Indexed OCR Text

Pages 161-180

فقال عمرو: بل أطبُخ، فَلَحِق عامرٌ بالإبل فجاء بها، فلما راحا على أبيهما حدّثاه
بشأنهما، فقال لعامر: أنت مُذْرِكة، وقال لعمرو: وأنت طابخة.
وأما قَمَعة فيزعُمِ نُسَّاب مضر: أن خزاعة من ولد عمرو بن لُحَيّ بن قَمعة بن
إلیاس.
قال :
ابْنَيْ نِزَارِ انْصُرا أخاكما إنّ أبي وَجَدْتُهُ أباكما
لن يُغلَب اليومَ أخٌ وَالاكُما
وقد تیامنت، فلَحِقتْ بالیمن.
قال ابنُ هشام: قالت اليمن: وَبَجِيلة: أنمارُ بن إراش بن لِخيان بن عمرو بن
الغَوْث بن نبْت بن مالك بن زيد بن کَھْلان بن سَبأ، ويقال: إراش بنُ عمرو بن
لِخيان بن الغَوث. ودار بجَيلَة وخَثْعم: يمانية.
أولاد مضر:
قال ابن إسحق: فولد مُضَر بن نزار رَجُلَيْن: إلياس بن مُضّر، وعَيْلان بن مضر.
قال ابن هشام: وأُمهما: جُرْهُمِيَّة.
أولاد إلیاس :
قال ابن إسحاق: فولد إلياسُ بن مُضَر ثلاثة نفر: مُدركة بن إلياس، وطابخة بن
إلياس، وقَمَعة بن إلياس وأُمهم: خِنْدِف: امرأة من اليمن.
قال ابن هشام: خِتْدِف بنت عِمْران بن الحاف بن قُضاعة.
قال ابن إسحاق: وكان اسم مُذْرِكة عامرًا، واسمُ طابخةَ عمْرًا، وزعموا أنهما كانا
في إبل لهما يَرْعيانها، فاقتنصا صيدًا، فقَعدا عليه يطبخانه، وعَدَتْ عاديةٌ على إبلهما،
فقال عامر لعَمْرو: أتدرك الإبلَ، أم تطبخ هذا الصيدَ؟
وأما أنمار بن نِزار، وهو أبو بَجيلة وخَتْعَم فسُمِّي: بالأنمار جمع نَمِر، كما سُمُّوا
بسِباع وكلاب، وأُم بنيه: بَجِيلة بنت صَعْب بن سَعْد الْعَشِيرَة ولد له من غيرها أقْتَلُ وهو:
خَثْعَمُ، وولدت له عَبْقَر في خَمْسة عشر، سمّاهم أبو الفرج، عنهم تناسلت قبائلُ بَجِيلةَ
وهم: وَدَاعة وخُزَيمة وصُهيبة [في الأصل: صحيم] والحارث ومالك وشَيْبة وطريفَة وَفَهْمٌ
الروض الأنف/ ج ١/ م ١١
١٦١

والغوث وسهل وعبقر وأشهل كلهم بنو أنمار، ويقال: إن بَجِيلة حبشية حضنَت أولاد أنمار
الذين سَمَّينا، ولم تَخْضُنْ أقتل، وهو: خَثْعم، فلم يُنسبَ إليها. روى التّرْمِذِيُّ من طريق
فَرْوَة بن مُسَيْكِ أنه لما أنزل الله في سبأ ما أنزل، قال رجل: يا رسول الله ما سبأ: امرأة أم
أرض؟ قال: ((ليس بامرأة ولا أرضٍ، ولكنه رجل وَلَد عشْرةً من العرَب، فتيا من مِنهم ستة،
وتشاءم(١) أربعة، فأما الذين تشاءموا: فَلَخْمّ وجُذام وعامِلة وغَسَّان، وأما الذين تيامنوا(٢):
فالأزْدُ والأشعرون وحِمير ومَذْحِج وكِنْدة وأنمار))، قال الرجل: ومَنْ أنمار؟ قال: ((الذين
منهم خثعم وبچیلة))(٣). وقوله:
نعم الفتى، وبئست الْقَبيلة
لولا جَريرٌ هلكت بجيلة
قال لما سمع هذا: ما مُدح رجُلُ هُجِيَ قومُه، وجرير هذا هو: ابن عبد الله بن جابر،
وهو: الشُّلَيْل بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن جُشّم بن عُوَيْف بن جَذِيمَة بن عديّ بن
مالك بن سعد بن يزيد بن قَسْرٍ، وهو مالك بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن
الغوث، يكنّى: أبا عمرو، وقيل: أنا عبد الله، وفيه قال النبي ◌َّر: ((يطلع عليكم خيرُ ذي
يَمَنٍ، عليه مَسْحَة ملك))(٤) وكان عمر يسمّيه: يوسف هذه الأمة، وكان من مقبلي الظعن،
وكانت نعله: طولُها: ذراعٌ فيما ذكروا. ومن النذير بن قسر: الْعُرَنِيُّون الذين قَدِموا على
رسول الله - رَ﴿ - فاجتَووَا(٥) المدينة، وحديثهم مشهور، وهم بنو عُرَيْنة بن النذير، أو بنو
عُرَينة بن ربيعة بن نذير، لأنهما عُرَينتان، وأحدهما: عمّ الآخر.
وقال ابن إسحق في السيرة: مَن بني قيس: كُبَّة من بجيلة.
وقوله: وهو ينافر الفُرافِصة [بن الأحوص] الكلبي إلى الأقرع بن حابس التميمي.
ينافر: أي يحاكم. قال قاسم بن ثابت: لفظ المنافَرة مأخوذ من النَّفر، وكانوا إذا تنازع
الرجلان، وادَّعى كل واحد منهم أنه أعزّ نفرًا من صاحبه، تحاكموا إلى العَلاَّمة، فمَن
فضِّل منهما قيل: نفّره عليه أي: فضل نفره على نَفَرِ الآخر: فمن هذا أَخِذت المنافرة،
(١) تشاءم: قصدوا الشام.
(٢) تيامن: قصدوا اليمن.
(٣) ((حسن) أخرجه الترمذي (٣٢٢٠) وأبو داود (٣٩٨٨ - بتحقيقي).
(٤) ((إسناده ضعيف جدًا)). أخرجه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن السائب الكلبي. كذاب. انظر
كنز العمال (٣٦٩٢٩) والحميري مطوّلاً (٨٠٠) وأحمد (٣٦٤/٣٦٠/٤).
(٥) اجتووا: أي أصابهم الجوى. وهو داء يصيب الجوف.
١٦٢

وقال زُهَيْر:
فإن الحقَّ مقطعُه ثلاثٌ
يمينٌ، أو نِفارٌ أو جَلاءِ(١)
والفُرافِصة بالضم: اسمُ الأسد، وبالفتح اسم الرجل، وقد قيل: كل فُرافصة في العرب
بالضم إلا الفَرافصة أبا نائلة صهر عثمان بن عفان فإنه بالفتح.
وقوله: إنك إن تَضْرَع أخاك تُضْرَعُ. وُجِدت في حاشية أبي بحر، قال: الأشهر في
الرواية: إنْ يُضْرَع أخوك، وإنما لم ينجزم الفعل الآخر على جواب الشرط؛ لأنه في نيّة
التقديم عند سيبويه، وهو على إضمار الفاء عند المبرد، وما ذكر في أنمار من قول أهل
اليمن يشهد له حديث الترمذي المتقدّم.
وذكر أُم إلياس، وقال فيها: امرأة من جُرْهُم، ولم يسمِّها، وليست من جرهم، وإنما
هي الرِّباب بنت حَيْدةً بن معدّ بن عدنان فيما ذكر الطبري، وقد قدّمنا ذلك في نسب
النبي - * -.
وأما عَيْلان أخو إلياس، فقد قيل: إنه قيس نفسه لا أبوه، وسُمِّي بفرس له اسمُه:
عَيْلان، وكان يجاوره قيس كُبَّة من بَجيلة ◌ُرِفَ بكبة اسم فرسه فُرُق بينهما بهذه الإضافة،
وقيل: عَيْلاَن اسم كلب له، وكان يقال له: النَّاسُ، ولأخيه: إلياس، وقد تقدّم في أول
الكتاب القول في عمود نسب رسول الله - ﴿ - وما فيه غُنْيَةٌ من شرخ تلك الأسماء.
وذكر مدركة وطابخة وقَّمَعة وسبب تسميتهم بهذه الأسماءِ، وفي الخبر زيادةٌ، وهو أن
إلياس قال لأُمُّهم - وَاسمها ليلى، وأُمُّها: ضَرِيَّةُ بنت ربيعة بن نزار التي يُنسب إليها: حِمَى
ضَرِيَّة، وقد أقبلتِ تُخَتْدِف في مشيتها: ما لَكِ تُخَتْدفين؟ فسُمْيت: خِئْدِف، والْخَنْدِفَةُ: سُرْعَةٌ
في مشي وقال لمدركة:
وأنت قد أدركْتَ مَّا طَلَبْئًا
وقال لطابخة :
وأنت قد أنْضَجْت ما طبختا
وقال لِقَّمَعَةً وهو عُمَيرٌ:
وأنت قد قعدت فانْقَمَعْنًا
(١) جلاء: بيِّن.
١٦٣

