾.
والكلام إنما في المخاطب بهذا الكلام؛ فلما كان قوم موسى أهل مادية وفكر عَفِن قال لهم موسى:
﴿إن معي ربي﴾، فكان قوله: ﴿إن معي﴾ لفت لنظر وانتباه أولئك النفر ثم قال: ﴿ربي﴾ - ﴿إن
معي ربي سيهدني﴾، ومن الناحية الأخرى لما كان المخاطب هو الصديق أبا بكر رضي الله عنه -
كان ﴿إن الله﴾ فإذا سمع اسم الله تعالى سكنت نفسه واطمأنت ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ ثم
أردف النبي ◌َ ◌ّر بقوله: ﴿معنا﴾ وليس ﴿معي﴾ بل معنا. فتأمل.
(٢) الإرفاد: الراء والفاء والدال [رفد] أصل واحد مطّرد منقاس، وهو المعاونة والمظاهرة بالعطاء
وغيره. مقاييس اللغة (٤٢١/٢).
٣١٩

أبو جهل يضرب أسماء بنت أبي بكر:
قال ابن إسحاق: فحُدّثت عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: لما خرج رسول
اللهِ وَلّ وأبو بكر رضي الله عنه، أتانا نفر من قُرَيش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا
على باب أبي بكر، فخرجتُ إليهم؛ فقالوا: أين أبوك يا بنتَ أبي بكر؟ قالت: قلت: لا
أدري والله أين أبي. قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشًا خبيثًا، فلطم خدّي لطمة
طرح منها قُرطي .
خبر الجنّيّ الذي تغنى بمقدم الرسول وَّد
قالت: ثم انصرفوا. فمكثنا ثلاث ليال، وما ندري أي وجهُ رسول الله وَالر، حتى
أقبل رجلٌ من الجنّ من أسفل مكة، يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وإن الناس
ليتبعونه، يسمعون صوته وما يَرَونه، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:
رفيقَيْن حلاًّ خيْمَتَيْ أمّ مَعْبَدٍ
جزی الله ربُّ الناسِ خیرَ جَزائه
فأفلح من أمسى رَفِيقَ محمدٍ
هُما نَزَلا بالبرِّ ثُمَّ تَرَوَّحا
وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينِ بِمَرْصَدٍ(١)
لِيَهْنِ بَنِي كَعْب مَكَانُ فتاتِهِمْ
٠
نسب أم معبد(٢)
قال ابن هشام: أُمّ معبد بنت كَعبْ، امرأة من بني كَعْب، من خُزاعة. وقوله:
(حلا خيمتي)) و((هما نزلا بالبرّ ثم تروّحا)) عن غير ابن إسحق.
قال ابن إسحاق: قالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: فلما سمعنا قوله
عرفنا حيث وَجْه رسول اللهِ وَّ#، وأن وجهه إلى المدينة وكانوا أربعة: رسولُ اللهِ وَلتِ،
وأبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر، وعبد الله بن أرقط
دليلهما .
دُعي فقيل: يا رسول الله، أو فعل رسول الله، ثم كان لصاحبه كذلك يقال: يا خليفة رسول
الله، وفعل خليفة رسول الله، فكان يُذكر معهما، بالرسالة وبالخلافة، ثم ارتفع ذلك فلم يكن
لأحد من الخلفاء ولا يكون.
(١) أخرجه الحاكم (٩/٣) وابن سعد (٢٣٠/١).
(٢) سيأتي كلام السهيلي رحمه الله تعالى بعد قليل، بعد خبر سراقة رضي الله عنه.
٣٢٠