Indexed OCR Text

Pages 41-60

ينعطف في ركوعه وسجوده .. استُعير لمن ينعطف على غيره حُنوّاً عليه
وترؤُّفاً ، كعائد المريض في انعطافه عليه ، والمرأة في حنوِّها على ولدها ، ثم
كثر حتى استُعمل في الرحمة والترؤُّف، ومنه قولهم: (( صلى الله عليك))
أي: ترحّم وترأَّف) اهـ(١) ، والراغب حيث قال: ( هي التزكية)(٢).
وأخرج الطبراني في ((الأوسط)) و((الصغير)) حديثاً يومِىءُ إليه ، وهو :
(( قلت : يا جبريل ؛ أيصلي ربّك جلّ ذِكْره ؟ قال : نعم ، قلت : ما صلاته ؟
قال : سُبُّوح قُدُّوس ، سبقت رحمتي غضبي))(٣)، وهذا السياق صريح في
أن ( سُبُّوح قدُّوس ) من كلامه تعالى ؛ تنزيهاً لنفسه بنفسه ، ولا بُعْدَ فيه ،
وكأنه أُعجِم على من زعم أنه من كلامه صلى الله عليه وسلم قدَّمه تنزيهاً بين
يدي إخباره بصلاته تعالى على عبيده ؛ حذراً من أن يُتَوَهَّم منه ما لا يليق به
تعالى .
واعتُرِض هذا القول (٤) بأنه تعالى غاير بينهما بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ
مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ .
وبأن الصحابة رضي الله عنهم لولا فهموا المغايرة بينهما .. ما سألوا عن
كيفية الصلاة ، مع كونهم عُلِّموا الدعاء بالرحمة في التشهد : ( السلام عليك
أيها النبي ورحمة الله وبركاته) ، وأقرهم صلى الله عليه وسلم ، وإلا .. لقال
لهم : قد علمتم ذلك ؟!
وبأن ( رحم) متعدّ ، و( صلى ) قاصر ، ولا يحسن تفسير القاصر
بالمتعدي .
وبأنه يستلزم جواز : ( رحم عليه ) .
(١) الكشاف ( ٣/ ٥٥٥).
(٢) مفردات ألفاظ القرآن، مادة ( صلا).
(٣) المعجم الأوسط (١١٤)، المعجم الصغير (٤٣).
(٤) أي : القول بأنها الرحمة .
٤١

ويجاب بأنه لا مانع من أن الصلاة رحمة خاصة ، فلِمَا فيها من ذلك
الخصوص غُوير بينهما بالعطف .
ثم رأيت الزمخشري صرح بما يؤول لذلك ، حيث قال في تفسير الآية :
( الصلاة : الحنو والتعطّف ، فوضعت موضع الرأفة ، وجُمع بينها وبين
الرحمة كقوله: ﴿رَأَفَةٌ وَرَحْمَةٌ﴾ ﴿رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ والمعنى : عليهم رأفة بعد
رأفة ، ورحمة أيّ رحمة)(١) .
وبأنه إنما احتيج إلى السؤال عن كيفيتها ليحيطوا بذلك الخصوص ، وليس
المراد بتفسير ( صلَّى) بـ(رحم) إلا بيان أن المعنى الموضوع له (صلَّى ) هو
الموضوع له ( رحم ) ، مع قطع النظر عن معنى التعدّي واللزوم ؛ فإن الرَّديفين
قد يختلفان في ذلك ، وهو غير ضار ، فزَعْمُ أن ذلك لا يحسن ، وأنه يلزم
جواز (رحم عليه) .. ليس في محله، على أنه يُحَسِّن تعديةَ (صلَّى)
بـ( على) دون ( رحم ) ما في الأول من ظهور معنى التحنُّن والتَّعطُّف ؛ بدليل
ما مرّ عن الزمخشري .
ولا يَرِدُ على هذا القول عطف الملائكة في: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ
وَمَلَتَبِكَتُهُ﴾ إما لما يأتي في معناها من الملائكة ، أو لأن الملائكة لَمَّا كانوا
مستجابي الدعوة .. جُعلوا كأنهم فاعلون للرحمة والرأفة ، قاله
الزمخشري (٢)، وفيه جمع بين الحقيقة والمجاز .
فالأَوْلى أنها موضوعة هنا للقدر المشترك ، وهو الاعتناء بالمصلَّى عليه ،
كما يأتي عن الغزالي وغيره(٣) ، أو إرادةُ وصول الخير ؛ فالله تعالى يريد
وصوله إليهم برحمته إياهم ، وملائكته يريدون ذلك بالاستغفار لهم .
ولا يَرِدُ عليه أيضاً إجماعُهم على جواز الترحم على غير الأنبياء ،
(١) الكشاف (٢٣٤/١).
(٢) الكشاف (٢٣٤/١) .
(٣) انظر (ص ٤٤) .
٤٢

واختلافُهم في جواز الصلاة ؛ لِمَا قَرَّرتُه من أن الصلاة أخص ، ففيها معنىَّ زائدٌ
على مطلق الرحمة ، فجازت مطلقاً اتفاقاً ، وامتنعت الصلاة على غير الأنبياء -
على قول - رعايةً لذلك المعنى الأخص ، ومن ثم وجبت بعد التشهد مع
اشتماله على الدعاء بالرحمة .
وبهذا إن تأملته يظهر لك أنه لا خلاف في الحقيقة ، وأن مآل هذا القول
والذي قبله إلى شيء واحد ، والتخالف بينهما إنما هو في اللفظ فقط؛ إذ
لا يسع أحداً أن يقول : إن صلاة الله تعالى على نبيه أو رحمته له صلى الله عليه
وسلم بمعنى صلاته على بقية المؤمنين أو رحمته لهم ؛ لأن القدر اللائق به
صلى الله عليه وسلم من ذلك أرفع مما يليق بغيره ، فالرحمة وإن شملت
الأمرين ، للكنها بالنسبة للأنبياء أجل وأرفع ، وهذا الأجلُّ الأرفع فيه من
الخصوص ما ليس في مطلق الرحمة ، فخُصَّ باسم الصلاة ، وخُصَّ اسمها
باستعماله في الأنبياء ؛ تمييزاً له ولهم ، وتنويهاً بشرفه صلى الله عليه وسلم
وشرفهم ، فافهم ذلك وأعرض عن غيره .
ثم رأيت عياضاً ذكر ما يصرح بما ذكرته ، حيث قال نقلاً عن أبي بكر
القشيري : ( الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل تشريفٌ
وزيادة تكرمة ، وعلى من دون النبي صلى الله عليه وسلم رحمةٌ ، وبهذا
التقرير : يظهر الفرق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين سائر المؤمنين في
أن الله وملائكته يُصلُّون على النبي، مع قوله قبله: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّىِ عَلَيْكُمْ
وَمَلَتَبِكَتُهُ﴾، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق به صلى الله عليه وسلم من
ذلك أرفع مما يليق بغيره ، والإِجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم
النبي صلى الله عليه وسلم والتنويه به ما ليس في غيرها ) اهـ ملخصاً
- وقيل : هي الاستغفار ، ونقله ابن أبي حاتم عن ابن جبير ومقاتل ،
وروي عن الضحاك ، ورجحه القرافي ، وجرى عليه البيضاوي وغيره .
٤٣

ولك أن تقول : هذا لا ينافي القولين الأولين (١)؛ لأن المغفرة فيه بمعنى
الرحمة المخصوصة المرادِ بها تعظيمُه ، والثناءُ عليه وتشريفه ، والتنويهُ بعليٍّ
قدره وشرفه بين ملائكته ، مع مزيد الإِفضال عليه من سوابغ إنعامه بما يليق
بعظيم كماله .
فاتضح أنه لا مخالفة في الحقيقة بين هذه الأقوال الثلاثة ، وأن مآلها
.(٢)
ومرجعها إلى ما ذكرته ، فتدبره
ثم رأيت في كلام ابن عطية ما يومىء إليه ؛ فإنه قال : ( صلوات الله على
عبيده .. رحمته وبركته وتشريفه إياهم في الدنيا والآخرة ، ونشره الثناء الجميل
عليهم ؛ أي : فهي تشمل ذلك كله ، للكن الذي لنبينا صلى الله عليه وسلم منه
هو أكمله وأعلاه وأشرفه وأتمه ) .
ومِن ثَمَّ قال بعضهم: ( صلاة الله تعالى على خلقه خاصة وعامة ، فهي على
أنبيائه الثناء والتعظيم، وعلى غيرهم الرحمة ، فهي التي وسعت كل شيء ) اهـ
ويؤيد ذلك قول الغزالي وغيره : ( إن لفظ الصلاة موضوع للقدر
المشترك، وهو الاعتناء بالمصلَّى عليه)(٣).
وأما صلاة الملائكة عليه صلى الله عليه وسلم :
فقيل : هي الدعاء ، ورواه البخاري عن أبي العالية ، وغيره عن الربيع بن
أنس والضحاك ، وجرى عليه ابن الأعرابي وابن عطية وغيرهما .
- وقال ابن عباس رضي الله عنهما : الدعاء بالبركة ، عَلَّقه عنه
البخاري (٤).
(١) أي: مجيء الصلاة بمعنى الثناء، وبمعنى الرحمة.
الذي اعتمده المؤلف رحمه الله تعالى في (( التحفة)» (٢٧/١): أنها من الله الرحمة
(٢)
المقرونة بالتعظيم .
(٣) المستصفى من علم الأصول (١٤٣/٢).
(٤) صحيح البخاري ( كتاب التفسير)، باب (قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَمِكَتَهُ ... ﴾).
٤٤

- وقال المبرِّد : رقة تبعث على استدعاء الرحمة ، وهو معنى قول غيره :
رقة و دعاء .
- وقال الراغب : ( الاستغفار ) (١) ، وجرى عليه الماوردي.
ولا خلاف في الحقيقة بين هذه الأقوال أيضاً ، كما هو ظاهر ؛ لأنها منهم
بمعنى الدعاء الشامل للدعاء بالبركة وبالمغفرة ؛ أي : اللائقة بمقامه صلى الله
عليه وسلم ، وبغيرهما من سائر المراتب اللائقة به صلى الله عليه وسلم ،
والباعث عليها منهم ما ركّبه الله عز وجل فيهم من الرقة والمعرفة بحقوقه
صلى الله عليه وسلم ، ومَن خصّص الدعاء بالبركة أو المغفرة لم يُرِد أنهم
لا يدعون له بغير ذلك ؛ إذ لا دليل له على هذا الحصر ، وإنما أراد النصّ على
أظهر مقاصد الدعاء عنده ، فاجتمعت الأقوال ، واتضح المراد منها ، وهو
أنهم يطلبون له صلى الله عليه وسلم من ربّه سبحانه وتعالى مزيدَ الثناء عليه
وتعظيمه ، والإِفضال عليه من بركته ومغفرته ، وغيرهما من سائر المراتب
العليّة ، مما يليق بباهر كماله وعَلِيٍّ حاله ، صلى الله عليه وسلم وشرّف
وكرّم .
وأما صلاةٌ مؤمني الإِنس والجنّ عليه .. فهي بمعنى الدعاء ؛ أي : طلب
ما ذُكر له صلى الله عليه وسلم من الله تبارك وتعالى .
فائدة :
عامةُ القُرّاء على نصب ( الملائكة ) عطفاً على اسم ( إنّ) ، ثم قيل :
( يصلُّون ) خبرٌ عنهما ، وقيل : عن الثاني ، وخبر الجلالة محذوف لدلالة
( يصلون ) عليه ، قيل : ويرجّحه تغايرُ الصّلاتين ، وظاهرُ كلام أبي حيان
ترجيح الأول ، وعليه فتُرَدّ حجةُ الثاني بأنه لا نظر للتغاير مع استعمال لفظ
الصلاة للقدر المشترك كما مرّ بيانه ، ثم رأيت بعضهم اعتمد ذلك أيضاً ، بل
صوّبه فقال عقب حكايته أن ( يصلّون ) ليس خبراً عنهما للتغاير السابق :
(١) مفردات ألفاظ القرآن، مادة ( صلا).
٤٥