٠٠
قصة عمرو بن لحي وذكر أصنام العرب:
حديث جَرِّ عمرو قُصْبَهُ في النار:
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبدُ الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عَمْرو بن حَزْم عن
أبيه قال:
حُدِّثت أن رسول الله - رَّ - قال: ((رأيت عمرو بن لُحَيّ يجُرُّ قُصْبَه في النار،
فسألته عمَّن بيني وبينه من الناس، فقال: هَلَكوا))(١).
وخِنْدِفُ التي عُرِف بها بنو إلياس، وهي التي ضُربت الأمثالُ بحزنها على إلياسٍ،
وذلك أنها تركت بنيها، وساحت في الأرض تبكيه، حتى ماتت كَمَدًا، وكان مات يوم
خميس، وكانت إذا جاء الخميس بكت من أول النهار إلى آخره فمما قيل من الشعر في
ذلك :
بكته به حتى ترى الشّمْسَ تَغْرُب
إذا مُؤْنِسٌ لاحت خَرَاطِيمُ شَمْسِه
ولم يُغْنِها حُزْنٌ ونَفْسٌ تعَذَّبُ
فما رَدِّ بأسّا حُزنُها وعويلُها
وكانوا يسمّون الخميس: مُؤْنِسًا قال الزبير: وإنما نُسِب بنو إلياس لأُمهم؛ لأنها حين
تركتهم شُغْلاً لحزنها على أبيهم، رحمهم الناسُ فقالوا: هؤلاء أولاد خِنْدِف الذین ترکتھم،
وهم صغارٌ أيتامٌ، حتى عرفوا ببني خِنْدِف. وأما عَوَانة بنتُ سعد بن قيس عَيْلاَن فسُمْيَتْ:
الْعَوَانة وهي الناقة الطويلة.
وذكر حديث عَمْرو بن لُحَي بن قَمَعَة بن إلياس، وقد تقدّم في نسب خزاعة وأسْلم
أنهما ابنا حارثة بن ثعلبة، وأن ربيعة بن حارثة هو أبو خزاعة من بني أبي حارثة بن عامر،
لا مِن حارثة، وسيأتي ذلك. وقول النبي - وَلجر - لأسلم: ((ارْمُوا يا بني إسماعيل، فإن أباكم
كان راميًا)»(٢) وهو معارِضٌ لحديث أكثم بن الْجَوْنِ في الظاهر، إلاَّ أن بعض أهلَ النسب ذكر
أنَّ عَمْرو بن لُحَيّ كان حارثة قد خلف على أُمه بعد أن آمَتْ من قَمّعَة، ولُحَيٍّ صغيرٌ.
ولُحَيٍّ هو: ربيعةُ، فتبنّاه حارثة، وانتسب إليه فيكون النسب صحيحًا بالوجهين جميعًا: إلى
حارثة بالتبنّي، وإلى قَمَعَة بالولادة، وكذلك أسلم بن أفْصَى بن حارثة، فإنه أخو خزاعة،
والقول فيه كالقول في خزاعة، وقيل في أسْلَم بن أفْصَى: إنهم من بني أبي حارثة بن عامر،
(١) (صحيح)). أخرجه البخاري (٢٢٤/٤) ومسلم في الجنة (٥١) وأحمد (٢٧٥/٢).
(٢) ((صحيح)). أخرجه البخاري (٥٩/٦) وأحمد (٥٠/٤) والبيهقي في الكبرى (١٧/١٠) والطبراني
(١٧٤/٣) (٣٦/٧).
١٦٤

قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيْمِيِّ أن أبا صالح
السَّمان حدّثه أنه سَمع أبا هُرَيرة - قال ابن هشام: واسم أبي هُرَيرة. عبد الله بن عامر،
ويقال اسمه: عبد الرحمن بن صَخْر - يقول:
سمعت رسول الله وَل# يقول لأكثم بن الجَوْن الخُزاعِيّ: ((يا أكثم، رأيت عمرو
لُحَيِّ بن قَمعَة بن خِنْدِف يجرّ قُصْبَه فِي النار، فما رأيت رجلاً أشبه برَجُل منك به، ولا
بك منه. فقال أكثم: عسى أن يَضُرَّني شَبَهُهُ يا رسول الله؟ قال: لا، إنك مؤمن وهو
كافر، إنه كان أوّل مَنْ غَيَّر دين إسماعيل، فَنَصب الأوْثان، وَبحَرِ البَحِيرَةَ وسيَّب السَّائبة،
ووَصَل الوصِيلة، وحَمَى الحامي))(١).
لا من بني حارثة، فعلى هذا لا يكون في الحديث حُجَّةٌ لمَنْ نَسَب قحطانَ إلى إسماعيل،
والله أعلم. ومِنْ حُجَّةٍ مَنْ نَسَب خُزاعَةً إلى قَمَعَة مع الحديث المذكور في ذلك قولُ الْمُعَطَّل
[الْهُذَلِيُ] يخاطب قومًا من خزاعةً:
إذا حضروا لاَ يَشْهَدُونَ الْمُعَرَّفَا(٢)
لعلكمُ مِنْ أُسْرَةٍ فَمَعِيَّةٍ
وقوله في حديث أكثم الذي يرويه أبو هريرة. اسم أبي هريرة: عبد الله بن عمرو،
وقيل: عبدُ الرحمن بن صَخْر، وقيل: هو الذي ذكره ابنُ هشام. وقال البخاري اسمه:
عبد شمس بن عبد نُهْم، وقيل: اسمه عبد غَنْم، ويحتمل أن يكون هذا اسمه في الجاهلية،
فبدَّله رسول الله - وَ﴿ه - كما بدَّل كثيرًا من الأسماء، وقد قيل اسمه: يَزيدُ بن عِشْرِقَة،
وقيل: كُزْدوس، وقيل: سُكَيْن. قاله النفسوي، [لعله الْبَغَوِيُّ أو النُّفُوسِي] وقيل غير هذا.
وكَنَّه أبا هريرة رسول الله - بَّهِ - لهِرَّة رآها معه، وقد ذكر أن الْهِرَّةَ كانت وَخْشِيَّة.
وأما أكثم الذي ذكره، فقد صرّح في حديثه بنسب عمرو والد خزاعة، وذكره لقوة
الشّبه بين أكثم وبينه يدل على أنه نسبُ ولادة - كما تقدم ولا سيما على رواية الزبير؛ فإن
فيها أنه قال: رأيت عَمْرو بن لُحَيِّ والد خزاعة يجرّ قُصْبه في النار، وقوله لأكثم: ((إنك
مؤمِن، وهو كافر)) قد روى الحديث الحارث بن أبي أسامة في مسنده أن رسول الله - وَله -
قال هذه المقالة في حديث الدَّجال لعبد الْعُزَّى بن قَطَن، وأن عبدَ الْعُزَّى قال: أيَضُرُّني
شبهي به يا رسول الله؟ يعني: الدجال، فقال كما قال لأكثم: إنك مؤمن وهو كافر،
وأحسب هذا وهمًا في الحديث، والله أعلم كما ذكره البخاري عن الزُّهْرِيِّ. قال: ابن قَطَن
رجل من خزاعة هلك في الجاهلية، ولأكثم عن رسول الله - وَل﴿ - حديثان. أحدهما: ((خير
(١) (صحيح). أخرجه الطبري في تفسيره (٥٦/٧) والبغوي: (١٠٠/٢).
(٢) المعرفا: يعني عرفة.
١٦٥

