Indexed OCR Text
Pages 241-260
فكان صاحبَ أمر بني عبد مناف: عبدُ شمس بن عبد مناف، وذلك أنه كان أسَنَّ بني عبد مناف، وكان صاحبَ أمر بني عبد الدار: عامِرُ بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. فكان بنو أسد بن عبد العُزّى بن قصي، وبنو زُهْرَة بن كلاب، وبنو تَيْم بن مُرَّة بن كعب، وبنو الحارث بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر، مع بني عَبْد مناف. وكان بنو مخزوم بن يَقَظة بن مُرَّة، وبنو سَهْم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب، وبنو جُمَحٍ بن عمرو بن هُصَيْصٍ بن كعب، وبنو عَدي بن كعب مع بني عبد الدار، وخرجت عامر بن لُؤَيّ ومحارب بن فِهْرٍ، فلم يكونوا مع واحد من الفريقين. فعقد كلّ قوم على أمرهم حِلْفًا مؤكّدًا على أن لا يتخاذلوا، ولا يُسلم بعضُهم بعضًا ما بَلَّ بَحرّ صوفة. فأخرج بنو عبد مناف جَفْنَة مملوءة طيبًا، فيزعمون أن بعض نساء بني عَبْد منافٍ، أخرجَتْها لهم، فوضعوها لأخلافهم في المسجد عند الكعبة، ثم غَمس القوم أيديهم فيها، فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدًا على أنفسهم، فسُمُّوا المُطَيِِّين. وتعاقد بنو عبد الدار، وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفًا مؤكدًا، على أن لا يتخاذلوا، ولا يُسْلِم بعضُهم بعضًا، فسُمُّوا الأحلاف. ثم سُونِدَ بين القبائل، ولُزْ بعضُها ببعض، فَعُبِيَتْ بنو عبد مناف لبني سَهْم، وعُبِّيت بنو أسد لبني عبد الدار وعُبْيَتْ زُهْرة لِبَنِي جُمَح، وعُبِّيَت بنو تيم لنبي مَخْزُومَ، وعُبِيت بنو الحارث بن فِهْرٍ لبني عَديّ بن كعب، ثم قالوا: لِتُقْنِ كلُّ قبيلة مَن أسند إليها. فبينا الناس على ذلك قد أجمعوا للحرب إذ تداعوا إلى الصلح، على أن يُعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والقوة لبني عبد الدار كما كانت، ففعلوا ورضي كل واحد من الفريقين بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب، وثبت كلُّ قوم مع مَن حالفوا، فلم يزالوا على ذلك، حتى جاء الله تعالى بالإسلام، فقال رسول الله - رَ﴿ -: (ما كان مِنْ حِلْفٍ في الجاهِليَّة، فإنَّ الإسْلامَ لَمْ يَزِدْهُ إلاَّ شِدَّة))(١). وكان الأصْمَعِيُّ يُسَمِّي هذا الإقواء: الْمُفْعَد، ذكره عنه أبو عبيد، وقال عَدِيّ بن الرِّقَّاع [العامِلي] في السِّنَاد: حتى أُثَقّف مَيْلها وسِنَادَها وقصيدة قد بِتُّ أجمَعُ بَيْتَها (١) (حسن) أخرجه أحمد (٣٢٩/٣١٧/١) (٦١/٥) والطبراني (٣٣٧/١٨) والطبري في تفسيره= ٢٤١ الروض الأنف/ ج ١/ م ١٦ حلف الفضول قال ابن هشام: وأما حلف الفضول فحدّثني زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق قال: تداعت قبائل من قريش إلى حِلْف، فاجتمعوا له في دار عبد الله بن حلف الفضول وذكر ابن هشام الحِلفَ الذي عقدته قريشٌ بينها على نُصْرةِ كلِّ مظلوم بمكة قال: ويُسَمَّى حِلْفَ الْفُضُولِ، ولم يذكر سببَ هذه التسمية، وذكرها ابنُ قُتَيْبَة، فقال: كان قد سبق قُريشًا إلى مثل هذا الحلف جُرْهُم في الزمن الأول، فتحالف منهم ثلاثةٌ هُم، ومَن تبعهم، أحدهم: الفضلُ بن فَضالة، والثاني: الفضل بن وَداعة، والثالث: فُضَيْل بن الحرث. هذا قول القُتَبيِّ. وقال الزبير: الفُضَيْلُ بن شُراعَة، والفضل بن وَدَاعة، والفَضْلُ بن قُضاعة، فلما أشبه حلفُ قريش الآخر فعلَ هؤلاء الْجُرْهُمِيين سُمِّي: حلفَ الفُضُول، والفُضول: جمع فَضْل، وهي أسماء أولئك الذين تقدم ذكرهم. وهذا الذي قاله ابن قُتَيْبَة حَسَنٌ، ولكن في الحديث ما هو أقوى منه وأولى. روى الحُمَيْدِيُّ عن سُفْيَان عن عبد الله عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر، قالا: قال رسول الله - وَلّرهـــ: ((لقد شهدت في دار عَبْد الله بن جُذْعَانَ حِلفًا لو دُعيتُ به في الإسلام لأجبت. تحالفوا أن تُردَّ الفُضُول على أهلها، وألا يَعُزَّ ظالمٌ مَظلومًا)). ورواه في مُسْنَدِ الحرث بن عبد الله بن أبي أُسَامَة التَّمِيمِيِّ، فقد بَيَّن هذا الحديثُ: لم سُمِّي حلفَ الفُضول، وكان حِلْفُ الفُضولِ بعد الفِجار، وذلك أن حرب الفِجَارِ (١) كانت في شَعْبَان، وكان حِلْفُ الفضول في ذي القَعْدَة قبل المبعث بعشرين سنة، وكان حِلف الفضول أكرَم حِلْفٍ سُمع به، وأشرفه في العرب، وكان أولَ مَنْ تكلم به ودعا إليه: الزبيرُ بن عبدِ المطلب، وكان سببه أن رجلاً من زُبَيْد قَدِمَ مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاصي بن وائل، وكان ذا قَدْرٍ بمكة وشَرَفٍ، فحَبس عنه حقِّه، فاسْتَعْدَى عليه الزُّبَيْدِيُّ الأحلاف: عبدَ الدار ومَخْزُومًا وجُمَح وسَهْمًا وعَدِيَّ بن كعب، فأبوا أن يعينوه على العاصي بن وائل، وزَبَرُوه، أي: انتهروه، فلما رأى الزَّبَيْدِيُّ الشر، أوْفى على أبي قُبَيْس (٢) عند طلوع الشمس، وقُريشٌ في أنديتهم حولَ الكعبة، فصاح بأعلى صوته: ببطن مَكَّةَ نائِي الدار والنَّفَر يا آلَ فِهْرٍ لمظلوم بضاعته يَا للرّجال وبين الْحِجْر والحَجْر ومُخرِمِ أشعَبٍ لم يَقْضِ عُمْرتَه ولا حَرامَ لثوب الفاجِر الْغُدَر إن الحَرامَ لمن تَمَّت كرامتُه (٣٦/٣) والبيهقي في الكبرى (٣٣٥/٦). = (١) انظر الكامل لابن الأثير (٥٣٤/١). (٢) أبو قبيس: جبل بمكة. ٢٤٢ جُذْعان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تَيْمِ بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَيٍّ، لشرفه وسِنْه، فكان حِلفهم عنده: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العُزَّى، وزُهرة بن کِلاب، فقام في ذلك الزبيرُ بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مَتْرك، فاجتمعت هاشمٌ وزُهرةُ وتَيْمُ بن مرة في دار ابن جُدْعانَ، فصنع لهم طَعامًا، وتحالفوا في ذي الْقَعْدَة في شهرٍ حرام قيامًا، فتعاقدوا، وتعاهدوا بالله: ليكونُنَّ يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم، حتى يُؤَدَّى إليه حقُّهَ ما بَلَّ بَخْرٌ صُوفةً، وما رسا حِراءُ وثَبِيرٌ مكانَهما، وعلى التَّأَسِي في المعاش، فسمَّت قُريشّ ذلك الحلفَ: حلفَ الفُضول، وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فَضْلٍ من