Indexed OCR Text
Pages 61-80
قال ابن هشام: تزاور: تميل، وهو من الزَّوَر: وقال امرؤ القيس بن حُجْر: بِسَيْرٍ ترى منه الفُرانِقَ أزْوَرا وإني زَعيمٌ إن رجعتُ مُمَلَّكًا وهذا البيت في قصيدة له. وقال أبو الزّحف الكُليبي يصف بلدًا: جَأْبُ المُنَدَّى عن هَوانا أزْورُ يُنْضِي المَطايا خِمْسُه العَشَتْزِرُ وهذان البيتان في أُرجوزة له. و﴿تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشّمالِ﴾: تجاوزهم وتتركهم عن شمالها. قل ذو الرّمة: شِمَالاً وعن أيمانهنّ الفوارسُ إلى ◌ُعُنِ يَقْرِضْن أفْوازَ مُشْرفٍ وهذا البيت في قصيدة له. والفجوة: السَّعة، وجمعها: الفِجاء قال الشاعر: حتى أُبيحوا، وخَلَّوْا فجوةَ الدارِ الْبَسْتَ قَوْمَك مَخْزَاةٌ ومَنْقَصةٌ ﴿ذلَكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ أي في الحُجة عُلى مَنْ عَرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب، مِمَّن أمَر هؤلاء بمسألتك عنهم في صِدْق نبوَّتِك بتحقيق الخبر عنهم. ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا وتخسَبُهُمْ أيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِبُهمْ ذَاتَ اليَمِينِ، وَذَاتَ الشّمالِ وكَلْبُهُمْ باسِطْ ذِرَاعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ . قال ابن هشام: الوصيد: الباب. قال العَبْسي، واسمه: عُبَيْد بنُ وَهْب: عَلَيَّ، ومَعْروفي بها غيرُ مُنْكُرٍ بأرضٍ فَلاةٍ لا يُسَدُّ وَصِیدُها منه﴾ أي: في فضاء، ومع أنهم في فضاء منه، فلا تصيبهم الشمس. قال ابن سلام: فهذه آية. قال: وكانوا يقلِّبُون في السنة مرتين(١)، ومن فوائد الآية: أنه أخرج الكلب عن التقليب، فقال: باسط ذراعيه، ومع أنه كان لا يُقلَّب لم تأكله الأرض؛ لأن التقليب كان من فعل الملائكة بهم، والملائكةُ أولياءُ المؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والكلبُ خارجٌ من هذه الآية. ألا تراه كيف قال: بالوصيد، أي: بفناءِ الغار لا داخلاً معهم؛ لأن الملائكة لا تدخل بينًا فيه كلب(٢) فهذه فوائد جمة قد اشتمل عليها هذا الكلام. قال ابن سلام: وإنما كانوا يقلبون في الرقدة الأولى قبل أن يبعثوا. = كما هر كحال مَن لبث في نومه يوم أو بعض يوم. (١) لا دليل صحيح على هذا. (٢) انظر البخاري (٢١٦/٧) ومسلم في اللباس (٨٥) والنسائي (٢١٣/٨) وأبو داود (٤١٥٥) بتحقيقي. والترمذي (٢٨٠٥) وأحمد (٣٠/٤) وابن ماجه (٣٦٥٠) والطبراني (٣٤٤/٨). ٦١ وهذا البيت في أبيات له. والوصيد أيضًا: الفِناء، وجمعه: وصائد، ووُصُد، ووُضْدان، وأُصُد، وأُضْدان. ﴿لَوِ الطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُغْبًا﴾ ... إلى قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا على أمْرِهِمْ﴾ أهل السلطان والملك منهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا سَيَقُولُونَ﴾ يعني: أحبار يهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم: ﴿ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بالغَيْبِ﴾: أي لا علم لهم ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إلَّ مِرَاءٌ ظاهرًا﴾: أي لا المتنازعون في أمرهم: فصل: وذكر قول الله سبحانه: ﴿قال الذين غَلَبُوا على أمرهم لَنَتَّخِذَنَّ عليهم مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] وقال: يعني أصحاب السلطان، فاستدلّ بعض أهل العلم على أنهم كانوا مسلمين بقوله: لنتخِذَنَّ عليهم مسجدًا(١). وذكر الطبري أن أهلَ تلك المدينة تنازعوا قبل مبعثهم في الأجساد والأرواح. كيف تكون إعادتها يوم القيامة فقال قوم: تُعاد الأجساد كما كانت بأرواحها، كما يقوله أهل الإسلام، وخالفهم آخرون، وقالوا: تُبعَث الأرواح دون الأجساد، كما يقوله النصارى، وشَرِيَ بينهم الشرَّ، واشتد الخلاف، واشتد على مَلِكهم ما نزل بقومه من ذلك، فلبس المُسُوح، وافترش الرماد، وأقبل على البكاء والتضرّع إلى الله أن يُرِيَه الفَضْل فيما اختلفوا فيه، فأحيا الله أصحاب الكهف عند ذلك، فكان من حديثهم ما عُرِف وشُهِرَ، فقال الملك لقومه: هذه آية أظهرها الله لكم لتتّفقوا، وتعلموا أن الله عزّ وجل كما أحيا هؤلاء، وأعاد أزواحهم إلى أجسادهم، فكذلك يُعيد الخلق يوم القيامة كما بدأهم، فرجع الكل إلى ما قاله الملك، وعلموا أنه الحق. عن واو الثمانية(٢): فصل: وذكر قول الله سبحانه: ﴿ويقولون سَبْعَةٌ وثامنهم كلبُهم﴾ قد أفردنا للكلام على هذه الواو التي يسمّيها بعض الناس: واو الثمانية بابًا طويلاً، والذي يليق بهذا الموضع أن تعلم: أن هذه الواو تدل على تصديق القائلين لأنها عاطفة على كلام مُضْمَر، تقديره: نعم، (١) استدل بعضهم بهذه الآية على جواز اتخاذ المساجد على القبور، وقد ورد أربعة عشر حديثًا صحيحًا في النهي عن الصلاة في المساجد المُقامَة على القبور، وانظر الأمر باستفاضة والرد على هذه الشبهة وغيرها في كتاب فضيلة الشيخ العلامة ناصر الدين الألباني - حفظه الله ونفع به - آمين. فانظره لزامًا. (٢) أي التي تأتي بعد سبعة أشياء، ثم تذكر قبل الثامن، كما في الآية. وكما جاء في سورة التوبة (١١٢) والتحريم (٥) وانظر بدائع الفوائد للعلامة القيّم ابن القيّم (١٧٤/٢) (٥٢/٣). ٦٢ تكابرهم. ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُم أحَدًا﴾ فإنهم لا علم لهم بهم. ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إني فاعلٌ ذَلِكَ غَدًا إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾: أي ولا تقولنَّ لشيء سألوك عنه كما قلت في هذا: إني مخبركم غدًا. وثامنهم كلبهم، وذلك أن قائلاً لو قال: إن زيدًا شاعرٌ، فقلت له: وفقيه، كنت قد صدقته، كأنك قلت: نعم هو كذلك، وفقيه أيضًا، وفي الحديث: سُئِلَ رسول الله وَّ ه: أيتوضاً بما أفضلت الخمر، فقال: ((وبما أفضلت السباع)). يريد: نعم، وبما أفضلت السباع. خرّجه الدار قطني(١). وفي التنزيل: ﴿وازْزُقْ أهلَه من الثمرات مَنْ آمَنَ منهم بالله واليوم الآخر قال ومَنْ كَفَر﴾ [البقرة: ١٢٦] هو من هذا الباب. فكذلك ما أخبره عنهم من قولهم: ﴿ويقولون سبعة﴾، فقال سبحانه: و﴿ثامنهم كلبهم﴾ وليس كذلك: سادسُهم كلبهم، ورابعهم كلبهم؛ لأنه في موضع النعت لما قبله، فهو داخل تحت قوله سبحانه: ﴿رَجْمًا بالْغَيْبِ﴾ ولم يقل ذلك في آخر القصة . آية الاستثناء : فصل: وذكر قول الله تعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لشيءٍ﴾ وفسّره، فقال: أي اسْتَثْنِ شِيئة الله. الشّيئة: مصدر شاء يشاء، كما أن الخيفة مصدر خاف يخاف، ولكن هذا التفسير، وإن كان صحيح المعنى، فلفظ الآية مُشْكِل جِدًّا؛ لأن قوله: ﴿لا تقولَنَّ لشيء إني فاعل ذلك غدًا﴾ [الكهف: ٢٣] نهى عن أن يقول هذا الكلام، ولم ينهه عن أن يصله بإلا أن يشاء الله، فيكون العبد المنهي عن هذا القول منهيًّا أيضًا عن أن يصله بقوله: ﴿إلا أن يشاء الله﴾. هذا مُحال: فقوله إذًا: ﴿إلا أن يشاء الله﴾ استثناءٌ من الله، راجعٌ إلى أول الكلام، وهذا أيضًا إذا تأملته نَقْضِ لعزيمة النهي، وإبطالٌ لِحُكْمِه، فإن السيد إذا قال لعبده: لا تقم إلا أن يشاء الله أن تقوم، فقد حلّ عقدة النّهي؛ لأن مشيئة الله للفعل لا تُعْلم إلا بالفعل، فللعبد إذًا أن يقوم، ويقول: قد شاء الله أن نقوم، فلا يكون للنهي معنًى على هذا، فإذا لم يكن ردّ حرف الاستثناء إلى النهي، ولا هو من الكلام الذي نهى العبد عنه، فقد تبيّن إشكاله، والجواب: أن في الكلام حذفًا وإضمارًا تقديره: ولا تقولنّ: إني فاعل ذلك غدًا إلاَّ ذاكرًا إلاَّ أن يشاء الله، أو ناطقًا بأن يشاء الله، ومعناه: إلا ذاكرًا شِيئة الله، كما قال ابن إسحق؛ لأن الشّيئة مصدر، وأن مع الفعل، في تأويل المصدر، وإعراب ذلك المصدر مفعول بالقول المضمر، والعرب تحذف القول، وتكتفي بالمقول ففي التنزيل: ﴿فأما الذين اسْوَدَّتْ وجوهُهُم أكَفَرْتم﴾ [آل عمران: ١٠٦] أي: يقال لهم: أكفرتم، فحذف القول، وبقي الكلام المقول، وكذلك (١) ((ضعيف الإسناد)). أخرجه الدارقطني (١/ ٦٢) بتحقيقي. وفيه إبراهيم بن أبي حبيبة: ضعيف. ٦٣ واسْتَثْنِ مَشِيئة الله، واذكر ربك إذا نَسِيت، وقل: عسى أن يَهْدِين ربّي لخير مما سألتموني عنه رَشَدًا، فإنك لا تدري ما أنا صانع في ذلك. ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾: أي سيقولون ذلك. ﴿قُلْ اللَّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمْوَاتِ والأرضِ قوله تعالى: ﴿يَدْخُلُون عليهم من كُلّ باب سلامٌ عليكم﴾ [الرعد: ٢٤] أي يقولون: سلام عليكم، وهو كثير، وكذلك إذًا قوله: ﴿إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ هي من كلام الناهي له سبحانه، ثم أضمر القول، وهو الذكر الذي قدمناه، وبقي المقول، وهو: أن يشاء الله، وهذا القدر يكفي في هذا المقام، وإن كان في الآية من البسط والتفتيش ما هو أكثر من هذا. ولبثوا في کھفهم: فصل: وقد فسّر قوله تعالى: ﴿ولبثوا في كَهْفِهِم﴾ فقال: معناه أي: سيقولون ذلك، وهو أحد التأويلات فيها. وعلى هذا القول قرأه ابن مسعود: وقالوا: لبثوا، بزيادة قالوا. ثم قال ابن إسحاق: قل: ربي أعلم بما لبثوا، وهو وهم من المؤلف أو غيره، وإنما التلاوة: ﴿قُلِ اللَّهُ أعلمُ بما لَبِثوا﴾ وقد قيل: إنه إخبار من الله تعالى عن مقدار لُبْثِهم، ولكن لما علم استبعاد قريش وغيرهم من الكفار لهذا المقدار، وعُلم أن فيه تنازعًا بين الناس، فمن ثَمَّ قال: ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾ وقوله: ﴿ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا﴾ أي: إنها ثلاثمائة بحساب العجم، وإن حسبت الأهلَّة، فقد زاد العدد تسعًا، لأن ثلاثمائة سنةٍ بحساب الشمس تزيد تسع سنين بحساب القمر (١) فإن قيل: فكيف قال ثلاثمائة سنين، ولم يقل: سنة، وهو قياس العدد في العربية، لأن المائة تضاف إلى لفظ الواحد، فالجواب أن سنين في الآية بدل مما قبله، ليس على حدّ الإضافة ولا التمييز، ولحكمة عظيمة عُدِل باللفظ عن الإضافة إلى البدل، وذلك أنه لو قال: ثلاثمائة سنةٍ، لكان الكلام كأنه جواب لطائفة واحدة من الناسٍ، والناسُ فيهم طائفتان: طائفة عرفوا طول لُبْثِهم، ولم يعلموا كمية السنين، فعرَّفهم أنها ثلاثمائة، وطائفةٌ لم يعرفوا طول لبثهم، ولا شيئًا من خبرهم، فلما قال: ثلاثمائة معرّفًا للأولين بالكمية التي شكّوا فيها، مبيّنًا للآخرين أن هذه الثلاثمائة سنون، وليست أيامًا ولا شهورًا، فانتظم البيان للطائفتين من ذكر العدد، وجمع المعدود، وتبيّن أنه بدل؛ إذ البدل يراد به: تبيين ما قبله: ألا ترى أن اليهود قد كانوا عرفوا أن لأصحاب الكهف نبأ عجيبًا، ولم يكن العجب إلا من طول لُبثهم غير أنهم لم يكونوا على يقين من أنها ثلاثمائة أو أقل، فأخبر أن تلك السنين ثلاثمائة، ثم لو وقف الكلام هلهنا لقالت العرب، ومَن لم يسمع بخبرهم: ما هذه الثلاثمائة؟ فقال كالمبيّن لهم: سنين، وقد رُوِيَ معنى هذا التفسير عن الضحاك، ذكره النحاس. (١) بل تزيد عن هذا كثيرًا. ٦٤ أَبْصِرْ بِهِ وأسمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشرِكُ فِي حُكْمِهِ أحَدًا﴾: أي لم يَخف عليه شيء مما سألوك عنه. السنة والعام: فصل: وقال: سنين، ولم يقل أعوامًا، والسنة والعام، وإن اتسعت العرب فيهما، واستعملَت كُلَّ واحد منهما مكان الآخر اتساعًا، ولكنَّ بينهما في حكم البلاغة والعلم بتنزيل الكلام فَرْقًا، فَخُذْه أولاً من الاشتقاق، فإن السنة من سَنا يَسْنُو إذا دار حول البئر، والدابة: هي السَّانِيَةُ، فكذلك السنة دَوْرَةٌ من دورات الشمس، وقد تسمى السنة: دارًا، ففي الخبر: إن بين آدَمَ ونوح ألفَ، دارٍ، أي: ألف سنة، هذا أصل الاسم، ومن ثَمَّ قالوا: أكلتهم السَّنَةُ، فَسَمَّوْا شدَّةَ القحط سَنَةً، قال الله سبحانه: ﴿ولقد أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] ومن ثم قيل: أسْنَتَ القومُ إذا أقحطوا، وكأن وزنه أفْعَتُوا، لا أفْعَلُوا، كذلك قال بعضهم، وجعل سيبويه التاء بدلاً من الواو، فهي عنده: أفعلوا، لأن الْجُدوبة والْخِصْب مُعتبر بالشتاءِ والصيف، وحساب الْعَجَتم إنما هو بالسنين الشمسية بها يُؤَرِّخون، وأصحاب الكهف من أُمَّةٍ عجمية، والنصارى يعرفون حديثهم، ويؤرّخون به، فجاء اللفظ في القرآن بذكر السنين الموافقة لحسابهم، وتمم الفائدة بقوله: وازدادوا تسعًا ليوافق حساب العرب، فإن حسابَهم بالشهور القمرية كالمحرم وصفر ونحوهما وانظر بعد هذا إلى قوله: ﴿تَزْرَعُون سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف: ٤٧] الآية، ولم يقل أعوامًا، نفيه شاهد لما تقدم، غير أنه قال: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك عام﴾، ولم يقل: سنة عدولاً عن اللفظ المشترك، فإن السنة قد يعُبَّر بها عن الشدة والأزمة كما تندم، فلو قال: سنة لذهب الوهم إليها؛ لأن العامَ أقل أيامًا من السنة، وإنما دلّت الرؤيا على سَبْع سنين شدادٍ، وإذا انقضى العدد، فليس بعد الشدة إلا رخاء، وليس في الرؤيا ما يدل على مدة ذلك الرخاء، ولا يمكن أن يكون أقل من عام، والزيادةُ على العام مشكوكٌ فيها، لا تقتضيها الرؤيا، فحكم بالأقل، وترك ما يقع فيه الشك من الزيادة على العام، فهاتان فائدتان في النفظ بالعام في هذا الموطن، وأما قوله: ﴿وبلغ أربعين سنةً﴾ فإنما ذكر السنين، وهي أطول من الأعوام، لأنه مُخْبرٌ عن اكْتِهَال الإنسان، وتمام قوته واستوائه، فلفظ السنين