أول ما كانت عبادة الحجارة
قال ابن هشام: حدّثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لُحَيَّ خرج من مكة إلى الشام
في بعض أموره، فلما قَدِمَ مآبَ من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق - وهم ولد
عِمْلاق. ويقال: عِمْلِيق ابن لاوذ بن سام بن نوح - رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما
الرفقاء أربعة))(١) وقد تكلمنا على معناه في كتاب التعريف والإعلام. والآخر: اغزُ مع غير
قومك، تحسن خلقك))(٢)، قال الإسكاف في كتاب فوائد الأخبار معنى هذا لأن الرجل إذا
غزا مع غير قومه تحفّظ، ولم يَسْتَرسِل وتكلَّف من رياضة نفسه ما لا يتكلّفه في صحبة مَن
يثق باحتماله لنظرهم إليه بعين الرضى، ولصحّة إدلاله، فلذلك تحسن خلقه لرياضة نفسه
على الصبر والاحتمال، فهذا حسن من التأويل غير أن الحديث مختلف في لفظه، فقد رُوِيّ
فيه: سافر مع قومك، وذكر الروايتين أبو عُمَر رحمه الله.
وذكر في الحديث عَمْرو بن لُحَيٍّ، وأنه أول مَن بحَر البحيرة، وقد رُوِيَ أيضًا أن أول
مَن بَحَر البحيرة: رجل من بني مُدلِج كانت له ناقتان، فجدع(٣) آذانهما، وحرّم ألبانهما. قال
رسول الله - *-: ((فرأيته في النارَ يَخْبِطَانه بأخفافهما، ويَعَضَّانه(٤) بأفواههما»، وقال عليه
السلام: ((قد عرفت أول مَن سيَّب السائبة، ونصب النّصب. عمرو بن لُحَيٍّ رأيته يؤذي أهل
النار بريح قُصْبه))(٥). رواه ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر مرسلاً، ولم يقع في رواية
التگائیّ عنه.
أصل عبادة الأوثان
يقال لكل صنم من حجر أو غيره: صنم، ولا يقال: وَثَنّ إلا لما كان من غير صخرة
كالنحاس ونحوه، وكان عمرو بن لُحَيّ حين غلبت خزاعةُ على البيت، ونفت جُرْهم عن
مكة، قد جعلته العرب رَبًّا لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شُرعة؛ لأنه كان يطعم الناس،
ويكسو في الموسم، فربما نحر في الموسم عشرة آلاف بَدَنَة، وكسا عشرة آلاف حُلَّة حتى
[قيل] إنه الَّلاتُ الذي، يَلْتُّ السَّوبق(٦) للحَجِيج على صخرة معروفة تسمى: صخرة اللات،
ويقال إن الذي يلُتُّ كان من ثقيف، فلما مات قال لهم عَمْرو: إنه لم يمت، ولكن دخل في
الصخرة، ثم أمرهم بعبادتها، وأن يبنوا عليها بيتًا يسمى: اللاّت، ويقال: دام أمره وأمر ولده
(١) أخرجه ابن ماجة (٢٨٢٧) والبيهقي في الكبرى (١٥٧/٩) وابن عساكر في تهذيبه (٣٩٦/٤).
(٣) جدع: أي شقّ.
(٢) انظر التخريج السابق.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٣٩٦/٤).
(٦) السويق: طعام من الحنطة والشعير.
(٥) تقدم تخريجه صحيحًا.
١٦٦

هذه الأصنام التي أراكم تَعْبدون؟ قالوا له: هذه أصنامٌ نعبدها، فنَسْتَمْطِرها فتُمْطِرِنا،
ونَسْتَنْصرها فَتَنْصرنا، فقال لهم: أفلا تُعْطُونني منها صَنمًا، فأسيرَ به إلى أرض العرب،
فيعبدوه؟ فأعْطَوه صَنمًا يقال له: هُبّل، فقَدِمَ به مكَّة، فَنَصَبه، وأمَر الناس بعبادته
وتعظيمه.
قال ابن إسحاق: ويزعمون أن أوّل ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل، أنه
كان لا يَظْعَن من مكة ظاعنٌ منهم، حين ضاقت عليهم، والتمسوا الفُسَحَ في البلاد، إلا
حَمَل معه حجرًا من حجارة الحرم تعظيمًا للحرم، فحيثما نزلوا وضعوه، فطافوا به
كطوافهم بالكعبة، حتى سَلَخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة،
وأعجبهم، حتى خَلَف الخُلُوف، ونَسُوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل
غيرَه، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قَبْلَهم من الضلالات، وفيهم
على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسَّكون بها: من تعظيم البيت، والطواف به، والحجّ
والْعُمْرَة والوقوف على عرفة والْمُزْدَلِفَةِ، وهَذي البُذْن، والإهلال بالحجّ والعُمرة، مع
إدخالهم فيه ما ليس منه. فكانت كِنانةُ وقُريش إذا أهلُوا قالوا: ((لَبَّيْكَ اللَّهِمَّ لَبَّيك، لَبِّيك
لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما مَلَك)). فيوحِّدُونه بالتلبية، ثم يُدْخلون معه
أصنامَهم، ويجعلون مِلْكَها بيده. يقول الله تبارك وتعالى لمحمد - وَله -: ﴿وَما يُؤْمِنُ
أكثَرُهُمْ بالله إلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] أي ما يوحّدوننى لمعرفة حقّي إلا جعلوا
معي شريكًا من خلقي.
على هذا بمكة ثلثمائة سنة فلما هلك سُمِيت تلك الصخرة: اللَّت مخففة التاء، واتُّخِذَ صنمًا
يعبد، وقد ذكر ابن إسحق، أنه أول من أدخل الأصنام الحُرُم، وحمل الناس على عبادتها،
وسيأتي ذكر إسَافٍ ونَائلة، وما كان منه في أمرهما. وذكر أبو الوليد الأزْرَقي في أخبار مكة
أن عَمْر بن لُحَيِّ فقأ أعين عشرين بعيرًا، وكانوا يفْفَؤُونَ عينَ الفَخل إذا بلغت الإبل ألفًا،
فإذا بلغت ألفين فقؤوا العين الأخرى قال الراجز:
وكان شُكْرُ القوم عند الْمِنَّنِ كَيُّ الصحيحات، وَفَقْأُ الأغْيُنِ
وكانت التلبيةُ من عهد إبراهيم: لَبِّيك، لا شريك لك لبّيك، حتى كان عمرو بن
لُحَيِّ، فبينما هو يُلَبِيِ تمثّل له الشيطانُ في صورة شيخ يلبّي معه، فقال عمرو: لبيك لا
شريك لك، فقال الشيخ: إلا شريكًا هو لك، فأنكر ذلك عمرو، وقال: ما هذا؟ فقال الشيخ
قل: تملكه وما ملَكَ، فإنه لا بأس بهذا، فقالها عمرو، فدانت(١) بها العربُ.
(١) دانت بها العرب: أي اتخذته دينًا وشريعة ومنهاجًا.
١٦٧

