Indexed OCR Text
Pages 141-160
إيذاء أمية بن خلف للرسول اليه . وأُميَّة بن خلف بن وهب بن جُذافة بن جُمَح، كان إذا رأى رسول الله وَلِ هَمَزه ولَمَزه، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةِ الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الحُطَمَةِ ومَا أدْرَاكَ ما الحُطَمَةُ نارُ الله المُوقَدَةُ التي تَطَّلِعُ على الأَفْئِدَةِ إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةً فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ . قال ابن هشام: الهُمَزة: الذي يشتم الرجلَ عَلانية، ويَكْسِرُ عينيه عليه، ويَغْمز به. قال حَسَّان بن ثابت : بقافيةٍ تَأْجَّجُ كالشُّواظِ هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعتُ لذلٌ نفسٍ وهذا البيت في قصيدة له. وجمعه: همزات. واللَّمَزَة: الذي يَعيب الناسَ سرًّا ويُؤْذیهم. قال رؤبة بن العجاج: في ظلّ عَصْرَيْ باطلي ولَمْزِي وهذا البيت في أُرجوزة له، وجمعه: لمزات. إيذاء العاص للرسول لو: قال ابن إسحاق: والعاص بن وائل السهميّ، كان خبّاب بن الأرت، صاحبُ رسولِ الله - ◌َ﴿ - قَيْئًا بمكة يعمل السيوفَ، وكان قد باع من العاص بن وائل سيوفًا عملها له، حتى كان له عليه مال، فجاءه يتقاضاه، فقال له: يا خَبَّابُ أليس يزعمُ محمد صاحبُكم هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغَى أهلُها من ذهب، أو فضة، أو ثياب، أو خدم؟! قال خبّاب: بلى. قال: فأنظرني إلى يوم القيامة يا خباب، حتى أرجع إلى تلك الدار، فأقضيك هنالك حقَّك، فوالله لا تكون أنت وصاحبك يا خبَّاب آثرَ عند الله مني، ولا أعظم حظًا في ذلك، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿أَفَرأيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنا وَقَالَ لِأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَدًا أَطّلَعَ الغَيْبَ﴾ ... إلى قوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [هي وما قبلها من سورة مريم: ٧٧ - ٨٠]. فصل: وذكر حديث خَبَّاب مع العاصي بن وائل، وما أنْزَلَ اللَّهُ فيه من قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بآياتنا﴾ وقد تقدم الكلامُ على: أرأيت، وأنه لا يجوز أن يليها الاستفهام، كما يلي: علمت ونحوها، وهي ههُنا: عاملة في الذي كفر، وقد قدّمنا من القول فيها ما يُغني عن إعادته ههنا، فلينظر في سورة: اقرأ، وحديث نزولها. ١٤١ إيذاء أبي جهل لرسول الله وَالفول ولقي أبو جهل بن هشام رسولَ الله ◌َّلر ــ فيما بلغني - فقال له: والله يا محمد، لتتركنّ سبَّ آلهتنا، أو لنَسُبنَّ إلهك الذي تعبد. فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَذْوًا بغَيرٍ عِلْم﴾ [الأنعام: ١٠٨] فذكر لي أنّ رسول الله وَلّ كفّ عن سبّ آلهتهم، وجعل يدعوهم إلى الله. إيذاء النضر لرسول الله و الخ والنضر بن الحارث بن علقمة بن كَلَدَة بن عَبْد مناف بن عَبْد الدار بن قُصَيّ، سدّ الذرائع فصل: وذكر قول أبي جهل لتكفَّن عن سبّ آلهتنا أو لنَسُبَّن إللهك، فأنزل الله تعالى ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الذينَ يَدْعون من دون الله فَيَسُبُّوا الله عَدْوًا بغير عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآية. وهذه الآية أصل عند المالكية في إثبات الذرائع ومراعاتها في البيوع وكثير من الأحكام، وذلك أن سبّ آلهتهم كان من الدين، فلما كان سببًا إلى سبّهم الباري - سبحانه - نهى عن سبّ آلهتهم، فكذلك ما يخاف منه الذريعةُ إلى الربا، ينبغي الزجر عنه، ومن الذرائع ما يقرب من الحرام، ومنها ما يبعد فتقع الرخصة والتشديد على حسب ذلك، ولم يجعل الشافعي الذريعة إلى الحرام أصلاً، ولا كره شيئًا من البيوع التي تُنَّقى فيها الذريعةُ إلى الربا، وقال: تهمة المسلم وسوء الظن به حرام، ومن حجتهم: قول عمر بن الخطاب: إنما الربا على مَن قصد الربا، وقول النبي عليه السلام: ((إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرىءٍ ما نوى))(١) فيه أيضًا متعلق لهم، وقالوا: ونهيه تعالى عن سبّ آلهتهم، لئلا يُسَبّ الله تعالى ليس من هذا الباب؛ لأنه لا تهمة فيه لمؤمن ولا تضييق عليه، وكما تُتَّقى الذريعةُ إلى تحليل ما حرّم الله، فكذلك ينبغي أن يُتُقى تحريمُ ما أحلّ الله، فكلا الطرفين ذميم، وأحلّ الله البيع وحرّم الربا، والربا معلوم، فما ليس من الربا فهو من البيع، والكلام في هذه المسألة للطائفتين، والاحتجاج للفريقين يتّسع مجالُه ويصدّنا عن مقصودنا من الكتاب(٢). عن النضر بن الحارث ورستم فصل: حديث النضر بن الحارث، وقال في نسبه: كَلَدة بن علقمة وغيره من النُّسَّاب (١) (صحيح)). أخرجه البخاري (٢/١) ومسلم في الإمارة (١٥٥) وأبو داود (٢٢٠١) بتحقيقي والترمذي (١٦٤٧) وابن ماجة (٤٢٢٧) وغيرهم في غيرهم. (٢) انظر ((إقامة الدليل على إبطال التحليل)) للعلامة شيخ الإسلام ابن تيمية. ١٤٢ كان إذا جلس رسولُ اللهِ وَ﴿ مجلسًا، فدعا فيه إلى الله تعالى، وتلا فيه القرآن، وحذّر قُريشًا ما أصاب الأُممَ الخاليةَ، خَلفه في مجلسه إذا قام، فحدّثهم عن رُسْتم السديد، وعن إسفنديار، وملوك فارس، ثم يقول: والله يا محمد بأحسنَ حديثًا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين، اكتتبها كما اكتتبتها. فأنزل الله فيه: ﴿وقالُوا أساطيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمْوَاتِ والأرضِ إنه كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٥، ٦]. ونزل فيه: ﴿إذا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أساطِيرُ الأوَّلينَ﴾. ونزل فيه: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَقَّاكِ أَثِيم يَسْمَعُ آيَاتِ الله تُتْلَى عَلَيْهِ ثم يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كأنْ لَمْ يَسْمَعْها كأنَّ فِي أَذْنَيْهِ وَقْرَّا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابِ أَلِيم﴾ [الجاثية: ٧، ٨]. قال ابن هشام: الأفاك: الكذّاب. وفي كتاب الله تعالى: ﴿ألا إنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِم لَيَقولونَ وَلَد الله وإِنَّهُمْ لَكاذِبونَ﴾ [الصافات: ١٥١، ١٥٢]. وقال رؤبة: لامْرِىءٍ أنَّك قولاً إفكًا وهذا البيت في أُرجوزة له. قال ابن إسحاق: وجلس رسولُ اللهِ وَ﴿ يومًا - فيما بلغني - مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر بن الحارث، حتى جلس معهم في المجلس، وفي المجلس غيرُ واحد من قريش، فتكلّم رسولُ اللهِوَلَّ. فعرض له النضر بن الحارث، فكلّمه رسولُ الله - زَ * - حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوها وكُلُّ فيها خالِدونَ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠]. يقول: علقمة بن كلدة، وكذلك ألفيته في حاشية كتاب الشيخ أبي بحر عن أبي الوليد، وحديث النضر: أنه تعلّم أخبار رستم وإسفندياز، وكان يقول: اكتتبتها كما اكتتبها محمد، ووقع في الأصل: اكتتبها كما اكتتبها محمد، وفي الرواية الأخرى عن أبي الوليد: اكتتبتها كما اكتتبها، ورستم الشيد بالفارسية معناه: ذو الضياء، والياء في الشيد والألف سواء، ومنه (أرفخشاذ)) وقد تقدم شرحه، ومنه ((جم شاذ))، وهو من أول ملوك ((الأرض)) وهو الذي قتله الضحاك ((بيوراسب))، ثم عاش إلى مدة ((أفريذون وأبيه جم))، وبين ((أفريذون)) وبين ((جم) تسعة آباء، وقال له حين قتله: ما قتلتك بجم، وما أنت له بكفء، ولكن قتلتك بثور كان في داره، وقد تقدّم طرف من أخبار رستم وإسفندياز في الجزء قبل هذا. ١٤٣ قال ابن هشام: حصب جهنم: كلّ ما أوقدت به. قال أبو ذُؤيب الهُذليّ واسمهُ: خُویلد بن خالد: لنارِ العُداةِ أن تَطير شَكاتُها فأطْفِىء، ولا تُوقد، ولا تَكُ مُخْصِبًا وهذا البيت في أبيات له. ويُروَى: ﴿وَلا تَكُ مِخْضَأْ﴾. قال الشاعر: حَضَأْتُ له ناري فأبصَرَ ضوءَها وما كان لولا حَضْأَةُ النّارِ يَهْتدي ابن الزبعرى والأخنس وما قيل فيهما قال ابن إسحاق: ثم قام رسولُ الله - وََّ ـ وأقبل عبد الله بن الزَّبَعْرى السَّهْمِيُّ حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزّبعري: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطّلب آنفًا وما قعد، وقد زعم محمد أنَّا وما نعبد من آلهتنا هذه حَصَب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخَصَمْته، فسلوا محمدًا: أكلّ ما يُعْبد من دون الله في جهنم مع مَنْ عَبَده؟ فنحن نَعْبُد الملائكة، واليهودُ تعبد عُزَيرًا والنّصارى تعبد عيسى ابن مريم عليهما السلام، فعجب الوليد، ومَن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتجّ وخاصم. فذكر ذلك لرسول اللهِ وَلّ من قول ابن الزَبْعري فقال رسول اللهِ وَله: ((كلّ مَن أحَبَّ أن يعبد من دون الله فهو مع مَنْ عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرتْهُمْ بعبادته))، فأنزل الله تعالى عليه في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الحُسْنَى أولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فيما اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢]: أي عيسى ابن مريم، وعُزَيرًا، ومن عُبدُوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم مَن يعبدهم من أهل الضلالة أربابًا من دون الله. حديث ابن الزبعرى وعزير وذكر حديث ابن الزّبَعْرَى، وقوله: إنّا نعبد الملائكة، وأن النصارى تعبد المسيح إلى آخر كلامه، وما أنزل الله في ذلك من قوله تعالى: ﴿إن الذين سَبَقَتْ لهم مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية قال المؤلف: ولو تأمل ابنُ الزّبَعْرَى وغيرُهُ من كفار قريش الآية لرأى اعتراضه غير لازم من وجھین : أحدهما: أنه خطاب متوجّه على الخصوص لقريش وعَبَدَة الأصنام، وقولُه إنّا نعبد الملائكةِ خَيْدةٌ، وإنما وقع الكلام والمُحَاجَّة في اللاَّت والْعُزَّى وهُبّل، وغير ذلك من أصنامهم. ١٤٤ ونزَّل فيما يذكرون، أنهم يعبدون الملائكة، وأنها بنات الله: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عبادٌ مُكْرَمُون لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بأمْرِهِ يعْمَلُون﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧]. إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إني إلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]. ونزل فيما ذكر من أمر عيسى ابن مريم أنه يُعبد من دون الله، وعَجِبَ الوليد، ومَن حَضَره من حُجَّته وخصومته: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إذَا قَوْمُكَ مُنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧]. أي: يصدّونَ عن أمرك بذلك من قولهم. ثم ذكر عيسى ابن مريم فقال: ﴿إِنْ هُوَ إلاَّ عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةٌ فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ وَإِنَّهُ لَعِلْمْ للسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بها والثاني: أن لفظ التلاوة: ﴿إنكم وما تعبدون﴾ ولم يقل: وَمَنْ تعبدون، فكيف يلزم اعتراضه بالمسيح وعُزيْر والملائكة وهم يعقلون، والأصنامُ لا تعقل، ومن ثَمَّ جاءت الآية بلفظ: ما الواقعة على ما لا يعقل، وإنما تقع ما على ما يعقل (١)، وتُعلم بقرينة من التعظيم والإبهام، ولعلنا نشرحها ونبيّنها فيما بعد إن قُدّر لنا ذلك، وسبب عبادة النصارى للمسيح معروف، وأما عبادة اليهود عُزَيْرًا، وقولهم فيه: إنه ابن الله سبحانه وتعالى عن قولهم، وسببه فيما ذكر عبد بن حميد الْكَشّي، أن التوراة لما اخْتَرَقَتْ أَيَام بُخْتَ نَصَّر، وذهب بذهابها دين اليهود، فلما ثاب إليهم أمرهم وجدوا لفقدها أعظم الكرب، فبينما عزير يبكي لفقد التوراة، إذ مرّ بامرأة جائمة على قبر قد نشرت شغرَها، فقال لها عزير: مَن أنت؟ قالت: أنا إيليا أُم القرى أبكي على ولدي، وأنت تبكي على كتابك، وقالت له: إذا كان غدًا، فأتِ هذا المكان، فلما أن جاء من الغد للساعة التي وعدته، إذا هو بإنسان خارج من الأرض في يده كهيئة القارورة، فيها نور، فقال له: افتح فاكَ، فألقاها في جوفه، فكتب عُزَيْرٌ التوراةَ - كما أنزلها الله، ثم قدر على التوراة بعدما كانت دفنت أن ظهرت، فعرضت التوراةُ، وما كان عزيرُ كَتَب، فوجدوه سواء، فمنها قالوا: إنَّه ولدُ الله تعالى عن ذلك(٢). (١) إن ((ما)) تطلق على ما لا يعلم وعلى صفات مَن يعلم، قال تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ وقال تعالى: ﴿والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح مَن زكّاها﴾. وقال تعالى: ﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾ انظر الجزء السادس عشر من مجموع الفتاوى لابن تيمية رحمه الله تعالى وجزاه الله عنا كل خير - في تفسير سورة ((الكافرون)). والكتاب القيم لتلميذه ابن القيم: ((بدائع القواعد)) (١٣٦/١) وسيتحدّث السهيلي بعد قليل من لفظة ((ما)) فانتظر. (٢) قصة تقتصر إلى الدليل ((الصحيح)) الذي يعتضدها. ١٤٥ الروض الأنف/ ج ٢/ ٢ ١٠ واتَّبِعُونِ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٥٩ - ٦١] أي: ما وَضَعْتُ على يديه من الآيات من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، فكفى به دليلاً على علم الساعة، يقول: ﴿فَلاَ تَمْتَرُنَّ بها وَاتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. والأخنسُ بن شَرِيق بن عَمْرو بن وَهْب الثقفي، حليف بني زُهرة، وكان من أشراف القوم، وممن يُستمع منه، فكان يُصيب من رسول الله وَّر، ويردّ عليه، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ هَمَّزٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠، ١١] .... إلى قوله تعالى: ﴿زَنيم﴾، ولم يقل: زَنيم لعيب في نسبه؛ لأن الله لا يَعيب أحدًا بنسب، ولكنه حقَّق بذلك نعتَه ليُعرف. والزنيم: العَديد للقوم، وقد قال الخَطِيم التميميّ في الجاهلية : زَنيم تَداعاه الرّجالُ زِيادةٌ كما زِيد في عَرْض الأديم الأکارِعُ حصب جهنم: وقوله حَصَبُ جهنم، هو من باب الْقَبْضِ والنَّفَض والْحَصْبُ بِسكون الصاد کالقبْضِ والنفْضٍ، ومنه الحاصب في قوله سبحانه: ﴿أنْ يرسِل عليكم حاصِبًا﴾ ويُروى: خَضَب جهنم بضاد معجمة في شواذ القراءات، وهو من حضبت النار بمنزلة حَضأتها، يقال: أرَّثْتها وأثْقبتها وحَشَشْتها وأذْكيتها وفسّر ابن إسحق قوله: يصُدُّون، ومَن قرأ: يصِدُّون فمعناه: یعجبون . ما نزل في الأخنس : فصل: وذكر ما أنزل الله تعالى في الأخنس بن شَرِيق - واسمه: أبي من قوله تعالى: ﴿عُثُلٌ بعد ذلك زنيم﴾ وقد قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقد قيل: في الأسود بن عبد يغوث الزهري، وقال ابن عباس: نزلت في رجل من قريش له زَنَمتَان كْزَنَمَتي الشاة. رواه البخاري بإسناده عنه (١). وفي رواية أخرى أنه قال: الزنيم الذي زَنَّمَتَان من البشر يُعرَف بها، كما تُعرَف الشاة بزنمتها، ورُوِيَ عن ابن عباس أيضًا مثل ما قال ابن إسحق أن الزنيم الملصق بالقوم، وليس منهم، قال ذلك ابن الأزرق الحَرُوري، وقال: أما سمعت قول حَسَّان: زنيم تداعاه الرجال البيت، وقد أنشد ابنُ هشام هذا البيت مستشهدًا به ونسبه لِلْخَطِيم التَّمِيمِيِّ، والأعرف أنه لحسان، كما قال ابن عباس(٢)، وأما الْعُتلُّ فهو الغليظ الجافي من (١) أخرجه البخاري (١٣٥/٥). (٢) انظر تفسير الطبري (١٨/١٧/١٤/٢٩) الدر المنثور (٢٥١/٦) فتح الباري (٥٣٠/٨). ١٤٦ ما قيل في الوليد بن المغيرة وأُبيّ بن خلف وعقبة بن أبي معيط: والوليد بن المُغيرة، قال: أيُنَزَّل على محمد، وأُترك وأنا كبير قُريش وسيدها، ويُترَك أبو مسعود عمرو بن عُمير الثقفي سيِّد ثقيف، ونحن عظيما القريتين؟! فأنزل الله تعالى فيه، فيما بلغني: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزّلَ هَذَا القُرآنُ على رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣٠] ... إلى قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. وأُبَيّ بن خَلف بن وَهُب بن حُذافة بن جُمَح، وعُقْبة بن أبي معيط، وكانا مُتصافيين، حَسَنًا ما بينهما. فكان عُقْبة قد جلس إلى رسول الله - نَّرَ ـ وسمع منه، فبلغ ذلك أُبيًّا، فأتى عُقْبة، فقال: ألم يَبْلُغْني أنك جالست محمدًا، وسمعتَ منه! ثم قال: وَجْهي من وجهك حرام أن أُكلِّمك ـ واستغلظ من اليمين - إن أنتَ جلستَ إليه، أو سمعتَ منه، أو لم تأته، فتَتْفل في وجهه. ففعل من ذلك عدوّ الله عُقْبة بن أبي معيط لعنه الله. فأنزل الله تعالى فيهما: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ على يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ ... إلى قوله تعالى: ﴿لِلإِنْسانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]. ومشى أُبيّ بن خلف إلى رسول الله - وَلَـ بعَظم بالٍ قد ازْفَتَّ، فقال: يا محمد، أنت تزعم أن يبعث هذا بعد ما أرِمَ، ثم فتّه بيده، ثم نفخه في الريح نحوَ رسول الله - رَ﴿ - فقال رسول الله - وَلقوله -: ((نعم، أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعدما تكونان هكذا، ثم يُدخلك الله النار)). فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاَ وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُخْيِي العِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُخْبِيها الَّذِي أَنْشَأْها أوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجرِ الأخْضَر نارًا فإذَا أنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يَس: ٧٩، ٨٠]. ما قيل في حق الذين اعترضوا الرسول في الطواف واعترض رسولَ اللهِ وَّر، وهو يطوف بالكعبة - فيما بلغني - الأسودُ بن قوله تعالى: ﴿خُذُوه فاعْتِلُوه [إلى سَوَاءِ الْجَحِيم]﴾ [الدخان: ٤٧]. وقال عليه السلام: ((أنا أُنبئكم بأهل النار: كُلُّ عُثُلِّ جَوَّاظ مستكبر جَمَّاع منَّاع))(١). ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ فصل: وذكر قولهم الذي أنزل الله فيه: ﴿قل يا أيُّها الكافرون﴾ إلى آخرها فقال: ﴿لا (١) (صحيح)). أخرجه ابن ماجة (٤١١٩) وأحمد (٣٠٦/٤) وابن الجوزي في زاد المسير (٣٣٢/٨) وأصله في الصحيحين. ١٤٧ المطّلب بن أسد بن عبد العزى، والوليدُ بن المغيرة، وأُميّة بن خلف، والعاصُ بن وائل السهميّ، وكانوا ذوي أسنان في قومهم، فقالوا: يا محمد، هَلُمّ فلنعبذ ما تعبد، وتعبدُ ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد، كنَّا قد أخذنا أعبد ما تعبدون﴾ أي: في الحال ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾ أي: في المستقبل، وكذلك: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ فإن قيل: كيف يقول لهم: ولا أنتم عابدون ما أعبد، وهم قد قالوا: هَلُمَّ فلنعبد ربك، وتعبد ربّنا، كيف نفي عنهم ما أرادوا وعزموا عليه؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه علم أنهم لا يفعلون، فأخبر بما علم. الثاني: أنهم لو عبدوه على الوجه الذي قالوه ما كانت عبادة، ولا يسمى عابدًا لله مَن عبده سنةً، وعبد غيره أخرى، فإن قيل: كيف قال: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ ولم يقل: مَن أعبد، وقد قال أهل العربية: إن ما تقع على ما لا يعقل، فكيف عبَّر بها عن الباري تعالى؟ فالجواب: أنّا قد ذكرنا فيما قبل أن ما قد تقع على مَن يعقل بقرينة، فهذا أوان ذكرها، وتلك القرينة: الإبهام والمبالغة في التعظيم والتفخيم، وهي في معنى الإبهام لأن مَنْ جلَّت عظمته، حتى خرجت عن الحصر، وعجزت الأفهام عن كُنْه ذاته، وجب أن يقال فيه: هو ما هو كقول العَرب: سُبْحَان ما سبَّح الرعدُ بحمده، ومنه قوله: ﴿والسماء وما بناها﴾ فليس كونه عالمًا مما يوجب له من التعظيم ما يوجب له أنه بنى السموات، ودحا الأرض، فكان المعنى: إن شيئًا بناها لَعَظيم، أو ما أعظمه من شيء! فلفظ ما في هذا الموضع يُؤذِن بالتعجب من عظمته كائنًا ما كان هذا الفاعل لهذا، فما أعظمه، وكذلك قوله تعالى في قصة آدم: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُد لما خَلقْتُ بِيَديَّ﴾ ولم يقل: لمَن خلقت، وهو يَعْقِل، لأن السجودَ لم يجب له من حيث كان يعقل، ولا من حيث كان لا يعقل، ولكن من حيث أُمِروا بالسجود له، فكائنًا ما كان ذلك المخلوق، فقد وجب عليهم ما أُمِروا به، فمن هاهنا حَسُنت ما في هذا الموضع، لا من جهة التعظيم له، ولكن من جهة ما يقتضيه الأمر من السجود له، فكائنًا مَن كان، وأما قوله تعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُون﴾ فواقِعةٌ على ما لا يعقل؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، وقوله: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ اقتضاها الإبهام، وتعظيم المعبود مع أن الحسّ منهم مانع لهم أن يعبدوا معبوده كائنًا ما كان، فحسنت ما في هذا الموضع لهذه الوجوه، فبهذه القرائن يحسن وقوع ما على أُولي العلم وبقيت نكتة بديعة يتعيّن التنبيه عليها، وهو قوله تعالى: ﴿ولا أنا عابدٌ ما عبدتم﴾ بلفظ الماضي، ثم قال: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ بلفظ المضارع في الآيتين جميعًا، إذا أخبر عن نفسه قال: ما أعبد، ولم يقل: ما عبدت، والنكتة في ذلك أن ما لما فيها من الإبهام - وإن كانت خبرية - تعطي معنى الشرط، فكأنه قال: مهما عبدتم شيئًا، فإني لا أعبده، والشرط يحول المستقبل إلى لفظ الماضي، تقول: إذا قام زيد غدًا فعلت كذا، ١٤٨ بحظّنا منه، وإن كان ما نعبد خيرً مما تعبد، كنت قد أخذت بحظّك منه، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ يَأيُّها الكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ ما أعْبُدُ وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُم وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دين﴾ [الكافرون: ١ - ٦]. أي: إن كنتم لا تعبدون إلا الله، إلا أن أعبد ما تعبدون، فلا حاجة لي بذلك منكم، لكم دينكم جميعًا، ولي ديني. ما قيل في حق أبي جهل وأبو جهل بن هشام - لما ذكر الله عزّ وجلّ شجرةَ الزَّقُوم تخويفًا بها لهم، قال: يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزَّقُوم التي يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزُّبد، والله لئن استمكّنًا منها لَنَتَزَقَّمَنَّهَا تزقُمًا. فأنزل الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ وإن خرج زيد غدًا خرجت، فما: فيها رائحة الشرط من أجل إبهامها؛ فلذلك جاء الفعل بعدها بلفظ الماضي، ولا يدخل الشرط على فعل الحال، ولذلك قال في أول السورة: ما تعبدون؛ لأنه حال لأن رائحة الشرط معدومة فيها مع الحال، وكذلك رائحة الشرط معدومة في قوله: عابدون ما أعبد؛ لأنه - عليه السلام - يستحيل أن يتحوّل عن عبادة ربه؛ لأنه معصوم، فلم يستقم تقديره بمهما، كما استقام ذلك في حقهم؛ لأنهم في قبضة الشيطان يقودهم بأهوائهم؛ فجائز أن يعبدوا اليوم شيئًا، ويعبدوا غدًا غيره، ولكن مهما عبدوا شيئًا، فالرسول عليه السلام لا يعبده؛ فلذلك قال: ولا أنتم عابدون ما أعبد في الحال وفي المآل، لما علم من عصمة الله له، ولما علم الله من ثباته على توحيده، فلا مدخل لمعنى الشرط في حقه عليه السلام، وإذا لم يدخل الشرط في الكلام بقي الفعل المستقبل على لفظه، كما تراه، ونظير هذه المسألة قوله تعالى: ﴿كيف نُكَلِّم مَنْ كان في المهد صبيًّا﴾ اضطربوا في إعرابها وتقديرها لمّا كانت مَن بمعنى الذي، وجاء بكان على لفظ الماضي، وفهمها الزجاج، فأشار إلى أن مَنْ فيها طرفٌ من معنى الشرط؛ ولذلك جاءت كان بلفظ الماضي