Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ ترجمة يزيد بن معاوية إذا ماتَ لمْ تُفْلِحْ مُزَيْنَةُ بعدَهُ فَنُوطِي عليهِ يا مُزَينُ التَّمَائِمَا(١) وانطلق يزيد يمشي وفاختة تُتبعه بصرها ثم قالت : لعن الله سواد ساقي أمِّك . فقال معاوية : أما والله إنه لخير من ابنك عبد الله - وهو ولده منها ، وكان أحمق - فقالت فاختة : لا والله ، ولكنك تؤثر هذا عليه ، فقال : سوف أبيِّن لك ذلك حتى تعرفيه قبل أن تقومي من مجلسك هذا ، ثم استدعى بابنها عبد الله فقال له : إنه قد بدا لي أن أعطيَك كل ما تسألني في مجلسي هذا ، فقال : حاجتي أن تشتري لي كلباً فارهاً وحماراً ، فقال : يا بني ! أنت حمار ويُشترى لك حمار؟! قم فاخرج . ثم قال لأمه : كيف رأيت ؟! ثم استدعى بيزيد فقال : إني قد بدا لي أن أعطيَك كل ماتسألني في مجلسي هذا ، فسلني ما بدا لك . فخرّ يزيد ساجداً ثم قال حين رفع رأسه : الحمد لله الذي بلغ أمير المؤمنين هذه المدة وأراه فيَّ هذا الرأي ، حاجتي أن تعقد لي العهد من بعدك ، وتولَّيني العام صائفة المسلمين ، وتأذن لي في الحج إذا رجعت ، وتولِّيني الموسم ، وتزيد أهل الشام عشرة دنانير لكل رجل في عطائه ، وتجعل ذلك بشفاعتي ، وتفرض الأيتام بني جُمح ، وأيتام بني سهم ، وأيتام بني عدي . فقال : مالك ولأيتام بني عدي ؟ فقال : لأنهم حالفوني وانتقلوا إلى داري . فقال معاوية : قد فعلتُ ذلك كلَّه . وقبَل وجهه ثم قال لفاختة بنت قَرَظة : كيف رأيت ؟! فقالت : يا أمير المؤمنين ! أوصِه بي فأنت أعلم به مني . ففعل . وفي رواية : أن يزيد لما قال له أبوه : سلني حاجتك ، قال له يزيد : اعتقني من النار أعتق الله رقبتك منها ، قال : وكيف ؟ قال: إني وجدت في الأثر أنه (( مَنْ تقلَّد أمرَ هذهِ الأمّة ثلاثةَ أيام حرَّمهُ اللهُ على النار )) فاعهد إليَّ من بعدك . ففعل(٢). وقال العتبي : رأى معاوية ابنه يزيد يضرب غلاماً له ، فقال له : اعلم أنَّ الله أقدرُ عليك منك عليه ، سوءة لك ! أتضرب من لا يستطيع أن يمتنع عليك ؟ والله لقد منعَتْني القدرة من الانتقام من ذوي الإحَن ، وإنَّ أحق من عفا لمن قدر . قلت: وقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله وَّله رأى أبا مسعود يضرب غلاماً له، فقال: ((اعلمْ أبا مَسْعودٍ للهُ أَقدرُ عليكَ منكَ علَيه))(٣). قال العتبي : وقدم زياد بأموال كثيرة وبسفط مملوءٍ جواهر على معاوية ، فسُرَّ بذلك معاوية ، فقام (١) البيت في نسب قريش (١٢٧) والأغاني (٢١١/١٧) ومختصر تاريخ دمشق (١٩/٢٨) واللسان مادة (تمم) . (٢) الخبر بطوله في تاريخ ابن عساكر مختصره (٢٠/٢٨ -٢١). (٣) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٢٠) ومسلم (١٦٥٩) في الأيمان: باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده ، وأبو داود (٥١٦٠) في الأدب : باب في حق المملوك ، والترمذي (١٩٤٨) في البر والصلة: باب النهي عن ضرب الخدم وشتمهم . ٣٢٢ ترجمة يزيد بن معاوية زياد فصعد المنبر ثم افتخر بما يفعله بأرض العراق من تمهيد الممالك لمعاوية ، فقام يزيد فقال : إن تفعل ذلك - يا زياد - فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى قريش، ومن القلم إلى المنابر ، ومن زياد بن عُبيد إلى حرب بن أميَّة . فقال له معاوية : اجلس فداك أبي وأمي . وعن عطاء بن السائب قال : غضب معاوية على ابنه يزيد ، فهجره ، فقال له الأحنف بن قيس : يا أمير المؤمنين ! إنما هم أولادنا ، ثمارُ قلوبنا ، وعمادُ ظهورنا ، ونحن لهم سماء ظليلة ، وأرض ذليلة ، إن غضبوا فأرضِهم ، وإن طلبوا فأعطهم ، ولا تكن عليهم ثقلاً فيملُّوا حياتك ويتمنَّوا موتك . فقال معاوية : لله درُك يا أبا بحر ! يا غلام ائت يزيد فأقره مني السلام وقل له : إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمئة ألف درهم ومئة ثوب . فقال يزيد : من عند أمير المؤمنين ؟ فقال : الأحنف ، فقال يزيد : لا جرم لأُقاسمنَّه ! فبعث إلى الأحنف بخمسين ألفاً وخمسين ثوبً(١) . وقال الطبراني : حدّثنا محمد بن زكريّا الغَلاَبي، حدّثنا ابنُ عائشة ، عن أبيه قال : كان يزيدُ في حداثته صاحبَ شراب ، يأخذ مآخذ الأحداث ، فأحسَّ معاويةُ بذلك ، فأحبّ أن يعظَه في رفق ، فقال : يا بنيّ ! ما أقدركَ على أن تصلَ إلى حاجتك من غير تهتُّك يذهب بمروءتك وقدرك ، ويشمت بك عدوّك ، ويسيء بك صديقك . ثم قال: يا بنيّ! إني منشدُك أبياتاً فتأدَّبْ بها واحفظُها! فأنشَدَه: واصبِرْ على هَجْرِ الحَبيبِ القَرِيب انصَبْ نهاراً في طِلاَبِ العُلا واكتحلَتْ بالغُمضِ عينُ الرَّقِيب حتَّى إذا اللَّيلُ أَتَى بالدُّجى فإنَّمَا اللَّيلُ نهارُ الأَرِيب فباشِرِ اللَّيلَ بما تَشْتَهي قد باشَرَ اللَّيلَ بأمرٍ عَجِيب كمْ فاسِقٍ تحسبُهُ ناسِكاً فباتَ في أَمنٍ وعيشٍ خَصِيب غَطَّى عليهِ اللَّيلُ أسْتَارَهُ ولذَّةُ الأَحمقِ مكثُوفَةٌ يسْعى بها كلُّ عدوٌّ مُرِيب (٢) قلت : وهذا كما جاء في الحديث: (( مَن ابتُليَ بشيءٍ من هذِه القاذوراتِ فليسْتَتِرْ بسِتر اللهِ عزَّ وجلّ (٣) . (١) مختصر تاريخ دمشق (٢٢/٢٨) وقد أورده صاحب العقد الفريد (٤٣٧/٢) وفيه: أنه أمر له بمئتي ألف درهم ومئتي ثوب ، فبعث يزيد إلى الأحنف بمئة ألف ومئة ثوب - شاطره إياها . (٢) الخبر والأبيات في مختصر تاريخ دمشق (٢٢/٢٨ -٢٣). (٣) أخرجه الطحاوي في شرح المشكل (٩١) و(٩٢)، والحاكم (٢٤٤/٤) و(٣٨٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٣٠) بإسناد قوي. ورواه مالك في الموطأ (٢٣٨٦) برواية الليثي بتحقيق الدكتور بشار عن زيد بن أسلم مرسلاً . ٣٢٣ ترجمة يزيد بن معاوية وروى [ الواقدي و١٤) المدائني : أن ابن عباس وفد إلى معاوية ، فأمر معاوية ابنه يزيد أن يأتيه فيعزِّيه في الحسن بن علي ، فلما دخل على ابن عباس رحَّب به وأكرمه ، وجلس عنده بين يديه ، فأراد ابن عباس أن يرفع مجلسه ، فأبى وقال : إنما أجلس مجلس المعزِّي لا المهنَّىء، ثم ذكر الحسن فقال : رحم الله أبا محمد أوسع الرحمة وأفسحها ، وأعظم الله أجرك وأحسن عزاك ، وعوَّضك من مصابك ما هو خير لك ثواباً وخير عقبى . فلما نهض يزيد من عنده قال ابن عباس: إذا ذهب بنو حرب ذهب حلماء(٢) الناس . ثم أنشد متمثلاً : مَغَاضٍ عن العَوْراء لا يَنْطقونَها وأهلُ وراثاتِ الحُلومِ الأَوائل (٣) وقد كان يزيد أول من غزا مدينة قُسْطنطينية في سنة تسع وأربعين - في قول يعقوب بن سفيان . وقال خليفة بن خياط (٤) : سنة خمسين . ثم حج بالناس في تلك السنة بعد مرجعه من هذه الغزوة من أرض الروم. وقد ثبت في الحديث: أن رسول