Indexed OCR Text

Pages 121-140

ربيعة، عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أمه أم عبد الله بنت أبي
خَثمة، قالت:
والله إنَّا لنترخَّلُ إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامرٌ في بعض حاجاتنا، إذ أقبل
عمر بن الخطّاب، حتى وقف عليَّ، وهو على شركه - قالت: وكنّا نلقى منه البلاء أذّى
لنا، وشدة علينا - قالت: فقال: إنه للانطلاق يا أُمَّ عبد الله. قالت: فقلت: نعم والله،
لنخرجنّ في أرض الله، آذيتمونا وقَهَرتمونا، حتى يجعل الله مخرجًا. قالت: فقال:
صَحِبكم الله، ورأيت له رِقَّة، لم أكن أراها، ثمَّ انصرف وقد أخْزَنه ــ فيما أرى -
خُروجنا. قالت: فجاء عامر بحاجته تلك، فقالت له: يا أبا عبد الله، لو رأيت عمرَ آنفًا
ورقّته وحُزْنه علينا! قال: أطمعت في إسلامه؟ قالت: قلت: نعم، قال: فلا يُسلم الذي
رأيتِ، حتى يُسلم حمار الخطّاب؛ قالت: يأسًا منه، لِما كان يُرى مِنْ غِلْظته وقَسْوته عن
الإسلام.
قال ابن إسحق: وكان إسلامُ عمرَ فيما بلغني أن أُختَه فاطمةَ بنت الخطّاب،
وكانت عند سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نُفيل، وكانت قد أسلمت وأسلم بعلُها سعيدُ بن
زيد، وهما مُستخفيان بإسلامهما من عُمر، وكان نُعيم بن عبد الله النخَّام من مكة، رجل
من قومه، من بني عديّ بن كَعْب قد أسلم، وكان أيضًا يستخفي بإسلامه فَرَقًا من قومه،
وكان خبَّاب بن الأرَتّ يختلف إلى فاطمة بنت الخطّاب يُقرئها القرآن، فخرج عمرُ يومًا
متوشْحًا سيفَه يريد رسول الله - نَّر ـ ورهطًا من أصحابه، قد ذُكروا له أنهم قد اجتمعوا
في بيتَ عند الصَّفا، وهم قريبٌ من أربعين ما بين رجال ونساء، ومع رسول الله - وَه ـ
عمّه حمزةُ بن عبد المطلب، وأبو بكر بن أبي قُحافة الصديق، وعليّ بن أبي طالب، في
رجال من المسلمين رضي الله عنهم، ممّن كان أقام مع رسول الله وَّر بمكة، ولم يخرج
فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نُعيم بن عبد الله، فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال:
أُريد محمدًا هذا الصابىء، الذي فرَّق أمرَ قُريش، وسفَّه أحلامَها، وعاب دِينها، وسبّ
آلهتها، فأقتلُه، فقال له نُعيم: والله لقد غرّتك نفسُك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد
مناف تارِكيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدًا! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم
أمرَهم؟ قال: وأيّ أهل بيتي؟ قال: خَتَنُك وابن عمِّك سعيد بن زيد بن عمرو، وأُختك:
فاطمةُ بنت الخطّاب، فقد والله أسلما، وتابعا محمدًا على دينه، فعليك بهما، قال:
فرجع عمرُ عامدًا إلى أُخته وختنه، وعندهما خبّاب بن الأرت معه صحيفةٌ، فيها: ((طه))
يقرئهما إيَّاها، فلما سمعوا حِسَّ عمر تغيَّب خبَّاب في مُخدع لهم - أو في بعض البيت -
وفيه: أن خَبَّابًا وهو ابن الأرَتِّ كان يقرىء فاطمة بنت الخطاب القرآن، وخَبَّاب تميمي
١٢١

وأخذت فاطمةُ بنت الخطّاب الصحيفةَ، فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمرُ حین دنا
إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الْهَينمةُ التي سمعتُ. قالا له: ما
سمعتَ شيئًا، قال: بلى والله لقد أُخبرت أنكما تابعتما محمدًا على دينه، وبطش بختنه
سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفّه عن زوجها، فضربها فشجَّها،
فلما فعل ذلك قالت له أُخته وختنُه: نعم قد أسلمنا، وآمنًا بالله ورسوله، فاصنع ما بَدَا
لك: فلما رأى عمر ما بأخته من الدم نَدِم على ما صنع، فازعَوَى، وقال لأخته: أعطيني
هذه الصحيفة التي سَمِعتُكم تقرؤون آنفًا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد، وكان عمر
كاتبًا، فلما قال ذلك، قالت له أُخته: إنَّا نَخْشاك عليها، قال: لا تخافي، وحلف لها
بآلهته ليردّنها إذا قرأها إليها، فلما قال ذلك، طمعتْ في إسلامه، فقالت له: يا أخي،
إنك نَجس، على شِركك، وإنه لا يمسّها إلا الطاهر، فقام عمرُ، فاغتسل، فأعطته
الصحيفة، وفيها: ((طله)) فقرأها، فلما قرأ منها صدرًا، قال: ما أحسن هذا الكلام
بالنسب، وهو خُزاعي بالولاء لأم أنمار بنت سباع الخزاعي، وكان قد وقع عليه سِبَاء،
فاشترته وأعتقته، فولاؤُه لها، وكان أبوها لعوف بن عَبْد عَوْف بن عبد بن الحارث بن
زُهرة، فهو زُهْرِي بالحِلْف، وهو ابن الأرتُّ بن جَنْدَلة بن سَعْد بن خُزيمة بن كعب بن
سعد بن زَيْدِ مناة بن تميم، كان قَيْنًا يعمل السيوف في الجاهلية، وقد قيل: إن أُمَّه كانت أُمّ
سِبَاعِ الْخُزاعِيّة، ولم يلحقه سِبَاء، ولكنه انتمى إلى حلفاء أمه بني زهرة، يكنى: أبا عبد الله،
وقيل: أبا يحيى، وقيل أبا محمد مات بالكوفة سنة تسع وثلاثين بعدما شهد مع عَلِيِّ صِفّين
والنَّهْرَوَان، وقيل: بل مات سنة سَبْع وثلاثين. ذكر أن عمر بن الخطاب سأله عما لقي في
ذات الله، فكشف ظهره، فقال عمر: ما رأيت كاليوم، فقال: يا أمير المؤمنين، لقد أُوقِدَت
لي نار، فما أطفأها إلا شَخمِي.
تطهير عمر ليمس القرآن:
فصل: وفيه ذكر تطهير عمر ليمسّ القرآن، وقول أُخته: ﴿لاَ يمَسُّهُ إلّ الْمُطَهَّرُون﴾
والمطهرون في هذه الآية هم الملائكة، وهو قول مالك في الموطأ، واحتج بالآية الأخرى
التي في سورة عبس، ولكنهم وإن كانوا الملائكة، ففي وصفهم بالطهارة مقرونًا بذكر الْمَسٌ
ما يقتضي ألاَّ يمسّه إلا طاهر اقتداء بالملائكة المطهرين، فقد تعلق الحكم بصفة التطهير،
ولكنه حكم مندوب إليه؛ وليس محمولاً على الفرض، وكذلك ما كتب به رسول الله - الدرس -
لعَمْرو بن حزم: ((وألاّ يَمَسَّ القرآنَ إلا طاهرٌ)) (١) ليس على الفرض، وإن كان الفرض فيه
(١) ((مرسل)). أخرجه مالك في الموطأ (١٣٧/١) وأبو داود في مراسيله (١٣٧).
١٢٢