( والصوابُ عندي : أن الصلاة لغةً بمعنى واحد وهو العطف ، ثم هو بالنسبة
إليه تعالى الرحمةُ ، وإلى الملائكة الاستغفارُ ، وإلى الآدميين دعاءُ بعضهم
لبعض ) اهـ
وقُرىء بالرفع (١)، وعليه فيحتمل أنه عطفٌ على محل اسم (إن)(٢)،
و( يصلون) خبرٌ عنهما، وأن يكون (يصلون) خبرَ الملائكة، وخبرُ الجلالة
محذوف ، وهو مذهب البصريين لما مرّ (٣)، ولئلا يتواردَ عاملان على معمول
واحد ، ولئلا يلزم الاشتراكُ والأصلُ عدمه ، ولأنا لا نعرف في العربية فعلاً
واحداً يختلف معناه باختلاف المسند إليه إذا كان الإِسناد حقيقة .
وبما قدّمناه من وضعها للقدر المشترك يُرَدُّ الأخيران ؛ إذ لا اشتراك
حينئذٍ ، ولا اختلاف باختلاف المسند إليه .
ثم القولُ بأن الضمير لله عزَّ وجلّ وملائكته .. لا ينافيه قوله صلى الله عليه
وسلم لمن قال : من يطع الله ورسوله .. فقد رَشَد ، ومن يَعصِهما .. فقد
غَوىُ: (( بئس خطيبُ القوم أنت ، قل: ومن يَعص الله ورسوله)) (٤) وذلك
لأن حكمة التشريك هنا : أن هذا قولٌ من الله عزَّ وجلّ شرّف به ملائكته ، فلا
يتوهم منه نقص البتّة ، ومِن ثَمَّ جَمعَ صلى الله عليه وسلم نفسه مع ربّه في
قوله: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما))(٥) ،
وأما الخطيبُ .. فمنصِبُه قابل للزّلل ، فنطقه بهذه العبارة ربّما يتوهم منه -
لنقصه - أنه إنما جمع بينهما في الضمير لتساويهما عنده .
(١) وهي قراءة شاذة قرأ بها أبو عمرو من رواية عبد الوارث.
(٢) أي: باعتبار محله قبل دخول ( إن )، وهو منسوب إلى الكوفيين وبعض البصريين ، انظر
(( حاشية الصبَّان على الأشموني)) (١/ ٢٨٤).
(٣) قوله: (وأن يكون ((يصلون)) خبر الملائكة ... ) هذا هو الاحتمال الثاني في إعراب قراءة
الرفع ، ومراد المؤلف رحمه الله تعالى: أنَّ ( الملائكةُ) مرفوع على الإبتداء ، وجملة
( يصلون ) خبر عنه ، ففي العبارة اختصار .
(٤) أخرجه مسلم (٨٧٠)، والنسائي (٩١/٦)، وأحمد (٢٥٦/٤).
(٥) أخرجه أحمد ( ٢٧٨/٣).
٤٦

وقيل : الفرقُ أن ما مرَّ عن الله ورسوله جملةٌ واحدة ، فلا يحسن فيها
الإِتيان بالمُظهر ، وما وقع في كلام ذلك الخطيب جملتا مدحِ وذَمِّ ، فحسن
الإِظهار .
ويُرَدُّ بأن هذا تحسين لفظيٌّ ، فتركه لا يوجب أنه صلى الله عليه وسلم
يقول له: ((قم - أوٍ أذهب - بئس الخطيب أنت)) فالحق هو الجواب الأول.
وقال جماعة : سببُ الزّجر أنه وقف على ( يَعْصِهما)، وسكَت سكتةً ،
واستدلّوا بخبر لأبي داوود (١).
الرابعة :
قال الحَليمي ما حاصله : ( القصدُ بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم
التقرُّبُ بأدائها إلى الله عزَّ وجلَّ، وقضاءُ حَقِّه ؛ فإنه تعالى وإن أوجب له تلك
الأُمور - أي: السابقة في قولنا عنه آنفاً: فمعنى ((اللّهم صلِّ على محمد))
اللّهم عظّمه في الدنيا ... إلخ - لكن ما هو منها ذو درجات يجوز إذا صلَّى
عليه أحد فأستجيب له .. أن يزاد به في كل ما ذُكر رتبةً ودرجةً ، ويدل على أن
قولنا : اللّهم صلِّ على محمد صلاةً مِنَّا عليه .. أنَّا لا نملك إيصال ما يَعُم به
أمرُه ويعلو به قدرُه إليه ، إنما ذلك بيد الله تبارك وتعالى ، فصحَّ أن صلاتنا عليه
الدعاءُ له بذلك ، وابتغاؤه له من الله جل ثناؤه ، قال : وقد تكون بمعنى السلام
عليه ؛ أي : كانت أو لِتكن الصلاةُ من الله عليه ؛ لأن التمني على الله عز وجل
سؤال له ، كما في غفر الله له ؛ أي: اللَّهُم اغفر له ) اهـ(٢)
ويُرَدُّ ما ذكره آخراً بأن الأحاديث الآتية مصرحةٌ بالفرق بين الصلاة والسلام
عليه صلى الله عليه وسلم .
وتبعه ابن عبد السلام فقال : ( ليست صلاتنا عليه شفاعةً منا له ؛ فإن مثلنا
لا يشفع لمثله ، وللكن الله تعالى أمرنا بالمكافأة لمن أحسن إلينا وأنعم علينا ،
(١) أبو داوود (١٠٩٩).
(٢) شعب الإيمان (١٣٤/٢).
٤٧

فإن عجزنا عنها .. كافأناه بالدعاء ، فأرشدنا لَمَّا عَلِمَ عجزنا عن مكافأة نبينا إلى
الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ، لتكون صلاتنا عليه مكافأةً بإحسانه إلينا ،
وإفضاله علينا ؛ إذ لا إحسانَ أفضلُ من إحسانه صلى الله عليه وسلم ) اهـ
وقال جمعٌ : فائدتها للمصلي لدلالتها على نصوح العقيدة ، وخلوصٍ
النية ، وإظهار المحبة ، والمداومة على الطاعة ، والاحترام للواسطة
الكريمة ، فهي محبة له ، وتوقيرٌ من أعظم شُعَب الإِيمان ، لِمَا فيها من أداء
شكره الواجب علينا ، لعظيم منَّته علينا بنجاتنا من الجحيم ، وفوزنا بالنعيم
المقيم ، فالمصلِّي داع ومكمِّلٌ لنفسه حقيقة ؛ لأنا إذا صلّينا عليه صلى الله عليه
وسلم .. صلى الله عليّنا، ولأنا إنما نذكره بإذكار الله عز وجل لنا ، فهو الذاكر
في الحقيقة ، ومن أحبَّ شيئاً .. أكثر من ذكره .
والحاصل : أن في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فائدةً له بطلب زيادة
ما مرَّله بزيادة درجاته فيه ؛ إذ لا غاية لفضل الله تعالى وإنعامه ، وهو صلى الله
عليه وسلم لا يزال دائمَ الترقّي في حضرات القُرب ، وسوابغ الفضل ، فلا بِدْعَ
أن تحصل له بصلاة أمته زياداتٌ في ذلك لا غاية لها ولا انتهاء(١) ، وفائدةً
للمصلِّي بحصول ما مرَّله .
ومن حَصَر الفائدة في الثاني .. إنما أراد بذلك تنبيهَ المصلِّي، وحثَّه على
تحصيل الكمال المسبّب له عن صلاته ، ولم يُرِدْ خلوَّها عن فائدة تحصل له
صلى الله عليه وسلم منها ، ومن أراد ذلك - كما أومأ إليه كلام بعضهم -.. فقد
شذّ وأبعدَ واستروح وتَقَوَّل ، وكيف! وهو صلى الله عليه وسلم بقول في
الحديث المشهور: (( ثم سلوا الله ليَ الوسيلة ؛ فإنها لا تكون إلا لعبد ،
(١) في هامش (ج): ( البدع - بكسر الباء وسكون المهملة - : الأمر الذي يكون أولاً، والغايةُ
في كل شيء. ومعنى قوله: ((فلا بدع أن تحصل له بصلاة أمته زيادات)) أي : ليس بأمر
أول من أموره صلى الله عليه وسلم حصول زيادات ذلك ، هذا إذا كان بمعنى أمر أول ، وإن
كان بمعنى غاية .. كان المعنى: ليس بغاية أمره صلى الله عليه وسلم حصول زيادات ، بل
آخر أمره وغايته غير ذلك مما يليق بقدره ) .
٤٨