أولى بهذا الموطن؛ لأنها أكمل من الأعوام، وفائدة أخرى: أنه خبر عن السنّ، والسنّ معتبر بالسنين، لأن أصلَ السِّن في الحيوان لا يعتبر إلا بالسنة الشمسية، لأن النّتَاجَ، والحمل يكون بالربيع والصيف، حتى قِيل رِبْعيٍّ للبَكِير وصَيْفي للمؤخر، قال الراجز(١): أفْلَحَ مَنْ كان له رِبْعِيُّونْ إن بَنِيَّ صِبْيَةٌ صَيْفِيُونْ (١) هو: سعد بن مالك بن ضبيعة. وقيل: أكثم بن صيفي. ٦٥ الروض الأنف/ ج ٢/ ٢ ٥ وقال فيما سألوه عنه من أمر الرجل الطواف: ﴿ويَسْأَلُونَكَ عَنْ ذي القَرْنين قُلْ سأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إنَّا مَكْنَا لَهُ فِي الأرْضِ وآتَيْنَاهُ مِنْ كلّ شيْءٍ سَبَبًا فَأتْبَعَ سببًا﴾ [الكهف: ٨٣] حتى انتهى إلى آخر قصة خبره. فاستعمله في الآدميين، فلما قيل في الفصيل ونحوه: ابن سنة وابن سنتين، قيل ذلك في الآدميين، وإن كان أصلُه في الماشية لما قدمنا، وأما قوله: ﴿وحَمْلُهُ وفِصَالُه في عامين﴾ فلأنه قال سبحانه: ﴿يَسْألُونَك عن الأَهِلَّةِ قل هي مواقيتُ للناس والحج﴾ [البقرة: ١٨٩] فالرضاع من الأحكام الشرعية، وقد قصرنا فيها على الحساب بالأهلة، وكذلك قوله: ﴿يُحِلُونَه عَامًا ويُحَرِّمونه عامًا﴾ ولم يقل: سنةً؛ لأنه يعني شهر المحرم وربيع إلى آخر العام، ولم يكونوا يحسبون بأيلول ولا بتشرين ولا بيَنيْر، وهي الشهور الشمسية وقوله سبحانه: ﴿فأماته الله مائةً عام﴾ إخبارٌ منه لمحمد - رَلير - وأُمته وحسابهم بالأعوام والأهِلَّةِ كما وقّت لهم سبحانه، وقوله سبحانه في قصة نوح: ﴿فلبث فيهم ألْفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا﴾ [العنكبوت: ١٤٠] قيل: إنما ذكر أولاً السنين؛ لأنه كان في شدائد مدته كلها إلا خمسين عامًا منذ جاءه الفرج، وأتاه الغوث، ويجوز أن يكون الله - سبحانه - علم أن عمره كان ألفًا، إلا أن الخمسين منها، كانت أعوامًا، فيكون عمره ألف سنة، تنقص منها ما بين السنين الشمسية والقمرية في الخمسين خاصة؛ لأن خمسين عامًا بحساب الأهلّة أقل من خمسين سنة شمسية بنحو عام ونصف، فإن كان الله سبحانه قد علم هذا من عمره، فاللفظ موافق لهذا المعنى، وإلا ففي القول الأول مقنع، والله أعلم بما أراد، فتأمل هذا، فإن العلم بتنزيل الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها يفتح لك بابًا من العلم بإعجاز القرآن، وابن هذا الأصل تعرف المعنى في قوله تعالى: ﴿في يوم كان مِقْدَارُه خَمْسين ألْفَ سنة﴾ [المعارج: ٤]. وقوله تعالى: ﴿[وإن يومًا عند ربك] كألف سنة مما تعدّون﴾ [الحجر: ٤٧] وأنه كلام ورد في معرض التكثير والتفخيم، لطول ذلك اليوم والسنة أطول من العام، كما تقدم، فلفظها أليق بهذا المقام. ذكر قصة الرجل الطواف ذي القرنين: فصل: وذكر قصة الرجل الطواف، والحديث الذي جاء فيه عن رسول الله - وَالهرم - أنه كان مَلِكًا مسح الأرض بالأسباب، ولم يشرح معنى الأسباب. ولأهل التفسير فيه أقوال متقاربة، قالوا في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناه من كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] أي: علمًا يتبعه، وفي قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَع سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] أي: طريقًا موصلة، وقال ابن هشام في غير هذا الكتاب السببُ: حبل من نور، كان ملَكٌ يمشي به بين يديه، ٦٦ وكان من خبر ذي القرنين أنه أُوتِيَ ما لم يُؤْتَ أحدٌ غيره فمُذّت له الأسبابُ، حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها، لا يطأ أرضًا إلا سُلط على أهلها، حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخَلْق. قال ابن إسحاق: حدّثني مَن يسوق الأحاديث عن الأعاجم، فيما توارثوا من علمه: أن ذا القرنين كان رجلاً من أهل مصر، اسمه: مَرْزُبان بن مَرْذَبة اليوناني، من ولد یونان بن یافث بن نوح. قال ابن هشام: واسمه: الإسكندر، وهو الذي بنى الإسكندرية، فنسبت إليه. قال ابن إسحاق: وقد حدّثني ثَوْر بن يزيد عن خالد بن مَعْدان الكلاعيِّ وكان رجلاً قد أدرك أن رسول الله - 14 - سُئِل عن ذي القرنين، فقال: مَلِك مَسحَ الأرض من تحتها بالأسباب. فيتبعه(١)، وقد قيل في اسم ذلك المَلك: زياقيل، وهذا يقرب من قول من قال: سببًا أي: طريقًا، ويقرب أن يكون تفسيرًا لقول النبي بَّلقول: ((مسح الأرض بالأسباب))، واختلف في تسميته بذي القرنين، كما اختلف في اسمه، واسم أبيه، فأصح ما جاء في ذلك ما رُوِيَ عن أبي الطُفَيْلِ عامر بن واثلة قال: سأل ابن الْكَوَّاء علي بن أبي طالب، فقال: أرأيت ذا القرنين، أنبيًّا كان أم ملكًا؟ لا نبيًّا كان، ولا ملكًا، ولكن كان عبدًا صالحًا دعا قومه إلى عبادة الله، فضربوه على قَرْنَيْ رأسِه ضربتين، وفيكم مثلُه. يعني: نفسه، وقيل: كانت له ضغيرتان من شعر، والعربُ تسمّي الْخُضْلَة من الشعر: قرنًا، وقيل: إنه رأى في المنام رؤيا طويلة أنه أخذ بِقَرْنَي الشمس، فكان التأويل أنه المشرق والمغرب، وذكر هذا الخبر علي بن أبي طالب الْقِيرَواني العابد في كتاب البستان له، قال: وبهذا سُمِّي ذا القرنين(٢)، وأما اسمه، فقال ابن هشام في هذا الكتاب: اسمه مَرْزَبَى بن مَرْذَبَة بذال مفتوحة في اسم أبيه، وزاي في اسمه، وقيل فيه: هرمس، وقيل: هرديس. وقال ابن هشام في غير هذا الكتاب(٣) اسمه الصَّغْب بن ذي مَرَائِد، وهو أول التَّبَابعة، وهو الذي حكم لإبراهيم عليه السلام في بئر السبع حين حاكم إليه فيها، وقيل: إنه أفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك (٤)، ويُروَى في (١) وقيل: منازل الأرض وأعلامها، وقيل العلم. وهو أقرب. (٢) وقيل لأنه بلغ مطلع الشمس ومغربها، والشمس في شروقها وغروبها إنما تشرق وتغرب بين قرني شيطان كما صحّ الحديث عن رسول الله وَّه9، وقد نُهِيَ المسلم عن الصلاة في هذين الوقتين، فلما بلغ ذو القرنين مطلع الشمس ومغربها سُمّي بذي القرنين. (٣) في كتاب ((التيجان)). (٤) انظر تاريخ الطبري (٢٢٠/١٣٠/١) ط. دار الكتب العلمية. ٦٧ وقال خالد: سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً يقول: يا ذا القرنين، فقال عمر: اللَّهمَّ غَفْرًا، أما رَضِيتم أن تَسمَّوْا بالأنبياء حتى تَسمَّيتم بالملائكة؟ !. خطبة قيس بن ساعدة التي خطبها بسوق عكاظ، أنه قال فيها: يا معشر إباد! أين الصعب ذو القرنين، مَلَك الخافِقَيْنِ، وأذلَّ الثقلين، وعَمَّر ألفين، ثم كان ذلك كلحظة عين، وأنشد ابن هشام للأعشى: بالْحِثْوِ في جَدَثٍ أُمَيْم مُقيم والصعبُ ذو القرنين أضْبَحِ ثَاوِیًا وقوله بالْحِنْوِ يريد: حِنْو قُرَاقِرِ الذي مات فيه ذو القرنين بالعراق، وقول ابن هشام في السيرة: إنه من أهلٍ مِصْرَ، وإنه الإسكندر الذي بنى الإسكندرية، فعرفت به: قولٌ بعيد مما تقدم، ويحتمل أن يكون الإسكندر سُمِّي ذا القرنين أيضًا تشبيهًا له بالأول، لأنه ملك ما بين المشرق والمغرب فيما ذكروا أيضًا، وأذَلَّ ملوكَ فارس، وقتل دارا بن دارا، وأذلّ ملوكَ الروم وغيرهم، وقال الطبري في الإسكندر: وهو إسكندروس بن قليقوس، ويقال فيه: ابن قليس، وكانت أُمه زِنْجيَّة، وكانت أُهْدِيت لدارا الأكبر أو سباها، فوجد منها نَكْهَةً استثقلها، فعولجت ببقلة، يقال لها: أندروس، فحملت منه بدارا الأصغر، فلما وضعته ردّها، فتزوّجها والد الإسكندر، فحملت منه بالإسكندروس، فاسمه عندهم مُشْتَقٌّ من تلك الْبَقْلة التي طهّرت أُمه بها فيما ذكروا، وذُكِر عن الزبير: أنه قال: ذو القرنين هو: عبد الله بن الضحاك بن مَعَدِّ [وقال ابن حبيب في] الْمُحبَّر في ذكر ملوك الحيرة، قال: الصَّغْبُ بن قرين [بن الهمال]: هو ذُو القرنين، ويحتمل أن يكونوا ملوكًا في أوقاتٍ شَتَّى، يسمى كلُّ واحد منهم: ذا القرنين والله أعلم. والأول كان على عهد إبراهيم عليه السلام، وهو صاحب الخضر حين طلب عينَ الحياة(١) فوجدها الخِضرُ، ولم يجدها ذُو القرنين، حالت بينه وبينها الظلماتُ التي وقع فيها هو وإجنادُه في خبر طويل مذكور في بعض التفاسير مشهور عند الأخباريين. حكم التسمّي بأسماء النبيين: وأما قول عمر لرجل سمعه يقول: يا ذا القرنين: لم يكفِكُم أن تَتَسَمَّوْا بالأنبياءِ حتى تسمّيتم بالملائكة، إن كان عمر قاله بتَوْقيف من الرسول عليه السلام، فهو مَلَك، لا يقول رسول الله - ﴿ - إلا الحق، وإن كان قاله بتأويل تأوّله [فقد] خالفه عليٍّ في الخبر المتقدم، والله أعلم أيُّ الخَبَرَيْنِ أُصَحّ نقلاً، غير أن الرواية المتقدمةَ عن عليّ يقوّيها ما نقله أهلُ الأخبار عن ذي القرنين، والله أعلم. وكان من مذهب عُمَرَ رحمه الله كراهيةَ التّسَمِّي بأسماءِ (١) قصة عثور الخضر على ما يسمى بعين الحياة تحتاج إلى دليل (صحيح)) يقويها. ٦٨ قال ابن إسحاق: والله أعلم أيّ ذلك كان، أقال ذلك رسولُ الله - وَلَهــ، أم لا؟ فإن كان قاله، فالحق ما قال. الأنبياء، فقد أنكر على المغيرة تَكْنِيَتَهُ بأبي عيسى، وأنكر على صُهَيْبٍ تَكْنِيَتَه بأبي يَخيى، فأخبر كلُّ واحدٍ منهما أن رسولَ الله - وَلِ﴾ - كَنَّاه بذلك، فسكت، وكأن عمر إنما كره من ذَلك الإكثارَ، وأنْ يظن أن للمسلمين شَرَفًا في الاسم إذا سُمِّ باسم نبي، أو أنه ينفعه ذلك في الآخرة، فكأنه استشعر من رعيته هذا الغرضَ أو نحوه، هو أعلم بما كره من ذلك. وإلا فقد سَمَّى بمحمد طائفةٌ من الصحابة منهم: أبو بكر وعليٍّ وطلحةُ وأبو حذيفة وأبو جَهْم بن حذيفة، وخاطبٌ وخطّاب ابنا الحارث، كلّ هؤلاء المحمدين كانوا يُكْنَوْن بأبي القاسم إلا محمد بن خطاب، وسَمَّى أبو موسى ابنًا له بموسى، فكان يُكْنَى به، وأُسَيْدُ بن حُضَيْرِ سمّى ابنَه بَيَخيى، وعلم به النبيُّ عليه السلام فلم يُنكر عليه، وكان لطلحَةَ عَشَرَةٌ من الولد، كُلُّهم يُسَمَّى باسم نَبيِّ، منهم: موسى بن طلحة عيسى، وإسحاق ويعقوب وإبراهيم، ومحمد، وكان للزبير عشرةٌ، كلَّهُم يسمى باسم شهيد، فقال له طلحة: أنا أُسمّيهم بأسماء الأنبياء، وأنت تسمّيهم بأسماء الشهداء، فقال له الزبير: فإني أطمع أن يكون بنيَّ شهداء، ولا تطمع أنت أن يكون بنوك أنبياء، ذكره ابن أبي خَيْثَمَةَ، وسمّى رسول الله - وَّ ـ ابنه إبراهيم، والآثارُ في هذا المعنى كثيرةٌ، وفي السنن لأبي داود أن رسول الله - وَّه- قال: سَمُّوا بأسماء الأنبياء(١)، وهذا محمول على الإباحة، لا على الوجوب، وأما التَّسَمِّي بمحمد، ففي مُسْنَد الحارث عن رسول الله - وَ * - قال: ((ما كان له ثلاثة من الولد، ولم يُسَمِّ أحدَهم بمحمد، فقد جَهِلَ))(١)، وفي الْمُعَيْطِي عن مالكِ أنه سُئل عَمَّن اسمُه محمد، ويكنّى أبا القاسم، فلم يَرَ به بأسًا، فقيل له: أكَنَّيْتَ ابنك أبا القاسم، واسمه محمد؟ فقال: ما كَثَيْتُه بها ولكن أهله يُكَنُونه بها، ولم أسمع في ذلك نَهْيًا، ولا أرى بذلك بأسّا، وهذا يدلّ على أنَّ مالكًا لم يبلغه، أو لم يصحّ عنده حديث النّهي عن ذلك، وقد رواه أهلُ الصحيح - فالله أعلم - ولعله بلغه حديثُ عائشة أنه عليه السلام - قال: ((ما الذي أحَلَّ اسمي وحَرَّم كُنْيَتِي))(٣)؟ وهذا هو الناسخ لحديث النهي، والله أعلم، وكان ابن سيرين يكره لكل أحد أن يَتَكَنَّ بأبي القاسم، كان اسمُه محمدًا، أو لم يكن. وطائفة إنما يكرهونه لمَن اسمُه محمد، وفي الْمُعَيْطِي أيضًا (١) أخرجه أبو داود (٤٩٥٠) بتحقيقي. والنسائي (٢١٨/٦) وأحمد (٣٤٥/٤) والبيهقي في الآداب (٥٠٥) بتحقيقي - ط. دار الكتب العلمية. (٢) (ضعيف). يبدو هذا بينًا لمَن تذوّق حديث رسول الله وَله. (٣) أخرجه أبو داود (٤٩٦٨) بتحقيقي. والبيهقي (٣١٠/٩) والطبراني في الصغير (١٤/١) والبيهقي في الآداب (٥١٧) بتحقيقي. وابن عساكر (٢٧٧/١). ٦٩ أسباب نزول بعض الآيات وعن الروح وقال تعالى فيما سألوه عنه من أمر الروح: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الروحِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أمْرِ رَبّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلاّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]. أنه سُئِل عن التسميةِ بِمَهْدِي فكرهه، وقال: وما علمه بأنه مَهْدِيٍّ، وأباح التسمية بالهادي، وقال: لأن الهادي هو الذي يهدي إلى الطريق، وقد قدّمنا كراهية مالك التسمِّي بجبريل. وقد ذكر ابن إسحق كراهيةً عُمَرَ للتسمِّي بأسماء الملائكة، وكره مالك التَّسَمِي بياسين(١). الروح والنفس فصل: وذكر سؤالهم عن الروح، وما أنزل الله فيه من قوله تعالى: ﴿ويَسْأَلُونك عن الرُّوح﴾ الآية ورُوِيَ عن ابن إسحق من غير طريق الْبَكَّائِيّ أنه قال في هذا الخبر: فناداهم رسولُ الله - رَ﴾: ((هو جبريلُ))، وهذه الرواية عن ابن إسحق تدلّ على خلاف ما روى غيرُه أن يهودَ قالت لقريش: اسْأَلُوه عن الروح، فإن أخبركم به فليس بنبي، وإن لم يخبركم فهو نبي، وقال ابن إسحق فيما تقدم من الحديث: اسَأَلُوه عن الرجل الطَّوَّافِ، وعن الفِتْية، وعن الروح، فإن أخبركم وإلاَّ فالرجلُ مُتَقَوّلٌ فسؤَّى في الخبر بين الروح وغيره، واختلف أهل التأويل في الروح المسؤول عنه، فقال بعضهم: هو جبريل؛ لأنه الروح الأمين، وروح القدس، وعلى هذا رواية ابن إسحق أن رسول الله - 18 - قال لقريش حين سألوه: ((هو جبريل))، وقالت طائفة: الروح خَلْقٌ من الملائكة على صُوَرٍ بني آدم، وقالت طائفة: الروحُ خَلْقٌ يرون الملائكة، ولا تراهم، فهم للملائكة كالملائكة لبني آدم، ورُوِيَ عن علي أنه قال: الرُّوحُ مَلَكٌ له مائة ألف