وأكرمَه! فلما سمع ذلك خبَّاب خرج إليه، فقال له: يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون
الله قد خصَّك بدَغْوة نبيِّه، فإني سَمِعته أمس، وهو يقول: اللَّهمَّ أيّد الإسلام بأبي
الحَكَم بن هشام، أو بعُمو بن الخطّاب(١)، فالله الله يا عمر: فقال له عند ذلك عمر:
فدلَّني يا خَبَّابُ على محمد حتى آتيه، فأسلم، فقال له خباب: هو في بيت عند الصَّفا،
معه فيه نَفَر من أصحابه، فأخذ عمرُ سيفه فتوشّحه، ثم عمد إلى رسول الله - وَله ـ
وأصحابه، فضرب عليهم البابَ، فلما سمعوا صوته، قام رجلٌ من أصحاب رسول
الله - * - فنظر من خلَل الباب، فرآه متوشّحًا السيفَ، فرجع إلى رسول الله - مَله -
أبين منه في الآية؛ لأنه جاء بلفظ النهي عن مسّه على غير طهارة، ولكن في كتابه إلى هرقل
بهذه الآية: ﴿يَأهْلَ الكتاب تعالوا إلى كلمة﴾ [آل عمران: ٦٤] دليل على ما قلناه، وقد
ذهب داود وأبو ثور وطائفة ممن سلف، منهم الحكمُ بن عُتَيْبَة وحماد بن أبي سُليمان إلى
إباحة مس المصحف على غير طهارة، واحتجوا بما ذكرنا من كتابه إلى هرقل، وقالوا:
حديث عَمْرو بن حزم مُرْسَلٌ، فلم يروه حجة، والدارَقُطْنِي قد أسنده من طرق حسان،
أفواهًا: رواية أبي داود الطَّيَالِسي عن الزُّهْرِي عن أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم، عن
أبيه عن جدّه، ومما يقوّي أن الْمُطَهَّرين في الآية هم الملائكة، أنه لم يقل: المتطهرون،
وإنما قال الْمُطَهَّرون، وفرقُ ما بين المتطهِّر والمطهّر: أن المتطهِّر مَنْ فعل الطُّهُور(٢)،
وأدخل نفسه فيه كالْمُتَفَّقه مَن يدخل نفسه في الفقه، وكذلك الْمُتَفَّعِّل في أكثر الكلام، وأنشد
سیپویه :
وقَيْسُ عَيْلان ومَن تَقَيَّسا
فالآدميون مُتَطهِّرون إذا تطهروا، والملائكة مُطهّرُون خِلْقَةً، والآدميات إذا تطهرن:
مُتَطَهْراتٌ، وفي التنزيل: ﴿فإذا تَطَهَّرن فأتوهن مِنْ حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٢] والحور
العين مُطَهَّرات، وفي التنزيل: ﴿لهم فيها أزواجٌ مُطَهَّرة﴾ [النساء: ٥٧] وهذا فرقٌ بَيْن وقوة
لتأويل مالك رحمه الله، والقول عندي في الرسول عليه السلام أنه مُتَطھِّر ومُطَهَّر، أما
متطهِّر؛ فلأنه بشر آدمي يغتسل من الجنابة، ويتوضأ من الحَدَث، وأما مطهّر؛ فلأنه قد غُسل
باطنُه، وشُقَّ عن قلبِهِ، ومُلىء حكمة وإيمانًا فهو مُطَهَّر ومُتَطهّر، واضمم هذا الفصل إلى ما
تقدم في ذكر مولده من هذا المعنى، فإنه تكملة والحمد لله.
(١) (حسن). أخرجه الترمذي وأحمد (٤٥٦/١) والطبراني (٢٥٥/١١) وابن سعد (١٩٢/١/٣)
والحاكم ٨٣/٣) وابن ماجه (١٠٥).
(٢) الطُهور: أي التطهّر، والطّهور: هو الماء.
١٢٣

وهو فَزِع، فقال: يا رسول الله، هذا عمرُ بنُ الخطّاب مُتَوَشّحًا السيف، فقال حمزةُ بن
عبد المطّلب: فَأذن له، فإن كان جاء يريد خَيْرًا بَذَلْناه له، وإن كان جاء يريد شرًّا قتلناه
بسيفه، فقال رسول الله - ﴿ -: ((ائذَن له))، فأذِنَ له الرجل، ونهض إليه رسولُ
الله - وَ﴿ - حتى لقيه في الحجرة، فأخذ حُجْزته، أو بمجمع ردائه، ثم جبَذَه به جبذةً
شديدةً، وقال: ((ما جاء بك يا بن الخطّاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى يُنزل الله بك
قارعةً))، فقال عمرُ: يا رسول الله، جِئْتك لأَومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله،
قال: فكبّر رسول الله وَّه تكبيرةً عَرَف أهلُ البيت من أصحاب رسول الله وَّل أن عمر
قد أسلم.
فتفرّق أصحاب رسول الله - بَ ﴿ - من مكانهم، وقد عزُّوا في أنفسهم حين أسلم
عُمر مع إسلام حمزة، وعرفوا أنهما سيَمْنعان رسول الله - وَّ﴿ـــ ويَنْتصفون بهما من
عدوّهم. فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر بن الخطّاب حين أسلم.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبدُ الله بن أبي نجيح المكّي، عن أصحابه: عُطاء،
ومجاهد، أو عمَّن رُوِيَ ذلك: أن إسلام عمر فيما تحدّثوا به عنه، أنه كان يقول: كنت
للإسلام مُباعدًا، وكنت صاحبَ خَمْر في الجاهليَّة، أحبُّها وأُسَرّ بها، وكان لنا مجلسٌ
وفي تطهّر عمر قبل أن يُظْهر الإسلام قوةٌ لقول ابن القاسم: إن الكافر إذا تطهّر قبل أن
يُظهِر إسلامه، ويشهد الشهادتين أنه مُجْزِىءٌ له، وقد عاب قول ابن القاسم هذا كثيرٌ من
الفقهاء، وكذلك في خبر إسلام سعد بن مُعاذٍ على يدي مُصْعَب بن عُمَيْر، وقد سأله: كيف
يصنع مَن يريد الدخول في هذا الدين، فقال: يتطهر، ثم يشهد بشهادة الحق، ففعل ذلك هو
وأُسَيْد بن حُضيْر، وحديث إسلام عمر، وإن كان من أحاديث السِّيّرِ، فقد خرَّجه الدارقُطْني
في سُننه، غير أنه خرَّج أيضًا من طريق أنس أن أُخت عمر قالت له: إنك رِجسٌ، ولا يَمَسُّه
إلا المطَهَّرُون، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام فتوضأ، ثم أخذ الصحيفة وفيها سورة طه(١)،
ففي هذه الرواية أنه كان وضوءًا، ولم يكن اغتسالاً، وفي رواية يونس: أن عمر حين قرأ في
الصحيفة سورة طه انتهى منها إلى قوله: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] فقال:
ما أطْيَبَ هذا الكلام وأخسَنَه، وذكر هذا الحديث بطوله، وفيه أن الصحيفة كان فيها مع
سورة طه: ﴿إذا الشمسُ كُوَّرَتْ﴾ وأن عمر انتهى في قراءتها إلى قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما
أخضَرَتْ﴾ .
(١) (ضعيف الإسناد)). أخرجه الدارقطني (١٢٣/١) بتحقيقي. وفيه القاسم بن عثمان - تفرّد به. قال
البخاري: له أحاديث لا يُتابع عليها.
١٢٤