وأرجو أن أكون أنا هو ذلك العبدُ ، فمن سأل ليَ الوسيلة .. حلّت له شفاعتي
يوم القيامة))(١)
ثم رأيت ما سأذكره قريباً عن الغزالي ، وناهيك به نفاسةً وتحقيقاً ، وهو
صريح فيما ذكرته ، فتأمل آخره .. يظهر لك الصوابُ في ذلك.
ويؤيّده أيضاً قول بعضهم : الصلاةُ عليه صلى الله عليه وسلم من
العبد دعاءٌ، ودعاءُ العبد إما بقضاء الله تعالى لحوائجه ، أو بأن يُثْنِيَ على
حبيبه ، ويزيدَ في تشريفه وإشهار ذِكْره ورفعته ، ولا شك أن الله تعالى يحب
ذلك ، وكذا رسولُه ، فالمصلِّي عليه قد صرَف سؤاله ورغبته إلى طلب
مَحابِّ الله تعالى ورسوله ، وآثر ذلك على طلب حوائجه ، فقد آثر الله ومحابَّه
على ما سواه ، والجزاء من جنس العمل .
قيل : ولم يتركه صلى الله عليه وسلم ربُّه سبحانه وتعالى تحت مِنَّة أُمَّته
حتى عوَّضهم منه بأمره بالصلاة عليهم بقوله جلَّ وعلا: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمّ إِنَّ صَلَوَتَكَ
سَكَنٌ لَُّمْ﴾.
تنبيه :
سُئل ابن سيرين عن الدعاء بالمغفرة للميت الصغير - مع أنه لا ذنب له -
فأجاب بأنه صلى الله عليه وسلم غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر ، وأُمِرْنا
بالصلاة عليه ، وكأنه يشير إلى أن الدعاء بالمغفرة لا يستلزم وجودَ ذنب ، بل
قد يكون لزيادة درجات القُرب(٢) ، كما يشير إليه استغفاره صلى الله عليه
وسلم في اليوم والليلة مئةً مرَّة ، فاندفع قول بعضهم : يحتمل أن المراد بطلبها
للطفل في قولهم في دعاء صلاة الجنازة : ( اللهم اغفر لصغيرنا وكبيرنا ) ..
(١) أخرجه مسلم (٣٨٤)، وابن حبان (١٦٩٠)، وأبو داوود (٥٢٣)، والترمذي
(٣٦١٤) والنسائي (٢٥/٢).
(٢) اعتمد هذا المؤلف رحمه الله تعالى في ((التحفة)) (١٣٧/٣) حيث قال: (والطفل في
ذلك - أي : في وجوب الدعاء له - كغيره ؛ لأنه وإن قطع له بالجنة تزيد مرتبته فيها بالدعاء
له ، كالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ) .
٤٩

تعليقُها ببلوغه وفعلِه الذنب ، أو طلبُها لوالديه ، أو لأحدهما ، أو لمن
ربَّاه .
فائدة :
سئل الغزالي رحمه الله تعالى عن معنى صلاة الله تعالى على مَن صلى عليه
صلى الله عليه وسلم في الحديث الآتي: (( مَن صلى عليَّ واحدة .. صلى الله
عليه عشراً))(١) ، وعن صلاتنا عليه ، وعن معنى استدعاء أمته الصلاة ، أيرتاح
بذلك ، أم شفقة على الأمة ؟ فأجاب : أما صلاة الله تعالى على نبيِّه صلى الله
عليه وسلم وعلى المصلين عليه : فمعناه إفاضةُ أنواع الكرامات ، ولطائف
النعم عليهم ، وأما صلاتنا عليه وصلاة الملائكة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
وَمَتِ كَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ .. فهو سؤال وابتهالٌ في طلب تلك الكرامة ،
ورغبٌ في إفاضتها عليه
ثم قالَ : وأما استدعاؤه الصلاةَ من أُمته .. فلثلاثة أمور :
أحدها : أن الأدعية مؤثّرةٌ في استدرار فضل الله تعالى ونعمته ورحمته سيّما
في الجمع الكثير كعرفة والجمعة ، فإن الهمم إذا اجتمعت وانصرفت إلى طلب
ما في الإِمكان وجودُه على قرب كالمطر ودفع الوباء وغيره .. فاض ما في
الإِمكان من الفيض الحق بوسائط الرُّوحانيات المسخرين لتدبير العالم
الأسفل ، المقيمين لتفقدهم ، وإنما أثرّت الهمم لِمَا بين الأرواح البشرية
والرُّوحانيات العالية من المناسبة الذاتية ؛ فإن هذه الأرواح مجانسةٌ لتلك
الجواهر ، وإنما يقطع مجانستها التدنسُ بكدورات الشهوات ، ولذلك تكون
همة القلوب الزكية الطاهرة أسرعَ تأثيراً ، وتكون في حال التضرع والابتهال
أنجحَ ؛ لأن حُرقة التضرُّع تُذيب كدورة الشهوات عن القلب في الحال ، أو
تضعِفُها وتكسر من ظلمتها ، ولذلك قلَّما يخطىء دعاءُ الجمع ؛ إذ لا يخلو
(١) أخرجه مسلم ( ٤٠٨)، وابن حبان (٩٠٦)، وأبو داوود (١٥٣٠)، والترمذي
(٤٨٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٢٢٠)، وأحمد (٤٨٥/٢).
٥٠