رأسٍ، لكل رأسٍ مائةُ ألفِ وجه، في كل وجه مائةُ ألفِ فم، في كل فم مائةُ ألفِ لسان، يُسَبِّحَ الله بلغات مختلفة(٢)، وقالت طائفة: الروح الذي سألتَ عنه يهودَ هو: روح الإنسان، ثم اختلف أصحاب هذا القول، فمنهم مَن قال: لم يجبهم رسولُ الله - وَل﴿ ـ عن سؤالهم، لأنهم سألوه تَعَنْتًا واستهزاءً، فقال الله له: قُل: الروحُ من (١) ياسين: ليس اسمًا من أسمائه وَّر، وكذا طله، إنما حروف مقطعة كبقية الحروف المقطعة التي بدأت بها بعض سور القرآن، وكذا اسم ((مصطفى)) ليس من أسمائه إنما هو وصف له وَل# أن (مصطفى)) من الخلق بالنبوة والرسالة - صلى الله عليه وآله وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا. (٢) لا يصح مثل هذا عن علي رضي الله عنه، وهذا يجب هنا التنبيه على مثل هذه الأقوال التي تشبه مثل خير الباب من أن مَن قال كذا فله مائة ألف كذا لكل كذا مائة ألف كذا، كمَن توضأ ولم يمسح وضوءه فكل قطرة تسقط منه يخلق الله منها كذا ألف ملك لكل ملك ألف ألف رأس لكل رأس ألف ألف لسان ... الخ. فمثل هذا الكلام إن لم يعتضده دليل ((صحيح)) فارم به. ٧٠ قال ابن إسحاق: وحُدّثت عن ابن عبّاس، أنه قال: لمّا قَدِمَ رسولُ الله - اٍَّ - المدينةَ، فالت أحبارُ يَهُود: يا محمد، أرأيتَ قولَك: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قليلاً﴾ أمر ربي، ولم يأمره أن يُبَيِّنه لهم، وقالت طائفة: بل قد أخبرهم الله به، وأجابهم عمّا سألوا؛ لأنه قال لنَبيِّه: قُلِ الرُّوحُ من أمر ربي، وأمْرُ الرَّبِّ هو الشرع، والكتابُ الذي جاء به، فمَن دخلَ في الشرع وتفقه في الكتَابِ والسُّنَّةِ عَرَفَ الرُّوحَ، فكأن معنى الكلام: ادخلوا في الدين تعرفوا ما سألتم، فإنه من أمر ربي، أي: من الأمر الذي جئت به مُبَلِّغًا عن ربي، وذلك أن الروح لا سبيل إلى معرفته من جهة الطبيعة، ولا من جهة الفلسفة، ولا من جهة الرأي والقياس، وإنما يُعرف من جهة الشرع، فإذا نظرت إلى ما في الكتاب والسُّنّة من ذكره نحو قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ سَوَّاه ونَفَخَ فيه من رُوحه﴾ [السجدة: ٩] أي من روح الحياة، والحياةُ من صفاتِ الله سبحانه، والنفخُ في الحقيقة مضافٌ إلى مَلَكِ ينفخ فيه بأمر رَبِّه، وتنظر إلى ما أخبر به الرسول عليه السلام أن الأَزْواحَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، وأنها تتعارف(١) وَتَتَشَامٌ في الهواء. وأنها تُقْبَضُ من الأجساد بعد الموت، وأنها تُسْأَل في القبر، فتفهم السؤال وتسمع وترى، وتُنَغَّم وَتُعَذَّب وَتلتذ وَتَأْلم، وَهذه كلُّها من صفات الأجسام، فتعرف أنها أجسام بهذه الدلائل، لكنها ليست كالأجساد في كثافتها وثقلها وإظلامها، إذ الأجساد. خُلقت من ماءٍ وطين وحمٍ مَسْئُون، فهو أصلُها، والأرواحُ خُلِقت مما قال الله تعالى، وهو النفخ المتقدم المضاف إلى الملك. والملائكة خلقت من نور كما جاء في الصحيح(٢)، وإن كان قد أضاف النفخَ إلى نفسه، فكذلك أضاف قَبْضَ الأرواح إلى نفسه فقال: ﴿الله يَتَوَفَّى الأنفُسَ حين مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وأضاف ذلك إلى الملك أيضًا فقال: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الموتِ﴾ [السجدة: ١١] والفِعل مضاف إلى الملك مجازًا، وإلى الرب حقيقةً، فهو أيضًا جسْمٌ، ولكنه من جِئْس الريح، ولذلك سُمِّي رُوحًا من لفظ الريح، ونفخُ الملك في معنى الريح غير أنه ضُمّ أوله؛ لأنه نُورانِي، والريح هواء متحرك، وإذا كان الشرعُ قد عرَّفنا من معاني الروح وصفاته بهذا القدر، فقد عُرِف من جهة أمره كما قال سبحانه: ﴿قُل الروحُ من أمر ربي﴾ وقوله: من أمر رَبِّي أيضًا، ولم يقل من أمر الله، ولا من أمر رَبُّكم يدل على خصوص، وعلى ما قدّمناه من أنه لا يعلمه إلا من أخذ معناه من قول الله سبحانه، وقولٍ رسوله بعد الإيمان بالله ورسوله واليقين الصادق والفقه في الدين، فإن كان لم يخبر اليهود حين سألوه عنه، فقد أحالهم على موضع العلم به. (١) انظر البخاري (١٦٢/٤) ومسلم في البر والصلة (١٦٠/١٥٩) وأبو داود (٤٨٣٤) بتحقيقي. وغيرهم. (٢) انظر صحيح مسلم في الزهد (٦٠) وأحمد (١٥٣/٦) والبيهقي في الصفات (٣٨٦/٣٤٣) بتحقيقي. ٧١ إيّانا تريد، أم قومك؟ قال: ((كُلاًّ)، قالوا: فإنك تتلو فيما جاءك: ﴿أَنَّا قَدْ أُوتينا التَّوْرَاة فيها بَيان كُلّ شَيْءٍ﴾. فقال رسول الله - وَله -: ((إنها فتي عِلْم الله قليل، الفرق بين الروح والنفس : فصل: ومما يتصل بمعنى الروح وحقيقته أن تعرف: هل هي النفسُ أو غيرها، وقد كثرت في ذلك الأقوالُ، واضطربت المذاهبُ، فتعلق قومٌ بظواهر من الأحاديث لا توجب القطع، لأنها نقل آحادٍ (١)، وأيضًا فإن ألفاظها محتملة للتأويل، ومجازات العرف واتساعاتها في الكلام كثيرة، فمما تعلقوا به في أن الروح هي النفس قولُ بلال: ((أخذَ بنفسي الذي أخذَ بنفسك))(٢) مع قول النبي عليه السلام: ((إن الله قبض أرواحنا))، وقوله - عزّ وجل -: ﴿الله يتوفّى الأنْفُس﴾ والمقبوضة هي الأرواح، ولم يفرقوا بين القبض والتوفّي، ولا بين الأخذٍ في قول بلالٍ: ((أخَذَ بِنَفْسِي الذي أخَذَ بِنفسِك)) وبين قول النبي عليه السلام: ((قبض أرواحنا))، وتنقيح الأقوال وترجيحها يطول. وقد روى أبو عُمَرَ(٣) في التمهيد حديثًا يدل على خلافِ مَذهبهٍ في أن النفس هي الروحُ، لكن علّله فيه أن الله خلق آدم، وجعل فيه نفسًا وروحًا، فمن الروح: عفافه، وفهمه وحلمهُ وسخاؤه، ووفاؤه، ومن النفس: شهوته وطيشه وسفَهُه وغضبه، ونحو هذا، وهذا الحديث معناه صحيح إذا تُؤُمِّل صحَّ نقله أو لم يصح، وسبيلك أن تنظر في كتاب الله أولاً، لا إلى الأحاديث التي تُنقل مرة على اللفظ، ومرة على المعنى، وتختلف فيها ألفاظ المحدّثين، فنقول قال الله تعالى: ﴿فإذا سَوَّيْتُه ونفختُ فيه من رُوحِي﴾(٤) ولم يقل: من نفسي وكذلك قال: ﴿ثم سَوَّاه ونَفخَ فيهِ من رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] ولم يقل من نفسه، ولا يجوز أيضًا أن يقال هذا، ولا خفاء فيما بينهما من الفرق في الكلام، وذلك يدل على أن بينهما فرقًا في المعنى، وبعكس هذا قوله سبحانه: ﴿تَعْلَم مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسكَ﴾ ولم يقل: تعلم ما في روحي، ولا أعلم ما في روحك، ولا يحسن هذا القول أيضًا أن يقوله غير عيسى(٥)، ولو كانت النفس والروح اسمين لمعنى واحد، كالليث والأسد لصحّ وقوع كل واحد منهما مكان صاحبه، وكذلك قوله تعالى: ﴿يقولُون في أنْفُسِهِمْ﴾ ولا يحسن في الكلام: يقولون في أرواحهم، وقال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ ولم يقل: أن تقول روحٌ، (١) من أحاديث الآحاد الكثير والكثير ((صحيح)). وانظر حديث ((إنما الأعمال بالنيّات)) وقد خصّ البخاري خبر الآحاد بكتاب خاص ضمّنه صحيحه فانظره. (٢) ((صحيح)) أخرجه البخاري ومسلم. (٤) سورة الحجر آية رقم (٢٩). (٥) مَن دونه في النبوة والرسالة. (٣) ابن عبد البر. ٧٢ وعندكم في ذلك ما يَكفيكم لو أُقْمتُمُوه)). قال: فأنزل الله تعالى عليه فيما سألوه عنه ولا يقوله أعرابي، فأين إذًا كون النفس والروح بمعنى واحد لولا الغفلة عن تدبّر كلام الله تعالى؟! ولكن بقيت دقيقة يُعرف منها السرّ والحقيقة، ولا يكون بين القولين اختلاف متباين إن شاء الله، فنقول وبالله التوفيق: الروح مشتق من الريح، وهو جسم هوائي لطيف، به تكون حياة الجسد عادة، أجراها الله تعالى؛ لأن العقل يوجب ألاّ يكون للجسم حياة، حتى ينفخ فيه ذلك الروح الذي هو في تجاويف الجسد، كما قال ابن فورك وأبو المعالي وأبو بكر المرادي، وسبقهم إلى نحو منه أبو الحسن الأشعري، ومعنى كلامهم واحد أو منقارب. الروح سبب، الحياة : فصل: فإذا ثبت أن الروح سبب الحياة عادة، أجراها الله تعالى، فهو كالماء الجاري في عروق الشجرة صُعُدًا، حتى تحيا به عادة، فنسمّيه ماء باعتبار أوَّلِيَّتِه، ونسمّي أيضًا هذا روحًا باعتبار أوّليته، واعتبار النفخة التي هي ريح، فما دام الجنين في بطن أمه حيًّا، فهو ذو روح، فإذا نشأ واكتسب ذلك الروحُ أخلاقًا وأوصافًا لم تكن فيه، وأقبل على مصالح الجسم كلفًا به، وعشق مصالح الجسد ولذَّاته، ودفع المضارّ عنه سمّي: نفسًا، كما يكتسب الماء الصاعد في الشجرة من الشجرة أوصافًا لم تكن فيه، فالماء في العنبة مثلاً هو: ماء باعتبار الأصل والبَذأة، ففيه من الماء الميوعة والرطوبة، وفيهِ منَ العنبة الحلاوة، وأوصاف أُخَر، فتسمّيه مُصْطَارًا إن شئتَ، أو خمرًا إن شئتَ، أو غير ذلك مما أوجبه الاكتساب هذه الأوصاف، فمَن قال: إن النفس هي الروحُ على الإطلاق من غير تقييد، فلم يُخسِن العبارة، وإنما فيها من الروح الأوصاف التي تقتضيها نفخة الملك، وَالمَلَكُ موصوف بكلّ خلقٍ كريم؛ وَلذلك قال في الحديث: فمن الروح عفافه وَحلمه وَوَفاؤه وَفهمه، ومن النفس شهوته وَغضبه وَطيشه، وَذلك أن الروح كما قدّمنا مازج الجسد الذي فيه الدم، ويسمى الدم: نفسًا، وَهو مجرى الشيطان، وَقد حكمت الشريعة بنجاسة الدم لسرِّ لعله أن يُفهَم مما نحن بسبيله، فمنْ يعرف جوهَر الكلام، وَيُنزل الألفاظَ منازلها، لا يُسمى رُوحّا إلا ما وَقع به الفَرق بين الجماد والحيّ، وَالذي كان سببًا للحياة، كما في الكتاب العزيز عند ذكر إحياء النطفة، ونفخ الروح فيها، ولا يُقال: نفخ النفس فيها إلا عند الاتساع في الكلام، وتسمية الشي بما يؤول إليه، ومن ههنا سُمِّي جبريل عليه السلام: روحًا، والوحي: روحًا، لأن به تكون حياة القلوب، قال الله سبحانه: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَثَلُهُ فِي الْظِلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجِ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] وقال في الكفار: ﴿أَمْوَات غيْرُ أَحْيَاء﴾ [النحل: ٢١] وقال في ٧٢ من ذلك: ﴿وَلَوْ أنَّ ما فِي الأرْنِ مِنْ شَجَرَة أقْلامٌ وَالبَحْرُ يمُدُّه من بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ الله إنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] أي: إن التوراة في هذا من علم الله قليل. النفس ما تقدم، وقال: ﴿إِن النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] ولم يقل إن الرُّوحَ لأَمَّارة؛ لأن الروح الذي هو سبب الحياة لا يأمر بسوء، ولا يسمَّى أيضًا نفسًا، كما قدّمنا حتى يكتسب من الجسد الأوصاف المذكورة، وما كان نحوها، والماء النازل من السماء جنس واحد، فإذا مازج أجساد الشجر كالتفاح والْفِرْسِك(١) والحَنْظَلِ والْعُشْرِ، وغير ذلك اختلفت أنواعه، كذلك الروح الباطنة التي هي من عند الله، هي جنس واحد، وقد أضافها إلى نفسه تشريفًا لها حين قال: ونَفَخَ فيه من روحه، ثم يخالط الأجساد التي خُلقت من طين، وقد كان في ذلك الطين طيب وخبيث، فينزع كلُّ فرع إلى أصله، وينزع ذلك الأصل إلى ما سبق في أُم الكتاب، وإلى ما دبّره وأحكمه الحكيمُ الخبير، فعند ذلك تتنافر النفوس، أو تتقارب، وتتحابُّ أو تتباغض على حسب التشاكل في أصل الخلقة، وهي معنى قول النبي - وجل -: ((فما تَعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)). وقد كتب بعض الحكماء إلى صديق له: ((إن نفسي غير مشكورة على الانقياد إليك بغير زمام؛ فإنها صادفت عندك بعض جواهرها، والشيء يتبع بعضُه بعضًا)). الإنسان روح وجسد: فصل: وقد يُعبَّر بالنفس عن جملة الإنسان روحه وجسده، فتقول: عندي ثلاثة أنفس، ولا تقول: عندي ثلاثة أرواح، لا يعبّر بالروح إلا عن المعنى المتَقَدِّم ذكره، وإنما اتّسع في النفس، وعبّر بها عن الجملة لغلبة أوصاف الجسد على الروح، حتى صار يسمى نفسًا، وطرأ هذا الاسم بسبب الجسد، كما يطرأ على الماء في الشجر أسماءٌ على حسب اختلاف أنواع الشجر من حلو وحامض ومُرِّ وحِرِيفٍ، وغير ذلك فتحصَّل من مضمون ما ذكرنا ألا يقال في النفس: هي الروح على الإطلاق، حتى تُقيد بما تقدم، ولا يقال في الروح: هو النفس إلا كما يقال في الْمَنِيِّ هو الإنسان، أو كما يقال للماء المغذّي لِلْكَرْمَة هو: الخمر، أو الخل، على معنى أنه ستنضاف إليه أوصاف يسمى بها خمرًا أو خلاً، فتقييد الألفاظ هو: معنى الكلام، وتنزيل كل لفظ في موضعه، هو معنى البلاغة فافهمه. (١) الفرسك: الخوج. ٧٤ عن تسيير الجبال وبعث الموتى: قال: وأنزل الله تعالى عليه فيما سأله قومُه لأنفسهم من تَسْيير الجبال، وَتَقْطِيع الأرض، وَبَعْث مَنْ مَضَى من آبائهم من الموتى: ﴿وَلَو أنَّ قُرآنًا سُيِّرَتْ به الجبال أو قُطّعَت به الأرض أو كُلُّمَ به الموتى بل لله الأمْرُ جَمِيعًا﴾ أي: لا أصنع من ذلك إلا ما شئت . وأنزل عليه في قولهم: خُذْ لنفسك، ما سألوه أن يأخذَ لنفسه، أن يجعل له جِنانًا وقُصورًا وكُنوزًا، ويبعَث معه ملكًا يصدّقه بما يقول، ويردّ عنه: ﴿وقالُوا ما لِهَذا الرَّسُول يَأْكُلُ الطَّعامَ ويمشي في الأسْوَاقِ لَوْلا أنزل إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أوْ يُلْقَى إلَيْهِ كَنزٌ أوْ تَكُونَ لَهُ جَثَّةٌ يأْكُلُ مِنْها وقال الظَّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلاً مَسْحُورًا انْظُر كَيْفَ ضَرَبُوا لك الأمثالَ فَضَلُوا فَلا يَستَطيعون سَبِيلاً تباركَ الذي إنْ شاءَ جعَل لك خَيرًا مِنْ ذلك﴾: أي من أن تمشي في الأسواق وتلتمس المَعاش ﴿جناتٍ تَجْري مِنْ تحتها الأنهارُ ويجعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ٧ - ١٠]. وأنزل عليه