Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ أحداث سنة ٧٥ هـ كانوا قد رجعوا عنه لما سمعوا بموت بشر بن مروان كما تقدم - سفكتُ دمه وانتهبت ماله ، ثم دخل منزله ولم يزد على ذلك . ويقال : إنه لما صعد المنبر واجتمع الناس تحته أطال السكوت حتى إن محمد بن عمير أخذ كفاً من حصى وأراد أن يحصبه بها ، وقال : قبحه الله ما أعياه وأذمّه! فلما نهض الحجاج وتكلّم بما تكلّم به جعل الحصى يتناثر من يده وهو لا يشعر به ، لما يرى من فصاحته وبلاغته . ويقال: إنه قال في خطبته هذه : شاهت الوجوه إن الله ضرب ﴿مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَبِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ [ النحل: ١١٢] وأنتم أولئك فاستووا واستقيموا، فوالله لأذيقنكم الهوان حتى تذروا ، ولأعصبنكم عصب السلمةُ(١) حتى تنقادوا ، وأقسم بالله لتقبلنّ على الإنصاف ولتدعن الإرجاف وكان وكان ، وأخبرني فلان عن فلان ، والخبر وما الخبر ، أو لأهبرنكم بالسيف هبراً يدعُ النساء أيامى والأولاد يتامى ، حتى تمشوا السُّمَّهى (٢) وتقلعوا عن هاوها . في كلام طويل بليغ غريب يشتمل على وعيد شديد [ ليس فيه وعد بخير ] . فلما كان في اليوم الثالث سمع تكبيراً في السوق فخرج حتى جلس على المنبر فقال : يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق ، ومساوىء الأخلاق ، إني سمعت كبيراً في الأسواق ليس بالتكبير الذي يراد به الترغيب ، ولكنه تكبير يراد به الترهيب . وقد عرفت (٣) عجاجة تحتها قصف ، يا بني اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الإماء والأيامى ، ألا يربع كل رجل منكم على ظلعه ، ويحسن حقن دمه ، ويبصر موضع قدمه ، فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالاً لما قبلها وأدباً لما بعدها . قال فقام إليه عمير بن ضابىء التميمي ثم الحنظلي فقال : أصلح الله الأمير إنا في هذا البعث ، وأنا شيخ كبير وعليل ، وهذا ابني هو أشب مني . قال : ومن أنت ؟ قال عمير بن ضابىء التميمي ، قال : أسمعت كلامنا بالأمس ؟ قال : نعم ! قال : ألست الذي غزا عثمان بن عفان؟ قال : بلى . قال: وما حملك [ على ذلك؟ ] قال: كان حبس أبي وكان شيخاً كبيراً ، قال : أو ليس هو الذي يقول : هممتُ ولمْ أفعلْ وكدْتُ وليتني فعلتُ وولّيتَ البُكاء حلائِا(٤) من قوله : ولأضربنكم ضرب .. إلى هنا ساقط من أ وحدها . (١) (٢) السمهى: الباطل، وأصله ما تسميه العامة مخاطة الشيطان، وهو لعاب الشمس عند الظهيرة ، قال فيه أبو النجم العجلي : وقام ميزان الزمان فاعتدل وذاب للشمس لعاب فنزل اللسان ( سهم ) . (٣) في ط : عصفت . في الكامل لابن الأثير (٣٨٠/٤) : تركت على عثمان تبكي حلائله . (٤) ١٤٢ أحداث سنة ٧٥ هـ ثم قال الحجاج : إني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين ، ثم قال قم إليه يا حرسي فاضرب عنقه ، فقام إليه رجل فضرب عنقه ، وأنهب ماله ، وأمر منادياً فنادى في الناس ألا إن عمير بن ضابىء تأخر بعد سماع النداء ثلاثاً فأمر بقتله ، فخرج الناس حتى ازدحموا على الجسر فعبر عليه في ساعة واحدة أربعة آلاف من مذحج ، وخرجت معهم العرفاء حتى وصلوا بهم إلى المهلّب ، وأخذوا منه كتاباً بوصولهم إليه ، فقال المهلّب : قدم العراق والله رجل ذكر ، اليوم قوتل العدو . ويروى أن الحجّاج لم يعرف عمير بن ضابىء حتى قال له عنبسة بن سعيد : أيها الأمير ! إن هذا جاء إلى عثمان بعدما قتل فلطم وجهه ، فأمر الحجاج عند ذلك بقتله . وبعث الحجاج الحكم بن أيوب الثقفي نائباً على البصرة من جهته ، وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله ، وأقر على قضاء الكوفة شريحاً، ثم ركب الحجاج إلى البصرة واستخلف على الكوفة أبا يعفور ، وولى قضاء البصرة لزرارة بن أوفى ، ثم عاد إلى الكوفة . وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ، وأقر عمه يحيى على نيابة المدينة ، وعلى بلاد خراسان أمية بن عبد الله . وفي هذه السنة وثب الناس بالبصرة على الحجاج ، وذلك أنه لما ركب من الكوفة بعد قتل عمير بن ضابىء قام في أهل البصرة فخطبهم نظير ما قام في أهل الكوفة من الوعيد والتشديد والتهديد الأكيد ، ثم أُتي برجل من بني يشكر(١) فقيل هذا عاص ، فقال الرجل : إن بي فتقاً وقد [ عذرني الله ] وعذرني بشر بن مروان ، وهذا عطائي مردود على بيت المال ، فلم يقبل منه وأمر بقتله فقتل ، ففزع أهل البصرة وخرجوا من البصرة حتى اجتمعوا عند قنطرة رامهرمز . وعليهم عبد الله بن الجارود ، وخرج إليهم الحجاج - وذلك في شعبان من هذه السنة - في أمراء الجيش من المصرين فاقتتلوا قتالاً شديداً ، وقتل أميرهم عبد الله بن الجارود في رؤوس من القبائل معه ، وأمر برؤوسهم فقطعت ونصبت عند الجسر من رامهرمز ، ثم بعث بها إلى المهلب فقوي بذلك وضعف أمير الخوارج . وأرسل الحجاج إلى المهلّب وعبد الرحمن بن مخنف فأمرهما بمناهضة الأزارقة ، فنهضا بمن معهما إلى الخوارج الأزارقة فأجلوهم عن أماكنهم من رامهرمز بأيسر قتال ، فهربوا إلى أرض كازرون من إقليم سابور ، وسار النار وراءهم فالتقوا في العشر الأواخر من رمضان ، فلما كان الليل بيَّت الخوارج المهلب من الليل فوجدوه قد تحصن بخندق حول معسكره ، فجاؤوا إلى عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه غير محترز - وكان المهلب قد أمره بالاحتراز بخندق حوله فلم يفعل - فاقتتلوا في الليل فقتلت الخوارج عبد الرحمن بن مخنف وطائفة من جيشه وهزموهم هزيمة منكرة . (١) في الكامل لابن الأثير (٤/ ٣٨٠): هو شريك بن عمرو اليشكري ، ولقب ذا الكُرْسُفة. ١٤٣ أحداث سنة ٧٥ هـ ويقال : إن الخوارج لما التقوا مع الناس في هذه الوقعة كان ذلك في يوم الأربعاء لعشرين بقين من رمضان ، فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يعهد مثله من الخوارج ، وحملت الخوارج على جيش المهلب بن أبي صفرة فاضطروه إلى معسكره ، فجعل عبد الرحمن يمده بالخيل بعد الخيل ، والرجال بعد الرجال ، فمالت الخوارج إلى معسكر عبد الرحمن بن مخنف بعد العصر فاقتتلوا معه إلى الليل ، فقتل عبد الرحمن في أثناء الليل ، وقتل معه طائفة كثيرة من أصحابه الذين ثبتوا معه ، فلما كان الصباح جاء المهلب فصلى عليه ودفنه وكتب إلى الحجاج بمهلكه ، فكتب الحجاج إلى عبد الملك يعزّيه فيه فنعاه عبد الملك إلى الناس بمنى ، وأمّر الحجاج مكانه عتاب بن ورقاء ، وكتب إليه أن يطيع المهلب ، فكره ذلك ولم يجد بداً من طاعة الحجاج ، ولم تمكنه مراجعته (١) ، فسار إلى المهلب فجعل لا يطيعه إلا ظاهراً ويعصيه سراً ، ثم تقاولا ، فهمَّ المهلب أن يوقع بعتاب ثم حجز بينهما الناس ، فكتب عتاب إلى الحجاج يشكو المهلب فكتب إليه أن يقدم عليه وأعفاه من ذلك ، وجعل المهلب مكانه ابنه حبيب بن المهلب(٢) . وفيها خرج داود بن النعمان المازني بنواحي البصرة ، فوجه إليه الحجاج أميراً على سرية فقتله (٣) قال ابن جرير(٤) : وفي هذه السنة تحرك صالح بن مسرّح أحد بني امرىء القيس ، وكان يرى رأي الصُّفْريةُ(٥) ، وقيل إنه أول من خرج من الصفرية ، وكان سبب ذلك أنه حج بالناس في هذه السنة ومعه شبيب بن يزيد ، والبَطين وأشباهُهم من رؤوس الخوارج ، واتفق حجُّ أمير المؤمنين عبد الملك فهمَّ شبيب بالفتك به ، فبلغ عبد الملك ذلك من خبره ؛ فكتب عبد الملك إلى الحجاج بعد انصرافه من الحج أن يتطلبهم ، وكان صالح بن مسرّح هذا يكثر الدخول إلى الكوفة والإقامة بها ، وكان له جماعة [ يلوذون به ويعتقدونه ] ، من أهل دارا وأرض الموصل ، وكان يعلّمهم القرآن ويقصُّ عليهم ، وكان مصفراً كثير العبادة ، وكان إذا قصَّ يحمد الله ويثني عليه ويصلي على رسوله ، ثم يأمر بالزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة ، ويحثّ على ذكر الموت ويترحّم على الشيخين أبي بكر وعمر ، ويثني عليهما ثناءً حسناً ، ولكن بعد ذلك يذكر عثمان رضي الله عنه فيسبُه وينال منه وينكر عليه أشياء من جنس ما كان ينكر عليه الذين خرجوا عليه وقتلوه من مردة أهل الأمصار ، ثم يحضّ أصحابه على الخروج مع الخوارج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإنكار ما قد شاع في الناس وذاع ، ويهوّن عليهم القتل في طلب ذلك ، ويذم الدنيا (١) مكانها في ط : وكره أن يخالفه . (٢) الخبر بكامله في الطبري (٢١٠/٦ _ ٢١٥) وابن الأثير (٣٨٨/٤ - ٣٩٠). (٣) خبر خروج داود بن النعمان زيادة من ط ، والخبر من تاريخ خليفة (٣٤٨/١) ت : سهيل زكار . (٤) تاريخ الطبري (٢١٥/٦) . الصفرية : هم أتباع زياد بن الأصفر ، وقولهم في الجملة كقول الأزارقة ؛ في أن أصحاب الذنوب مشركون ، وكل (٥) ذنب ليس فيه حد ، وأن المؤمن المذنب بفقد اسم الإيمان في الوجهين جميعاً . والصفرية يقولون بموالاة عبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير وأتباعهما من المحكمة الأولى . الفرق بين الفرق ( ص٦١). ١٤٤ وفيات سنة ٧٥هـ ذماً بالغاً ، ويصغر أمرها ويحقره ، فالتفت عليه جماعة من الناس ، وكتب إليه شبيب بن يزيد الخارجي يستبطئه في الخروج ويحثه عليه ويندب إليه ، ثم قدم شبيب على صالح وهو بدارا فتواعدوا وتوافقوا على الخروج في مستهل صفر من هذه السنة الآتية - وهي سنة ست وسبعين - [ وقدم على صالح شبيب وأخوه مصاد والمحلل(١) والفضل بن عامر ، فاجتمع عليه من الأبطال وهو بدارا نحو مئة وعشرة أنفس ، ثم وثبوا على خيل لمحمد بن مروان فأخذوها ونفروا بها (٢) ثم كان من أمرهم بعد ذلك ما كان ، كما سنذكره في هذه السنة التي بعدها إن شاء الله تعالى . وكان ممن توفي في هذه السنة في قول أبي مسهر وأبي عبيد : العرباض بن سارية (٣) ، رضي الله عنه السّلمي أبو نجيح ، سكن حمص وهو صحابي جليل . أسلم قديماً هو وعمرو بن عبسة ونزل الصفة . وكان من البكائين المذكورين في القرآن كما قد ذكرنا أسماءهم عند قوله ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوََّ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُمَا أَحِلُكُمْ عَّهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُُهُمْ نَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ﴾ [ التوبة: ٩٢] الآية. وكانوا تسعة(٤) وهو راوي حديث ((خطبنا رسول الله وص له خطبة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون حتى قلنا: يا رسول الله ؛ كأنها موعظة مودِّع، فأوصنا. قال: (( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة .... )(٥) . (١) في الطبري (٢١٩/٦) : المحلل بن وائل اليشكري . (٢) ما بين معكوفين زيادة من ط . (٣) ترجمة - العرباض بن سارية - في طبقات ابن سعد (٢٧٦/٤) والمعرفة والتاريخ (٣٤٤/٢ -٣٤٩) وحلية الأولياء (١٣/٢) والاستيعاب (١٦٦/٣) وأسد الغابة (١٩٢/٣) وتهذيب الكمال (٥٤٩/١٩ -٥٥١) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٤٨٣ - ٤٨٥) وسير أعلام النبلاء ( ٤١٩/٣ - ٤٢١) وتهذيب التهذيب (١٥٣/٧) والإصابة (٢/ ٤٧٣) وشذرات الذهب (٣١٣/١). (٤) قال المصنف رحمه الله في تفسيره (٢/ ٣٦٥): وقال محمد بن كعب : كانوا سبعة نفر من بني عمرو بن عوف سالم بن عوف ، ومن بني واقف حرمي بن عمرو ، ومن بني مازن بن النجار عبد الرحمن بن كعب ويكنى أبا ليلى ، ومن بنى المعلى فضل الله ، ومِن بني مسلمة عمرو بن عتمة وعبد الله بن عمرو المزني . وقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك : ثم إن رجالًا من المسلمين أتوا رسول الله وَ ي وهم الباقون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير وعلية بن زيد أخو بني حارثة ، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة ، وعبد الله بن المغفل المزني ، وبعض الناس يقول : بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وحرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعياض بن سارية الفزاري فاستحملوا رسول الله وَلاقه وكانوا أهل حاجة . (٥) من قوله : حتى قلنا يا رسول الله ... إلى هنا ساقط من ط. ١٤٥ وفيات سنة ٧٥هـ ورواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وغيره(١) . [وروى أيضاً أن النبي وَّير ((كان يصلي على الصف المقدم ثلاثاً وعلى الثاني واحدة)(٢) وقد كان العرباض شيخاً كبيراً ، وكان يحب أن يقبضه الله إليه ، وكان يدعو : اللهم كبرت سني ووهن عظمي فاقبضني إليك(٣)، وروى أحاديث. وأبو ثعلبة الخشني(٤) ، صحابي جليل ، شهد بيعة الرضوان وغزا حنيناً وكان ممن نزل الشام بداريا [ غربي دمشق إلى جهة القبلة ] وقيل : ببلاط قرية شرقي دمشق ، فالله أعلم. وقد اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة ، والأشهر منها جرثوم بن ناشر . وقد روى عن رسول الله وَ ل أحاديث [ وعن جماعة من الصحابة ] وعنه جماعة من التابعين، منهم: سعيد بن المسيب ، ومكحول الشامي ، وأبو إدريس الخولاني ، وأبو قلابة الجرمي ، وكان ممن يجالس كعب الأحبار ، وكان في كل ليلة يخرج فينظر إلى السماء فيتفكر ثم يرجع إلى المنزل فيسجد لله عزَّ وجلَّ ، وكان يقول : إني لأرجو أن لا يخنقني الله عند الموت كما أراكم تختنقون ، فبينما هو ليلة يصلي من الليل إذ قبضت روحه وهو ساجد . ورأت ابنته في المنام كأن أباها قد مات فانتبهت مذعورة فقالت لأمها أين أبي ؟ قالت : هو في مصلاه ، فنادته فلم يجبها ، فجاءته فحركته لجنبه فإذا هو ميت رحمه الله(٥). قال أبو عبيدة ومحمد بن سعد وخليفة وغير واحد : كانت وفاته سنة خمس وسبعين ، وقال غيرهم : كانت وفاته في أول إمرة معاوية ، فالله أعلم . وقد توفي في هذه السنة . الأسود بن يزيد(٦) ، صاحب ابن مسعود ، [ وهو الأسود بن يزيد النخعي من كبار التابعين ، ومن (١) مسند الإمام أحمد (١٢٦/٤-١٢٧) وجامع الترمذي رقم (٢٦٧٦) في العلم، وسنن أبي داود ( ٤٦٠٧) في السنة، وسنن ابن ماجه (٤٢) في المقدمة، وسنن الدارمي (٤٤/١) وهو حديث صحيح. (٢) الحديث أخرجه أحمد في مسنده (١٢٨/٤)، وابن ماجه (٩٩٦) في الصلاة ، والنسائي في سننه رقم (٨١٦) في الأذان وهو حديث صحيح . (٣) الخبر بسنده في سير أعلام النبلاء ( ٤٢١/٣). ترجمة - أبي ثعلبة الخشني - في طبقات ابن سعد (٤١٦/٧) والاستيعاب (٢٧/٤) وتاريخ الطبري (١٦/١) (٤) وأسد الغابة (١٥٤/٥ - ١٥٥) وتهذيب الكمال (١٦٧/٣٣ - ١٧٥) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠٪ ص٥٤٧) وسير أعلام النبلاء (٢/ ٥٦٧) وشذرات الذهب (٣١٣/١) والخشني: بضم الخاء وفتح الشين ، نسبة إلى خشين بن النمر بن وبرة. ( اللباب ١/ ٣٧٤). (٥) القصة بسندها في تهذيب الكمال ( ١٧٤/٣٣) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ -٨٠/ ص٥٤٨). (٦) ترجمة - الأسود بن يزيد - في طبقات ابن سعد (٦/ ٧٠) وتاريخ خليفة (٢٧٥) وحلية الأولياء (١٠٢/٢) والاستيعاب (٩٤/١) وأسد الغابة (٨٨/١) وتهذيب الكمال (٢٣٣/٣) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ -= ١٤٦ أحداث سنة ٧٦ هـ أعيان أصحاب ] ابن مسعود ، ومن كبار أهل الكوفة ، وكان يصوم الدهر ، وقد ذهبت عينه من كثرة الصوم ، وقد حج البيت ثمانين حجة وعمرة . وكان يهل من الكوفة . توفي في هذه السنة . وكان يصوم حتى يخضر ويصفر ، فلما احتُضر بكى فقيل له : ما هذا الجزع ؟ فقال : ما لي لا أجزع ؟ ومن أحق بذلك مني ؟ والله لو أنبئت بالمغفرة من الله لأهابن الحياء منه مما قد صنعت ، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو فلا يزال مستحيياً منه (١). حمران بن أبان (٢) ، مولى عثمان بن عفان كان من سبي عين التمر(٣) اشتراه عثمان، وهو الذي كان يأذن الناس على عثمان توفي في هذه السنة والله سبحانه أعلم . ثم دخلت سنة ست وسبعين كان في أولها في مستهل صفر منها ليلة الأربعاء اجتماع صالح بن مسرّح أمير الصّفرية ، وشبيب بن يزيد أحد شجعان الخوارج ، فقام فيهم صالح بن مسرّح فأمرهم بتقوى الله وحثّهم على الجهاد ، وأن لا يقاتلوا أحداً حتى يدعوه إلى الدخول معهم ، ثم مالوا إلى دواب محمد بن مروان نائب الجزيرة فأخذوها فتقووا٥) بها ، وأقاموا بأرض دارا ثلاث عشرة ليلة ، وتحصّن منهم أهل دارا ونصيبين وسنجار ، فبعث إليهم محمد بن مروان نائب الجزيرة خمسمئة فارس عليهم عدي بن عدي بن عَميرة ، ثم زاده خمسمئة أخرى فسار في ألفٍ من حَرَّان إليهم ، وكأنما يساق إلى الموت وهو ينظر ، لما يعلموا من جلد الخوارج وقوتهم وشدة بأسهم ، فلما التقوا مع الخوارج هزمتهم الخوارج هزيمة شنيعة بليغة ، واحتووا على ما في معسكرهم ، ورجع فلّهم إلى محمد بن مروان ، فغضب وبعث إليهم ألفاً وخمسمئة مع الحارث بن جَعْوَنة ، وألفاً وخمسمئة مع خالد بن جزء السُّلَمي (٦) ، وقال لهما : أيكما سبق إليهم فهو ٨٠/ ص٣٥٩) وسير أعلام النبلاء (٥٠/٤) والإصابة (١٠٦/١). وشذرات الذهب (٣١٣/١). = (١) القصة بسندها في تاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢). ترجمة - حمران بن أبان - في طبقات ابن سعد (٢٨٣/٥) وتاريخ خليفة (١٧٩) والمعارف (٤٣٥) وتاريخ دمشق (٢) لابن عساكر (٣٠١/٧ -٣٠٦) وتهذيبه (٤٣٨/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٣٩٥ - ٣٩٧) وسير أعلام النبلاء (١٨٢/٤) والوافي بالوفيات (١٦٨/١٣ - ١٦٩) وتهذيب التهذيب (٢٤/٣ - ٢٥) والإصابة (٣٧٩/١) . عين التمر : بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة . معجم البلدان (٤/ ١٧٦ ). (٣) (٤) من قوله في الترجمة السابقة : ومن كبار أهل الكوفة .. إلى هنا زيادة من ط. (٥) في ط : فنفروا ؛ تحريف . (٦) في ط: خالد بن الحر؛ وما أثبت موافق للطبري (٢٢١/٦) وابن الأثير (٣٩٥/٤). ١٤٧ أحداث سنة ٧٦ هـ الأمير على الناس ، [ فساروا إليهم في ثلاثة آلاف مقاتل ، والخوارج في نحو من مئة نفس وعشرة أنفس }(١) فانتهيا إليه وهو بآمد ، فتوجه صالح في شطر الناس إلى خالد بن جزء ، ووجه شبيباً الحارث بن جَعْوَنة في الباقين ، فاقتتل الناس قتالاً شديداً إلى الليل ، فلما كان المساء انكشف كل من الفريقين عن الآخر ، وقد قتل من الخوارج نحو السبعين وقتل من أصحاب ابن مروان نحو الثلاثين ، وهربت الخوارج في اللّيل فخرجوا من الجزيرة وأخذوا في أرض الموصل ومضوا حتى قطعوا الدسكرة ، فبعث إليهم الحجاج ثلاثة آلاف مع الحارث بن عميرة ، فسار نحوهم حتى لحقهم بأرض الموصل(٢) وليس مع صالح سوى تسعين رجلاً ، فالتقى معهم وقد جعل صالح أصحابه ثلاثة كراديس ، فهو في كردوس ، وشبيب عن يمينه في كردوس ، وسويد بن سليمان(٣) عن يساره في كردوس ، وحمل عليهم الحارث بن عميرة ، وعلى ميمنته أبو الرواع الشاكري ، وعلى ميسرته الزبير بن الأروَح التميميّ ، فصبرت الخوارج على قتلهم صبراً شديداً ، ثم انكشف سويد بن سليمان ، ثم قتل صالح بن مُسرِّح أميرهم ، وصرع شبيب عن فرسه فالتف عليه بقية الخوارج حتى احتملوه فدخلوا به حصناً هنالك ، وقد بقي معهم سبعون رجلاً ، فأحاط بهم الحارث بن عميرة وأمر أصحابه أن يحرقوا الباب ففعلوا ، ورجع الناس إلى معسكرهم ينتظرون حريق الباب فيأخذون الخوارج قهراً ، فلما رجع الناس واطمأنوا خرجت عليهم الخوارج على الصعب والذلول من الباب فبيَّتوا جيش الحارث بن عميرة فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وهرب الناس سراعاً إلى المدائن ، واحتاز شبيب وأصحابه ما في معسكر الحارث بن عميرة ، وكان أول جيش هزمه شبيب ، وكان مقتل صالح بن مسرح في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة٤) من هذه السنة . وفيها دخل شبيب الكوفة ومعه زوجته غزالة ، وذلك أن شبيباً جرت له فصول يطول تفصيلها بعد مقتل صالح بن مسرِّح ، واجتمعت عليه الخوارج وبايعوه ، وبعث إليه الحجاج جيشاً آخر فقاتلوه فهزموه ثم هزمهم بعد ذلك ، ثم سار فحاصر المدائن فلم ينل منها شيئاً ، فسار فأخذ دواباً للحجاج من كلواذا ، وفي عزمه أن يبيِّت أهل المدائن فهرب من فيها من الجند إلى الكوفة ، فلما وصل فلّهم إلى الحجاج جهز جيشاً أربعة آلاف مقاتل إلى شبيب ، فمروا على المدائن ثم ساروا في طلب شبيب فجعل يسير بين أيديهم قليلاً قليلاً وهو يريهم أنه خائف منهم ، ثم يكر في كل وقت على المقدمة فيكسرها وينهب ما فيها ، ولا يواجه أحداً إلا هزمه ، والحجاج يلُ في طلبه ويجهز إليه السرايا والبعوث والمدد وهو لا يبالي بأحد وإن ما معه ما بين معكوفين زيادة من ط . (١) في تاريخ الطبري (٢٢٢/٦) وابن الأثير (٣٩٦/٤) في قرية المدبّج على تخوم ما بين الموصل وجوخى . (٢) (٣) هكذا في الأصل في الموضعين، وفي تاريخ الطبري: ((سويد بن سليم)) وهو الأصوب. وسيأتي بعد صفحات أيضاً (ص١٥٣) وسماه: ((سويد بن سليم)). (٤) في تاريخ الطبري (٢٢٣/٦) جمادى الأولى . ١٤٨ أحداث سنة ٧٦ هـ مئة وستون فارساً ، وهذا من أعجب العجب ، ثم سار من طريق أخرى حتى واجه الكوفة وهو يريد أن يحاصرها ، فخرج الجيش بكماله إلى السبخة لقتاله ، وبلغه ذلك فلم يبال بهم بل انزعج الناس له وخافوا منه وفرقوا منه وهموا أن يدخلوا الكوفة خوفاً منه ويتحصنوا منه ، حتى قيل لهم إن سويد بن عبد الرحمن في آثارهم وقد اقترب منهم ، وشبيب نازل بالمدائن بالدير ليس عنده حبر منهم ولا خوف ، وقد أمر بطعام وشواء يصنع فقيل له : قد جاءك الجند فأدرك نفسك ، فجعل لا يلتفت إلى ذلك ولا يكترث بهم ويقول للدهقان الذي يصنع له الطعام : أجده وأنضجه وعجل به ، فلما استوى أكله ثم توضأ وضوءاً تاماً ، ثم صلى بأصحابه [ صلاة تامة بتطويل وطمأنينة ] ثم لبس درعه وتقلّد سيفين وأخذ عمود حديد ثم قال : أسرجوا لي البغلة ، فركبها فقال له أخوه مصاد : أفي هذا اليوم تركب البغلة وقد أحاط بك الأعداء من كل جانب فقال : لا ! حارس كل أمر أجله ، فركبها ثم فتح باب الدير الذي هو فيه وهو يقول : [ أنا أبو المدلّه ] لا حكم إلا لله، وتقدم إلى أمير الجيش الذي يليه بالعمود الحديد فقتله ، وهو سعيد بن المجالد ، وحمل على الجيش الآخر الكثيف فصرع أميره وهرب الناس من بين يديه ولجؤوا إلى الكوفة ، ومضى شبيب إلى الكوفة من أسفل الفرات ، وقتل جماعة هنالك ، وخرج الحجاج من الكوفة هارباً إلى البصرة ، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة ، ثم اقترب شبيب من الكوفة يريد دخولها ، فأعلم الدهاقين عروة بن المغيرة بذلك فكتب إلى الحجاج يعلمه بذلك فأسرع الحجاج الخروج من البصرة وقصد الكوفة فأسرع السير ، وبادره شبيب إلى الكوفة فسبقه الحجاج إليها فدخلها العصر(١) ، ووصل شبيب إلى المربد عند الغروب ، فلما كان آخر الليل دخل شبيب الكوفة وقصد قصر الإمارة فضرب بابه بعموده الحديد فأثّرت ضربته في الباب ، فكانت تعرف بعد ذلك ، يقال هذه ضربة شبيب ، وسلك في طرق المدينة وتقصد محال القبائل ، وقتل رجالاً من رؤساء أهل الكوفة وأشرافهم [ منهم أبو سليم والد ليث بن أبي سليم، وعدي بن عمرو ، وأزهر بن عبد الله العامري ، في طائفة كثيرة من أهل الكوفة ، وكان مع شبيب امرأته غزالة٢ً) ، وكانت معروفة بالشجاعة ، فدخلت مسجد الكوفة وجلست على منبره وجعلت تذم بني مروان (٣) ونادى الحجاج في الناس : يا خيل الله اركبي ، فخرج شبيب من الكوفة [ إلى مجال الطعن والضرب ] فجهز الحجاج في أثره ستة آلاف مقاتل ، فساروا وراءه [ وهو بين أيديهم ينعس ويهز رأسه ] وفي أوقات كثيرة يكرُّ عليهم شبيب ، فقتل من جيش الحجاج خلقاً كثيراً ، وقتل جماعة من الأمراء منهم زائدة بن قدامة ، قتله شبيب [ وهو ابن عم المختار ، فوجه الحجاج مكانه لحربه عبد الرحمن بن في تاريخ الطبري (٢٢٣/٦) ونزلها الحجاج صلاة الظهر . (١) (٢) قال ابن الأعثم في الفتوح ( ٧/ ٨٧ ) : ثم ركب شبيب وركب معه أصحابه ، وأقبل نحو الكوفة ومعه أمه ومعه امرأته غزالة من سبي أصفهان ، فأقبلت ومعها خمسون امرأة من نساء الخوارج . (٣) ما بين معكوفين زيادة من ط، وهي موافقة لما في تاريخ الطبري (٢٤١/٦ - ٢٤٢). ١٤٩ أحداث سنة ٧٦ هـ الأشعث(١) ، فلم يقابل شبيباً ورجع ، فوجه مكانه عثمان بن قطن الحارثي ، فالتقوا في أواخر السنة فقتل عثمان بن قطن وانهزمت جموعه بعد أن قتل من أصحابه ستمئة نفس ، فمن أعيانهم عقيل بن شداد السلولي ، وخالد بن نهيك الكندي ، والأسود بن ربيعة ، واستفحل أمر شبيب وتزلزل له عبد الملك بن مروان والحجاج وسائر الأمراء ، وخاف عبد الملك منه خوفاً شديداً ، فبعث له جيشاً من أهل الشام فقدموا في السنة الآتية ، وإن ما مع شبيب شرذمة قليلة ٢)، وقد ملأ قلوب الناس رعباً (٣) وجرت خطوب كثيرة يطول تفصيلها له معهم ، ولم يزل ذلك دأبه ودأبهم حتى انسلخت هذه السنة . قال ابن جرير(٤) : وفي هذه السنة نقش عبد الملك بن مروان على الدراهم والدنانير وهو أول من نقشها . وقال القاضي الماوردي في كتاب (( الأحكام السلطانية (٥) : اختُلِفَ في أول من ضربها بالعربية في الإسلام، فقال سعيد بن المسيِّب : أول من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان ، وكانت الدنانير رومية والدراهم كسروية . قال أبو الزناد : وكان ذلك في سنة أربع وسبعين(٦) وقال المدائني : خمس وسبعين ، وضربت في الآفاق سنة ست وسبعين(٧) ، وذكر أنه ضرب على الجانب الواحد منها : الله أحد ، وعلى الوجه الآخر الله الصمد . قال : وحكى يحيى بن النعمان الغفاري ، عن أبيه : أن أول من ضرب الدراهم مصعب بن الزبير عن أمر أخيه عبد الله بن الزبير ، سنة سبعين على ضرب الأكاسرة ، عليها بركة من جانب ، والله من جانب، ثم غيّرها الحجاج وكتب اسمه عليها من جانب(٨)، ثم خلصها بعده في تاريخ الطبري (٢٥٠/٦): عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث . (١) كان معه مئة وواحد وثمانون رجلاً. الطبري (٢١٥/٦) وابن الأثير (٤١٥/٤). (٢) ما بين معكوفين زيادة من ط ؛ وهي اختصار لما في تاريخ الطبري (٦/ ٢٥٠ - ٢٥٦). (٣) (٤) تاريخ الطبري (٢٥٦/٦) . (٥) الأحكام السلطانية ( ٢٤٢ -٢٤٤) ط : المكتب الإسلامي ١٩٩٦ م. في هامش أ : وسبب ذلك أنه وجد دراهم ودنانير تاريخها قبل الإسلام بأربعمئة سنة ، مكتوب عليها اسم الأب (٦) والابن وروح القدس ، فأمر عبد الملك بسكها ونقش عليها اسم الله ، وقيل : إنه كتب على الوجه الواحد : لا إله إلا الله، وعلى الآخر: محمد رسول الله (رَلي ). (٧) فى الأخبار الطوال (٣١٦): أمر عبد الملك بضرب الدراهم سنة ست وسبعين ، ثم أمر بعد ذلك بضرب الدنانير، وإنما كانت الدراهم والدنانير قبل ذلك مما ضربت العجم . (٨) قال البلاذري فى فتوح البلدان (٤٥٤) : عن أبي الزبير الناقد قال : ضرب الحجاج الدراهم البغلية ، وكتب عليها : بسم الله الحجاج ، ثم كتب عليها بعد سنة : الله أحد الله الصمد . فسميت : مكروهة ، ويقال : سميت السميرية بأول من ضربها واسمه سمير . ١٥٠ وفيات سنة ٧٦ هـ يوسف (١) بن هبيرة في أيام يزيد بن عبد الملك ، ثم خلصها أجود منها خالد بن عبد الله القسري في أيام هشام ، ثم يوسف بن عمر أجود منهم [ كلهم ] ، ولذلك كان المنصور لا يقبل منها إلا الهبيرية والخالدية واليوسفية ، وذكر أنه قد كان للناس نقود مختلفة منها الدراهم البغلية (٢) ، وكان الدرهم منها ثمانية دوانيق ، والطبرية [ وكان الدرهم منها أربعة دوانيق(٣)، واليمني دائق ، فجمع عمر بن الخطاب بين البغلي والطبري ] ثم أخذ بنصفها فجعل الدرهم الشرعي وهو نصف مثقال وخُمْسُ مثقال ، وذكروا أن المثقال لم يغيروا وزنه في جاهلية ولا إسلام ، وفي هذا نظر ، والله أعلم . وفيها ولد مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، وهو مروان الحمار آخر من تولى الخلافة من بني أمية بالشام . وفيها ولى عبد الملك بن مروان نيابة المدينة لأبان بن عثمان بن عفان ، وعزل عنها يحيى بن الحكم عمه ، واستدعاه إلى الشام(٤) . وفيها حج بالناس أبان بن عثمان بن عفان نائب المدينة ، وعلى إمرة العراق الحجاج وعلى خراسان أمية بن عبد الله ، والله أعلم . وممن توفي فيها من الأعيان : أبو عثمان النهدي القضاعي(٥)، اسمه عبد الرحمن بن مل، أسلم على عهد النبي وَّل وغزا جلولاء، والقادسية ، وتستر ، ونهاوند ، وأذربيجان وغيرهما . وكان كثير العبادة زاهداً عالماً يصوم النهار ويقوم اللّيل. (١) في فتوح البلدان : عمر . في أ : البغلي .. والبغلية دراهم أعجمية عرفت من العصر الجاهلي كانت ترد على أهل مكة من الفرس . فتوح (٢) البلدان (٤٥٢) ومقدمة ابن خلدون (٢٦٣). والطبرية : نسبة إلى مدينة طبرية ، وهي رومية كانت ترد بلاد العرب أيام الجاهلية أيضاً . الدوانيق: جمع دائَق - بفتح النون - وهو سدس الدرهم ، والكلمة فارسية ، وقد استعمله العرب أيام الجاهلية (٣) للدلالة على الوزن أو النقد . اللسان ( دنق ) . (٤) من قوله : وفيها ولى عبد الملك .. إلى هنا زيادة من ب، والخبر في تاريخ الطبري (٢٥٦/٦) وابن الأثير ( ٤ /٤١٨ ) . ترجمة - أبي عثمان النهدي ـ في طبقات ابن سعد ( ٧/ ٩٧ - ٩٨) وتاريخ خليفة (٣٢١) وطبقاته (٢٠٥) وتاريخ (٥) البخاري (٨٣/٩) والاستيعاب (٤٢٧/٢ -٤٢٩) وتاريخ بغداد (٢٠٢/١٠) وتاريخ دمشق (٤٦٠/٣٥) وأورد خبراً يذكر فيه وفاة أبي عثمان سنة مئة . وتهذيب الكمال (٤٢٤/١٧ - ٤٣٠) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص ٥٣٥ - ٥٣٦) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٧٥ - ١٧٨) وتهذيب التهذيب (٦/ ٢٧٧ - ٢٧٨) والإصابة (٩٨/٣ -٩٩) وشذرات الذهب (١١٨/١). وسترد ترجمته ثانية ضمن وفيات سنة مئة ، وقال الذهبي في تاريخه : قال الفلاس : توفي سنة خمس وتسعين . وقال المدائني ، وجماعة : توفي سنة مئة . فهو مختلف في سنة وفاته رضي الله عنه. ١٥١ وفيات سنة ٧٦هـ توفي وعمره مئة وثلاثين سنة بالكوفة . صلة بن أشيم العدوي(١) ، من كبار التابعين من أهل البصرة ، وكان ذا فضل وورع وعبادة وزهد ، كنيته أبو الصهباء ، كان يصلي حتى ما يستطيع أن يأتي الفراش إلا حبواً ، وله مناقب كثيرة جداً ، منها أنه كان يمر عليه شباب يلهون ويلعبون فيقول : أخبروني عن قوم أرادوا سفراً فحادوا في النهار عن الطريق وناموا اللّيل فمتى يقطعون سفرهم ؟ فقال لهم يوماً هذه المقالة ، فقال شاب منهم : والله يا قوم إنه ما يعني بهذا غيرنا ، نحن بالنهار نلهو ، وبالليل ننام . ثم تبع صلة فلم يزل يتعبد معه حتى مات . ومر عليه فتى يجر ثوبه فهمّ أصحابه أن يأخذوه بألسنتهم فقال : دعوني أكفكم أمره ، ثم دعاه فقال : يا بن أخي لي إليك حاجة ، قال : وما حاجتك ؟ قال أن ترفع إزارك ، قال : نعم ، ونعمت عين ، فرفع إزاره ، فقال صلة : هذا أمثل مما أردتم لو شتمتموه لشتمكم . ومنها ما حكاه جعفر بن زيد قال : خرجنا في غزاة وفي الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة فقلت لأرمقن عمله الليلة ، فدخل غيضة ودخلت في أثره فقام يصلي وجاء الأسد حتى دنا منه وصعدت أنا في شجرة ، قال : فتراه التفت أو عده جرواً حتى (٢) سجد فقلت : الآن يفترسه ، فجلس ثم سلّم فقال : أيها السبع إن كنت أُمرت بشيء فافعل وإلا فاطلب الرزق من مكان آخر ، فولى الأسد وإن له لزئيراً تصدع منه الجبال ، فلما كان عند الصباح جلس فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها ثم قال : اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ، أو مثلي يجترى أن يسألك الجنة . ثم رجع إلى الجيش فأصبح كأنه بات على الحشا ، وأصبحت وبي من الفترة شيء الله به عليم . قال : وذهبت بغلته بثقلها فقال : اللهم إني أسألك أن ترد عليّ بغلتي بثقلها ، فجاءت حتى قامت بين يديه ، قال : فلما التقينا العدو حمل هو وهشام بن عامر فصنعنا بهم طعناً وضرباً ، فقال العدو : رجلان من العرب صنعا بنا هذا فكيف لو قاتلونا كلهم ؟ أعطوا المسلمين حاجتهم - يعني انزلوا على حكمهم - وقال صلة : جعت مرة في غزاة جوعاً شديداً فبينما أنا أسير أدعو ربي وأستطعمه ، إذ سمعت وجبة من خلفي فالتفتُّ فإذا أنا بمنديل أبيض فإذا فيه دوخلة ملآنة رطباً فأكلت منه حتى شبعت ، وأدركني المساء فملت إلى دير راهب فحدثته الحديث ، فاستطعمني من الرطب فأطعمته ، ثم إني مررت على ذلك الراهب بعد زمان فإذا نخلات حسان فقال : إنهن لمن الرطبات التي أطعمتني ، وجاء بذلك المنديل إلى امرأته فكانت تريه للناس ، ولما أهديت معاذة إلى صلة أدخله ابن أخيه الحمام ثم أدخله بيت العروس بيتاً (١) ترجمة - صلة بن أشيم العدوي - في طبقات ابن سعد (٧/ ١٣٤) وتاريخ خليفة (٢٣٦) وتاريخ الطبري (٤٧٢/٥) وحلية الأولياء (٢٣٧/٢) وأسد الغابة (٣٤/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ -٨٠/ ص١٢٧) وسير أعلام النبلاء ( ٣/ ٤٩٧) والوافي بالوفيات (٣٣٠/١٦) والإصابة (٢٠٠/٢). (٢) في تاريخ الإسلام : أفتراه التفت إليه أو اعتدّ به حتى سجد . ١٥٢ أحداث سنة ٧٧ هـ مطيباً ، فقام يصلي فقامت تصلي معه ، فلم يزالان يصليان حتى برق الصبح ، قال : فأتيته فقلت له : أي عم أهديت إليك ابنة عمك الليلة فقمت تصلي وتركتها ؟ قال : إنك أدخلتني بيتاً أول النهار أذكرتني به النار ، وأدخلتني بيتاً آخر النهار أذكرتني به الجنة ، فلم تزل فكرتي فيهما حتى أصبحت ، البيت الذي أذكره به النار هو الحمام ، والبيت الذي أذكره به الجنة هو بيت العروس . وقال له رجل : ادع الله لي : فقال رغَّبك الله فيما يبقى ، وزهدك فيما يفنى ، ورزقك اليقين الذي لا يركن إلا إليه ، ولا يعول في الدين إلا عليه . وكان صلة في غزاة ومعه ابنه فقال له : أي بني تقدم فقاتل حتى أحتسبك ، فحمل فقاتل حتى قتل ، ثم تقدم صلة فقاتل حتى قتل ، فاجتمع النساء عند امرأته معاذة العدوية فقالت : إن كنتن جئتن لتهنينني فمرحباً بكن ، وإن كنتن جئتن لتعزيني فارجعن ، توفي صلة في غزاة هو وابنه نحو بلاد فارس في هذه السنة(١) . زهير بن قيس البلوي (٢) ، شهد فتح مصر وسكنها ، له صحبة ، قتلته الروم ببرقة من بلاد المغرب ، وذلك أن الصريخ أتى الحاكم بمصر وهو عبد العزيز بن مروان أن الروم نزلوا برقة ، فأمره بالنهوض إليهم ، فساق زهير ومعه أربعون نفساً فوجد الروم فأراد أن يكف عن القتال حتى يلحقه العسكر ، فقالوا : يا أبا شداد احمل بنا عليهم ، فحملوا فقتلوا جميعاً . المنذر بن الجارود(٣): مات في هذه السنة. تولى بيت المال ووفد على معاوية، والله أعلم(٤). ثم دخلت سنة سبع وسبعين فيها أخرج الحجاج مقاتلة أهل الكوفة وكانوا أربعين ألفاً ، وانضاف إليهم عشرة آلاف ، فصاروا خمسين ألفاً ، وأمَّر عليهم عتّاب بن ورقاء وأمره أن يقصد لشبيب بن يزيد ، وأن يصمم على قتاله وكانوا (١) في تاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٦١ - ٨٠/ ص١٣٠) قال الذهبي بعد أن سرد قصة قتل صلة : قلت : وذلك سنة اثنتين وستين !. (٢) ترجمة - زهير بن قيس البلوي - في تاريخ خليفة (٢٥١) وفتوح البلدان للبلاذري ( ٣٧٠) والمعرفة والتاريخ (٥١٢/٢) وتاريخ دمشق (١١٢/١٩ - ١١٦) وتهذيبه (٣٩٦/٥) والمنتظم (١٨٤/٦) وتهذيب الكمال (٤٤٩/٩) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٤٠٤) والإصابة (٥٥٥/١) وتهذيب التهذيب (٣٦١/٣) . (٣) ترجمة - المنذر بن الجارود - في تاريخ خليفة (٢٣٦) وفتوح البلدان (٣٥٨) والأخبار الطوال (٢٣١) وتاريخ دمشق (٢٨١/٦٠ - ٢٨٦) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠/ ص٥٢٩) وفيه : قتل في خلافة عمر بفارس . والإصابة ( ٣/ ٤٨٠). (٤) التراجم الثلاث السابقة ساقطة من أ ، ب . ١٥٣ أحداث سنة ٧٧هـ قد تجمعوا ألف رجل(١) - وأن لا يفعلوا كما كانوا يفعلون قبلها من الفرار والهزيمة ، ولما بلغ شبيباً ما بعث به الحجاج إليه من [ العساكر ] والجنود، [ لم يعبأ بهم شيئاً. بل ] قام في أصحابه خطيباً فوعظهم وذكرهم وحثهم على الصبر عند اللقاء ومناجزة الأعداء ، ثم سار شبيب بأصحابه نحو عتَّاب بن ورقاء ، فالتقيا في آخر النهار عند غروب الشمس ، فأمر شبيب مؤذنه سَلام بن يسار(٢) الشيباني فأذن [ المغرب ] ثم صلى شبيب بأصحابه المغرب ( صلاة تامة الركوع والسجود ] وصفَّ عَتّاب أصحابه - وكان قد خندق [ حوله و ] حول جيشه من أول النهار - فلما صلى شبيب بأصحابه المغرب انتظر حتى طلع القمر وأضاء ثم تأمل (٣) الميمنة والميسرة ثم حمل على أصحاب رايات عتاب وهو يقول : أنا شبيب أبو المدلّه لا حكم إلا لله ، فهزمهم وقتل أميرهم قبيصة بن والق وجماعة من الأمراء معه ، ثم كَرّ على الميمنة وعلى الميسرة ففرق شمل كل واحدة منهما ، ثم قصد القلب فما زال حتى قتل الأمير عَتّاب بن ورقاء وزُهْرة بن حَويَّةٍ ، وولَّى عامة الجيش مُدْبرين وداسوا الأمير عّاب وزُهرة فوطئته الخيل . وقتل في المعركة عَمّار بن يزيد الكلبي . ثم قال شبيب لأصحابه : لا تتبعوا منهزماً ، وانهزم جيش الحجاج عن بكرة أبيهم راجعين إلى الكوفة ، وكان شبيب لما احتوى على المعسكر أخذ ممن بقي منهم البيعة له بالإمارة وقال لهم إلى أي ساعة تهربون ؟ ثم احتوى على ما في المعسكر من الأموال والحواصل ، واستدعى بأخيه مصاد من المدائن ، ثم قصد نحو الكوفة . وقد وفد إلى الحجاج سفيان بن الأبرد الكلبي وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي من مذحج في ستة آلاف فارس ومعهما خلق من أهل الشام ، فاستغنى الحجاج بهم عن نصرة أهل الكوفة ، وقام في الناس خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أهل الكوفة لا أعز الله من أراد بكم العز ، ولا نصر من أراد بكم النصر ، اخرجوا عنا فلا تشهدوا معنا قتال عدونا ، الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود والنصارى ، فلا يقاتلن معنا إلا من كان عاملاً لنا ، ومن لم يشهد قتال عَتّاب بن وَرْقاء ، وعزم الحجاج على قتال شبيب بنفسه وسار شبيب حتى بلغ الصراة ، وخرج إليه الحجاج بمن معه من الشاميين وغيرهم ، فلما تواجه الفريقان نظر الحجاج إلى شبيب وهو في ستمئة من أصحابه فخطب الحجاج أهل الشام وقال : يا أهل الشام أنتم أهل السمع والطاعة والصبر واليقين ، لا يغلبن باطل هؤلاء الأرجاس حقكم ، غضوا الأبصار واجئوا على الركب ، واستقبلوا بأطراف الأسنة . ففعلوا ذلك ، وأقبل شبيب وقد عبَّأ أصحابه ثلاث فرق ، واحدة معه ، وأخرى مع سويد بن سُليم ، وأخرى مع المحلل بن وائل . وأمر شبيب سويداً أن يحمل فحمل على جيش الحجاج فصبروا له حتى إذا دنا منهم وثبوا إليه وثبة واحدة فانهزم (١) في الطبري (٢٥٧/٦) وابن الأثير (٤١٩/٤): ثمانمئة رجل . (٢) في الطبري (٦/ ٢٦٣): سَيّار. (٣) في أ: ثم قاتل ، وما هنا أقرب لخبر الطبري وابن الأثير . ١٥٤ أحداث سنة ٧٧ هـ عنهم ، فنادى الحجاج : يا أهل السمع والطاعة هكذا فافعلوا ، ثم أمر الحجاج فقدم كرسيه الذي هو جالس عليه إلى الأمام ، ثم أمر شبيب المحلل أن يحمل فحمل فثبتوا له وقدم الحجاج كرسيه إلى أمام ، ثم إن شبيباً حمل عليهم في كتيبته فثبتوا له حتى إذا غشى أطراف الرماح(١) وثبوا في وجهه فقاتلهم طويلاً ، ثم إن أهل الشام طاعنوه قُدُما٢ً) حتى ألحقوه بأصحابه ، فلما رأى صبرهم نادى : يا سويد احمل في خيلك على أهل هذه السكة(٣) لعلك تزيل أهلها عنها فأت الحجاج من ورائه ، ونحمل نحن عليه من أمامه . فحمل فلم يفد ذلك شيئاً ، وذلك أن الحجاج كان قد جعل عروة بن المغيرة بن شعبة في ثلاثمئة فارس ردءاً له من ورائه لِئلا يؤتوا من خلفهم ، وكان الحجاج بصيراً بالحرب أيضاً ، فعند ذلك حرّض شبيب أصحابه على الحملة وأمرهم بها ففهم ذلك الحجاج ، فقال : يا أهل السمع والطاعة اصبروا لهذه الشدة الواحدة ، ثم وربِّ السماء والأرض ما شيء دون الفتح ، فجثوا على الركب وحمل عليهم شبيب بجميع أصحابه ، فلما غشيهم نادى الحجاج بجماعة الناس فوثبوا في وجهه ، فما زالوا يطعنون ويطعنون وهم مستظهرون على شبيب وأصحابه حتى رَدّوهم عن مواقفهم إلى ما وراءها ، فنادى شبيب في أصحابه يا أولياء الله الأرض الأرض ، ثم نزل ونزلوا ونادى الحجاج يا أهل الشام يا أهل السمع والطاعة ، هذا أول النصر والذي نفسي بيده ، وصعد مسجداً هنالك وجعل ينظر إلى الفريقين ، ومع شبيب نحو عشرين رجلاً معهم النبل(٤)، واقتتل الناس [ قتالاً شديداً ] عامة النهار من أشد قتال في الأرض ، حتى أقر كل واحد من الفريقين لصاحبه ، والحجاج ينظر إلى الفريقين من مكانه ، ثم إن خالد بن عَّاب استأذن الحجاج في أن يركب في جماعة فيأتي الخوارج من خلفهم ، فأذن له ، فانطلق في جماعة معه نحو من أربعة آلاف ، فدخل عسكر الخوارج من ورائهم فقتل مصاداً أخا شبيب ، وغزالة امرأة شبيب ، قتلها رجل يقال له فروة بن الدفان الكلبي(٥) ، وخرق في جيش شبيب ، ففرح بذلك الحجاج وأصحابه وكبروا ، وانصرف شبيب وأصحابه كل منهم على فرس ، فأمر الحجاج أن ينطلقوا في تطلبهم ، فشدوا عليهم فهزمومهم ، وتخلف شبيب في حامية الناس ، ثم انطلق واتبعه الطلب فجعل ينعس وهو على فرسه حتى يخفق برأسه ، ودنا منه الطلب فجعل بعض أصحابه ينهاه عن النعاس في هذه الساعة فجعل لا يكترث بهم ويعود فيخفق رأسه ، فلما طال ذلك بعث الحجاج إلى أصحابه يقول : دعوه في حرق النار٦ُ) ، فتركوه ورجعوا . (١) في ط : الأسنة، وما أثبت من أوالطبري (٦/ ٢٧٠). ساقطة من أ ، ط ، واللفظة غير واضحة في ب ، وما أثبت عن الطبري . (٢) (٣) في ط : السرية ، وما أثبتت عن أ ، وزاد الطبري : سِكَّة لحّام جرير . في الطبري (٢٧١/٦): وصعد المسجد معه - أي مع الحجاج - نحو من عشرين رجلاً معهم النبل ، فقال : إن دنوا (٤) منا فارشقوهم . في أ، ط : دقاق ؛ تحريف ، وما هنا عن ب والطبري . (٥) (٦) في الطبري (٦/ ٢٧١) : فبعث الحجاج إلى خيله : أن دعوه في حرق الله وناره ؛ فتركوه ورجعوا . ١٥٥ مقتل شبيب بن يزيد ثم دخل الحجاج الكوفة فخطب الناس فقال في خطبته . إن شبيباً لم يهزم قبلها ، ثم قصد شبيب الكوفة فخرجت إليه سرية من جيش الحجاج فالتقوا يوم الأربعاء فلا زالوا يتقاتلون إلى يوم [ الجمعة وكان على سرية الحجاج الحارث بن معاوية الثقفي في ألف فارس معه ، فحمل شبيب على الحارث بن معاوية فكسره ومن معه ، وقتل منهم طائفة ، ودخل الناس الكوفة هاربين ، وحصن الناس السكك فخرج إليه أبو الورد مولى الحجاج في طائفة من الجيش فقاتل حتى قتل ، ثم هرب أصحابه ودخلوا الكوفة ، ثم خرج إليه أمير آخر فانكسر أيضاً ، ثم سار شبيب بأصحابه نحو السواد فمروا بعامل الحجاج على تلك البلاد فقتلوه ، ثم خطب أصحابه وقال : اشتغلتم بالدنيا عن الآخرة ، ثم رمى بالمال في الفرات ، ثم سار بهم حتى افتتح بلاداً كثيرة ولا يبرز له أحد إلا قتله ، ثم خرج إليه بعض الأمراء الذين على بعض المدن فقال له : يا شبيب ابرز إليّ وأبرز إليك، - وكان صديقه - فقال له شبيب: إني لا أحب قتلك ، فقال له : لكني أحب قتلك ، فلا تغرنك نفسك وما تقدم من الوقائع ، ثم حمل عليه فضربه شبيب على رأسه فهمس رأسه حتى اختلط دماغه بلحمه وعظمه ، ثم كفنه ودفنه ، ثم إن الحجاج أنفق أموالاً كثيرة على الجيوش والعساكر في طلب شبيب فلم يطيقوه ولم يقدروا عليه ، وإنما سلط الله عليه موتاً قدراً من غير صنعهم ولا صنعه في هذه السنة ]١) . مقتل شبيب في هذه السنة عند ابن الكلبي وكان سبب ذلك أن الحجاج كتب إلى نائبه على البصرة - وهو الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل وهو زوج ابنة الحجاج - يأمره أن يجهز جيشاً أربعة آلاف يتطلبون شبيباً ، ويكونون تبعاً لسفيان بن الأبرد [ ففعل وانطلقوا في طلبه فالتقوا معه . وكان ابن الأبرد معه خلق من أهل الشام ، فلما وصل جيش البصرة إلى ابن الأبرد التقوا معه جيشاً واحداً هم وأهل الشام ، ثم ساروا إلى شبيب ]٢) فالتقوا به فاقتتلوا قتالاً شديداً وصبر كل من الفريقين لصاحبه ، ثم عزم أصحاب الحجاج فحملوا على الخوارج [ حملة منكرة والخوارج قليلون ] ففروا بين أيديهم ذاهبين حتى اضطروهم إلى جسر هناك ؛ فوقف عنده شبيب في مئة من أصحابه ، وعجز سفيان بن الأبرد عن مقاومته ، ورده شبيب عن موقفه هذا بعد أن تقاتلوا نهاراً طويلاً كاملاً عند أول الجسر أشد قتال يكون ، ثم أمر ابن الأبرد أصحابه فرشقوهم بالنبال رشقاً واحداً ، ففرت الخوارج ثم كرت على الرماة فقتلوا نحواً من ثلاثين