عن قلوب طاهرة ، ثمَّ يَزيدها التعاون تأثيراً دائماً ، وإنما كان في يوم الجمعة
وقتٌ مُبْهَم يستجاب فيه الدعاء ؛ لأن اجتماع القلوب الصافية فيه في وقت
واحد مبهم ، لا يُدرى متى يتفق ، لكن الغالب أن اليوم لا يخلو عنه ، وهو
وقت النفحات التي يتعرض لها ، وربما كان اجتماع الهمم يوم الجمعة عند
الأسباب الجامعة كابتداء الخطبة وابتداء الصلاة وهو أولى ، وإن كان الأولى
عدم الجزم بتعيين وقت ، ولذلك تُتوقع النفحاتُ في الأسحار لصفاء القلوب ،
فإذا كانت الأدعية مؤثرةً في استجلاب مزايا الفضل ، وكان ما وُعد به صلى الله
عليه وسلم من نحو الحوض والشفاعة وسائر المقامات المحمودة غيرَ محدود
على وجه لا تُتصوَّر الزيادة فيها .. كان استمداده من الأدعية استزادةً لتلك
الكرامات .
الأمرُ الثاني: ارتياحُه به كما قال صلى الله عليه وسلم: (( إني أُباهي بكم
الأمم))(١) كما يرتاح العالِم في مدة الحياة بكثرة تلامذته ، وكثرة ثنائهم
وثباتهم ، ودعائهم الدالِّ على رشدهم ، وعلى كمال تأثير إرشاده فيهم ،
وعلى كمال محبتهم له ؛ بسبب إرشاده إياهم ، فكذلك الأنبياء صلوات الله
وسلامُه عليهم أجمعين يرتاحون .
ولا يبعُد أن يكون لهم جزءٌ في الدعاء والصلاةِ ، مع سقوط الحواس
الخمس ، فليس الإِدراك محصوراً فيها ، بل في القلب باب مفتوح في الباطن
إلى الملكوت(٢) ، تغلقه الشواغل والشهوات، وربما يفتحه الندم الدافعُ لهما
حتى يُطلعَه على الغيب ، بل على أحوال الموتى حتى يَعرِف ما يفعل الله بهم
من عقوبة أو رحمة ، فإذا لم يبعد أن تحصل لنا معرفة بأحوالهم مع انغماسنا في
هذا العالم المظلم .. لم يَبعد أن تحصل لهم معرفة بمجاري أحوالنا ، مع أنهم
في عالم القُدس والصفاء ودار الحيوان ، ولا طلاع النائم على أحوال الموتى ،
(١) أخرجه الديلمي في ((الفردوس)) (٢٦٦٣)، وعبد الرزاق (١٠٣٩١).
(٢) الملكوت: عالم الغيب المختصُّ بأرواح النفوس . الملك: عالم الشهادة من المحسوسات
الطبيعية .
٥١

وإطلاعهم على أحوال الناس [ما] يطول ذِكْره، ولكن أصله أن في
الموجودات الرُّوحانياتِ موجوداً ، جميعُ تفاصيلِ الأمور الجزئية مما كان
وسيكون منقوشةٌ فيه ، لا نقشاً يُدرَك بالحس الظاهر ، بل كنقش القرآن في
دماغ المقرىء ، ويعبّر عن ذلك بالّوح المحفوظ أو الكتاب ، ويستعد قلبُ
النائم بسبب النوم لمطالعته ذلك اللّوح ، فيتجلّى له من الأمور المستقبلة ،
وأحوال الموتى شيء خاصٌّ ؛ بسبب حصول استعداده ، ومناسبةٌ لا يوقف
عليها بالقوة البشرية .
الأمرُ الثالثُ : الشفقةُ على الأُمة بتحريضهم على ما هو حسنةٌ في حقهم
وقربةٌ لهم ، بل الصلاةُ ليست حسنةً واحدةً ، بل قربات ؛ إذ فيها تجديد
الإِيمان بالله تعالى أولاً ، ثم برسوله صلى الله عليه وسلم ثانياً ، ثم بتعظيمه
ثالثاً ، ثم بالعناية بطلب الكرامات له رابعاً ، ثم بتجديد الإِيمان باليوم الآخر
وأنواع كراماته خامساً ، ثم بذكر آله سادساً ، ثم عند ذكر الصالحين تنزل
الرحمة ، ثم بتعظيم الله بسبب نسبته إليه تعالى سابعاً ، ثم بإظهار المودة لهم
ثامناً ، ولم يَسأل صلى الله عليه وسلم من أُمته أجراً .. إلّ المودة في القربى،
ثم بالابتهال والتضرّع في الدعاء تاسعاً ، والدعاءُ مُخُّ العبادة ، ثم بالاعتراف -
عاشراً - بأن الأمر كله إليه ، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم وإن جلَّ قدرُه فهو
عبد محتاجٌ إلى فضله ورحمته تعالى ، وإلى مدد الله تعالى له ، وأنه ليس له من
الأمر شيء ، وأن الله عز وجل لو أراد أن يُهلك المسيح ابن مريم وأمَّه ،
والأنبياء ومن في الأرض جميعاً ، ويَحرِمهم من فضله ورحمته .. فلن يملك
لهم أحدٌ من الله شيئاً .
فهذه عشر حسنات سوى ما ورد الشَّرعُ الشريف به من أن الحسنة الواحدة
بعشر أمثالها ، والسيئة بمثلها فقط .
وسِرُّهُ أيضاً : أن الجوهر الإِنسانيَّ بطبعه حَّن إلى ذلك العالَمِ العُلْوي ؛
لأنه مقتبس منه ، وهبوطه إلى العالم الجسماني غريبٌ عن طبيعته ، والسيئة
تضبطه عن الرُّقِيّ إلى ذلك العالَم على خلاف طبعه ، والحسنةُ ترقّيه إلى موافقة
٥٢

الطبع ، والقوة التي تحرك الحجر إلى فوق ذراعاً واحداً هي بعينها إن استُعملت
في تحريكه إلى أسفل .. حرّكته عشرة أذرع وزيادة ؛ فلذلك كانت الحسنة
بعشر أمثالها إلى سَبْع مئة ضعف ، ومنها أنه يُوَفّى أجره بغير حساب ، وهي
الحسنة التي لا يُدافَع تأثيرها ، كحجر إن هوى من شاهق لا يصادمه دافعٌ ، فإنه
لا يتقدّر مقدارُ هُوِيّه بحساب حتى يبلغ الغاية والنهاية ، والله أعلم .
الخامسة :
عبَّر بالجملة الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار ؛ لتدُل على دوام صلاة الله
تعالى وملائكته على نبيّه صلى الله عليه وسلم ، وهذه مرتبةٌ عليَّةٌ باهرةٌ لم
توجد لغيره صلى الله عليه وسلم وإن وُجد أصل الصلاة لإِبراهيم عليه السلام
وآله ، كما يفيده حديثُ التشهد الرادُّ على من زعم أنه ليس في القرآن ولا في
غيره - فيما عَلم - صلاةٌ من الله على غير نبينا صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك
تلويح أُّ تلويح ، وإرشادٌ أتمُّ إرشاد للمؤمنين بأنهم ينبغي لهم إدامة الصلاة
عليه صلى الله عليه وسلم ؛ تأسّياً بالله وملائكته في ذلك .
وكما أفادت الجملة الدّوامَ لكونها اسمية .. كذلك تفيد التجدُّد ؛ نظراً
لخبرها ، كما قالوا : حكمة العدول عن (الله مستهزىءٌ بهم ) إلى ﴿يَسْتَهْزِئُ
بِهِمْ﴾ : قصدُ استمرار الاستهزاء ، وتجدّدِه وقتاً فوقتاً .
وههذا أتم وأجمع من تشريف الله تعالى لآدم صلَّى الله على نبينا وعليه
وسلَّم بأمر الملائكة بالسجود له لاختصاصه بالملائكة ، والصلاةُ شاركهم
تعالى فيها ، والتشريفُ الصادرُ عنه تعالى أبلغُ مما يختص به الملائكة .
وأيضاً : فسجودهم لآدم كان تأديباً ، وأَمْرُهم بالصلاة على نبينا صلى الله
عليه وسلم كان توقيراً وتعظيماً .
وأيضاً : فذاك وقع مرةً وانقطع ، وهذا دائم إلى يوم القيامة .
وأيضاً : فَأَمْرُهم بالسجود لآدم إنما هو لأجل ما كان بجبهته من نور محمد
٥٣

