Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
صفة مخرج الحسين إلى العراق
قال أبو مِخْنف : عن أبي علي الأنصاري ، عن بكر بن مصعب المُزَني قال : وكان الحسين لا يمرُّ
بماءٍ من مياه العرب إلا ◌َّبعوه .
قال أبو مِخْنف : عن أبي جَنَاب، عن عدي بن حَرْمَة، عن عبد الله بن سُليم والمذري(١) بن
المَشْمَعِلّ الأسديَّين قالا : لما قضينا حجَّنا لم يكن لنا همة إلّا اللحاق بالحسين ، فأدركناه وقد مرَّ برجل
من بني أسد ، فهمَّ الحسين أن يكلِّمه ويسأله ثم ترك ، فجئنا ذلك الرجل ، فسألناه عن أخبار الناس ،
فقال : والله لم أخرج من الكوفة حتى قُتل مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة ، ورأيتهما يُجرّان بأرجلهما في
السوق . قالا : فلحقنا الحسين فأخبرناه ، فجعل يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون ، مراراً . فقلنا له : الله
اللهَ في نفسك . فقال : لا خير في العيش بعدهما . قلنا : خارَ اللهُ لك . وقال له بعض أصحابه : والله
ما أنت مثل مسلم بن عَقيل ، ولو قدمتَ الكوفة لكان الناس إليك أسرع (٢).
وقال غيرهما : لما سمع أصحاب الحسين بمقتل مسلم بن عَقيل وثب عند ذلك بنو عَقيل بن
أبي طالب وقالوا : لا والله لا نرجع حتى ندركَ ثأرنا أو نذوقَ ما ذاق أخونا .
فسار الحسين ، حتى إذا كان بزَرُود(٣) بلغَه أيضاً مقتل الذي بعثه بكتابه إلى أهل الكوفة بعد أن خرج
من مكة ووصل إلى حاجر ، فقال : قد خذلتنا شيعتنا ، فمن أحبَّ منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج
عليه ، وليس عليه منا ذِمام . قال : فتفرّق الناس عنه أيادِي سَبَ(٤) يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه
الذين جاؤوا معه [ من مكة . وإنَّما فعل ذلك لأنه ظنَّ أن مَن اتَبعه من الأعراب إنما اتّبعوه لأنه يأتي بلداً قد
استقامت له طاعةُ أهلها ، فكرِة أن يسيروا معه إلّ وهم يعلمون على ما يقدمون ، وقد علم أنه إذا بيَّن لهم
الأمر لم يصحبْه إلّا مَنْ يريد مواساته في الموت معه }(٥) .
قال : فلمّا كان السَّحَر أمر فتيانه أن يستقُوا من الماء ويُكثروا منه . ثم سار حتى مرَّ ببطن العَقَبة ، فنزل
بها .
وقال محمد بن سعد : حدّثنا موسى بن إسماعيل ، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن يزيد الرِّشْك قال :
حدّثني من شافَةَ الحسين قال : [ رأيت أخبية مضروبة بفلاة من الأرض ، فقلت : لمن هذه ؟ قالوا : هذه
(١) في ط : المنذر .
(٢) تاريخ الطبري (٣٩٨/٥) .
(٣) زرود: منطقة رملية بين الثعلبية والخزيمية بطريق الحاج من الكوفة. معجم البلدان (١٣٩/٣).
(٤) ((تفرقوا أيادي سبا)): مثل ضربته العرب في الفرقة: أي فرقتهم طرقهم التي سلكوها كما تفرق أهل سبأ في مذاهب
شتى . والعرب لا تهمز سبا في هذا الموضع لأنه كثر في كلامهم فاستثقلوا فيه الهمز ، وإن كان أصله مهموزاً .
اللسان : مادة ( سبأ).
(٥) ما بين حاصرتين سقط من ب. والخبر في تاريخ الطبري (٣٩٨/٥ -٣٩٩).
٢٤٢
صفة مخرج الحسين إلى العراق
لحسين، قال {١): فأتيتُه، فإذا شيخٌ يقرأ القرآن والدموعُ تسيل على خدَّيه ولحيته ، قال : قلت بأبي
وأمي يا بن رسول الله ، ماأنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد ؟! فقال : هذه كتب أهل الكوفة
إليَّ ، ولا أراهم إلّا قاتليّ، فإذا فعلوا ذلك لم يَدَعوا الله حرمة إلّ انتهكوها، فيسلَّط الله عليهم مَنْ يدِلُّهم
حتى يكونوا أذلَّ مِن فَرَم الأَمَة - يعني: مِقْنَعَتها٢) . وأخبرنا علي بن محمد ، عن الحسن بن دينار ، عن
معاوية بن قُرَّة قال : قالَ الحسين : والله لتَعْتدنَّ عليَّ كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت . وحدّثنا علي بن
محمد ، عن جعفر بن سليمان الصُّبعي قال : قال الحسين : والله لا يَدَعوني حتى يستخرجوا هذه العَلَقة
من جوفي ، فإذا فعلوا ذلك سلَّط الله عليهم من يُذلُّهم حتى يكونوا أذل مِن فَرَم الأَمَة. فقُتل بِنِيْنَوىُ(٣) يوم
عاشوراء سنة إحدى وستين .
وقال يعقوب بن سفيان : حدّثنا أبو بكر الحميدي، حدّثنا سفيان، حدّثنا شهاب بن خِرَاشُ(٤) ، عن
رجل من قومه قال : كنت في الجيش الذين بعثهم ابن زياد إلى الحسين[ وكانوا أربعة آلاف يريدون قتال
الدَّيلم ، فعيَّنهم ابن زياد ، وصرفهم إلى قتال الحسين (٥) فلقيتُ حسيناً ، فرأيته أسود الرأس واللحية ،
فقلت له : السلام عليك أبا عبد الله . فقال : وعليك السلام - وكانت فيه غُنَّة - فقال: لقد باتت فيكم سللة
منذ الليلة - يعني سُرّاق٦ٌ) . قال شهاب: فحدثت به زيد بن علي فأعجبه : وكانت فيه غُنَّة . قال
سفيان بن عيينة : وهي في الحسينيِّينُ(٧) .
قال أبو مِخْنف : عن أبي خالد الكاهلي قال : لما صبَّحت الخيلُ الحسينَ بن علي رفع يديه فقال :
اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدَّة ، وأنت لي من كل أمر نزل بي ثقةٌ وعدَّة ، فكم من همٍّ
يضعف فيه الفؤاد ، وتقلُّ فيه الحيلة ، ويخذُل فيه الصديق ، ويشمَت فيه العدو ، فأنزلتُه بك وشكوتُه
إليك ، رغبةً فيه إليك عمن سواك ، ففرَّجتَه وكشفتَه وكفيتَنيه ، فأنت(٨) وليُّ كل نعمة ، وصاحب كل
حسنة ، ومنتهى كل غاية (٩)
(١) ما بين حاصرتين سقط من أ، ب .
(٢) ((المقنعة)): ما تغطي به المرأة رأسها. وفي النهاية لابن الأثير (٤٤١/٣): (حتى تكونوا أذل من فرم الأمة) هو
ما تعالج به المرأة فرجها ليضيق . وقيل : هو خرقة الحيض .
(٣)
((نينوى)) : ناحية بسواد الكوفة ، منها كربلاء .
تحرف في ط والمعرفة والتاريخ إلى : حراش وفي أ إلى : حرشان .
(٤)
(٥)
ما بين حاصرتين سقط من ب ، كما سقطت لفظة آلاف من المعرفة والتاريخ .
(٦)
في ط : سرافاً تحريف .
(٧)
المعرفة والتاريخ (٣٢٥/٣) .
بعد هذا في ط: ((لي)) وليست في م ولا في تاريخ الطبري (٤٢٣/٥)، ولا في تاريخ دمشق.
(٨)
(٩) مختصر تاريخ دمشق (٧/ ١٤٦).
٢٤٣
صفة مخرج الحسين إلى العراق
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدّثني حجّاج بن محمد، عن أبي مَعْشر (١) ، عن بعض مشيخته
قال : قال الحسين حين نزلوا كَرْبلاء : ما اسم هذه الأرض ؟ قالوا : كَرْبلاء . قال : کربٌ وبلاء .
وبعث عبيد الله بن زياد عمرَ بن سعد لقتالهم ، فقال له الحسين : يا عمر! اختَرْ لي إحدى ثلاث
خصال : إما أن تتركني أرجع كما جئت ، فإن أبيتَ هذه فسيِّزْني إلى يزيد [ فأضع يدي في يده فيحكم فيَّ
ما رأى ، فإن أبيتَ هذه فسيِّزْني إلى الترك فأقاتلهم حتى أموت . فأرسل إلى ابن زياد بذلك ، فهمَّ أن يسيِّره
إلى يزيد (٢) فقال شَمِرُ بن ذي الجَوْشَن: لا، إلَّا أن ينزل على حُكمك . فأرسل إلى الحسين بذلك،
فقال الحسين : والله لا أفعل. وأبطأ عمر عن قتاله، فأرسل ابن زياد شَمِرَ بن ذي الجَوْشَن وقال له : إنْ
تقدَّم عمرُ فقاتلَ وإلَّا فاقتله وكن مكانه ، فقد ولَّيتك الإمرة . وكان مع عمر قريب من ثلاثين رجلاً من أعيان
أهل الكوفة ، فقالوا له : يعرض عليكم ابن بنت رسول الله مَّه ثلاث خصال فلا تقبلوا منها شيئاً ؟!
فتحوَّلوا مع الحسين يقاتلون معه (٣) .
وقال أبو زرعة : حدّثنا سعيد بن سليمان ، حدّثنا عبّاد بن العوّام ، عن حُصين قال : أدركتُ ذاك -
يعني مقتل الحسين - قال : فحدّثني سعد بن عبيدة قال : فرأيت الحسين وعليه جبَّة برود ، ورماه رجل
يقال له عمرو بن خالد الطُّهَوي بسهم، فنظرتُ إلى السهم معلَّقاً بجبَّته(٤).