الأمر، ثم مَشَوا إلى العاصي بن وائل، فانتزعوا منه سِلْعَة الزُّبَيْدِي، فدفعوها إليه، وقال الزبير رضي الله عنه: وإن كُنَّا جميعًا أهلَ دارٍ حَلَفْتُ لِنَفْعِدَنْ حِلْفًا عليهم يَعِزُّ به الغريبُ لَدَى الجِوارِ أُبَاة الضَّيْمِ نمنَعُ كلَّ عار نُسَمِّيه: الفضولَ إذَا عقدنا وَيَعْلَم مَنْ حَوالي البيتِ أنَّا وقال الزبير بن عبد المطلب: إن الفُضُولَ تحالفوا، وتعاقدوا أمرٌ عليه تعاهدوا، وتواثَقُوا ألاَّ يقيمَ ببطن مكةَ ظالمُ فالجار والْمُعْتَرُّ فيهم سالم وذكر قاسم بن ثابت في غريب الحديث أن رجلاً من خَثْعَم قَدِمَ مكة مُعْتَمِرًا، أو حاجًّا، ومعه بنتٌ له يقال لها: القَتُول من أوْضأ نساء العالمين، فاغتصبها منه نُبَيْهُ بن الحَجَّاجِ(١) وغيَّها عنه، فقال الْخَتْعَمِيُّ: مَن يُعْدِيني على هذا الرجل، فقيل له: عليك بحلف الفضول، فوقف عند الكعبة، ونادى: يا لَحِلْف الفضول، فإذا هم يُغْنِقون إليه من كل جانبٍ، وقد انْتَضَوْا أسيافَهم يقولون: جاءك الغَوْث، فما لك؟ فقال: إن نُبَيْهَا ظلمني في ابنتي، وانتزعها مِنِّي قَسْرًا، فساروا معه، حتى وقفوا على باب الدار، فخرج إليهم، فقالوا له: أخْرج الجاريةَ وَيْحَك، فقد علمت مَنْ نحن، وما تعاقدنا عليه !! فقال: أفعل، ولكن متّعُوني بها الليلة، فقالوا له: لا والله، ولا شُخْبَ (٢) لِفْحَة(٣)، فأخرجها إليهم، وهو يقول: لم أُوَدِّغْهُمُ وَدَاعًا جَميلا راح صَخبي ولم أُحَيِّ القَتُولا (١) هو: نبيه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم. انظر التجريد (١٨١٠) ونسب قريش للزبيدي (٤٠٤). (٢) الشخب: ما خرج من الضرع من اللبن إذا احتلب. اللسان (٤٨٥/١). (٣) اللقحة: الناقة الغزيرة اللبن. ٢٤٣ وتَيْم بن مُرَّة، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظَلَمَه حتى تردّ عليه مَظْلمته، فسمّت قريش ذلك الحلفَ: حلفَ الفُضُولِ. قد أراني، ولا أخافُ الْفُضولا إذ أجّدَّ الفُضُول أن يَمْنَعُوها كُبُ هُنْتُم عليّ ألاَّ أقولاً لا تَخالِي أنّي عَشِيَّةَ راح الرَّ في أبياتٍ غيرِ هذه ذكرها الزبير، وذكر من قوله فيها أيضًا: من بَيْتِها وَوِطائِها حَلَّتِ تِهامَةَ حِلَّة مِنْ سَهْلِها وحرائِها ولها بمكةَ منزلٌ ونأت فكيف بنَأيِها(١) أخذَتْ بَشَاشَةً قَلْبِهِ الحلف وابن جدعان: فصل: وذكر قولَ رسولِ اللهِ وَّرَ: ((لَقَد شَهِدْتُ في دارِ عبدِ الله بن جُدْعَانَ حِلفًا ما أُحِبُّ أنَّ لي به حُمْرَ النَّعَم، ولو دُعيت إليه في الإسلام لأَجَبْت))(٢) وعبدُ الله بن جُذْعان هذا تَيْميِّ هو: ابن جُدْعَان بن عَمْر بن كعب بن سعد بن تَيم، يكنى: أبا زُهير ابن عمّ عائشة - رضي الله عنها - ولذلك قالت لرسول الله - ﴿ ﴿لـ: إن ابن جُدْعان كان يُطْعِمُ الطعامَ، وَيَقْرِي الضيفَ، فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال: ((لا إنه لم يقل يومًا: ربِّ اغفِرْ لي خطيئتي يوم الدين))(٣) أخرجه مسلم. ومن غريب الحديث لابن قتيبة أنَّ رسولَ الله - نَله - قال: كنتُ أسْتَظِلُ بِظِلُ جَفْنَةِ عبدِ الله بن جُدْعَانَ صَكَّةَ عُمَيٍّ (٤)، يعني: في الهاجرة، وسُمِيت الهاجِرة: صَكَّةَ عُمَيٍّ لخبرٍ ذكره أبو حنيفة في الأنواء: أن عُمَيًّا رجلٌ من عَذْوَان، وقيل: من إيادٍ، وكان فقيهَ العربِ في الجاهلية، فقدِم في قومٍ مُعْتَمِرًا أو حاجًّا: فلما كان على مرحلتين من مكة قال لقومه، وهم في نَخرِ الظهيرة: مَّن أتى مكةَ غدًا في مثل هذا الوقت، كان له أجْرُ عُمْرَتَيْن، فصَكُوا الإبلَّ صَكَّةً شديدةً حتى أتوا مكةَ من الغدِ في مثل ذلك الوقت، وأنشد: وَصَكَّ بها نَخْرَ الظَّهِيرَةِ صَكَّة عُمَيٍّ وما يَبْغِين إلا ظِلالَها(٥) (١) انظر التجريد (١٨١٠). (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه مسلم في الإيمان (٣٦٥) وأبو عوانة (١/ ١٠٠) وأبو نعيم في الحلية (٢٧٨/٣) والحاكم (٤٠٥/٢) وصححه وأخرجه الذهبي. (٤) وانظر غريب الحديث لابن الجوزي (٥٩٨/١) والفائق (٣٠٨/٢) والنهاية (٤٣/٣). (٥) البيت من اللسان (٥٣٨/١٠). ٢٤٤ قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر بن قُنْفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهريّ يقول: قال رسول الله وَلقر: ((لقد شهدت في دار في أبياتٍ، وعُمَيٍّ: تصغير أعمى على الترخيم، فَسُمِّيَت الظهيرةُ صَكَّةَ عُمَيٍّ به. وقال البكري في شرح الأمثال: عُمَيّ: رجل من العماليق أوقع بالعدوّ في مثل ذلك الوقتِ، فسمى ذلك الوقت: صَكَّةَ عُمَيَ، والذي قاله أبو حنيفة أولى، وقائلُه أعلى. وقال يعقوب: عَمِيَ الظبيُّ: يتحيّرُ بصرُه في الظّهيرة من شدّة الحرّ. قال ابن قُتَيْبَة: وكانت جَفْنَته يأكل منها الراكبُ على البعير، وسقط فيها عبي، فَغرق أي: مات. وكان أُمَيَّةُ بن أبي الصَّلْتِ قبل أن يمدَحَه قد أتى بني الدَّيَّان من بني الحارث بن كعب، فرأى طَعَامَ بني عبد الْمَدَانِ منهم لُيَابَ الْبُرّ والشُّهدَ والسَّمْنَ، وكان ابنُ جُدْعانَ يُطعمُ التَّمرَ والسَّوِيقَ ويُسْقَى اللَّبَنَ، فقال أُمية: فرأيتُ أكرمهم بَنِي الدَّيَّانِ ولقد رأيتُ الفاعِلين وفِعْلَهُمْ لا ما يُعَلِّلُنَا بِثُو جُدْعَانَ البُرُّ يُلْبَكُ(١) بالشّهادِ طَعَامُهم فبلغ شِعْرُه عبدَ الله بن جُذْعانَ، فأرسل ألْفَيْ بعير إلى الشام، تحمل إليه البُرَّ والشُّهْدَ والسَّمْنَ، وجعل مناديًا ينادي على الكعبة: ألا هَلُمُّوا إلى جَفْنَة عبد الله بن جُذْعَان، فقال أمية عند ذلك: وآخرُ فوق كَعْبَتِها يُنادي له داعٍ بمكة مُشْمَعِلٌ(٢) لُبَابُ(٣) البُرِّ يُلْبَكُ بالشّهاد إلى رُدُحٍ من الشّیزی علیھا وکان ابن جدعان في بدء أمْرِه صُعلوكًا تَرِب الیدین، وکان مع ذلك شرِیرًا فاتكًا، ولا يزال يَجني الجنايات، فَيَعْقِل عنه أبوه وقومه، حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه وحلفَ: ألا يؤويه أبدًا لما أثقله به من الغُرم، وحمله من الدِّيَات، فخرج في شِعَابٍ مکة حَائرًا بائرًا، يتمنى الموتَ أن ينزل به، فرأى شَقًّا في جبل، فظن فيه حَيَّة، فتعرض للشّقُّ يرجو أن يكونَ فيه ما يقتله فيَستريح، فلم يَرَ شيئًا، فدخل فيه، فإذا فيه ثُعْبانٌ عظيم له