Indexed OCR Text

Pages 221-240

عن حبيب بن سلمة في صلاة صلاها على الميت مثل الذي حدثنا أبو أمامة (١) .
وجاء عن الزهري أيضاً : أنه سمع أبا أمامة يحدث ابن المسيب : ( أن
السنة في الصلاة على الجنازة : أن يقرأ بفاتحة الكتاب ، ويصلِّي على النبي
صلى الله عليه وسلم ) أخرجه(٢) ابن الجارود والنميري كلاهما من طريق
عبد الرزاق عن معمر(٣)، ورجال هذا الإِسناد مخزَّج لهم في
(( الصحيحين))، لكن قال الدار قطني: وَهِم فيه عبد الواحد بن زياد ، فرواه
عن معمر عن الزهري عن سهل بن سعد ؛ أي : وإنما هو عن أبي أمامة بن
سهل بن حنيف ، كما مر .
وأخرج البيهقي في (( سننه)) أن أبا هريرة قال لعُبادة بن الصامت لَمَّا سأله
عن الصلاة على الميت : ( أنا والله أخبرك ، تبدأ فتكبِّر ، ثم تصلِّي على النبي
صلى الله عليه وسلم، وتقول: اللهمَّ؛ إن هذا عبدك ... ) إلخ (٤).
وأخرج مالك وغيره عنه : أنه سئل كيف تصلِّي على الجنازة ؟ فقال :
( أَتَبعُها من أهلها ، فإذا وُضعت .. كَبَّرت وحمدت الله ، وصليت على نبيِّه
صلى الله عليه وسلم ، ثم أقول: اللهمَّ؛ إنه عبدك ... إلخ)(٥) ، وجاء ذلك
عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد رضي الله تعالى عنهم .
قيل : وتُسَرُ عند إدخال الميت القبر للحديث الحسن : أنه صلى الله عليه
وسلم كان إذا وضع الميت في القبر .. قال: (( باسم الله، وعلى سنة
(١) المستدرك (٣٦٠/١)، والسنن الكبرى (٣٩/٤).
(٢) في النسخ: ( وأخرجه ) ، والصواب ما أثبتناه ، والله أعلم .
(٣) وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١٨٠/٣) عن عبد الأعلى عن معمر عن
الزهري ، والقاضي إسماعيل الجهضمي في ((فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم))
( ص٨١) عن معمر عن الزهري .
(٤) السنن الكبرى (٤٠/٤).
(٥) أخرجه مالك (٢٢٨/١)، والطبراني في ((الدعاء)) (١٢٠٠)، والقاضي إسماعيل
الجهضمي في ((فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)) (ص ٨٠).
٢٢١

رسول الله صلى الله عليه وسلم)) اهـ (١) ولا دلالة فيه؛ لأن الصلاة هنا لذِكْره
صلى الله عليه وسلم .
ولم يصح في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في رجب بخصوصه شيء .
وفي (( موضوعات ابن الجوزي)) في ذلك أحاديث واهية ، لا يُعتدّ بها،
وفي بعضها : ( ثواب عظيم لمن يصوم أول خميس منه ، ثم يصلِّي بين
العشاءين ليلة الجمعة ثنتي عشرة ركعة ، وذكر ما يقول فيها ، وبعد
فراغها)(٢)، (ولمن صلَّى ليلة نصف رجب أربع عشرة ركعة)(٣)، (ولمن
صلَّى ثنتي عشرة ركعة في ليلة لثلاث بقين منه )(٤).
وكذا لم يصح في شعبان بخصوصه شيء ، وإن عقد ابن أبي الصيف من
أئمتنا المتأخرين باباً لذلك في جزء له في فضل شعبان ، وذكر فيه عن جعفر
وأبي اليمان ما لم يُعرف له أصل يُعتمد عليه .
الثاني عشر : في الحج عقب التلبية ، جاء عن القاسم : كان يستحب
ذلك ، وسنده ضعيف(٥) .
وعلى الصفا والمروة ؛ لِما صح عن عمر رضي الله تعالى عنه : أنه خطب
الناس بمكة فقال : ( إذا قدم الرجل منكم حاجّاً .. فَلْيطف بالبيت سبعاً ،
ولْيصلِّ عند المقام ركعتين ، ثم لِيبدأ بالصفا ، فيستقبل البيت فيكبّر سبع
تكبيرات بين كل تكبيرتين حمدٌ لله ، وثناءٌ عليه ، وصلاةٌ على النبي صلى الله
(١) أخرجه الحاكم (٣٦٦/١)، وابن حبان (٣١١٠)، وأبو داوود (٣٢١٣)، والترمذي
(١٠٤٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٨٦٠)، وغيرهم.
(٢) الموضوعات (٤٧/٢).
(٣) الموضوعات (٤٩/٢).
(٤) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٣٨١٢)، وفي ((فضائل الأوقات)) (ص٩٧ )، وانظر
((تنزيه الشريعة)) (٩٠/٢).
(٥) أخرجه البيهقي (٤٦/٥)، والدار قطني (٢٣٨/٢)، والشافعي في ((الأم))
(٣٩٦/٣)، والقاضي إسماعيل الجهضمي في ((فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه
وسلم )) ( ص٧٢) .
٢٢٢