صلى الله عليه وسلم ، قاله الرازي(١).
وعُدِّيتْ الصلاة هنا بـ ( على) مع أنها تُعدَّى لغةً بـ(اللَّم) للخير
وبـ( على) للشر ؛ لأنها ضُمِّنت معنى الإِنزال ؛ أي : يُنزِل عليه رحمته ، أو
اللَّهم أنزل عليه رحمتك ، أو معنى الاستعطاف ؛ أي : يعطفُ عليه رحمته ،
أوِ اللهم اعطف عليه رحمتك ، ورُجّح هذا لِما بين الصلاة والعطف من
المناسبة ، بخلافها مع الإِنزال .
تنبيه :
حكى الإِمام أبو بكر بن فُورَك : ( أن المراد بالصلاة في خَبر « وجُعِلت قرَّة
عيني في الصلاة ))(٢): صلاةُ الله عز وجل عليه وملائكتِهِ، وأَمْرُه الأُمة بذلك
إلى يوم القيامة ؛ لأنه تعالى لما قَطَع حُكْمَهُ بالصلاة عليه ، وأخبر عن ملائكته
بمثله .. تحقّق صلى الله عليه وسلم ذلك ، فاعتمَده وقرَّت عينه فيها بالقطع بما
لَه عند الله تعالى من تمام الرحمة وكمال النعمة .
وعَبَّر بالجَعْلِ ليدلَّنا أنه فُعِلَ به ، لا أنه بنفسه مدَّع فيه ، أو ناظرٌ إليه من
حيث هو ، فلا يعجَب به ، ولا يَعْدل عنه .
وكما أنه حُبّب إليه من الدنيا ما حُرِسَ فيه .. كذلك جُعل ثَمَّ قُرّةُ عينه فيما
عُظّم به ؛ ليكون في ظاهر الدنيا والدين جميعاً محروساً محفوظاً منظوراً إليه
مَكلوءاً محوطاً(٣) صلى الله عليه وسلم ) اهـ ملخّصاً
وهذا وإن احتُمل ، لكن الأصحّ : أن المراد الصلاةُ المعهودة ذاتُ
الأركان ، لما فيها من المناجاة ، وكشفِ المعارج ، وشرح الصدر .
وعبَّر بالنبيّ دون اسمه على خلاف الغالب في حكايته تعالى عن أنبيائه ؛
(١) التفسير الكبير (٢٠٠/٦).
(٢) أخرجه النسائي (٦١/١)، وأحمد (٢٨٥/٣)، وأبو يعلى (٣٥٣٠).
(٣) في هامش (ج ): ( محروساً: مرعياً بجند الله، منظوراً : مهاباً، محوطاً : مصوناً).
٥٤

إشعاراً بما اختُصّ به صلى الله عليه وسلم من مزيد الفخامة(١) والكرامة وعلُوٌّ
القدر ، كما أشير لذلك أيضاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنَهِيمَ لَلَّذِينَ آَتَّبَعُوهُ
وَهَذَا النَّبِىُّ﴾ ثم أكَّد ذلك الإِشعارَ بـ(أل) التي هي للصلة(٢)؛ إشارة إلى أنه
صلى الله عليه وسلم المعروفُ الحقيقُ بهذا الوصف ، المقدَّمُ به على سائر
الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
وفيه الهمز من النََّأ ؛ أي : الخبر ، فهو فَعيل بمعنى فاعل أو مفعول ؛ لأنه
مُخْبِرٍ ومُخبِرٌ عن الله عز وجل .
وتركُه من النَّبْوة وهي المكان المرتفع ، لا الرفعة - خلافاً لمَن زعمه
كالزّمَخْشريّ ومَن تبعه، كما حقّقه صاحب (( القاموس)) - سُمِّيَ به لارتفاع
مكانته عند ربِّه تعالى ، وبهما قُرىء في السبع ، وقرأ نافع بالهمز في جميع
القرآن إلا في موضعين : ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِّ﴾ ﴿لَ نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾،
للكن قال سيبويه : الهمز رديء لقلة استعماله ، لا لمخالفته القياس ، ويؤيّده
أن أعرابياً قال له صلى الله عليه وسلم : يا نبيء الله - بالهمز - فقال صلى الله
عليه وسلم: (( لستُ بنبيء الله، ولكن نبيُّ الله))(٣) ، وفي رواية
((المستدرك)) للحاكم: ((لا يُغيَّر اسمي))، أي: لإِيهامه خلاف المراد ،
وهو أنه أُخرج من مكة إلى المدينة ، من قولهم : نَبأت من أرض إلى أرض إذا
أخرجت منها إليها ، ويؤيّد ذلك ما في روايةٍ أنه لما أنكر عليه .. قال له: ((إنا
معشر قريش لا ننبر)) (٤)، وأشار الزمخشريُّ إلى أن سبب النهي أن عدم الهمزة
يستلزم الرِّفعة بخلاف الهمز ؛ إذ ليس كل مُنْبَأ رفيعَ المحل ، والأظهر
الأول(٥) .
(١) في هامش (ج): ( الفخامة : عظم القدر).
(٢) أي : ( أل) التي هي اسم موصول ، وهي التي تدخل على أسماء الفاعلين والمفعولين.
(٣) أخرجه الحاكم (٢٣١/٢)، والديلمي في ((الفردوس)) (٥٢٨٤).
(٤) النبر في الكلام : الهمز ، نبرت الحرف أي : همزته.
(٥) قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (( المنح المكية في شرح الهمزية)): (ونهيه =