عينان تَقِدَان كالسراجين. فحمل عليه الثعبانُ، فأفْرَج له، فانساب عنه مستديرًا بدَارةٍ عندهَا بَيْت، فخطا خطوة أخرى، فَصَفَر به الثعبانُ، وأقبل عليه كالسَّهْم، فأفرَج عنه، فانساب عنه قُدُمًا لا ينظر إليه، فوقع في نفسه أنه مَصنُوع، فأمسكه بيده، فإذا هو مصنُوعٌ من ذهب، وعيناه ياقوتتان، (١) يليك: يخلط. (٢) مشمعل: المشمعل: المتفرق، والمشمعل: السريع يكون من الناس والإبل. والبيت أيضًا في اللسان . (١١/ ٣٧٢). وفيه ((دارَته)) بدلاً من ((كعبتها)). (٣) اللباب: الخالص والصافي. ٢٤٥ عبد الله بن جُذعان حلفًا، ما أُحِبُّ أن لي به حُمْر النَّعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت))(١). فكسَره، وأخذ عينيه، ودخل البيت، فإذا جُثَثّ على سُرُر طِوال لم يُرَ مثلهم طُولاً وعظمًا، وعند رءوسهم لوحٌّ من فضَّة فيه تاريخُهم، وإذ هُمْ رجالٌ من مُلوكِ جُرْهُم، وآخرهم موتًا: الحرث بن مُضاضٍ صاحبُ الغربة الطويلة، وإذا عليهم ثيابٌ لا يُمسُّ منها شيءٌ إلا انتثر كالهباءِ مِن طولِ الزمن، وشِعرّ مكتوبٌ في اللوح فيه عِظَّات، آخر بيتٍ منه: ردَّ في الضَّرْعِ ما قَرَى في الچِلاَب صَاحِ هل رَيْتَ أو سمعتَ براعٍ وقال ابن هشام: كان اللوحُ من رُخام، وكان فيه: أنا نُفَيْلَةُ بن عبد الْمَدَانِ بن خَشْرَم بن عبد ياليل بن جُرْهم بن قَخْطان بنَ هود نبي الله، عشت خمسمائةَ عام، وقطعت غَوْر الأرضِ باطِنها وظاهرِها في طلب الثروة والمجد والملك، فلم يكن ذلك يُّنجيني من الموت، وتحته مكتوب: وَةِ والمجدُ قالصُ الأثوابِ قد قطعتُ البلادَ في طَلَبِ الثّرْ بِقَنّاتي وَقُوَّتي واكتسابي وَسَرَيْتُ البِلادَ قَفْرًا لَقَفْرٍ بسهامٍ من المنايا صِيّاب(٢) فأصاب الرَّدَى بَنَات فؤادي واستراحت عواذلي من عتابي فانقضت شِرَّتي، وأقْصَر جَهْلي نزل الشَّيْبُ في مَحَلِ الشباب ودفعت السَّفاءَ(٣) بالْحِلم لما رَدَّ في الضَّرعِ ما قَرَى في الحِلاب(٤) صاحٍ هل رَيْت أو سمعتَ براعٍ وإذا في وسط البيت كَوْمٌ عظيمٌ من الياقوتِ واللُّؤلؤ والذهب والفضة والزَّبَرْجَدِ، فأخذ منه ما أخذ، ثم عَلَّم على الشقِّ بعلامةٍ، وأغلق بابه بالحجارة وأرسَل إلى أبيه بالمال الذي خرج به يَسْتَرْضيه ويستعطفه، ووصل عشيرتَه كلَّهم، فسادَهم وجعل يُنفق من ذلك الكنز ويُطعِم الناسَ، ويفعل المعروفَ. ذَكر حديثَ كنز ابن جُذْعان موصولاً بحديث الحرث بن مُضاض: ابنُ هشَام في غير هذا الكتاب، ووقع أيضًا في كتاب رِيِّ العاطش، وأُنس الواحش لأحمد بن عمار(٥). (١) أخرجه البيهقي (١٦٧/٦) والقرطبي في تفسيره (٣٣/٦) (١٦٩/١٠). وانظر قصة حلف الفضول في البداية (٣٩٣/٢) وطبقات ابن سعد (١٢٨/١). (٢) صياب: جمع صائب كصاحب وصحاب. (٤) انظر اللسان (٣٢٩/١). (٣) سفاه: خفة الحلم. (٥) قصة تحتاج إلی دلیل ((صحيح)) يعتضدها. ٢٤٦ قال ابن إسحق: وحدّثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي الليثي أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيْمِيّ حدّثه: أنه كان بين الْحُسَين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وبين الوليد بن عُثْبة بن أبي سُفْيان. والوليدُ يومئذ أمير على المدينة، أمَّره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان - منازعة في مال كان بينهما بذي الْمَرْوة، فكان الوليد تحامل على الحسين - في حقّه لسلطانه، فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقي، أو لآخُذَنَّ سيفي، ثم لأقومنّ في مسجد رسول الله - وََّ - ثم لأَدْعُوَنَّ بحلف الفضول قال: فقال عبد الله بن الزبير، وهو عند الوليد حين قال الحسين - رضي الله عنه - ما قال: وأنا أحلف بالله لَئِنْ دعا به لآخذن سيفي، ثم لأقومنّ معه، حتى يُنصَف من حقه أو نموت جميعًا. قال: فبلغت الْمِسْوَر بن مَخْرَمَةً بن نوفل الزهريّ، فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التّيْمِيّ، فقال مثل ذلك، فلما بلغ ذلك الوليدَ بن عتبة أنصف الحسينَ من حقه حتى رضي. وابن جُذعان ممن حَرَّم الخمر في الجاهلية بد أن كان مُغْرَى بها، وذلك أنه سَكِر، فتناول القمرَ ليأخذه، فأخبر بذلك حين صحا، فخَلف: لا يشربها أبدًا، ولما كَبِر وهَرِم أراد بنو تَميم أن يمنعوه من تبديد مالهِ، ولاموه في العَطاءِ، فكان يدعو الرجلَ، فإذا دنا منه، لطَمَه لَظْمَةً خَفيفة، ثمّ يقول له: قم فانْشُدْ لَطْمَتَك، واطلب دِيتها، فإذا فعل ذلك أعطته بنو تميم من مالِ ابن جُدعانَ حتى يرضى، وهو جَدُّ عُبَيْدِ الله بن أبي مُلَيْكةَ الفقيه. والذي وقع في هذا الحديث من ذكر نُفَيلة، أحسبه: نفيلة بالنون والفاء، لأن بني نُفَيْلة كانوا ملوك الحيرة، وهم من غَسَّان، لا من جُرْهُمٍ، والله أعلم. موقف الإسلام من الحلف: فصل: وذكر خبر الحسين مع الوليد بن عتبة، وقوله: لآخذنَّ سيفي، ثم لأذعُوَنَّ بحلف الفضول إلى آخر القصة، وفيه من الفقه: تخصيصُ أهل هذا الحلفِ بالدعوة وإظهار التعصب، إذا خافوا ضَيْمًا، وإن كان الإسلامُ قد رفع ما كان في الجاهلية من قولهم: یا لَفلانٍ عند التّحزَّب والتعصب، وقد سمع رسول الله - وَّهِ - يوم الْمُرَيْسِيع(١) رجلاً يقول: يا لَلْمُهاجرين! وقال آخر: يَا للأنصار! فقال رسول الله - وَ لَهـ: ((دعوها فإنها مُنْتِنة))(٢) وقال - رَّ﴿هـ: (مَن ادَّعى بِدَغوى الجاهلية، فأعِضُوه بِهَنِ أبيه ولا تَكْنُوا))(٣)، ونادى رجل (١) المريسيع: بئر ماء لخزاعة. وقد وقعت الغزوة عام ستّ من الهجرة. (٢) ((صحيح)). أخرجه البخاري (٦٢٣/٤) (١٩٢/١٩١/٦) ومسلم في البرّ والصلة (٦٤/٦٣) والترمذي (٣٣١٥) وأحمد (٣٣٩/٣٣٨/٣). (٣) ((حسن)). أخرجه أحمد (١٣٦/٥). ٢٤٧ قال ابن إسحاق: وحدّثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي الليثي عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: قدم محمد بن جُبير بن مُطْعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف - وكان محمد بن جبير أعلم قريش - فدخل على عبد الملك بن مروان بن الحكم حين قتل ابن الزبير، واجتمع الناس على عبد الملك، فلما دخل عليه قال له: با أبا سَعيد، ألم نكن نحن وأنتم، يعني بني عبد شمس بن عبد مناف وبني نوفل بن عبد مناف في حلف الفضول؟ قال: أنت أعلم، قال عبد الملك: لتخبرني يا أبا سعيد بالحقّ من ذلك، فقال: لا والله، لقد خرجنا نحن وأنتم منه، قال: صدقت. بِالْبَصْرَةِ: يا لعَامر! فجاءه النابعةُ الْجَعْدِيُّ بِعَصَبَةٍ له، فضربه أبو موسى الأشْعَرِيُّ - رضي الله عنه - خمسين جَلْدةً، وذلك أن اللَّهَ عزّ وجل جعل المؤمنين إخوةٌ، ولا يُقال إلا كما قال عمر رضي الله عنه: يا للَّهِ ويا لَلْمِسْلمين؛ لأنهم كُلهمْ حِزِبٌ واحد، وإخوة في الدين إلا ما خَصِّ الشرعُ به أهلَ حِلْفِ الْفُضُولِ، والأصْلُ في تخصيصه قوله - بَّه ـ ولو دُعيت به اليوم لأجبتُ (١) يريد: لو قال قائل من المظلومين: يا لَحِلْفِ الفضولِ لأجبتُ، وذلك أنَّ الإسلام إنما جاء بإقامة الحقُّ ونُصْرةِ المظلومين، فلم يَزْدَدْ به هذا الحلفُ إلاَّ قوةً، وقولُه عليه السلام: ((وما كان من حِلْفٍ في الجاهِلِيَّة، فلن يزيدَه الإسلام إلاَّ شِدَّة))(١) ليس معناه: أن يقول الحليف: يا لَفُلانٍ لحلفائِهِ، فيجيبوه، بل الشّدة التي عنى رسولُ الله - وََّ ـ إنما هي راجعةٌ إلى معنى التواصل والتعاطف والتآلف، وأما دَعْوَى الجاهلية، فقد رفعها الإسلام إلا ما كان من حلف الفضول كما قدّمنا، فحكمه باقٍ، والدعوةُ به جائزةٌ، وقد ذهبت طائفةٌ من الفقهاء إلى أن الحليفَ يَعْقِل مع العَاقِلة إذا وَجَبَتْ الدِّيةُ لقوله - نَّوَلـ: ((وما كان من حِلْفٍ في الجاهلية، فلم يَزِذه الإسلام إلا شِدَّةً))، ولقوله أيضًا للذي حَبَسه في المسجد: ((إنما حبستك بِجَرِيرَةٍ حُلَفَائِك))(٢). عن أولاد عبد مناف: فصل: وذكر بني عبد منافٍ الأربعة، وقد كان له ولدٌ خامسٌ، وهو أبو عَمْرو، واسمه: عُبَيْدٌ، دَرَّجُ(4)، ولا عَقِب له، ذكره البرقي والزبير، وكذلك ذكر البرقي أن قُصَيًّا كان سَمَّى ابنَه عبدَ قُصَيِّ، وقال: سميتُه بنفسي وسميت الآخرَ بدارِ الكعبةِ، يعني: عبدَ الدار، ثم إن الناسَ حَوَّلوا اسمَ عبدٍ قُصَيٍّ، فقالوا: عبد بن قُصَيٍّ، وقال الزبير أيضًا: كان اسمُ عبدِ الدار عبد الرحمن. (١) تقدم تخريجه غير مرة. (٢) (صحيح)). أخرجه مسلم في النذر (٨) وأحمد (٤/ ٤٣٣/٤٣٠). (٣) درج: أي لم يعقب، كما قال رحمه الله تعالى. ٢٤٨ قال ابن إسحاق: فَوَلِيَ الرِّفادةَ والسِّقايةَ هاشمُ بن عبد مناف، وذلك أن عبدَ شمس كان رجلاً سَفَّارًا قلَّما يقيم بمكة، وكان مُقِلاً ذا وَلَدٍ، وكان هاشم مُوسِرًا فكان - فيما يزعمون - إذا حضر الحجّ، قام في قريش فقال: ((يا معشر قريش، إنكم جيرانُ الله، وأهلُ بيتهِ، وإنه يأتيكم في هذا الموسم زُوَّارُ اللَّهِ وحُجَّاجُ بيته، وهم ضَيْفُ الله، وأحَقُّ الضَّيْفِ بالكرامة: ضَيْفُه، فاجْمَعُوا لهم ما تصنعون لهم به طَعَامًا أيامَهم هذه التي لا بُدَّ لهم من الإقامة بها؛ فإنه - والله - لو كان مالي يسَع لذلك ما كلَّفْتُكُمُوهُ)). فيخرجون لذلك خَرْجًا من أموالهم، كلّ امرىء بقدر ما عنده، فيُصنع به للحُجَّاج طعامٌ، حتى يَصْدُرُوا منها. وذكر هاشِمًا وما صنع في أمرِ الرِّفَادَةِ(١) وإطعام الْحَجِيج، وأنه سُمِّيَ هاشِمًا لَهَشْمِه الثَّريدَ لقومه، والمعروفُ في اللغةِ أن يقال: ثَرَدْتُ الخبزَ، فَهَو ثَرِيد ومَثْرُودٌ، فلم يُسَمَّ : ثارِدًا، وسُمِّيَ هَاشِمًا، وكان القياسُ - كما لا يُسَمَّى الثريدُ هَشِيمًا، بل يقالُ فيه : - ثريدٌ وَمَثْرُودٌ - أنْ يقال في اسم الفاعل أيضًا كذلك، ولكن سبب هذه التسمية يحتاج إلى زيادة بيانٍ. ذكر أصحابُ الأخبَارِ أن هاشمًا كان يستعين على إطعام الحاجٌ بِقُرَيْشٍ، فَيَرْفِدُونه بأموالهم، ويُعِينونه، ثم جاءت أزمةٌ شديدةٌ فكَرِهَ أن يُكلِّف قريشًا أمرَ الرِّفادةِ، فاحتمل إلى الشام بجميع ماله، واشترى به أجمعَ كَعْكًا ودقيقًا، ثم أتى الموسم فهشَم ذلك الْكَعْكَ كُلّه مَشْمًا، ودَقَّه دَقًّا، ثم صنع للحجاج طعامًا شِبه الثريدِ، فبذلك سُمِّي هاشمًا لأن الكعكَ اليابس لا يُثْرَدُ، وإنما يُهْشِمُ هَشْمًا، فبذلك مُدِح، حتى قال شاعرُهُم فيه، وهو عبد الله بن الزُّبْعَرَى: فالمُحِّ(٢) خالِصُه لِعَبْدِ مَنافٍ كانت قُرَيْشٌ بَيْضَةً فَتَفَقَّأَتْ والظاعنين لرحلة الأضْيَافِ الخالطين فقيرَهُمْ بغنيّهمْ والقائِلينَ: هَلُمَّ لِلأَضْيَافِ والرَّائشينَ وليس يُوجَدُ رائِشٌ قومٍ بمكةَ مُسْنِتِينَ(٣) عِجَافٍ(٤) عَمْرُو العُلا ◌َشَمَ الثريدَ لقومِه (١) الرفادة: هي مال كانت تخرجه قريش لإطعام الحجّاج. (٢) المح: صفرة البيض. مقاييس اللغة (٢٦٩/٥). (٣) مسنتين: أصابتهم سنة مجدبة. وقد فرّق القرآن بين ((السنة)) و((العام)). فالسنة هي الزمن الذي يكون فيه الخير قليل والرزق غير وفير، والعلم عكسه. قال تعالى في سورة يوسف حكاية عن يوسف قوله في تأويل الرؤيا: ((تزرعون سبع سنين دأبًا ... )) ثم قال: ((ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد» ثم قال: ((ثم يأتي عام فيه يُغاث الناس وفيه يحصرون)). فتأمل. (٤) في أمالي المرتقى (١٧٨/٤) وفي اللسان الأبيات لمطرد بن كعب الخزاعي. ٢٤٩ وكان هاشم - فيما يزعمون - أول مَن سنّ الرّحلتين لقريش: رحلتي الشتاء والصيف، وأوّل مَن أطعم الثريدَ للحجاج بمكة، وإنما كان اسمه: عَمرًا، فما سُمّي هاشمًا إلا بِهَشْمه الخبز بمكة لقومه، فقال شاعر من قريش أو من بعض العرب: قوم بمكة مُسْنِتِينَ عِجَافٍ عَمْرو الذي هَشَم الثريد لقومه سَفَرُ الشتاءِ، ورِحلةُ الإيلاف سُنَّت إليه الرحلتان كلاهما قال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بالشعر من أهل الحجاز: قوم بمكة مسنتين عجاف قال ابن إسحاق: ثم هلك هاشم بن عبد مناف بغَزّة من أرض الشام تاجرًا، فوَلِيَ السقاية والرّفادة من بعده المطّلبُ بن عبد مناف، وكان أصغرَ من عبد شمس وهاشم، وكان ذا شرف في قومه وفَضْل، وكانت قُرَيش إنما تُسَمِّيه: الفيضَ لسماحته وفضله. وكان سببُ مدح ابنِ الزَّبَعْرى بهذه الأبياتِ، وهو سَهْمِيٍّ لبني عبدٍ مناف - فيما ذكره ابن إسحق في رواية يونس - أنه كان قد هَجَا قصيًّا بشعرِ كتبه في أستارِ الكعبةِ، أولُه: ألْهَى قُصَيًّا عن المجدِ الأساطيرُ ومِشيةٌ مثل ما تَمْشِي الشَّقَارِيرُ(١) فاسْتَعْدُوا عليه بني سهم، فأسلموه إليهم، فضربوه وحلَقوا