Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ وفيات سنة ٩٣ هـ وقال أبو يعلى(١): حدّثنا عبيد (٢) الله بن معاذ العَنْبري، حدّثنا أبي، حدّثنا عمران عن (٣) أيوب قال: ضعف أنس عن الصوم فصنع جفنة من ثريد ودعا بثلاثين مسكيناً فأطعمهم . وذكره البخاري تعليقاً(1) . وقال شعبه: عن موسى السُّنْبُلاني قلت لأنس: أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله وَله؟ قال: قد بقي قوم من الأعراب ، فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي(٥) . وقيل له في مرضه : ألا ندعو لك طبيباً ؟ فقال : الطبيب أمرضني ، وجعل يقول : لقُّنوني لا إله إلا الله وهو محتضر، فلم يزل يقولها حتى قبض. وكانت عنده عُصيّة من رسول الله وَّ فأمر بها فدفنت (٦) معه (٦) . وقال عمر بن شبّة وغير واحد : مات وله مئة وسبع سنين(٧). وقال الإمام أحمد في ((مسنده)): حدّثنا معتمر بن سليمان ، عن حميد: أن أنساً عمّر مئة سنة غير سنة . قال الواقدي(٨): وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة ، وكذا قال علي بن المديني والفلاس وغير واحد . وقد اختلف المؤرخون في سنة وفاته ، فقيل سنة تسعين ، وقيل إحدى وتسعين ، وقيل ثنتين وتسعين ، وقيل ثلاث وتسعين ، وهذا هو المشهور وعليه الجمهور ، والله أعلم . [ وقال الإمام أحمد : حدّثني أبو نعيم قال : توفي أنس بن مالك وجابر بن زيد في جمعة واحدة سنة ثلاث وتسعين ] . وقال قتادة : لما مات أنس قال مورِّق العجلي : ذهب اليوم نصف العلم ، قيل له وكيف ذلك يا أبا المعتمر ؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفونا في الحديث عن رسول الله وَّر قلنا لهم: تعالوا إلى من سمعه منه (٩) . (١) مسند أبي يعلى الموصلي (٧/ ٢٠٤) رقم (٤١٩٤) والخبر في معجم الطبراني (١ / ٢٤٤) رقم (٦٧٥) وتاريخ دمشق (٩/ ٣٧٧) وطبقات ابن سعد (٢٥/٧) وإسناده منقطع . (٢) في ط : عبد ؛ تحريف ، والتصويب من المصادر. في ط : معاذ بن يزيد عن أيوب ؛ خطأ ، والتصويب من ب والمصادر . (٣) ذكره البخاري معلقاً (١٧٩/٨) في التفسير . (٤) (٥) تاريخ دمشق (٣٧٩/٩) . (٦) تاريخ دمشق (٣٦٨/٩ و ٣٧٨) . قال الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٩٦) عن الأنصاري : اختلف علينا مشايخنا في سن (٧) أنس رضي الله عنه ، فقال بعضهم : بلغ مئة وثلاث سنين ، وقال بعضهم : بلغ مئة وسبع سنين . (٨) طبقات ابن سعد (٢٦/٧) وتاريخ دمشق (٣٨١/٩). (٩) تاريخ دمشق (٣٨٦/٩). ٢٦٢ وفيات سنة ٩٣ هـ بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، الشاعر المشهور ، يقال عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة إنه ولد يوم توفي عمر بن الخطاب ، وختن يوم مقتل عثمان ، وتزوج يوم مقتل علي ، فالله أعلم ، وكان مشهوراً بالتغزل المليح البليغ ، كان يتغزل في امرأة يقال لها الثريا٢ً) بنت علي بن عبد الله الأموية ، وقد تزوجها سهل بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري ، فقال في ذلك عمر بن أبي ربيعة : أيها المُنكحُ الثريّا سُهَيْلاً عَمْركَ الله كيفَ يلتقيانِ وسُهيلٌ إذا استقلَّ يمانِ هي شاميةٌ(٣) إذا ما استقلَّت ومن مستجاد شعره ما أورده ابن خلكان (٤) : بعدما برَّحُ(٥) الكرى السُّمَّار(٦) حيّ طيْفاً من الأحبةِ زارا ــلٍ خفيا٧ً) بأن يزورَ نهارا طارقاً في المنامِ بعدَ دجى اللّـ قبلَ ذاكَ الأسماعَ والأبصارا قلتُ : ما بالُّنّا جُفينا وكنّا شغل الحلي أهلُه أنْ يُعارا قال : إنا كما عهدتَ ولكنْ بلال بن أبي الدرداء(٨) ، ولي إمرة دمشق ثم ولي القضاء بها ، ثم عزله عبد الملك بأبي إدريس الخولاني . كان بلال حسن السيرة ، كثير العبادة ، والظاهر أن هذا القبر الذي بباب الصغير الذي يقال له قبر بلال، إنما هو قبر بلال بن أبي الدرداء، لا قبر بلال بن حمامة مؤذن رسول الله وَ ل، فإن بلالاً المؤذن دفن بداريّا ، والله أعلم . (١) ترجمة - عمر بن أبي ربيعة - في الشعر والشعراء (٤٥٧) والأغاني (١/ ٣٠) وتاريخ دمشق (٨٨/٤٥) ووفيات الأعيان (٤٣٦/٣) وسير أعلام النبلاء (٣٧٩/٤) والنجوم الزاهرة (٢٤٧/١) وشذرات الذهب (٣٦٥/١). (٢) في الوفيات (٤٣٦/٣): قال السهيلي في ((الروض الأنف)): هي الثريا ابنة عبد الله، ولم يذكر علياً، ثم قال: وقتيلة ابنة النضر جدَّتها ، لأنها كانت تحت الحارث بن أمية ، وعبد الله ولدها وهو والد الثريا . في الأغاني (١/ ١٢٢): ويروى: هي غورية : نسبة إلى غور الأردن بالشام بين بيت المقدس ودمشق . (٣) الوفيات (٤٣٩/٣). (٤) في الوفيات : صَرّع . (٥) في أوحدها : السَّهارى . وما أثبت كالوفيات . (٦) في ب والوفيات : ضنيناً . (٧) ترجمة - بلال بن أبي الدرداء - في طبقات خليفة (٣٠٩) والمعرفة والتاريخ (٣٢٨/٢) وتاريخ دمشق (٥٢٣/١٠) (٨) وتهذيبه (٣٢٥/٣) وتهذيب الكمال (٢٨٥/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٠٤ _٣٠٥) وسير أعلام النبلاء (٢٨٥/٤) والوافي بالوفيات (٢٨٠/١٠) وتهذيب التهذيب (٥٠٢/١) وشذرات الذهب (١٠١/١). ٢٦٣ وفيات سنة ٩٣ هـ بسر بن سعيد(١)، المزني(٢) السيد العابد الفقيه ، كان من العباد المنقطعين ، الزهاد المعروفين ، توفي بالمدينة . زرارة بن أو فى (٣) بن حاجب العامري ، قاضي البصرة ، كان من كبار علماء أهل البصرة وصلحائها ، له روايات كثيرة، قرأ مرة في صلاة الصبح سورة المدثر فلما بلغ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِىِ النَّقُورِ﴾ [الآية: ٨] خرّ ميتا٤) . توفي بالبصرة وعمره نحو سبعين سنة . خبيب بن عبد الله(٥) بن الزُّبير ، ضربه عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد له في ذلك فمات ، ثم عزل عمر بعده بأيام قليلة ، فكان يتأسف على ضربه له ويبكي . مات بالمدينة . حفص بن عاصم(٦) بن عمر بن الخطاب المدني ، له روايات كثيرة ، وكان من الصالحين . توفي بالمدينة . سعيد بن عبد الرحمن(٧) بن عتاب بن أسيد الأموي ، أحد الأشراف بالبصرة ، كان جواداً ممدحاً ، وهو أحد الموصوفين بالكرم ، قيل إنه أعطى بعض الشعراء ثلاثين(٨) (١) ترجمة - بسر بن سعيد - في طبقات ابن سعد (٢٨١/٥ - ٢٨٢) وتاريخ خليفة (٣٢١) وطبقاته (٢٥٥) والمعرفة والتاريخ (٤٢٢/١) وتهذيب الكمال (٧٢/٤ - ٧٥) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٠٢ - ٣٠٣) وقال الذهبي : توفي سنة مئة، وسير أعلام النبلاء (٥٩٤/٤) وتهذيب التهذيب (١/ ٤٣٧). (٢) في تاريخ الإسلام : المدني . ترجمة - زرارة بن أوفى - في طبقات ابن سعد (٧/ ١٥٠) وتاريخ خليفة (٢٢٧) وطبقاته (١٩٧) والمعرفة والتاريخ (٣) (٢١٧/١) ومواضع