الله بَّه قال: ((أولُ جيشٍ يَغْزُو مدينةَ قَيْصَر مغفورٌ لهم)(٥). وهو الجيش الثاني الذي رآه رسول الله وَّ في منامه عند أمّ حرام ، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: ((أنتِ منَ الأوَّلين)) . يعني: جيش معاوية حين غزا قبرص ففتحها في سنة سبع وعشرين أيام عثمان بن عفان ، وكانت معهم أمُّ حرام فماتت هنالك بقبرص ، ثم كان أمير الجيش الثاني ابنه يزيد بن معاوية ، ولم تدرك أمُّ حرام جيش يزيد هذا . وهذا من أعظم دلائل النبوة . وقد أورد الحافظ ابن عساكر هاهنا الحديث الذي رواه محاضر ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن (٦) عَبِيدة، عن عبد الله: أن رسول الله وَ ﴿ قال: (( خيرُ النّاسِ قَرْني، ثمَّ الذينَ يلُونَهُمْ، ثمَّ الذينَ يُلُونَهُمْ(٧) . وكذلك رواه عبد الله بن شَقيق(٨)، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ مثله. (١) سقط من المطبوع . كذا في ب ومثله في مختصر تاريخ دمشق . والذي في أ ، ط : علماء . (٢) (٣) الخبر والبيت في مختصر تاريخ دمشق (٢٣/٢٨). (٤) في تاريخه (ص٢١١) . أخرجه البخاري في الجهاد : ٩٣ برقم (٢٩٢٤) . وقد تقدم في أول هذا الجزء . (٥) (٦) تحرفت في أ ، ط إلى : بن . (٧) تمامه: (( ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته)). وقد أخرجه البخاري : من طريق أخرى عن الأعمش رقم (٦٤٢٩)، ومسلم (٢٥٣٣) من طريق أخرى عن منصور في فضائل الصحابة . (٨) تحرف في المطبوع إلى : شفيق. ٣٢٤ ترجمة يزيد بن معاوية ثم أورد من طريق حمّاد بن سلمة ، عن أبي محمد ، عن زرارة بن أوفى قال : القرن عشرون ومئة سنة، فُبُعث رسول الله الله فى قرن وكان آخره موت يزيد بن معاوية . قال أبو بكر بن عياش : حج بالناس يزيد بن معاوية سنة إحدى وخمسين ، واثنتين وخمسين ، وثلاث وخمسين . وقال ابن أبي الدنيا: حدّثنا أبو كُريب، حدّثنا رشدين [ عن ] عمرو بن الحارث، عن بُكير(١) بن الأَشَج : أن معاوية قال ليزيد : كيف تراك فاعلاً إن وليت ؟ قال : يمتِّع الله بك يا أمير المؤمنين ! قال : لتخبرنِّي ، قال : كنتُ - والله يا أبة - عاملاً فيهم عمل عمر بن الخطاب . فقال معاوية : سبحان الله يا بني ! والله لقد جهدتُ على سيرة عثمان بن عفان فما أطقتها ، فكيف بك وسيرة عمر (٢) ؟! وقال الواقدي : حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة ، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلَّى قال : قال معاوية ليزيد وهو يوصيه عند الموت : يا يزيد ! اتقِ الله فقد وطَّأتُ لك هذا الأمر ، ووليت من ذلك ما وليت ، فإن يك خيراً فأنا أسعد به ، وإن كان غير ذلك شقيت به ، فارفُق بالناس ، وأغمض عما بلغك من قول تؤذى به وتنتقص به ، وطَأُ عليه يهنك عيشُك ، وتصلح لك رعيتُك ، وإياك والمناقشةَ وحملَ الغضب ، فإنك تهلك نفسك ورعيَّتك، وإياك وجفوة (٣) أهل الشرف واستهانتهم والتكبُّر عليهم ، ولِنْ لهم ليناً لا يري منك ضعفاً ولا خَوَراً، وأوطئهم فراشَك، وقرِّبهم إليك ، وأدنِهِم منك ، فإنهم يعلمون لك حقَّك ، ولا تُهنهم ولا تستخفَّ بحقهم فيهينوك ويستحقُّوا بحقك ويقعوا فيك . فإذا أردتَ أمراً فادع أهل السَّنِّ والتجربة من أهل الخير من المشايخ وأهل التقوى ، فشاورهم ولا تخالفهم . وإياك والاستبدادَ برأيك ، فإن الرأي ليس في صدر واحد ، وصدِّقْ من أشار عليك إذا حملك على ما تعرف ، واخزُن ذلك عن نسائك وخدمك ، وشمِّر إزارك ، وتعاهد جندَك، وأصلح نفسك يصلُخ لك الناس ، لا تدع لهم فيك مقالاً، فإن الناس سراع إلى الشرّ. واحضُر الصلاة ، فإنك إذا فعلتَ ما أوصيك به عرف الناس لك حقَّك ، وعظمتْ مملكتُك، وعظمتَ في أعين الناس . واعرف شرف أهل المدينة ومكة ، فإنهم أصلُّك وعشيرتُك . واحفظ لأهل الشام شرفهم ، فإنهم [ أنصارُك وحُماتُك وجندُك الذين بهم تصل إلى }٤) أهل طاعتك . واكتب إلى أهل الأمصار بكتاب تعِدُهم فيه منك بالمعروف ، فإن ذلك يبسط آمالهم . وإن وفد عليك وافد من الكُوَر كلها فأحسِن إليهم ، وأكرمهم فإنهم (١) في المطبوع : عن أبي بكير وفي ب عن بكر وكلاهما خطأ . وبكير بن الأشج : هو بكير بن عبد الله بن الأشج القرشي . من رجال التهذيب . (٢) مختصر تاريخ دمشق (٢٥/٢٨) . تحرفت في المطبوع إلى : خيرة . (٣) (٤) سقط من ط . ٣٢٥ ترجمة يزيد بن معاوية لمن وراءهم. ولا تسمعن قول قاذف ولا ما حل (١)، فإني رأيتهم وزراء سَوء (٢) ومن وجه آخر : أن معاوية قال ليزيد : إن لي خليلاً من أهل المدينة فأكرمه ، قال : ومن هو ؟ قال : عبد الله بن جعفر ، فلمّا وفد بعد موت معاوية على يزيد أضعف جائزته التي كان معاوية يعطيه إياها ، وكانت جائزته على معاوية ستمئة ألف ، فأعطاه يزيد ألف ألف ، فقال له : بأبي أنت وأمي ، فأعطاه ألف ألف أخرى ، فقال له ابن جعفر : والله لا أجمع أبويَّ لأحد بعدك . ولمّا خرج ابن جعفر من عند يزيد - وقد أعطاه ألفي ألف - رأى على باب يزيد بَخَاتيُ (٣) مبركات قد قدم عليها هدية من خراسان ، فرجع عبد الله بن جعفر إلى يزيد ، فسأله منها ثلاث بَخاتي ليركب عليها إلى الحج والعمرة وإذا وفد إليه ، فقال يزيد للحاجب : ما هذه البَخاتي التي على الباب ؟ - ولم يكن شعر بها - فقال : يا أمير المؤمنين! هي أربعمئة بُخْتَّة جاءتنا من خراسان تحمل أنواع الألطاف - وكان عليها أنواع من الأموال كلها - فقال : اصرِفْها إلى أبي جعفر بما عليها . فكان عبد الله بن جعفر يقول : أتلومونني على حسن الرأي في هذا ؟! يعني : يزيد(٤) . وقد كان يزيد فيه خصال محمودة من الكرم والحِلْم والفصاحة والشعر والشجاعة وحسن الرأي في الملك . وكان ذا جمال ، حسن المعاشرة . وكان فيه أيضاً إقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات في بعض الأوقات . وقد قال الإمام أحمد : حدّثنا أبو عبد الرحمن ، حدّثنا حَيْوَة ، حدّثني بشير بن أبي عمرو الخَوْلاني : أن الوليد بن قيس حدَّثه: أنه سمع أبا سعيد الخُدْري يقول: سمعت رسول الله وَلَه يقول: «يكونُ خلفٌ من بعدٍ ستِينَ سنةً أضاعُوا الصَّلاةَ واتَبعُوا الشَّهواتِ فسوفَ يلْقَوْنَ غَي٥ُّ) ، ثم يكون خلفٌ يقرؤُونَ القرآنَ لا يُجاوِزُ تراقِيَهُمْ. ويقرأُ القرآنَ ثلاثة: مؤمنٌ، ومنافقٌ، وفاجرٌ)). [ قال بشير (٦) : فقلت للوليد : ما هؤلاء الثلاثة ؟ فقال : المنافقُ كافرٌ به ، والفاجرُ يتأتَّلُ به ، والمؤمنُ يؤمنُ به . تفرَّد به أحمد(٧) . (١) ((الماحل)): الماكر . مختصر تاريخ دمشق (٢٦/٢٨). (٢) ((البخاتي)) : جمال طوال الأعناق خراسانية . يقال : جمل بُختي ، وناقة بُختية . (٣) (٥) وقعت هذه اللفظة في المطبوع: عياً ثم شرحها محققو طبعة دار الكتب العلمية بقولهم: عياً: كللاً وتعباً وضلال . (٤) مختصر تاريخ دمشق (٢٦/٢٨ - ٢٧) . قلت: لا يخفى على متعلم أن لفظ هذه العبارة متفق مع الآية ٥٩ من سورة مريم، وقد قال المفسرون: ((الغي)) : واد - أو نهر - في جهنم أعده الله للغاوين . كما قيل : معناه : فسوف يلقون مجازاة غيهم . اللسان : مادة ( غوي ) . (٦) سقط من المطبوع . (٧) وهو في مسنده (٣٨/٣ -٣٩) وأخرجه ابن حبان رقم (٧٥٥) والحاكم (٢/ ٣٧٤) وهو حديث حسن. ٣٢٦ ترجمة يزيد بن معاوية وقال الحافظ أبو يعلى : حدّثنا زهير بن حرب ، حدّثنا الفضل بن دُكين ، حدّثنا كامل أبو العلاء، سمعت أبا صالح، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَلَ: ((تعوَّذُوا باللهِ من سنةِ سَبْعين، ومن إمارَةِ الصِّبْيان)(١) . وروى الزبير بن بكار ، عن عبد الرحمن بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل : أنه قال في يزيد بن معاوية : لستَ منَّا وليسَ خالُكَ منّا يا مُضِيعَ الصَّلاةِ للشَّهَواتِ(٢) قال : وزعم بعض الناس أن هذا الشعر لموسى بن يسار ، ويعرف بموسى شهوات . وروي عن عبد الله بن الزبير : أنه سمع جارية له تغني بهذا البيت ، فضربها وقال : قولي : أنتَ منَّا وليسَ خالُكَ منّا يا مُضِيعَ الصَّلاةِ لِلشَّهَواتِ وقال الحافظ أبو يعلى : حدّثنا الحكم بن موسى ، حدّثنا يحيى بن حمزة ، عن هشام بن الغاز ، عن مكحول، عن أبي عبيدة: أن رسول الله وَ له قال: ((لا يزال أمرُ أمَّتي قائماً بالقسط حتى يثلِمَه رجل من بني أميّة يقال له : يزيد )) . وهذا منقطع بين مكحول وأبي عبيدة ، بل معضل . وقد رواه ابن عساكر من طريق صَدَقة بن عبد الله الدمشقي ، عن هشام بن الغاز ، عن مكحول ، عن أبي ثعلبة الخُشني، عن أبي عبيدة، عن رسول الله وَّر قال: ((لا يزالُ أمرُ هذه الأمّة قائماً بالقسط حتى يكون أول من يثلِمُه رجل من بني أميّة يقال له: يزيد )). ثم قال : وهو منقطع أيضاً بين مكحول وأبي ثعلبة . وقال أبو يعلى : حدّثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدّثنا معاوية بن هشام ، عن سفيان ، عن عوف ، عن خالد بن أبي المهاجر، عن أبي العالية قال: كنّا مع أبي ذرِّ بالشام، فقال أبو ذرّ: سمعت رسول الله له يقول: ((أولُ من يغيِّر سنَّتَي رجلٌ من بني أميّة » . ورواه ابن خزيمة ، عن بُنْدار ، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد ، عن عوف : حدّثنا مهاجر بن أبي مخلد ، حدّثني أبو العالية ، حدّثني أبو مسلم ، عن أبي ذرّ .. فذكر نحوه . وفيه قصة وهي : أن أبا ذرًّ كان في غزاة عليهم يزيدُ بن أبي سفيان ، فاغتصب يزيدُ من رجل جارية ، فاستعان الرجل بأبي ذرٍّ على يزيد أن يردّها عليه ، فأمره أبو ذرِّ أن يردّها عليه ، فتلكَّأ ، فذكر أبو ذرِّ له الحديث ، فردَها ، وقال يزيد لأبي ذرّ : نشدتك بالله أهو أنا ؟ قال : لا . (١) ورواه أحمد في المسند (٣٢٦/٢) وإسناده ضعيف. (٢) البيت مع بيت آخر في الأخبار الطوال (ص ٢٦٥). ٣٢٧ ترجمة يزيد بن معاوية وكذا رواه البخاري في ((التاريخ))، وأبو يعلى عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب . ثم قال البخاري : والحديث معلول ، ولا يعرف أن أبا ذر قدم الشام زمن عمر بن الخطاب . قال : وقد مات يزيد بن أبي سفيان زمن عمر ، فولَّى مكانه أخاه معاوية . وقال عباس الدوري : سألت ابن معين : أسمع أبو العالية من أبي ذر؟ قال : لا ، إنما يروي عن أبي مسلم عنه ، قلت : فمن أبو مسلم هذا ؟ قال : لا أدري . وقد أورد ابن عساكر أحاديث في ذم يزيد بن معاوية كلُّها موضوعة لا يصح شيء منها ، وأجود ما ورد ما ذكرناه على ضعف أسانيده وانقطاع بعضه ، والله أعلم . قال الحارث بن مسكين : عن سفيان ، عن شَبيب بن غَرْقدة ، عن المستظل(١) قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : قد علمتُ - وربِّ الكعبة - متى تهلكُ العرب ، إذا ساسَهم من لم يدرك الجاهليّة ولم يكن له قدم في الإسلام . قلت : يزيد بن معاوية أكثر مانُقُم عليه في عمله شربُ الخمر وإتيان بعض الفواحش ، فأما قتل الحسين فإنه - كما قال جده أبو سفيان يوم أحد - لم يأمر بذلك ولم يسؤه. وقد قدّمنا أنه قال : لو كنت أنا لم أفعل معه ما فعله ابن مَرْجانة - يعني : عبيد الله بن زياد - وقال للرسل الذين جاؤوا برأسه : قد كان يكفيكم من الطاعة دون هذا . ولم يعطهم شيئاً ، وأكرم آل بيت الحسين ، وردّ عليهم جميع ما فُقد لهم وأضعافه ، وردّهم إلى المدينة في محامل وأَبهة عظيمة ، وقد ناح أهله في منزله على الحسين - حين كان أهل الحسين عندهم - ثلاثة أيام . وقد قيل : إن يزيد فرح بقتل الحسين أول ما بلغه ، ثم ندم على ذلك . فقال أبو عبيدة مَعْمر بن المثنى : إن يونس بن حبيب الجَرْمي حدثه قال : لما قتل ابن زياد الحسين ومن معه بعث برؤوسهم إلى يزيد ، فسُرَّ بقتلهم أولًا ، وحسنت بذلك منزلة ابن زياد عنده ، ثم لم يلبث إلا قليلاً حتى ندم ، فكان يقول : وما كان عليَّ لو احتملتُ الأذى وأنزلته في داري ، وحكمته فيما يريده ، وإن كان عليَّ في ذلك وَكَف (٢) ووهن في سلطاني حفظاً لرسول اللهَ وَّل ورعايةً لحقِّه وقرابته ؟! ثم يقول: لعن الله ابن مَرْجانة ، فإنه أحرجه واضطرّه ، وقد كان سأله أن يخلي سبيله ، أو يأتيني ، أو يكون بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله ، فلم يفعل ، بل أبى عليه وقتله ، فبغّضني بقتله إلى المسلمين ، وزرع لي في قلوبهم العداوة ، فأبغضني البَرُّ والفاجر بما استعظم الناس من قتلي حسيناً . مالي ولابن مَرْجانة ؟! لعنه الله وغضب عليه . (١) تحرف هذا السند في الأصول إلى :... عن شبيب، عن عرقدة بن المستظل. الجرح والتعديل (٣٥٧/٤) و(٤٢٩/٨)، وتهذيب الكمال (١٢/ ٣٧٠). (٢) ((الوكف)): الإثم. ٣٢٨ ترجمة يزيد بن معاوية ولما خرج أهل المدينة عن طاعة يزيد وخلعوه وولّوا عليهم ابن مطيع وابن حنظلة ، لم يذكروا عنه - وهم أشد الناس عداوة له - إلا ما ذكروه عنه من شربه الخمر وإتيانه بعض القاذورات . لم يتَّهموه بزندقة كما يقذفه بذلك بعض الروافض ، بل قد كان فاسقاً ، والفاسق لا يجوز خلعه لأجل ما يثور بسبب ذلك من الفتنة [ووقوع الهَرْج كما وقع زمن الحرّة، فإنه بعث إليهم من يردهم إلى الطاعة ، وأنظرَهم ثلاثة أيام، فلما لم يرجعوا قاتلهم }(١) . وقد كان في قتال أهل الحرّة كفاية ، ولكنه تجاوز الحدَّ بإباحة المدينة ثلاثة أيام ، فوقع بسبب ذلك شرٌّ عظيم كما قدّمنا . وقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب وجماعات من أهل بيت النبوة ممن لم ينقض العهد ، ولا بايع أحداً بعد بيعته ليزيد . قال الإمام أحمد(٢): حدّثنا إسماعيل بن عليَّة، حدّثني صخر بن جويرية ، عن نافع قال : لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابنُ عمر بنيه وأهلَه ، ثم تشهَّد ، ثم قال : أما بعد ، فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله وَ له يقول: ((إنَّ الغادرَ يُنْصَبُ لهُ لواءٌ يومَ القيامةِ يُقال: هذه غَدْرَةُ فلان)) وإن من أعظم الغدر - إلا أن يكون الإشراك بالله - أن يبايعَ رجلٌ رجلاً على بيع الله ورسوله ثم ينكثَ بيعتَه ، فلايخلعن أحدٌ منكم يزيد ، ولا يسرفن أحدٌ منكم في هذا الأمر فيكون (٣) الصَّيْلَمْ(٣) بيني وبينه . وقد رواه(٤) مسلم(٥) والترمذي(٦) من حديث صخر بن جُويرية . وقال الترمذي: حسن صحيح . وقد رواه أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف المدائني ، عن صخر بن جُويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر .. فذكر مثله(٧) . ولما رجع أهل المدينة من عند يزيد مشى عبد الله بن مطيع وأصحابه إلى محمد ابن الحنفيّة ، فأرادوه (١) ما بين حاصرتين ليس في أ. (٢) مسند أحمد (٤٨/٢). (٣) كذا وردت هذه اللفظة في أ، ب ، وهي كذلك في مسند أحمد . ووقعت في المطبوع : الفيصل ثم شرحها محققو طبعة دار الكتب العلمية بقولهم : الفيصل : من أسماء السيف . قلت : كلا اللفظين - الفيصل والصيلم - بمعنى واحد ، وهو القطيعة التامة أو المنكرة ، كما شرحه ابن الأثير في النهاية (٤٩/٣، ٤٥٢). يعني متن الحديث الوارد خلال كلام نافع . (٤) (٥) برقم (١٧٣٥) في الجهاد والسير : باب تحريم الغدر . برقم (١٥٨١) في السير : باب ما جاء أن لكل غادر لواء يوم القيامة ورواه البخاري رقم (٧١١١) من طريق أيوب عن (٦) نافع به . ورد في هامش النسخة أ ما نصه : ورواه البخاري في كتاب الفتن (٧١١١) عن سليمان بن حرب ، عن حماد بن (٧) زيد ، عن أيوب ، عن نافع ... بنحوه . ٣٢٩ ترجمة يزيد بن معاوية على خلع يزيد ، فأبى عليهم ، فقال ابن مطيع : إن يزيد يشرب الخمر ، ويترك الصلاة ، ويتعدّى حكم الكتاب . فقال لهم : ما رأيت منه ما تذكرون ، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظباً على الصلاة ، متحرِّياً للخير ، يسأل عن الفقه ، ملازماً للسنة . قالوا : فإن ذلك كان منه تصنُّعاً لك . فقال : وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر لي الخشوع ؟ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر ؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه ، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا . قالوا : إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه . فقال لهم: أبى الله ذلك على أهل الشهادة فقال: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ولست من أمركم في شيء. قالوا : فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك ، فنحن نوليك أمرنا . قال : ما أستحلُّ القتال على ماتريدونني عليه تابعاً ولا متبوعاً . قالوا : قد قاتلت مع أبيك ! قال : جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه . فقالوا : فمر ابنيك أبا هاشم(١) والقاسم بالقتال معنا . قال : لو أمرتهما قاتلت . قالوا : فقم معنا مقاماً تحضُّ الناس فيه على القتال . قال : سبحان الله ! آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه ؟! إذاً ما نصحت لله في عباده. قالوا: إذاً نكرهك. قال: إذاً آمر الناس بتقوى الله، وألا يُرضوا المخلوق بسخط الخالق . وخرج إلى مكة . وقال أبو القاسم البغوي : حدّثنا مصعب الزّبيري ، حدّثنا ابن أبي حازم، عن هشام ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه : أن ابن عمر دخل - وهو معه - على ابن مطيع ، فلما دخل عليه قال : مرحباً بأبي عبد الرحمن، ضعوا له وسادة. فقال: إنما جئتك لأحدِّثك حديثاً سمعته من رسول الله وَ له يقول: ((مَنْ نَزَعَ يَدأَ مِنْ طاعةٍ فإنَّهُ يأتي يومَ القيامَةِ لا حُجَّةَ له ، ومَنْ مَاتَ مُفارقَ الجماعةِ فإنَّهُ يموتُ ميتَةً جاهليّة )) . وهكذا رواه مسلم(٣) من حديث هشام بن سعد ، عن زيد ، عن أبيه ، عن ابن عمر به . وتابعه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه . وقد رواه الليث ، عن محمد بن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر ... فذكره . وقال أبو جعفر الباقر : لم يخرج أحدٌ من آل أبي طالب ولا من بني عبد المطلب أيام الحرّة ، ولما قدم مسلم بن عقبة المدينة أكرم أبي ، وأدنى مجلسه ، وأعطاه كتاب أمان . وروى المدائني : أن مسلم بن عقبة بعث روح بن زنباع إلى يزيد ببشارة الحرّة ، فلما أخبره بما وقع قال : واقوماه ، ثم دعا الضحاك بن قيس الفِهْري فقال له : ترى ما لقي أهل المدينة ، فما الذي يجبرهم ؟ قال : الطعام والأعطية ، فأمر بحمل الطعام إليهم ، وأفاض عليهم أعطيته . وقع في أ ، ط : أبا القاسم وهو خطأ . (١) (٢) برقم (١٨٥١) (٥٨) في الإمارة: باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين. ٣٣٠ ترجمة يزيد بن معاوية وهذا خلاف ما ذكره كذَبة الروافض عنه من أنه شَمِت بهم ، واشتفى بقتلهم ، وأنه أنشد ذاكراً وآثراً شعر ابن الزَّبعرى المتقدم ذكره . وقال أبو بكر محمد بن خلف بن المَرْزبان بن بسام : حدّثني محمد بن القاسم ، سمعت الأصمعي يقول : سمعت هارون الرشيد ينشد ليزيد بن معاوية : حينَ تَنْمي وبينَ عبدٍ مَنَافٍ إِنَّها بينَ عامرٍ بنٍ لُؤَيّ ثمَّ نالتْ مكارمَ الأخلافِ ولَهَا في الطَّيِّبِينَ جدودٌ -شي بنعلٍ على التُّرابِ وحافي بنت عمِّ النَّبيِّ أكرم مَنْ يَمْـ سظةِ إلَّ كَدُرَّةِ الأَصْدافِ لَنْ تراها علَى التبدُّلِ والغِلْ وقال الزبير بن بكار : أنشدني عمي مصعب ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان : ثمَّ مرَّ النَّومُ فامْتَنَعَا آبَ هُذا الهمُّ فَاكْتَنَعَ﴾ (١) راعِياً للنَّجم أَزْقُهُ حامَ حتَّى إِنَّني لأَرى فإذا ماكوكبٌ طَلَعا أنَّهُ بالغَوْرِ قَدْ وَقَعا ولَهَا بالماطِرونِ(٢) إذا أكلَ النَّمِلُ الذي جَمَعا نَزَلَتْ من جِلِّقٍ(٣) بِيَعَا نُزْهَةٌ حَتَّى إذا بَلَغَتْ في قبابٍ وَسْطَ دَسْكَرَ (٤) حولَها الزَّيتونُ قد يَنَع(٥) [ ومن شعره : ببدر الدُّجى يوماً وقد ضاقَ مَنْهَجي وقائلةٍ لي حينَ شبَّهْتُ وجهَها بقَدْري ولكنْ لستُ أوَّلَ مَنْ هُجي تُشبِّهُني بالبدرِ هُذا تناقصٌ إذا بلغَ التَّشبيه عادَ كدُمْلجي(٦) ألمْ تَرَ أنَّ البدرَ عند كمالِهِ (١) تحرفت هذه اللفظة في المطبوع إلى: فاكتنفا وشرحها محققو طبعة دار الكتب العلمية على ذلك. قلت : البيت من شواهد اللسان : مادة ( كنع ) . وقوله : اكتنع ، يعني : حضر . (٢) تحرفت في المطبوع إلى : بالمطارونَ وقال محققو طبعة دار الكتب العلمية : المطارون : موضع بالشام . قلت : ليس هنالك موضع اسمه المطارون ، لكن الصحيح ما أثبتناه في النسختين آ و ب ، وقد أورده ياقوت في معجمه (٤٢/٥) وقال : موضع بالشام قرب دمشق ، ومن شروطه أن يلزم الواو وتعرب نونه . ثم ذكر الأبيات. (٣) تحرفت في المطبوع إلى : خلق . ((الدسكرة)): بناء كالقصر حوله بيوت للأعاجم يكون فيها الشراب والملاهي . (٤) الأبيات في تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص٣٣٢) وقد أورد الجَريري ثلاثة منها في الجليس الصالح (٢٧٨/١). (٥) (٦) ((الدملج)): العقد . ٣٣١ ترجمة يزيد بن معاوية فلا فخرَ إنْ شَبَّهْتَ بالبدرِ مَبْسَمي وبالسِّحرِ أَجْفاني وباللَّيْلِ مَدْعجي (١) وقد ذكر الزبير بن بكّار ، عن أبي محمد الجزري قال : كانت بالمدينة جارية مغنِّية يقال لها سلامة ، من أحسن النساء وجهاً ، وأتمهنَّ عقلاً، وأحسنهنَّ قدّاً ، قد قرأت القرآن ، وروت الشعر وقالته ، وكان عبد الرحمن بن حسان والأحوص بن محمد يجلسان إليها . فعلقت الأحوص ، وصدَّت عن عبد الرحمن ، فرحل ابن حسان إلى يزيد بن معاوية إلى الشام ، فامتدحه ودلَّه على سلاّمة وجمالها وحسنها وفصاحتها . وقال : لا تصلح إلا لك يا أمير المؤمنين ، وأن تكون من سمّارك ، فأرسل يزيد ، فاشتُريت له وحُملت إليه ، فوقعت منه موقعاً عظيماً، وفضَّلها على جميع من عنده . ورجع عبد الرحمن إلى المدينة فمرَّ بالأحوص فوجده مهموماً ، فأراد أن يزيده إلى مابه من الهم همّاً فقال : لاقى مِنَ الحبِّ تباريحا يا مُبْتَلى بالحبِّ مَقْروحا إلَّا بكأسِ الحبِّ مَصْبُوحا أفحمَهُ الحبُّ فما يَنْشَني عنهُ وما يَكْرَهُ مَفْتُوحا وصارَ ما يُعْجِبُهُ مُغْلَقاً ينالُ منها الشَّمَّ والرِّيحا قد حازَها مَنْ أصبحتْ عندَهُ وعَزِّ قلباً منكَ مَجْروحا خليفةُ اللهِ فِسَلِّ الهوى قال : فأمسك الأحوص عن جوابه ، ثم غلبه وجدُه عليها ، فسار إلى يزيد ، فامتدحه ، فأكرمه يزيد وحظي عنده ، فدسَّت إليه سلامة خادماً وأعطته مالاً على أن يدخله عليها ، فأخبر الخادم يزيد بذلك ، فقال : امض لرسالتها ، ففعل وأدخل الأحوص عليها وجلس يزيد في مكان يراهما ولا يريانه ، فلما بصرت الجارية بالأحوص بكت إليه وبكى إليها ، وأمرت فأُلقي له كرسي فقعد عليه ، وجعل كل واحد منهما يشكو إلى صاحبه شدة شوقه إليه ، فلم يزالا يتحدثان إلى السَّحر ، ويزيد يسمع كلامهما من غير أن يكون بينهما ريبة ، حتى إذا همَّ الأحوص بالخروج قال : أمسى فُؤادي في همَّ وبَلْبالِ مِنْ حبِّ مَنْ لمْ أزلْ منهُ على بالٍ فقالت : صَحَا المحتُّونَ بعدَ النَّي إذ يَئِسُوا وقد يَئِسْتُ وما أَصْحُو على حالٍ فقال : مَنْ كانَ يَسْلُو بيأسٍ عَنْ أخي ثِقَةٍ فعنكِ سلاَّمُ ما أمسَيتُ بِالسَّالي فقالت : (١) سقطت هذه الأبيات من النسخة ب . ٣٣٢ ترجمة يزيد بن معاوية واللهِ واللهِ لا أنساكَ يا شَجَني حتَّى تفارقَ مِنِّي الرُّوحُ أوصَالي فقال : واللهِ ما خابَ مَنْ أمسى وأنتِ لهُ يا قرَّةَ العينِ في أهلٍ وفي مالٍ قال : ثم ودَّعها وخرج ، فأخذه يزيد ودعا بها فقال : أخبراني عما كان في ليلتكما واصدقاني . فأخبراه وأنشداه ما قالا ، فلم يحرِّفا منه حرفاً ، ولا غيَّرا شيئاً مما سمعه ، فقال لها يزيد : أتحبينه ؟ قالت : إي والله يا أمير المؤمنين ! حبّاً شديداً جرى كالرُّوحِ في جَسَدي فَهَلْ يفرَّقُ بينَ الرُّوحِ والجَسَد فقال له : أتحبها ؟ فقال : إي والله يا أمير المؤمنين ! حبّاً شديداً تَلِيداً غيرَ مَطَّرِفِ بينَ الجوانِحِ مثلَ النَّارِ يَضْطَرِمُ فقال يزيد : إنكما لتصفان حباً شديداً ، خذها يا أحوص فهي لك ، ووصله صلة سنية . فرجع بها الأحوص إلى الحجاز وهو قرير العين (١). [ وقد روي أن يزيد كان قد اشتهر بالمعازف وشرب الخمر والغناء والصَّيد واتخاذ الغلمان والقيان والكلاب والنطاح بين الكباش والدباب والقرود ، وما من يوم إلا يصبح فيه مخموراً ، وكان يشدُّ القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به ، ويُلبس القرود قلانس الذهب وكذلك الغلمان ، وكان يسابق بين الخيل ، وكان إذا مات القرد حزن عليه . وقيل : إن سبب موته أنه حمل قردة وجعل ينقِّزها فعضَّته . وذكروا عنه غير ذلك ، والله أعلم بصحة ذلك ٢٤) وقال عبد الرحمن بن أبي مذعور : حدّثني بعض أهل العلم قال : آخر ما تكلّم به يزيد بن معاوية : اللهم لا تؤاخذني بما لم أحبه ولم أرده ، واحگم بيني وبين عبيد الله بن زياد . وكان نقش خاتمه : آمنت بالله العظيم . مات يزيد بحوَّارين - من قرى دمشق - في رابع عشر ربيع الأول ، وقيل : يوم الخميس للنصف منه ، سنة أربع وستين . وكانت ولايته بعد موت أبيه في منتصف رجب سنة ستين . وكان مولده في سنة خمس - وقيل : سنة ست ، وقيل : سبع - وعشرين . ومع هذا فقد اختلف في سنِّه ومبلغ أيامه في الإمارة على أقوال كثيرة ، وإذا تأمَّلت ماذكرته لك من هذه التحديدات انزاح عنك الإشكال من هذا الخلاف ، فإن منهم (١) الخبر مطولاً في الأغاني (١٣٣/٩ - ١٣٦) وتاريخ دمشق جزء تراجم النساء (ص ١٨٣ - ١٨٦) وهو - كما يرى الأصفهاني - موضوع . (٢) ما بين حاصرتين ليس في ب . ٣٣٣ ذكر أولاد يزيد بن معاوية من قال : جاوز الأربعين حين مات، فالله أعلم . ثم حُمل بعد موته إلى دمشق ، وصلَّى عليه ابنه معاوية بن يزيد أمير المؤمنين يومئذ ، ودفن بمقابر باب الصغير . وفي أيامه وسِّع النهر المسمَّى بيزيد في ذيل جبل قاسيون ، وكان جدولاً صغيراً فوسَّعه أضعاف ماكان يجري فيه من الماء . وقال ابن عساكر : حدّثنا أبو الفضل محمد بن محمد بن الفضل بن المظفّر العبدي ـ قاضي البحرين - من لفظه وكتبه لي بخطّه قال : رأيت يزيد بن معاوية في النوم ، فقلت له : أنت قتلتَ الحسين ؟ فقال : لا . فقلت له : هل غفر الله لك ؟ قال : نعم، وأدخلني الجنة . قلت : فالحديث الذي يروى : أن رسول الله وَ ﴾ رأى معاوية يحمل يزيد فقال: ((رجلٌ مِنْ أهلِ الجنَّةِ يحملُ رجلاً منْ أهلِ النَّار)» ؟ فقال : ليس بصحيح. قال ابن عساكر: وهو كما قال، فإن يزيد بن معاوية لم يولد في حياة النبي وُّ وإنما ولد بعد العشرين من الهجرة . وقال أبو جعفر بن جرير : ذكر أولاد يزيد بن معاوية وعددهم فمنهم : معاوية بن يزيد بن معاوية ، يكنى أبا ليلى ، وهو الذي يقول فيه الشاعر(١): إنّي أرى فتنةٌ قَدْ حانَ أوَّلُها والملكُ بعدَ أبي لَيْلِى لِمَنْ غَلَبَا وخالد بن يزيد ، يكنى أبا هاشم ، كان يقول : إنه أصاب علم الكيمياء ، وأبو سفيان ، وأمهما أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، وقد تزوجها بعد يزيد مروان بن الحكم ، وهي التي يقول فيها الشاعر : إِنْعَمي أمَّ خالدِ رُبَّ سَاعٍ كَقَاعِدٍ وعبد الله(٢) بن يزيد - ويقال له: الأُسْوار(٣) - كان من أرمى العرب، وأمُّه أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر . وهو الذي يقول فيه الشاعر : زعمَ النّاسُ أنَّ خيرَ قريشٍ كلِّهِمْ حينَ يُذكرُ الأُسْوارُ هو أزنم الفزاري ، کما سیأتی قريباً (١) تحرف في المطبوع إلى : عبد العزيز . ترجمته في مختصر تاريخ دمشق (١٤ / ١٣٤). (٢) (٣) ((الأسوار والإسوار)): هو الجيد الرمي بالسهام. وقد لقب عبد الله بذلك لجودة رميه . ٣٣٤ إمارة معاوية بن يزيد بن معاوية وعبد الله الأصغر [ وعمر }(١) وأبو بكر ، وعتبة ، وعبد الرحمن ، والربيع ، ومحمد ، لأمهات أولاد شتى(٢). [ ويزيد، وحرب، وعمر، وعثمان. فهؤلاء خمسة عشر ذكراً. وكان له من البنات : عاتكة ، ورَمْلة ، وأم عبد الرحمن ، وأم يزيد ، وأم محمد . فهؤلاء خمس بنات . وقد انقرضوا كافة فلم يبق ليزيد عقب ، والله سبحانه أعلم }٣) . إمارة معاوية بن يزيد بن معاوية ( ٤) أبي عبد الرحمن - ويقال: أبو يزيد، ويقال: أبو ليلى(٥) - القرشي الأموي. وأمُّه: أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة . بويع له بعد موت أبيه - وكان وليّ عهده من بعده - في رابع عشر ربيع الأول سنة أربع وستين . وكان رجلاً صالحاً ناسكاً . ولم تطل مدَّته ، قيل : إنه مكث أربعين يوماً . وقيل : عشرين يوماً . وقيل: شهرين. وقيل : شهراً ونصف شهر . وقيل : ثلاثة أشهر وعشرين يوماً . وقيل : أربعة أشهر. فالله أعلم. وكان في مدة ولايته مريضاً لم يخرج إلى الناس ، وكان الضحاك بن قيس هو الذي يصلِّ بالناس ويسد الأمور . ثم مات معاوية بن يزيد هذا عن إحدى وعشرين - وقيل : ثلاث وعشرين - سنة وثمانية عشر يوماً ، وقيل : تسع عشرة سنة ، وقيل : عشرين ، وقيل : ثلاث وعشرين ، وقيل : إنما عاش ثماني عشرة سنة ، وقيل : خمس عشرة . فالله أعلم . وصلَّى عليه أخوه خالد ، وقيل : عثمان بن عَنْبسة ، وقيل : الوليد بن عتبة ، وهذا هو الصحيح ، فإنه أوصى إليه بذلك . وشهد دفنه مروان بن الحكم . وكان الضحاك بن قيس هو الذي يصلِّي بالناس بعده حتى استقر الأمر لمروان بالشام . ودفن بمقابر باب الصغير بدمشق . ولما حضرته الوفاة قيل له : ألا توصي ؟ فقال : لا أتزود مرارتها لآخرتي ، وأترك حلاوتها لبني أمية . (١) زيادة من تاريخ الطبري . (٢) هنا ينتهي كلام ابن جرير كما في تاريخه (٥/ ٥٠٠) وأيضاً الكامل لابن الأثير (١٢٥/٤). (٣) ما بين حاصرتين ليس في ب. (٤) نسب قريش (١٢٨) المعارف (٣٥٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٣٥٨/١) تاريخ الطبري (٥٠١/٥) مروج الذهب (٨٢/٣) تاريخ ابن عساكر (١٦/ ٣٩٥/ب) الكامل لابن الأثير (١٢٩/٤) مختصر تاريخ دمشق (١١٠/٢٥) تاريخ الإسلام (٨٣/٣) العبر (٦٩/١) سير أعلام النبلاء (١٣٩/٤) النجوم الزاهرة (١٦٣/١) تاريخ الخلفاء (٣٣٤) شذرات الذهب (١/ ٢٨٧) . (٥) في المطبوع : أبو يعلى ، تحريف . ٣٣٥ إمارة معاوية بن يزيد بن معاوية وكان - رحمه الله - أبيض شديد البياض ، كثير الشعر ، كبير العينين ، جعد الشعر ، أقنى الأنف ، مدور الرأس ، جميل الوجه دقيقه ، حسن الجسم . قال أبو زرعة الدمشقي : معاوية ، وعبد الرحمن ، وخالد : إخوة ، وكانوا من صالحي القوم ( ١ ) وقال فيه بعض الشعراء - وهو عبد الله بن همّام السَّلولي : تلقّاها يزيدٌ عَنْ أَبِيهِ فِدُونَكَها مُعَاويَ (٢) عن يَزِيدًا ولا ترمُوا بها الغَرَضَ البَعيدَ(٣) أَدِیژُوها بني حزبٍ عليكُمْ ويروى : أن معاوية بن يزيد هذا نادى في الناس : الصلاة جامعة ، ذات يوم ، فاجتمع الناس ، فقال لهم فيما قال : يا أيها الناس ! إني قد وليتُ أمركم وأنا ضعيف عنه ، فإن أحببتم تركتها لرجل قويٌّ كما تركها الصدِّيق لعمر ، وإن شئتم تركتها شورى في ستة منكم كما تركها عمر بن الخطاب ، وليس فيكم من هو صالح لذلك ، وقد تركت لكم أمركم فولُوا عليكم من يصلح لكم ، ثم نزل ودخل منزله فلم يخرج منه حتى مات رحمه الله تعالى . فيقال : إن سُقي ، ويقال : إنه طُعن . ولما دفن حضر مروان دفنه ، فلما فرغ منه قال مروان : أتدرون من دفنتم ؟ قالوا : نعم ، معاوية بن يزيد ، فقال مروان : هو أبو ليلى الذي قال فيه أزنم(٤) الفزاري : إنِّي أرى فتنةٌ تَغْلي مَراجِلُها والملكُ بعدَ أَبي ليلى لمَنْ غَلَبَا(٥) قالوا : فكان كما قال ، وذلك أن أبا ليلى توفي من غير عهد منه إلى أحد ، فتغلّب على الحجاز عبد الله بن الزبير ، وعلى دمشق وأعمالها مروان بن الحكم ، وبايع أهل خراسان سَلْم بن زياد حتى يتولى على الناس خليفة ، وسار فيهم سَلْم سيرة حسنة أحبُّوه عليها ، ثم أخرجوه من بين أظهرهم . وخرج القراء والخوارج بالبصرة وعليهم نافع بن الأزرق ، وطردوا عنهم عبيد الله بن زياد بعدما كانوا بايعوه عليهم حتى يصير للنَّاس إمام ، فذهب إلى الشام بعد فصول يطول ذكرها ، وقد بايعوا بعده عبد الله بن الحارث بن نوفل المعروف ببيَّة ، وأمه : هند بنت أبي سفيان ، وقد جعل على شرطة البصرة هميان بن عدي تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٣٥٨/١) . (١) (٢) في المطبوع : معاوية . ولا يستقيم بها الوزن . البيتان من قصيدة لعبد الله بن همام أوردها ابن سلام الجمحي في الطبقات (٦٢٨/٢). وأيضاً في نسب قريش (٣) (١٢٩) ومروج الذهب (٦٣/٣) ومختصر تاريخ دمشق (١٢٦/١٤ -١٢٧) و (١١٠/٢٥). (٤) تحرف في المطبوع إلى : أرثم . (٥) الخبر والشعر أورده ابن سعد في طبقاته (٣٩/٥) ونقله عنه ابن عساكر، مختصره (٤/ ٢٤٧). ٣٣٦ إمارة عبد الله بن الزبير السدوسي ، فبايعه الناس في مستهل جمادى الآخرة سنة أربع وستين . وقد قال الفرزدق(١) في ذلك: وبايعتُ أقواماً وفيتُ بعَهْدِهم وبَيَّة قد بايعتُهُ غيرَ نادِمِ فأقام فيهم أربعة أشهر ثم لزم بيته ، فكتب أهلُ البصرة إلى ابن الزبير ، فكتب ابنُ الزبير إلى أنس بن مالك يأمره أن يصلِّي بهم شهرين ، ثم كان ماسنذكره . وخرج نَجْدة بن عامر الحنفي باليمامة ، وخرج بنو ماحور في الأهواز وفارس ، وغير ذلك على ماسيأتي تفصيله . إمارة عبد الله بن الزُّبير(٢) وعند ابن حَزْم وطائفة أنه أمير المؤمنين آنذاك قد قدَّمنا أنه لما مات يزيد أقلع الجيش عن مكة ، وهم الذين كانوا يحاصرون ابن الزبير ، وهو عائذ بالبيت ، فلما رجع حُصَين بن نُمَير السَّكُوني