شَعرَه، وربطوه إلى صَخْرَة بالحَجُون، فاستَغاث قَومَه فلم يُغِيتُوه، فجعل يمدح قُصَيًّا وَيَسْتَرْضيهِم، فأطلقه بنو عبد منافٍ منهم، وأكرموه فمدحهم بهذا الشعرِ، وبأشعارٍ كثيرةٍ، ذكرها ابن إسحق في رواية يونس. عبد المطلب وابن ذي يزن: فصل: وذكر نكاحَ هاشم سَلْمى بنت عَمْرو النَّجارِيَّة وولاَدَتها له عبدَ الْمُطَّلِبِ بن هاشم، ومن أجل هذه الولادة قال سَيْفُ بن ذِي يَزَن أو ابنُه مَعْدِي کربُ بن سيف ملك الهمن لعبد المطلب حين وَفَد عليه رَكْبٌ من قُرَيْشِ: مَرْحَبًا بابن أُخْتِنا، لأن سَلْمَى من الخزرج، وهُمْ من اليمن من سبأ، وسَيْفٌ من حِمْيَر بن سبأ، ثم قال له: مَرْحَبًا وأهلاً، ونَاقَةً وَرَحْلاً، ومَلِكًا سِبَخْلاً، يُعْطِي عَطَاءً جَزْلاً. ثم بشّره بالنبي - ◌ََّ - وأنَّه مِنْ وَلَده(٢)، فقال له عبدُ المطلب: مثلُك أيها الملك سِرّ وبِرٌّ، ثم أجزل الملكُ حِبَاءَه، وفَضَّله على أصحابه، وانصرف مَغْبُوطًا على ما أعطاه الملك، فقال: والله لمَا بَشَّرني به أحَبُّ إليّ من كل ما أعطاني. في خبر فيه طول. ٤ (١) الشقارير: الديوك. (٢) لا يعتدّ بمثل هذا إلا بدليل ((صحيح)). ٢٥٠ وكان هاشم بن عبد مناف قَدِم المدينة، فتزوّج سَلْمى بنت عَمرو أحد بني عديّ بن النجّار، وكانت قبله عند أُحَيْحَة بنِ الجُلاَح بن الحَرِيش. قال ابن هشام: ويقال: الحريش بن جَحْجَبى بن كُلْفة بن عَوْف بن عمرو بن عَوْف بن مالك بن الأوس، فولدت له عمرو بن أُحَيْحَة، وكانت لا تنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشترطوا لها أنّ أمرها بيدها، إذا كرهت رجلاً فارقته. فولدت لهاشم عبدَ المطب، فسمَّته: شَيْبة، فتركه هاشم عندها حتى كان وَصِيفًا، أو فوق ذلك، ثم خرج إليه عمه المطلب؛ ليقبِضَه، فيُلحقه ببلده وقومه فقالت له سَلْمى: لستُ بمُرْسلته معك، فقال لها المطلب: إني غيرُ منصرف حتى أخرجَ به معي، إنّ ابن أخي قد بلغ، وهو غَريب في غير قومه، ونحن أهل بيت شرف في قومنا، نَلِي كثيرًا من أمرهم، وقومُه وبلده وعشيرته خيرٌ له من الإقامة في غيرهم، أو كما قال. وقال شيبة لعمه المطلب - فيما يزعمون - لستُ بمفارقها إلا أن تأذَن لي، فأذِنَتْ له، ودفعَتْه إليه، فاحتمله، فدخل به مكة مُزْدِفه معه على بعيره، فقالت قُريش: عبدُ المطلب ابتاعه، فبها سُمِّي: شَيْبَة عبدَ المُطَّلب. فقال المطّلب: وَيُحَكم! إنما هو ابن أخي هاشِم، قدمتُ به من المدينة . ثم هلك المطّلب برَذمان من أرض اليمن، فقال رجل من العرب يَنْكيه: بعد الجِفان والشَّراب المُنْشَعِبْ قد ظمىء الحجيج بعد المطّلبْ ليت قريشًا بعده على نَصَبْ وقال مَطْرود بن كَعْب الخُزاعيّ، يبكي المطّلب وبني عبد مناف جميعًا حين أتاه نَعْيُ نَوْفل بن عبد مناف، وكان نوفل آخرَهم هُلْكا: إحدى لياليَّ الْقَسِيَّات ياليلة هَيَّجتِ ليلاتي نسب أحيحة: وذكر نسب أُحَيْحَة بن الجُلاحِ بن الْحَرِيشِ بن جَحْجَبَى، وقال ابن هشام: هو الْحَرِيسُ يعني. بالسين المُهْمَلة - وقال الدَّارَقُطني عن الزبير بن أبي بكر: أن كلَّ ما في الأنصارِ فهو: حَريس بالسين غير مُعْجَمة إلا هذا، ووجدت في حاشيةٍ كتابٍ أبي بحرٍ - رحمه اللَّهُ - صوابَ هذا الاسم يعني في نسب أُخَيْحَة بن الجُلاحِ بن الْحَرِيش بالشين المعجمة على لفظ الْحَرِيش بن كَعْب البطنِ الذي في عامر بن صَعْصَعَةَ. فصل: وأنشد لمطرود بن كعب: إحدى لياليَّ الْقَسِيَّاتِ يا ليلةٌ هَيَّجْتِ لَيْلاَتَي ٢٥١ ومَا أُقاسي منْ هُمُومٍ، وما إذا تذكّرتُ أخي نوفلاً ذَكَّرني بالأُزُرِ الحُمْرِ والْـ أربعة كلُهمُ سَيْد مَيْتُ برَدمان وميْتُ بِسَلْ وميِّت أُسْكِن لَخدًا لدى الـ أخلصُهم: عبدُ مناف فَهُمْ إنَّ المُغيراتِ وأبناءَها عالجتُ من رُزْءِ المنيَّات ذَكَّرَنِي بالأوَّلَّات أزدِيةِ الصُفْرِ القَشِيبات أبناء سادات السادات ـمان وميت بين غَزّات ـمَخجوب شَرْقيّ البنيَّات مِنْ لَوْم مَنْ لامَ بمَنْجاة مِنْ خَيْر أحياءِ وأموات أي: أنت إحدى لياليَّ الْفَسِيَّاتِ. فَعِيلات من الْقَسْوَة، أي: لا لِينَ عندهن، ولا رَأفة فيهن، ويجوز أن يكون عندهم من الدرهم الْقَسِيِّ، وهو الزائف، وقد قيل في الدرهم الْقَسِيِّ: إنه أعْجَميِّ مُعَرَّب، وقيل: هو من الْقَسَاوة لأنَّ الدرهمَ الطَّيْبَ ألينُ من الزائفِ، والزائفُ أضلَبُ منه. ونصب ليلةً على التمييز كذلك، قال سِيبَوَيْه في قول الصَّلَتَان الْعَبدِيّ(١) : أيا شاعرًا لا شاعِرَ اليومَ مِثْلُه وذلك أن في الكلام معنى التعجب. وقوله: وَمَيْت بِغَزَّاتٍ. هي: غَزَّةُ، ولكنهم يجعلون لكل ناحية أو لكل رَبَضٍ (٢) من البلدة اسمَ البلدةِ، فيقولون: غَزَّات في غَزَّة، ويقولون في بغدان: بَغادِين، كما قال بعضُ المخدثین : شَرِبْنَا في بغَادِين على تلك الْمَيّادِين ولهذا نظائر ستمر في الكتاب - إن شاء اللَّهُ - ومن هذا البابِ: حكمهم للبغضِ بحكم الْكُلُّ، كما سَمَّوْهُ باسمه، نحو قولهم: شَرِقَتْ صَدْرُ القناةِ من الدَّم، وذهبت بعض أصابعه، وتواضعت سورُ المدينة. وقد تركبت على هذا الأصلِ مسألةٌ من الفقه: قال الفقهاء، أو أكثرهم: مَنْ حلف ألاَّ يأكلَ هذا الرغيف، فأكلَ بعضَه، فقد حَنِثَ، فحكموا للبعضِ بحكم الكل، وأطلقوا عليه اسمَه. وفيه: إن الْمُغِيراتِ وأبناءَها مِنْ خير أحياء وأمواتٍ (١) الصلتان العبدي: هو قثم بن خبيئة. (٢) ربض المدينة: أي حولها. ٢٥٢ وكان اسمُ عبد مناف: الْمُغِيرةَ، وكان أوَّلَ بني عبد مناف هُلْكًا: هاشمٌ، بِغَزَّةً من أرض الشام، ثم عبدُ شمس بمكة، ثم المطلب برَذمان من أرض اليمن، ثم نَوْفلاً بسَلْمان من ناحية العراق. فقيل لمطرود - فيما يزعمون -: لقد قلتَ فأحسنت، ولو كان أفحل مما قلتَ كان أحسن، فقال: أنْظِرني ليالي، فمكث أيامًا، ثم قال: وابكي على السّرّ من كَعْب الْمَغِيراتِ یا عین جودي، وأذرِي الدمع وانھمري وابكي خبيئةَ نفسي في الْمُلِمَّات یا عین، واسْخفري(١) بالدمع واحتفلي ضَخْمِ الدَّسِيةِ وهَّابِ الْجَزِيلات وابكي على كلّ فيَّاض أخي ثِقَةٍ جَلْدِ النَّحيزة، ناءٍ بالعظيمات مَخْضِ الضَّريبةِ، عالي الْهَمِّ، مُخْتَلَق ماضي العَزيمة، مِثْلاف الكَرِيمات صَعْب البديهة لا نِكْس(٢) ولا