أصنام قوم نوح:
وقد كانت لقوم نوح أصنامٌ قد عكفوا عليها، قصّ الله - تبارك وتعالى - خبرَها على
رسول الله - رَ﴿ - فقال: ﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ولا تَذَرُنَّ وَدَّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ
وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٢، ٢٣].
أصنام القبائل العربية:
فكان الذين اتخذوا تلك الأصنام من ولد إسماعيل وغيرهم، وسمّوا بأسمائهم حین
فارقوا دين إسماعيل: هُذَيلَ بن مُذْركة بن إلياس بن مضر، اتخذوا سُواعًا، فكان لهم
بِرُهاط. وكلب بن وَبْرة من قُضاعة، اتخذوا وَدًّا بدُومَةَ الجَنْدل.
وذكر ابن إسحق ما كان في قوم نوح ومن قبلهم من عبادة الأصنام: وتلك هي
الجاهلية الأولى التي ذكر الله في القرآن في قوله: ﴿ولاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرَّجَ الجاهِليَّة الأولى(١)﴾
[الأحزاب: ٣٣] وكان بدء ذلك في عهد مهلايل بن قَيْنَان فيما ذكروا، وقد ذكر البخاري
عن ابن عباس قال: ((صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، وهي أسماء
قوم صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انْصِبُوا في مجالسهم
التي كانوا يجلسونها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك
وَتُنُوسِخَ العلم عُبدت)). وذكر الطبري هذا المعنى وزاد أن سواعًا كان: ابن شيث، وأن
يغوث كان: ابن سواع، وكذلكَ يَعُوقُ ونَسْر كلما هلك الأول صُوَّرت صورته(٢)، وعُظْمت
لموضعه من الدين، ولما عَهِدوا في دعائه من الإجابة، فلم يزالوا هكذا حتى خَلَفَتْ
الْخُلوفُ، وقالوا: ما عَظّم هؤلاءِ آباؤنا إلا لأنها ترزُق وتنفع وتضر، واتخذوها آلهة، وهذه
أسماء سُزيانية وقعت إلى الهند، فَسَمَّوْا بها أصنامهم التي زعموا أنها صُوَرُ الدَّرَارِي
السبعة، وربما كلّمتهم الجنُّ من جوفها ففَتَتْهُمْ، ثم أدخلها إلى العرب عَمْرو بن لُخَيِّ كما
ذكر أو غيره، وعلّمهم تلك الأسماءَ، وألقاها الشيطانُ على ألسنتهم موافقَّةً لما كانوا في
عهد نوح.
وذكر ابنُ إسحق أن كلب بن وَبْرة من قُضاعة. وَبْرَةُ بِسكون الباء تقيد في نسخة
الشيخ، وهي الأَنْثَى من الْوَبرِ (٣) اتخذوا وَدَّا في دُومَة الْجَنْدَل، ودومة هذه - بضم الدال ـ
(١) وانظر تفسير ابن كثير والطبري والرازي.
(٢) وقالوا: لو صوّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم. فصوروهم. ودبّ من هنا الشرك في
ذريّة آدم عليه السلام من باب ((المغالاة في الصالحين)).
(٣) الوبرة: دويبة على قدر السنور.
١٦٨

قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك الأنصاريّ:
وَنَنْسَى اللَّتَ والعُزَّى ووَدَّا ونَسْلُبها القلائِدَ والشُّنُوفَا
قال ابن هشام: وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله.
.قال ابن هشام: وكَلْب بنُ وَبْرَةَ بن تَغْلِب بن حُلْوان بن عِمْران بن الحاف بن
قضاعة .
قال ابن إسحاق: وأنْعُم من طَيِّىء، وأهل جُرَش من مَذْحِج اتخذوا يغوث
بِجُرَش.
قال ابن هشام. ويقال: أنعَم. وَطيِّىء بن أدد بن مالك، ومالك: مَذْحِجُ بن أُدَد،
ويقال: طيىء بن ◌ُدَدِ بن زيد بن كَهْلان بن سَبَاً.
قال ابن إسحق: وخَيْوانُ بَطْنٌ من هَمْدان، اتخذوا يَعُوقَ بأرض هَمْدان من أرض
الیمن.
ذكروا أنها سُمِّيَتْ بدُومِى بني إسماعيل كان نزلها، ودُومة أخرى بضم الدال عند الكوفة،
ودَوْمة - بفتح الدال - أُخْرى مذكورة في أخبار الرِّدة، كذا وجدته للبكري [في مُعْجَم ما
استعجم] مقيّدًا في أسماء هذه المواضع.
وذكر طيىء بن أُدَد، أو ابن مالك بن أُدَد على الخلاف، ومالك هو: مَذْحِج، وسُمُّوا
مَذْحِجًا بأكمة نزلوا إليها. [وطَيٍّ] من الطَّاءَةِ(١)، وهي بُعد الذهاب في الأرض. قاله ابن
جِنّي، ولم يرض قول القُتَبِيِّ إنه أول مَن طَوَى المناهل، لأنَّ طيئًا مهموز، وطوَيْت غير
مهموز(٢).
وذكر جُرَش في مَذْحِج. والمعروف أنهم في حِمْير، وأن مَذْحِج من كَهْلان بن سبأ،
ويقال: إن الْمُلْكَ كان لكهلانَ بعد حمير، وأن ملكه دام ثلثمائة سنة، ثم عاد في بني حِمْير،
قاله المسعودي(٣). وذكر الدَّارَقُطْنِيُّ أن جُرَشَ وحُرَشَ بالحاء أخوان، وأنهما ابنا عُلَيْم بن
جَنَابِ الكلبي، فهما قَبِيلان من كَلْب - والله أعلم.
(١) الطاءة: الإبعاد في الأرض.
(٢) انظر الاشتقاق لابن دريد (٣٨٠).
(٣) انظر مروج الذهب للمسعودي (٧٤/٢).
١٦٩

قال ابن هشام: وقال مالك بن نَمَطِ الهَمْدانِي :
وَلا يَبْرِي يَعوقُ ولا يَرِيشُ
يَرِيشُ الله في الدنيا ويَبْرِي
وهذا البيت في أبيات له:
قال ابن هشام: اسم هَمْدان: أوْسَلة بن مالك بن زيد بن ربيعة بن أوْسَلَة بن
الخيار بن مالك بن زيد بن كَهْلاَن بن سبأ، ويقال: أوسَلة بنُ زيد بن أوْسَلة بن الخيار.
ويقال: هَمْدان بنُ أوْسَلة بن ربيعة بن مالك بن الخِيار بن مالك بن زيد بن كَهْلان بن
سبأ.
قال ابن إسحاق: وذو الكَلاع من حِمْير، اتخذوا نَسْرًا بأرض حِمْيَر.
وكان لِخَوْلاَنَ صَنمٌ يقال له: عُمْيانِس بأرض خَوْلان، يَقْسمون له من أنعامهم
وحروثهم قسمًا بينه وبين الله بزعمهم، فما دخل في حقِّ عُمْيانِسَ من حَقِّ الله تعالى الذي
سمّوه له تركوه له، وما دخل في حق الله تعالى من حقّ عُمْيانِس ردّوه عليه، وهم بطن
من خوْلاَنَ، يقال لهم: الأديم، وفيهم أنزل الله - تبارك وتعالى - فيما يذكرون: ﴿وَجَعَلُوا
لِلَّهِ ممَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثَ والأنعامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكائنا فَمَا كانَ
لِشُرَكائهم فَلا يَصِلُ إلى الله وَمَا كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُركائِهِمْ ساءَ ما يحكُمُونَ﴾
[الأنعام: ١٣٦].
قال ابن هشام: خَوْلان بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة، ويقال: خَوْلانِ بنُ
عمرو بن مرة بن أَدَد بن زيد بن مِهْسَع بن عمرو بن عَرِيب بن زيد بن کَھْلاَن بن سبأ،
ويقال: خَولان بن عمرو بن سَعْدِ الْعَشِيرَةِ بن مَذْحِج.
وذكر مالك بن نَمَط الْهَمْدانيّ [الخارِفِيَّ]، وهو أبو ثور يلقّب ذا الْمِشْعَار، وهو من
بني خارف، وقد قيل. إنه من يَامِ بن أصي، وكلاهما من هَمْدان وقوله:
يَرِيشُ(١) اللَّهُ في الدنيا ويَبْري
هو من رِشتُ السهم وَبَرَيْتُه، استعير في النفع والضرّ. قال سُوَيد:
فَرِشْنِي طالما قَدْ بَرَيْثَنِي
وخيرُ الموالي مَنْ يريش ولا يَبْری
(١) يريش: رشت فلانًا إذا أعنته وقوّيته.
١٧٠