عليه وسلم ، وسَلْه لنفسك ، وعلى المروة مثل ذلك)(١) .
وجاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : أنه ( كان يكبِّر على الصفا
ثلاثاً ، ثم يقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... إلخ، ثم يصلّي على
النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يدعو ويطيل القيام والدعاء ، ثم يفعل على
المروة مثل ذلك )(٢) .
وعند استلام الحجر ؛ لِما صح عن ابن عمر : أنه كان إذا أراده .. قال :
( اللهمَّ ؛ إيماناً بك ... إلخ، ثم يصلّي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم
يستلمه)(٣)، ورواه الواقدي في ((مغازيه)) مرفوعاً(٤) ، والأول أصح .
وفي الطواف ؛ لِمَا في (( منهاج الحليمي)): ( عن سفيان بن عُيينة :
سمعت [منذ] أكثر من سبعين سنة يقولون في الطواف : اللهمَّ ؛ صلِّ على
محمد وعلى أبينا إبراهيم ، وهذا إنما يقوله ولد إبراهيم ، فغيرُه يقول :
اللهمَّ ؛ صلِّ على محمد نبيك وإبراهيم خليلك ، وهذا حسن ؛ لأن المناسك
كلها إرث إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، والبيتُ من بنائه ، وتلبية الناس إجابة
لدعائه ) اهـ ملخصاً (٥) .
وفي الموقف ؛ أخرج البيهقي: (( ما من مسلم يقف عشيةً عرفة بالموقف ،
فيستقبل القبلة بوجهه ، ثم يقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك
وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير مئة مرة ، ثم يقرأ : ( قل هو الله أحد )
مئة مرة ، ثم يقول : اللهمَّ ؛ صلِّ على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت
(١) أخرجه البيهقي (٩٤/٥)، والقاضي إسماعيل الجهضمي في ((فضل الصلاة على النبي
صلى الله عليه وسلم)) ( ص٧٣ ) .
(٢) أخرجه القاضي إسماعيل الجهضمي في ((فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم))
( ص٧٦ ) .
(٣) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٥٤٨٢)، وفي ((مسند الشاميين)) (٣١٥/٢).
(٤) المغازي (١٠٩٨/٣).
(٥) المنهاج في شعب الإيمان (٤٤٠/٢).
٢٢٣

على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، وعلينا معهم مئة مرة .. إلا
قال الله تبارك وتعالى : يا ملائكتي ؛ ما جزاء عبدي هذا ؟! سبَّحني
وهلَّلني، وكَبَّرني وعظَّمني ، وعرَفني وأثنى عليَّ، وصلَّى على نَبِّي،
اشهدوا أني قد غفرت له وشفَّعته في نفسه ، ولو سألني عبدي هذا .. لشفَّعته
في أهل الموقف كلهم))(١) .
قال البيهقي : هذا غريب ليس في إسناده من يُنسب إلى الوضع ، قال
غيره : بل كلهم موثقون إلا رجلاً منهم فإنه مجهول ، ورواه الديلمي وزاد
فيه: ((قراءة (الفاتحة) مئة مرة))، وبعد ((وله الحمد)): (( يحيي ويميت
بيده الخير)) (٢) .
وذكر المحب الطبري في (( أحكامه)) دعاء طويلاً فيه : أنه يلبّي ثلاثاً،
ويكبر ثلاثاً ، ثم يقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... إلخ مئة مرة ،
إن الله قد أحاط بكل شيء علماً مئة مرة ، والتعوذ ثلاثاً ، و(الفاتحة ) ثلاثاً ،
و( الإِخلاص ) مئة ، ويصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يدعو لنفسه
ووالديه وأقاربه وإخوانه المؤمنين ، وذكر لذلك ثواباً عظيماً ، قال المحب :
أخرجه أبو منصور في ((جامع الدعاء الصحيح))، قال غيره : وهو عجيب ؛
أي: لأن ابن الجوزي ذكره في ((الموضوعات)) (٣).
وفي الملتزم ، ذكر النووي في ((أذكاره)) وغيرُه في الدعاء المأثور فيه :
( اللهم ؛ صلِّ وسلِّم على محمد وعلى آل محمد) (٤) ، والشافعي
والأصحاب : ( أنه يُسن لمن فرغ من طواف الوداع أن يقف فيه ويقول : اللهمَّ
(١) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٤٠٧٤)، وفي ((فضائل الأوقات)) (ص٣٧٦).
(٢) الفردوس بمأثور الخطاب (٦٠٤٤).
(٣) الموضوعات (١٢٣/٢).
(٤) الأذكار (ص٣٣٠)، وقال ابن علان في ((الفتوحات)) (٣٩١/٤): (قال الحافظ :
قلت : لم أقف له على أصل ، والله المستعان ) .
٢٢٤

البيتُ بيتُك ... إلخ ، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، قالوا : لأنه
أرجى لإِجابة الدعاء )(١) .
الثالث عشر : الصلاة والسلام عليه عند قبره الشريف صلى الله عليه وسلم .
جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من طرق متعددة أنه : ( كان إذا
وقف هناك .. صلَّى وسلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم على أبي بكر ،
ثم على أبيه ، مستقبلاً للقبر الشريف على ساكنه أفضل الصلاة وأشرف
التسليم ، مستدبراً للقبلة)(٢) ، وفي رواية أنه : ( كان يمسُّ القبر المكرَّم
بيمينه)(٣)، وفي أُخرى: ( كان لا يمسُه)(٤) ، ولعله كان تارة يمشُه وأُخرى
لا يمسُّه .
وجاء السلام عن غيره من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ، وذكر أئمتنا
أنه يُسن لقاصده صلى الله عليه وسلم الإِكثارُ من الصلاة والسلام عليه في
طريقه ، وكلَّما قَرُب من المدينة الشريفة وعمرانها .. زاد من ذلك ، ويستحضر
من غايات تعظيمها وإجلالها ما يمكنه .
وكذا يُسن ــ كما قاله بعض المتأخرين - لمن رأى أثراً من آثاره صلى الله عليه
وسلم سيما منازله .. أن يصلي ويسلم عليه ، فقد كانت أسماء رضي الله تعالى
عنها كلما مرَّت بالحَجون(٥) .. قالت : ( صلى الله على رسوله ، لقد نزلنا معه
هلهنا ) رواه البخاري(٦).
(١) الأم (٥٧٥/٣)، وأخرجه عنه البيهقي (١٦٤/٥).
(٢) أخرجه مالك (١٦٦/١)، والبيهقي (٢٤٥/٥)، والقاضي إسماعيل الجهضمي في
(( فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)) ( ص٨٣ ).
(٣) أخرجه القاضي إسماعيل الجهضمي في ((فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)
( ص٨٤ ) .
(٤) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٤١٥٠).
(٥) الحَجُون : جبل بأعلى مكة المكرمة عند مدافن أهلها .
(٦) أخرجه البخاري (١٧٩٦)، ومسلم ( ١٢٣٧).
٢٢٥