يجتمع فيه رجال من قُرَيش بالحَزْوَرة، عند دُور آل عمر بن عَبْد بن عِمْران المخزومي،
قال: فخرجت ليلةً أُريد جُلسائي أولئك في مَجْلسهم ذلك، قال: فجئتهم فلم أجد فيه
منهم أحدًا. قال: فقلت: لو أني جئت فلانًا الخمَّار، وكان بمكة يبيع الخمر، لعلّي أجدُ
عنده خمرًا فأشرب منها. قال: فخرجتُ فجِثْته فلم أجده. قال: فقلت: فلو أني جئتُ
الكعبةَ، فطُفْت بها سبعًا أو سبعين. قال: فجئتُ المسجد أُريد أن أطوفَ بالكعبة، فإذا
رسولُ الله - وَّرَ - قائمٌ يصلي، وكان إذا صلّى استقبل الشامَ، وجعل الكعبة بينه وبين
الشام، وكان مُصلاه بين الرُّكْنين: الركن الأسود، والركن اليماني. قال: فقلت حين
رأيتُه: والله لو أني استمعت لمحمد الليلةَ حتى أسمعَ ما يقول! قال: فقلت: لئن دنوتُ
منه أستمع منه لأزوِ عنه، فجِئت من قِبَل الحِجْرِ، فدخلت تحت ثيابها، فجعلتُ أمشي
رُوَيدًا، ورسولُ الله - بَّهَ ـــ قائم يصلي يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله، ما بيني
وبينه إلا ثيابُ الكعبة. قال: فلما سمعتُ القرآن رقّ له قلبي، فبكيت ودخلني الإسلامُ،
زيادة في إسلام عمر:
فصل: وذكر ابن سُنْجُر زيادة في إسلام عمر، قال: حدّثنا أبو المغيرة قال:
نا صفوان بن عمرو، قال: حدّثني شُرَيْحُ بن عبيد، قال: قال عمر بن الخطاب: خرجت
أتعرض رسول الله - وَل14 - قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه،
فاستفتح سورة الحاقَّةِ، فجعلت أتعجب من تأليف القرآن قال: قلت: هذا والله شاعر، كما
قالت قريش، فقرأ: ﴿إِنَّه لقَوْلُ رسولٍ كريم وما هو بقول شاعر قليلاً ما تُؤْمِنُون﴾ قال:
قُلْتُ: كاهنٌ عَلم ما في نفسي، فقال: ﴿ولاً بِقَول كاهنِ قليلاً ما تَذَكَّرُون﴾ إلى آخر السورة
قال: فوقع الإسلامُ في قلبي كل موقع، وقال عمر حين أسلم:
له علينا أيادٍ ما لها غير
الحمدُ لله ذي الْمَنِّ الذي وَجَبَتْ .
وقد بدأنا فكذَّبْنا، فقال لنا
وقد ظلمتُ ابنةَ الخطابِ ثم هدى
وقد نَدِمْتُ على ما كان من زَلَلٍ
لما دعت ربَّها ذا العرش جاهدة
أيقنتُ أن الذي تدعوه خالقُها
فقلت: أشهد أن الله خالقُنا
نبيٌّ صِدْقٍ أتى بالحق مِنْ ثقةٍ
صدقَ الحديث نبيٍّ عنده الخبر
ربي عَشِيَّة قالوا: قد صَبَا عُمر
بظلمها حين تُثْلى عندها السُّور
والدمعُ من عينها عَجْلاَنْ يَبْتَدِرُ
فكاد تسبقني من عِبْرَة دِرَرُ
وأن أحمد فينا اليوم مشتهر
وافى الأمانةِ ما في عُوده خَوَرُ
١٢٥

.
فلم أزل قائمًا في مكاني ذلك، حتى قضى رسول الله - وَالر ◌ِ صلاتَه، ثم انصرف، وكان
إذا انصرف خرج على دار ابن أبي حسين، وكانت طريقه، حتى يَجْزَعِ الْمَسْعى، ثُم
يَسْلُك بين دار عبّاس بن المطّلب، وبين دار ابن أزْهر بن عبد عَوْف الزُّهري، ثم على
دار الأخنس بن شَريق، حتى يدخل بيتَه، وكان مسكنُه - وََّ - في الدار الرَّقْطاء، التي
كانت بيدَي مُعاويةً بن أبي سفيان. قال عمر رضي الله عنه: فتبعتُه حتى إذا دخل بين دار
عبّاس، ودار ابن أزهر، أدركتُه، فلما سمع رسول الله - وَّهِ - حسِّي عَرَفني، فظن رسول
الله - رَّ﴿ - أني إنما تَبِغْته لأُوذيه، فَنَهمني، ثم قال: ((ما جاء بك يا بن الخَطَّاب هذه
الساعةَ))؟ قال: قلت: جئت لأَومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله، قال: فحَمِدَ الله
رسول الله - رَ﴿ - ثم قال: ((قدَ هَداك الله يا عمر))، ثم مَسح صَذْري، ودعا لي بالثّبات،
ثم انصرفتُ عن رسول الله وَّل، ودخل رسول الله وَّه بيته.
قال ابن إسحاق: والله أعلم أيّ ذلك كان.
رواه يونس عن ابن إسحاق. وذكر البَزَّارُ في إسلام عمر أنه قال: فلما أخذت
الصحيفة، فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، فجعلت أفكر: مِن أي شيء اشتق، ثم قرأت
فيها: ﴿سَبِّح لِلَّه ما في السموات والأرض (وهو العزيز الحكيم]﴾ أول الحديد. وجعلت
أقرأ وأُفكر حتى بلغت: ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾ [الحديد: ٧]. فقلت: أشهد أن لا إله إلا
الله، وأن محمدًا رسول الله(١).
من تفسير حديث إسلام عمر:
فصل: وفي حديث إسلام عمر: قال: ما هذه الهَيْنَمَة، والْهَيْنَمةُ: كلام لا يفهم، واسم
الفاعل منهُ مُهَيْنِم، كأنه تصغير، وليس بتصغير، ومثله الْمُبَيْطِر، والْمُهَيْمِن، والْمُبَيْقِر بالقاف،
وهو المهاجر من بلد إلى بلد، والْمُسَيْطِر، ولو صغَّرت واحدًا من هذه الأسماء لحذفت الياء
الزائدة، كما تحذف الألف من مفاعل، وتلحق ياء التصغير في موضعها، فيعود اللفظ إلى ما
كان، فيقال في تصغير مُهَيْنم ومُبيْطِر: مُهَيْنِمٌ ومُبَيْطِرٌ، فإن قيل: فَهَلاً قلتم: إنه لا يُصَغّر؛ إذ
لا يُعْقَلِ تصغيرٌ على لفظ التكبير، وإلا فما الفرق؟ فالجواب أنه قد يظهر الفرق بينهما في
مواضع، منها: الجمع، فإنك تجمع مُبَيْطرًا: مَبَاطر بحذف الياء، وإذا كان مُصَغَّرًا لا يجمع
إلا بالواو والنون، فتقول: مُبَيطِرُون، وذلك أن التصغير لا يكسر؛ لأن تكسيره يؤدي إلى
حذف الياء في الخماسي؛ لأنها زائدة كالألف، فيذهب معنى التصغير، وأما الثلاثي المصغّر
(١) أخرجه البزار (١٣/١) (٤٥/٣).
١٢٦

قال ابن إسحاق: وحدّثني نافع مولى عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، قال: لما
أسلم أبي عمرُ، قال: أي قريش أنْقَلُ للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجُمَحِي.
قال: فغدا عليه، قال عبد الله بن عُمر: فعدوت أتبع أثره، وأنظر ما يفعل، وأنا غلامٌ
أعقِل كلَّ ما رأيتُ، حتى جاءه، فقال له: أعلمتَ يا جميلُ أني قد أسلمت: ودخلت في
دين محمد؟ قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجرّ رداءه واتَّبعه عمر، واتبعتُ أبي، حتى إذا
قام على باب المسجد صَرَخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، وهم في أنديتهم حول باب
فيؤذي تكسيره إلى تحريك ياء التصغير أو همزها، وذلك أن يقال في فُلَيْس فلائس، فيذهب
أيضًا معنى التصغير لتصغير لفظ الياء التي هي داّة عليه، ولو بَنَيْت اسم فاعل من: بيأس
لقلت فيه مُبَيْئس، ولو سهلت الهمزة حركت الياء فقلت فيه: مُبَيِيس، وتقول في تصغيره إذا
صغرته: مُبَيِّس بالإدغام، كما تقول [في] أبوس: أبيس، ولا تنقل حركة الهمزة إلى الياء إذا
سهلت، كما تنقلها في اسم الفاعل من بَيأس ونحوه، إذا سهلت الهمزة، وهذه مسألة من
التصغير بديعة يقوم على تصحيحها البرهان.
حول النھیم وهكذا:
فصل: وفي حديث إسلام عمر: فَنَهَمَه رسول الله - رََّ - أي: زجره، والنَّهِيمُ؛ زَجْر
الأسد، والنَّهامِيُّ: الحدَّاد والنُّهام: طائر، وفيه قول العاصي بن وائل قال: هكذا [خلوا] عن
الرجل، وهي كلمة معناها: الأمر بالتنخي، فليس يعمل فيها ما قبلها، كما يعمل إذا قلت:
اجلس هكذا، أي: على هذه الحال، وإن كان لا بدّ من عامل فيها إذا جعلتها للأمر، لأنها
كافُ التشبيه دخلت على ذا، وها: تَنْبيهُ، فيقدر العامل إذًا مُضمَرًا، كأنك قلت: ارجعوا
هكذا، وتأخروا هكذا، واستُغني بقولك: هكذا عن الفعل، كما استغنى برُوَيْدًا عن ارفق.
جميل بن معمر:
فصل: وذكر قول عمر لجميل بن مَعْمَر الْجُمَحي: إني قد أسلمت، وبايعت محمدًا،
فصرخ جميل بأعلى صوته: ألا إن عمر قد صبأ. جميل هذا هو الذي كان يقال له: ذو
القلبين(١)، وفيه نزلت في أحد الأقوال: ﴿ما جَعَل الله لرَجُل من قلبين في جوفه﴾
[الأحزاب: ٤٠]، وفيه قيل:
وكيف ثَوَائي بالمدينة بعدما
قَضَى وَطَرًا منها جميلُ بن مَعْمَر
(١) قيل: لحفظه، وقيل لعقله ونباهته.
١٢٧