قال ابن إسحاق: وكان لبّني مِلْكان بن كنانة بن خُزيمة بن مُذْرِكة بن إلياس بن
مُضَر صنم، يقال له: سَعْد: صَخْرة بفلاة من أرضهم طويلة، فأقبل رجل من بني مِلْكان
بإبل له مُؤَبَّلة؛ ليقفها عليه، التماسَ بركته - فيما يزعم - فلما رأته الإبل وكانت مَرْعِيَّة لا
تُركّب، وكان يُهْراق عليه الدماء نفرتْ منه، فذهبتْ في كل وجه، وغَضِب ربها
المِلْكاني، فأخذ حجرًا فرماه به، ثم قال: لا بارك الله فيك، نفْرت عليّ إبلي، ثم خرج
في طلبها حتى جمعها، فلما اجتمعت له قال:
فَشِئَّتَنا سعدٌ، فلا نَحْنُ من سَعْدٍ
أَتَيْنا إلى سَعْدٍ، ليجمَعَ شَملنا
من الأرضِ لا تذعو لِغَيِّ ولا رُشْدٍ
وهل سَعْدُ إلاَّ صخرةٌ بِتَنُوفَةٍ
وكان في دَوْس صنم لعمرو بن حُمَمة الدَّوْسيّ.
قال ابن هشام: سأذكر حديثه في موضعه إن شاء الله.
ودَوس بن عُدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن
عبد الله بن مالك بن نصر بن الأسْد بن الغوث. ويقال: دوس بنُ عبد الله بن زهران بن
الأسد بن الغوث.
وذكر حديث الملكاني وقوله:
فشَئِّتَنا سَعْدٌ، فلا نَحنُ من سَعْد
ويمتنع في العربية دخول لا على الابتداء المعرفة والخبر إلا مع تكرار: لا، مثل أن
تقول: لا زيدٌ في الدار ولا عَمْرو، وذكر سيبويه قولهم: لا نَوْلُكَ أن تفعل، وقال: إنما جازَ
هذا؛ لأن معناه معنى الفعل، أي: لا ينبغي لك أن تفعل، وكذلك ينبغي أن يقال في بيت
المِلْكاني: أي: لم يقلها على جهة الخبر، ولكن على قصد التّبَرِّي منه، فكان معنى الكلام:
فلا نتولى سعدًا، ولا ندين به، فهذا المعنى حَسَّن دخولَ لا على الابتداء كما حَسن: لا
نَوْلُك.
وقوله: إلا صخرة بتَنُوفَةٍ. التَّنُوفة: الْقَفْرُ، وجمعها: تنائف بالهمز، ووزنها: فَعُولة،
ولو كانت تَفْعله من النّوْف، وهو الارتفاع لجمعت تناوف، ولكنه لا يجوز أن تكون تفعلة إلاّ
أنْ تُحرَّكَ الواو بالضم؛ لئلا يشبه بناء الفعل، ولو قيل فيها: تُنوفة بضم التاء لاحتمل حينئذ
أن تكون فعولة أو تُفْعُله على مثال تنفلة؛ إذ ليس في الأفعال تُفعل بالضم، وهذا من دقيق
علم التصريف.
وأما مِلْكان بن كنانة فبكسر الميم. قال أبو جعفر بن حبيب النَّسَّابة: كل شيء في
العرب فهو مِلْكان بكسر الميم ساكن اللام، غير مَلَكان في قضاعة، ومَلكان في السّكُون،
١٧١

هُبَل وإساف ونائلة:
قال ابن إسحاق: وكانت قريش قد اتخذت صنمًا على بئر في جوف الكعبة يقال
له : هُبَل.
قال ابن هشام: سأذكر حديثَه إن شاء الله في موضعه.
قال ابن إسحاق: واتخذوا إسافًا ونائلة، على موضع زمزم ينحرون عندهما، وكان
إساف ونائلة رجلاً وامرأة من جُرْهم - هو: إساف بن بَغْي ونائلة بنت دِيك - فوقع إسافٌ
على نائلة في الكعبة، فمسخهما الله حَجَرَیْن.
قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن
عَمْرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارَةَ أنها قالت: سمعت عائشة - رضي الله عنها -
تقول: ما زلنا نسمع أن إسافًا ونائلة كانا رجلاً وامرأة من جُزْهم، أخدثا في الكَغْبة،
فمسخهما الله تعالى حَجَرَيْن، والله أعلم.
فإنهما بفتح الميم واللام فَمَلَكَانُ قضاعة هو: ابن جَرْم بن رَبَّان بن حُلوان بن عمران بن
الحاف بن قُضاعة، ومَلَّكان السَّكُونِ هو: ابن عبَّد بن عِيَاضٍ بن عُقْبة بن السَّكُون بن أشرس
من كندة، وكذلك قال الهمداني في مَلَكَان بن جَزْم، وقال: مثل غَطَفَان، وقال ابن حبيب:
مشايخ خزاعة يقولون: مَلَكان بفتح اللام: قال أبو الوليد يعني ابن حبيب: ملكان بن
أقصى بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، وذكر أبو علي القالي في أماليه عن أبي
بكر بن الأنباري، عن أبيه، عن أشياخه: أن كل ملكان في العرب فهو مِلكان بكسر الميم
إلاَّ مَلَكَان في جَرْم بن زَيَّان.
قال المؤلف: وابن حبيب النسَّابة مصروفٌ اسم أبيه، ورأيت لابن المغربي قال: إنما
هو ابن حَبيبَ بفتح الباء غير مجرى، لأنها أُمه، وأنكر ذلك عليه غيره، وقالوا: هو
حبيب بن الْمُحَبِّر معروف غير منكر، وإنما ذكرناه هاهنا لما حكينا قوله في ملكان.
فصل: وذكر إسافًا ونائلة، وأنهما رجل وامرأة من جرهم، وأن إسافًا وقع عليها في
الكعبة فمسخا(١)، وأخرجه رزين في فضائل مكة عن بعض السلف: ما أمهلهما الله إلى أن
يفجُرا فيها، ولكنه قَبَّلها، فمسخا حجرين، فأُخْرِجا إلى الصفا والمروة، فنصبا عليهما،
ليكونا عبرةً وموعظة، فلما كان عَمْر بن لُحَيّ نقلهما إلى الكعبة، ونصبهما على زَمْزَم، فطاف
الناس بالكعبة وبهما، حتى عُبدا من دون الله.
(١) وذكر المسعودي في مروج الذهب (٢/ ٥٠) أنهما حجرين نُحِتا ومُثِّلا.
١٧٢

قال ابن إسحاق: وقال أبو طالب:
بِمُفْضَى السَّيول من إسافٍ ونائل
وحيثُ يُنیخِ الأشْعَرُونَ رِگابهم
قال ابن هشام: وهذا البيت في قصيدة له، سأذكرها في موضعها إن شاء الله
تعالی.
قال ابن إسحاق: واتخذ أهل كل دار في دَارِهم صنمًا يعبدونه، فإذا أراد الرجل
منهم سفرًا تمسَّحَ به حين يركب، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا
قَدِمَ من سفره تمسَّح به، فكان ذلك أولَ ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله، فلما بعث
الله رسوله محمدًا - وَ﴿ل ـ بالتوحيد، قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا
لشَيءٌ عُجاب﴾ [ص: ٥] وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت
تعّمها كَتعظيم الكعبة، لها سَدَنَة وحُجَّاب، وتُهْدِي لها كما تُهْدِي للكعبة، وتطوف بها
كَطَوافها بها وتَنحر عندها، وهي تعرف فضلَ الكعبة عليها؛ لأنها كانت قد عَرَفت أنها
بيتُ إبراهيم الخليل ومسجدُه.
وأما هُبَلُ فإن عَمْرو بن لُحَيّ جاء به من هِيت(١)، وهي من أرض الجزيرة حتى وضعه
في الكعبة. وذكر الواقدي أن نائلة حين كسرَها النبيَّ - وَّر - عام الْفَتْح خرجت منها سَوْداء
شَمْطَاء تَخْمُشُ وجهَها، وتنادي بالوَيْلِ والُبُورِ، وذكر باقي الحديث.
وقولُ عائشة: أحْدَثا في الكعبة، أرادت الْحَدَثَ الذي هو الْفُجور كما قال - عليه
السلام -: ((مَنْ أَخْدَثَ [فيها] حَدَثًا، أو آوى مُحدِثًا، فَعَلَيْهِ لعنةُ الله [والملائكة والناس
أجمعين])»(٢). وقال عمر حين كانت الزلزلة بالمدينة: أحدثْتُمْ. والله لئن عادت لأَخْرُجَنَّ من
بين أظهركم.
وقولُ أبي طالب: من إسافٍ ونائل، وهو ترخيمٌ في غير النداء للضرورة، كما قال:
أمالٍ بن حَنْظَل.
وذكر قول الشاعر:
ضَعف البصر من إدمان النظر
رأى قَدَعًا في عَيْنِها. والْقَدَع:
وقوله في الْغَبْغَب: وهو الْمَنْحَر ومراق الدم(٣)، كأنه سُمِّي بحكاية صوتِ الدم عند
(١) هيت: بلدة على الفرات سُمِّيت باسم بانيها هيت بن البندي.
(٢) ((صحيح)). أخرجه البخاري (٣١٣/٣) ومسلم في الحج (٤٦٧/٤٦٣) وأحمد (٥٢٦/٢).
(٣) قيل أنه كان لمعتب بن قبيس، بيت كانوا يحجّون إليه.
١٧٣