وأخرج أحمد : ( أن أنساً رضي الله تعالى عنه أخرج لجماعة ما بقي من
قدَحه صلى الله عليه وسلم وفيه ماء ، فشربوا وصبُّوا على رؤوسهم
ووجوههم ، وصَلَّوا عليه صلى الله عليه وسلم)(١) .
وبقي للزيارة أحكام وآداب ذكر النووي كثيراً منها في ((مناسكه الكُبرى))،
واستوفيت في ((حاشيتها)) معظم ما بقي من ذلك(٢).
قال المجد اللغوي : ( والسلام عليه صلى الله عليه وسلم عند قبره أفضل
من الصلاة ؛ لخبر: (( ما من مسلم يسلِّم عليّ ... )) السابق)(٣).
وأخرج البيهقي عن ابن فديك : ( سمعت بعض من أدركت يقول : بلغنا
أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَئِكَتَهُ
يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيَّ﴾ الآية، ثم قال: صلَّى الله عليك يا محمد ، حتى يقولها
((سبعين مرة)) .. ناداه ملك صلَّى الله عليك يا فلان، لم تسقط لك
حاجة )(٤)
ولا دليل فيه لجواز ندائه صلى الله عليه وسلم باسمه ، فقد صرح أئمتنا
بحرمة ذلك ؛ لِما فيه من ترك التعظيم، ولقوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ
بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ وإنما يُنادى بنحو: ( يا نبي الله ) ، فقول الزين
المراغي: الأَولى لمن عمل بالأثر أن يقول : ( يا رسول الله) .. وَهَمِّ ، بل
الصواب أن ذلك واجب لا أولى .
وظاهر قول (( فتح الباري)): ( أنه صلى الله عليه وسلم وإن كان ذا أسماء
وكُنَىّ ، ولكن لا ينبغي أن ينادى بشيء منها )(٥) .. أن الكنية كالاسم ، فيحرم
(١) المسند (١٨٧/٣).
(٢) انظر حاشية المصنف على ((الإيضاح)) (ص٤٧٩-٥١٠).
(٣) الصِّلات والبُشَر (ص١٦٤)، وانظر الحديث (ص ١٥٣).
(٤)
شعب الإيمان ( ٤١٩٦ ) .
(٥) فتح الباري (٦ / ٥٦١) .
٢٢٦

النداء بها أيضاً ، ويؤيده قول الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما :
( كانوا يقولون : يا محمد ، يا أبا القاسم ، فنهاهم الله عز وجل ؛ إعظاماً لنبيه
صلى الله عليه وسلم ، فقال : قولوا : يا نبيَّ الله، يا رسول الله) ، وهكذا
قال مجاهد وسعيد بن جبير(١) .
وقال مقاتل : ( لا تُسمُّوه إذا دعوتموه : يا محمد ، ولا تقولوا : يا ابن
عبد الله ، ولكن شرِّفوه فقولوا : يا رسول الله، يا نبي الله)(٢).
وقال قتادة : ( أمر الله سبحانه وتعالى أن يُهاب نبيه صلى الله عليه وسلم ،
وأن يبجَّل، وأن يُعظّم، وأن يُسوَّد)(٣).
وقال مالك عن زيد بن أسلم : ( أمرهم أن يشرِّفوه ) (٤).
فهذه الآثار كلها دالّة على أن الكنية كالاسم فيما ذُكر ، ولا يعارض ذلك
ما في الحديث الصحيح الآتي(٥) في دعاء الحاجة: (( يا محمد ؛ إني متوجِّهٌ
بك إلى ربي)) لأنه صلى الله عليه وسلم صاحب الحق ، فله أن يتصرف فيه
كيف يشاء ، فلا يقاس به غيره ، وتعليم بعض الصحابة ذلك لغيره يحتمل أنه
رأى أن ألفاظ الدعوات والأذكار يُقتصر فيها على الوارد .
الرابع عشر : عند الذبيحة ، كما ذكره الشافعي رضي الله تعالى عنه ؛ حيث
قال : ( والتسمية في الذبيحة باسم الله ، وما زاد بعد ذلك من ذكر الله تعالى ..
فالزيادة خير ، ولا أكره مع التسمية على الذبيحة أن يقول : صلَّى الله على
محمد ، بل أُحب ذلك ، وأُحب أن يكثر الصلاة عليه على كل الحالات ؛ لأن
ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه إيمانٌ بالله سبحانه وتعالى ،
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٩٢٤)، وانظر ((تفسير ابن كثير)) (٣٠٦/٣).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٤٩٢٨).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ( ١٤٩٢٧).
(٤) ذكره ابن كثير في ((تفسيره)) (٣٠٧/٣).
(٥) انظر (ص ٢٤٣).
٢٢٧