في ذلك من قولهم: ﴿ومَا أرسلنا قبلك مِن المرسِلِين إلا إنهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وبمْشُون في الأسْوَاق وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبُرُونَ وكان ربُّكَ بَصيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] أي جعلت بعضكم لبعض بلاء، لتصبروا، ولو شئتُ أن أجعل الدنيا مع رُسلي فلا يُخالَفوا لفعلت. النفس : فصل: وإذا ثبت هذا فلم يبق إلا قولُ بلال: أخَذَ بنَفْسِي الذي أخَذَ بنفسك، فذكر النفس؛ لأنه معتذر من ترك عمل أمر به، والأعمال مضافة إلى النفس؛ لأن الأعمال جَسَدَانِيَّة، وقول النبي - وَلَّ -: ((إن الله قبض أرواحنا، فذكر الروح الذي هو الأصل، لأنه أُنسُهُم من فزعهم، فأعلَمهم أن خالق الأرواح يقبضها إذا شاء، فلا تنبسط انبساطها في اليقظة وروح النائم وإن وُصِف بالقبض، فلا يدل لفظ القَبْضِ على انتزاعه بالكلية(١). كما لا يدل قوله سبحانه في الظل: ﴿ثمَّ قَبَضْنَاه إلينا قَبْضًا يسيرًا﴾ [الفرقان: ٤٦] على إعدام الظل بالكلية، وقوله تعالى: ﴿الله يَتَوَفَّى الأنفسَ﴾ فلم يقل: الأرواح، لأنه وعظ العباد الغافلين عنه، فأخبر أنه يتوفّى أنفسهم، ثم يعيدها حتى يتوفّاها، فلا يُعيدها إلى الحشر لتَزْدَجِرَ النفوسُ بهذه العظة عن سوء أعمالها؛ إذ الآية مكيّة، والخطاب للكفار، وقد تنزلت الألفاظ منازلها في الحديث والقرآن، وذلك معنى الفصاحة وسرّ البلاغة. (١) وانظر تفسير الرازي ((مفاتيح الغيب)) في تفسير آية الباب. ٧٥ وأنزل الله عليه فيما قال عبد الله بن أبي أمية: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا أوْ تَكُونَ لك جَنة منْ نَخيلِ وَعِنَبِ فَتُفَجِّرَ الأنهارَ خِلاَلَها تَفْجِيرًا أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بَالله وَالْمَلائِكة قَبِيلاً أوْ يكُونَ لك بَيْتْ منْ زُخْرُف أوْ تَرْقى في السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمن لِرُقِيِّكَ حتى تُنزِّل عَلَيْنا كتابًا نَقْرُؤُهُ قُلْ سُبْحان ربي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٥]. قال ابن هشام: الينبوع: ما نبع من الماء من الأرض وغيرها. وجمعه ينابيع. قال ابن هَزْمَة. واسمه: إبراهيم بن عبد الله الفِهْريّ. وإذا هَرَقْتَ بكلّ دارٍ عَبْرةٌ نُزِفَ الشُّؤونُ. ودَمْعُك الينبوعُ وهذا البيت في قصيدة له. والكِسَف القِطَع من العذاب. وواحدته: كِسْفَةٌ. مثل سِذْرة وسدر. وهي أيضًا: واحدة الكِسَف. والقَبيل: يكون مقابلة ومعاينة. وهو كقوله تعالى: ﴿أُوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ قُبُّلاً﴾: أي عيانًا. وأنشدني أبو عُبيدة لأعشى بني قَيْس بني ثعلبة : أُصالحکم، حتی اتبوؤوا پمثلها كصَرْخة حُبْلَى يَسَّرتها قَبِيلُها ابن هرمة : فصل: واستشهد ابن هشام بقول ابن هَزْمة ونسبه فقال: فهْري: وإنما هو خُلْجِيٍّ، والْخُلْج اسمه: قيس بن الحارث بن فهر، واختلف في تسمية بني قيس بن الحارث الْخُلج، فقيل: لأنهم اختلجوا من قريش وسكان مكة، وقيل: لأنهم نزلوا بموضع فيه خُلْج من ماء، ونسبوا إليه، وابن هَزمة واسمه: إبراهيم بن علي بن هَزمة، وهو شاعر من شعراء الدولة العباسية، وبيته: وإذا هَرَقْتَ بكلٌ دار عَبْرَةً نُزِفَ الشُّؤُونُ ودمعُك الينبوعُ والشؤونُ: مجاري الدمع، وهي أطباق الرأس، وهي أربعة للرجل، وثلاثة للمرأة، كذلك ذكروا عن أهل التشريح، وكذلك ذكر قاسم بن ثابت في الدلائل، فالله أعلم. من شرح الآيات: وكل ما شرح ابن هشام من الآيات التي تلاها ابن إسحق، فقد تقدّم ما يحتاج بيانه منه، وفي قوله سبحانه: ﴿بَيْتٌ من زُخْرُفٍ﴾ دليل على أن البيت يراد به: القصر والمنزل، وإن كان عظيمًا، فإنه يسمى بيتًا كما قدّمنا في شرح بيت القصب في حديث خديجة. ٧٦ يعني: القابلة؛ لأنها تُقابلها، وتَقبل ولدها. وهذا البيت في قصيدة له. ويقال القبيل: جمعه قُبُل، وهي الجماعات، وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً﴾ [الأنعام: ١١١]. فقُبل: جمع قَبيل، مثل سُبل: جمع سَبيل وسُررٍ: جمع سرير، وقُمص: جمع قميص. والقَبيل أيضًا: في مَثَل من الأمثال وهو قولهم: ما يعرف قَبيلاً من دَبِير: أي: لا يعرف ما أقبل ممَّا أدبر، قال الكُميت بن زيد: فمَا عَرَفوا الذَّبير من القَبِيل تفرَّقَت الأمُورُ بِوِجْهَتَيْهم وهذا البيت في قصيدة له، ويقال: إنما أُريد بهذا: الفتل، فما فُتِل إلى الذراع فهو القَبيل، وما فُتل إلى أطراف الأصابع فهو الدَّبير، وهو من الإقبال والإدبار الذي ذكرتُ. ويقال: فَتْلُ المِغْزَل. فإذا فُتل إلى الركبة فهو القَبيل، وإذا فُتِل إلى الوَرِك فهو الذَّبير. والقَبيل أيضًا: قومُ الرجل. والزخرف: الذهب. والمزخرف: المزين بالذهب. قال العجاج : رُسومَه والْمُذْهَب المُزَخْرَفا مِنْ طَلل أمْسى تخال الْمُصْحَفَا وهذاذ البيتان في أُرجوزة له، ويقال أيضًا لكلّ مُزَيَّنٍ: مُزَخرف. قال ابن إسحاق: وأُنزِل عليه في قولهم: إنّا قد بَلَغَنا أنك إنما يُعلِّمك رجل باليمامة. يقال له: الرحمن. ولن نؤمن به أبدًا: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمْ لتتلوا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْك وهم يَكْفُرُونَ بالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتاب﴾ [الرعد: ٣٠]. وأنزل عليه فيما قال أبو جَهْل بن هشام - لعنه الله - وما همّ به: ﴿أرأيتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إذا صَلَّى أرأيتَ إنْ كانَ على الْهُدَى أوْ أمَرَ بالتَّقْوَى أرأيتَ إنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللَّهَ يَرَى كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيةِ ناصِيَّةٍ كَاذِبَةٍ خاطِئَةٍ فَلْيَدْعِ نَادِيَهْ سَنَذْعُ الزَّبانِيَةَ كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ سورة العلق. قال ابن هشام: لَنَسفعًا: لنجذبن، ولنأخذن. قال الشاعر: قومٌ إذا سَمِعوا الصُّراخ رأيتَهم من بين مُلْجِم مُهْرِهِ أو سافِع والنادي: المجلس الذي يجتمع فيه القومُ، ويقصُّون فيه أمورَهم، وفي كتاب الله ٧٧ تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] وهو النَّدِيُّ. قال عَبِيد بن الأبرص: اذهب إليك فإني من بني أسَد أهل النَّدِيِّ، وأهل الْجُرذ والنادِي وفي كتاب الله تعالى: ﴿وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]. وجمعه: أنْدية. يقول: فَلْيَدْعُ أهل ناديه. كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يريد أهل القرية. قال سلامة بن جَنْدَل، أحدُ بني سَعْد بن زيد مَنَاة بن تميم: ويؤْمُ سَيْرٍ إلى الأعداء تأويب يَوْمانِ: يومُ مَقامات، وأنديةٍ وهذا البيت في قصيدة له. وقال الكُمَیت بن زَيْد: لا مَهَاذير في النَّدِيِّ مكاثـ ـيرَ ولا مُصْمِتِين بالإِفْحَامِ وهذا البيت في قصيدة له. ويقال: النادي: الجلساء. والزبانية: الغِلاظ الشِّداد، وهم في هذا الموضع: خَزَنة النار. والزَّبَانية أيضًا في الدنيا: أعوانُ الرجل الذين يخدمونه ويُعينونه، والواحد: زِبْنِيَة. قال ابن الزِّبَغْري في ذلك: مَطاعيمُ في المَقْرَى، مَطاعينُ في الوَغَى زَبَانيةٌ غُلْبٌ، عِظامٌ حُلُومُها يقول: شِدَادٌ. وهذا البيت في أبيات له. وقال صَخْر بن عَبْد الله الهُذليّ، وهو صَخرِ الغَيّ: وَمِنْ كَبِيرٍ نَفَرْ زَبانِيَهْ وهذا البيت في أبيات له. قال ابن إسحق: وأنزل اللَّهُ تعالى عليه فيما عَرَضوا عليه من أموالهم: ﴿قُلْ ما سألْتُكُمْ مِنْ أجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أجْرِيَ إلاّ على الله وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ: ٤٧]. فلما جاءهم رسولُ الله - بَّرَ - بما عرَفوا من الحق، وعرفوا صِدْقه فيما حدث، ومَوْقع نُبوّته فيما جاءهم به من علم الغُيوب حين سألوه عمَّا سألوا عنه، حال الحسدُ منهم له بينهم وبين أتباعه وتصديقه فعتوا على الله وتركوا أمرَه عيانًا، ولَجُوا فيما هم عليه من الكُفر، فقال قائلهم: لا تَسْمَعُوا لهذا القرآن والغَوْا فيه لعلكم تَغْلبون، أي: اجعلوه ٧٨ لغوًا وباطلاً، واتخذوه هُزوّا لعلكم تَغْلبونه بذلك، فإنكم إن ناظرتموه أو خاصَمتموه يومًا غَلَبكم. فقال أبو جهل يومًا - وهو يهزأ برسول الله وَ له وما جاء به من الحق: يا معشر قريش، يزعمُ محمدٌ أنَّ جنود الله الذين يعذبونكم في النَّار، ويَحْبسونكم فيها تسعةً عشر، وأنتم أكثر الناس عددًا، وكَثْرَةً، أفَيعجِزُ كلَّ مائةٍ رجلٍ منكم عن رجل منهم؟ فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قوله: ﴿ومَا جَعَلْنا أصحَابَ النَّارِ إلاَّ مَلائِكَةً ومَا جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١] إلى آخر القصة، فلما قال ذلك بعضُهم لبعض، جعلوا إذا جهر رسولُ الله - وَلّه - بالقرآن وهو يصلّي، يتفرقون عنه، ويأبون أن يَسْتمعوا له، فكان الرجلُ منهم إذا أراد أن يَسْتمع من رسول الله وَّر بعض ما يتلو من القرآن، وهو يُصلّي، استرقّ السمعَ دونهم فَرَقًا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يَسْتمع منه ذهب خَشْية أذاهم، فلم يستمع، وإن خَفض رسولُ الله - وَلَه ـ صوتَه، فظر الذي يستمع أنهم لا يستمعون شيئًا من قراءته، وسمع هو شيئًا دونهم أصاخ له يَسْتمع منه(١). خزنة جهنم وأبو الأشدين: فصل: وذكر ابن إسحق قول أبي جهل مستهزئًا: يزعم محمد أن جنود ربّه التي يخوفكم بها تسعةً عشر، وأنتم الناس، إلى آخر القصة. وأهل التفسير يعزون هذه المقالة إلى أبي الأشَدِّين الْجُمَحِيّ، واسمه: كَلَدَة بن أُسَيْد بن خلف، وأبو دَهْبَل الشاعر هو ابن أخيه، واسمه: وهب بن زَمَعَة بن أُسيد بن خلف بن وهب بن حُذافة بن جُمَح، وكانت عند أبي دَهبل التَّوْأمةُ التي يعرف بها صالح مولى التَّوْأَمةِ، وهي أُخت عبد الله بن ◌َفْوان بن أمية، ولدت له عبد الرحمن قتل يوم الجمل، وأنه قال: اكفوني منهم اثنين، وأنا أكفيكم سبعة عشر إعجابًا منه بنفسه، وكان بلغ من شدته - فيما زعموا - أنه كان يقف على جلد البقرة، ويجاذبه عشرة، لينتزعوه من تحت قدمه، فيتمزق الجلد، ولا يتزحزح عنه، وقد دعا النبي - وَّل ـ إلى المصارعة، وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه رسول الله - وَل ـ مرارًا، فلم يؤمن، وقد نسب ابن إسحق خبر المصارعة إلى رُكّانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب، وسيأتي في الكتاب والله أعلم، وأما ما قال أهل التأويل في خَزَنَة جهنم التسعة عشر، فرُوِيَ عن كعب أنه قال: بيد كل واحد منهم عمود له شُغْبَتان، وإنه ليدفع بالشعبة تسعين ألفًا (١) انظر تفسير الطبري (٩٣/٢٦) الدرّ المنثور (٢٨٢/٦). ٧٩ قال ابن إسحاق: حدّثني داود بن الْحُصَين، مولى عمرو بن عثمان، أن عكرمة مولى ابن عبّاس حدّثهم أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حدّثهم: إنما أنزلت هذه الآية: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِها وَابْتَغ بين ذُلكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ١١٠]. من أجل أولئك النَّفر. يقول: لا تجهر بصلاتك فيتفَرّقوا عنك، ولا تُخافت بها، فلا يَسْمعها مَنْ يُحبُّ أن يَسْمعها مِمَّن يَسْتَرق ذلك دونهم، لعلَّهِ يَرْعَوي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به(١). أول صحابي جهر بالقرآن: قال ابن إسحاق: وحدّثني يحيى بن عروة بن الزّبير، عن أبيه، قال: كان أوّلَ مَن جَهر بالقرآن بعد رسول الله - رَله - بمكة عبدُ الله بن مَسْعود رضي الله عنه، قال: اجتمع يومًا أصحابُ رسول الله - وَ ﴿ - فقالوا: والله ما سمعتْ قريشٌ هذا القرآن يُجهر لها به قطُ، فمَنْ رجُل يُسْمعهموه؟ فقال عبد الله بن مَسْعود: أنا، قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلاً له عشيرةٌ يمنعونه من القوم إن أرادوه، قال: دَعُونِي فإن الله سيَمْنَعني. قال: فغدا ابن مَسْعود حتى أتى المقَّام في الضُّحى، وقريشْ فِي أَنْديتها حتى قام عند المَقام ثم قرأ: ﴿بِسْم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ رافعًا بها صوته ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرآنَ﴾ قال: ثم استقبلها يقرؤها. قال: فتأملوه فجعلوا يقولون. ماذا قال ابنُ أُمّ عبدٍ؟ قال: ثم قالوا: لَيَتْلو بعض ما جاء به محمدٌ، فقاموا إليه، فجعلوا يَضْربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ. ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثّروا في وجهه، فقالوا له: إلى النار(٢)، وقد أملينا في معنى أبواب الجنة وأبواب النار فائدة عددها وتسميتها، وذكر الزَّبَانِيَة، والحكمة في كونهم عددًا قليلاً مسألةً في قريب من جزء، فلتُنظَر هناك. بهت الرسول ﴿ أن بشرًا يعلّمه: فصل: وذكر قول قريش: إنما يعلّمه رجل باليمامة يقال له: الرحمن، وإنّا لا نؤمن بالرحمن، فأنزل الله سبحانه: ﴿وهم يَكْفُرُون بالرَّحْمُن قل هُوَ رَبِّي﴾ كان مُسَيْلِمَةُ بن حبيب الحنفي، ثم أحد بني الدُّول قد تسمى: الرحمن في الجاهلية، وكان من المعمّرين، ذكر وَثِيْمَةُ بن موسى أن مسيلمة تسمى بالرَّحْمُن قبل أن يولد عبدُ الله أو رسولُ الله - وَله . .. (١) انظر الطبري في تفسيره (١٢٥/١٥) وابن كثير في تفسيره (١٢٨/٥) والسيوطي في الدر (٤/ ٢٠٧) وابن حجر في الفتح (٢٥٨/٨). (٢) كعب الأحبار من مسلمي أهل الكتاب - كثير النقل عنهم. ٨٠