وَكَلٌ(٣) بُخْبُوحَةَ الْمَجْد والشُّمّ الرفيعات صَقْرٍ توسّط من كَعْب إذا نُسِبوا واسْتَخْرطي(٥) بعد فَيْضاتٍ بِجَمَّات ثم اندُبي الفيضَ والفيَّاض(٤) مُطَّلبا فالْمُغَيراتُ: بنو المغيرة، وهو عبد مناف، كما قالوا: المناذرة في بني الْمُنْذِر، والأشْعَرُون في بني أُشْعَر بن أَدَد، كما قال عَلِيُّ بن عبدِ الله بن عباس في ابن الزبير: آثَر عَليَّ الْحُمَيْدَاتِ والتُّوَيْتَاتِ والأسَامَاتِ، يعني: بني حُمَيْد، وبني تُوَيْت، وبني أسامة، وهم من بني أسد بن عبد العُزَّى(٦). وأنشد له في القصيدة التاوية: محض الضريبة، عالي الهمّ مُخْتَلق: أي عظيم الخلق: جَلْد النَّحيزة ناءٍ بالعظيمات. ليس قوله: ناءٍ من النأي، فتكون الهمزةُ فيه عينَ الفعل، وإنما هو من ناء يَنُوء إذا نهض فالهمزة فيه لام الفعل، كما هو في جاء عند الخليل، فإنه عنده مقلوب، ووزنه: فالع، والياء التي بعد الهمزة هي: عين الفعل في جاء يجيء. (١) الحنفري: أكثري بالدمع وصبي. انظر اللسان (٣٥٢/٤). (٢) لا نكس: النون والكاف والسين أصل يدل على قلب الشي. والنّكْسُ: السهم الذي ينكسر فوقهُ فيجعل أعلاه أسفله. مقاييس اللغة (٤٧٧/٥). (٣) وكل: أي غير معتمد على غيره. والوكل: الرجل الضعيف. مقاييس اللغة (١٣٦/٦). (٤) الفيض: الفاء والباء والضاد أصل صحيح يدل على جريان الشيء بسهولة ثم يقاس عليه. السابق (٤ / ٤٦٥). (٥) استخرطي: ألحّي واستمري. (٦) هم: حميد بن أسامة بن زهير بن الحارث، وأسامة بن زهير بن الحارث. ٢٥٣ أُمْسَى برَذمان عنَّا اليومَ مُغْترِبا وأبكي - لك الويْلُ - إمّا كنت باكية وهاشم في ضَرِيحِ وَسْطَ بَلْقَعَةٍ ونوفل كان دون القوم خالِصتي لم ألْقَ مثلَهُمُ عُجْمًا ولا عَرَبًا أمْسَتْ ديارُهُمُ منهم مُعَطّلة أفْناهُمُ الدَّهرُ، أم كلَّت سيوفُهُمُ أصبحتُ أرضى من الأقوام بعدَهُم يا عينُ فابكي أبا الشُّعثِ الشَّجيَّات يبكين أكرمَ مَنْ يَمْشي على قَدَم يبكين شخصًا طويلَ الباعِ ذا فَجَرٍ(٣) يبكينَ عَمْرو العُلا إِذ حان مَضْرعُه يبكينه مُستكينات على حَزَن يبكين لمَّا جلاهنّ الزَّمانُ له مُحتزمات على أوساطهِنْ لِمَا أبِيتُ لَيْلي أُراعي النَّجم من ألمٍ ما في القُروم(٧) لهم عِذْل ولا خَطَر أبناؤهم خيرُ أبناءِ، وأنفُسُهم كم وَهَبوا من طِمِرٌّ(٨) سابح أرِنٍ(٩) ومن سُيوف من الهِنْدِيّ مخْلَصَةٍ يا لَهْفَ نَفْسي عليه بين أمْوات لِعَبْدِ شَمْس بِشَرْقِيّ البَنِيَّات(١) تَسْفي الرياحُ عليه بين غَزّات أمسَى بسَلْمان في رَمْس(٢) بِمَوْمَاة إذا استقلَّت بهم أُدْم الْمَطِيَّات وقد يكونون زَيْنا في السَّرِيَّات أم كلُّ مَنْ عاش أزوادُ الْمَنيَّات بَسْطَ الوجوه وإلقاء التحيَّات يَبْكينه حُسَّرًا مثل البَلِيَّات يُغْوِلْنه بدُموع بعد عَبرات آبي الهَضِيمة(٤)، فراج الجَليلات(٥) سَمْحَ السَّجِيَّة، بسَّامَ الْعِشِيَّات(٦) يا طولَ ذلك مِنْ حزن وعَوْلات خُضْر الخدود كأمثال الحَمِيَّات جرّ الزّمان مِنَ أحْداث الْمُصيبات أبكي، وتبكي معي شَجْوِي بُنيَّاتي ولا لمن تركوا شَرْوی بَقِيَّات خيرُ النّفوس لدى جَهْد الأليَّات ومن طِمِرَّةِ نَهْبٍ في طِمِرَّات ومِنْ رِماحِ كأشطان الرِّكِيَّات (١) شرقي البنيات: أي الكعبة. (٣) الفجر: الجود. (٥) الجليلات: الأمور العظام. (٧) القروم: الأسياد الأشراف. (٩) أرن: نشيط. (٢) الرمس: التراب. (٤) الهضيم: الظلم. (٦) بسام العشيات: أي ضاحك مبتسم. (٨) طمر: أي فرس. ٢٥٤ ومن توابع ممَّا يفضِلون پِها فلو حَسبْتُ وأخْصَى الحاسبون معي هُمُ المُدِلُونَ إِمَّا مَغْشَر فَخَروا زَيْنُ البيوت التي خَلوا مساكنها عِندَ المسائل مِنْ بَذْل العطيَّات لم أقْضِ أفعَالهم تلك الْهَنِيَّات عند الفَخَارِ بأنسابٍ نَقِيَّات فأصبحتْ منهمُ وخشًا خَلِيَّات لا يُبْعد اللَّهُ أصحابَ الرَّزِيَّات أقولُ والعينُ لا ترقا مدامعُها: قال ابن هشام: الفَجَرَ: العطاء: قال أبو خِراش الهُذَليّ: عَجْف أضيافي جميلُ بنُ معمر بذي فَجَر تأوي إليه الأراملُ قال ابن إسحاق: أبو الشّعث الشَّجيَّات: هاشم بن عبد مناف. قال: ثم وَلِيَ عبدُ المطلب بن هاشم السِّقايةَ والرِّفادة بعد عمّه المطّلب، فأقامها للناس، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبلَه لقومهم من أمرهم، وشَرُف في قومه شرفًا لم يَبْلُغْه أحدٌ من آبائه، وأحبّه قومُه وعظم خَطَرَه فيهم. وفيه ((شرقي الْبَنِيَّات)) يعني: الْبَنِيَّة، وهي: الكعبة، وهو نحو مما تقدم في غَزَّات. وفيه الشّعث الشَّجِيَّات. فشدد ياءَ الشجيّ، وإن كان أهل اللغة قد قالوا: ياء الشَّجِي مخففة، وياء الخليّ مشددة، وقد اعترض ابن قتيبة على أبي تمام الطائي في قوله: وَوَيْحِ الدمع من إحدى بَلِيّ أيا ويح الشّجِيِّ منَ الخَلِيِّ واحتج بقول يعقوب في ذلك، فقال له الطائي: ومَن أفصح عندك: ابن الْجُرمُقانيَّة يعقوب، أم أبو الأسود الدُّؤَليّ حيث يقول؟ !: وَيْلُ الشَّجِيِّ من الخَليِّ فإنه وَصِبُ الفؤادِ بِشَجْوِهِ مَغْمُومُ قال المؤلف: وبيت مطرود أقوى في الحجة من بيت أبي الأسود الدُّؤَلي، لأنه جاهِلي مُحَكِّكٌ، وأبو الأسود: أول مَن صنع النحو، فشعرُه قريب من التوليد، ولا يمتنع في القياس أيضًا أن يقال: شَجِيْ وشَجٍ، لأنه في معنى: حَزِنٌ وحزين، وقد قيل: مَن شدَّد الياء، فهو فعيل بمعنى مفعول(١). وفيه بعد قوله: أبا الشعث الشَّجِيَّاتِ. يبكينه حُسَّرًا مثل الْبَلِيَّات. الْبَلِيَّةُ: الناقة التي كانت تُعْقَل عند قبر صاحبها إذا مات، حتى تموت جوعًا وعطشًا، ويقولون: إنه يُحشر راكبًا (١) شجي: انظر مقاييس اللغة (١٧٨/٣). ٢٥٥ عليها، ومَن لم يُفعَل معه هذا حُشِر راجِلاً، وهذا على مذهب مَن كان منهم يقول بالبعث، وهم الأقل، ومنهم زُهَيْرٌ، فإنه قال: ليوم الحساب، أو يُعَجَّل فَيَنْقَم يُؤَخَّرْ فِيُوضَعْ في كتابٍ فَيُدَخَز وقال الشاعر في الْبَلِيَّة: ما نحات السَّمُوم حُرَّ الخُدود والْبَلايا رُؤوسُها في الْوَلايا والولايا: هي الْبَراذِعِ، وكانوا يَتْقُبون الْبَرْذَعةَ، فيجْعلونها في عُنُقَ الْبَلِيَّة، وهي مَعْقُولَةٌ، حتى تموت، وأوصى رجلٌ ابنَه عند الموت بهذا: لاَ تَتْرُكَنَّ أباكَ يُخشَر مرةً