الكعبة، ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، قال: يقول عمرُ من خلفه: كَذَب، ولكني قد
أسلمتُ، وشهدتُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدُه ورسوله. وثاروا إليه، فما برح
يقاتلهم ويُقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم. قال: وطَلَح، فقَعد وقامُوا على
رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو قد كُنَّا ثلثمائة رجل لتركناها
لكم، أو لتركتموها لنا، قال: فبينما هم على ذلك، إذ أقبل شيخٌ من قريش، عليه حُلَّة
حِبَرَة، وقميصٌ مُوشَّى، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صَبَأَ عمر، فقال:
فمَهُ، رجلٌ اختار لنفسه أمرًا، فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب يُسلمون لكم
صاحبهم هكذا؟! خلُّوا عن الرجل. قال: فوالله لكأنما كانوا ثوبًا كُشِط عنه. قال: فقلت
لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت، من الرجلُ الذي زجر القومَ عنك بمكة يوم
أسلمت، وهم يُقاتلونك؟ فقال: ذلك، أي بُني، العاصُ بن وائل السهمي.
قال ابن هشام: حدّثني بعضُ أهل العلم، أنه قال: يا أبت، مَن الرجلُ الذي زَجر
القومَ عنك يوم أسلمتَ، وهم يقاتلونك، جزاه الله خيرًا؟ قال: يا بني ذاك العاص بنُ
وائل، لا جزاه الله خيرًا.
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الرحمن بن الحارث عن بعض آل عُمر، أو بعض أهله، قال:
قال عمر: لمّا أسلمتُ تلك الليلةَ، تذكَّرت أيّ أهل مكة أشد لرسول الله وَل عداوة حتى
آتيه، فأخبره أني قد أسلمت، قال: قلت: أبو جهل - وكان عُمر لخَتْمَة بنت هشام بن
المُغيرة - قال: فأقبلت حين أصبحتُ، حتى ضربتُ عليه بابَه. قال: فخرج إليَّ أبو
جهل، فقال: مرحبًا وأهلاً يا بن أُختي، ما جاء بك؟ جئتُ لأخبرك أني قد آمنت بالله
وبرسوله محمد، وصدقت بما جاء به، قال: فضرب البابَ في وجهي، وقال: قَبَّحك
الله، وقَبَّحَ مَا جِثْتَ بِهِ.
وهو البيت الذي تغنّى به عبد الرحمن بن عوف في منزله، واستأذن عمر فسمعه، وهو
يتغنّى، وينشد بالركبانية، وهو غِناء يُحدى به الرِّكَابُ، فلما دخل عمرُ قال له عبد الرحمن:
إنّا إذا خلونا، قلنا ما يقول الناس في بيوتهم، وقلب المبرد هذا الحديث، وجعل المنشد
عُمَر، والمستأذنَ عبد الرحمن، ورواه الزبير(١) كما تقدم، وهو أعلم بهذا الشأن.
(١) انظر نسب قريش (ص ٤٤٨).
١٢٨

خبر الصحيفة(١)
قال ابن إسحاق: فلما رأت قُريشٌ أنّ أصحاب رسولِ الله وَ له قد نزلوا بلدًا أصابوا
به أمنًا وقرارًا، وأن النجاشيّ قد منع مَنْ لجأ إليه منهم، وأنّ عمر قد أسْلم، فكان هو
وحَمْزة بن عبد المطّلب مع رسول الله - وَلُّهــ وأصحابه، وجعل الإسلامُ يَفْشِو في
القبائل، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم، وبني المطّلب،
على أن لا يُنْكِحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، فلما
اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتَواثقوا على ذلك، ثم علّقوا الصحيفةَ في
جَوْف الكعبة توكيدًا على أنفسهم، وكان كاتبَ الصحيفة منصورُ بن عِكرمة بن عامر بن
هاشم بن عَبْد مناف بن عَبْد الدار بن قُصَيّ - قال ابن هشام: ويقال: النضر بن
الحارث - فدعا عليه رسولُ اللهِ وَلَّ، فَشَلّ بعضُ أصابعه.
قال ابن إسحاق: فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطّلب إلى أبي
طالب بن عبد المطلب، فدخلوا معه في شِغبه واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم: أبو
لَهَب عبد العُزَّى بن عبد المطّلب، إلى قريش، فظاهرهم.
موقف أبي لهب من رسول الله جمل ه :
قال ابن إسحاق: وحدّثني حُسين بن عبد الله: أنّ أبا لهب لقي هِنْد بنت عُثْبة بن
حديث الصحيفة التي كتبتها قريش
ذكر فيه قول أبي لهبٍ ليديه: تَّبًّا لكما، لا أرى فيكما شيئًا مما يقول محمد، فأنزل الله
(١) انظر البداية (٩٣/٣) طبقات ابن سعد (٢١٠/١) تاريخ الطبري (٣٤١/٢) الكامل (٦٠٤/١) المنتظم
(٣/٣).
الروض الأنف/ ج ٢/ م ٩
١٢٩
،

رَبيعة، حين فارق قومَه، وظاهر عليهم قريشًا، فقال: يا بنت عتبة؛ هل نصرتٍ اللات
والعُزّى، وفارقتِ مَن فارقهما وظاهر عليهما؟ قالت: نعم: فجزاك الله خيرًا يا أبا عُثْبة.
قال ابن إسحاق: وحُدّثت أنه كان يقول في بعض ما يقول: يَعدني محمدٌ أشياء لا
أراها، يزعم أنها كائنةٌ بعد الموت، فماذا وضع في يديّ بعد ذلك، ثم ينفخ في يَدَيْه
ويقول: تَبًّا لكما، ما أرى فيكما شيئًا مما يقول محمد، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا
أبي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.
قال ابن هشام: تبّت: خسرت. والتباب: الخسران. قال حَبيب بن خُذْرة
الخارجي: أحدُ بني هلال بن عامر بن صَعْصعة:
يا طيب إنّا في مَعْشرٍ ذهبتْ مَسْعاتُهم في الثَّبارِ والتَّببِ
وهذا البيت في قصيدة له.
تعالى: ﴿تَبَّت يدا أبي لهب وتب﴾، هذا الذي ذكره ابن إسحق يشبه أن يكون سببًا لذكر الله
سبحانه يديه، حيث يقول: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ وأما قوله: وتَبَّ، فتفسيره ما جاء في
الصحيح من رواية مجاهد وسعيد بن جُبَيْر عن ابن عباس، قال: لما أنزل الله تعالى: ﴿وأنذِزْ
عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِين﴾ [الشعراء: ٢١٤] خرج رسول الله - وَطيور - حتى أتى الصفا، فصعد عليه،
فهتف: (يَا صَبَاحَاهُ))، فلما اجتمعوا إليه، قال: ((أرأيْتُمْ لو أخبرتُكم أن خَيْلاً تخرج من سَفْح
هذا الجبل، أكُنْتُمْ مُصَدِّقيَّ))؟ قالوا: ما جَرَّبنا عليك كذبًا. قال: ((فإِنِّي نذيرٌ لكم بين يَدَيْ
عَذَابٍ شديد. فقال أبو لهب: تَبًّا لك ألهذا جمعتنا؟! فأنزل الله تعالى: ﴿تبَّتْ يدا أبي
لَهَبٍ﴾، وقد تَبَّ(١). هكذا قرأ مجاهد والأعمش، وهي - والله أعلم - قراءة مأخوذةٌ عن ابن
مسعود، لأن في قراءة ابن مسعود ألفاظًا كثيرة تُعين على التفسير قال مجاهد: لو كنت قرأت
قراءة ابن مسعود قبل أن أسأل ابن عباس، ما احتجت أنْ أسْأَله عن كثير مما سألته، وكذلك
زيادة قد في هذه الآية، فَسَّرت أنه خبر من الله تعالى، وأن الكلام ليس على جهة الدعاء،
كما قال تعالى: ﴿قاتلهم الله أنّى يُؤْفَكُون﴾ [التوبة: ٣٠]، أي: إنهم أهلٌ أن يقال لهم هذا،
فتّت يدا أبي لهب، ليس من باب: قاتلهم اللَّهُ، ولكنه خَبَر مَخْضّ بأن قد خسر أهله وماله،
واليدان: آلة الكسب، وأهلُه ومالُه مما كسب فقوله: ﴿تَبَّت يدا أبي لَهَبٍ﴾، تفسيره قوله:
﴿ما أغنى عنه مالُهُ وما كَسَبَ﴾ وولَدُ الرجل من كَسْبه، كما جاء في الحديث، أي خسرت
يداه هذا الذي كسبت، وقوله: وتبَّ، تفسيره. ﴿سَيَضْلى نارًا ذات لهبٍ﴾ أي: قد خَسِر
(١) أخرجه البخاري (٢٢١/٢) ومسلم وأحمد (٣٠٧/١) والبيهقي في الدلائل (١٨١/٢) والبغوي في
شرح السنة (٣٢٦/١٣).
١٣٠