وقال ابن جرير : حدّثنا محمد بن عمّار الرازي ، حدّثنا سعيد بن سليمان ، حدّثنا عبّاد بن العوّام ،
حدّثنا حُصين : أن الحسين بعث إليه أهل الكوفة: إنَّ معك مئة ألف . فبعث إليهم مسلم به عَقيل ...
فذكر قصة مقتل مسلم كما تقدم .
قال حُصين : فحدّثني هلال بن يِسَاف : أن ابن زياد أمر الناس أن يأخذوا ما بين واقصةً إلى طريق
الشام إلى طريق البصرة ، فلا يَدَعون أحداً يلج ولا أحداً يخرج ، وأقبل الحسين ولا يشعر بشيء ، حتى
أتى الأعراب ، فسألهم عن الناس ، فقالوا : والله لا ندري ، غير أنك لا تستطيع أن تلج ولا تخرج .
قال : فانطلق يسير نحو يزيد بن معاوية ، فتلقَّته الخيول بكربلاء ، فنزل يناشدهم الله والإسلام . قال :
وكان بعث إليه ابنُ زياد عمرَ بن سعد وشَمِرَ بن ذي الجَوْشَن وحُصين بن نُمير ، فناشدهم اللهَ والإسلام
أن يسيِّروه إلى أمير المؤمنين يزيد ، فيضع يده في يده ، فقالوا له : لا ، إلّا أن تنزل على حُكم ابن زياد.
وكان في جملة من معهم الحرّ بن يزيد الحَنْظلي ثم النَّهْشلي على خيل ، فلمّا سمع ما يقول الحسين قال
(١) تحرفت لفظة معشر في أ إلى: مسعر وفي ب إلى: مسعود. والخبر في سير أعلام النبلاء (٣١١/٣).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من أ .
(٣) مختصر تاريخ دمشق (١٤٧/٧).
(٤) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٦٢٦/١).
٢٤٤
صفة مخرج الحسين إلى العراق
لهم : ألا تقبلون من هؤلاء ما يَعرضون عليكم ؟! والله لو سألتُكم هذا الترك والدَّيلم ما حلَّ لكم أن
تردُوهم . فأبَوْا إلّ حكم ابن زياد ، فضرب الحرُّ وجه فرسه وانطلق إلى الحسين وأصحابه ، فظنُّوا أنه جاء
ليقاتلهم ، فلمّا دنا منهم قلب ترسه وسلَّم عليهم ، ثم كرَّ على أصحاب ابن زياد فقتل منهم رجلين ، ثم
قُتل رحمه الله(١).
وذكر أن زهير بن القَيْن البَجَلي لقي الحسين وكان حاجّاً ، فأقبل معه ، وخرج إليه ابن أبي مخرمة(٢)
المرادي ورجلان آخران - وهما عمرو بن الحجّاج ومعن السُّلمي - [ قال الخُصين : وقد رأيتهما .
قال: (٣) وأقبل الحسين يكلِّم من بعث إليه ابن زياد [وإني لأنظر إليه (٤) وعليه جبَّة من برود، فلمّا
كلَّمهم انصرف ، فرماه رجل من بني تميم يقال له عَمْرو الطُّهَوي بسهم بين كتفيه ، فإني لأنظر إلى السهم
بين كتفيه متعلّقاً بجبَّته ، فلما أبَوْا عليه رجع إلى مصافِّه ، وإني لأنظر إليهم وهم قريب من مئة رجل ، فيهم
لصُلب علي خمسة ، ومن بني هاشم ستة عشر ، ورجل من بني سُليم حليف لهم ، ورجل من بني كنانة
حلیف لهم ، وابن عم ابن زياد .
وقال خُصين : وحدّثني سعد بن عبيدة قال : إنا لمستنقعون في الماء مع عمر بن سعد ، إذ أتاه رجل
فسارَّه فقال له : قد بعث إليك ابن زياد جُوَيرية بن بدر التميمي ، وأمره إن لم تقاتل القوم أن يضرب
عنقك . قال : فوثب إلى فرسه فركبها ، ثم دعا بسلاحه فلبسه ، وإنه لعلى فرسه ، ونهض بالناس إليهم
فقاتلوهم ، فجيء برأس الحسين إلى ابن زياد ، فوضع بين يديه ، فجعل يقول بقضيبه في أنفه ويقول : إن
أبا عبد الله كان قد شَمِطُ(٥) . قال : وجيء بنسائه وبناته وأهله ، وكان أحسن شيء صنَعَه أن أمر لهم بمنزل
في مكان معتزل ، وأجرى عليهم رزقاً ، وأمر لهم بنفقة وكسوة . قال : وانطلق غلامان منهم من أولاد
عبد الله بن جعفر - أو ابن أبي جعفر - فأتيا رجلاً من طيىءٍ ، فلجأ إليه يستجيران به ، فضرب أعناقهما
وجاء برأسَيْهما حتى وضعهما بين يدي ابن زياد. قال: فهمَّ ابن زياد بضرب عنقه ، وأمر بداره فهُدمت(٦) .
قال : وحدّثني مولى لمعاوية بن أبي سفيان قال : لما أُتي يزيدُ برأس الحسين فوضع بين يديه ، رأيته
يبكي ويقول: لو كان بينه وبينه رحِمٌ ما فعل هذا - يعني ابن زياد(٧) .
تاريخ الطبري (٣٩٢/٥).
(١)
في تاريخ الطبري (٣٩٢/٥) بحرية .
(٢)
ما بين الحاصرتين ليس في ط ، واستدركناه من م، وهو في تاريخ الطبري أيضاً (٣٩٢/٥).
(٣)
(٤)
ما بين الحاصرتين من م، وهو أيضاً في تاريخ الطبري .
(( شمط)» : شاخ وكبر .
(٥)
تاريخ الطبري (٣٩٣/٥) .
(٦)
المصدر السابق .
(٧)
٢٤٥
أحداث سنة ٦١ هـ - صفة مقتل الحسين
قال الحصين : ولما قُتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثة كأنما تلطّخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس
(١)
حتى ترتفع(١)
[ قال أبو مخنف : حدّثني لَوْذان - أحد بني (٢) عكرمة - أن أحد عمومته سأل الحسين : أين تريد ؟
فحدَّثه ، فقال له : أنشُدُك الله لما انصرفت راجعاً ، فوالله ما بين يديك من القوم أحد يذبُّ عنك ولا يقاتل
معك ، وإنما - والله - أنت قادم على الأسنَّة والسيوف ، فإنَّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفَوْك مؤنة
القتال ووطؤوا لك الأشياء ثم قدمتَ عليهم بعد ذلك كان ذلك رأياً ، فأمّا على هذه الصفة فإني لا أرى لك
أن تفعل . فقال له الحسين : إنه ليس يخفى عليَّ ما قلتَ وما رأيت ، ولكنَّ الله لا يُغلب على أمره . ثم
ارتحل قاصداً الكوفة .
وقال خالد بن العاص :
رُبَّ مستَنْصَحِ يَغُشُّ ويُزْدِي وظَنِيْنِ بالغَيْبِ يُلْفَى نَصِيحَا ﴾(٣)
وقد حج بالناس في هذه السنة عمرو بن سعيد بن العاص ، وكان عامل المدينة ومكة ليزيد . وقد
عَزل يزيدُ عن إمرة المدينة الوليد بن عتبة وولّها عمرو بن سعيد بن العاص في شهر رمضان منها [ وكان
عُبيد الله بن زياد على البصرة والكوفة (٤) .
ثم دخلت سنة إحدى وستين
استهلّت هذه السنة والحسين بن علي سائر إلى الكوفة فيما بين مكة والعراق ومعه أصحابه وقراباته ،
فقُتل في يوم عاشوراء من شهر المحرّم من هذه السنة على المشهور الذي صحّحه الواقدي وغير واحد ،
وزعم بعضهم أنه قُتل في صفر منها ، والأول أصح .
وهذه صفة مَقْتله مأخوذة من كلام أئمّة هذا الشأن
لا كما يزعمُه أهل التشيّع من الكذب الصَّريح والبُهْتان
قال أبو مِخْنف: عن أبي جَنَاب ، عن عدي بن حَرْملة، عن عبد الله بن سُليمُ(٥) والمذري بن
(١) المصدر السابق .
قوله : أحد بني تحرف في ط إلى: حدثني . والخبر في تاريخ الطبري (٣٩٩/٥).
(٢)
ما بين حاصرتين سقط من ب. والبيت في تاريخ الطبري (٣٨٢/٥) وهو لإبراهيم بن العباس الصولى كما في فهرسه . .
(٣)
ما بين الحاصرتين من م .
(٤)
(٥) اضطربت النسخ في هذا السند : فوقع في أ، ط ... عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن حرملة، عن عبد الله بن=
٢٤٦
صفة مقتل الحسين
المشمعِلّ الأسديَّين قالا : أقبل الحسين ، فلمّا نزل شَرَاف(١) قال لغِلمانه وقت السحر : استقُوا من الماء
فأكثِروا ، ثم ساروا إلى صدر النهار ، فسمع الحسين رجلاً يكبِّر ، فقال له : ممَّ كَبَّرت ؟ فقال : رأيت
النخل ، فقال له الأسديّان : إن هذا المكان لم يرَ أحد منه نخلة ، فقال الحسين : فماذا تريانه رأى ؟
فقالا : هذه الخيل قد أقبلت ، فقال الحسين : أما لنا ملجأ نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه
واحد ؟ فقالا : بلى ، ذو حُسم ، فأخذ ذات اليسار إليها فنزل ، وأمر بأبنيته فضُربت ، وجاء القوم - وهم
ألف فارس مع الحرِّ بن يزيد التميمي ، وهم مقدمة الجيش الذين بعثهم ابن زياد - حتى وقفوا في مقابلته في
نَحْر (٢) الظّهيرة، والحسين وأصحابه معتمُّون متقلِّدو سيوفهم ، فأمر الحسين أصحابه أن يتروّوا من
الماء ، ويَسقُوا خيولهم ، وأن يسقُوا خيول أعدائهم أيضاً .