العزّى واللّات ومناة:
فكانت لقريش وَبني كنانة: العُزَّى بنَخْلة، وكان سَدَنَتَها وحُجَّابَها بنو شَيْبان من
حلفاء بني هاشم.
سُلیم،
قال ابن هشام: حلفاء بني أبي طالب خاصّة، وسُليمٌ: سُلَيْم بن مَنْصُور بن
عِكْرمة بن خَصّفة بن قَيْس بن عَیْلان.
قال ابن إسحاق: فقال شاعر من العرب:
من الأُذم أهداها امرؤ من بني غَنْم
لقد أُنكِحَتْ أسماءُ رأسَ بُقَيْرةِ
إلى غَبْغَبِ العُزَّى فوسَّع في القَسْم
رأى قَدَعًا في عينها إذ يسوقها
وكذلك كانوا يصنعون إذا نحروا هَذْيًا قسَّموه في مَنْ حضرهم. والغَبْغَبُ: المنحر،
ومُهْراق الدماء.
قال ابن هشام: وهذان البيتان لأبي خِرَاشِ الْهُذَلِي واسمه: خُوَيْلِدُ بن مُرَّة في أبيات
له.
وَالسَّدَنَةُ: الذين يقومون بأمر الكعبة. قال رؤية بن العجاج:
[يَعْمُرْنَ أمْنًا بالْحَرَامِ الْمأمَنِ]
فلا وربِّ الآمناتِ القُطُّن
بِمَخْبَسٍ الهَذْي وبِيْتِ الْمَسْدَن
وهذان البيتان في أرجوزة له، وسأذكر حديثها إن شاء الله تعالى في موضعه.
قال ابن إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سَدَنَتَها وحُجَّابَها بنو مُعَتِّب
من ثقيف.
قال ابن هشام: وسأذكر حديثها إن شاء الله تعالى في موضعه.
انبعاثِه، ويجوز أن يكون مقلوبًا من قولهم: بئر بُغْبُخُ وبُغَيْبِخٌ إذا كانت كثيرة الماء. قال
الراجز: بُغَيْيغْ قصيرةُ الرِشاءِ. ومنه قيل لعين أبي نَيْزَر: الْبُغَيْبِغَةُ. ومعنى هذا البيت: الذَّمُ
وتشبيهُ هذا الْمَهْجُوِّ برأسٍ بقرةٍ قد قربت أن يذهب بصرُها، فلا تصلح إلا للذبح والقسم.
وذكر قلسًا في بلاد طيىء بين أجأ وسَلْمَى. ويذكر عن ابن الكلبي أو غيره أن أجأ اسمُ
رجلٍ بعينه، وهو: أجّأُ بن عبد الحيّ، وكان فَجَرَ بسَلْمَى بنت حام، أو اتُّهِم بذلك، فَصُلِيا
فِي ذَّيْنِك الْجَبَلَين، وعندهما جبل يقال له: الْعَوْجاء، وكانت الْعَوْجَاءُ حاضِنة سلمى - فيما
ذكر - وكانت السفيرَ بينها وبين أجأ، فَصُلِيت في الجبل الثالث، فسُمِّي بها.
١٧٤

قال ابن إسحاق: وكانت مَنَاة للأوس والخزرج، ومَن دان بدينهم من أهل يثرب،
على ساحل البحر من ناحية الْمُشَلَّل بقُدَیْد.
قال ابن هشام: وقال الكُمَيت بن زيد أحد بني أسد بن مُدْركة.
مَنَاةَ ظُهُورَها مُتَحَرِّفينا
وقد آلَتْ قبائلُ لا تُولِّي
وهذا البيت في قصيدة له.
قال ابن هشام: فبعث رسولُ الله - وَ ﴿ - إليها أبا سفيان بن حَرْبٍ فهدمها، ويقال:
عليّ بن أبي طالب.
ذو الْخَلَصَةِ وفلس ورضاء وذو الكعبات:
قال ابن إسحق: وكان ذو الخَلَصَّة لدَوْس وخَفْعم وَبَجِيلة، ومَن كان ببلادهم من
العرب بتبالة.
قال ابن هشام: ويقال: ذو الخُلُصة. قال: رجل من العرب:
مِثْلي وكان شيْخُك الْمَقْبُورَا
لو كنتَ يا ذا الخَلَصِ الْمَوْتُورًا
لم تَنْهَ عن قَتْلِ العُداة زُورَا
قال: وكان أبوه قُتِل، فأراد الطلب بثأره، فأتى ذا الخَلَصَّة، فاسْتَقْسَم عنده
بالأزلام، فخرج السهم بنَهْيه عن ذلك، فقال هذه الأبيات. ومن الناس مَن يَنْحَلُهَا امرأ
القيس بنَ حُجْر الكِنْدي، فبعث إليه رسول الله - ﴿ - جريرَ بن عبد الله الْبَجَلِيِّ،
فهدمه .
وذكر ذا الْخَلَصَةِ، وهو بيت دوسٍ. والْخَلَصُ في اللغة: نبات طيبُ الريحِ يتعلق
بالشجر، له حَبّ كعنب الثعلب. وجَمْعُ الْخَلَصَةِ: خَلَصّ(١). وأن الذي اسْتَقْسَمَ بالأزلام
هو: امْرُؤْ الْقَيْسِ بن حُجْر. ووقع في كتابٍ أبي الفرج أن امرىءَ القيس بن حُجْر حين وَتَّرَتْهُ
بنو أسَدٍ بقتل أبيه اسْتَقْسَم عند ذي الْخَلَصَةِ بثلاثة أزلام(٢)، وهي: الزاجر والآمر والْمُتَرَبِّص،
فخرج له الزاجرُ، فسَبِّ الصنمَ، ورماه بالحجارة، وقالَ له: اغضُضْ بِبَظْرِ أُمّك، وقال الرَّجْزَ
الذي ذكره ابن إسحاق: لو كنت يا ذا الْخَلَصِ الْمَوْتُورا. إلى آخره، ولم يَسْتَقْسِمْ أحدٌ عند
ذِي الْخَلَصَّةِ بعدُ حتى جاء الإسلام، وموضعُه اليومَ مسجدٌ جامعٌ لبلدةٍ يُقال لها: الْعَبَلاَت من
(١) انظر مقاييس اللغة (٢٠٨/٢).
(٢) الأزلام: جمع زلم وهو: القدح. أو السهم من سهام الاستقسام.
١٧٥