وعبادة له يؤجر عليها إن شاء الله تعالى من قالها ) ، وبسط الكلام في
الاستدلال لذلك(١) .
وخالفه الحنفية وجمعٌ من أصحاب مالك وأحمد ، فقالوا : بكراهتها ؛
لأن فيها إيهام الإِهلال لغير الله تعالى، ولِما رُوي من خبر: «موطنان لا حظَّ
لي فيهما، عند العُطَاسِ والذَّبح))، وسيأتي معناه في ( مبحث العُطَاسِ)(٢)،
وأنه غير صحيح ، بل في سنده من اتُّهم بالوضع .
ودعوى الإِيهام مدفوعة بأنها إنما تتأتى أن لو قيل : باسم الله ، واسم
محمد ، وهذا غير مشروع اتفاقاً ، بخلاف باسم الله وصلَّى الله على رسوله ؛
فإنه لا إيهام فيها البَتَّةَ ، والاستدلال بالخبر يتوقف على إثبات صحته ، على
أنها لو سلمت .. أمكن حملها على ذكرٍ على وجه لا يُشرع ، كما مثلناه ، فلا
دليل فيه لمنع الصلاة عليه هنا بوجه .
الخامس عشر: عند عقد البيع، كما اقتضاه كلام ((الأنوار)) وغيره(٣)،
ويدل له عموم رواية: (( كل أمر ذي بال)) الآتية (٤).
السادس عشر : عند كتابة الوصية ، على ما قاله بعض المتأخرين ،
واستدل له بأمر أبي بكرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن يكتب في
وصيته : ( هذا ما أوصى به نُقيع - يعني: اسمه - وهو يشهد أن لا إله
إلا الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلَّم نبيّه )(٥) . ولا دليل فيه ، نظير ما مر
في إدخال الميت القبر (٦) .
(١) الأم (٣/ ٦٢١).
(٢) انظر ( ص ٢٣٧).
(٣)
الأنوار لأعمال الأبرار (٣٠٤/١).
(٤)
انظر ( ص ٢٥١) .
(٥) أخرجه الربعي في ((وصايا العلماء)) (ص ٥٥)، وابن عساكر في (( تاريخه))
( ٢١٩/٦٢) .
(٦) انظر (ص ٢٢١ ).
٢٢٨

السابع عشر: في خطبة التزويج، كما في ((الأذكار)) وغيره (١)، وجاء
عن ابن عباس بسند ضعيف : أنه قال في [قوله تعالى]: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
صَلُواْ عَلَيْهِ﴾ : ( أثنوا عليه صلى الله عليه وسلم في صلاتكم ، وفي
مساجدكم ، وفي كل موطن ، وفي خطبة النساء ، فلا تنسَوه )(٢) ، وفعله
عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه .
الثامن عشر : في طرفي النهار ، وعند إرادة النوم ، ولمن قلَّ نومه .
جاء بسند ضعيف : أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( من صلَّى عليَّ مئة
صلاة حين يصبح قبل أن يتكلم .. قضى الله تعالى له مئة حاجة ، يعجِّل له منها
ثلاثين ، ويدَّخر له سبعين ، وفي المغرب مثل ذلك ... )) الحديث السابق(٣).
وبسند غريب جداً ، وفي رواته من فيه بعض المقال: (( من أوى إلى
فراشه ، ثم قرأ ( تبارك الملك ) ، ثم قال : اللهمَّ ؛ ربَّ الحِلِّ والحرام ،
وربَّ البلد الحرام ، وربَّ الركن والمقام ، وربَّ المشعر الحرام ، بحق كل آية
أنزلتها في شهر رمضان ؛ بلِّغ روح محمد صلى الله عليه وسلم تحيةً وسلاماً
( أربع مرات ) .. وكَّل الله عز وجل به ملكين حتى يأتيا محمداً ، فيقولا له :
إن فلاناً بن فلان يقرأ عليك السلام ورحمة الله ، فأقول : على فلان بن فلان
مني السلام ورحمة الله وبركاته )) (٤) .
ووصف بعضهم لمن قلّ نومه أن يقرأ: ﴿إِنَّاللَّهَ وَمَبِكَتَهُ﴾ الآية.
ويُروى: ((من صلَّى عليَّ مساءً .. غُفر له قبل أن يُصبح، ومن صلَّى عليَّ
صباحاً .. غُفِر له قبل أن يُمسي))، قال السخاوي: ( ولم أقف على
أصله )(٥) .
(١) الأذكار (ص ٤٥٦).
(٢) عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٤٠٩) للقاضي إسماعيل الجهضمي.
(٣) انظر (ص ٢٠٣).
(٤) أخرجه أبو الشيخ في ((طبقات المحدثين بأصبهان)) ( ٥٩٧).
(٥) القول البديع ( ص٤١١ ) .
٢٢٩

التاسع عشر: عند إرادة السفر، كما في (( أذكار النووي)) فإنه قال:
( ويفتتح دعاءه بالتحميد لله تعالى ، والصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله
عليه وسلم) اهـ(١)، ويدل له رواية: ((كل أمر ذي بال ... )) الآتية(٢).
العشرون : عند ركوب الدابة .
أخرج الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( من قال إذا ركب دابة :
باسم الله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيء ، سبحان من ليس له سميٌّ ، سبحان
الذي سخر لنا هذا وما كنا له مُقرنين ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ، والحمد لله
رب العالمين، وصلَّى الله على محمد ، وعليه السلام .. قالت الدابة :
بارك الله عليك من مؤمن ، خَفَّفتَ عن ظهري ، وأطعتَ ربَّك ، وأحسنت إلى
نفسك، بارك الله لك في سفرك، وأنجح حاجتك)) (٣).
الحادي والعشرون : عند الخروج إلى السوق ، وحضور دعوة ونحوها .
أخرج جمع عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه : ( ما جلس في مأدبة
ولا ختان - وفي لفظ : ولا جنازة - ولا غير ذلك فيقوم .. حتى يحمد الله تعالى
ويثني عليه ، ويصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو ، وكذا كان إذا
خرج إلى السوق .. يأتي أغفلها مكاناً ، فيجلس ويفعل ذلك) (٤).
الثاني والعشرون : عند دخول المنزل ، وإلمام الفقر ، أو الحاجة ، أو
خوف وقوع ذلك ، مرَّ في مبحث ( كون الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تنفي
الفقر ) ما يدلُّ لذلك(٥) .
الثالث والعشرون : في الرسائل وبعد البسملة ، فهو من سنة الخلفاء
(١) الأذكار (ص ٣٠٢).
(٢) انظر (ص ٢٥١).
(٣) أخرجه الطبراني في ((الدعاء)) ( ٧٧٦).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٧/ ١٣١).
(٥) انظر (ص ١٧٧ ).
٢٣٠