وروى هو وغيره قالوا : لمّا دخل وقتُ الظهر أمر الحسين الحجّاج بن مَسْروق الجُعْفي فأذَّن ، ثم
خرج الحسين في إزار ورداءٍ ونعلَين ، فخطب الناس من أصحابه وأعدائه ، واعتذر إليهم في مجيئه هذا
إلى هاهنا : بأنه قد كتب إليه أهل الكوفة : أن ليس لهم إمام ، وإن أنتَ قدمتَ علينا بايعناك وقاتلنا معك .
ثم أُقيمت الصلاة ، فقال الحسين للحرّ : تريد أن تصلي بأصحابك ؟ قال : لا ، ولكن صلِّ أنت ونصلِّي
نحن وراءك . فصلَّى بهم الحسين ، ثم دخل خيمته واجتمع به أصحابه ، وانصرف الحرّ إلى جيشه وكلٌّ
على أُهبته ، فلما كان وقتُ العصر صلَّى بهم الحسين ، ثم انصرف، فخطبهم وحثّ على السمع والطاعة
له وخلع من عاداهم من الأدعياء السائرين بالجَوْر . فقال له الحرّ : إنا لا ندري ما هذه الكتب ولا مَنْ
كتبها ، فأحضر الحسين خُرجَيْن مملوءين كتباً ، فنثرها بين يديه وقرأ منها طائفة ، فقال الحرّ : لسنا من
هؤلاء الذين كتبوا إليك(٣)، وقد أُمرنا - إذا نحن لقيناك - أن لا نفارقك حتى نُقدمك على عبيد الله بن
زياد . فقال الحسين : الموت أدنى إليك من ذلك ، ثم قال الحسين لأصحابه : اركبوا ، فركبوا وركب
النساء ، فلمّا أراد الانصراف حال القوم بينه وبين الانصراف ، فقال الحسين للحرّ : ثكلتك أمُّك ! ماذا
تريد ؟ فقال له الحرّ : أما والله لو غيرك يقولها لي [ من العرب وهو على مثل الحال التي أنت عليها ](٤)
لأقتصنَّ منه ولما تركت ذكر أمّه ، ولكن لا سبيل إلى ذكر أمك إلّا بأحسن ما نقدر عليه . وتقاول القوم
سليم . وتحرف سليم في ب إلى : سليمان . وما أثبتنا من تاريخ الطبري (٥/ ٤٠٠) علماً بأن هذا السند كثير الورود
=
عند ابن جرير .
(١) تحرفت في ط إلى: شرف. وشراف: على ثمانية أميال من الأحساء التي لبني وهب، ومن شراف إلى واقصة
ميلان . معجم البلدان (٣٣١/٣) .
(٢) تحرفت في ط إلى: نحو. ((ونحر الظهيرة)): هو حين تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع، كأنها وصلت إلى النحر
وهو أعلى الصدر . اللسان : مادة ( نحر ) .
(٣) بعد هذا في ط: ((في شيء)) وليست في م ولا في تاريخ الطبري ولا في الكامل لابن الأثير ، لذلك حذفناها .
(٤) ما بين حاصرتين سقط من ب .
٢٤٧
صفة مقتل الحسين
وتراجعوا ، فقال له الحرّ : إني لم أؤمر بقتالك ، وإنما أُمرت أن لا أفارقك حتى أُقدمك الكوفة على ابن
زياد ، فإن أبيتَ فخذ طريقاً لا تقدمك الكوفة ولا تردّك إلى المدينة ، واكتب أنت إلى يزيد ، وأكتب أنا
إلى ابن زياد إن شئت ، فلعل الله أن يأتيَ بأمر يرزقني فيه العافية من أن أُبتلى بشيء من أمرك . قال : فأخذ
الحسين يساراً عن طريق العُذَيبُ(١) والقادسيّة، والحرُ بن يزيد يسايره وهو يقول له : يا حسين! إني
أذكّرك اللهَ في نفسك ، فإني أشهد لئن قاتلتَ لتُقتلنّ ، ولئن قوتلت لتَهلكنَّ فيما أرى . فقال له الحسين :
أفبالموت تخوِّفني؟ ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه وقد لقيه وهو يريد نصرة رسول الله وَّ
فقال : أين تذهب فإنك مقتول ؟ فقال :
سَأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفَتَى إذا ما نوىُ حقّاً وجاهَدَ مُسْلِما
وفارقَ خَوْفاً أَنْ يعيشَ ويُرْغَما
وآَسَى الرجالَ الصّالحينَ بنفسِهِ
ويروى على صفة أخرى :
إذا ما نوى حقّاً ولم يُلفَ مُجْرِما
سَأمضی وما بالموتِ عار على امری؛
كفى بكَ موتاً أن تَذِلَّ وتُرْغَما٢)
فإنْ متُّ لم أَندمْ وإنْ عشتُ لم أُلَمْ
فلما سمع ذلك الحرُّ منه تنخَّى عنه وجعل يسير بأصحابه ناحية عنه ، فانتهَوْا إلى عُذيب الهِجانات
[ كان بها هجائن النعمان ترعى هنالك (٣) فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يخبُّون
ويجنّبون(٤) فرساً لنافع بن هلال يقال له الكامل ، يقصدون الحسين ، ودليلُهم رجل يقال له الطّرِمّاح بن
عديّ راكب على فرس وهو يقول :
وشمِّري قبلَ طلوعِ الفَجْر
یا ناقتي لا تُذعري من زَجري
حتى تحلِّي بكريم النَّجْر(٥)
بخيرِ رُكبانٍ وخيرٍ سَفْر
الماجدِ الحرِّ رَحيبِ الصَّدر أَتى بهِ اللهُ لخير أَمْر
ثُمَّتَ أَبقاءُ بقاءَ الذَّهر
فأراد الحرّ أن يحُول بينهم وبين الحسين ، فمنعه الحسين من ذلك ، فلمّا خلَصوا إليه قال لهم :
أخبروني عن الناس وراءكم ، فقال له مجمِّع بن عبد الله العائذي(٦) - أحد النفر الأربعة : أما أشراف الناس
(١) ((العذيب)): ما بين القادسية والمغيثة، بينه وبين القادسية أربعة أميال. معجم البلدان (٤/ ٩٢).
الخبر مع الشعر في تاريخ الطبري (٤٠٤/٥) وابن الأثير (٤٩/٤).
(٢)
(٣)
من أ فقط ، ومثله في تاريخ الطبري (٤٠٤/٥).
(( الخبب والتجنيب)) : صفتان تستحبان في عَدْو الفرس .
(٤)
((النجر)) : الأصل والحسب .
(٥)
(٦) في أ، ط: العامري. والخبر في تاريخ الطبري (٤٠٥/٥) واللباب لابن الأثير (٣٠٨/٢).
٢٤٨
صفة مقتل الحسين
فهم إلْب [ عليك، لأنهم قد عظمت رشوتهم ، وملئت غرائرهم ، يُستمال بذلك وذُّهم ، ويُستخلص به
نصيحتهم ، فهم إلْبٌ }(١) واحد عليك ، وأما سائر الناس فأفئدتهم تَهوي إليك، وسيوفهم غداً مشهورة
عليك . قال لهم : فهل لكم برسولي علم ؟ قالوا : ومن رسولك ؟ قال : قيس بن مُسْهر الصَّيداوي ،
قالوا : نعم ، أخذه الحُصين بن نُمير فبعث به إلى ابن زياد ، فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك ، فصلَّى
عليك وعلى أبيك ولعن ابنَ زياد وأباه ، ودعا الناس إلى نصرتك ، وأخبرهم بقدومك ، فأمر به فأُلقي من
رأس القصر فمات . فترقرقت عينا الحسين وقرأ قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْنَظِرِّ ﴾
الآية ... [الأحزاب: ٢٣]، ثم قال: اللهمَّ اجعل منازلهم الجنَّة، واجمع بيننا وبينهم في مستقرٍّ من
رحمتك ، ورغائب مذخور ثوابك .
ثم إن الطَّرِمّاح بن عديّ قال للحسين : أنظرُ فما أرى معك أحداً إلّ هذه الشِّرْذمة اليسيرة ، وإني
لا أرى هؤلاء القوم الذين يسايرونك أكفاء لمن معك ، فكيف وظاهر الكوفة مملوء بالخيول والجيوش
يعرضون ليقصدوك ! فأنشُدُك اللهَ إن قدرتَ أن لا تتقدم إليهم شبراً فافعل ، فإن أردتَ أن تنزل بلداً يمنعك
اللهُ به [ حتى ترى رأيك فسِرْ معي حتى أنزلك مَنَاع جبلنا، وهو أَجَأ، منعنا الله به (٢) من ملوك غسان
وحِمْير ، ومن النعمان بن المنذر ، ومن الأسود والأحمر ، والله إن دخلنا ذلٌّ قطُ فأسير معك حتى أنزلك
القُريَّة ثم تبعث إلى الرجال ممن بأَجَأ وسَلمى من طيِّىء ، ثم أقم فينا ما بدا لك، فأنا زعيم بعشرة آلاف
طائي يضربون بين يديك بأسيافهم ، والله لا يوصل إليك أبداً ومنهم عين تَطرف . فقال له الحسين :
جزاك الله خيراً. ولم يرجع عمّا هو بصدده ، فودَّعه الطَّرِمّاح .