أرض خَفْعَم. ذكره المبرد عن أبي عُبَيْدَةً. واسمُ امْرِىءِ القيس: حُنْدُج، وَالْحُنْدُجُ: بَقْلَةٌ تنبت
في الرمل(١). والْقَيْسُ: الشِّدَّةُ والنَّجْدَةُ. قال الشاعر:
وأنت على الأدنى هِشامٌ وَنَوْفَلُ
وأنت على الأعداءِ قَيْسٌ ونَجْدَةٌ
والنَّسَبُ إليه: مَرْقَسِيٍّ، وإلى كل امرىء القيس سواه: امْرِئِيٍّ. وقد قيل: إن حُنْدُجًا
اسمُ امرىء القيس بن عابِس، وله صُخبةٌ، وهو كِنْدِيٍّ مثل الأول، فوقع الغلط من هُهُنا.
وقوله: لم تَنْهَ عن قَتْل العُداة زُورًا. نصب: زورًا على الحال من المصدر الذي هو
النَّهْيُ. أراد: نَهْيًا زُورًا. وانتصابُ المصدر على هذه الصورة إنما هو حال، أو مفعول
مطلق، فإذا حذفت المصدر، وأقمت الصفة مقامه، لم تكن إلا حالاً، والدليل على ذلك
أنَّك تقول: ساروا شديدًا، وساروا رُوَيْدًا، فإن رددته إلى ما لم يُسَمَّ فاعلُه لم يجز رفعه؛
لأنه حال، ولو لفظت بالمصدر، فقلت: ساروا سيرًا رُوَيْدًا لجاز أن تقول فيما لم يُسَمَّ
فاعلُه: سِير عليه سَيْرٌ رُوَيْدٌ هذا كله معنى قول سيبويه، فدلّ على أن حُكْمَه إذا لُفِظ به غير
حُكمه إذا حُذِف، والسرّ في ذلك أن الصفة لا تقوم مقامَ المفعول إذا حذف. لا تقول:
كلَّمْتُ شديدًا، ولا ضربت طويلاً، يقبُح ذلك إذا كانت الصفةُ عامّةً، والحالُ ليست كذلك؛
لأنها تجري مجرى الظرف، وإن كانت صفةً فموصوفُها معها، وهو الاسم الذي هي حالٌ
له، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُم عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥].
وذكر بعثَ جريرِ الْبَجَلِيّ إلى هدم ذي الْخَلَصَةِ، وذلك قبل وفاة النبي - بَّر - بشهرين
أو نحوهما، قال جرير: بعثني رسولُ الله - وَلّ ـ في مائة وخمسين راكبًا من أخمَسَ إلى ذي
الخَلَصَة، فقلت: يا رسولَ الله إني لا أثْبُتُ على الخيل، فدعا لي، وقال: ((اللَّهمَّ ثَبَّتْهُ واجعله
هاديًا مَهْديًّا)) وفي كتاب مسلم في هذا الحديث: ((وكان يقال له: الكعبة اليَمَانِيَّة والشآمِيَّة))(٢)،
وهذا مشكل، ومعناه: كان يقال: الكعبة اليَمَانِيَّة والشآمِيَّة يعنون بالشآمية: البيت الحرام،
فزيادة له سَهْوٌ، وبإسقاطه يصِحُ المعنى. قاله بعض المحدّثين والحديث في جامع البخاري
بزيادة: له كما في صحيح مسلم، وليس هذا عندي بسَهْو، وإنما معناه كان يقال له: أي يقال
من أجله الكعبةُ الشّآمِية للكعبة، وهو الْكَعْبَةُ اليَمَانِيَّة، وله بمعنى من أجله لا تُنْكَرُ، كما قال
ابن أبي ربيعة:
وقُمّيرٌ مِنْ آخرِ الليلِ قد لا حَ، له قالت الفتاتان قُوما "
(١) الحندج: هو أيضًا الكثب من الرمل.
(٢) (صحيح)). أخرجه البخاري (٧٦/٤) ومسلم في فضائل الصحابة (١٣٧/١٣٥) وابن ماجة (١٥٩).
١٧٦

قال ابن إسحاق: وكانت فَلْس لِطَيِّءٍ، ومَن يليها بجَبَلَي طيىء، يعني سَلْمى وأجأ.
قال ابن هشام: فحدّثني بعض أهل العلم أنَّ رسول الله - وَّـــ بعث إليها عليَّ بن
أبي طالب فهدمها، فوجد فيها سَيْفَيْن، يقال لأحدهما: الرَّسوب، وللآخر: المِخْذَم.
فأتى بهما رسول الله - رَّـــ فَوَهبهما له، فهما سَيْفا عليّ رضي الله عنه.
قال ابن إسحاق: وكان لِحِمْيَر وأهلِ اليمن بيتٌ بصنعاءَ يقال له: رئام.
قال ابن هشام: قد ذكرت حديثه فيما مضى.
رُضاءُ والمستوغر:
قال ابن إسحاق: وكانت رُضاء بيتًا لبني ربيعة بن كَعْب بن سَعْد بن زيد مناة بن
تميم، ولها يقول الْمُسْتَوْغِرُ بن ربيعة بن کَعْب بن سَعْد حين هدمها في الإسلام:
ولقد شددتُ على رُضاءٍ شَدَّةً فتركتُها قَفْرًا بقاع أسْحَما
قال ابن هشام: قوله :
فتركتها قَفْرًا بقاع أسْحَما
عن رجل من بني سَعْد.
وذو الخُلُصة بضم الخاء واللام في قول ابن إسحق، وبفتحهما في قول ابن هشام، هو
صنم سَيُعْبَد في آخر الزمان، ثبت في الحديث أنه: ((لا تقُومُ الساعة حتى تَصْطَفِقَ أَلَيَاتُ نساءٍ
دَوْسٍ وخَثْعَم حول ذي الْخَلَصَّة)»(١) .
فصل: وذكر الْمُسْتَوْغِرَ بن ربيعة، واسمه: كَعْبٌ. قال ابن دُرَيْدٍ: سُمِّي مُسْتَوْغِرًا
بقوله:
نَشِيشَ الرَّضْف في اللَّبَنِ الْوَغِيرِ(٢)
يَنِشُّ الماءُ في الرَّبَلات منه
والْوغير: فعيل من وَغْرَة الحرّ وهي شدته، وذكر الْقُتَبِيُّ أن الْمُسْتَوغِرَ حضر سوق
عكاظ، ومعه ابن ابنه، وقد هَرِم، والْجَدُّ يقوده، فقال له رجل: ارفُق بهذا الشيخ، فقد طال
-
(١) (صحيح)). أخرجه البخاري (٩/ ٧٣) ومسلم في الفتن (٥١) وأحمد (٢٧١/٢) وابن أبي شيبة في
مصنفه (٥٣/١٥) وعبد الرزاق في مصنفه أيضًا (٢٠٧٩٥). ومعنى الحديث: أي حتى يرتدّوا عن
دينهم والعياذ بالله، إلى عبادة الأصنام مرة أخرى.
(٢) البيت في كتاب الأصنام (٣٠) لابن الكلبي.
١٧٧
الروض الأنف/ ج ١ / م ١٢