شعر أبي طالب
قال ابن إسحاق: فلما اجتمعت على ذلك قُريش، وصنعوا فيه الذي صنعوا، قال
أبو طالب:
.
لُؤَيَّا وَخُصّا من لُؤَيِّ بني كَعْبٍ
ألا أبلغا عنّي على ذاتٍ بَيْننا
نبيًّا كموسى خُطّ في أوّل الكُتْبِ
ألم تَعْلَمُوا أَنّا وَجَدنا محمدًا
نفسه بدخوله النار، وقولُ أبي لهب: تَبًّا لكما، ما أرى فيكما شيئًا، يعني: يديه: سببٌ
لنزول تَبَّت يدا كما تقدم.
وقوله في الحديث الآخر: تَبًّا لك يا محمد، سببٌ لنُزُول قوله سبحانه: ﴿وتبْ﴾
فالكلمتان في التنزيل مبنيتان على السببين، والآيتان بعدهما تفسير للتببّين. تَبَابِ يديه، وتبابِه
هو في نفسه، والتّبَبُ على وزن الثَّلَف لأنه في معناه، والتََّابُ كالهلاك والْخَسَارِ وَزْنًا
ومعنى، ولذلك قيل فيه: تَببٌ وتبَابٌ.
من تفسير شعر أبي طالب
فصل: ذكر شعر أبي طالب:
ألا أبلغا عني على ذاتٍ بيننا
قال قاسم بن ثابت: ذات بيننا، وذات يده، وما كان نحوه: صفةٌ لمحذوفٍ مؤنث،
كأنه يريد الحال التي هي ذات بينهم كما قال الله سبحانه: ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُم﴾
[الأنفال: ١] فكذلك إذا قلت: ذات يده. يريد أمواله، أو مكْتَسباته، كما قال عليه السلام:
((أزعاه على زَوْج في ذات يده))(١)، وكذلك إذا قلت: لقيته ذاتَ يوم، أي: لقاءةً أو مرَّةً ذات
يوم، فما حُذف الموصوف، وبقيت الصفةُ صارت كالحال لا تتمكن، ولا تُرفع في باب ما
لم يُسَمَّ فاعلُه، كما ترفع الظروف الْمُتمكُّنة، وإنما هو كقولك: سير عليه شديدًا وطويلاً،
وقول الخَتْعَمِي - واسمه: أنس بن مالك [مدرك]: عزمت على إقامة ذات صباح، ليس هو
عندي من هذا الباب، وإن كان سيبويه قد جعلها لغة لخثعم، ولكنه على معنى إقامة يوم،
وكل يوم هو ذو صباح، كما تقول، ما كلمني ذو شَفَّة، أي: متكلم، وما مررت بذي نفس،
(١) (صحيح)). أخرجه البخاري (٧/٧) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٠٢/٢٠٠) وأحمد
(٤٤٩/٢٧٥/٢) والبيهقي (٢٩٣/٧) والحميدي (١٠٤٧) وعبد الرزاق (٢٠٦٠٣) والبيهقي في
الآداب (٢١) بتحقيقي. وانظر الفتح (٩/ ٥١١).
١٣١

وأنَّ عليه في العِباد مَحبَّةً
ولا خيرَ ممَّن خصَّه الله بالحُبّ
فلا يكون من باب: ذَاتَ مَرَّة الذي لا يتمكن في الكلام ، وقد وجدت في حديث قَيْلَة بنت
مَخْرَمة، وهو حديث طويل وقع في مسند ابن أبي شَيْبَة: أن أُختها قالت لبعلها: إن أُختي
تريد المسير مع زوجها حُرَيْثٍ بن حَسَّان ذا صباح بين سَمْع الأرض وبصرها، فهذا يكون من
باب: ذات مرة، وذات يوم، غير أنه ورد مذكَّرًا؛ لأنه تشتغل تاء التأنيث مع الصَّاد، وتوالي
الحركات، فحذفوها، فقالوا: لقيته ذا صباح، وهذا لا يتمكن كما لا يتمكن: ذات يوم
وذات حين، ولا يضاف إليه مصدر، ولا غيره. وقول الْخَشْعَمِيِّ: عزمت على إقامة ذي
صباح قد أضاف إليه، فكيف يضيف إليه، ثم ينصبه، أو كيف يضارع الحال مع إضافة
المصدر إليه؟ فكذلك خفضه، وأخرجه عن نظائره، إلا أن يكون سيبويه سمع خثعم يقولون:
سرت في ذات يوم، أو سِيرَ عليه ذاتُ يوم برفع التاء، فحينئذ يسوغ له أن يقول: لغة خثعم،
وأما البيت الذي تقدم فالشاهد له فيه، وما أظن خَفْعَمَ، ولا أحدًا من العرب يُجيز التمكن في
نحو هذا، وإخراجه عن النصب، والله أعلم.
لا التي للتبرئة:
فصل: وفيه :
ولا خير ممّن خصّه الله بالحب
وهو مشكل جدًّا لأن لا في باب التبرئة لا تنصب مثل هذا إلا مُنَوَّنًا تقول: لا خَيْرًا من
زيد في الدار، ولا شرًّا من فلان، وإنما تَنصب بغير تنوين إذا كان الاسم غير موصول بما
بعده، كقوله تعالى: ﴿لا تَثْرِيب عليكم اليوم﴾ [يوسف: ٩٢]. لأن عليكم ليس من صلة
التثريب، لأنه في موضع الخبر، وأشبه ما يقال في بيت أبي طالب أن خيرًا مخفف، من خيِّرِ
كَهَيْن وَمَيْت [من هَيِّن ومَيِّتٍ] وفي التنزيل: ﴿خَيْراتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] هو مخفف
من خَيِّرات.
عود إلى شرح شعر أبي طالب:
وقوله: مِمَّن. من، متعلقة بمحذوف، كأنه قال: لا خَيْرِ أخير مِمَّن خَصَّه الله، وخَيْر
وأخْيَرُ: لفظان من جنس واحدٍ، فحُسنَ الحذفُ استثقالاً لتكرار اللفظ، كما حَسُن: ﴿ولكن
الْبِرَّ مَنْ آمن بالله﴾ [البقرة: ١٧٧]. و﴿الْحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] لما في تكرار
الكلمة مرتين من الثقل على اللسان، وأغرب من هذا قول الله تعالى: ﴿ولو يُعَجِّلُ اللَّهُ للناسِ
الشّرَّ اسْتِعْجَالُهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: ١١] أي: لو عجله لهم إذا اسْتعْجَلوا به اسْتِعْجَالاً مثل
استعجالهم بالْخَيْر، فحسن هذا الكلامُ لما في الكلام من ثقل التكرار، وإذا حذفوا حرفًا
واحدًا لهذه العلة كقولهم: بَلَّحَرث بنون فلان، وظَللْتَ وأحشت فأحرى أن يحذفوا كلمة من
١٣٢