ومضى الحسين ، فلمّا كان من الليل أمر فتيانه أن يستقُوا من الماء كفايتهم ، ثم سرى فنَعَس في مسيره
حتى خفق برأسه ، واستيقظ وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والحمد لله ربِّ العالمين . ثم قال :
رأيت فارساً على فرس وهو يقول : القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم ، فعلمتُ أنها أنفسنا نُعيت إلينا .
فلمّا طلع الفجر صلَّى بأصحابه ، وعجل الركوب ، ثم تياسر في مسيره حتى انتهى إلى نِيْنَوى ، فإذا راكب
متنكِّب قوساً قد قدم من الكوفة ، فسلّم على الحرِّ بن يزيد ولم يسلِّم على الحسين ، ودفع إلى الحرِّ كتاباً
من ابن زياد ، ومضمونُهُ : أن يَعْدِلَ بالحسين في السير إلى العراء (٣) في غير قرية ولا حِصْن حتى تأتيه رسلُه
وجنوده ، وذلك يوم الخميس الثاني من المحرّم سنة إحدى وستين . فلمّا كان من الغد قدم عمر بن
سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف ، وكان قد جهَّزه ابن زياد في هؤلاء إلى الدَّيلم ، وخيَّم بظاهر الكوفة ،
فلمّا قدم عليهم أمر الحسين قال له : سِرْ إليه ، فإذا فرغتَ منه فسِرْ إلى الدَّيلم . فاستعفاه عمر بن سعد من
(١) ما بين حاصرتين سقط من ب. وقوله : فهم إلب واحد أي: مجتمعون عليه بالعداوة.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من المطبوع، والمثبت في أ، ب وتاريخ الطبري (٤٠٦/٥).
(٣) كذا في (ب) وتاريخ الطبري (٤٠٨/٥) ووقعت في أ، ط : العراق.
٢٤٩
صفة مقتل الحسين
ذلك ، فقال له ابن زياد : إن شئت عفيتُك وعزلتُك عن ولا ية هذه البلاد التي قد استنبتُك عليها ، فقال :
حتى أنظر في أمري ، فجعل لا يستشير أحداً إلّ نهاه عن المسير إلى الحسين ، حتى قال له ابن أخته
حمزة بن المغيرة بن شعبة : إياك أن تسير إلى الحسين فتعصي ربّك وتقطع رحمَك ، فوالله لأن تخرج من
سلطان الأرض كلَّها أحبُّ إليك من أن تلقى الله بدم الحسين ، فقال : إني أفعل إن شاء الله تعالى . ثم إن
عبيد الله بن زياد تهدَّده وتوعَّده بالعزل والقتل ، فسار إلى الحسين ، فنازله في المكان الذي ذكرنا ، ثم
بعث إلى الحسين الرسل : ما الذي أقدمك ؟ فقال : كتب إليَّ أهل الكوفة أن أقدم عليهم ، فإذ قد
كرهوني فأنا راجع إلى مكة وأذركم . فلمّا بلغ عمر بن سعد هذا قال : أرجو أن يعافيني اللهُ من حربه .
وكتب إلى ابن زياد بذلك ، فردَّ عليه ابن زياد : أن حُلْ بينهم وبين الماء كما فُعل بالتقيِّ الزكيِّ المظلوم
أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، واعرِضْ على الحسين أن يبايع هو ومن معه لأمير المؤمنين يزيد بن
معاوية ، فإذا فعلوا ذلك رأينا رأينا . وجعل أصحاب عمر بن سعد يمنعون أصحاب الحسين من ورود
الماء ، وعلى سرية منهم عمرو بن الحجّاج ، فدعا عليهم [ الحسين (١) بالعطش ، فمات هذا الرجل من
شدَّة العطش .
ثم إن الحسين طلب من عمر بن سعد أن يجتمع به بين العسكرين ، فجاء كل واحد منهما في نحو من
عشرين فارساً ، فتكلَّما طويلاً حتى ذهب هَزِيعُ(٢) من الليل ، ولم يدر أحد ما قالا ، ولكن ظنَّ بعض
الناس أنه سأله أن يذهب معه إلى يزيد بن معاوية إلى الشام ويتركا العسكرين متواقفين ، فقال عمر : إذاً
يهدم ابن زياد داري ، فقال الحسين : أنا أبنيها لك أحسن مما كانت . قال : إذاً يأخذ ضِيَاعي ، قال : أنا
أعطيك خيراً منها من مالي بالحجاز . قال : فتكرّه عمر بن سعد من ذلك . وقال بعضهم : بل سأل منه إما
أن يذهبا إلى يزيد ، أو يتركه يرجع إلى الحجاز ، أو يذهب إلى بعض الثغور فيقاتل الترك . فكتب عمر
إلى عبيد الله بذلك ، فقال : نعم ، قد قبلت . فقام الشَّمِر بن ذي الجَوْشن فقال : لا والله حتى ينزل على
حُكمك هو وأصحابه . ثم قال : والله لقد بلغني أن حسيناً وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدَّثان
عامة الليل . فقال له ابن زياد : فنعم ما رأيت .
وقد روى أبو مِخْنف : حدّثني عبد الرحمن بن جندب ، عن عقبة بن سِمْعان قال : لقدصحبتُ
الحسين من مكة إلى حين قُتل ، والله ما من كلمة قالها في موطن إلّ وقد سمعتها ، وإنه لم يسأل أن يذهب
إلى يزيد فيضع يده في يده ، ولا أن يذهب إلى ثغر من الثغور ، ولكن طلب منهم أحد أمرين : إما أن
يرجع من حيث جاء ، وإما أن يَدَعوه يذهب في الأرض العريضة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه (٣) .
(١) من ب فقط. تاريخ الطبري (٤١٢/٥).
((الهزيع من الليل )) : طائفة منه نحو ثلثه أو ربعه .
(٢)
تاريخ الطبري (٤١٣/٥ - ٤١٤) .
(٣)
٢٥٠
صفة مقتل الحسين
ثم إن عبيد الله بعث شَمِر بن ذي الجَوْشن فقال : اذهب فإن جاء حسين وأصحابه على حُكمي وإلّا
فمُرْ عمر بن سعد أن يقاتلهم ، فإن تباطأ عن ذلك فاضرب عنقه ثم أنت الأمير على الناس . وكتب إلى
عمر بن سعد يتهدَّده على توانيه في قتال الحسين . وأمره إن لم يجئ الحسين إليه أن يقاتله ومن معه فإنهم
مشاقُّون. فاستأمن عبيد(١) الله بن أبي المحلّ لبني عمته أمِّ البنين بنت حِزام(٢) من علي ، وهم العباس
وعبد الله وجعفر وعثمان . فكتب لهم ابن زياد كتاب أمان وبعثه عبيد الله بن أبي المحلّ مع مولى له يقال
له : كرمان(٣) ، فلمّا بلغهم ذلك قالوا : أما أمان ابن سُمَيَّة فلا نريده ، وإنا لنرجو أماناً خيراً من أمان ابن
سُمَيَّة .
ولما قدم شَمِر بن ذي الجَوْشن على عمر بن سعد بكتاب عبيد الله بن زياد ، قال عمر : أبعدَ اللهُ
دارك ، وقبَّح ما جئت به ، والله إني لأظنك الذي صرفتَه عن الذي عرضتُ عليه من الأمور الثلاثة التي
طلبها الحسين ، فقال له شَمر : فأخبرني ما أنت صانع ، أمقاتلهم أنت أو تاركي وإياهم ؟ فقال له عمر :
لا، ولا كرامة لك! أنا أتولَّى ذلك، وجعله على الرَّجَّالة . ونهضوا إليهم عشية يوم الخميس التاسع من
المحرّم ، فقام شَمِر بن ذي الجَوْشن فقال : أين بنو أختنا ؟ فقام إليه العباس وعبد الله وجعفر وعثمان بنو
علي بن أبي طالب، فقال: أنتم آمنون. فقالوا: إن أمَّنْتنا وابن رسول الله وَّةٍ وإلّا فلا حاجة لنا بأمانك.
قال : ثم نادى عمر بن سعد في الجيش : يا خيل الله اركبي وأبشري ، فركبوا وزحفوا إليهم بعد
صلاة العصر من يومئذ ، هذا والحسين أمام خيمته محتبياً بسيفه ، نَعَس فخفق برأسه ، وسمعت أخته
الضجَّة، فدنت منه فأيقظته، فرجع برأسه كما هو وقال: إني رأيت رسول الله وَ لّ في المنام، فقال لي :
((إِنَّكَ تروحُ إلينا)) ، فلطمتْ وجهها وقالت: يا ويلتا . فقال: ليس لك الويل يا أختاه ، اسكُني رحمك
الرحمن . وقال له أخوه العباس بن علي : يا أخي جاءك القوم ، فقال : اذهب إليهم فسَلْهم : ما بدا
لهم؟ فذهب إليهم في نحو من عشرين فارساً فقال : ما لكم ؟ فقالوا : جاء أمر الأمير إما أن تأتوا على
حُكمه ، وإما أن نقاتلكم . فقال : مكانكم حتى أذهب إلى أبي عبد الله فأعلمه . فرجع ووقف أصحابه ،
فجعلوا يتراجعون القول ويؤنِّب بعضهم بعضاً ، يقول أصحاب الحسين : بئس القوم أنتم ، تريدون قتل
ذريَّة نبيِّكم وخيار الناس في زمانهم ؟! ثم رجع العباس بن علي من عند الحسين إليهم فقال لهم : يقول
لكم أبو عبد الله : انصرفوا عشيَّتكم هذه حتى ينظر في أمره الليلة . فقال عمر بن سعد لشَمِر بن ذي
الجَوْشن : ما تقول ؟ فقال : أنت الأمير والرأيُ رأيك ، فقال عمرو بن الحجّاج بن سلمة الزُّبيدي :
في تاريخ الطبري (٤١٥/٥) وابن الأثير (٥٦/٤) عبد.
(١)
(٢)
في ط : (( حرام )) ، مصحف .