بالجيش إلى الشام استفحل أمر ابن الزبير بالحجاز وما والاها ، وبايعه الناس بعد يزيد بيعة عامة هنالك ، واستناب على أهل المدينة أخاه عُبيد الله بن الزُّبير ، وأمره بإجلاء بني أمية منها ، فأجلاهم ، فرحلوا إلى الشام ، وفيهم مروان بن الحكم وابنه عبد الملك . ثم بعث أهل البصرة إلى ابن الزبير - بعد حروب جرت بينهم وفتن كثيرة يطول استقصاؤها ، غير أنهم في أقل من ستة أشهر أقاموا عليهم نحواً من أربعة أمراء من بينهم ثم تضطرب أمورهم - ثم بعثوا إلى ابن الزبير وهو بمكة يخطبونه لأنفسهم ، فكتب إلى أنس بن مالك ليصلِّي بهم . [ ويقال : إن أول من بايع ابن الزبير مصعب بن عبد الرحمن ، فقال الناس : هذا أمر فيه صعوبة. وبايعه عبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن علي بن أبي طالب ، وبعث إلى ابن عمر وابن الحنفيّة وابن عباس ليبايعوا فأبَوا عليه . وبُويع في رجب بعد أن أقام الناس ثلاثة أشهر بلا إمام ﴾(٢) . وبعث ابن الزبير إلى أهل الكوفة عبد الله(٤) بن يزيد الأنصاري على الصلاة ، وإبراهيم بن محمد بن İ (١) البيت ليس في ديوانه، لكن نسب إليه في سفر السعادة (١/ ١١٢) والنقائض (٢/ ٢٧٢) ونسب في طبقات ابن سعد (٢٥/٥ و١٠١/٧) إلى سحيم بن وثيل اليربوعي، وروايته فيه : وبَيَّة قد بايعته وهو نائم بايعت أيقاظاً فأوفيت بيعتي وستأتي ترجمته في أوائل الجزء اللاحق إن شاء الله تعالى . (٢) (٣) ما بين حاصرتين من ط فقط. (٤) في ط : عبد الرحمن . وهو خطأ . ٣٣٧ ذكر بيعة مروان بن الحكم طلحة بن عبيد الله على الخَرَاج، واسْتوسَقُ(١) له المصران جميعاً . وأرسل إلى أهل مصر فبايعوه ، واستناب عليها عبد الرحمن بن جَحْدَر ، وأطاعت له الجزيرة وبلاد الشام سوى دمشق وأعمالها من الأردن فإنهم بايعوا لمروان بن الحكم . ولما رجع الحُصين بن نُمير من مكة إلى الشام كان قد التفّ على عبد الله بن الزبير جماعة من الخوارج يدافعون عنه ، منهم : نافع بن الأزرق ، وعبد الله بن إياض ، وجماعة من رؤوسهم . فلما استقرَّ أمره في الخلافة قالوا فيما بينهم : إنكم قد أخطأتم لأنكم قاتلتم مع هذا الرجل ولم تعلموا رأيه في عثمان بن عفان - وكانوا يبغضون عثمان - فاجتمعوا إليه فسألوه عن عثمان، فأجابهم فيه بما يَسُوءُهم ، وذكر لهم ما كان متصفاً به من الإيمان والتصديق والعدل والإحسان والسِّيرة الحسنة والرجوع إلى الحق إذا تبيَّن له . فعند ذلك نفروا عنه ، وفارقوه ، وقصدوا بلاد العراق وخراسان ، فتفرقوا فيها بأبدانهم ، وأديانهم ، ومذاهبهم ، ومسالكهم المختلفة المنتشرة التي لا تنضبط ولا تنحصر ، لأنها مفرعة على الجهل ، وقوة النفس ، والاعتقاد الفاسد . ومع هذا استحوذوا على كثير من البلدان والكُوَر ، حتى انتُزعت منهم بعد ذلك على ماسنذكره فيما بعد إن شاء الله . ذكر بيعة مروان بن الحكم(٢) وكان سبب ذلك أن حُصَين بن نُمَير لما رجع من أرض الحجاز ، وارتحل عبيد الله بن زياد من البصرة إلى الشام ، وانتقلت بنو أميَّة من المدينة إلى الشام ، اجتمعوا إلى مروان بن الحكم بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية ، وقد كان عزَم على أن يبايع لابن الزبير بدمشق ، وقد بايع أهلها الضخَّاك بن قيس على أن يصلح بينهم ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع الناس على إمام ، والضحاك يريد أن يبايع لابن الزبير . وقد بايع لا بن الزبير النُّعمان بن بشير بحمص ، وبايع له زُفَر بن عبد الله الكِلابي بقِنَّسْرين(٣) ، وبايع له ناتل (٤) بن قيس بفلسطين وأخرج منها رَوْح بن زنباع الجُذَامي. فلم يزل عبيد الله بن زياد والحُصَين بن نُمير بمروان بن الحكم حتى ثنياه عن رأيه ، وحذراه من دخول سلطان ابن الزبير وملكه إلى الشام ، وقالا له : أنت شيخ قريش وسيِّدُها ، فأنت أحقُّ بهذا الأمر . [ فرجع عن البيعة لابن الزبير . وخاف ابن زياد الهلاك إن تولَّى غير بني أمية، فعند ذلك (9) التفَّ هؤلاء كلُّهم مع قومه بني أمية ومع أهل اليمن على مروان ، فوافقهم على ماأرادوا ، وجعل يقول : ما فات شيء . (١) ((استوسق)): انضم وأطاع. (٢) وستأتي ترجمته لاحقاً . ((قنسرين)) : بلدة قريبة من حلب . (٣) تحرف في أ ، ط إلى: نائل، وفي ب إلى: بابل وما أثبتناه من ترجمته في مختصر تاريخ دمشق (٩٦/٢٦) وغيره . (٤) (٥) ما بين حاصرتين سقط من أ ، ب . ٣٣٨ ذكر بيعة مروان بن الحكم وكتب حسان بن مالك بن بَحْدَل الكلبي إلى الضحّاك بن قيس يثنيه عن المبايعة لابن الزبير ، ويعرِّفه أيادي بني أمية عنده وإحسانهم إليه ، ويذكر فضلهم وشرفهم . وقد بايع حسان بن مالك أهل الأردن لبني أمية ، وهو يدعو إلى ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، وبعث إلى الضحاك كتاباً بذلك ، وأمره أن يقرأ كتابه على أهل دمشق يوم الجمعة على المنبر ، وبعث بالكتاب مع رجل يقال له : ناغضة بن كريب الطابخي - وقيل : هو من بني كلب - وقال له : إن لم يقرأه هو على الناس فاقرأه أنت . وأعطاه نسخة به ، فسار إلى الضحاك ، فأمره بقراءة الكتاب ، فلم يقبل ، فقام ناغضة فقرأه على الناس ، فصدَّقه جماعة من أمراء الناس وكذَّبه آخرون ، وثارت فتنة عظيمة بين الناس ، فقام خالد بن يزيد بن معاوية - وهو شاب حدث - على درجتين من المنبر فسكَّن الناس ، ونزل الضحاك فصلَّى بالناس الجمعة ، وأمر الضحاك بن قيس بأولئك الذين صدقوا ناغضة أن يُسجنوا ، فثارت قبائلهم فأخرجوهم من السجن ، واضطرب أهل دمشق في ابن الزبير وبني أمية . وكان اجتماع الناس لذلك ووقوفهم بعد صلاة الجمعة بباب جَيْرون (١) ، فسمي هذا اليوم يوم جَيْرون . قال المدائني : وقد أراد الناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أن يتولَّى عليهم ، فأبى ، وهلك في تلك الليالي . ثم إن الضحاك بن قيس صعد منبر المسجد الجامع فخطبهم به ، ونال من يزيد بن معاوية ، فقام إليه شاب من بني كلب فضربه بعصا كانت معه ، والناس جلوس متقلَّدي سيوفهم ، فقام بعضهم إلى بعض فاقتتلوا في المسجد قتالاً شديداً ، فقَيْس ومن لفَّ لفيفها يدعون إلى ابن الزبير وينصرون الضحاك بن قيس ، وبنو كلب يدعون إلى بني أمية وإلى البيعة لخالد بن يزيد بن معاوية ، ويتعصَّبون ليزيد وأهل بيته ، فنهض الضحاك بن قيس فدخل دار الإمارة وأغلق الباب ولم يخرج إلى الناس إلا يوم السبت لصلاة الفجر ، ثم أرسل إلى بني أمية فجمعهم إليه ، فدخلوا عليه وفيهم مروان بن الحكم ، وعمرو بن سعيد بن العاص ، وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية - قاله المدائني - فاعتذر إليهم مما كان منه ، واتّفق معهم أن يركب معهم غدوة إلى حسان بن مالك الكلبي فيتَّفقوا على رجل يرتضونه من بني أمية للإمارة ، فركبوا جميعاً إليه ، فبينما هم يسيرون إلى الجابية لقصد حسان بن مالك إذ جاء معنُ بن ثور(٢) بن الأخنس في قومه قيس ، فقال له : إنك دعوتنا إلى بيعة ابن الزبير فأجبناك ، وأنت الآن ذاهب إلى هذا الأعرابي ليستخلف ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية ! فقال له الضحاك : فما الرأي ؟ قال : الرأي أن نُظهِر ماكنا (١) ((باب جيرون)): هو الباب الشرقي من أبواب الجامع الأموي بدمشق. (٢) تصحف في تاريخ الطبري (٥٣٣/٥) والكامل لابن الأثير (١٤٧/٤) إلى ثور بن معن ، وترجمته في مختصر تاريخ دمشق (١٤٩/٢٥). ٣٣٩ ذكر بيعة مروان بن الحكم نُسِرّ ، وأن ندعو إلى طاعة ابن الزبير ونقاتل عليها . فمال الضحاك بمن معه فرجع إلى دمشق ، فأقام بها بمن معه من قيس ومن لفَّ لفيفها ، وبعث إلى أمراء الأجناد وبايع الناس لابن الزبير ، وكتب بذلك إلى ابن الزبير يعلمه بذلك . فذكره ابن الزبير لأهل مكة وشكره على صنيعه ، وكتب إليه بنيابة الشام . وقيل : بل بايع الناس لنفسه بالخلافة . فالله أعلم أي ذلك كان . والذي ذكره المدائني : أنه إنما دعا إلى بيعة ابن الزبير أولاً ، ثم حسّن له عبيد الله بن زياد أن يدعو إلى نفسه ، وذلك إنما فعله مكراً منه وكباراً ليفسد عليه ما هو بصدده ، فدعا الضحاك إلى نفسه ثلاثة أيام ، فنَقَم الناس عليه ذلك وقالوا : دعوتنا إلى بيعة رجل فبايعناه ثم خلعته من غير سبب ولا عذر ، ثم دعوتنا إلى نفسك ؟! فرجع إلى البيعة لابن الزبير ، فسقط بذلك عند الناس ، وذلك الذي أراد ابن زياد . وكان اجتماع عبيد الله بن زياد به بعد اجتماعه بمروان وتحسينه له أن يدعو إلى نفسه ، ثم فارق مروان ليخدع له الضحاك ، فنزل عنده بدمشق ، وجعل يركب إليه كل يوم ، ثم أشار ابن زياد على الضحاك أن يخرج من دمشق إلى الصحراء ويدعو بالجيوش إليه ليكون أمكن له ، فركب الضحاك إلى مرج راهط فنزل بمن معه من الجنود ، وعند ذلك اجتمع بنو أمية ومن اتبعهم بالأردن ، واجتمع إليهم مَنْ هنالك من قوم حسان بن مالك من بني كلب . ولما رأى مروان بن الحكم ما انتظم من البيعة لا بن الزبير وما استوسق له من الملك عزم على الرحيل إليه لمبايعته ، وليأخذ منه أماناً لبني أمَّة ، فسار حتى بلغ أَذْرِعات ، فلقيه ابن زياد مقبلاً من العراق ، فصدَّه عن ذلك ، وهجَّن رأيه ، واجتمع إليه عمرو بن سعيد بن العاص وحُصين بن نُمير وابن زياد وأهل اليمن وخلق ، فقالوا لمروان : أنت كبير قريش ورئيسها ، وخالد بن يزيد غلام ، وعبد الله بن الزبير كهل ، فإنما يُقرع الحديد بعضه ببعض ، فلا تباره بهذا الغلام ، وارم بنحرك في نحره ، ونحن نبايعك ، ابسط يدك ، فبسط يده ، فبايعوه بالجابية في يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين . قاله الواقدي . فلما تمهَّد له الأمر سار بمن معه نحو الضحاك بن قيس ، فالتقيا بمرج راهط ، فغلبه مروان بن الحكم وقتله وقتل من قيس مقتلة لم يُسمع بمثلها ، على ما سيأتي تفصيله في أول سنة خمس وستين ، فإن الواقدي وغيره قالوا : إنما كانت هذه الوقعة في المحرم من سنة خمس وستين . وفي رواية محمد بن سعد عن الواقدي وغيره قالوا : إنما كانت في أواخر هذه السنة . وقال الليث بن سعد والواقدي والمدائني وأبو سليمان بن يزيد وأبو عبيد وغير واحد : كانت وقعة مرج راهط للنصف من ذي الحجة سنة أربع وستين . والله سبحانه وتعالى أعلم . ٣٤٠ وقعة مرج راهط وقعة مَرْج راهِط ومقتل الضَّحّاك بن قَيْس الفِهْريُ(١) قد تقدم : أن الضحاك كان نائب دمشق لمعاوية بن أبي سفيان ، وكان يصلِّ عنه إذا اشتغل أو غاب ، ويقيم الحدود ويسد الأمور ، فلما مات معاوية قام بأعباء بيعة يزيد ابنه ، ثم لما مات يزيد بايع الناس لمعاوية بن يزيد ، فلما مات معاوية بن يزيد بايعه أهل دمشق حتى يجتمع الناس على إمام ، فلما اتسعت البيعة لابن الزبير عزم على المبايعة له ، فخطب الناس يوماً وتكلّم في يزيد بن معاوية وذمّه ، فقامت فتنة في المسجد الجامع حتى اقتتل الناس فيه بالسيوف ، فسكن الناس ثم دخل دار الإمارة من الخضراء وأغلق عليه الباب ، ثم اتفق مع بني أمية على أن يركبوا إلى حسان بن مالك بن بَحْدل وهو بالأردن فيجتمعوا عنده على من يراه أهلاً للإمارة ، وكان حسان يريد أن يبايع لابن أخته خالد بن يزيد - ويزيد ابن ميسون ، وميسون بنت بحدل أخت حسان - فلما ركب الضحاك معهم انخزل(٢) بأكثر الجيش ، فرجع إلى دمشق فامتنع بها ، وبعث إلى أمراء الأجناد فبايعهم لابن الزبير ، وسار بنو أمية ومعهم مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية ، حتى اجتمعوا بحسان بن مالك بالجابية ، وليس لهم قوة طائلة بالنسبة إلى الضحاك بن قيس ، فعزم مروان بن الحكم على الرحيل إلى ابن الزبير ليبايعَه ويأخذَ أماناً منه لبني أمية ، فإنه كان قد أمر بإجلائهم عن المدينة ، فسار حتى وصل إلى أذرِعات ، فلقيه عبيد الله بن زياد مقبلاً من العراق ، فاجتمع به ومعه حُصين بن نُمير وعمرو بن سعيد بن العاص ، فحسَّنوا إليه أن يدعوَ لنفسه ، فإنه أحق بذلك من ابن الزبير الذي قد فارق الجماعة وخلع ثلاثة من الخلفاء ، فلم يزالوا بمروان حتى أجابهم إلى ذلك ، وقال له عبيد الله بن زياد : وأنا أذهب لك إلى الضحاك بدمشق فأخدعه لك وأخذِّل أمره ، فسار إليه ، وجعل يركب إليه كل يوم ويُظهر له الودّ والنصيحة والمحبة ، ثم حسَّن له أن يدعو إلى نفسه ويخلع ابن الزبير ، فإنك أحق بالأمر منه لأنك لم تزل في الطاعة مشهوراً (١) طبقات ابن سعد (٤١٠/٧) نسب قريش (٤٤٧) طبقات خليفة (١٢٧، ١٨٥، ٣٠١) تاريخ خليفة (٢١٩، ٢٢٣، ٢٢٤، ٢٢٦، ٢٥٩، ٢٦٠) مسند أحمد (٤٥٣/٣) المحبر (٢٩٥، ٣٠٢) تاريخ البخاري الكبير (٣٣٢/٤) المعارف (٤١٢) تاريخ الطبري (الفهرس) الجرح والتعديل (٤٥٧/٤) مروج الذهب (٩٥/٣ وغيرها) مشاهير علماء الأمصار (ت٣٦٨) معجم الطبراني الكبير (٢٩٦/٨) مستدرك الحاكم (٥٢٤/٣) جمهرة أنساب العرب (١٧٨) الاستيعاب (٧٤٤/٢) إكمال ابن ماكولا (٣٨٦/٧) تاريخ ابن عساكر (٢٠٥/٨/ب) أسد الغابة (٤٩/٣) الكامل في التاريخ (١٤٩/٤) مختصر تاريخ دمشق (١٢٩/١١) تهذيب الكمال (٢٧٩/١٣) تاريخ الإسلام (٢١/٣) تذهيب التهذيب (٢/٩٨/٢) العبر (٧٠/١) الكاشف (٣٣/٢) سير أعلام النبلاء (٢٤١/٣) تجريد أسماء الصحابة (٢٨٥١/١) إكمال مغلطاي (٢ / ورقة ٢٠٠) العقد الثمين (٤٨/٥) نهاية السول (ورقة ١٤٩) الإصابة (٢٠٧/٢) تهذيب التهذيب (٤٤٨/٤) خلاصة الخزرجي (١٧٦) شذرات الذهب (١/ ٢٨٧) تهذيب ابن عساكر (٧/ ٧). (٢) ((انخزل)): انفرد .