والرسولُ أخصُّ مطلقاً من النبيّ ؛ إذ هو : مَنْ أُوحي إليه بشرع ، لا مطلقاً
- فلا تدخل أُمّ موسى ومريم عليهما السلام - ولم يُؤمر بتبليغه ، فإن أُمر به ..
فرسول ، سواءٌ أكان له كتاب ، أو نسخٌ لبعضٍ شَرْعِ مَن قَبْلَهُ ، أو لا كيُوشع ،
هذا هو المشهور .
واختار ابن عبد السلام : ( أن نبوّة الرسول أفضلُ من رسالته ؛ لأن النبوة
متعلقةٌ بالحقّ من طرفيها ، إذ هي إخبار عما يستحقه الربُّ تعالى من صفات
الجلال ونعوت الكمال ، فهي راجعة إلى التعريف بالإِلله وما يجب له ،
والرسالةُ متعلقة بالحق من طرف ، وبالخلق من طرف ، وما تعلق بالحق من
طرفيه أفضلُ ، وأيضاً فالنبوة متقدّمة )(١) والجمهور على خلافه .
ويُرَدُّ ما احتج به بأن الرسالة متضمنة لطرفي النبوة ؛ لاندراجها فيها اندراجَ
الأعم في الأخص ؛ فهي مشتملة عليها مع زيادة وصف الرسالة ، وعلى فرض
التغاير ، فوصفُ الرسالة فيه الإِقبال بالناس على الحق ، وتعريفُهم إيّاه ،
والنبوة قاصرة عن ذلك ، فكانت الرسالة أفضلَ على كل تقدير ، وتَقَدُّم النبوة
لكونها وسيلة .. لا يقتضي أفضليتها، بل مفضوليتها(٢).
وعبَّر بـ( ملائكته ) دون الملائكة ؛ إشارةً إلى عظيم قدرهم ، ومزيد
شرفهم بإضافتهم إليه تعالى ، وذلك مستلزِم لتعظيمه صلى الله عليه وسلم بما
صلى الله عليه وسلم عن المهموز بقوله: (( لا تقولوا: يا نبيء الله)) أي: بالهمز (( بل
=
قولوا : يا نبي الله )) أي: بلا همز ؛ لأنه قد يَرِدُ بمعنى الضرير ، فخشي صلى الله عليه وسلم
في الابتداء سبق هذا المعنى إلى بعض الأذهان ، فنهاهم عنه ، فلما قوي الإسلام وتواترت
به القراءة .. نسخ النهي عنه ؛ لزوال سببه ) .
(١) القواعد الكبرى (٣٨٦/٢).
(٢) قال المؤلف رحمه الله تعالى في ((التحفة)) (٢٦/١): (وهو - أي: الرسول - أفضل من
النبي إجماعاً ؛ لتميُّزه بالرسالة التي على الأصح - خلافاً لابن عبد السلام - أفضل من النبوة
فيه ، وزَعْمُ تعلقها بالحقِّ .. يردّه أن الرسالة فيها ذلك مع التعلق بالخلق ، فهو زيادة كمال
فيها ) قال الإمام الشرواني : ( والكلام في نبوة رسول ورسالته ، وإلا .. فالرسول أفضل من
النبي قطعاً ) .
٥٦

يصل إليه منهم ؛ فإن العظيم لا يصدر عنه إلا عظيم .
ثم فيه التنبيه على كثرتهم ، وأن الصلاة من هذا الجمع الكثير الذي
لا يحيط بمنتهاه غيرُ خالقه وبارئه . . واصلةٌ إليه صلى الله عليه وسلم على ممرِّ
الأيام والدهور ، مع تجددها من سائر أفرادهم عليه كل وقت وحين ، وهذا
أبلغ تعظيم وأنهاه ، وأشمله وأكمله وأزكاه .
وقد ورد في كثرتهم ما يَبْهر العقل ويفوق الحصر ، ومنه حديث الطبري :
((إن لكل آدمي عشرة منهم موكلون به ليلاً، وعشرة نهاراً)).
وصحَّ: (( إن الله عز وجل جزَّأَ الخَلق عشرة أجزاء ، فجعل الملائكة تسعة
أجزاء، وجزءاً سائر الخلق ... )) الحديث(١).
وفي حديث المعراج المتفق على صحته : ((إن البيت المعمور يصلِّي فيه
كل يوم سبعون ألفَ مَلَك، إذا خرجوا .. لم يعودوا إليه آخر ما عليهم))(٢).
وفي حديث الترمذي وغيره: ((أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تَبِّطّ(٣) ، ما فيها
موضع أربع أصابع .. إلا وعليه مَلَك واضع جبهته ساجداً))(٤) ، زاد الطبراني
والطبري في حديثيهما: (( ما في السماوات السبع موضعُ قدم ولا شبر
ولا كفِّ .. إلا وفيه مَلَك قائم أو راكع أو ساجد))(٥) .
وروى ابن المبارك ، وإسماعيل القاضي ، وابن بَشْكُوال ، والبيهقي ،
والدارمي عن كعب أنه قال: (( ما من يوم وليلة .. إلا وينزل عند الفجر سبعون
(١) أخرجه الحاكم (٤ /٤٩٠).
(٢) صحيح البخاري ( ٣٢٠٧)، صحيح مسلم ( ١٦٢) .
(٣) الأطيط : الصوت ؛ أي : أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلتها حتى أطَّت، وهذا مَثلٌ
وإيذان بكثرة الملائكة ، وإن لم يكن ثمَّ أطيط ، وإنما هو كلام تقريب أُريد به تقرير عظمة الله
تعالى .
(٤) أخرجه الحاكم (٥١٠/٢)، والترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) وأحمد
(١٧٣/٥) .
(٥) الطبراني في ((الأوسط)) (٣٥٩٢).
٥٧