في تاريخ الطبري (٤١٥/٥): كزمان .
(٣)
٢٥١
صفة مقتل الحسين
سبحان الله! والله لو سألكم ذلك رجل من الدَّيلم لكان ينبغي إجابته . [ وقال قيس بن الأشعث : أجِبْهم
إلى ما سألوك، فلعَمْريل١) ليصبحنَّك بالقتال غُدْوة. وهكذا جرى الأمر ، فإن الحسين لما رجع
العباس قال له : ارجع فاردُذهم هذه العشيَّة لعلَّنا نصلي لربنا هذه الليلة وندعوه ونستغفره ، فقد علم الله
مني أني أُحب الصلاة له ، وتلاوة كتابه ، والاستغفار والدعاء .
وأوصى الحسين في هذه الليلة إلى أهله ، وخطب أصحابه في أول الليل ، فحمد الله تعالى وأثنى
عليه ، وصلَّى على رسوله بعبارة فصيحة بليغة ، وقال لأصحابه : من أحبَّ منكم أن ينصرف إلى أهله في
ليلته هذه فقد أذنتُ له ، فإن القوم إنما يريدونني . [ فقال مالك بن النضر: عليَّ دينٌ ولي عيال ، فقال :
هذا الليل قد غشيكم فاتَّخِذوه جَمَاء٢ً) ، ثم ليأخذ كلُّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثم اذهبوا في بسيط
الأرض في سواد هذا الليل إلى بلادكم ومدائنكم ، فإن القوم إنما يريدونني ، فلو قد أصابوني لهَوا عن
طلب غيري ، فاذهبوا حتى يفرِّج الله عز وجل . فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه : لا بقاء لنا بعدك ،
ولا أرانا الله فيك ما نكره . فقال الحسين : يا بني عَقيل! حسبُكم بمسلم أخيكم ، اذهبوا فقد أذنت
لكم ، قالوا : فما يقول الناس ، إنا تركنا شيخنا وسيِّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ، لم نرم معهم بسهم ،
ولم نطعنْ معهم برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، رغبة في الحياة الدنيا ؟ لا والله لا نفعل ، ولكن
نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ، ونقاتل معك حتى نرِدَ موردك ، فقبَّح الله العيش بعدك . وقال نحو ذلك
مسلم بن عَوْسجة الأسدي ، وكذلك قال سعيد بن عبد الله الحنفي : والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد
حفظنا غيبة رسول الله وٍَّ فيك، والله لو علمتُ أني أُقتل دونك ألف قَتْلة، وأنَّ الله يدفع بذلك القتل عنك
وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك ، لأحببتُ ذلك ، فكيف وإنما هي قَتْلة واحدة ؟ ! وتكلّم جماعة
أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً من وجه واحد فقالوا : والله لا نفارقك ، وأنفسُنا الفداء لك ، نقيك
بنحورنا وجباهنا وأيدينا وأبداننا، فإذا نحن قُتلنا وفَّينا وقضينا ما علينا (٣) . وقال أخوه العباس :
لا أرانا الله يوم فقدك ، ولا حاجة لنا في الحياة بعدك . وتتابع أصحابه على ذلك .
وقال أبو مِخْنف : حدّثني الحارث بن كعب وأبو الضحّاك ، عن علي بن الحسين زين العابدين قال:
إني لجالس تلك العشيّة التي قُتل أبي في صبيحتها ، وعمتي زينب تمرِّضني ، إذ اعتزل أبي في خبائه ومعه
أصحابه ، وعنده حُوَيّ مولى أبي ذر الغفاري ، وهو يعالج سيفه ويصلحه ، وأبي يقول :
(١) سقط من ب .
(٢) فى المطبوع: حجلا، وهو تحريف. وقد شرحه محققو طبعة دار الكتب العلمية بقولهم: ((الحجل)): القيد .
والصواب ما أثبتناه من النسخة أ . وقوله : فاتخذوه جملاً من أمثال العرب ، يقال للرجل إذا سرى ليلته جمعاء أو
أحياها بصلاة أو غيرها من العبادات ، كأنه ركبه ولم ينم فيه . اللسان : مادة (جمل) .
(٣) ما بين حاصرتين سقط من ب. والخبر في تاريخ الطبري (٤١٩/٥ - ٤٢٠).
٢٥٢
صفة مقتل الحسين
كم لكَ بالإشْراقِ والأَصِيل
يا دهرُ أفِّ لكَ مِنْ خليل
والدهرُ لا يَقْنعُ بالْبَدِيل
من صاحبٍ أو طالبٍ قَتيل
وكلُّ حيَّ سالكُ السَّبيل
وإنَّما الأمرُ إلى الجَليل
فأعادها مرتين أو ثلاثاً حتى حفظتُها وفهمتُ ما أراد ، فخنقَتْني العَبْرة [ فرددتها ، ولزمت السكوت ،
وعلمت أن البلاء نازل }١) . وأما عمتي فقامت حاسرةً حتى انتهتْ إليه فقالت : واثُكلاه! ليت الموت
أعدمني الحياة اليوم ، ماتت أمي فاطمة ، وعليّ أبي ، وحسن أخي ، يا خليفة الماضي ، وثِمال الباقي ،
فنظر إليها وقال : يا أُخيَّة! [ لايُذهبنَّ حِلمَك الشيطان . فقالت: بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله !
أستقتَلْت؟ ولطمَتْ وجهها، وشقَّت جيبها ، وخرَّت مغشيّاً عليها . فقام إليها ، وصبَّ على وجهها
الماء، وقال: يا أخيَّة ]٢) اتقي الله واصبري وتعزَّيْ بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون ، وأن
أهل السماء لا يبقون ، وأن كل شي هالك إلّ وجه الله الذي خلق الخلق بقدرته ، ويميتهم بقهره وعزَّته ،
ويعيدهم فيعبدونه(٣) وحده ، وهو فرد وحده ، واعلمي أنَّ أبي خير مني ، وأمي خير مني ، وأخي خير
مني ، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة حسنة . ثم حرَّج عليها أن لا تفعل شيئاً من هذا بعد مَهْلكه .
ثم أخذ بيدها فردّها إلى عندي . ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يُدنوا بيوتهم بعضها من بعض حتى تدخل
الأطناب بعضها في بعض ، وأن لا يجعلوا للعدو مخلصاً إليهم إلّ من جهة واحدة ، وتكون البيوت عن
أيمانهم وعن شمائلهم ومن ورائهم(٤) .
وبات الحسين وأصحابه طول ليلهم يصلُّون ويستغفرون ويدعون ويتضرَّعون ، وخيل حرس عدوهم
تدور من ورائهم عليها عَزْرة بن قيس الأَخمسي [والحسين يقرأ: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ
مَّا كَانَ اَللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ
١٧
لِأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا نُعْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأْ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ
مِنَ الطَّيِبٍ﴾ الآية [ آل عمران: ١٧٨ - ١٧٩] فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرس من أصحاب ابن
زياد فقال: نحن - ورب الكعبة - الطيبون ميَّزنا الله منكم . قال: فعرفته ، فقلت لبُرَير بن خُضير(٥):
أتدري من هذا؟ قال: لا، فقلت: هذا أبو حَرْب السَّبيعي عبيد الله بن شمير - وكان مِضْحاكاً بطّالاً ،
(١) ما بين حاصرتين سقط من ب .
(٢) ما بين حاصرتين سقط من أ .
(٣)
في بعض النسخ : فيعودون .
الخبر بطوله مع الشعر في تاريخ الطبري (٤٢٠/٥ -٤٢١) وابن الأثير (٥٨/٤ - ٥٩) ومقاتل الطالبيين (ص ٧٥) .
(٤)
ورد هذا الاسم في أ : زيد بن حسين ، وفي ط : زيد بن حضير ، وفي تاريخ الطبري : برير بن حضير ، وفي ذلك
(٥)
كله تحريف . والتصويب من الإكمال لابن ماكولا (١/ ٢٥٧ و٤٨٤/٢) .
٢٥٣
صفة مقتل الحسين
وكان شريفاً شجاعاً فاتكاً ، وكان سعيد بن قيس ربما حبسَه في خبائه - فقال له بُرير بن خُضير(١):
يا فاسق، متى كنت من الطيِّين؟! فقال له: من أنت ويلك؟ قال: أنا بُرير بن خُضير (١). قال: إنا
الله! هلكت والله، عز - والله - عليَّ يا بُرير قتلك. قال : فقلت له : يا أبا حرب ! هل لك أن تتوب من
ذنوبك العظام ؟ فوالله لنحن الطِّبون وإنكم لأنتم الخبيثون . قال : نعم ، وأنا على ذلك من الشاهدين .
قال : ويحك أفلا ينفعك معرفتك ؟! قال : فانتهره عَزْرة بن قيس - أمير السرية التي تحرسنا - فانصرف
عنا٢)
قالوا : فلما صلَّى عمر بن سعد الصبح بأصحابه يوم الجمعة ، وقيل يوم السبت - وكان يوم عاشوراء -
انتصب للقتال ، وصلَّى الحسين أيضاً بأصحابه وهم اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً ، ثم انصرف
فصفَّهم ، فجعل على ميمنته زهير بن القَيْن، وعلى الميسرة حبيب بن المُظهِر(٣) ، وأعطى رايته
العباس بن علي أخاه ، وجعلوا البيوت بما فيها من الحرم وراء ظهورهم ، وقد أمر الحسين من الليل
فحفروا وراء بيوتهم خندقاً ، وقذفوا فيه حطباً وخشباً وقصباً ، ثم أُضرمت فيه النار لئلاّ يخلُص أحد إلى
بيوتهم من ورائها . وجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزُّبيدي ، وعلى الميسرة شَمِر بن
ذي الجَوْشن - واسم ذي الجوشن شرحبيل بن الأعور بن عمرو بن معاوية من بني الضباب بن كلاب -
وعلى الخيل عَزْرة بن قيس الأَحْمسي، وعلى الرَّجَّالة شَبَث(٤) بن رِبْعي، وأعطى الراية دريد٥ً) مولاه .