الراشدين ؛ لما جاء من طريق الواحدي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه خليفة
رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كتب إلى بعض عماله : ( بسم الله الرحمن
الرحيم ، من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طريفة بن
حاجز ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، وأسأله أن
يصلِّي على محمد صلى الله عليه وسلم ، أما بعد ... ) إلخ الكتاب(١).
وقد مضى عليه عمل الأمة في أقطار الأرض من أول ولاية بني هاشم ، ولم
يُنكر ذلك ، ومنهم من يختم به الكتب ، وهذا يَرُدُّ ما قيل : إن أول من صدَّر
الرسائل بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هارون الرشيد .
وفي (( أذكار النووي)): ( يُروَى عن حماد بن سلمة : أن مكاتبة المسلمين
كانت من فلان إلى فلان ، أما بعد ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي
لا إله إلا هو ، وأسأله أن يصلِّي على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آل
محمد ، وأن الزنادقة أحدثوا المكاتبات التي أولها أطال الله بقاءك )(٢).
الرابع والعشرون : عند الهمِّ ، والشدائد ، والكروب ، ووقوع الطاعون ،
مرَّ فيه حديث في مبحث ( أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم سبب لكفاية
المهمات في الدنيا والآخرة )(٣) .
ويروى: ((من عسُر عليه شيء .. فليكثر من الصلاة عليَّ؛ فإنها تَحُلّ
العقد، وتكشف الكُرَب))، قال السخاوي : ( لم أقف على أصله) (٤).
وأخرج الطبراني عن جعفر الصادق قال : ( كان أبي إذا كَرَبَهُ أمر .. قامَ
فتوضأ وصلَّى ركعتين ، ثم قال في دُبر صلاته : اللهمَّ؛ أنت ثقتي في كل
كرب ، وأنت رجائي في كل شِدَّة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعُدَّة ،
فكم من كَرْب قد يضعف عنه الفؤاد ، وتَقِل فيه الحيلة ، ويرغب عنه الصَّديق ،
(١) ذكره الكلاعي في ((الإكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء)) (٣/ ٨٠).
(٢) الأذكار (ص٥٩٦) .
(٣) انظر (ص ١٦٤).
(٤) القول البديع (ص ٤١٤ ).
٢٣١

ويَشْمَت به العدو .. أَنْزَلْتُه بك وشَكَوْتُه إليك ففرَّجتَه وكشفته ؛ فأنت صاحب
كل حاجة ، ووليُّ كل نعمة ، وأنت الذي حَفِظت الغلام بصلاح أبويه ،
فاحفظني بما حفظته به ، ولا تجعلني فتنة للقوم الظالمين ، اللهمَّ ؛ وأسألك
بكل اسم هو لك ، سميته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت
به في علم الغيب عندك ، وأسألك بالاسم الأعظم الأعظم الأعظم ، الذي إذا
سُئلت به كان حقاً عليك أن تجيب : أن تصلِّي على محمد وعلى آل محمد ،
وأسألك أن تقضي حاجتي)) (١) ، ويسأل حاجته .
قيل : ويدلُّ لِرَفْعِها الطاعونَ : أنها من الله تعالى رحمة ، وهو عذاب في
الأصل ، وإن كان رحمة للمؤمنين ، والرحمة والعذاب لا يجتمعان .
وأيضاً : مرَّ أنها تنجي من أهوال يوم القيامة ، فالطاعون الذي هو من أهوال
الدنيا أولى .
وأيضاً : فالمدينة الشريفة معصومة من دخوله كالدَّجال لها ببركته صلى الله
عليه وسلم ، فكذا الصلاة عليه . اهـ
ويُرَدُّ بأن الكلام في المؤمنين ، وهو رحمة في حقهم ، فلا عذاب فيه ،
ولا هَوْلَ حقيقةً ، وعصمةُ المدينة منه معجزة له صلى الله عليه وسلم ورد بها
النص ، فلا يقاس عليها .
نعم؛ المعتمد كما بينته في شرحَي ((الإِرشاد)) و((العباب)) وغيرهما : أنه
يقنت له ، فعليه يتضح الاستدلال السابق ، ودعاؤه صلى الله عليه وسلم به
لأَمته .. لا ينافي طلب رفعه ، ألا ترى أن قتل الكفار شهادةٌ ورحمة كما وردت
به النصوص ؛ ومع ذلك يُستعاذ منه ويسأل رفعه ؛ لما فيه من عدم ملاءمة
النفوس ، وضعف الإِسلام بذهاب العلماء والشُّجعان ؟! فهما وإن كان كل
منهما رحمة خاصة .. إلا أن فيه نقمة عامة ، فاتضح ذلك فيهما ، واندفع
ما لكثيرين من الاعتراض في ذلك .
(١) أخرجه الطبراني في ((الدعاء)) (١٠٣٩).
٢٣٢

الخامس والعشرون : عند خوف الغرق .
حكى الفاكهانيُ عن بعض الصالحين : أنه كان في سفينة مشرفة على الغرق
في البحر المِلْحِ ، فنام فرأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يأمره أن يأمر أهلها أن
يقولوا ألف مرةً : ( اللهمَّ ؛ صلِّ على محمد صلاة تنجينا بها من جميع الأهوال
والآفات ، وتقضي لنا بها جميع الحاجات ، وتطهِّرنا بها من جميع السيئات ،
وترفعنا بها عندك أعلى الدرجات ، وتبلِّغنا بها أقصى الغايات ، في الدنيا وبعد
الممات) ، فأخبرهم بذلك ، فقالوها ، فحين بلغوا ثلاث مئة مرة .. فرَّج الله
تعالى عنهم ، وساقها المجد بإسناده(١) ، وزاد عن بعضهم : أن من قالها في
كل مهمّ ونازلة وبلية ألف مرة .. فرج الله تعالى عنه ، وأدرك مأموله .
السادس والعشرون : في أول الدعاء ووسطه وآخره .
أجمع العلماء على ندب ابتدائه بالحمد ، ثم بالصلاة عليه صلى الله عليه
وسلم، وجاء بسند رجاله رجال الصحيح: (( إذا أراد أحدكم أن يسأل الله
شيئاً .. فليبدأ بمدحه والثناء عليه بما هو أهله ، ثم يصلّي على النبي صلى الله
عليه وسلم، ثم يسأل بعدُ؛ فإنه أجدر أن ينجح أو يصيب))(٢).
وفي رواية: ((إذا أراد أحدكم أن يدعوَ فأحبّ أن يُستَجاب له ..
فليحمد الله ، وليُثْنِ عليه ، وليصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ليدعُ
بحاجته ؛ فإنه أجدر أن يُستَجاب له))(٣).
وبسند ضعيف غريب: (( لا تجعلوني كقدَح الراكب))، قيل : وما قدح
الراكب ؟ قال : ((إن المسافر إذا فرغ من حاجته .. صبَّ في قَدحه ماء ، فإن
كان له إليه حاجة .. توضأ منه أو شربه، وإلا .. أهراقه ؛ اجعلوني في أول
الدعاء ووسطه وآخره)) (٤).
(١) الصِّلات والبُشَر (ص١٧١).
(٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٥٥/٩)، وعبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٩٦٤٢).
(٣) عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٤١٩) لابن أبي الدنيا في ((الذكر)).
(٤) أخرجه عبد بن حميد في ((مسنده)) (١١٤٢)، والشهاب في ((مسنده)) (٩٤٤)، =
٢٣٣