وأن الذي ألصقْتمُ من كتابكم
أفيقوا أفيقوا، قبل أن يُحفَرِ الثَّرَى
ولا تَتْبعوا أمرَ الوُشاة، وتَقْطَعوا
وتَسْتجلبوا حَزْبًا عَوَانًا، وربما
فلسنا - وربّ البيت - نُسلمُ أحمدًا
ولمَّا تَبِنْ منَّا، ومنكم سَوالف
بمعْتَرك ضَيْق ترى كِسَر القَّنا
لَكُم كائن نحسًا کراغیة السَّقْبِ
ويُصبح من لم یجنِ ذنبًا کذي الذئب
أواصرَنا بعد الموَدَّة والقُرْبِ
أمرّ على مَن ذاقه جَلبُ الحَربِ
لعَزَّاءَ من عضّ الزّمان ولا كَزْب
وأيدٍ أُتْرّت بالقُساسيَّة الشُّهْب
به والنسورَ الطُّخْم، يَغْكُفن كالشّربِ
حروف، فهذا أصل مُطَّرِدٌ، ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن يكون حذف التنوين مراعاة لأصل
الكلمة؛ لأن خَيْرًا من زيد إنما معناه: أخير من زيد، وكذلك: شَرِّ من فلان، إنما أصله:
أشَرُّ على وزن أفْعَل، وحذفت الهمزة تخفيفًا، وأفعل لا ينصرف، فإذا انحذفت الهمزة
انصرف ونُوَّن، فإذا توهمتها غير ساقطة التفاتًا إلى أصل الكلمة، لم يبعد حذف التنوين على
هذا الوجه مع ما يقوّيه من ضرورة الشعر.
وقوله: بالقُسَاسِيَّة الشُّهْب، يعني: السيوف، نسبها إلى قُسَاس، وهو معدن حديد لبني
أسد، وقيل اسم للجبل الذي فيه المعدن: قال الراجز يصف فأسًا:
أحضر من معدنٍ ذِي قُساس(١) كأنه في الْحَيْدِ ذي الأضراس
يُزمى به في البلد الدَّهَاس
وقال أبو عبيد في الْقُساسِيَّة: لا أدري إلى أيّ شيءٍ نُسِبَ، والذي ذكرناه قاله الْمُبَرَّدِ،
وقوله: ذي قُساس كما حكى، ذو زيد، أي: صاحب هذا الاسم، وفي أقيال حِمْير: ذو
كَلاَعٍ، وذو عَمْرو، أُضيف المسمَّى إلى اسمه، كما قالوا: زيد بَطَّة، أضافوه إلى لقبه.
وذكر فيه النسور الطخمة، قيل: هي السود الرؤوس، قاله صاحب العين، وقال أيضًا:
الطُّخْمةُ سواد في مقدم الأنف.
وقوله: كراغية السَّقْبِ يريد ولد الناقة التي عقرها قُدار، فرغا ولدُها، فصاح برُغائه كُلُّ
شيء له صوت، فهلكت ثمود عند ذلك، فضربت العرب ذلك مثلاً في كل هَلَكة. كما قال
علقمة [بن عَبَدَةً]:
رغا فوقهم سَقْبُ السماء فداحِصْ
-
بِشكّتِهِ لم يُسْتَلَبْ وسليبُ
(١) قساس: اسم بلد تنسب إليه السيوف القاسية، وقيل اسم جبل لبني نمير.
١٣٣

ومَعْمَعة الأبطال مَعْركة الحَزْب
كأنَّ مُجال الخيل في حَجَراته
وأوصَى بَنيه بالطّعان وبالضَّرْب
أليس أبونا هاشمٌ شَدَّ أزْرَه
ولسْنا نَمَلّ الحربَ، حتى تَمَلَّنا
ولا نَشْتكي ما قد يَنوب من النَّكْبِ
إذا طار أرواحُ الكُماة من الرَّغْب
ولكنَّنا أهلُ الحَفائظ والنُّهى
فأقاموا على ذلك سَنَتين أو ثلاثًا، حتى جُهِدوا لا يصل إليهم شيءٌ، إلاَّ سرًّا
مستخفيًا به مَنْ أراد صِلَتهم من قريش.
من جهالة أبي جهل:
وقد كان أبو جهل بن هشام - فيما يذكرون - لقي حكيم بن حزام بن خُويلد بن
أسَد، معه غلام يَحمل قمحًا يُريد به عمته خديجة بنت خُويلد، وهي عند رسول
الله - وَلِ﴿ - ومعه في الشّعب، فتعلَّق به، وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم!؟ والله لا
تبرح أنت وطعامُك، حتى أفْضحك بمكة. فجاءه أبو البَخْتري بن هاشم بن الحارث بن
أسَد [بن عبد العزى]، فقال: ما لك وله؟ فقال: يحمل الطعامَ إلى بني هاشم، فقال أبو
البَخْتَرِيّ: طعامٌ كان لعمَّته عنده بعثت إليه [فيه]، أفتمنعه أن يأتيها بطَعامها؟! خلّ سبيلَ
الرجل، فأبى أبو جهل، حتى نال أحدُهما من صاحبه، فأخذ أبو البَخْترِيِّ لَحْيَ بَعيرٍ،
فضربه به فشجَّه، ووطئه وطأً شديدًا، وحمزةُ بن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم
يكرهون أن يبلغ ذلك رسولَ الله - وَجر - وأصحابه، فيشمتوا بهم، ورسول الله - اله -
على ذلك يدعو قومَه ليلاً ونهارًا وسرًّا وجهارًا، مناديًا بأمر الله لا يتَّقي فيه أحدًا من
النَّاس.
ما لقي رسول الله وَل و من قومه:
فجعلت قريش حين منعه الله منها، وقام عمّه وقومُه من بني هاشم وبني المطلب
دونه، وحالوا بينهم، وبين ما أرادوا من البَطْش به، يَهْمِزونه، ويَسْتَهْزِئُون به،
ويخاصمونه، وجعل القرآن ينزل في قُريش بأحداثهم، وفيمن نصب لعداوته منهم، ومنهم
مَن سُمِّيَ لنا.
وقال آخر:
على جانب الثَّرْثَار(١) راغيةَ الْبِكْر
لَعَمْرِي لقد لاقت سُلَيْمٌ وعامر
(١) الثرثار: وادٍ بالجزيرة.
١٣٤