وتواقف الناس في ذلك الموضع ، فعدل الحسين إلى خيمة قد نُصبت ، فاغتسل فيها ، واطَّلى بالنورة ،
وتطيّب بمسك كثير ، ودخل بعده بعض الأمراء ففعلوا كما فعل ، فقال بعضهم لبعض : ما هذا في هذه
الساعة ؟ فقال بعضهم : [ دعنا منك، والله ما هذه بساعة باطل ، فقال يزيد بن حصين : والله لقد علم
قومي أني ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً ، ولكن - والله - إني لمستبشر بما نحن لا قون }٦) والله ما بيننا
وبين الحور العين إلّا أن يميل علينا هؤلاء القوم فيقتلوننا .
ثم ركب الحسين على فرسه ، وأخذ مصحفاً فوضعه بين يديه ، ثم استقبل القوم رافعاً يديه يدعو بما
تحرف في أ ، ط إلى : يزيد بن حصين .
(١)
(٢) ما بين حاصرتين سقط من ب .
(٣) كذا قيده ابن حجر في التبصير والزبيدي في التاج بالظاء المعجمة الساكنة وكسر الهاء . وقيده ابن ماكولا في إكماله
بظاء معجمة وهاء مشددة مكسورة . وقد تحرف في غير موضع من الأصول وتاريخ ابن الأثير إلى: مطهر ، وفي
تاريخ الطبري إلى : مظاهر .
(٤)
تحرف في ط إلى: شبيث .
(٥) في ط ، أ: وردان ، وفي ب : دويداً، وفي تاريخ الطبري : ذويداً، وما أثبتناه يعضده ما نقله ابن الأثير في الكامل
(٤/ ٦٠) وسيأتي مرة أخرى بعد صفحتين من هذا المجلد .
(٦) ما بين حاصرتين سقط من ب .
٢٥٤
صفة مقتل الحسين
تقدم ذكره : اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدة ... إلى آخره . وركب ابنه علي بن
الحسين - وكان ضعيفاً مريضاً - فرساً يقال له: لا حقُ(١)، ونادى الحسين: أيها الناس! اسمعوا مني
نصيحة أقولها لكم ، فأنصت الناس كلهم ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : أيها الناس ! إنْ قبلتم مني
وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد ، ولم يكن لكم عليَّ سبيل، وإن لم تقبلوا مني ﴿فَأَجْمِعُواْ أَمَّْكُمْ وَشُرَّكَاءَ كُمْ ثُؤَّ
لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَىَّ وَلَا نُظِرُونِ﴾ [ يونس: ٧١] ﴿إِنَّ وَلِقِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَى
الصَّلِحِينَ ﴾ [الأعراف: ١٩٦].
فلما سمع ذلك أخواته وبناته ارتفعت أصواتهن بالبكاء ، فقال عند ذلك : لا يُبعد الله ابن عباس -
يعني حين أشار عليه أن لا يخرج بالنساء معه ويدعهن بمكة إلى أن ينتظم الأمر - ثم بعث أخاه العباس
فسكَّنهن . ثم شرع يذكر للناس فضلَه وعظمة نسبه وعلوَّ قدره وشرفه، ويقول : راجعوا أنفسكم
وحاسبوها ، هل يصلح لكم قتال مثلي وأنا ابن بنت نبيِّكم ، وليس على وجه الأرض ابنُ بنت نبيٍّ غيري ؟
وعليٌّ أبي، وجعفر ذو الجناحين عمي، وحمزة سيد الشهداء عمُّ أبي، وقال لي رسول الله وٍَّ ولأخي:
(( لهذان سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّةَ(٢) . فإن صدَّقتموني بما أقول وهو الحق ، فوالله ما تعمّدت كذبة منذ
علمت أن الله يمقت على الكذب ، وإلّا فاسألوا أصحاب رسول الله مح لول عن ذلك: جابر بن عبد الله ،
وأبا سعيد ، وسهل بن سعد ، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك ، يُخبروكم بذلك . [ ويحكم ! أما
تتَّقون الله ؟ أما في هذا حاجزٌ لكم عن سفك دمي (٣) ؟ فقال عند ذلك شَمِر بن ذي الجَوْشن : هو يعبد الله
على حَرْف ، إنْ كنت أدري ما يقول . فقال له حبيب بن مُظْهِر: والله يا شَمِر إنك لتعبد الله على سبعين
حَرْفاً ، وأما نحن فوالله إنا لندري ما يقول ، وإنه قد طُبع على قلبك . ثم قال : أيها الناس ! ذَرُوني أرجع
إلى مأمني من الأرض . فقالوا : وما يمنعك أن تنزل على حُكم بني عمك ؟ فقال : معاذ الله [ أن أعطيهم
بيدي إعطاء الذليل، أو أقر إقرار العبيد، عبادَ الله (٤) ﴿إِنِّ عُدْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِرٍ لَّا يُؤْمِنُ
بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧]. ثم أناخ راحلته، وأمر عُقبة بن سِمْعان فعقلها، ثم قال: [ أخبروني:
أتطلبوني بقتيل لكم قتلتُه؟ أو مال لكم أكلتُه ؟ أو بقصاصة من جراحة؟ فأخذوا لا يكلِّمونه . قال :
فنادى : يا شَبَت(٥) بن رِبْعي ، يا حجّار بن أبجر ، يا قيس بن الأشعث ، يا زيد بن الحارث ، ألم تكتبوا
(١) تحرف في المطبوع إلى: الأحمق .
(٢) رواه أحمد في المسند (٣/٣) والترمذي رقم (٣٧٦٧) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ (( الحسن
والحسين سيدا شباب أهل الجنة )) وهو حديث صحيح .
(٣)
ما بين حاصرتين سقط من ب .
ما بين حاصرتين سقط من المطبوع ، وهو في أ ، ب ، م وتاريخ الطبري (٤٢٥/٥).
(٤)
تحرف في ط إلى: شبيث .
(٥)
٢٥٥
صفة مقتل الحسين
إليَّ أن قد أينعت الثمار واخضرَّ الجناب ، فاقدَم علينا فإنك إنما تقدَم على جند مجنّدة ؟ فقالوا له : لم
نفعل . فقال : سبحان الله! والله لقد فعلتم . ثم قال : يا أيها الناس! إذ قد كرهتموني فدَعُوني أنصرف
عنكم ، فقال له قيس بن الأشعث : ألا تنزل على حُكم بني عمك فإنهم لن يؤذوك ، ولا ترى منهم إلا
ما تحب ؟ فقال له الحسين : أنت أخو أخيك ، أتريد أن تطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عَقيل ؟
لا والله لا أُعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أُقر لهم إقرار العبيد ﴾(١)
قال : وأقبلوا يزحفون نحوه وقد تحيَّز إلى جيش الحسين من أولئك طائفة قريب من ثلاثين فارساً فيما
قيل ، منهم الحرّ بن يزيد أمير مقدمة جيش ابن زياد ، فاعتذر إلى الحسين مما كان منه ، قال : ولو أعلم
أنهم على هذه النيّة لسِرتُ معك إلى يزيد ، فقبل منه الحسين ، ثم تقدم بين يدي أصحاب الحسين ،
فخاطب عمر بن سعد فقال : ويحكم! ألا تقبلون من ابن بنت رسول الله مح ليه ما يعرض عليكم من الخصال
الثلاث ؟ فقال : لو كان ذلك إليَّ قبلت .
[ قال : وخرج من أصحاب الحسين زهير بن القَيْن على فرس له شاك في السلاح فقال : يا أهل
الكوفة ! نَذارِ لكم من عذاب الله نَذار ، إن حقاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم ، ونحن حتى الآن
أخوة ، وعلى دين واحد ومِلَّة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، فإذا وقع السيف انقطعت العِصمة وكنا
أمة وأنتم أمة ، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذريَّة نبيّه لينظر ما نحن وأنتم عاملون ، إنا ندعوكم إلى نصرهم ،
وخِذْلان الطاغية ابن الطاغية عبيد الله بن زياد ، فإنكم لم تدركوا منهما إلا سوءاً عموم سلطانهما ، يَسْمُلان
أعينكم ، ويقطعان أيديكم وأرجلكم ، ويمثِّلان بكم ، ويقتلان أماثلكم وقراءكم ، أمثال حُجْر بن عدي
وأصحابه ، وهانىء بن عروة وأشباهه . قال: فسُّوه، وأثنَوْا على ابن زياد ودَعَوا له ، وقالوا : لا ننزِعُ
حتى نقتل صاحبك ومن معه . فقال لهم : إن ولد فاطمة أحقُّ بالود والنصر من ابن سميّة ، فإن أنتم لم
تنصروهم فأُعيذكم بالله أن تقتلوهم ، خلُّوا بين هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية ، يذهب حيث
شاء ، فلَعَمْري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين . قال : فرماه شَمِر بن ذي الجَوْشن بسهم
وقال له : اسكُتْ، أَسكَتَ اللهُ نَأْمَتَكَ(٢)، أبْرَمْتنا(٣) بكثرة كلامك . فقال له زهير : يا بنَ البوّال على
عقبَيْه ، إياك أخاطب(٤) ؟ ! إنما أنت بهيمة، والله ما أظنك تُحكِم من كتاب الله آيتين ، فأبشِرْ بالخزي يوم
القيامة والعذاب الأليم . فقال له شَمِر : إن الله قاتلُك وصاحبَك بعد ساعة ، فقال له زهير : أبالموت
(١) ما بين حاصرتين سقط من ب، وهو في أ، ط وتاريخ الطبري (٤٢٥/٥).