رجلاً [ من أصحاب ابن الأبرد]، وجاء الليل بظلامه فكف الناس بعضهم عن بعض ، وبات كل من الفريقين مصراً على مناهضة الآخر ، فلما طلع الفجر عبر شبيب وأصحابه على الجسر ، فبينما شبيب على متن الجسر راكباً على حصان له وبين يديه فرس أنثى إذ نزا حصانه عليها وهو على الجسر فنزل حافر فرس شبيب على حرف السفينة فسقط في الماء ، (١) ما بين معكوفين زيادة من ط ، وهي اختصار لما في الطبري ، ومكانها في أ : سارت الخوارج هاربين . (٢) ما بين معكوفين زيادة من ط . ١٥٦ مقتل شبيب بن يزيد فقال: ﴿لِيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢ ]ثم انغمر في الماء ثم ارتفع وهو يقول: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦ ]فغرق . فلما تحققت الخوارج سقوطه في الماء كبروا وانصرفوا ذاهبين متفرقين في البلاد ، وجاء أمير جيش الحجاج فاستخرج شبيباً من الماء وعليه درعه ، ثم أمر به فشق صدره (١) فاستخرج قلبه فإذا هو مجتمع صلب كأنه صخرة، وكانوا يضربون به الأرض فيرتفع قامة الإنسان. [ وقيل : إنه كان معه رجال قد أبغضوه لما أصاب من عشائرهم ، فلما تخلف في الساقة اشتوروا وقالوا نقطع الجسر به ففعلوا ذلك فمالت السفن بالجسر ونفر فرسه فسقط في الماء فغرق ، ونادوا غرق أمير المؤمنين ، فعرف جيش الحجاج ذلك فجاؤوا فاستخرجوه (٢) . ولما نعي شبيب إلى أمه قالت : صدقتم إني كنت رأيت في المنام وأنا حامل به أنه قد خرج منها شهاب من نار فعلمت أن النار لا يطفئها إلا الماء ، وأنه لا يطفئه إلا الماء ، وكانت أمه جارية اسمها جَهِيزة (٣)، وكانت جميلة، وكانت من أشجع النساء ، تقاتل مع ابنها في الحروب. وذكر القاضي ابن خلكان(٤) : أنها قتلت في هذه الغزوة وكذلك قتلت زوجته غزالة ، وكانت أيضاً شديدة البأس خارجية [ تقاتل قتالاً شديداً يعجز عنه الأبطال من الرجال ] وكان الحجاج يخاف منها أشد خوف حتى قال فيه بعض الشعراء(٥) : فَتَحَاءُ تَنْفِرُ من صَغيرِ الصَّافرِ أَسَدٌ عليَّ وفي الحروبِ نَعَامةٌ بلْ كان قلبُكَ في جناحيْ طائرٍ هَلَّ بَرَزْتَ إلى غزالة في الوَغَا قال : وقد كان شبيب بن يزيد بن نُعيم بن قيس بن عمرو بن الصَّلْت بن قيس بن شراحيل بن صبرة بن ذهل بن شيبان [ الشيباني ] يدّعي الخلافة ويتسمى بأمير المؤمنين [ ولولا أن الله تعالى قهره بما قهره به من الغرق لنال الخلافة إن شاء الله، ولما قدر عليه أحد ](٦) وإنما قهره الله على يدي الحجاج لما أرسل إليه أمير المؤمنين عبد الملك بعسكر الشام لقتاله فهرب شبيب غير مرة ، ولما ألقاه جواده على الجسر في نهر دجيل(٧) قال له رجل: أغرقاً يا أمير المؤمنين ؟ قال ﴿ ذَلِكَ تَّقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [ الأنعام: ٩٦ ]قال ثم أخرج (١) الخبر في الطبري (٦/ ٢٨١-٢٨٢) وابن الأثير (٤٣٣/٤) ومروج الذهب (١٦٩/٣). (٢) ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ الطبري (٦/ ٢٨١). (٣) جهيزة : بفتح الجيم وكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الزاي وبعدها هاء ساكنة ، قيدها ابن خلكان في وفيات الأعيان (٢/ ٤٥٧) . (٤) وفيات الأعيان (٢/ ٤٥٥) . (٥) وهو عمران بن حطان، كما في الأغاني (١١٦/١٨) وديوان شعر الخوارج (٢٥). (٦) ما بين معكوفين ساقط من أ، ب وبدل العبارة : قال. (٧) دجيل : نهر بالأهواز حفره أردشير بن بابك أحد ملوك الفرس ، ومخرجه من أرض أصبهان ومصبه في بحر فارس قرب عبادان ، وفيه غرق شبيب الخارجي ( معجم البلدان ٢/ ٤٤٣ ) . ١٥٧ مقتل شبيب بن يزيد وحمل إلى الحجاج فأمر فنزع قلبه من صدره فإذا هو مثل الحجر ، وكان شبيب رجلاً طويلاً أشمط جعداً ، وكان مولده في يوم عيد النحر سنة ست وعشرين(١)، وقد أمسك رجل(٢) من أصحابه فحمل إلى عبد الملك بن مروان فقال له ألست القائل : فإن يك منكُمْ كانَ مروان وابنُهُ وعمروٌ ومنكمْ هاشمٌ وحبيبُ ومنا أميرُ المؤمنينَ شبيبُ و (٣) فمنا حُصَينٌ والبطينُ وقعنبٌ فقال : إنما قلت : ومنا أميرَ(٤) المؤمنين شبيب . فأعجبه اعتذاره وأطلقه والله سبحانه أعلم . وفي هذه السنة كانت حروب كثيرة جداً بين المهلب بن أبي صفرة نائب الحجاج ، وبين الخوارج من الأزارقة وأميرهم قَطَري بن الفجاءة ، وكان قَطَري أيضاً من الفرسان الشجعان المذكورين المشهورين وقد تفرق عنه أصحابه ونفروا في هذه السنة ، وأما هو فلا يدري أحد أين ذهب فإنه شرد في الأرض وقد جرت بينهم مناوشات ومجاولات يطول بسطها ، وقد بالغ ابن جرير في ذكرها في (( تاريخه))(٥). قال ابن جرير(٦) : وفي هذه السنة ثار بُكَير بن وشاح الذي كان نائب خراسان على نائبها أمية بن عبد الله بن خالد وذلك أن بكيراً استجاش عليه الناس وغدر به وقتله ، وقد جرت بينهما خطوب(٧) قد استقصاها أبو جعفر في (( تاريخه)). وفي هذه السنة كانت وفاة شبيب بن يزيد الخارجي كما قدّمنا ، وقد كان من الشجاعة والفروسة على جانب كبير لم ير بعد الصحابة مثله ، ومثل الأشتر ، وابنه إبراهيم ، ومصعب بن الزبير ، وأخيه عبد الله ، ومن يُناط بهؤلاء في الشجاعة مثل قطري بن الفجاءة من الأزارقة الخوارج . (١) في تاريخ الطبري (٢٨٢/٦) وابن الأثير (٤٣٣/٤): سنة خمس وعشرين في ذي الحجة يوم النحر يوم السبت. (٢) في تاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٤١٨): هو عتبان الحروري . وفي معجم الشعراء للمرزباني (١٠٩) : عتبان بن أصيلة الشيباني. (٣) البيتان في معجم الشعراء (١٠٩) ووفيات الأعيان (٢/ ٤٥٦) والوافي بالوفيات (١٠٥/١٦) وشعر الخوارج (٦٣) وفيه : فمنا سويد والبطين - وهو سويد بن سُلَيم أحد قادة جند شبيب. (٤) في ط : يا أمير ، وفي أ: أمير بعد ، وما أثبت عن ب وهي موافقة لوفيات ابن خلكان وتاريخ الإسلام للذهبي . وقال ابن خلكان في الوفيات (٤٥٦/٢): وهذا الجواب في نهاية الحسن؛ فإنه إن كان (( أمير)) مرفوعاً كان مبتدأ ، فيكون شبيب أمير المؤمنين ، وإذا كان منصوباً فقد حذف منه حرف النداء ، ومعناه : يا أمير المؤمنين ؛ منا شبيب ؛ فلا يكون شبيب أمير المؤمنين ، بل يكون منهم . (٥) تاريخ الطبري (٦/ ٣٠٠ - ٣١١) والخبر أيضاً في الأخبار الطوال (٢٨٠) وابن الأثير (٤٤١/٤ - ٤٤٣) وقتل قطري بن الفجاءة في شعب من شُعَب طبرستان في مواجهة بعث الحجاج تحت راية سفيان بن الأبرد ، قتلوه ، وفيمن قتله سَوْدَةُ بن أبجر التميمي وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف . (٦) تاريخ الطبري (٣١١/٦) والخبر أيضاً في ابن الأثير (٤٤٣/٤) وفيه: بكير بن وسّاج - بالسّين -. (٧) في ط : حروب طويلة . ١٥٨ وفيات سنة ٧٧هـ ـ أحداث سنة ٧٨هـ وفيها توفي من الأعيان : كثير بن الصلت(١) بن معدي كرب الكِنديّ، كان كبيراً مطاعاً في قومه ، وله بالمدينة دار كبيرة بالمصلّى ، وقيل إنه كان كاتب عبد الملك على الرسائل ، توفي بالشام . محمد بن موسى(٢) بن طلحة بن عبيد الله كانت أخته تحت عبد الملك وولاء سجستان ، فلما سار إليها قيل له : إن شبيباً في طريقك وقد أعيا الناس فاعدل إليه لعلك أن تقتله فيكون ذكر ذلك وشهرته لك إلى الأبد ، فلما سار لقيه شبيب فاقتتل معه فقتله شبيب . وقيل غير ذلك ، والله أعلم . عياض بن غنْم الأشعري (٣) ، شهد اليرموك ، وحدث عن جماعة من الصحابة وغيرهم توفي بالبصرة رحمه الله . مطرف بن عبد الله(٤)، وقد كانوا إخوة عروة ومطرف وحمزة ، وقد كانوا يميلون إلى بني أمية فاستعملهم الحجاج على أقاليم ، فاستعمل عروة على الكوفة ، ومطرف على المدائن ، وحمزة على همَذانٌ(٥) . ثم دخلت سنة ثمان وسبعين [ ففيها كانت غزوة عظيمة للمسلمين ببلاد الروم افتتحوا أزقلة (٦) ، فلما رجعوا أصابهم مطر عظيم وثلج وبرد ، فأصیب بسببه ناس كثير(٧) . وفيها ولَّى عبد الملك موسى بن نصير غزو بلاد المغرب جميعه فسار إلى طنجة وقد جعل على مقدمته (١) ترجمة - كثير بن الصلت - في طبقات ابن سعد (١٤/٥) وتاريخ الطبري (٣٣٠/٣) والاستيعاب (٣١٨/٣) وأسد الغابة (٢٤٢/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٥١٣). (٢) ترجمة - محمد بن موسى - في شذرات الذهب (١/ ٣١٧). (٣) ترجمة - عياض بن غنم ـ في تاريخ البخاري (١٩/٧) والاستيعاب (١٢٩/٣) وأسد الغابة (١٦٤/٤) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٥٨) وسير أعلام النبلاء (١٣٨/٤) وفيه اسمه : عياض بن عمرو . . وكلاهما واحد، ولكن ثمة خلاف في أسماء آبائه، والإصابة ( ٤٩/٣). (٤) ترجمة - مطرف بن عبد الله - في تاريخ البخاري (٣٩٦/٧ - ٣٩٧) وحلية الأولياء (١٩٨/٢) وتاريخ دمشق (٢٨٩/٥٨ -٣٣٧) وتهذيب الكمال (١٨/ ١٤٣) وسير أعلام النبلاء (١٨٧/٤) وتهذيب التهذيب (٤٥٦/٥). (٦) في ط: ((إرقيلية)) محرف، وما أثبتناه موافق لمصادره. (٥) التراجم الأربعة السابقة ساقطة من أ ، ب . (٧) الخبر في تاريخ خليفة (٢٧٧) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٣٣٧). ١٥٩ وفيات سنة ٧٨ هـ طارقا١ً) فقتلوا ملوك تلك البلاد ، وبعضهم قطعوا أنفه ونفوه ٢) ] . وفيها عزل عبد الملك أمية بن عبد الله عن إمرة خراسان وأضافها إلى الحجاج بن يوسف الثقفي مع سجستان أيضاً ، وركب الحجاج بعد فراغه من شأن شبيب من إمرة الكوفة إلى البصرة ، واستخلف على الكوفة المغيرة بن عبد الله بن عامر الحضرمي(٣)، فقدم المهلب على الحجاج وهو بالبصرة وقد فرغ من شأن الأزارقة أيضاً ، فأجلسه معه على السرير واستدعى بأصحاب البلاء من جيشه ، فمن أثنى عليه المهلب أجزل الحجاج جائزتهُ(٤) ، ثم ولى الحجاج المهلب إمرة سجستان ، وولى عبد الله بن أبي بكرة إمرة خراسان ، ثم ناقل بينهما قبل خروجهما من عنده ، فقيل كان ذلك بإشارة المهلب ، وقيل إنه استعان بصاحب الشرطة وهو عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العَبْشمي ، حتى أشار على الحجاج بذلك فأجابه إلى ذلك ، وألزم المهلب بألف ألف درهم ، لكونه اعترض في ذلك . قال أبو معشر : وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عبد الملك . وكان أمير المدينة أبان بن عثمان . وأمير العراق وخراسان وسجستان وتلك النواحي كلها الحجاج بن يوسف ، ونائبه على خراسان المهلب بن أبي صفرة ، ونائبه على سجستان عبد الله بن أبي بكرة الثقفي . وعلى قضاء الكوفة شريح ، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس بن مالك الأنصاري . وقد توفي في هذه السنة من الأعيان : جابر بن عبد الله(٥) بن عمرو بن حرام، أبو عبد الله الأنصاري(٦) السلمي، صاحب رسول الله وال (١) الخبر في تاريخ الإسلام ( ص ٣٣٧) وتتمته : الذي افتتح الأندلس ، وأصاب فيها المائدة التي يتحدث أهل الكتاب أنها مائدة سليمان عليه السلام . (٢) الخبر هنا فيه نقص، وفي تاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٦١ - ٨٠ ص٣٣٧): وفيها وثب الروم على ملكهم فخلعته ، وقطعت أنفه ونفته إلى بعض الجزائر . قاله المسبحي . وقد وثق محقق تاريخ الإسلام هذه الحادثة . وما بين معكوفين زيادة من ط . (٣) في تاريخ الطبري (٢٨٤/٦) وابن الأثير (٤٤٨/٤) : المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل. في ط : له العطية . (٥) ترجمة - جابر بن عبد الله - في طبقات ابن سعد (٥٧٤/٣) وتاريخ خليفة ( ٧٣) والأخبار الطوال ( ٣١٦) (٤) والاستيعاب (٢١٩/١) وتاريخ دمشق (٢٠٨/١١-٢٤٠) وتهذيبه (٣٨٩/٣) وأسد الغابة (٢٥٦/١) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص ٣٧٧) وسير أعلام النبلاء ( ١٨٩/٣) والإصابة (٤٥/١) وشذرات الذهب (٣١٩/١). (٦) بعدها في أ ، ب : وشريح القاضي وعبد الرحمن بن غنم ، وقد ذكرنا تراجمهم في التكميل . والتكميل كتاب للمؤلف رحمه الله جمع فيه ما بين تراجم تهذيب الكمال لشيخه المزي والعبر للذهبي وزاد عليهما . والمجلد الأخير منه مخطوط في دار الكتب المصرية . = ١٦٠ وفيات سنة ٧٨هـ وله روايات كثيرة ، وشهد العقبة وأراد أن يشهد أحداً فمنعه أبوه وخلفه على أخواته ، وكانوا تسعة ، وقيل إنه ذهب بصره قبل موته . توفي جابر بالمدينة وعمره أربع وتسعون سنة ، وأسند إليه ألف وخمسمئة وأربعين حديثاً . شريح بن الحارث(١) بن قيس ، أبو أمية الكندي ، وهو قاضي الكوفة ، وقد تولّى القضاء لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ، ثم عزله علي ، ثم ولاه معاوية ، ثم استقل في القضاء إلى أن مات في هذه السنة ، وكان رزقه على القضاء في كل شهر مئة درهم ، وقيل : خمسمئة درهم . وكان إذا خرج إلى القضاء يقول : سيعلم الظالم حظ من نقص . وقيل: إنه كان إذا جلس للقضاء قرأ هذه الآية ﴿ يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَشَِّعِ الْهَوَى﴾ الآية [ ص: ٢٦]. وكان يقول : إن الظالم ينتظر العقاب والمظلوم ينتظر النصر . وقيل : إنه مكث قاضياً نحو سبعين سنة (٢) . وقيل : إنه استعفى من القضاء قبل موته بسنة ، فالله أعلم . وأصله من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، وقدم المدينة بعد موت النبي ◌َّر. توفي بالكوفة وعمره مئة وثمان سنين . وقد روى الطبراني قال : حدّثنا علي بن عبد العزيز ، حدّثنا عارم أبو النعمان ، حدثنا حماد بن زيد ، عن شعيب بن الحبحاب عن إبراهيم التيمي . قال : كان شريح يقول : سيعلم الظالمون حق من نقصوا . إن الظالم ينتظر العقاب ، وإن المظلوم ينتظر النصر . ورواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن علية ، عن ابن عون ، عن إبراهيم به . وهكذا نجد أن ط تنفرد ببعض التراجم ، وهي من زيادات النساخ أو تلاميذ المؤلف رحمه الله وإنما نبقيها مع الإشارة = إليها ، لأن المؤلف رحمه الله درج على ذكر الوفيات بعد ذكر الأحداث كل سنة ، ويلاحظ أن معظم الزيادات من ط للوفيات ممن اختلف في سنة موتهم ، ونعمل على الإشارة إلى ذلك في محله بتوفيق الله وإعانته سبحانه . (١) ترجمة - شريح بن الحارث - في طبقات ابن سعد (١٣١/٦) وتاريخ خليفة (١٥٥ و١٧٩ و٢٠٠) والمعرفة والتاريخ (٢١٧/١ و٢١٨) وأخبار القضاة لوكيع (١٨٧/٢) وحلية الأولياء (١٤٤/٤ - ١٥٤) والاستيعاب (١٤٨/٢) وتاريخ دمشق لابن عساكر (٧/٢٣ - ٥٩) وتهذيبه (٣٠٥/٦) والمنتظم (١٨٥/٦) وقد جعله ضمن وفيات سنة ست وسبعين . ووفيات الأعيان (٢/ ٤٦٠) وأسد الغابة (٣٩٤/٢) وتهذيب الكمال (٤٣٥/١٢ - ٤٤٥) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٤١٩ - ٤٢٣) وسير أعلام النبلاء (٤/ ١٠٠ - ١٠٦) والوافي بالوفيات (١٦ / ١٤٠) والإصابة (١٤٦/٢) وشذرات الذهب (٨٥/١). (٢) في الاستيعاب وأسد الغابة والإصابة: ستين سنة، وفي الوفيات لابن خلكان: (٢/ ٤٦٠) أقام قاضياً خمساً وسبعين سنة ، لم يتعطل فيها إلا ثلاث سنين امتنع فيها من القضاء في فتنة ابن الزبير .