وفي رواية مرسلة أو معضلة: (( لا تجعلوني كقدح الراكب ، اجعلوني في
أول دعائكم وأوسطه وآخره)) (١) .
والمراد بالنهي عن التشبيه بالقدح : ألا يؤخَّر في الذكر ؛ فإن الراكب يعلق
قدحه في آخِرَة رحله ويجعله خلفه ، وفي رواية بدل ( أهراقه ) السابقة :
( هراقه)، وهاؤه مبدلة من ألف ؛ إذ أصله (أراق ) ( فأهراق ) ، مما جُمع
فيه بين البدل والمبدل منه .
وأخرج النسائي وغيره : (( الدعاء كله محجوب حتى يكون أوله ثناء
على الله عز وجل ، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يدعو
فیستجاب لدعائه ))(٢).
والديلميُّ: ((كل دعاء محجوب حتى يُصلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم))(٣).
وفي لفظ له: (( الدعاء يُحجَب عن السماء ، ولا يَصعَد إلى السماء من
الدعاء شيء حتى يُصَلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا صُلِّي على النبي
صلى الله عليه وسلم .. صَعِد إلى السماء)) (٤).
وهو في ((الشفا)) بلفظ: (( الدعاء والصلاة معلَّق ــ أي : كل منهما - بين
السماء والأرض ، ولا يَصعَد إلى الله عز وجل حتى يُصلَّى على النبي صلى الله
عليه وسلم))(٥) .
والديلمي في ((الفردوس)) (٧٤٥٢)، وعبد الرزاق في ((مصنفه)) (٣١١٧)، والبيهقي
=
في ((الشعب)) ( ١٥٧٨).
(١) قال الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٤١٨): (رواه سفيان بن عيينة في
(( جامعه)) ) .
(٢) أخرجه ابن بشكوال في ((القربة)) (٣)، وكذلك عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع))
(ص٤١٩) للنسائي، وانظر ((تذكرة الحفاظ)) ( ١٠٢٦/٣).
(٣) أخرجه الديلمي في ((الفردوس)) (٤٧٥٤)، والطبراني في ((الأوسط)) (٧٢٥)،
والبيهقي في (( الشعب)) (١٥٧٥) .
(٤) كذلك عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٤٢٠) للديلمي.
(٥) كذلك عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٤٢٠) إلى ((الشفا)).
٢٣٤

ويقوِّيه ما جاء بسند فيه من لا يُعرف عن عمر رضي الله تعالى عنه - مما
لا يقال من قِبَل الرأي ، فيكون في حكم المرفوع -: ( ذُكر لي أن الدعاء يكون
بين السماء والأرض ، لا يصعد منه شيء حتى يُصَلَّى على النبي صلى الله عليه
وسلم )(١) .
وبسند فيه من ضعَّفه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما من
دعاء إلا وبينه وبين السماء حجاب حتى يُصَلَّى على محمد ، وعلى آل محمد ،
فإذا فعل ذلك .. انخرق ذلك الحجاب ودخل الدعاء، وإذا لم يفعل .. رجع
الدعاء)) (٢).
وأخرجه آخرون موقوفاً باختصار : (( كل دعاء محجوب حتى يُصَلَّى على
محمد وآل محمد )) والموقوف أشبه(٣) .
قال ابن عساكر : ( لا يثبت في هذا الباب حديث مرفوع عن النبي صلى الله
عليه وسلم ) .
وعن عطاء : ( أن أركان الدعاء : حضور القلب ، والرقة ، والاستكانة ،
والخشوع ، وتعلّق القلب بالله عز وجل ، وقطعه من الأسباب . وأجنحتُه :
الصدق . ومواقيته : الأسحار . وأسبابه : الصلاة على رسول الله صلى الله
عليه وسلم ) .
السابع والعشرون : عند طنين الأذن .
أخرج جمع بسند ضعيف : (( إذا طنَّت أُذن أحدكم .. فليصلِّ عليَّ،
وليقل: ذَكَرَ اللهُ بخيرٍ من ذكرني بخير))، وفي رواية: (( فليذكرني ، وليصلِّ
عليَّ)) (٤)، وإخراج ابن خزيمة له في ((صحيحه)) .. متعجب منه ؛ فإن إسناده
(١) أخرجه البيهقي (٤٨٦)، وابن بشكوال في ((القربة)) (٤).
(٢) أخرجه ابن بشكوال في ((القربة)) (٢)، والديلمي في ((الفردوس)) (٦١٤٨).
(٣) أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٧٢٥)، وابن بشكوال في ((القربة)) (١) كلاهما موقوفاً
على سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
(٤) أخرجه الديلمي في ((الفردوس)) (١٣٢١)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٢١/١)، وابن =
٢٣٥