(٢) قال صاحب اللسان: يقال: أسكت الله نأمته - مهموزة مخففة الميم - وهو من النئيم : الصوت الضعيف ، أي نغمته
وصوته . ويقال : نامَّته - بتشديد الميم . يدعى بذلك على الإنسان .
(٣) ((أبرمتنا)) : أضجرتنا.
في تاريخ الطبري (٤٢٦/٥) ما إياك أخاطب .
(٤)
٢٥٦
صفة مقتل الحسين
تخوّفني ؟ فوالله لَلْموت معه أحبُّ إليَّ من الخلد معكم . ثم إن زهيراً أقبل على الناس رافعاً صوته يقول :
عباد الله! لا يغرنكم عن دينكم هذا الجِلْف الجافي وأشباهه، فوالله لا ينال شفاعة محمد بِ لل قوم أهرقوا
دماء ذريَّته ، وقتلوا مَنْ نصرهم وذبَّ عن حريمهم .
وقال الحرّ بن يزيد لعمر بن سعد: أصلحك الله! أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ قال: إي والله قتالًا أيسرُه
أن تسقط الرؤوس وتَطيح الأيدي . وكان الحزُّ من أشجع أهل الكوفة ، فلامَهُ بعض أصحابه على الذهاب
إلى الحسين ، فقال له : والله إني أخيِّر نفسي بين الجنة والنار ، ووالله لا أختار على الجنة غيرها ولو
قُطِّعت وحُرِّقت . ثم ضرب فرسه ، فلحق بالحسين ، فاعتذر إليه بما تقدم ثم قال : يا أهل الكوفة !
لأمّكم الهَبَل(١) ، أدعوتم الحسين إليكم حتى إذا ما أتاكم أسلمتموه ، وزعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه ثم
عدوتم عليه لتقتلوه ، ومنعتموه التوجُّه في بلاد الله العريضة الوسيعة التي لا يمنع منها الكلب والخنزير ،
وحلتم بينه وبين الماء الفرات الجاري الذي يشرب منه الكلب والخنزير وقد صرعهم العطش ؟! بئس
ما خلفتم محمداً في ذريَّته ، لا سقاكم الله يوم الظمأ الأكبر إن لم تتوبوا وترجعوا عما أنتم عليه من يومكم
هذا في ساعتكم هذه . فحملت عليه رجّالة لهم ترميه بالنبل ، فأقبل حتى وقف أمام الحسين . وقال لهم
عمر بن سعد : لو كان الأمر لي لأجبتُ الحسين إلى ما طلب (٢) ولكنْ أبى عليَّ عبيد الله بن زياد ، وقد
خاطب أهل الكوفة وأنَّبهم ووبّخهم وسبَّهم . فقال لهم الحرّ بن يزيد : ويحكم ! منعتم الحسين ونساءه
وبناته الماء الفرات الذي يشرب منه اليهود والنصارى ويتمرَّغ فيه خنازير السواد وكلابه ، فهو كالأسير في
أيديكم لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً .
قال : فتقدم عمر بن سعد وقال لمولاه : يا دريد أَدْنِ رايتَك ، فأدناها ، ثم شمَّر عمر عن ساعده
ورمى بسهم وقال : اشهدوا أني أول من رمى القوم . قال : فترامى الناس بالنبال ، وخرج يسار مولى زياد
وسالم مولى عبيد الله فقالا : من يبارز ؟ فبرز لهما عبد الله٣) بن عمير الكلبي بعد استئذانه الحسين ، فقتل
يساراً أولًا ثم قتل سالماً بعده ، وقد ضربه سالم ضربة أطار أصابع يده اليسرى .
وحمل رجل يقال له عبد الله بن حَوْزة حتى وقف بين يدي الحسين فقال له : يا حسين ! أبشر بالنار .
فقال له الحسين : كلاّ ويحك ! إني أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع ، بل أنت أولى بالنار . قالوا :
فانصرف ، فوقَصَتْه فرسه فسقط وتعلَّقت قدمه بالركاب [ وكان الحسين قد سأل عنه ، فقال : أنا ابن
حَوْزة ، فرفع الحسين يده وقال : اللهم حُزْه إلى النار . فغضب ابن حَوْزة ، وأراد أن يقحم عليه الفرس
(( الهبل )): الُكل .
(١)
(٢)
ما بين حاصرتين - قدر صفحة ونصف الصفحة - سقط من ب .
(٣) في ط: ((عبيد الله)) محرف. وينظر تاريخ الطبري (٤٢٩/٥) والكامل (٦٥/٤). وسيأتي مرة أخرى في الرواية
الآتية .
٢٥٧
صفة مقتل الحسين
وبينه وبينه نهر ، فحالت به الفرس ، فانقطعت قدمه وساقه وفخذه ، وبقي جانبه الآخر متعلقاً
بالركاب (١) وشدَّ عليه مسلم بن عَوْسجة فضربه فأطار رجله اليمنى ، وغارت به فرسه فلم يبقَ حجرٌ يمر به
إلّا ضربه في رأسه حتى مات .
[ وروى أبو مخنف، عن أبي جَناب قال: كان منّا رجل يُدعى عبد الله بن عُمَير(٢) من بني عُلَيم ، كان
قد نزل الكوفة واتخذ داراً عند بئر الجَعْد من هَمْدان ، وكانت معه امرأة له من النَّمِر بن قاسط ، فرأى الناسَ
يتهيَّؤون للخروج إلى قتال الحسين ، فقال : والله لقد كنت على قتال أهل الشِّرك حريصاً ، وإني لأرجو أن
يكون جهادي مع ابن بنت رسول الله ومية لهؤلاء أفضل من جهاد المشركين ، وأيسر ثواباً عند الله . فدخل
إلى امرأته ، فأخبرها بما هو عازم عليه ، فقالت : أصبتَ ، أصاب الله بك أرشد أمورك ، افعل وأخرجني
معك . قال : فخرج بها ليلاً حتى أتى الحسين ، ثم ذكر قصة رمي عمر بن سعد بالسَّهم ، وقصة قتلة يسار
مولى زياد ، وسالم مولى ابن زياد ، وأن عبد الله بن عُمير استأذن الحسين في الخروج إليهما ، فنظر إليه
الحسين ، فرأى رجلاً آدم طويلاً شديد الساعدين بعيد ما بين المنكبين ، فقال الحسين : إني لأحسبه
للأقران قتَّالاً . اخرج إن شئت ، فخرج ، فقالا له : من أنت ؟ فانتسب لهما ، فقالا : لا نعرفك ( فقال
لهما : يا أولاد الزانية! أو بكم رغبة عن مبارزة أحد من الناس ، وهل يخرج إليكما أحد )(٣) إلا وهو خير
منكما ؟ ! ثم شدَّ على يسار فكان كأمسِ الذاهب ، فإنه لمشتغل به إذ حمل عليه سالم مولى ابن زياد ،
فصاح به صائح : قد رَهَقك العبد . قال : فلم ينتبه حتى غشيه فضربه على يده اليسرى فأطار أصابعه ، ثم
مال عليه (٤) الكلبي حتى قتله ، وأقبل يرتجز ويقول :
حَسْبِيَ بَيْتِي فِي عُلَيْمٍ حَسْبي
إِنْ تُنْكراني فأنا ابنُ كَلْبٍ
ولستُ بالخوَّار عندَ الكَرْب
إنِّي امرؤٌ ذو مِئَّهُ(٥) وعَصْبٍ
إِنِّي زعيمٌ لكِ أَمَّ وهبِ بالطَّعنِ فيهِمْ مُقْدِماً والضَّرْب
ضَرْب غلامِ مُؤْمٍ بالرَّبِّ
فأخذت أمُّ وهب عموداً ثم أقبلت نحو زوجها تقول له : فداك أبي وأمي ، قاتِل دون الطيِّبين ذريّة
(١) ما بين حاصرتين سقط من ب. وكذلك الكامل لابن الأثير (٦٦/٤).
(٢) تحرف في المطبوع إلى: نمير .
(٣) ما بين قوسين سقط من المطبوع ، وهو في أوقريب منه في تاريخ الطبري .
(٤) في أ، ط: على ولا يصح بها المعنى. والتصويب من تاريخ الطبري وابن الأثير ، فالكلبي: هو عبد الله بن عمير
نفسه .
(٥) في المطبوع: ذو مروءة ولا يستقيم به الوزن . والمثبت من أ وتاريخ الطبري . والمِرّة: القوة ، ومنه قوله تعالى
ذُو مِرَّةٍ فَأَسْتَوَى ﴾.
٢٥٨
صفة مقتل الحسين
محمد عليه السلام . فأقبل إليها يردُّها نحو النساء ، فأقبلت تجاذبه ثوبه وقالت : دعني أكن معك .
فناداها الحسين : انصرفي إلى النساء فاجلسي معهن ، فإنه ليس على النساء قتال . فانصرفت إليهن ]١)
قال : وكثرت المبارزة يومئذ بين الفريقين والنصرُ في ذلك لأصحاب الحسين لقوَّة بأسهم ، وأنهم
مستميتون لا عاصمَ لهم إلّا سيوفهم ، فأشار بعض الأمراء على عمر بن سعد بعدم المبارزة ، وحمل
عمرو بن الحجّاج - أمير ميمنة جيش ابن زياد - وجعل يقول : قاتلوا مَنْ مَرَق من الدين وفارق الجماعة .
فقال له الحسين : ويحك بابن حجّاج! أعليَّ تحرض الناس ؟ أنحن مرقنا من الدين وأنت تقيم عليه ؟
ستعلمون إذا فارقتْ أرواحنا أجسادنا من أولى بصليِّ النار .