ويقال: إن الْمُسْتَوغِرِ عُمِّر ثلثمائة سنة وثلاثين سنة، وكان أطول مُضَر كلِّهَا عمرًا،
وهو الذي يقول:
وعَمِرْتُ من عَدد السنين مِئِينا
ولقد سئِمْتُ من الحياة وطُولِها
وازددت من عدد الشهور سنینا
مَائةٌ حَدَتْها بعدها مِئَتان لي
يومٌ يَمُرّ، وليلةٌ تخدُونا
هل ما بَقي إلا كما قَدْ فاتنا
وبعض الناس يَرْوِي هذه الأبياتَ الزُهَير بن جَناب الكلبي.
قال ابن إسحاق: وكان ذو الكَعَبات لبكر وتَغْلب ابني وائل وإياد بِسَنْدَاد، وله يقول
أعشى بني قَيْس بن ثَعْلبة:
والبيتٍ ذي الكعبات من سَنْدادِ
بَيْنَ الْخَوَرْنقِ والسَّدیرِ وبارقٍ
قال ابن هشام: وهذا البيت للأسود بن يَعْفُر النَّهشلي: نهشل بن دارم بن مالك بن
حَتْظلة بن مالك بن زَيْد مناة بن تَمِيم في قصيدة له، وأنشدنيه أبو مُخْرِزٍ خَلَفُ الأحمر:
والبيتٍ ذي الشُّرفات مِنْ سِنْداد
أهل الْخَوَرْنَقِ والسَّدِير وبارقٍ
ما رَفق بك، فقال: ومَن تراه؟ فقال: هو أبوك أو جدّك، فقال: ما هو إلا ابن ابني، فقال:
ما رأيت كاليوم! ولا المستوغر بن ربيعة! فقال: أنا المستوغر. والأبيات التي أنشدها له:
ولقد سَئِمْتُ من الحياة وطُولها
وَعَمَرْتُ من عدد السنين مِئِينًا
إلى آخره. ذكر أنها تُروى لِزُهَيْرٍ بن جَنَابِ الكَلْبِيِّ، وهو زُهَيْرُ بن جَنَاب بن هُبَل بن
عبد الله بن كنانة بن بَكْر بن عَوْف بن غُذْرَةٍ بن زَيد اللَّت بن رُفَيدة بن ثَوْر بن كَلْب بن
وَبْرَة. وزُهَير هذا من الْمُعَمِّرين، وهو الذي يقول:
قد بَنَيْتُ لكم بَنِيَّه
أَبُنيّ إن أهْلِكْ فإني
وترکثُكم أولاد سادا
تِ زِنادُهُم وَرِيَّةْ
قد نِلْتهُ إلا الثَّحِيَّةُ(١)
مِنْ كُلّ ما نال الفتى
يريد بالتحية: البقاء، وقيل: المُلْكُ، وأعقب هو وإخوته قبائل في كَلْب وهم: زُهَيرٌ
وعَدِيٍّ وحارثةُ ومالكٌ، ويعرف مالك هذا بالأصمِّ لقوله:
(١) فأصل كلمة التحية من الحياة: أي البقاء. ومنه قول المصلّي في تشهّده وقيل خروجه من بين يدي
مالك الملك: ((التحيات الله)) أي الحياة الكاملة التي لا يعتريها نقص، التي لم تُسبّق بعدم ولا يلحقها
فناء: الحياة الكاملة لله. ((التحيات لله)).
١٧٨

وفي غير الْخَنَا أُلْفَى سَمِيعا
أصمُّ عن الخَنَا(١) إن قیل یومًا
وأخوه: حارثة بن جَنَابٍ، وعُلَيم بن جَنَابٍ، ومن بني عُلَيْم: بنو زَيْدَ غير مصروفٍ.
عُرِفُوا بأُمهم: زَيْد بنت مالك، وهم: بنو كعب بن عُلَيْمٍ منهم: الرَّباب بنت امرىء القيس
امرأة الحسين بن علي، وفيها يقول:
وَنَخْلة كلَّها، وبني الرَّبابِ
أُحِبُّ لحُبِها زَيْدًا جميعًا
وأُخرى لأَنَّها من آلٍ لأم
أُحبهم وطُرَّ بني جَنَابٍ
فمن المعمّرين من العرب سوى الْمُسْتوغر مما زادوا على المائتين والثلاثمائة: زهير
هذا، وعبيد بن شَرْيَة، ودَغْفَل بن حَنْظَلَةَ النسّابة، والربيع بن ضبع الفَزَارِيُّ، وذو الإِصْبَع
[حُرِثَان بن مُحَرِّثٍ] العَذْوَانيّ، ونصر بن دُهْمَان بن أشجَع بن رَيْث بن غَطَّفَان، وكان قد
اسْوَدَّ رأسُه بعد ابيضاضِه، وتقوّم ظهرُه بعد انحنائه، وفيه يقول القائل:
لِنَصْر بن دُهْمَان الْهُنَيْدَة(٢) عاشها
وتسعين حَوْلاً ثم قُوَّم فانصاتا(٣)
وعاد سوادُ الرأس بعد ابيضَاضِهِ
ولكنه من بعد ذلك قد ماتا
وأمره عند العرب من أعجب العجب، ومن أطول الْمُعَمِّرين عُمْرًا: ذُوَيْد، واسمه:
زيد بن نَهْدِ من قضاعة، وأبوه: نَهْدٌ إليه ينسب الحي المعروفون من قضاعة: بنو نَهْد بن
زيد(٤) عاش دَوَيدٌ أربعمائة عام - فيما ذكروا - وكان له آثار في العرب، ووقائع وغارات،
فلما جاء الموت قال:
وَمَغْنَمٍ، يوم الوغَى حويتُه
اليوم يُبْنَى لدُوَيدٍ بِيتُه
ومِعْصم مُوَشِّم لويته لو كان للدهر بِلَى أبليته
أو كان قِرْنِي واحدًا كَفَيْتُهْ
وقول الْمُستَوْغِرِ :
ولقد شَدَدْتُ على رُضَاءٍ شَدَّةً فتركتها قَفرًا بقاع أسْحَمَا
يريد: تركتُها سَحْمَاءَ من آثار النار، وبعده:
(١) الخنا: أي الفحشاء.
(٢) الهنيدة: اسم لكل مائة ناقة من الإبل. وقيل هي المائتان.
(٣) انصاتا: استوى.
(٤) هو: نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة.
١٧٩

وبمثل عبد الله أغْشَى الْمَخرَمَا
وأعانَ عبد الله في مكروهها
ذكر ذا الكَعَبَات بيت وائل، وأنشد للأسود بن يَعْفُر:
أرض الْخوَرْنَقِ والسَّدير ودَارم
والبيت ذي الشُّرُفَات من سِنْدَادُ(١)
وَالْخَوَزْنَقُ: قصر بناه النعمان الأكبر ملك الحيرة لسابور، ليكون ولده فيه عنده، وبناه
بنيانًا عجميًّا لم ترَ العرب مثله، واسم الذي بناه له: سِنِمَّار، وهو الذي رُدِّي من أعلاه،
حتى قالت العرب: جزاني جزاءَ سِنِمَّار، وذلك أنه لمّا تمَّ الْخَوَرْنَقُ، وعجب الناس من
حُسنه، قال سِنِمَّار: أما والله لو شئت حين بنيته جعلته يدور مع الشمس، حيث دارت، فقال
له الملك: أإنّك لتُحسن أن تبنيَ أجملَ من هذا؟ وغارت نفسُهُ أن يُبتنى لغيره مثلُه، وأمر به
فَطُرِح من أعلاه، وكان بناه في عشرين سنة، قال الشاعر [عبد العُزَّى بن امرىء القيس
الگلِيّ]:
جزاءَ سِنِمَّارٍ، وما كان ذا ذنب
جزاني جزاه الله شَرَّ جزائه
يُعَلَّى عليه بالقَرامِدِ(٢) والسَّكْب(٣)
سوى رَصِّهِ البنيانَ عشرين حِجَّةً
وآض(٤) كمثل الطَّوْدِ والباذخ الصَّغْب
فلما انتهى البنيان يومًا تمَامَه
وفاز لديه بالمودة والْقُرْبِ]
[وظَنْ سِنِمَّارٌ به كل حَبْوَةٍ
وذاك لَعَمْرُ والله من أتبح الخَطْب
رمى بِسِنِمَّار على حَاقٍ رأسه
ذكر هذا الشعرَ الجاحظُ في كتاب الحيوان، والسِّنِمَّارُ من أسماء القمر، وأول شعر
(٥)
الأسود: ذهب الرقاد فما أحسّ رقادي
٠
وفيها يقول:
ولقد عَمِرْت، وإن تطاولَ في الْمَدَى
إن السبيل سبيل ذي الأعواد
قيل: يريد بالأعواد النعش، وقيل: أراد عامر بن الظَّرِب الذي قُرعت له العصا بالعود
مِن الْهَرَمِ والْخَرَفِ، وفيها يقول:
ماذا أُؤَمِّلُ بعد آلٍ مُحَرِّقٍ
تركوا منازلهم وبعد إياد
(١) البيت فيه مخالفة لما مضى السيرة.
(٣) السكب: النحاس أو الرصاص.
(٥) انظر تاريخ الطبري (٤٠٤/١ - ٤٠٥).
(٢) القرامد: الآجر.
(٤) آض: أي تحوّل.
١٨٠