أخرى، وحلية الأولياء (٢٥٨/٢) وتهذيب الكمال (٣٣٩/٩) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٥٨) وسير أعلام النبلاء (٥١٦/٤) والوافي بالوفيات (١٩٢/١٤) وتهذيب التهذيب (٣٢٢/٣) وشذرات الذهب (١/ ١٠٢) . (٤) رواه الترمذي رقم (٤٤٥) وإسناده حسن . (٥) ترجمة - خبيب بن عبد الله - في تاريخ خليفة (٣٠٦) وطبقاته (٢٤٢) والتاريخ الكبير للبخاري (٢٠٨/٣) وأنساب الأشراف (٣١١/١ و٢٤/٤) وتهذيب الكمال (٢٢٣/٨) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٤٥ - ٣٤٧) والوافي بالوفيات (٢٩١/١٣) وتهذيب التهذيب (١٣٥/٣). (٦) ترجمة - حفص بن عاصم - في طبقات ابن سعد (٧/ ١١٧) وطبقات خليفة (٢٤٦) وتاريخ البخاري (٣٥٩/٢) والمعرفة والتاريخ (٣٤٩/١) وتهذيب الكمال (١٧/٦ -١٨) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٣٥) وسير أعلام النبلاء (١٩٦/٤ - ١٩٧) والوافي بالوفيات (٩٧/١٣) وتهذيب التهذيب (٤٠٢/٢) . (٧) ترجمة - سعيد بن عبد الرحمن - في نسب قريش (١٩٣) وتاريخ دمشق (١٨١/٢١) وتهذيبه (١٥٢/٦ - ١٥٣) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص ٣٧٠). (٨) في تاريخ الإسلام : عن مصعب الزبيري : زعموا أنه أعطى شاعراً ثلاثة آلاف دينار . ٢٦٤ وفيات سنة ٩٣ هـ فروة بن مجاهد(١)، قيل إنه كان من الأبدال(٢)، أُسر مرّة وهو في غزوة هو وجماعة معه فأتوا بهم الملك فأمر بتقييدهم وحبسهم في المكان والاحتراز عليهم إلى أن يصبح فيرى فيهم رأيه ، فقال لهم فروة : هل لكم في المضي إلى بلادنا ؟ فقالوا : وما ترى ما نحن فيه من الضيق ؟ فلمس قيودهم بيده فزالت عنهم ، ثم أتى باب السجن فلمسه بيده فانفتح ، فخرجوا منه ومضوا ، فأدركوا جيش المسلمين قبل وصولهم إلى البلد . أبو الشعثاء جابر بن زيد(٣) ، كان لا يماكس في ثلاث ، في الكرى إلى مكة ، وفي الرقبة يشتريها لتعتق ، وفي الأضحية . وقال : لا تماكس في شيء يُتقرب به إلى الله . وقال ابن سيرين : كان أبو الشعثاء مُسلِّماً عند الدينار والدرهم(٤) ، قلت ؛ كما قيل : إني رأيتُ فلا تظنوا غيرهُ أنّ التورع عندَ هذا الدرهمِ فإذا قدرتَ عليه ثم تركتهُ فاعلمْ بأن تقاكَ تقوى المسلم وقال أبو الشعثاء : لأن أتصدق بدرهم على يتيم ومسكين أحب إليّ من حجة بعد حجة الإسلام . كان أبو الشعثاء من الذين أوتوا العلم ، كان يفتي في البصرة ، وكان الصحابة مثل جابر بن عبد الله إذا سأله أهل البصرة عن مسأله يقول : كيف تسألونا وفيكم أبو الشعثاء(٥) ؟ . وقال له جابر بن عبد الله: يا بن زيد إنك من فقهاء البصرة وإنك ستستفتى فلا تفتين إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية ، فإنك إن فعلت غير ذلك فقد هلكت وأهلكت . وقال عمرو بن دينار : ما رأيت أحداً أعلم بفتيا من جابر بن زيد(٦) . وقال إياس بن معاوية : أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد من أهل عُمان . وقال قتادة لما دفن جابر بن زيد : اليوم دفن أعلم أهل الأرض . وقال سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال أبو الشعثاء : كتب الحكم بن أيوب نفراً للقضاء (١) ترجمة - فروة بن مجاهد - في تاريخ البخاري (٧/ ١٢٧) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٥٢) وتهذيب التهذيب (٢٦٤/٨ - ٢٦٥). (٢) من الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/ ٨٢). ترجمة - أبي الشعثاء - في طبقات ابن سعد (١٧٩/٧) وتاريخ خليفة (٣٠٦) وطبقاته (٢١٠) وتاريخ البخاري (٣) (٢/ ٢٠٤) والمعرفة والتاريخ (١٢/٢) وحلية الأولياء (١٠١/٣ - ١٠٨) وتهذيب الكمال (٤٣٤/٤) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٥٢٤_٥٢٥) وسير أعلام النبلاء (٤٨١/٤ - ٤٨٣) وتهذيب التهذيب (٣٨/٢ - ٣٩) وشذرات الذهب (٣٦٤/١) . (٤) طبقات ابن سعد (١٨١/٧). (٥) في تاريخ الإسلام : عن ابن عباس. (٦) المعرفة والتاريخ (١٣/٢) وحلية الأولياء (٨٦/٣) وتاريخ الإسلام (ص ٥٢٤). ٢٦٥ وفيات سنة ٩٣ هـ أنا أحدهم - أي: عمرو - فلو أني ابتليت بشيء منه لركبت راحلتي وهربت من الأرض(١) وقال أبو الشعثاء : نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال ، والصيام مثل ذلك ، والحج يجهد المال والبدن ، فرأيت أن الحج أفضل من ذلك . وأخذ مرة قبضة تراب من حائط ، فلما أصبح رماها في الحائط ، وكان الحائط لقوم قالوا : لو كان كلما مر به أخذ منه قبضة لم يبق منه شيء . وقال أبو الشعثاء : إذا جئت يوم الجمعة إلى المسجد فقف على الباب وقل : اللهم اجعلني اليوم أوجه من توجه إليك ، وأقرب من تقرب إليك ، وأنجح من دعاك ورغب إليك . وقال سيار : حدّثنا حماد بن زيد ، حدّثنا الحجاج بن أبي عيينة . قال : كان جابر بن زيد يأتينا في مصلانا ، قال : فأتانا ذات يوم وعليه نعلان خلقان ، فقال : مضى من عمري ستون سنة نعلاي هاتان أحب إليّ مما مضى منه إلا أن يكون خير قدَّمته(٢) . وقال صالح الدَّهان : كان جابر بن زيد إذا وقع في يده ستوق كسره ورمى به لئلا يغر به مسلم . الستوق الدرهم المغاير أو الدغل ، وقيل : هو المغشوش . وروى الإمام أحمد : حدّثنا أبو عبد الصمد العَمِّي ، حدّثنا مالك بن دينار قال: دخل عليّ جابر بن زيد وأنا أكتب المصحف فقلت له : كيف ترى صنعتي هذه يا أبا الشعثاء ؟ قال : نِعْم الصنعة صنعتك ، تنقل كتاب الله ورقة إلى ورقة ، وآية إلى آية، وكلمة إلى كلمة ، هذا الحلال لا بأس به(٣). وقال مالك بن دينار: سألته عن قوله تعالى: ﴿ إِذَا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ﴾ [ الإسراء: ٧٥ ] قال ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة٤ُ) ﴿ثُمَّ لَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [ الإسراء: ٧٥]. وقال سفيان : حدّثني أبو عمير الحارث بن عُمير قال : قالوا لجابر بن زيد عند الموت : ما تشتهي وما تريد ؟ قال : نظرة إلى الحسن . وفي رواية عن ثابت قال : لما ثقل على جابر بن زيد قيل له : ما تشتهي ؟ قال نظرة إلى الحسن . قال ثابت : فأتيت الحسن فأخبرته فركب إليه ، فلما دخل عليه قال لأهله : أقعدوني ، فجلس فما زال يقول : أعوذ بالله من النار وسوء الحساب(٥). وقال حماد بن زيد : حدّثنا حجاج بن أبي عيينة قال : سمعت هنداً بنت المهلّب بن أبي صفرة - وكانت من أحسن النساء - وذكروا عندها جابر بن زيد فقالوا : إنه كان إياضياً ، فقالت : كان جابر بن (١) جملة هذه الأخبار في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص ٥٢٥). (٢) الطبقات لابن سعد (٣/ ١٨٠). (٣) الخبر في حلية الأولياء (١٠٤/٣). حلية الأولياء (١٠٥/٣). (٤) (٥) الخبر فى الطبقات (٧/ ١٨٢) بأسانيد مختلفة، وحلية الأولياء (١٠٥/٣ - ١٠٦) بالسند نفسه. ٢٦٦ أحداث سنة ٩٤ هـ زيد أشد الناس انقطاعاً إليَّ وإلى أمي، فما أعلم عنه شيئاً، وكان لا يعلم شيئاً يقرّبني إلى الله عزَّ وجلَّ إلا أمرني به ، ولا شيئاً يباعدني عن الله إلا نهاني عنه ، وما دعاني إلى الإباضية قط ولا أمرني بها ، وكان ليأمرني أين أضع الخمار - ووضعت يدها على الجبهة (١) . أسند عن جماعة من الصحابة ، ومعظم روايته عن ابن عمر وابن عباس(٢). ثم دخلت سنة أربع وتسعين فيها غزا العباس بن الوليد أرض الروم ، فقيل إنه فتح أنطاكية (٣) ، وغزا أخوه عبد العزيز بن الوليد فبلغ غزالة(٤) ، وبلغ الوليد بن هشام المعيطي أرض برج الحمام ، وبلغ يزيد بن أبي كبشة أرض سورية . وفيها كانت الرجفة بالشام(٥) . [ وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك سَنْدَرة من أرض الروم . وفيها فتح الله على الإسلام فتوحات عظيمة في دولة الوليد بن عبد الملك ، على يدي أولاده وأقربائه وأمرائه حتى عاد الجهاد شبيهاً بأيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ]٦) . وفيها افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند (٧) وغنم أموالً لا تعد ولا توصف ، وقد ورد في غزو الهند حديث رواه الحافظ ابن عساكر وغيره . (١) أورد ابن سعد في طبقاته (٧/ ١٨١) خبرين ينفيان عن جابر كونه إباضياً، والإباضية هم أتباع عبد الله بن إياض ، أحد بني مرة بن عبيدة من بني تميم ، وهم فرقة من الخوارج قالت بإمامته ، ثم افترقت هذه الجماعة فيما بينها فرقاً يجمعها القول بأن كفار هذه الأمة برآء من الشرك والإيمان وإنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار ، وهم أربع فرق : الحفصية ، والحارثية ، واليزيدية ، وأصحاب طاعة لا يراد الله بها . الفرق بين الفرق (ص ٧٠) وللتوسع أكثر انظر الملل والنحل الشهرستاني (١٣٤/١ - ١٣٧). والخبر في حلية الأولياء (١٠٦/٣). (٢) من أول ترجمة بلال بن أبي الدرداء .. إلى هنا ساقط من أ ، ب. (٣) الخبر في الطبري (٦/ ٤٨٣) وابن الأثير (٥٧٨/٤) وتاريخ خليفة (٣٠٦) ورجح محقق تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/ ص٢٦١) كونها أنطالية - باللام - حيث إن الأخيرة على الساحل، وأنطاكية قد فتحت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه . قال ابن الأثير في الكامل (٥٧٨/٤): غزالة من ناحية ملطية. (٤) (٦) ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١-١٠٠ / ص٢٦١)، (٥) الخبر في الطبري (٤٨٣/٦) . (٧) الخبر في تاريخ الطبري (٤٨٣/٦) وابن الأثير (٥٨٥/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٦٠) وقد أخطأ الطبري إذ قلب الاسم ، والصحيح أنه محمد بن القاسم الثقفي ، وتبع الطبري من أرَّخ بعده والله أعلم . ومحمد بن القاسم هو الذي أمّره الحجاج وعمره سبع عشرة سنة . ٢٦٧ أحداث سنة ٩٤ هـ وفيها غزا قتيبة بن مسلم الشاش وفرغانة حتى بلغ خُجَندة وكاشان مدينتي فرغانة ، وذلك بعد فراغه من الصغد وفتح سمرقند [ ثم خاض تلك البلاد يفتح فيها حتى وصل إلى كابل فحاصرها وافتتحها (١) وقد لقية المشركون في جموع هائلة من الترك فقاتلهم قتيبة عند خُجَنْدة فكسرهم مراراً [ وظفر بهم ، وأخذ البلاد منهم ، وقتل منهم خلقاً وأسر آخرين ، وغنم أموالاً كثيرة جداً ( ٢) قال ابن جرير(٣) : وقد قال سَحْبان وائل يذكر قتالهم بخُجَنْدة [التي هي قريبة من بلاد الصين أبياتاً في ذلك ] : ـدةَ تحتَ مُرهَفَة٤ٍ) العوالي فسل الفوارسَ في خجنـ هُزموا وأُقدِمُ في قتالي هلْ كنتُ أجمعُهمُ(٥) إذا معاني(٦) وأصْبُر للنّزال(٧) أمْ كنتُ أضربُ هامةَ الـ سسٍ كُلِّها ضَخْمُ النَّوال هذا وأنتَ قريعُ قيـ وأبوكَ في الحِجَجِ الخَوالي وفضلتَ قيساً في النَّدى غى عزَّكمْ غُلْبَ الجِبالِ تمّتْ مروءتُكُمْ ونا ولقد تبيَّنَ عدل(٨) حُك -مك فيهمُ في كلِّ مالٍ هكذا ذكر ابن جرير هذا من شعر سحبان وائل فى هذه الغزوة . وقد ذكرنا ما أورده ابن الجوزي فى (( منتظمه(٩) أن سَخْبان وائل مات في خلافة معاوية بن أبي سفيان بعد الخمسين ، فالله أعلم . (١) ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ خليفة (٣٠٦) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٦٠) ولم يذكر الطبري ولا ابن الأثير فتح كابل في هذه السنة . (٢) مكانها في أ ، ب : كل ذلك يكون الظفر له . تاريخ الطبري (٤٨٤/٦) والأبيات أيضاً في ابن الأثير (٥٨١/٤). (٣) (٤) في أوحدها : مرهفات . (٥) (٦) في أ : أحميهم ، وهي نسخة في الطبري . في ط : العاتي ، وهي نسخة في الطبري . (٧) في الطبري وابن الأثير : للعوالي . (٨) ساقطة من ط . (٩) المنتظم لابن الجوزي (٢٨٣/٥). ٢٦٨ مقتل سعيد بن جبير مقتل سعيد بن جبير(١) رحمه الله قال ابن جرير(٢) : وفي هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير ، وكان سبب ذلك أن الحجّاج كان قد جعله على نفقات الجند حين بعثه مع ابن الأشعث إلى قتال رُتبيل ملك الترك ، فلما خلعه ابن الأشعث خلعه معه سعيد بن جبير ، فلما ظفر الحجاج بابن الأشعث وأصحابه هرب سعيد بن جبير إلى أصبهان ، فكتب الحجاج إلى نائبها أن يبعثه إليه ، فلما سمع بذلك سعيد هرب منها ، ثم كان يعتمر في كل سنة ويحج ، ثم إنه لجأ إلى مكة فأقام بها إلى أن وليها خالد بن عبد الله القَسْري ، فأشار من أشار على سعيد بالهرب منها ، فقال سعيد : والله لقد استحييت من الله مما أفر ولا مفر من قدره ؟ وتولى على المدينة عثمان بن حيَّان بدل عمر بن عبد العزيز ، فجعل يبعث مَنْ بالمدينة من أهل(٣) العراق إلى الحجاج في القيود ، فتعلّم منه خالد بن عبد الله القسري فعين من عنده من مكة سعيد بن جبير ، وعطاء بن أبي رباح ، ومجاهد بن جبر ، وعمرو بن دينار ، وطلق بن حبيب . ويقال : إن الحجاج أرسل إلى الوليد يخبره أن بمكة أقواماً من أهل الشقاق ، فبعث خالد بهؤلاء إليه ثم عفا عن عطاء وعمرو بن دينار لأنهما من أهل مكة وبعث بأولئك الثلاثة ، فأما طلق بن حبيب فمات في الطريق قبل أن يصل ، وأما مجاهد فحبس فما زال في السجن حتى مات الحجاج ، وأما سعيد بن جبير فلما أوقف بين يديه قال له : يا سعيد ألم أشركك في أمانتي ! ألم أستعملك ؟ ألم أفعل ألم أفعل ؟ كل ذلك يقول : نعم ، حتى ظن من عنده أنه سيخلي سبيله ، حتى قال له : فما حملك على الخروج عليَّ وخلعت بيعة أمير المؤمنين ؟ فقال سعيد : إن ابن الأشعث أخذ مني البيعة على ذلك وعزم عليّ ، فغضب عند ذلك الحَجّاج غضباً شديداً ، وانتفخ حتى سقط طرف ردائه عن منكبه ، وقال له : ويحك ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك ؟ قال : بلى ، قال : ثم قدمت الكوفة والياً على العراق فجددت لأمير المؤمنين البيعة فأخذت بيعتك له ثانية ؟ قال : بلى ! قال فتنكث بيعتين لأمير المؤمنين وتفي بواحدة للحائك ابن الحائك ؟ يا حرسي اضرب عنقه . قال : فضربت عنقه فبدر رأسه عليه لا طئة صغيرة بيضاء . وقال الواقدي : لما أُوقف سعيد بن جبير قدَّام الحجاج قال : يا شقي بن كسير أما قدمت الكوفة (١) ترجمة - سعيد بن جبير - في الطبقات لابن سعد (٢٥٦/٦ - ٢٦٧) وتاريخ خليفة (٣٠٧) وطبقاته (٢٨٠) وتاريخ البخاري (٤٦١/٣) والمعرفة والتاريخ (٧١٢/١ -٧١٣) وحلية الأولياء (٢٧٢/٤ -٣٠٩) ووفيات الأعيان (٣٧١/٢ - ٣٧٤) وتهذيب الكمال (٣٥٨/١٠) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٦٦ - ٣٧٦) وسير أعلام النبلاء (٣٢٢/٤ - ٣٤٣) والوافي بالوفيات (٢٠٦/١٥ - ٢٠٨) وتهذيب التهذيب (١١/٤ - ١٤) والنجوم الزاهرة (٢٢٨/١) . تاريخ الطبري (٤٨٧/٦) وقد ذكره الذهبي ضمن وفيات سنة خمس وتسعين . (٢) مكانها في ط : من أصحاب ابن الأشعث . (٣) ٢٦٩ مقتل سعيد بن جبير فجعلتك إماماً ؟ قال : بلى . قال : أما وليتك القضاء فضج أهل الكوفة أنه لا يصلح للقضاء إلا عربي ، فجعلت أبا بردة وأمرته أن لا يقطع أمراً دونك ؟ قال : بلى . قال : أما أعطيتك مئة ألف تفرقها على أهل الحاجة ؟ قال : بلى . قال : فما أخرجك عليَّ ؟ قال : بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث . فغضب الحجاج وقال : أما كانت بيعة أمير المؤمنين في عنقك من قبل ؟ ثم قال : أكفرت إذ خرجت عليَّ ؟ فقال : ما كفرت منذ آمنت . فقال : اختر أي قتلة أقتلك . فقال : اختر أنت ، فإن القصاص أمامك . فقال الحجاج : يا حرسي اضرب عنقه ، وذلك في رمضان سنة خمس وتسعين بواسط ، وقبره ظاهر يزار. ولما قتله خرج منه دم كثير حتى راع الحجاج ، فدعا طبيباً فسأله عن ذلك فقال : إنك قتلته ونفسه معه وقلبه حاضر . وقيل : إن الحجاج رؤي في المنام فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : قتلي بكل رجل قتلته قتلة ، وقتلني بسعيد بن جبير اثنين وسبعين قتلة ، والله أعلمُ(١) . قال ابن جرير(٢): فحُدِّثت عن أبي غسان مالك بن إسماعيل قال: سمعت خلف بن خليفة يذكر عن رجل قال : لما قتل الحجاج سعيد بن جبير فَنَدَر رأسه هلَّل ثلاثاً ، مرة يفصح بها ، وفي الشِّتين يقول مثل ذلك لا يفصح بها . وذكر أبو بكرة الباهلي(٣) قال : سمعت أنس بن أبي شيخ يقول : لما أُتي الحجاج بسعيد بن جبير قال : لعن الله ابن النصرانية - يعني خالد القسري، وكان هو الذي أرسل به من مكة - أما كنت أعرف مكانه ؟ بلى والله والبيت الذي هو فيه بمكة ، ثم أقبل عليه فقال : يا سعيد ما أخرجك عليّ ؟ فقال : أصلح الله الأمير ، أنا امرؤ من المسلمين يخطىء مرة ويصيب أخرى ، فطابت نفس الحجاج وانطلق(1) وجهه ، ورجا الحجاج أن يتخلص من أمره ، ثم عاوده في شيء فقال سعيد ؛ إنما كانت بيعة في عنقي ؛ فغضب عند ذلك الحجاج فكان ما كان من قتله . وذكر عتاب بن بشر(٥) ، عن سالم الأفطس قال : أُتي الحجاج بسعيد بن جبير وهو يريد الركوب وقد وضع إحدى رجليه في الغرز ، فقال : والله لا أركب حتى تتبوأ مقعدك من النار ، اضربوا عنقه ، فضربت عنقه . قال : والتبس الحجاج في عقله مكانه ، فجعل يقول : قيودُنا قيودُنا ، فظنوا أنه يريد القيود التى على سعيد ، فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود . (١) من قوله: وقال الواقدي .. إلى هنا زيادة من أ، والخبر بنصه في وفيات الأعيان (٢/ ٣٧٣) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٦٧ - ٣٦٨) وسير أعلام النبلاء (٣٢٨/٤) والوافي بالوفيات (٢٠٧/١٥) . (٢) تاريخ الطبري (٤٨٩/٦). (٣) المصدر السابق . في الطبري (٤٨٩/٦): وتطلَّق . (٤) تاريخ الطبري (٤٩٠/٦) . (٥) ٢٧٠ مقتل سعيد بن جبير وقال محمد بن حاتم (١): ثنا عبد الملك بن عبد الله [ عن هلال ] بن خَبَّاب، قال : جيء بسعيد بن جبير إلى الحجاج فقال : أكتبت إلى مصعب بن الزبير ؟ فقال: بلى كَتَبَ إليَّ مصعب ، قال : لا والله لأقتلنك قال : إني إذاً لسعيد كما سمتني أمي . قال فقتله ، فلم يلبث الحجاج بعده إلا أربعين يوماً ، وكان إذا نام يراه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه ويقول : يا عدو الله فيما قتلتني ؟ فيقول الحجاج : ما لي ولسعيد بن جُبير ، ما لي ولسعيد بن جُبير ؟. قال ابن خلكان(٢): كان سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولى بني والبة (٣) كوفياً أحد الأعلام من التابعين ، وكان أسود اللَّون ، وكان لا يكتب على الفتيا ، فلما عمي ابن عباس كتب ، فغضب ابن عباس من ذلك ، وذكر مقتله كنحو ما تقدم ، وذكر أنه كان في شعبان ، وأن الحجاج مات بعده في رمضان ، وقيل قبل بستة أشهر . وذكر عن الإمام أحمد(٤) أنه قال : قتل سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج - أو قال مفتقر - إلى علمه . ويقال إن الحجاج لم يُسلَّط بعده على أحد ، وسيأتي في ترجمة الحجاج أيضاً شيء من هذا . قال ابن جرير(٥) : وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء ، لأنه مات فيها عامة فقهاء المدينة ، مات في أولها علي بن الحسين [ زين العابدين ] ثم عروة بن الزبير ، ثم سعيد بن المسيّب ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام [ وسعيد بن جبير من أهل مكة ]٦) . وقد ذكرنا تراجم هؤلاء في كتابنا ((التكميل )(٧) ، وسنذكر طرفاً صالحاً هاهنا إن شاء الله تعالى. قال ابن جرير : واستقضى الوليد بن عبد الملك في هذه السنة على الشام سليمان بن حبيب(٨) وحج بالناس فيها العباس(٩) بن الوليد، ويقال مسلمة بن عبد الملك . المصدر نفسه . (١) وفيات الأعيان (٢/ ٣٧١). (٢) بنو والبة بن الحارث من بني أسد بن خزيمة . وانظر معجم القبائل العربية لكحالة . (٣) وفيات الأعيان (٣٧٤/٢) وأيضاً في تاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/ ص٣٦٨) وسير أعلام النبلاء (٤) (٣٢٥/٤) ولكن ليس الخبر عن الإمام أحمد . (٥) تاريخ الطبري (٦/ ٤٩١). (٦) الزيادة من ط . (٧) (٨) (٩) القول لابن كثير رحمه الله ، وقد سبق أن عرّفنا بكتابه التكميل . في ط : صرد ، وما أثبت موافق للطبري وابن الأثير . كذا في الأصول الثلاثة ، وساق الطبري عدة روايات يظهر الاختلاف فيمن حج بالناس تلك السنة . أما الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٦١) فذكر : مسلمة بن عبد الملك . ٢٧١ وفيات سنة ٩٤ هـ وكان على نيابة مكة خالد بن عبد