بعده، فصار معنى الكلام: مَن يكن صبيًّا، فكيف يكلّم؟! لمّا أشارت إلى الصبي: أنْ كلْموه، ولو قالوا: كيف نكلِّم مَن هو في المهد الآن لكان الإنكار والتعجب مخصوصًا به، فلما قالوا: كيف نكلّم مَن كان، صار الكلام أبلغ في الاحتجاج للعموم الداخل فيه. إلى هذا الغرض أشار أبو إسحق، وهو الذي أرادَ، وإن لم يكن هذا لفظه، فليس المقصود العبارات، وإنما المقصود تصحيح المعاني المتلقّاة من الألفاظ والإشارات. الزقّوم فصل: وذكر حديث أبي جهل حين ذكر شجرة الزَّقُوم يقال: إن هذه الكلمة لم تكن من لغة قريش، وأن رجلاً أخبره أن أهل يثرب: يقولون تَزَقَّمت: إذا أكلت التمر بالزبد، ١٤٩ شَجَرَةَ الزَّقُومِ طَعامُ الأَثِيمِ كالمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَّلْي الحَمِيمِ﴾ [الجاثية: ٤٤ - ٤٦]. أي: ليس كما يقول. قال ابن هشام: المهل: كل شيء أذبته، من نحاس أو رصاص، أو ما أشبه ذلك فيما أخبرني أبو عبيدة. وبلغنا عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال: كان عبد الله بن مَسعود واليًا لعمرَ بن الخطاب على بيت مال الكوفة، وأنه أمر يومًا بفضة، فأُذيبت، فجعلت تلوَّنُ ألوانًا، فقال: هل بالباب من أحد؟ قالوا: نعم، قال: فأدخِلوهم، فأُدخِلوا فقال: إن أدنى ما أنتم راؤون شبهًا بالْمُهْل لهذا، وقال الشاعر: يَشْوي الوجوهَ فَهُو في بَطْنه صَهْرُ يَسْقيه ربي حميمَ المُهُلِ يَجْرعُه وقال عبد الله بن الزبير الأسدي: ففي النار يُسْقَى مُهْلَها وصديدَها فمَن عاش منهم عاش عبدًا وإن يَمُثْ وهذا البيت في قصيدة له. ويقال: إن المهل: صديد الجسد. بلغنا أن أبا بكر الصدّيق - رضي الله عنه - لما حُضِر، أمَر بثوبين لَبِيسين يُغْسلان، فيكفَّن فيهما، فقالت له عائشة: قد أغناك الله يا أبت عنهما، فاشترِ كفنًا، فقال: إنما هي ساعة حتى يَصير إلى المهل. قال الشاعر: ثم علّ الْمنون بعد النّهال شاب بالماء منه مُهلاً كَریھًا قال ابن إسحاق: فأنزل الله تعالى فيه: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرآنِ ونُخَوّفُهُمْ فمَا يَزِيدُهُمْ إلاَّ طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠]. فجعل بجهله اسم الزقوم من ذلك استهزاء، وقيل: إن هذا الاسم أصلاً في لغة اليمن، وأن الزقوم عندهم كلّ ما يُتَقيّأ منه. وذكر أبو حنيفة في النبات: أن شجرة باليمن يقال لها: الزقوم، لا ورق لها وفروعها أشبه شيء برؤوس الحيّات، فهي كريهة المنظر، وفي تفسير ابن سلام والماوَزدِيِّ أن شجرة الزقوم في الباب السادس من جهنم أعاذنا الله منها، وأن أهل النار ينحدرون إليها. قال ابن سلام: وهي تحيا باللهب كما تحيا شجرة الدنيا بالمطر. وقوله: الملعونة في القرآن، أي: الملعون آكلها، وقيل: بل هو وصف لها كما يقال: يوم ملعون أي مشؤوم. ١٥٠ قصة ابن أم مكتوم ووقف الوليد بن المغيرة مع رسول الله وَله، ورسولُ اللهِ وَليل يكلمه، وقد طمع في إسلامه، فبينا هو في ذلك، إذ مرّ به ابنُ أُمّ مكتوم الأعمى، فكلم رسولَ الله وَّل، وجعل يَسْتقرئه القرآن، فشقَّ ذلك منه على رسولِ الله - وَلّره ــ حتى أضْجره، وذلك أنه شغله عمَّا كان فيه من أمر الوليد، وما طَمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسًا، وتركه، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿عَبَّسَ وَتَوَلَّى أنْ جاءَهُ الأعْمَى﴾ ... إلى قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ أي: إنما بعثتك بشيرًا ونذيرًا، لم أخصّ بك أحدًا دون أحد، فلا تمنعه مِمَّن ابتغاه، ولا تتصدّينّ به لمن لا يريده. حديث ابن أم مكتوم فصل: وذكر حديثَ ابن أُمُ مكتوم، وذكر اسمه ونسبه. وأُم مكتوم: اسمها: عاتكةُ بنتُ عبد الله بن عَنْكَثَةَ بن عامر بن مَخْزوم. وذكر الرجل الذي كان شغل رسول الله وَله، وأنه الوليد بن المغيرة، وقد قيل: كان أمية بن خلف، وفي حديث الموطأ: عظيم من عظماء المشركين، ولم يسمّه(١)، وفي قوله سبحانه: ﴿أَنْ جاءَه الأعمى﴾ من الفقه أن لا غِيبَةً في ذكر الإنسان بما ظهر في خلقته من عَمّى أو عَرَج، إلاّ أن يقصد به الازدراء، فيلحق المأثم به؛ لأنه من أفعال الجاهلين، قال الله تعالى: ﴿أتتخذُنا هُزُوًا قال أعوذ بالله أن أكُونَ من الجاهلين﴾ [البقرة: ٦٧]. وفي ذكره إياه بالعمى من الحكمة والإشارة اللطيفة التنبيه على موضع العتب؛ لأنه قال: ﴿أن جاءه الأعْمَى﴾ فذكَر المجيء مع العمى، وذلك ينبىء عن تَجَشُم كُلْفَةٍ ومَن تَجَشَّم القصد إليك على ضعفه، فحقّك الإقبال عليه، لا الإعراض عنه، فإذا كان النبي - وَلهـــ مَعْتُوبًا على تولّيه عن الأعمى، فغيره أحقّ بالْعَثْبِ، مع أنه لم يكن آمن بعدُ، ألا تراه يقول: ﴿وما يُذْرِيك لعلَّه يزَّكَّى) الآية ولو كان قد صحَّ إيمانه، وعلم ذلك منه لم يعرض عنه رسولُ الله - رَ﴿ - ولو أعرض لكان الْعَثْبُ أشد، والله أعلم، وكذلك لم يكن ليخبر عنه، ويسمّيه بالاسم المشتق من العمى، دون الاسم المشتق من الإيمان والإسلام، لو كان دخل في الإيمان قبل ذلك والله أعلم، وإنما دخل فيه بعد نزول الآية، ويدلّ على ذلك قوله للنبي - *-: اسْتَذْنِينِي يا محمد ولم يقل: اسْتَذْنِني يا رسول الله، مع أن ظاهر الكلام يدل على أن الهاء في لعله يزكّى عائدة على الأعمى، لا على الكافر؛ لأنه لم يتقدم له (١) أخرجه مالك (١/ ١٧٢). ١٥١ قال ابن هشام: ابن أَمّ مكتوم، أحد بني عامر بن لؤيّ، واسمه: عبد الله، ويقال: عمرو. ذكر بعد، ولعل تعطي التّرَجِّيَ والانتظار، ولو كان إيمانه قد تقدم قبل هذا لخرج عن حدّ الترجّي والانتظار للتَّزَكّي، والله أعلم. ١٥٢ العائدون من أرض الحبشة قال ابن إسحاق: وبلغ أصحاب رسول الله وَ لغيره، الذين خرجوا إلى أرض الحبشة، إسلامُ أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دَنَوْا من مكة، بلغهم أنّ ما كانوا تحدّثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلاً، فلم يدخل منهم أحدٌ إلا بجوارٍ أو مستخفيًا. فكان ممَّن قَدِمَ عليه مكةَ منهم، فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة، فشهد معه بدرًا، ومَنْ حُبس عنه، حتى فاته بدرٌ وغيرُه، ومَن مات بمكة. منهم من بني عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ: عثمانُ بن عفَّان بن أبي العاص بن أُميَّة بن عبد شَمْس، معه امرأته: رُقَّيَّة بنت رسول الله - وَّر۔۔ وأبو حُذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، امرأته سَهْلة بنت سُھیل. ومن حلفائهم: عبدُ الله بن جَخش بن رِئاب. قصة الغرانيق(١) وإسلام مكة وذكر ما بلغ أهل الحبشة من إسلام أهل مكة، وكان باطلاً، وسببه أن رسول الله - رَ﴿ - قرأ سورة النجم، فألقى الشيطانُ في أُمْنِيَّتِهِ، أي: في تلاوته عند ذِكْرِ اللّت والعُزّى، وإِنَّهم لَهُمُ الْغَرَانِقَة العُلى، وإن شَفَاعَتَهُمْ لَتُرْتَجى، فطار ذلك بمكة، فسُرّ المشركون، وقالوا: قد ذكر آلهتنا بخير فسجَد رسولُ الله - وَ ل﴿ه ـ في آخرها، وسجد المشركون والمسلمون، ثم أنزل الله تعالى: ﴿فينسَخِ اللَّهُ ما يُلقي الشيطان﴾ الآية، فمن هنا (١) الغرانيق: جمع غرنوق: الذكور من الطير. وقصة الغرانيق ضعيفة، بل هي موضوعة فيه عليها أهل العلم سلفًا وخلقًا وقد جمع العلامة الألباني حفظه الله وأمتع به الكثيرين كلامهم في كتاب دحض قصة الغرانيق، وفيه على ما فيها من غثّ وعفن. ١٥٣ ومن بني نَوْفل بن عبد مناف: عُثْبة بن غَزْوان، حليفٌ لهم، من قَيْس عيلان. ومن بني أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ: الزُّبير بن العوّام بن خُويلد بن أسد. ومن بني عبد الدار بن قُصَيّ: مُصْعَب بن عُميْر بن هاشم بن عبد مناف وسُوَيبط بن سعد بن حَرْملة. ومن بني عَبْد بن قُصَيّ: طُلَيَبْ بن عُمَير بن وَهْب بن أبي كبير بن عَبْد. ومن بني زُهْرة بن كِلاب: عبدُ الرحمن بن عَوْف بن عبد عَوْف بن عبد بن الحارث بن زُهْرة، والمِقْدادُ بن عمرو، حليف لهم، وعبدُ الله بن مسعود، حليف لهم. ومن بني مخزوم بن يَقَظة: أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عَمرو بن مخزوم، معه امرأته: أُمّ سَلَمة بنت أبي أُميَّة بن المُغيرة، وشمَّاس بن عثمان بن الشَّريد بن سُوَيد بن هَزْمِيّ بن عامر بن مخزوم. وسَلَمة بن هشام بن المُغيرة، حبسه عمّه بمكة، فلم يقدم إلا بعد بدر وأُحُد والخندق، وعياش بن أبي ربيعَةً بن المغيرة هاجر معه إلى المدينة، ولحق به أخواه لأمه: أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام، فرجعا به إلى مكة، فحبساه بها حتى مضى بدرٌ وأُحُد والخندق. ومن حلفائهم: عمَّار بن ياسر، يُشكّ فيه، أكان خرج إلى الحبشة أم لا؟ ومُعتّب بن عَوْف بن عامر من خزاعة. ومن بني جُمح بن عمرو بن هُصَيص بن كعب: عثمانُ بنُ مَظْعون بن حَبيب بن وَهْب بن حُذافة بن جُمَّح، وابنه: السائب بن عثمان، وقُدامة بن مظعون، وعبد الله بن مظعون. اتصل بهم في أرض الحبشة أن قريشًا قد أسلموا، ذكره موسى بن عقبة وابن إسحق من غير رواية الْبَكَّائِي، وأهل الأصول يدفعون هذا الحديث بالحجة، ومَن صحّحه قال فيه أقوالاً، منها: أن الشيطان قال ذلك وأشاعه. والرسول - عليه السلام - لم ينطق به، وهذا جيد لولا أن في حديثهم أن جبريل قال لمحمد: ما أتيتك بهذا، ومنها: أن النبيّ - وَ ◌ّـ ــ قالها من قبل نفسه، وعنى بها الملائكة: إن شفاعتهم لَتُرْتَجَى. ومنها: أن النبي - عليه السلام - قاله حاكيًا عن الْكَفَرة، وأنهم يقولون ذلك، فقالها متعجبًا من كفرهم، والحديث على ما خيلت غير . مقطوع بصحته، والله أعلم. ١٥٤ ٠ ومن بني سَهْم بن عمرو بن هُصَيص بن كَعْب: خُنَيس بن حُذافة بن قَيس بن عديٍّ، وهشام بن العاص بن وائل، حُبس بمكة بعد هجرة رسولِ الله - وَلَو - إلى المدينة، حتى قَدِمَ بعدَ بَدْرٍ وأُحُد والخَندق. ومن بني عَديّ بن كَعْب: عامر بن ربيعة، حليف لهم، معه امرأتُه: ليلى بنت أبي حَثْمة بنُ حذافة بن غانم. ومن بني عامر بن لؤيّ: عبدُ الله بن مَخْرمة بن عبد العُزَّى بن أبي قَيْس: وعبد الله بن سُهَيل بن عمرو، وكان حبس عن رسول الله - زَّله ـ حين هاجر إلى المدينة، حتى كان يوم بَذْر، فانحاز من المشركين إلى رسول الله وَلتر، فشهد معه بدرًا، وأبو سَبْرة بن أبي رُهُم بن عبد العُزّى، معه امرأته: أم كلثوم بنت سُهَيل بن عمرو، والسكران بن عمرو بن عبد شَمْس، معه امرأته: سَوْدة بنت زَمَعة بن قيس، مات بمكة قبل هجرة رسولِ الله - رَّه ـ إلى المدينة، فخلف رسولُ اللهِ وَيَ على امرأته سَوْدة بنت زمعة. ومن حلفائهم سعد بن خَوْلة. ومن بني الحارث بن فِهْر: أبو عُبَيدة بن الجرّاح، وهو عامر بن عبد الله بن الجرّاح، وعمرو بن الحارث بن زُهَير بن أبي شدّاد، وسُهيل ابن بَيْضاء؛ وهو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال، وعمرو بن أبي سَرْح بن ربيعة بن هلال «كنيته: أبو سعد كما في الإصابة)). فجميع مَن قَدِمَ عليه مكةَ من أصحابه من أرض الحبشة ثلاثةٌ وثلاثون رجلاً، فكان مَنْ دخل منهم بجوارٍ، فيمن سُمّي لنا: عثمانُ بن مَظْعون بن حبيب الجُمحي، دخل بجوارٍ من الوليد بن المُغيرة، وأبو سَلَمَةَ بن عبد الأسَد بن هلال بن عبد الله بن عُمر بن مَخْزوم، دخل بجوارٍ من أبي طالب بن عبد المطّلب، وكان خالَه. وأُمُّ أبِي سَلمة: بَرَّة بنت عبد المُطَّلب. وسمّى الذين قَدِموا منهم من أجل ذلك الخبر، وذكر فيهم طُلَيْبًا، وقال في نسبه: ابن أبي كبير بن عبد بن قصي، وزيادة أبي كبير في هذا الموضع لا يوافق عليه وكذلك وجدت في حاشية كتاب الشيخ التنبيه على هذا وذكره أبو عمر ونسبه كما نسبه ابن إسحق بزيادة: أبي کبیر، وکان بدریًّا في إحدى الروايتين عن ابن إسحق، وكذلك قال الواقدي وابن عقبة، ومات بأجْنَادَيْن شهيدًا لا عقب له. ١٥٥ قصة ابن مظعون مع الوليد: قال ابن إسحاق: فأما عثمان بن مَظْعون، فإن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدّثني عمَّن حدّثه عن عثمان، قال: لما رأى عثمان بن مَظْعون ما فيه أصحابُ رسول الله - وَلو - من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المُغيرة، قال: والله إن غُدوي ورَواحي آمنًا بجوار رجلٍ من أهل الشرك - وأصحابي، وأهل ديني يَلْقَون من البلاء والأذى في الله ما لا يُصيبني - لنقصّ كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المُغيرة، فقال له: يا أبا عبد شَمْس، وفتْ ذِمَّتُك، قد رددت إليك جوارك، فقال له: لِمَ يا بن أخي؟ لعله آذاك أحدٌ من قومي، قال: لا، ولكني أرْضَى بجوار الله، ولا أُريد أن أستجيرَ بغيره؟ قال: فانطلِقْ إلى المسجد، فاردذ عليّ جواري عَلانيةً، كما أجرتُك علانيةً. قال: فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجدَ، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يردّ عَلَيَّ جواري، قال: صَدَق، قد وجدتُه وَفيًّا كريمَ الجوار، ولكني قد أحببتُ أن لا أستجير بغير الله، فقد رددتُ عليه جوارَه، انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب في مجلس من قُريش يُنشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لَبید: ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل تأويل: كلّ شيء ما خلا الله باطل: فصل: وذكر قول ◌َبِيد: ألا كُلُّ شيء ما خلا اللَّةَ باطل وقصة ابن مظعون إلى آخرها، وليس فيها ما يشكل غير سؤال واحد، وهو قول رسولٍ الله - وَجَ -: ((أصدَقُ كلمةٍ قالها الشاعرُ)) قولُ لَبِيد: ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلاَ اللَّهَ باطلُ(١) فصدقه في هذا القول وهو - عليه السلام - يقول في مناجاته: ((أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، والجنة حق، والنار حق، ولقاؤك حق))(٢). فكيف يجتمع هذا مع قوله : ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خلا الله باطل (١) (صحيح)). أخرجه البخاري (١٢٧/٨) ومسلم في الشعر. مقدمة (٥٢٤) وأحمد (٢٤٨/٢) والترمذي (٢٨٤٩) وفي الشمائل له (١٢٦). (٢) (صحيح)). أخرجه البخاري (١/ ١٣٢) وغيره. ١٥٦ قال عثمان: صدقتّ، قال: وكلّ نعيم لا محالة زائل قال عثمان: كذبت، نعيمُ الجنة لا يزول. قال لَبيد بن ربيعة: يا مَعْشر قريش، والله ما كان يُؤْذَى جليسُكم، فمتى حَدَث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سَفيه في سُفهاء معه، قد فارقوا دينَنا، فلا تَجدنّ في نفسك مِنْ قوله، فردّ عليه عثمان حتى شَرِي أمرُهما، فقام إليه ذلك الرجلُ، فَلَطَم عينَه، فخَضَّرها، والوليدُ بن المُغيرة قريبٌ يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا بن أخي إن كانت عينُك عمَّا أصابها لغنيّة، لقد كنتَ في ذمة مَنيعة. قال: يقول عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرةٌ إلى مثل ما أصاب أُختَها في الله، وإني لفي جوار مَنْ هو أعزّ منك وأقدر يا أبا عبد شَمْس، فقال له الوليد: هَلُمَّ يا بن أخي، إن شئت فعُدْ إلى جوارك، فقال: لا. فالجواب من وجهين أحدهما: أن يريد بقوله: ما خلا الله: ما عداه، وعدا رحمته التي وعد بها مَن رحمه، والنار وما تَوعَّد به من عقابه، وما سوى هذا فباطل أي: مضمحل والجواب الثاني: أنَّ الجنة والنار وإن كانتا حقًّا، فإن الزوال عليهما جائز لذاتهما، وإنما يبقيان بإبقاء الله لهما، وأنه يخلق الدوام لأهلهما على قول مَن جعل الدوام والبقاء معنّى زائدًا على الذات، وهو قول الأشعري، وإنما الحق على الحقيقة مَن لا يجوز عليه الزوال، وهو القديم(١) الذي انعدامه مُحال؛ ولذلك قال عليه السلام: أنت الحق بالألف واللام، أي المستحق لهذا الاسم على الحقيقة، وقولك الحق؛ لأن قوله قديم، وليس بمخلوق فيبيد، ووعدك الحق كذلك، لأن وعده كلامه، هذا مقتضى الألف واللام، ثم قال: والجنة حق، والنار حق بغير ألف ولام، ولقاؤك حق كذلك؛ لأن هذه أمور مُحدَثات والمحدَث لا يجب له البقاء من جهة ذاته، وإنما علمنا بقاءها من جهة الخبر الصادق الذي لا يجوز عليه الخُلف، لا من جهة استحالة البقاء عليها، كما يستحيل على القديم - سبحانه - الذي هو الحق، وما خلاه باطل، فإمَّا جوهر وإما عرض، وليس في الأعراض إلا ما يجب له الفناء، ولا في الجوهر إلا ما يجوز عليه الفناء والبطول، وإن بقي ولم يبطل فجائز أن يبطل. وأما الحق - سبحانه - فليس من الجواهر والأعراض، فاستحال عليه ما يجب لهما، أو يجوز عليهما. (١) القديم: ليس اسمًا من أسمائه تعالى، وقد تقدم الكلام عليه في أول الكتاب، وانظر القواعد المُثلى لفضيلة الشيخ محمد بن صالح، و((القول الأسنى في تفسير الأسماء الحسنى)) للمحقق. ١٥٧ أبو سلمة في جوار أبي طالب: قال ابن إسحاق: وأما أبو سلمة بن عَبْد الأسد، فحدثني أبي إسحق بنُ يسار عن سَلَمة بن عبد الله بن عُمر بن أبي سَلَمة أنه حدّثه: أن أبا سلمة لما استجار بأبي طالب، مشى إليه رجال من بني مخزوم، فقالوا: يا أبا طالب، لقد منعت منَّا ابنَ أخيك محمدًا، فما لكَ ولصاحبنا تمنعُه منَّا؟ قال: إنه استجار بي، وهو ابنُ أَختي، وإنْ أنا لم أمنع ابنَ أختي لم أمنع ابن أخي، فقام أبو لهب، فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه، والله لتنتهُنّ عنه، أو لنقومنّ معه في كلّ ما قام فيه، حتى يبلغَ ما أراد. قال: فقالوا: بل ننصرف عمّا تكره يا أبا عُثْبة، وكان لهم وليًّا وناصرًا على رسول الله - رََّـــ فأبْقَوا على ذلك، فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول، ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله - وَالقر - فقال أبو طالب يحرّض أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله وَتليفون : لفي رَوْضَة ما إن يُسامُ الْمَظالما وإنّ امْرءًا أبو عُثَيبة عمُّه أبا مُعْتب ثَبِّتْ سوادَك قائما تُسَبُّ بها، إمَّا هَبطت المَواسما فإنك لم تُخْلَق على العَجْز لازما أخا الحرب، يُعطَى الخَسف حتى يُسالما ولم يخذلوك غانمًا، أو مُغارِما وتَيْمًا ومَخْزومًا عُقوقًا وَمأتما جماعتنا، كيما يَنالُوا المَحارِما ولما تَرَوْا يومًا لدى الشِّعب قائما أقول له - وأين منه نّصيحتي فلا تَقبلنَّ الدهرَ ما عشتَ خُطّةً ووَلّ سبيل العَجْزِ غيرَك منهمُ وحاربْ، فإن الحربَ نُصْفُ وما ترى وكيف ولم يَجْنُوا عليك عظيمةٌ جَزَى اللَّهُ عنَّا عبدَ شمس ونوفلاً بتَفْرِيقهم مِنْ بعد وُدِّ وأُلْفَةٍ كذبتم وبيتِ الله تُبزَى محمدًا قال ابن هشام: نبزَى: نسلب. قال ابن هشام: وبقي منها بيت تركناه. أبو بكر يردّ جوار ابن الدغنة قال ابن إسحاق: وقد كان أبو بكر الصدّيق - رضي الله عنه - كما حدّثني: ذكر حديث أبي بكر مع ابن الدغنة وذكر حديث أبي بكر حين لقي ابن الدُّغُنَّة، واسمه: مالك، وهو سيد الأحابيش، وقد سمّاهم ابن إسحق، وهم: بنو الحارث وبنو الهُوَن من كنانة، وبنو المُصْطَلِقِ من خُزَاعة ١٥٨ محمد بن مُسلم الزُّهْرِي، عن عُزوة، عن عائشة رضي الله عنهما، حين ضاقت عليه مكة، وأصابه فيها الأذى، ورأى مِنْ تَظاهر قُريش على رسولِ الله - نَالَرَ - وأصحابه ما رأى، استأذن رسول الله - وَل﴿ ـ في الهجرة، فأذِنَ له، فخرج أبو بكر مهاجرًا، حتى إذا سار من مكة يومًا أو يومين، لَقِيه ابنُ الدُّغُنة، أخو بني الحارث بن عَبْد مناة بن كِنانة، وهو يومئذ سيد الأحابيش. قال ابن إسحاق: والأحابيش: بنو الحارث بن عبد مناة بن كِنانة، والهُوْن بن خُزيمة بن مُذْركة، وبنو المُضْطلق من خزاعة. قال ابن هشام: تحالفوا جميعًا، فسُمُّوا الأحابيش للحِلْف. ويقال: ابن الدُّغينة. قال ابن إسحاق: حدّثني الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: فقال ابن الدُّغُنة: أينَ يا أبا بكر؟ قال: أخْرَجني قومي وآذَوْني، وضيَّقوا عليّ، قال: ولِمَ؟ فوالله إنك لَتَزِين العشيرةَ، وتُعين على النوائب، وتفعل المعروف وتَكْسِبُ المَعْدومَ، ارجع، وأنت في جواري، فرجع معه، حتى إذا دخل مكة، قام ابنُ الدِّغِنة فقال: يا معشر قريش، إني قد أجرتُ ابنَ أبي قُحافة، فلا يعرضنَّ له أحدٌ إلا بخير. قالت: فكفّوا عنه. قالت: وكان لأبي بكر مَسْجِدٌ عند باب داره في بني جُمَح، فكان يصلّي فيه، وكان رجلاً رقيقًا، إذا قرأ القرآن استبكى. قالت: فيقف عليه الصبيان والعَبيد والنّساء، يعجبون لما يَرَوْن من هَيْئته. قالت: فمشى رجالٌ من قريش إلى ابن الدُّغُنَّة، فقالوا له: يا بن الدَّغَنَةِ، إنك لم تُجز هذا الرجل، ليُؤْذينا! إنه رجل إذا صلّى، وقرأ ما جاء به محمدٌ يرق ويبكي، وكانّت له هيئة ونخو، فنحن نتخوّف على صبياننا ونِسائنا وضَعَفتِنا أن يَفْتِنهم، فَأْتِهِ فَمُزه أن يدخل بيته، فَلْيَصْنع فيه ما شاء. قالت: فمشى ابنُ الدَّغِنَّة إليه، فقال له: يا أبا بكر، إني لم أُجِرك لتُؤذي قومَك، إنهم قد كرهوا مكانك الذي أنت فيه، وتأذّوْا بذلك منك، فادخل بيتَك، فاصنع فيه ما أحببتَ، قال: أوَ أردّ عليك جوارك وأرضى بجوار تحبَّشوا، أي: تجموا، فسموا الأحابيش. قيل: إنهم تحالفوا عند جُبَيل، يقال له حُبْشِيّ، فاشتق لهم منه هذا الاسم. وقوله لأبي بكر: إنك لتَكْسِب المعدومَ، يقال: كَسبْتَ الرجل مالاً، فتعدّيه إلى مفعولين. هذا قول الأَصْمَعِي، وحكى غيره: أكسبته مالاً، فمعنى تَكْسِب المعدومَ، أي: تَكْسِب غَيْرَك ما هو معدوم عنده، والدَّغِنَة: اسم امرأةٍ عُرف بها الرجل، والدُّغْنُ: الغيْمُ يبقى بعد المطر. ١٥٩ الله؟ قال: فاردد عليّ جِواري، قال: قد رددته عليك. قالت فقام ابنُ الدُّغُنَّة، فقال: يا معشر قريش، إنَّ ابنَ أبي قحافة قد ردّ عليّ جِواري، فشأنكم بصاحبكم. قال ابن إسحاق: وحدّثني عبدُ الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد قال: لَقِيه سَفيه من سُفهاء قريش، وهو عامد إلى الكعبة، فحَثا على رأسه ترابًا. قال: فمرّ بأبي بكر الوليد بن المُغيرة، أو العاص بن وائل. قال: فقال أبو بكر: ألا ترى إلى ما يصنع هذا السفيهُ؟ قال: أنت فعلتَ ذلك بنفسك. قال: وهو يقول: أي ربّ، ما أحلَمك! أي ربّ، ما أحلمك! أي ربّ، ما أحلمك !. حديث نقض الصحيفة قال ابن إسحاق: وبنو هاشم، وبنو المطّلب في منزلهم الذي تعاقدت فيه قُريش عليهم في الصحيفة التي كتبوها، ثم إنه قام في نقض تلك الصحيفة التي تكاتبت فيها قريشٌ على بني هاشم وبني المطّلب نفرٌ من قريش، ولم يُبْلِ فيها أحد أحسنَ من بلاء هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حُبيْب بن نَصْر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤيّ، وذلك أنه كان ابن أخي نَضْلة بن هاشم بن عَبْد مناف لأمه، فكان هشام لبني هاشم واصلاً، وكان ذا شرف في قومه فكان - فيما بلغني - يأتي بالبعير، وبنو هاشم وبنو عن الشعب ونقض الصحيفة فصل: وذكر نقض الصحيفة، وقيام هشام فيها ونسبه، فقال: هشام بن الحارث، بن حُبَيْب، وفي الحاشية عن أبي الوليد: إنما هو هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث، وهكذا وقع نسبه في رواية يونس عن ابن إسحق، وكان أبوه عمرو أخا نَضْلة بن هاشم لأمه (١). وذكر أنه كان يأتي بالبعير قد أوْقَره بَزًا بالزاي المعجمة، وفي غير نسخة الشيخ أبي بحر: بُرًّا، وفي رواية يونس: بَزَّا أو بُرًّا على الشك من الراوي. وذكر أن منصور بن عِكْرِمَة كان كاتب الصحيفة، فشَلَّتِ يدُه، وللنّسَّابِ من قريش في كاتب الصحيفة قولان، أحدهما: أن كاتبَ الصحيفة هو: بَغِيضُ بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، والقول الثاني: أنه مَنْصور بن عَبْد شُرَخْبِيل بن هاشم من بني عبدا الدار أيضًا، وهو خلاف قول ابن إسحق، ولم يذكر الزُّبَيْرُ في كاتبٍ الصحيفة غير هذين القولين، والزَّبَيْرِيُّون أعلم بأنساب قومهم(٢). (١) انظر نسب قريش للزبيري (٤٣١/٤١٢). (٢) انظر نسب قريش لمصعب الزبيري (٢٢٢). ١٦٠