عَدْوًا يَخِرُّ على اليدين، ويَنْكُب في أبيات ذكرها الخطابي. وقوله: قيامًا كالْحَمِيَّاتِ. أي: مُخْترِقات الأكبادِ كالبَقَر أو الظباء التي حمِيت الماءَ وهي عاطشة، فحمِيَّة بمعنى: مَحْمِيَّة، لكنها جاءت بالتاء، لأنها أُجريت مجرى الأسماء كالرَّمِيَّةِ والضَّحِية والطّرِيدة وفي معنى الْحَمِي قول رؤبة: قَواطِنُ مكة من وُرْقِ الْحَمِي يريد الحمام، المَحْمِيِّ، أي: الممنوع. وقوله: في رَمْسٍ بِمَوْماة: الأظهرُ فيه أن تكونَ الميم أصلية، ويكون مما ضوعفت فاؤه وعينه، وحمله على هذا الأصل أولى لكثرته في الكلام، وإن كان أصل الميم أن تكون زائدة، إذا كانت أولَ الكلمة الرَّباعِيَّة أو الخماسية، إلا أن يَمنَعَ من ذلك اشتقاقٌ، ولا اشتقاق هُهُنا، أو يَمْنَعَ من ذلك دخولُه فيما قَلِّ من الكلام نحو: قَلِقِ وسَلِس. قال أبو علي في الْمَرْمَر: حَمْلُه على باب: قَرْقَر وَبَرْبر أولى من حملِه على باب: قَلِقِ وسَلِس، يريد: إنك إن جعلتَ الميمَ زائدةً كانت فاءُ الفعل - وهي الراء - مضاعفةً دون عينِ الفعل، وهي الميم، وإذا جعلت الميمَ الأولى في مَزْمَر أصلِية، كان من باب ما ضوعفت فيه الفاءُ والعينُ، وهذا معنى قول سيبويه في الْمَرْمَرِ: مر، وهو القياس الْمُسْتَتِبُّ، والطّرِيقُ الْمَهْيَعُ دون ما ضوعفت فيه الفاء وحدها، فتأمله(١) . وقوله: طَويلَ الباعِ ذا فَجَرٍ. الْفَجَرُ: الجودُ، شُبِّه بانفجار الماء. ويُروى ذا فَنَعِ، والْفَنَعِ: كثرة المال، وقد قال أبو مِحْجَنِ الثّقَّفِيّ: (١) انظر تصريف المازني (٥٦) وشرح الشافية (٥٩/١) وابن جنّ في الخصائص (٢/٢). ٢٥٦ ذكر حفر زمزم وما جرى من الخلف فيها ثم إنّ عبد المطلب بينما هو نائم في الْحِجْر إذ أُتي، فأُمِر بحفر زمزم. قال ابن إسحاق: وكان أوّل ما ابتدىء به عبدُ المطلب من حَفْرها، كما حدثني يَزِيد بن أبي حبيب المصري عن مَرْئد بن عبد الله اليَزنيّ عن عبد الله بن زُرَيْر الغافقي: أنه سمع عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يحدّث حديث زمزم حين أُمِرَ عبدُ المطلب بحَفْرها، قال: قال عبدُ المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آتٍ فقال: اخفِر طِيبَة. قال: قلت: وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعتُ إلى مضجعي فنِمْت فيه، فجاءني فقال: احفِر بَرَّة. قال: فقلت: وما برّة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعتُ إلى مَضْجعي، فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر الْمَضنونة. قال: قلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعتُ إلى مضجعي، فيِمْت فيه، فجاءني فقال: احْفِرْ زمزم. قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تَنْزِف أبدًا ولا تُذَمّ، تسقي الحَجيجَ الأعظم، وهي بين الفَرْث والدم، عند نُقْرة الغراب الأعصم، عند قَرْية الثَّمل. وقد أجودُ وما مالي بذي فَنَعِ(١) وأكْتُمُ السِّرَّ فيه ضَرْبةُ الْعُنُقِ وقوله: بَسَّام العشيات: يعني: أنه يضحك للأضيافِ، ويَبْسِمُ عند لقائهم كما قال الآخر، وهو حاتم الطائي: ويَخْصِبُ عندي، والْمَحَلّ جَدِیبُ أُضاحك ضَيْفِي قبل إنْزَال رَحْلِه ولكنما وَجهُ الكريم خَصِيبُ وما الْخِصْبُ للأضيافِ أن یکْثُر الْقِری حدیث زمزم وكانت زَمْزَم - كما تقدم - سُقْيا إسماعيلَ، عليه السلامُ، فجرَّها له رُوحُ القُدُسِ بعقِهِ، وفي تفجيره إيَّاهَا بالعَقِبِ دون أن يُفْجِّرها باليدِ أو غيرِه: إشارةٌ إلى أنها لعقِبِهِ وراثةً، وهو محمد - ﴿ - وأمته، كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلَها كِلِمَةٌ باقيةً في عَقِهِ﴾ [الزخرف: ٤٣]. أي: في أُمَّةِ محمدٍ - عليه السلام - ثم إن زَمْزَم لما أحدثَت جُرْهُمُ في الحَرَم، واسْتَخَفُوا بالمناسِك والْحُرَم، وبَغى بعضُهم على بعضٍ واجْتَرَم، تَغَوَّرَ ماءُ زَمْزَم واكْتُتِم، فلما أخرج الله جُرْهُمَ من مكةَ بالأسبابِ التي تقدم ذكرُها عَمّد الحرثُ بن مِضاض الأصْغَرُ إلى ما كان عنده (١) الفنع: الكلام والجود. ٢٥٧ الروض الأنف/ ج ١ / م ١٧ من مالِ الكعبة، وفيه غَزالان من ذَهَبٍ وأسيافٍ قَلْعِيَّةَ (١) كان سَاسانُ مَلِكُ الْفُرْسِ قد أهداها إلى الكعبةِ، وقيل: سابورُ، وقد قدّمنا أن الأوائلَ من مُلوكِ الْفُرْسِ كانت تحجّها إلى عهدٍ ساسانَ، أو سابُورَ، فلما علم ابن مِضاضٍ أنه مُخْرَجٌ منها، جاء تحت جُنْحِ الليل حتى دَفن ذلك في زَمْزَم، وعَفَّى عليها، ولم تَزَلْ دَارِسَة عافيًا أثرُها، حتى آنَ مولدُ الَّمُبَاركِ الذي كان يُسْتَسْقَى بوجْهِه غَيْثُ السَّماءِ وتَتَفَجَّر من بنَانِهِ ينابيعُ الماءِ، صاحبِ الْكَوْثِرِ والْخَوضِ الرَّوَاءِ، فلما آن ظهورُه أذِن لله تعالى لِسُقْيًا أبيه أن تظهر، ولِما انْدَفَنَ من مائها أن تُجتَهَر(٢)، فكان - ﴿ - قد سقت الناسَ بَرَكَتُه قبل أن يُولَد وسُقوا بدعوته، وهو طِفل حين أَجْدَبَت البلد، وذلك حين خرج به جدّه مُسْتَسْقيًا لقُريش(٣)، وسيأتي بيان ذلك ــ فيما بعد إن شاء الله - وسُقِيت الْخَلِيقَةُ كلُّها غُيوثَ السماءِ في حياته الْفَيْنَةَ بعد الْفَيْنَةِ، والْمَرَّة بعد المرة، وتارة بدعائه، وتارة من بَنَّانه، وتارَةً بإلقاء سَهْمه، ثم بعد موته - عليه السلام - اسْتَشْفَعَ عُمَرُ بعمُه - رضي الله عنهما - عامَ الرَّمَادَةِ(٤). وأقسم عليه به وبنبيه(٥)، فلم يَبْرَحَ، حتى قَلَصُوا لمازِرَ، واعْتَلَقوا الحِذاء، وخاضوا الغُدْرَان، وسَمِعْتِ الرِّفَاقُ المقبلةُ إلى المدينة في ذلك اليوم صائحًا يصيح في السَّحاب: أتاكَ الغوثُ أبَا حَقْص، أتاك الغوث أبا حَفْص(٥)، كل هذا ببركة الْمُبْتَعث بالرحمتين، والداعي إلى الحياتين الموعود بهما على يديه في الدارين - * - صلاة تصعد ولاً تَنْفَدَ، وتتَّصِل ولاَ تنفصِل، وتُقِيم، ولا تَرِيمُ(٦)، إنه مُنْعِمْ کریم. أسماء زمزم: فصل: فأُرَى عبدُ المطلب في منامِه: أن احْفِرْ طِيبَة، فسُمِّيت طيبة، لأنها للطيبين والطيبات من ولد إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - وقيل له: اختَفِرْ بَرَّة، وهو اسم صادق عليها أيضًا، لأنها فاضت للأبرار، وغاضت عن الفُجار، وقيل له: احفِرْ الْمَضْنُونة. قال وهب بن مُنَبِّه: سُمِّيَتْ زمزم: الْمَضْنُونَة لأنها ضُنَّ بها على غير المؤمنين، فلاَ يَتَضَلَّع منها (١) قلعية: نسبة لقلعة بالهند. (٢) تجتهر: أي تنزح وتنقى. (٣) لا صحة لهذه القصة ولا حاجة لنا إلى المغالاة وكفاه ﴿ تشريف ربّ السموات والأرض باصطفائه نبيًّا رسولاً إلى الثقلين - ﴾ .. (٤) انظر استسقاء عمر بالمطلب رضي الله عنهما عند البخاري في الاستسقاء (٣) وقضائل الصحابة (١١). (٥) لا صحة لما قال رحمه الله تعالى، وانظر الحدث في موضعه المشار إليه آنفًا. (١) تريم: تنقص. ٢٥٨ منافق، وروى الدَّارَقُطْنِي ما يقوّي ذلك مُسْندًا عن النبي - ﴿ه ـ: (مَن شرب من زمزم فَلْيَتَضَلَّعِ(١)، فإنه فَرْقُ ما بيننا وبين المنافقين، لا يستطيعون أن يَتَضَلُّعوا منها (٢)، أو كما قال. وفي تسميتها بالْمَضْنُونة روايةٌ أخرى، رواها الزبيرُ: أن عبد المطلب قيل له: احْفِر الْمَضْئُونَة ضَننت بها على الناس إلا عليك، أو كما قال. العلامات التي رآها عبد المطلب وتأويلها: ودُلَّ عليها بعلاماتٍ ثلاثٍ: بنُقْرةِ الغُرابِ الأعْصَم (٣)، وأنها بين الفَرْث (٤) والدم، وعند قرية النَّمل، ويُروَى أنه لمّا قام ليَخْفِرَها رأى ما رُسِمَ مِن قرية النمل ونُقُرَةِ الغراب، ولَمْ يَرَ الْفَرْثَ والدم، فبينا هو كذلك نَدَّتِ بَقَرةٌ بجازرها، فلم يُذْرِكها؛ حتى دخلت المسجدَ الحرام، فنحَرها في الموضِع الذي رُسم لعبد المطلب، فسالَ هناك الْفَرتُ والدمُ، فحفَر عبدُ المطلب حیث رُسِم له. ولم تَخصّ هذه العلامات الثلاث بأن تكون دليلاً عليها إلا لحكمةِ إلهيَّةٍ، وفائدةٍ مُشاكِلةٍ في علم التعبير، والتَّوسُم الصادق لمعنى زمزَم ومائِها. أما الْفَرْثُ والدِّمُ، فإن ماءها طعَامُ طُعْم، وشِفاءُ سُقْم(٥)، وهي لما شُرِبت له (٦)، وقد تَقَوَّت من مائها أبو ذر - رضي الله عنه - ثلاثينَ بَيْنَ يوم وليلة، فَسَمِنَ حتى تكسَّرت عُكَنُهُ(٧)، [وما وجد على كبده سَخْفَة(٨) جوع](٩) فهي إذًا كمّا قال رسول الله - وَ لغر - في اللبن: إذا شرب أحدكم اللبن، فليقل: اللَّهمَّ بارك لنا فيه وزِذْنَا منه، فإنه ليس شيءٍ يَسُدُّ مَسَدَّ الطعام والشّراب إلا اللبن(١٠)، وقد (١) تضلع: شبع وري. (٢) ((حسن)). أخرجه الدارقطني (٢٨٨/٢ - بتحقيقي) وابن ماجه (٣٠٦١). في الزوائد: هذا إسناد. صحيح. رجاله موثقون. (٣) الأعصم: الذي في جناحيه بیاض. (٤) الفرث: الفاء والراء والثاء أصيل يدل على شيء فتفتت. يقال فرث كبده: فَتَّها. والفَرْث: ما في الكرش: ويقال على معنى الاستعارة: أفرث فلانٌ أصحابه، إذا سعى بهم وألقاهم في بليّة. مقاييس اللغة (٤٩٨/٤). (٥) ماءها طعام طُعم وشفاء سُقم: معنى حديث لرسول الله وَلافر. وتقدم تخريجه. (٦) (ماء زمزم لما شرب له)) حديث أخرجه ابن ماجه (٣٠٦٢) وأحمد (٣٥٧/٣) والبيهقي (٢٠٢/٥) والحاكم (٣٧٣/١) والدارقطني: (٢/ ٢٨٩ - بتحقيقي). والحديث ((حسن)). (٧) العكن: الطي الذي في البطن من السمن. (٨) السخفة: الهزال. (٩) (صحيح)). أخرجه مسلم في فضائل الصحابة (١٣٢) وأحمد (١٧٥/٥). (١٠) ((حسن)). أخرجه أبو داود (٣٧٣٠) بتحقيقي والترمذي (٣٤٥١) وأحمد (٢٢٥/١) وانظر: ((زبدة= ٢٥٩ قال الله تعالى في اللبن: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ ودَم لَبنَا خالِصًا سَائِغًا للشاربين﴾ [النحل: ٦٦]. فظهرت هذه السُّقْيا المباركة بين الْفَرْث والدَّم، وكانت تلك من دلائلها المشاكلة لمعناها. وأما قوله: الْغُرَابُ الأعْصَمُ، قال الْقُتَبِيُّ: الأعْصَمُ من الْغِربان الذي في جناحيه بَیَاضٌ، وَحَمَلَ على أبي عبيد لقوله في شرح الحديث: الأعصم الذي في يديه بياض، وقال: كيف يكون للغراب يَدَان؟. وإنما أراد أبو عُبَيْدٍ أن هذا الوصف لذواتِ الأزبع؛ ولذلك قال: إن هذا الوصفَ في الغِربانِ عزيزٌ، وكأنه ذهب إلى الذي أراد ابنُ قَتَيْبَة من بياض الجناحين، ولولا ذلك لقال: إنه في الغربان مُحال لا يتصور. وفي مُسْند ابن أبي شَيْبَة من طريق أبي أُمَامةَ عن النبي - وَجَزِ ـ ما يُغْني عن قوليهما، وفيه الشّفاء: أنه قال: قال رسول الله - ◌َّ} -: ((المرأة الصالِحَةُ في النساءِ كالغرابِ الأعْصَم)». قيل: يا رسول الله، وما الْغُرَابُ الأعْصَمُ؟ قال: ((الذي إحدى رجليه بَيْضاء)»(١). فالغراب في التأويل: فاسق، وهو أسود، فَدَلَّت نُقْرَتُه عند الكعبة على نُقْرَةِ الأسْوَدِ الْحَبَشِيِّ بِمِعْوَله في أساس الكعبة يَهْدِمها في آخر الزمانِ، فكان نَقْرُ الغرابِ في ذلك المكان يُؤذن بما يفعله الفاسقُ الأسودُ في آخر الزمانِ بِقِبْلَةِ الرَّحْمن، وسُقْيا أهل الإيمان، وذلك عندما يُرفع القرآنُ، وتحيا عبادةُ الأوثان، وفي الصحيح عن رسول الله - وَ﴿ه -: (لَيُخَرِّبَنَّ الكعبة ذو السُّوَيْقَتَيْنِ من الحبشة))(٢). وفي الصحيح أيضًا من صفته: أنه [أسود] أفْحَجُ، [يقلعها حجرًا حَجَرًا] وهذا أيضًا ينظر إلى كون الغراب أعْصَمَ؛ إذِ الْفَحَجُ: تباعُدٌ في الرِّجْلين، كما أن الْعَصَمَ اختلافٌ فيهما، والاختلافُ: تباعُذْ وقد عُرِف بذي السُّوَيْقَتَيْنِ، كما نُعت الغرابُ بصفةٍ في ساقيه، فتأمَّلُهُ، وهذا من خَفِيٍّ علم التأويلِ، لأنها كانت رُؤْيَا، وإن شِئتَ: كان من باب الزَّجْرِ والتَّوَسُم الصَّادقِ والاعتبار والتفكِيرِ في معالم حكمة - الله تعالى - فهذا سعيدُ بنُ الْمُسَيِّب، وهو مَنْ هُو عِلْمًا ووَرَعًا حين حُدِّث بحديث البئر في البستانٍ، وأن رسول الله - رَّ﴾ - قعد على قُفِّها(٣)، وَدَلَّى رجليه فيها، ثم جاء أبو بكر - رضي الله عنه - ففعل مثل ذلك، ثم جاء عمَرُ - رضي الله عنه - ففعل مثلَ ذلك، ثم جاء عثمانُ، فانْتَبذَ منهم ناحية؛ وَقَعَدَ حَجْرةٌ(٤). قال سعيدُ بن المُسَيِّبِ: فأوَّلتُ ذلك قبورهم، اجتمعت قبورُ الثلاثة، وانفرد قبرُ عثمان - رضي الله عنه(٥) - والله سبحانه اللبن)) للسيوطي. = (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٣/٧). (٢) ((صحيح)). أخرجه البخاري في الحج (٤٧) ومسلم في الفتن (٥٩/٥٨/٥٧) وأحمد (٢٢٠/٢). (٤) حجرة: ناحية. (٣) القُفّ: الدكّة حول البئر. (٥) انظر الأمر باستفاضة الكتاب القيم لابن القيم رحمه الله تعالى ((الطرق الحكمية)). ٢٦٠