الله القسري ، وعلى المدينة عثمان بن حيّان ، وعلى المشرق بكماله الحَجَّاج ، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم ، وعلى الكوفة من جهة الحجاج زياد بن جرير ، وعلى قضائها أبو بكر بن أبي موسى ، وعلى إمرة البصرة من جهة الحجاج الجرّاح بن عبد الله الحَكَمي ، وعلى قضائها عبد الله(١) بن أذينة ، والله سبحانه وتعالى أعلم. ذكر من توفي فيها من المشاهير والأعيان سعيد بن جبير بن هشام الأسدي(٢) الوالبي مولاهم أبو محمد ، ويقال أبو عبد الله ، الكوفي المكي ، من أكابر أصحاب ابن عباس ، كان من أئمة الإسلام في التفسير والفقه وأنواع العلوم ، وكثرة العمل الصالح ، رحمه الله ، وقد رأى خلقاً من الصحابة ، وروى عن جماعة منهم ، وعنه خلق من التابعين وغيرهم ، يقال إنه كان يقرأ القرآن فيما بين المغرب والعشاء ختمة تامة ، وكان يقعد في الكعبة القعدة فيقرأ فيها الختمة ، وربما قرأها في ركعة في جوف الكعبة . وقد قال ابن عباس - وقد أتاه أهل الكوفة يسألونه - : أليس فيكم سعيد بن جبير(٣). وقال سفيان الثوري عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال : لقد مات سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه(٤) . وكان في جملة من خرج مع ابن الأشعث على الحجاج ، فلما ظفر [ الحجاج ] هرب سعيد إلى أصبهان ، ثم كان يتردد في كل سنة إلى مكة مرتين ، مرة للعمرة ومرة للحج ، وربما دخل الكوفة في بعض الأحيان فحدَّث بها ، وكان بخراسان يتحزل(٥) لأنه كان لا يسأله أحد عن شيء من العلم هناك ، كان يقول : إن مما يهمني ما عندي من العلم ، وددت أن الناس أخذوه . واستمر في هذا الحال مختفياً من الحجاج قريباً من ثنتي عشرة سنة ، ثم أرسله خالد القَسْري من مكة إلى الحجاج وكان من مخاطبته له ما ذكرناه قريباً . وقال أبو نعيم في كتابه الحلية (٦): حدّثنا أبو حامد بن جَبَلة، حدّثنا محمد بن إسحاق، حدّثنا (١) في الطبري: عبد الرحمن ، وذكر ابن حجر في تقريب التهذيب في ترجمة عبد الرحمن بن أذينة : قاضي البصرة .. وَهمَ مَنْ ذكره في الصحابة . (٢) تقدم ذكر مصادر ترجمته في أول هذه السنة . (٣) الخبر والذي قبله في الطبقات لابن سعد (٢٥٧/٦) . الطبقات الكبرى (٢٦٦/٦) وحلية الأولياء (٢٧٣/٤) ووفيات الأعيان (٣٧٤/٢) وسير أعلام النبلاء (٣٢٥/٤). (٤) (٥) في ط : لا يتحدث . (٦) حلية الأولياء (٤/ ٢٩١) . ٢٧٢ وفيات سنة ٩٤ هـ محمد بن أحمد بن أبي خلف ، حدّثنا سفيان (١) ، عن سالم بن أبي حفصة . قال : لما أتي بسعيد بن جبير إلى الحجاج قال له : أنت الشقي بن كسير ؟ قال : لا ! إنما أنا سعيد بن جبير ، قال لأقتلنك ، قال : أنا إذاً كما سمتني أمي سعيداً! قال شقيت وشقيت أمك ، قال : الأمر ليس إليك . ثم قال : اضربوا عنقه ، فقال: دعوني أصلي ركعتين ، قال: وجِّهوه إلى قبلة النصارى، قال: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] قال : إني أستعيد منك بما استعاذت به مريم ، قال : وما عاذت به ؟ قال: قالت ﴿ إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَفِيًّا﴾ [ مريم: ١٨ ] قال سفيان: لم يقتل بعده إلا واحداً. [وفي رواية أنه قال له: لأبدلنك بالدنيا ناراً تَلَّى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لا تخذتك إلّهاً. وفي رواية أنه لما أراد قتله قال: وجِّهوه إلى قبلة النصارى، فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الَّهِّ﴾ فقال: اجلدوا به الأرض، فقال: ﴿ ﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيَهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا مُخْرِحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [ طه: ٥٥ ] فقال: اذبح فما أنزعه لآيات الله منذ اليوم . فقال : اللهم لا تسلطه على أحد بعدي . وقد ذكر أبو نعيم هنا كلاماً كثيراً في مقتل سعيد بن جبير ، أحسنه هذا ، والله أعلم ]٢) . وقد ذكرنا صفة مقتله إياه ، وقد رويت آثار غريبة في صفة مقتله ، أكثرها لا يصح ، وقد عوجل الحجاج ، فلم يلبث بعده إلا قليلاً ثم أخذه الله أخذ عزيز مقتدر ، كما سنذكر وفاته في السنة الآتية ، فقيل إنه مكث بعده خمسة عشر يوماً ، وقيل أربعين يوماً ، وقيل ستة أشهر ، والله أعلم . وتنغصت به على الحجاج حياته في يقظته ومنامه . واختلفوا في عمر سعيد بن جبير رحمه الله حين قتل ، فقيل تسعاً وأربعين سنة (٣) ، وقيل سبعاً وخمسين ، فالله أعلم . قال أبو القاسم اللالكائي : كان مقتله في سنة خمس وتسعين ، وذكر ابن جرير مقتله في هذه السنة - سنة أربع وتسعين - فالله أعلم . [ قلت : هاهنا كلمات حسان من كلام سعيد بن جبير أحببت أن أذكرها . قال : إن أفضل الخشية أن تخشى الله خشية تحول بينك وبين معصيته، وتحملك على طاعته، فتلك هي الخشية النافعة . والذكر طاعة الله ، فمن أطاع الله فقد ذكره ، ومن لم يطعه فليس بذاكرٍ له ، وإن كثر منه التسبيح وتلاوة القرآن . قيل له : من أعبد الناس ؟ قال : رجل اقترف من الذنوب ، فكلما ذكر ذنبه احتقر عمله . وقال له الحجاج : ويلك ! فقال : الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار ، فقال : اضربوا عنقه ، فقال : إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، أستحفظك بها حتى ألقاك يوم القيامة فأنا (١) في ط : شعبان؛ تحريف. (٢) ما بين معكوفين زيادة من ط ، وهي موافقة للمصادر. (٣) طبقات ابن سعد (٢٦٦/٦). ٢٧٣ وفيات سنة ٩٤ هـ خصمك عند الله ، فذبح من قفاه ، فبلغ ذلك الحسن فقال : اللهم يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج ، فما بقي إلا ثلاثة حتى وقع من جوفه دود فأنتن منه فمات . وقال سعيد للحجاج لمَّا أمر بقتله وضحك فقال له : ما أضحكك ؟ فقال : أضحك من غيراتك عليّ وحلم الله عنك ]١) . سعيد بن المسيّب(٢) بن حَزْن بن أبي وهب(٣) بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي أبو محمد المدني المخزومي ، سيد التابعين على الإطلاق . ولد لسنتين مضتا وقيل بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ، وقيل لأربع مضين منها . وقول الحاكم أبي عبد الله إنه أدرك العشرة وهمّ منه والله أعلم. ولكن أرسل عنهم كما أرسل كثيراً عن النبي وَّر، وروى عن عمر كثيراً، فقيل سمع منه، وعن عثمان ، وعلي ، وسعيد ، وأبي هريرة ، وكان زوج ابنته (٤) ، وأعلم الناس بحديثه ، وروى عن جماعة من الصحابة ، وحدَّث عن جماعة من التابعين ، وخلق ممن سواهم . قال ابن عمر : كان سعيد أحد المتقنين (٥). وكان أعلم أهل الأرض كلها في زمانه ، وكان يسرد الصوم . وقال عن نفسه : أنه ما فاتته التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة وحج أربعين حجة (٦). وقال الزهري: جالسته سبع حجج وأنا لا أظن عند أحد علماً غيره(٧). (١) ما بين معكوفين زيادة من ط، وجملة الكلام في صفة الصفوة لابن الجوزي (٧٩/٣-٨٢). (٢) ترجمة - سعيد بن المسيب ــ في طبقات ابن سعد (١١٩/٥-١٤٣) وتاريخ خليفة (١٣٤ و٢٦٥ و٢٨٩) وطبقاته (٢٤٤) والمعرفة والتاريخ (٤٦٨/١) وحلية الأولياء (٢/ ١٦١) وتاريخ البخاري (٥١٠/٣) وصفة الصفوة (٧٩/٢ - ٨٢) ووفيات الأعيان (٣٧٥/٢ - ٣٧٨) وتهذيب الكمال (٢١٢/١١) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٧١ - ٣٧٦) وسير أعلام النبلاء (٢١٧/٤ - ٢٤٦) والوافي بالوفيات (٢٦٢/١٥) وتهذيب التهذيب (٨٤/٤ - ٨٨) وشذرات الذهب (١/ ٣٧٠). وضبطه ابن خلكان بـ المسيَّب - بفتح الياء المشددة المثناة من تحتها أو كسرها - والفتح هو المشهور . ونقل عن سعيد أنه كان يقول : سيَّب الله من سيَّب أبي . (٣) في طبقات ابن سعد (١١٩/٥): وهب بن عمرو بن عائذ . (٤) وفيات الأعيان (٢/ ٢٧٥) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٧٣). (٥) في أ، ب: المتقين ، وفي السير وتاريخ الإسلام : المفتين . وما أثبت من ط ، وتهذيب الكمال وتهذيب التهذيب . (٦) من قوله: وكان أعلم أهل .. إلى هنا زيادة من أ، والخبر في حلية الأولياء (٢/ ١٦٤) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٢٢) . (٧) السير (٢٢٢/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٧٢). ٢٧٤ وفيات سنة ٩٤هـ وقال محمد بن إسحاق : عن مكحول قال : طفت الأرض كلها في طلب العلم ، فما لقيت أعلم من سعيد بن المسيب(١) . وقال الأوزاعي : سُئل الزُّهري ومكحول من أفقه من لقيتما ؟ قالا : سعيد بن المسيب . وقال غيره : كان يقال له : فقيه الفقهاء . وقال قتادة : ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه . وكان الحسن إذا أشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيّب(٢) وقال مالك : عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب : كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد(٣). قال مالك : وبلغني أن ابن عمر كان يرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن قضايا عمر وأحكامه(٤) . وقال الربيع عن الشافعي أنه قال : إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن(٥). وقال الإمام أحمد بن حنبل : هي صحاح . قال : وسعيد بن المسيب أفضل التابعين(٦). قال علي بن المديني : لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه ، وإذا قال سعيد مضت السنة فحسبك به ، وهو عندي أجلّ التابعين(٧) . وقال أحمد بن عبد الله العجلي : كان سعيد رجلاً صالحاً فقيهاً ، كان لا يأخذ العطاء ، وكانت له بضاعة أربعمائة دينار ، وكان يتَّجر في الزيت ، وكان أعور(٨). وقال أبو زرعة : کان مدنياً ثقة إماماً وقال أبو حاتم : ليس في التابعين أنبل منه ، وهو أثبتهم في أبي هريرة . قال الواقدي(٩) : توفي في سنة الفقهاء ، وهي سنة أربع وتسعين ، عن خمس وسبعين سنة ، رحمه الله . (١) المصدر السابق. من قوله : وقال قتادة . . إلى هنا زيادة من أ ، ب . (٢) (٣) تذكرة الحفاظ (٥٥/١) . طبقات ابن سعد (١٢٢/٥) وسير أعلام النبلاء (٢٢٥/٤) . (٤) تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٢٢١) . (٥) تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٧٣). (٦) (٧) المصدر نفسه . تذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٥٤) . (٨) الطبقات الكبرى (١٤٣/٥) . (٩) ٢٧٥ وفيات سنة ٩٤ هـ [ وكان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه ، وكان من أزهد الناس في فضول الدنيا ، والكلام فيما لا يعني ، ومن أكثر الناس أدباً في الحديث . جاءه رجل وهو مريض فسأله عن حديث فجلس فحدّثه ثم اضطجع ، فقال الرجل : وددت أنك لم تتعنّ ، فقال: إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله وَ لّ وأنا مضطجع. وقال بُرد مولاه : ما نوي للصّلاة منذ أربعين إلا وسعيد في المسجد . وقال ابن إدريس : صلّى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة . وقال سعيد : لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم ، لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة . وقال : ما يئس الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء . وقال : ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله ، ولا أهانت أنفسها إلا بمعصية الله تعالى . وقال : كفى بالمرء نصرة من الله له أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله . وقال : من استغنى بالله افتقر الناس إليه . وقال : الدنيا نزلة وهي إلى كل نذل أميل ، وأنذل منها من أخذها من غير وجهها ووضعها في غير سبيلها . وقال : إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه . وقال : من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله . وقد زوّج سعيد بن المسيّب ابنته على درهمين لكثير(١) بن أبي وداعة - وكانت من أحسن النساء وأكثرهم أدباً وأعلمهم بكتاب الله وسنة رسول الله بَّر، وأعرفهم بحق الزوج - وكان فقيراً، فأرسل إليه بخمسة آلاف ، وقيل : بعشرين ألفاً ، وقال : استنفق هذه . وقصته في ذلك مشهورة ، وقد كان عبد الملك خطبها لابنه الوليد فأبى سعيد أن يزوجه بها ، ولما جاءت بيعة الوليد إلى المدينة في أيام عبد الملك ، ضربه نائبه على المدينة هشام بن إسماعيل وأطافه المدينة ، وعرضوه على السيف فمضى ولم يبايع ، فلما رجفوا به رأته امرأة فقالت : ما هذا الخزي يا سعيد ؟ فقال : مِن الخزي فررنا إلى ما ترين ، أي لو أجبناهم وقعنا في خزي الدنيا والآخرة . وكان يجعل على ظهره إهاب الشاة ، وكان له مال يتَّجر فيه ويقول : اللهم إنك تعلم أني لم أمسكه بخلاً ولا حرصاً عليه ، ولا محبة للدنيا ونيل شهواتها ، وإنما أريد أن أصون به وجهي عن بني مروان حتى ألقى الله فيحكم فيّ وفيهم ، وأصل منه (١) في طبقات ابن سعد : زوجها من ابن أخيه، وفي الوفيات لابن خلكان (٢/ ٣٧٦) : زوَّجها من أبي وداعة . ٢٧٦ وفيات سنة ٩٤ هـ رحمي ، وأؤدي منه الحقوق التي فيه ، وأعود منه على الأرملة والفقير والمسكين واليتيم والجار . والله سبحانه وتعالى أعلم ١٢) . طلق بن حبيب العنزي(٢) ، تابعي جليل ، روى عن أنس وجابر وابن الزبير وابن عباس ، وعبد الله بن عمر وغيرهم ، وعنه حميد الطويل والأعمش وطاووس ، وهو من أقرانه . وأثنى عليه عمرو بن دينار ، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة ، ولكن تكلّموا فيه من جهة أنه كان يقول بالإرجاء . وقد كان ممن خرج مع ابن الأشعث . وكان يقول : تقووا بالتقوى ، فقيل له : صف لنا التقوى ، فقال : التقوى هي العمل بطاعة الله على نورٍ من الله رجاء رحمة الله ، وترك معصية الله على نورٍ من الله مخافة عذاب الله . وقال أيضاً : إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد ، وإن نعم الله أكثر من أن تحصى ، أو يقوم بشكرها العباد ، ولكن أصبحوا تائبين [ وأمسوا تائبين. وكان طلق لا يخرج إلى صلاة إلا ومعه شيء يتصدق به ، وإن لم يجد إلا بصلاً ، ويقول : قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْإِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَّكُمْ صَدَقَةٌ﴾ [ المجادلة: ١٢ ] فتقديم الصدقة بين يدي مناجاة الله أعظم وأعظم (٣) . (٤ ) قال مالك : قتله الحجاج وجماعة من القراء منهم سعيد بن جبير . وقد ذكر ابن جرير(٥) فيما سبق أن خالد بن عبد الله القسري بعث من مكة ثلاثة إلى الحجاج ، وهم مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وطلق بن حبيب ، فمات طلق في الطريق وحبس مجاهد ، وكان من أمر سعيد ما كان ، والله أعلم . عروة بن الزبير بن العوام(٦) ، القرشي الأسدي أبو عبد الله المدني ، تابعي جليل ، روى عن أبيه وعن (١) ما بين معكوفين زيادة من ط، والكلام بجملته موافق لما في صفة الصفوة (٢/ ٨٠-٨١) ووفيات الأعيان (٣٧٥/٢ - ٣٧٧) وغيرهما . (٢) ترجمة - طلق بن حبيب - في طبقات ابن سعد (٢٢٧/٧) وطبقات خليفة (٢٤٢) وتاريخ البخاري (٣٥٩/٤) وحلية الأولياء (٦٣/٣) وتهذيب الكمال (٤٥١/١٢) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ١٠١ - ١٢٠/ ص١٢١ -١٢٢) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٦٠١ - ٦٠٣) وتهذيب التهذيب (٣١/٥) . ما بين معكوفين زيادة من ط . (٣) (٤) ذكره الذهبي في السير (٦٠٢/٤) وقال : لم يصح . (٥) تاريخ الطبري (٤٨٨/٦) . (٦) ترجمة - عروة بن الزبير - في طبقات ابن سعد (١٧٨/٥ - ١٨٢) وتاريخ خليفة (١٥٦) وطبقاته (٢٤١) وتاريخ البخاري (٢٣١/٧ - ٢٣٢) والمعرفة والتاريخ (٣٦٤/١ -٥٥١) وتاريخ دمشق (٤٠ /٢٣٧ - ٢٨٦) ووفيات الأعيان= ٢٧٧ وفيات سنة ٩٤ هـ العبادلة ومعاوية والمغيرة وأبي هريرة ، وأمه أسماء ، وخالته أم المؤمنين عائشة ، وأم سلمة . وعنه جماعة من التابعين ، وخلق ممن سواهم . قال محمد بن سعد : كان عروة ثقة كثير الحديث عالماً مأموناً ثبتاً . وقال العجليُ(١) : مدني تابعي رجل صالح لم يدخل في شيء من الفتن. وقال الواقدي(٢) : كان فقيهاً عالماً حافظاً ثبتاً حجة عالماً بالسير ، وهو أول من صنف المغازي ، وكان من فقهاء المدينة المعدودين، ولقد كان أصحاب رسول الله وَ ل يسألونه، وكان أروى الناس للشعر . وقال ابنه هشام : قال أبي : العلم لواحد من ثلاثة ، لذي حسب یزین به حسبه ، أو ذي دین یسوس به دينه، أو مختلط بسلطان يتحفه بعلمه (٣) . وقال : ولا أعلم أحداً اشترطه لهذه الخصال الثلاث إلا عروة بن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز . وكان عروة يقرأ كل يوم ربع القرآن ويقوم به في اللّيل ، وكان أيام الرُّطَب يثلم حائطه للناس فيدخلون فيأكلون ويحملون ، فإذا ذهب الرطب أعاد(٤) . وقال الزُّهري : كان عروة بحراً لا ينزف ولا تكدِّره الدِّلا(٥) . وقال عمر بن عبد العزيز : ما أحد أعلم من عروة وما أعلمه يعلم شيئاً أجهله(٦) وقد ذكره غير واحد من فقهاء المدينة السبعة الذين ينتهى إلى قولهم ، وكان من جملة الفقهاء العشرة الذين كان عمر بن عبد العزيز يرجع إليهم في زمن ولايته على المدينة(٧) . وقد ذكر غير واحد أنه وفد على الوليد بدمشق ، فلما رجع أصابته في رجله الأكلة فأرادوا قطعها ، فعرضوا عليه أن يشرب شيئاً يغيب عقله حتى لا يحس بالألم ويتمكنوا من قطعها ، فقال : ما ظننت أن (٢٥٥/٣ - ٢٥٨) وحلية الأولياء (١٧٦/٢ - ١٨٢) وتهذيب الكمال (١١/٢٠) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث = سنة ٨١ - ١٠٠/ ص٤٢٤ - ٤٢٩) وسير أعلام النبلاء (٤٢١/٤ - ٤٣٧) وتهذيب التهذيب (٧/ ١٨٠ - ١٨٥) وشذرات الذهب (٣٧٢/١) . تاريخ الثقات للعجلي (ص٣٣١) الترجمة رقم (١١٢١). (١) طبقات ابن سعد (١٧٩/٥) . (٢) مكانها في ط : يتحفه بنعمه ، ويتخلص منه بالعلم ، فلا يقع في هلكة . (٣) (٤) حلية الأولياء (١٧٨/٢ - ١٨٠) وتاريخ ابن عساكر (٢٥٩/٤٠). تاريخ دمشق (٢٥٣/٤٠) والمعرفة والتاريخ (٥٥٢/١). (٥) تاريخ دمشق (٢٤٩/٤٠) وسير أعلام النبلاء (٤٢٥/٤). (٦) تاریخ دمشق (٤٠/ ٢٥٠) . (٧) ٢٧٨ وفيات سنة ٩٤ هـ أحداً يؤمن بالله يشرب شيئاً يغيب عقله حتى لا يعرف ربه عزَّ وجلَّ ، ولكن هلموا فاقطعوها فقطعوها من ركبته وهو صامت لا يتكلم ، ولا يعرف أنه أنّ . وروي أنهم قطعوها وهو في الصلاة فلم يشعر لشغله بالصلاة ، فالله أعلم . ووقع في هذه الليلة التي قطعت فيها رجله بنيٌّ له يسمى محمداً كان أحب أولاده من سطح فمات ، فدخلوا عليها فعزَّوه فيه ، فقال : اللهم لك الحمد ، كانوا سبعة فأخذت واحداً وأبقيت ستة ، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة ، فلئن كنت قد أخذت فلقد أعطيت ، ولئن كنت قد ابتليت فقد عافيت(١) فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما أعطيت . وقيل : إنه لما رأى رجله المقطوعة في الطست قال : الله أعلم أني ما مشيت بها إلى معصية قط (٢) [ قلت : قد ذكر غير واحد أن عروة بن الزبير لما خرج من المدينة متوجهاً إلى دمشق ليجتمع بالوليد ، وقعت الأكلة في رجله في واد قرب المدينة وكان مبدؤها هناك ، فظن أنها لا يكون منها ما كان ، فذهب في وجهه ذلك ، فما وصل إلى دمشق إلا وهي قد أكلت نصف ساقه ، فدخل على الوليد فجمع له الأطباء العارفين بذلك ، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها وإلا أكلت رجله كلها إلى وركه . وربما ترقّت إلى الجسد فأكلته ، فطابت نفسه بنشرها وقالوا له : ألا نسقيك مرقد(٣) حتى يذهب عقلك منه فلا تحس بألم النشر ؟ فقال : لا ! والله ما كنت أظن أن أحداً یشرب شراباً أو يأكل شيئاً يذهب عقله ، ولكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة فإني لا أحس بذلك ، ولا أشعر به . قال : فنشروا رجله من فوق الأكلة ، من المكان الحي ، احتياطاً أنه لا يبقى منها شيء ، وهو قائم يصلّي، فما تضوّر ولا اختلج ، فلما انصرف من الصلاة عزاه الوليد في رجله ، فقال : اللهم لك الحمد ، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت ، وإن كنت قد أبليت فلطالما عافيت ، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت . قال : وكان قد صحب معه بعض أولاده من جملتهم ابنه محمد ، وكان أحبهم إليه ، فدخل دار الدواب فرفسته فرس فمات ، فأتوه فعزوه فيه ، فقال : الحمد لله كانوا سبعة فأخذت منهم واحداً وأبقيت ستة ، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت ، ولئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت . فلما قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة ، قال : فما سمعناه ذكر رجله ولا ولده ، ولا شكا ذلك إلى أحد حتى دخل وادي القرى ، فلما كان في المكان الذي أصابته الأكلة فيه قال: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف : ٦٢] فلما دخل المدينة أتاه الناس يسلّمون عليه ويعزونه في رجله وولده ، فبلغه أن تاريخ دمشق (٤٠ / ٢٦٢) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٤٣٠). (١) (٢) من قوله : فلك الحمد على .. إلى هنا ساقط من ط. (٣) المرقّد : شيء يُشرب فينوِّم من يشربه ويرقِّده . القاموس (رقد ) . ٢٧٩ وفيات سنة ٩٤ هـ بعض الناس قال : إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه . فأنشد عروة في ذلك والأبيات لمعن بن أوس : ولا حملتني نحو فاحشة رِجلي لعمرك ما أهويتُ كفي لريبةٍ ولا دلَّني رأيي عليها ولا عقلي منَ الأمرِ لا يمشي إلى مثلهِ مثلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها ولست بماشٍ ما حييتُ لمنكرٍ وأوثر ضيفي ما أقامَ على أهلي ولا مؤثرٌ نفسي على ذي قرابةٍ من الدهر إلّا قدْ أصابتْ فتى مثلي(١) وأعلمُ أنسي لم تصبني مصيبةٌ وفي رواية: اللهم إنه كان لي بنون أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة. كذا ذكر هذا الحديث فيه هشام . وقال مسلمة بن محارب : وقعت في رجل عروة الأكلة فقطعت ولم يمسكه أحد ، ولم يدع في تلك الليلة وِرْدَه . وقال الأوزاعي : لما نشرت رجل عروة قال : اللهم إنك تعلم أني لم أمش بها إلى سوءٍ قط . وأنشد البيتين المتقدمين . رأى عروة رجلاً يصلي صلاة خفيفة فدعاه فقال : يا أخي أما كانت لك إلى ربك حاجة في صلاتك ؟ إني لأسأل الله في صلاتي حتى أسأله الملح . قال عروة : رب كلمة ذلِّ احتملتُها أورثتني عزاً طويلاً . وقال لبنيه : إذا رأيتم الرجل يعمل الحسنة فاعلموا أن لها عنده أخوات ، وإذا رأيتم الرجل يعمل السيئة فاعلموا أن لها عنده أخوات ، فإن الحسنة تدل على أختها ، والسيئة تدل على أختها . وكان عروة إذا دخل حائطه ردد هذه الآية: ﴿ وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَتَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِّ﴾ [الكهف: ٣٩ ] حتى يخرج منه، والله سبحانه وتعالى أعلم ]٢) . قيل : إنه ولد في حياة عمر ، والصحيح أنه ولد بعد عمر في سنة ثلاث وعشرين(٣) ، وكانت وفاته في سنة أربع وتسعين على المشهور ، وقيل سنة تسعين ، وقيل سنة مئة ، وقيل إحدى وتسعين ، وقيل إحدى ومئة ، وقيل سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين ، وقيل تسع وتسعين(٤) فالله أعلم . علي بن الحسين(٥) بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المشهور بزين العابدين ، وأمه أم ولد (١) الأبيات في حلية الأولياء (١٧٩/٢) عدا الثالث والرابع. (٢) ما بين معكوفين زيادة من ط، وهي موافقة لمصادر ترجمة عروة بن الزبير، وجلها من ابن عساكر (٢٥٩/٤٠). (٣) كذا في تاريخ خليفة (١٥٦) وتذكرة الحفاظ للذهبي (٦٣/١) وسير أعلام النبلاء (٤٢٢/٤). (٤) نسب الذهبي بعض هذه الأقوال إلى أصحابها في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٢٩). ترجمة - علي بن الحسين - في طبقات ابن سعد (٢١١/٥) وطبقات خليفة (٢٤٤) وتاريخ البخاري (٢٦٦/٦) (٥) والمعرفة والتاريخ (٣٦٠/١) وحلية الأولياء (١٣٣/٣) وتاريخ دمشق (٣٦٠/٤١ - ٤١٦) ووفيات الأعيان = ٢٨٠ وفيات سنة ٩٤ هـ اسمها سلامة(١) ، كان له أخ أكبر منه يقال له علي أيضاً، قتل مع أبيه ، روى عليٍّ هذا، الحديث عن أبيه وعمه الحسن بن علي ، وجابر وابن عباس والمسور بن مخرمة وأبي هريرة وصفية وعائشة وأم سلمة ، أمهات المؤمنين . وعنه جماعة منهم بنوه زيد وعبد الله وعمر ، وأبو جعفر محمد بن علي الباقر ، وزيد بن أسلم ، وطاووس وهو من أقرانه ، والزُّهري ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وأبو سلمة وهو من أقرانه ، وخلق . قال ابن خلكان(٢) : كانت سلامة بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس . وذكر الزمخشري في (( ربيع الأبرار)»(٣) أن يزدجرد كان له ثلاث بنات سبين في زمن عمر بن الخطاب ، فحصلت واحدة لعبد الله بن عمر فأولدها سالماً ، والأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق فأولدها القاسم ، والأخرى للحسين بن علي فأولدها علياً زين العابدين هذا ، فكلّهم بنو خالة . قال ابن خلكان(٤) : ولما قتل قتيبة بن مسلم فيروز بن يزدجرد بعث بابنتيه إلى الحَجّاج فأخذ إحداهما وبعث بالأخرى إلى الوليد بن عبد الملك ، فأولدها الوليدُ يزيد الناقص . وذكر ابن قتيبة في كتاب (( المعارف)»(٥) أن زين العابدين هذا كانت أمه سندية ، يقال لها سلامة ، ويقال غزالة ، وكان مع أبيه بكربلاء ، فاستبقي لصغره ، وقيل لمرضه ، فإنه كان ابن ثلاث وعشرين سنة ، وقيل أكثر من ذلك ، وقد همّ بقتله عبيد الله بن زياد ، ثم صرفه الله عنه ، وأشار بعض الفجرة على يزيد بن معاوية بقتله أيضاً فمنعه الله من ذلك فله الحمد والمنة ، ثم كان يزيد بعد ذلك يُكرمه ويُعظمه ويُجلسه معه ، ولا يأكل إلا وهو عنده ، ثم بعثهم إلى المدينة ، وكان علي بالمدينة محترماً معظماً . قال ابن عساكر(٦): ومسجده بدمشق المنسوب إليه معروف . قلت : وهو مشهد علي شرقي جامع دمشق . وقد استقدمه عبد الملك بن مروان مرة أخرى إلى دمشق فاستشاره في جواب ملك الروم عن بعض ما كتب إليه فيه من أمر السكّة وطراز القراطيس . (٢٦٦/٣) وتهذيب الكمال (٢٠/ ٣٨٣) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٣١ - ٤٣٩) وسير = أعلام النبلاء (٣٨٦/٤ - ٤٠١) وتهذيب التهذيب (٧/ ٣٠٤ - ٣٠٧) والنجوم الزاهرة (٢٢٩/١) وشذرات الذهب (١/ ٣٧٤) . (١) في الطبقات (٢١١/٥): غزالة. (٢) وفيات الأعيان (٢٦٧/٣) وقد تحرفت في ط إلى : سلمة . ربيع الأبرار لأبي القاسم الزمخشري ( ص٢٠١) ط : مؤسسة الأعلمي بيروت . (٣) (٤) وفيات الأعيان (٢٦٧/٣) . (٥) المعارف لابن قتيبة ( ص٢١٤) والخبر أيضاً في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٣٢). (٦) تاريخ دمشق (٤١ /٣٦٠).