غريب ، بل قال العقيلي : ( ليس له أصل)(١) .
الثامن والعشرون : عند خَدَر الرَّجل .
جاء عن كل من عمر وابنه وابن عباس رضي الله تعالى عنهم : أن رجله
خَدِرت ، فقال له آخر : اذكر أحب الناس إليك ، فقال الأول : يا محمد
صلَّى الله عليك ، والثاني : يا محمد ، والثالث : محمد صلى الله عليه
وسلم ، فذهب خَدَره(٢) .
التاسع والعشرون : عند العُطاس استحبَّها جماعة ؛ لما جاء بسند
ضعيف : (( من عطس فقال : الحمد لله على كل حال ما كان من حال ،
وصلَّى الله على محمد وعلى أهل بيته .. أخرج الله من مَنْخِره الأيسر طائراً
يقول : اللهمَّ؛ اغفر لقائلها))(٣).
وفي رواية - سندها لا بأس به إلا أن فيها راوياً ضعَّفه كثيرون ، وأخرج له
مسلم متابعة -: (( ... طيراً أكبر من الذباب ، وأضعف من الجراد يرفرف
تحت العرش يقول : اللهم ؛ اغفر لقائلها))(٤).
وجاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : أنه استحبها عند العُطاس (٥) ،
وأنه قال لمن قال عنده : الحمد لله والسَّلام على رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ( ليس هكذا علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) (٦) ، ورجَّح
السني في ((عمل اليوم والليلة)) (١٦٦)، وابن عدي في ((الكامل)) (١١٣/٦) وابن
=
بشكوال في ((القربة)) ( ٩٨ ).
(١) الضعفاء (١٢٦٣/٤)، وإخراج ابن خزيمة له لم نجده في المطبوع منه، وعزاه له الحافظ
ابن كثير في (( تفسيره)) ( ٥١٦/٣) وساق سند ابن خزيمة .
حديث ابن عمر أخرجه البخاري في (( الأدب المفرد)) (٩٦٤)، وابن السني في ((عمل
(٢)
اليوم والليلة)) ( ١٦٨).
عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٤٢٤) للديلمي في ((الفردوس)).
(٣)
(٥) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) ( ٩٣٢٦).
(٤)
أخرجه ابن بشكوال في « القربة)) (٧٩) من حديث ابن عباس مرفوعاً .
(٦) أخرجه الحاكم (٢٦٥/٤)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٩٣٢٧).
٢٣٦

البيهقي الأول ، وقال غيره : ( سند الثاني ضعيف ، وإن أخرجه الحاكم في
((صحيحه)) ) .
وقال آخرون: لا يُسن ذلك لخبر: (( لا تذكروني في ثلاث مواطن : عند
العُطاس، وعند الذبيحة، وعند التعجُّب))(١)، وفي رواية: (( عند تسمية
الطعام)) بدل (( التعجب))(٢)، ولا دليل لهم فيه ؛ لأنه غير صحيح ، بل في
سنده من اتُّهم بالوضع .
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أنه قال : ( موطنان لا يُذكَر فيهما
رسول الله صلى الله عليه وسلم : عند العُطاس ، والذبيحة )(٣) ، ولا يصح
أيضاً .
تنبيه :
قال جماعة : مما يُفرد فيه ذكر الله تعالى : الأكل ، والشرب ، والوقاع ،
والعطاس ، ونحوها مما لم ترد السنة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
فيه ، وقد عُلِمَ ردُّ ما ذكروه في العُطاس، ويَرُدَّ البقية رواية: (( كل أمر ذي
بال ... )) السابقة (٤).
فائدة :
كَرِه سُخْنُون المالكي الصلاةَ عليه صلى الله عليه وسلم عند التعجب ، وقال
الحَليمي من أئمتنا : ( لا يكره ذلك كسبحان الله ، لا إله إلا الله ؛ أي :
لا يأتي بالنادرِ وغيرِه إلا الله ، فإن صلَّى عليه صلى الله عليه وسلم عند
ما يُستقذَر أو يُضحك منه .. فأخشى على صاحبه ، فإن عرف أنه جعلها عجباً
(١) أخرجه الديلمي في ((الفردوس)) (٧٣٧١).
(٢) أخرجه البيهقي (٢٨٦/٩).
(٣) عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٤٢٦) إلى ((فوائد المخلص)) من طريق
نهشل عن الضحاك .
(٤) بل الآتية (ص ٢٥١).
٢٣٧

ولم يجتنبه .. كفر ) اهـ (١)، ونظر فيه القونوي.
والذي يتجه : أنه لا بُدَّ في الكفر من قيد زائد على ذلك ، ومما يومىء إليه
فحوى كلامه ، وهو : أن يذكرها عند المستقدَر أو المضحوك منه بقصد
استقذارها أو جعلها ضُحْكَة ، فيكفر حينئذ كما هو ظاهر .
وجزم البدر العيني من الحنفية بحرمتها كالتَّسبيح والتّكبير عند عمل
محرَّم ، أو عَرْض سلعة ، أو فتح متاع ، ولا يُؤمَر بها أحدٌ عند الغضب خوفاً
من أن يحمله الغضب على الكفر ، نقله النووي رحمه الله تعالى في (( أذكاره ))
وأَقَرَّهُ(٢).
الثلاثون : عند تذكُّر منسيٍّ ، أو خوف نسيان .
جاء بسند ضعيف: ((إذا نسيتم شيئاً .. فصلُّوا عليَّ؛ تذكروه إن
شاء الله))(٣).
وبسند ضعيف مرسل: (( من أراد أن يحدِّث بحديث فنسيه .. فليصلِّ
عليَّ؛ فإن في صلاته عليَّ خلفاً من حديثه، وعسى أن يذكره)) (٤) .
وبسند منقطع عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (( من خاف على
نفسه النسيان .. فليكثر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم))(٥).
الحادي والثلاثون : عند استحسان الشيء ، على ما ذكره ابن أبي حَجَلة ،
لكن مرَّ ما يرده في الكلام عليها عند التعجب (٦) .
الثاني والثلاثون: عند أكل الفُجْل، أخرج الديلمي: (( إذا أكلتم الفُجْل
(١) المنهاج في شعب الإيمان (١٤٨/٢ -١٤٩).
(٢) الأذكار (ص٥٨٩ ).
عزاه الإمام السخاوي في (( القول البديع)) ( ص٤٢٧ ) لأبي موسى المديني .
(٣)
(٤) أخرجه ابن السُّني في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٨٧)، وابن بشكوال في ((القربة))
(١٠٠ ).
(٥) عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص ٤٢٧) لابن بشكوال .
(٦) انظر (ص ٢٣٧).
٢٣٨