ألفاً يحفون بقبره صلى الله عليه وسلم ، ويُصلون عليه إلى الليل ، ثم ينزل
سبعون ألفاً إلى الفجر ، وهكذا حتى يقوم من قبره صلى الله عليه وسلم في
سبعين ألفاً يزفونه))(١)، وفي لفظ: ((يوقرونه)) (٢).
فتأمل هذه الخِصِّيصَة التي اختُص بها نبينا صلى الله عليه وسلم من بين
سائر الخلق ، وهي إدامة تتابع صلوات الملائكة ، مع ما هم به من الكثرة
البالغة الباهرة عليه كل وقت .. تعلَمْ أن صلواتِ الأُمة عليه صلى الله عليه وسلم
بالنسبة لذلك قليل من كثير .
وعبّر بـ ( الذين آمنوا ) دون الناس الشامل للكفار ؛ إشارةً إلى أن الصلاة
عليه صلى الله عليه وسلم من أجلِّ الوسائل وأنفعها ، والكافرُ لا وسيلة له ،
فلم يؤت بلفظ يشمله .
فإن قلتَ : هو مخاطب بالفروع على الصحيح ، قلتُ : هو ذلك بالنسبة
لعقابه عليها في الآخرة فحسب ، على أن محل تكليفه بها حيث أُجمِع عليها ،
كما بينته في (( شرح الإِرشاد))(٣) وغيره، ومن ثَمَّ استُثني من مخاطبتهم بها
معاملتُهم الفاسدةُ المقبوضة ، وأنكحتهم الفاسدة ، وعدم الحدّ في شرب
الخمر .
قال الحَليمي : ( أَمَرَ الله تعالى عباده بها بعد إخبارهم أن الملائكة يصلون؛
لتنبيههم بأن الملائكة مع انفكاكهم عن التقيد بشريعته .. يتقرّبون إلى الله تعالى
بالصلاة والتسليم عليه، فنحن أَوْلى وأحقُّ وأحرى وأَخْلق ) اهـ (٤)
وزعمُه عدمَ إرساله إليهم مبنيٌّ على رأيه الذي وافق فيه المعتزلة : أنهم
أفضل من الأنبياء مطلقاً ، والذي عليه محققو أهل السنة : أن خواصَّنا وهم
(١) فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (ص ١٠٢)، شعب الإيمان (٤١٧٠) ، سنن
الدارمي ( ٩٤).
(٢) أخرجه ابن بشكوال في ((القربة)) ( ١٢٣).
فتح الجواد (١ / ٩٧ ).
(٣)
(٤) شعب الإيمان (١٣١/٢).
٥٨

الأنبياء أفضلُ منهم مطلقاً ، وعوامَّنا وهم الصلحاء كأبي بكر وعمر رضي الله
عنهما أفضلُ من عوامهم ، وخواصَّهم كجبريل أفضلُ من عوامِّنا .
نعم ؛ تَبعَ الحليميَّ على عدم إرساله إليهم جَمْعٌ ، منهم الفخر الرازي ، بل
نَقَلَ الإِجماع على ذلك ، وتبعه النَّسفي ، وليس كما زعما ؛ إذ لا إجماع في
ذلك ، على أن عبارة الفخر : ( أجمعنا ) ، وهي تقال لإِجماع الخصمين ،
فليس في كلامه تصريح بإجماع الأمة(١)، ومن ثَمَّ اختار المحققون أنه مُرْسَلٌ
إليهم ؛ ويدل له خبر مسلم: (( وأُرسلتُ إلى الخَلق كافة))(٢) بل أَخَذَ منه
البارزي أنه مرسل حتى إلى الجمادات والحيوانات بأن رُكِّب فيها إدراك حتى
آمنت به صلى الله عليه وسلم ؛ إعلاناً بعظيم شرفه ، ومزيد خصوصيته .
قال الفخر الرازي : ( وقع الإِجماع على أن أفضل النوع الإِنساني نبيُّنا
محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( أنا سيد ولد آدم
ولا فخر ))(٣)، واستثنوه من الخلاف في التفضيل بين المَلَك والبشر، والبشرُ
أفضل من الجن اتفاقاً ) اهـ
وما ذكره من استثنائه ينازعه فيه كلام الزمخشري ؛ فإنه من المعتزلة وهو
قائل بأفضلية المَلَك عليه .
ووجه الدليل في الخبر الذي ذَكَره : أنه إذا فَضَلَ جميعَ أولاد آدمَ ، ومنهم
من هو أفضل من آدم اتفاقاً .. فأولى أن يَفْضُل آدم، ويدل له أيضاً: ((آدمُ فمن
دونه تحت لوائي )» (٤) .
(١) في هامش (ج): (قوله: ((وهي تقال لإجماع الخصمين)) يعني: كلمة ((أجمعنا))
تقال، ويعبر بها إذا اتفق الخصمان من بعض الأمة، وكلمة ((أجمعوا)) أو ((إجماع)) إذا
اتفقت أمته صلى الله عليه وسلم ، ومراد الفخر : أن الخصمين المتقاولين اتفقا ، لا أن الأمة
جميعها اتفقت ؛ لأن الفخر لما اتفق مع الحليمي على هذا القول .. قال : أجمعنا ).
(٢) صحيح مسلم ( ٥٢٣) .
(٣) أخرجه الحاكم (٦٠٥/٢)، وابن حبان (٦٢٤٢)، وابن ماجه ( ٤٣٠٨).
(٤) أخرجه أحمد (١/ ٢٨١).
٥٩

وبيَّن بعضهم ذلك بوجه آخر هو : أنه تعالى بعد أن ذكر الأنبياء المشهور
كل منهم بخصلة معينة من خصال الشرف .. أمره أن يقتدي بجميعهم بقوله عز
قائلاً: ﴿فَبِهُدَدُهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾، ومحال أن يقصُر عن عدم امتثال ذلك، ويلزم
من امتثاله جمعه لجميع ما تفرق فيهم من صفات الكمال ، فيكون أفضل منهم
بنص هذه الآية .
ولمسألة التفضيل بين المَلَك والبشر تَتَمّات ذكرتها أول (( شرح الأربعين
حديثاً)) التي جمعها الإِمام النووي قدَّس الله روحه، ونور ضريحه، آمين (١).
واحتج بعضهم لأفضلية المَلَك على البشر بهذه الآية ، زاعماً أن تقديم
الملائكة عليه صلى الله عليه وسلم في الذِّكْر يقتضي تقديمهم في الأفضلية ،
وليس كما زعم .
أمّا أولاً: فـ( الواو ) لا تفيد ترتيباً ، والتقديم الذَّكْري ليس نصّاً في ذلك ،
للكنه ظاهر فيه ، إلا أن يقوم دليل على خلافه ، وهنا قامت الأدلة على تفضيل
نبينا صلى الله عليه وسلم ، بل سائر الأنبياء على الملائكة :
منها : قوله تعالى بعد ذكر جمع من الأنبياء: ﴿وَكُلًا فَضَّلْنَا عَلَى
اٌلْعَلَمِينَ﴾، والملائكة من جملة العالَمِين .
وقوله : ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ﴾ إلخ ، والبرية : الخليقة ،
والملائكة من جملتهم، و﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ لا يشملون الملائكة
بقرينة قوله : ﴿جَزَآؤُهُمْ﴾ والملائكة لا يجازون ، بل منهم خدم لأهل الجنة ،
والموكلون بجهنم وغيرهم، وأيضاً فلفظ: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ﴾
مخصوص شرعاً - كما قاله ابن عبد السلام - بمن آمن من البشر ، فلا تندرج فيه
الملائكة بعُرف الاستعمال .
وقولُه تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهً﴾ وهذا
يشملهم ، ولا شك أن المسخّر له مقصود بالذات ، وغيره بالعَرَض .
(١) فتح المبين لشرح الأربعين (ص ٢٠).
٦٠