أبو لهب وامرأته
ومنهم مَن نزل فيه القرآن في عامَّة مَنْ ذكر الله من الكفّار، فكان ممّن سُمّي لنا من
قُريش ممّن نزل فيه القرآن: عمّه أبو لهب بن عبد المطلب وامرأته أَمّ جَميل بنت
حَزْب بن أُميَّة، حمّالة الحطب، وإنما سمّاها الله تعالى حمّالة الحطب؛ لأنها كانت - فيما
بلغني - تَحمل الشوك، فتطرحه على طريق رسول الله - نَّه ـ حيث يمرّ، فأنزل الله تعالى
فيهما: ﴿َتَبَّتْ يَدا أبي لَهَبٍ وَتَبَّ ما أغْنَى عَنْهُ مالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَضْلَى نارًا ذَاتَ لَهَبِ
وَامِرَأْتُهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ فِي جِيدها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾(١).
قال ابن هشام: الجِيد: العنق. قال أعشى بَني قَيْس بن ثعلبة:
يومَ تُبدي لنا قَتَيلة عَنْ جِی
ـدِ أسِيلٍ تَزِينُه الأطواقُ
وهذا البيت في قصيدة له. وجمعه: أجياد. والمسد: شجرٌ يدِقّ كما يَدِقّ الكَتَّان،
فتفتل منه حبال. قال النابغة الذبياني - واسمه: زياد بن عَمْرو بن معاوية:
مقذوفةٍ بِدَخِيسِ النَّخضِ بازِلُهَا له صَرِيفٌ صَرِيفَ الْقَعْوِ بِالمَسَدِ
وهذا البيت في قصيدة له، وواحدته: مَسَدَة.
ذكر أُم جميل والمسد وعذابها
فصل: وذكر أُم جميل بنت حرب عمّة معاوية، وذكر أنها كانت تحمل الشوك،
وتطرحه في طريق رسول الله - وَ ل18 - فأنزل الله فيها: ﴿وامرأته حَمَّالة الْحَطب﴾ قال
المؤلف: فلما كَنَّى عن ذلك الشوك بالحطب، والحطبُ لا يكون إلا في حبل، مِنْ ثمَّ جعل
الحبل في عنقها، ليقابل الجزاء الفعل.
وقوله: من مَسَد، هو من مَسَذْت الحبل إذا أحكمتَ فَتْله، إلا أنه قال: من مَسَدٍ، ولم
يقل: حبلٌ مَسَدٌ ولا مَمْسُود لمعنى لطيف، ذكره بعض أهل التفسير، قال: المسد يُعَبَّر به في
العُزف عن حبل الدَّلو، وقد رُوِيّ أنه يُصنع بها في النَّار ما يُصنع بالدَّلو، تُرفع بالمسد في
عنقها إلى شَفِير جهنم، ثم يُرمى بها إلى قعرها هكذا أبدًا، وقولهم: إن المسد هو حبل الدلو
في العُزْف صحيحٌ فإنّا لم نجده في كلام العرب إلا كذلك، كقول [النابغة] الذُّنْيَاني:
له صَرِيفٌ صريفَ الْقَعْو بالمَسَد
(١) سورة المسد.
١٣٥

وقال الآخر وهو يستقي على إبله:
إنْ تَكُ لَذْنَا لَيْنَا فـإنّي
يا مَسَد الخُوصِ تَعَوَّذْ مِنِّي
ما شئت من أشْمَطَ مُفْسَئِنٌ(١)
وقال آخر:
في قائم منهم، ولا فيمن قَعَد
تَبَارك فى أحَذْ
يا رَبِّ عَبْس لا
غير الأُولى شَدُوا بأطرافِ الْمَسَدْ
أي: استقوا، وقال آخر(٢)، وهو يستقي:
وَمَسَدٍ أُمِرَّ من أيَانِقٍ
ليس بأنيابٍ(٣) ولاَ حَقائِقٍ(٤)
١
يريد: جمع أيْنُق، وأيُق: جمع ناقة مقلوب، وأصله: أنْوق، فقلب، وأُبدلت الواو
ياء؛ لأنها قد أبدلت ياء للكسرة، إذا قالوا: نياق، وقلبوه فرارًا من اجتماع همزتين لو قالوا:
أنوق على الأصل، يريد أن المسد من جلودها. وفي الحديث أن رسول الله - بَير - قال في
المدينة: ((قد حرّمتها إلا لعُصْفُور قَتَبِ، أو مَسَد مَحَالةُ، والْمَحَالةَ: الْبَكَرَةُ. وفي حديث
آخر: أنه حرّمها بريدًا في بريد إلا الْمِنْجَدَة أو مسد، والْمِنْجَدَةُ: عصا الراعي. وقال أبو
حنيفة في النبات: كلُّ مَسَدٍ رِشاء، وأنشد:
وَمَسَدًا مِن أَبَقٍ مُغَارا
وَبِكْرَةً وَمِخْوَرًا صَرَّارَا
وَالأَبَقُ: الْقِنَّبُ، وَالزُّبْرُ: الكَتَّانُ، وأنشد أيضًا:
بالمسَدِ الْمَثْلُوث أو يَزْمِثا
أنزعُها تمطيًا وَمنَّا
فقد بانَ لك بهذا أن الْمَسَد حبل البئر، وقد جاء في صفة جهنم - أعاذنا الله منها - أنها
كَطَيِّ البئر لها قَرْنان، والْقَرْنَانِ من البئر: كالدِّعامَتَيْنِ لِلْبَكْرَةِ، فقد بانَ لك بهذا كله، ما ذكره
أهل التفسير من صفة عذابها أعاذنا الله من عذابه وأليم عقابه، وبهذا تناسب الكلام، وكثرت
معانيه، وتنزّه عن أن يكون فيه حَشْوٌ أو لغو - تعالى الله منزله؛ فإنه كتاب عزيز.
(١) أي الشيخ الكبير.
(٢) هو: عمارة بن طارق. وقيل البيت لعقبة الهجيمي.
(٣) أنياب: جمع ناب. وهي الناقة الكبيرة السنّ.
(٤) حقائق: جمع حقة. وهي الناقة في السنة الرابعة.
١٣٦

وقول مجاهد: إنها السِّلسِلة التي ذَرْعها سبعون ذراعًا لا ينفي ما تقدم، إذ يجوز أن
يَرْبِقَ في تلك السلسلة أُمَّ جميلٍ وغيرها، فقد قال أبو الدرداء لامرأته: يا أُمّ الدرداء إن لِلَّهِ
سلسلة تغلي بها مراجلُ جهنم منذ خلق الله النار إلى يوم القيامة، وقد نجّاك من نصفها
بالإيمان بالله، فاجتهدي في النجاة من النصف الآخر بالحضّ على طعام المسكين، وكذلك
قول مجاهد: إنها كانت تمشي بالنمائم لا ينفي حملها للشوك، وهو في كلام العرب سائغ
أيضًا، فقد قال ابن الأسلت لقريش حين اختلفوا:
لها زُمَّل من بينٍ مُذْك وحاطب
ونُبِئْتُكم شَرْجَيْنٍ (١) كل قبيلة
فالْمُذكي الذي يذكي نار العداوة، والحاطب الذي يَنِمُّ ويغري كالمحتطب للنار، ومن
هذا المعنى، وكأنه مُنْتَزَع منه قول النبي - بَ لجر -: ((لا يدخل الجنة قَتَّاتٌ))(٢) والقتّات هو الذي
يجمع القَتَّ، وهو ما يوقد به النار من حشيش وحطب صغار.
عن الجيد والعنق:
وقوله: في جِيدها، ولم يقل: في عنقها، والمعروف أن يُذكر العنق إذا ذُكر الغُل،
أو الصَّفْع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنا في أعناقهم أغْلاَلاً﴾ [يَس: ٨] ويذكر الجيد إذا
ذُكر الحُلِيُّ أو الحسن، فإنما حَسُن ههنا ذكر الجيد في حُكم البلاغة؛ لأنها امرأة، والنساء
تحلّي أجيادهنّ، وأُم جميل لا حُلِيَّ لها في الآخرة إلا الحبل المجعول في عنقها، فلما
أقيم لها ذلك مقام الحليّ ذكر الجيد معه، فتأمله؛ فإنه معنى لطيف، ألا ترى إلى قول
الأعشى:
يَوْمَ تُبدي لنا قُتَيْلَة عن جِيد
ولم يقل: عن عنق، وقول الآخر:
وأحسنُ من عقد المليحة جيدُها
ولم يقل: عنقها، ولو قالہ لکان غَثًّا من الكلام، فإنما یحسن ذکر الجید حيث قلنا،
(١) الشرج: الضرب.
(٢) ((صحيح)). أخرجه البخاري (٢١/٨) ومسلم في الإيمان (١٦٩) وأبو داود (٤٨٧١) بتحقيقي.
والترمذي (٢٠٢٦) والنسائي (٣١٨/٨) وابن خزيمة في التوحيد (٣٥٨) والبيهقي في الآداب (١٣٧)
بتحقيقي .
١٣٧