وأردتم ألا يوجد له ريح .. فاذكروني عند أول قضمة)) ولا يصح مرفوعاً (١) ،
والأشبه : أنه من كلام ابن المسيّب .
الثالث والثلاثون : عند نهيق الحمير ، أخرج الطبراني وابن السُّنِّي: (( لا
ينهق الحمار حتى يرى شيطاناً أو يتمثَّل له شيطان ، فإذا كان ذلك ..
فاذكروا الله وصلوا عليَّ))(٢)، ومن ثَمَّ سُنَّ التعوُّذ حينئذ كما في حديثٍ(٣)؛
لِمَا يخشى من شر ذلك الشيطان وشر وسوسته ، فيلجأ إلى الله في دفعه متوسلاً
إليه بالصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم .
الرابع والثلاثون : عقب الذنب لتكفِّره ، كما مر في مبحث ( كونها كفارة
للذنوب)(٤) ومرَّ ثَمَّ أيضاً : أنها زكاة لنا ، والزكاة تتضمن : النماء ،
والبركة ، والطهارة ، والتكفير يتضمن محق الذنوب ، فتضمَّن الحديثان : أنها
تطهر النفس من رذائلها ، وتنمِّيها وتزيد في كمالها ، وإلى هذين يرجع كمال
النفس ، فعلم أنه لا كمال لها إلا بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ، التي هي
من لوازم محبته ومتابعته وتقديمه على كل مَنْ سواه من المخلوقين صلى الله
عليه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبداً .
الخامس والثلاثون : عند عروض حاجة مرَّ فيه حديثٌ في ( الثامن
عشر )(٥) ، وحديثٌ في مبحث ( كون الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تنفي
الفقر )(٦) ، وجاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كيفية صلاة ثنتي عشرة
(١) ذكره الديلمي في ((الفردوس)) (١٠٦٨)، وانظر ((تنزيه الشريعة)).(٢٦١/٢) إتماماً
للفائدة .
(٢) عمل اليوم والليلة (٣١٤)، وعزاه الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٦/ ٣٥٣) للطبراني .
(٣) حديث التعوذ لسماع النهيق أخرجه البخاري (٣٣٠٣) ومسلم (٢٧٢٩) ولفظه: ((إذا
سمعتم صياح الدِّيكة .. فاسألوا الله من فضله ؛ فإنها رأت مَلَكاً ، وإذا سمعتم نهيق
الحمار .. فتعوذوا بالله من الشيطان فإنه رأى شيطاناً )) .
(٤) انظر ( ص ١٤٧).
(٥) انظر (ص ٢٢٩).
(٦) انظر (ص ١٧٧ ).
٢٣٩

ركعة ( ثم عَقِب التشهُد يُصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يكَبِّر
ويسجد، ويقرأ ساجداً ((الفاتحة)) سبعاً، وآية الكرسي سبعاً، ولا إله
إلا الله وحده لا شريك له ... إلى قدير عشراً، ثم يقول : اللهمَّ؛ إني أسألك
بمعاقد العز من عرشك ، ومنتهى الرحمة من كتابك ، واسمك الأعظم ،
وجَدِّك الأعلى ، وكلماتك التامة ، ثم يَسأَل حاجته ، ثم يرفع رأسه ، ثم
يسلِّم). وسندها واهٍ بمرَّة، وذكره ابن الجوزي في ((كتابه)) (١) . ورُويَ عن
ابن جُريج من حديث أبي هريرة وطرقه كلها واهية ، لا سيما وهو معارض
بالنهي الصحيح عن القراءة في الركوع والسجود ، وأيضاً ففيه السجود بين
التشهد والسلام من غير سهو ، وهو مبطل للصلاة .
ومعنى ( معاقد العز من عرشك ) : أنه كما يقال : عقدتُ هذا الأمر
بفلان ؛ لكونه قويّاً عالماً .. فالأمانة والقوة والعلم معاقد الأمر به ، وسبب
ذلك ؛ أي : بالأسباب التي أعززت بها عرشك حتى أثنيت عليه بقولك :
﴿اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ﴾ و﴿اٌلْعَرْشِ الْكَرِيِ﴾ و﴿الْعَرْشِ الْمَجِدُ﴾.
و( منتهى الرحمة من كتابك ) : كأنه أراد به آيات سعة رحمته سبحانه
وتعالى وكثرةَ أفضاله ، أو الآيات التي يستوجب قارئها أو العامل بها ذلك ،
ذكره المدينيُّ .
وجاء: (( من كانت له إلى الله حاجة ، أو إلى أحد من بني آدم ..
فليتوضأ ، وليُحسِن وضوءه ، وليصلِّ ركعتين ، ثم يثني على الله تعالى ،
ويصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ليقل : لا إله إلا الله الحليم
الكريم ، سبحان الله رب العرش العظيم ، والحمد لله رب العالمين ، أسألك
موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والغنيمة من كل بِرّ ، والسلامةَ من كل
ذنب ، لا تَدَعْ لي ذنباً .. إلا غفرته، ولا همّاً .. إلا فرجته، ولا حاجةً هي
لك رضاً .. إلا قضيتها يا أرحم الراحمين)) أخرجه الترمذي وابن مَاجَهْ
(١) انظر ((الموضوعات)) (٦٣/٢).
٢٤٠