وقد قُتل في هذه الحملة مسلم بن عَوْسجة ، وكان أول من قُتل من أصحاب الحسين ، فمشى إليه
الحسين وترخَّم عليه وهو على آخر رمق ، وقال له حبيب بن مُظْهر : أبشر بالجنة . فقال له بصوت
ضعيف : بشَّرك الله بالخير . ثم قال له حبيب : لولا أني أعلم أني على أثرك لاحقك لكنت أقضي
ما توصي به ، فقال له مسلم بن عَوْسجة : أوصيك بهذا - وأشار إلى الحسين - إلى أن تموت دونه .
قالوا : ثم حمل شَمِر بن ذي الجَوْشن بالميسرة وقصدوا نحو الحسين ، فدافعت عنه الفرسان ، من
أصحابه دفاعاً عظيماً ، وكافحوا دونه مكافحة بليغة ، فأرسلوا يطلبون من عمر بن سعد طائفة من الزُّماة
الرَّجَّالة ، فبعث إليه نحواً من خمسمئة ، فجعلوا يرمون خيول أصحاب الحسين فعقروها كلها حتى بقي
جميعهم رجّالة ، ولما عقروا جواد الحرِّ بن يزيد نزل عنه وفي يده السيف كأنه ليث وهو يقول:
إِنْ تَعْقِروا بي فأنا ابنُ الحرِّ أشجعُ مِنْ ذِي لِبَدٍ هِزَبْر (٢)
ويقال : إن عمر بن سعد أمر بتقويض تلك الأبنية التي تمنع من القتال مَنْ أتى ناحيتها ، فجعل
أصحاب الحسين يقتلون من يتعاطى ذلك ، فأمر بتحريقها ، فقال الحسين : دعوهم يحرقونها فإنهم
لا يستطيعون أن يجوزوا منها وقد أُحرقت .
وجاء شمِر بن ذي الجَوْشن - قبَّحه الله - إلى فُسْطاط الحسين ، فطعنه برمحه - يعني الفِسْطاط - وقال:
إيتوني بالنار لأحرقه على من فيه ، فصاحت النسوة وخرجْنَ منه ، فقال له الحسين : أحرقك الله بالنار .
وجاء شَبث بن رِبْعي إلى شَمِر - قبحه الله - فقال له: ما رأيت أقبح من قولك ولا من فعلك وموقفك هذا،
أتريد أن ترعب النساء؟ فاستحيى وهَمَّ بالرجوع. [ وقال حُميد بن مسلم: قلت لشَمِر : سبحان الله! إنَّ
هذا لا يصلح لك ، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين : تعذّب بعذاب الله ، وتقتل الولدان والنساء ؟!
(١) القصة بكاملها سقطت من النسخة ب . وهي في تاريخ الطبري (٤٢٩/٥ ت ٤٣٠) وأوردها ابن الأثير في كامله
(٤ / ٦٥ - ٦٦) دون مافيها من الرجز.
(٢) البيت في تاريخ الطبري (٤٣٦/٥) وذو لبد وهزبر: من أسماء الأسد.
٢٥٩
صفة مقتل الحسين
والله إنَّ في قتلك الرجال لما ترضي به أميرك . قال : فقال لي : من أنت ؟ قلت : لا أخبرك من أنا -
وخشيت أني إن أخبرته فعرفني أن يسوءني عند السلطان (١)
وشدَّ زهير بن القين - في رجال من أصحاب الحسين - على شَمِر بن ذي الجَوْشن ، فأزالوه عن موقفه
[ وقتلوا أبا عزَّة الضبابي - وكان من أصحاب شَمر - وكان الرجل من أصحاب الحسين إذا قُتل بان فيهم
الخلل ، وإذا قُتل من أصحاب ابن زياد الجماعة الكثيرة لم يتبّن ذلك فيهم لكثرتهم (٢)
ودخل عليهم وقتُ الظهر ، فقال الحسين : مُرُوهم فليكفُّوا عن القتال حتى نصلي ، فقال رجل من
أهل الكوفة : إنها لا تُقبل منكم . فقال له حبيب بن مُظْهِر : ويحك ! أتُقبل منكم ولا تُقبل من آل
رسول الله اََّ؟ وقاتل حبيب قتالاً شديداً [ حتى قتل رجلاً يقال له بُديل بن صُرَيم من بني عُقْفالُ(٣) وجعل
يقول :
فارسُ هَيْجاء وحَرْب مِسْعَرُ
أنا حبيبٌ وأبي مُظْهِرُ
ونحنُ أوفى منكمُ وأَصْبَرُ
أنتمْ أوفرُ عدَّةً وأكثرُ
حقّاً وأنقى منكمُ وأَطْهَر(٤)
ونحنُ أعلى حُجَّةً وأظهرُ
ثم حمل على حبيب هذا رجلٌ من بني تميم ، فطعنه فوقع ، ثم ذهب ليقوم ، فضربه الحُصين بن نُمير
على رأسه بالسيف فوقع ، ونزل إليه التميمي فاحتزَّ رأسه وحمله إلى ابن زياد ، فرأى ابن حبيب رأس أبيه
فعرفه ، فقال لحامله : أعطني رأس أبي حتى أدفنه ، ثم بكى ( وقال لقاتله : أما والله لقد قتلته وهو خير
منك (٥) . قال : فمكث الغلام إلى أن بلغ أشُدَّه ثم لم تكن له همة إلّا قتل قاتل أبيه . قال : فلما كان زمن
مصعب بن الزبير(٦) دخل الغلام عسكر مصعب ، فإذا قاتلُ أبيه في فِسْطاطه ، فدخل عليه وهو قائل(٧) ،
فضربه بسیفه حتی برد .
وقال أبو مِخْنف : حدّثني محمد بن قيس قال : لما قُتل حبيب بن مُظْهِر هذَّ ذلك الحسين ، وقال عند
ذلك : أحتسب نفسي ، وأخذ الحرّ يرتجز ويقول للحسين :
آليتُ لا تُقْتَل حتّى أُقْتَلا ولنْ أُصابَ اليوم إلَّ مُقْبِلا
(١) ما بين حاصرتين سقط من ب. والخبر في تاريخ الطبري (٤٣٨/٥).
(٢) مكانه في ب: وقتلوا بعض أصحابه .
(٣)
عقفان: حي في خزاعة .
(٤)
الأبيات في تاريخ الطبري (٤٣٩/٥) .
ما بين قوسين سقط من المطبوع ، وهو في أوتاريخ الطبري .
(٥)
تحرف في ط إلى: عمير .
(٦)
(٧) قائل: من القيلولة: وهي النوم في الظهيرة .
٢٦٠
صفة مقتل الحسين
أَضرِبُهمْ بالسَّيف ضَرْباً مِقْصَلا لا ناكلاً عنهُمْ ولا مُهَلِّل(١)
ثم قاتل هو وزهير بن القَيْن قتالاً شديداً، فكان إذا شدَّ أحدهما حتى استلحم شدَّ الآخر حتى
يخلصَه ، فعلا ذلك ساعة، ثم إن رجالاً شدُّوا على الحرِّ بن يزيد فقتلوه ، وقتل أبو ثمامة الصائدي ابنَ عمّ
له كان عدواً له ]٢) .
ثم صلَّى الحسين بأصحابه الظهر صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعدها قتالاً شديداً [(٣) ودافع عن الحسين
صناديد أصحابه . وقاتل زهير بن القَيْن بين يدي الحسين قتالاً شديداً ، ورمي بعض أصحابه بالنبل حتى
سقط بين يدي الحسين ، وجعل زهير يرتجز ويقول :
أنا زهيرٌ وأنا ابنُ القيْن
أَذودُكمْ بالسَّيف عن حُسَين(٤)
قال : وأخذ يضرب على منكب الحسين ويقول :
فاليومَ تْقَى جدَّكَ النَّيًّا
أَقدِمْ هُدِیتَ هادیاً مَهْدِيًّا
وذا الجَنَاحَيْنِ الفَتَى الكَمِيًّا
وحَسَناً والمُرْتضى عليًّا
وأسَدَ اللهِ الشَّهيدَ الحَيَّا
قال : فشدَّ عليه كثير بن عبد الله الشَّعبي ومُهاجر بن أوس فقتلاه .
قال: وكان من أصحاب الحسين نافع بن هلال الجمَلي، وكان قد كتب اسمه (٥) على فُوق (٦) نبله،
فجعل يرمي بها مسمومة وهو يقول :
أَرمي بها مُعَلّماً أَفْواقها والنفسُ لا ينفعُها شِقَاقُها
أنا الجَملي ، أنا على دين علي .
فقَتل اثني عشر من أصحاب عمر بن سعد سوى من جَرح ، ثم ضرب حتى كُسرت عضداه ، ثم أسروه
فأتوا به عمر بن سعد ، فقال له : ويحك يا نافع ! ما حملك على ما صنعتَ بنفسك ؟ فقال : إن ربي يعلم
ما أردت - والدماء تسيل عليه وعلى لحيته - ثم قال : والله لقد قتلتُ من جندكم اثني عشر سوى من
(١) ((المقصل)): القاطع. ((النكول)): النكوص والجبن. التهليل - هنا - الفرار. وقد صُف هذا البيت في طبعة دار
الكتب العلمية صفاً خاطئاً مما أخل بوزنه ومعناه . وانظر الخبر مع الشعر في تاريخ الطبري (٤٤٠/٥ - ٤٤١).
(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في النسخة ب، وفيها بدلاً عنه: حتى قتل رحمه الله، وحمل رأسه إلى ابن زياد ، والضمير
في ذلك يرجع إلى حبيب بن مظهر .
(٣) من هنا يبدأ سقط كبير في النسخة ب سنشير إليه عند نهايته .
في المطبوع: عن الحسين . ولا يستقيم به الوزن . والمثبت من أوتاريخ الطبري (٤٤١/٥).
(٤)
(٥) سقطت هذه اللفظة من الأصول، واستدركتها من تاريخ الطبري (٤٤١/٥) وابن الأثير (٧١/٤).
(٦) الفُوق من السهم: موضع الوتر ، والجمع: أفواق وفَوَق .