وينظر إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١] أي لا بُشرى
لهم إلا ذلك، وقول الشاعر [عَمْرو بن مَعْدي گرِبَ]:
[وخَيْلٍ قد دَلَفْتُ لها بِخَيْلاَ تَجِيَّةُ بينهم کربٌ وجیعُ
أي: لا تحية لهم. كذلك قوله: في جيدها حبل من مسد، أي: ليس ثَمَّ جيد يُحَلّى،
إنما هو حبل المسد، وانظر كيف قال: وامرأتُهُ، ولم يقل: وزوجه؛ لأنها ليست بزوج له في
الآخرة، ولأن التزويج حلية شرعية، وهو من أمر الدين يجرّدها من هذه الصفة، كما جرّد
منها امرأة نوح وامرأة لوط، فلم يقل: زوج نوح، وقد قال لآدم: ﴿اسْكُنْ أنتَ وزوجُك﴾
[البقرة: ٣٥] وقال لنبيه عليه السلام: ﴿قل لأزواجك﴾، وقال: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾، إلا
أن يكون مساق الكلام في ذكر الولادة والحمل، ونحو ذلك، فيكون حينئذ لفظ المرأة لائقًا
بذلك الموطن، كقوله تعالى: ﴿وكانت امرأتي عاقرًا﴾ [مريم: ٥ -٨] ﴿فأقبلت امرأته في
صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] لأن الصفة التي هي الأنوثة هي المقتضية للحمل والوضع لا من
حیث کان زوجًا(١).
غلوّ في الوصف بالحُسْنِ :
فصل: وأنشد شاهدًا على الجيد قول الأعشى:
يَوْمَ تُبْدِي لنا قُتَيْلَة عن جِيدٍ أسيلِ تَزِينُه الأطواقُ
وقوله: تزينه أي: تزيده حُسْنًا، وهذا من القصد في الكلام، وقد أبى الْمُولِّدُون إلا
الغلوّ في هذا المعنى، وأن يغلبوه فقال في الحماسة حسين بن مُطَير [الأسَدِي]:
بأخسَنَ مِمَّا زَينتها عقودُها
مُبَلَّلةُ الأطراف زانت عقودها
وقال خالد الْقَسْرِي لعمر بن عبد العزيز: مَن تكن الخلافةُ زينته، فأنت زينتها، ومَن
تكن شرَّفَتْه، فأنت شرَّفْتَهَا، وأنت كما قال [مالِكُ ابن أسْمَاء]:
إن تَمَسِّيه، أين مثلك أيْنا
وتزیدین أطيب الطّیبِ طِيبًا
كان لِلدُرْ حُسْنُ وجهك زَيْنا!
وإذا الدُّرُّ زان حُسنَ وجوهٍ
(١) وانظر مزيد إيضاح: ((جلاء الأفهام)) ص (١٥٠) للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. وكما فرّق"
القرآن بين الزوجة والمرأة فرّق بين الأب والوالد، والغيث والمطر، والحركة والميد، والخوف
والخشية، والريح والرياح، والسماء والسموات، والدعاء والنداء .... الخ.
١٣٨

فقال عمر: إن صاحبكم أعطى مَقُولاً، ولم يُعْط مَعْقُولاً، قال المؤلف: وإنما لَم
يخسُن هذا من خالد لما قصد به التملّق. وإلا فقد صدر مثل هذا المعنى عن الصِّدِيق،
فحُسن لما عَضَده من التحقيق والتحرّي للحق، والبعد عن الملق والخلابة، وذلك حين
عهد إلى عُمَرَ بالخلافة، ودفع إليه عهده مختومًا، وهو لا يعرف ما فيه، فلما عرف ما
فيه رجع إليه حزينًا كهيئة الثَّكْلى: يقول: حملتني عِبْتًا ألا أضطلع به، وأوردتني موردًا لا
أدري: كيف الصَّدَر عنه، فقال له الصديق: ما آثرتك بها، ولكني آثرتها بك، وما
قصدت مَسَاءتك، ولكن رجوت إدخال السرور على المؤمنين بك، ومن ههنا أخذ
الخطيئة قوله :
ما آثروك بها إذ قَدَّموك لها لكن لأنفسهم كانت بها الإثرُ
وقدْ سَبَك هذا المعنى في النسيب عبدُ الله بن عباس الرومي، فقال:
وأحسنُ من سِربالها الْمُتَجَرِّد
وأحسنُ من عِقدِ الملیحةِ جیدُها
ومما هو دون الغلو، وفوق التقصير قول الرَّضِيّ:
حَلْيُه جِيدُه، لا ما يُقَلّدهُ وكُخْلُه ما بعينيه من الْكَحَلِ
ونحو منه ما أنشده الثعالبي:
يُتَمِّمُ من حُسْنٍ إذا الحسنُ قَصَّرا
وما الْحَليُ إلا حِيلةٌ من نَقِيصَةٍ
فحسبُك لم يحتج إلى أن يُزَوَّرا
فأما إذا كان الجمال موفرا
وسمعت القاضي أبا بكر محمد بن العربي يقول: حجّ أبو الفضل الجوهري الزاهد
ذات مرة، فلما أشرف على الكعبة، ورأى ما عليها من الديباج تمثّل، وقال:
إلا لما يُخْشَى من الْعَيْنِ
ما عُلْقَ الْحَلْيُّ على صدرها
مَنْ عَلَّقَ الشَّيْن على الزَّيْنِ
تقول والدُّرُّ على نَخرِها
وبيت الأعشى المتقدم بعده:
وشَتِيتٍ كالأُقْحُوَانِ جَلاه
وأثيثٍ جَثْل النباتِ تُرَوِّبـ
حُرَّةٌ طَفْلَةُ الأنامِلِ كالدُّفْـ
الطَّلُ فيه عُذوبَةٌ واتساقُ
ـه لَعُوبٌ غَرِيرَة مِفْتاقُ
ـيةٍ لا عَانِسٌ ولا مِهْزَاقُ
١٣٩

قال ابن إسحاق: فذُكر لي: أنْ أُمّ جميل: حمَّالة الحطب، حين سمعت ما نزل
فيها، وفي زوجها من القرآن، أتت رسولَ اللهِ وَّ، وهو جالس في المَسْجد عند
الكعبة، ومعه أبو بكر الصديق، وفي يدها فِهْر من حِجارة، فلما وقفتْ عليهما أخذَ الله
ببصَرها عن رسولِ اللهِ وَ ﴿، فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبُك،
فقد بلغني أنه يهجوني؟ والله لو وجدته لضربتُ بهذا الفهر فاه، أما والله إني لشاعرة،
ثم قالت:
وأمْرَه أبَيْنا
مُذَمَّمًا عَصَيْنا
ودينه قَلَيْنا
ثم انصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله أما تُراها رأتك؟ فقال: ((ما رأتني، لقد
أخذ الله ببصرها عني)).
قال ابن هشام: قولها: ((ودينه قلينا)) عن غير ابن إسحق.
قال ابن إسحاق: وكانت قريش إنما تسمّي رسول الله - وَ ﴿ - مُذَمَّمًا، ثم يسبُونه،
فكان رسول الله ﴿ يقول: ((ألا تعجبون لِما يصرف الله عني من أذى قريش، يسبُّون
ويهجون مذمَّمًا، وأنا محمد)) !.
الفهر :
وذكر قول أُم جميل لأبي بكر: لو وجدت صاحبك لشدخْت رأسه بهذا الفِهر.
المعروف في الفهر: التأنيثُ، وتصغيره فُهَيرة، ووقع ههنا مذكّرًا.
حول قولهم: مذمم وحدیث خباب:
وذكر قول النبي و 9: ((ألا ترون إلى ما يدفع الله عني من أذى قريش، يشتمون
ويهجونَ مَذَمَّما وأنا محمد)»(١)؟! وأدخل النَّسَوِيُّ هذا الحديثُ في كتاب الطلاق في باب:
(مَن طلّق بكلام لا يشبه الطلاق، فإنه غير لازم)) وهو فقه حسن لقول النبي - وَلو -: ((ألا
ترون إلى ما يدفع الله عني))، فجعل أذاهم مصروفًا عنه، لما سَبُّوا مُذمَّمًا، ومُذَمَّمًا لا يشبه
أن يكون اسمًا له، فكذلك إذا قال لها: كلي واشْرَبي، وأراد به الطلاقَ لم يلزمه، وكان
مصروفًا عنه؛ لأن مثل هذا الكلام لا يشبه أن يكون عبارة عن الطلاق.
(١) (صحيح)). أخرجه البخاري (٢٢٥/٤) وأحمد (٢٤٤/٢) والبيهقي (٢٥٢/٨) والحميدي (١١٣٦).
١٤٠