Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
وضع التأريخ الهجري
من اليرموك إلى قنسرين فصالح أهل حلب ، ومنبج ، وأنطاكية ، على الجزية . وفتح سائر بلاد قنّسرين
عنوة .
قال : وفيها افتتحت سَروج والرُّها١) على يدي عياض بن غنم .
قال : وفيها فيما ذكر ابن الكلبي سار أبو عبيدة وعلى مقدمته خالد بن الوليد ، فحاصر إيلياء فسألوا
الصلح على أن يقدم عمر فيصالحهم على ذلك ، فكتب أبو عبيدة إلى عمر ، فقدم حتى صالحهم وأقام
أياماً ثم رجع إلى المدينة .
قلت : قد تقدم هذا فيما قبلَ هذه السنة ، والله أعلم .
قال الواقدي : وفي هذه السنة حمى عمر الرَّبذة بخيل المسلمين .
وفيها غرّب عمر أبا محجن الثقفي إلى باضع(٢).
وفيها تزوَّج عبد الله بن عمر صفية بنت أبي عُبيد .
قلت : الذي قُتل يوم الجسر ، وكان أمير السّرية ، وهي أخت المختار بن أبي عُبيد أمير العراق فيما
بعد ، وكانت امرأةً صالحةً ، وكان أخوها فاجراً وكافراً أيضاً .
قال الواقدي : وفيها حجَّ عمرُ بالناس ، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت . قال : وكان نائبه على
مكة عتّاب ، وعلى الشام أبو عبيدة ، وعلى العراق سعد ، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص ، وعلى
اليمن يعلى بن أمية ، وعلى اليمامة والبحرين العلاء بن الحَضْرمي ، وعلى عُمان حذيفة بن محصن ،
وعلى البصرة المغيرة بن شعبة ، وعلى الموصل ربعي بن الأفكل ، وعلى الجزيرة عياض بن غَنْم
الأشعري .
[ وضع عمر رضي الله عنه التأريخ الهجري ]
قال الواقدي : وفي ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - كتب عمر بن الخطاب
التاريخ(٣) ، وهو أول من كتبه . قلت : قد ذكرنا سببه في سيرة عمر ، وذلك أنه رُفع إلى عمر صكٌّ
مكتوبٌ لرجل على آخر بدَيْنٍ يحلّ عليه في شعبان ، فقال : أي شعبان ؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها ، أم
التي بعدها ؟ ثم جمع الناس فقال : ضعوا للناس شيئاً يعرفون فيه حلول ديونهم . فيقال إنهم أراد بعضهم
(١) سَروج: بلدة قريبة من حران من ديار مضر ، غلب عياض بن غنم على أرضها ثم فتحها صلحاً على مثل صلح الرّها
في سنة ١٧ في أيام عمر رضي الله عنه. معجم البلدان (٢١٦/٣) .
والرُّها : مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام ، سميت باسم الذي استحدثها . معجم البلدان ( ١٠٦/٣).
(٢) في أ: ما صنع؛ تحريف، وباضع: جزيرة في بحر اليمن. معجم البلدان (١/ ٣٢٤).
(٣) ينظر تاريخ الطبري (٣٨/٤) والكامل في التاريخ (٥٢٦/٢).

١٨٢
وضع التاريخ الهجري
أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم ، كلما هلك ملك أرّخوا من تاريخ ولاية الذي بعده ، فكرهوا
ذلك . ومنهم من قال : أرخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر فكرهوا ذلك ، ولطوله أيضاً ، وقال
قائلون: أرّخوا من مولد رسول الله وم ليل: وقال آخرون من مبعثه عليه السلام . وأشار علي بن أبي طالب
وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكلّ أحد فإنه أظهر من المولد والمبعث .
فاستحسن ذلك عمر والصحابة ، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول الله وسلّم وأرخوا من أول تلك السنة من
محرَّمها ، وعند مالك رحمه الله فيما حكاه السهيلي(١) وغيره أن أول السنة من ربيع الأول لقدومه عليه
الصلاة والسلام إلى المدينة . والجمهورُ على أنَّ أول السنة من المحرم ، لأنه أضبطُ لئلا تختلف الشهور ،
فإنَّ المحرمَ أول السنة الهلالية العربية .
وفي هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - توفيت مارية أم إبراهيم ابن رسول الله وُّر، وذلك في المحرم
منها فيما ذكره الواقدي وابن جرير(٢) وغير واحد ، وصلَّى عليها عمر بن الخطاب ، وكان يجمع الناس
لشهود جنازتها ، ودُفنت بالبقيع رضي الله عنها وأرضاها ، وهي مارية القبطية ، أهداها صاحب إسكندرية
- وهو جريج بن مينا - في جملة تحفٍ وهدايا لرسول الله وَ الر، فقبل ذلك منه، وكان معها أختُها سيرين(٣)
التي وهبها رسول الله وَله لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان . ويقال أهدى المقوقس
معهما جاريتين أُخْرَيين(٤) ، فيُحتمل أنهما كانتا خادمتين لمارية وسيرين . وأهدى معهن غلاماً خَصِيَّاً اسمه
مأبور ، وأهدى مع ذلك بغلةً شهباءَ اسمها الدُّلدُل ، وأهدى حلةَ حرير من عمل الإسكندرية . وكان قدوم
هذه الهدية في سنة ثمان. فحَملت مارية من رسول الله وَّه بإبراهيم عليه السلام، فعاش عشرين شهراً ،
ومات قبل أبيه رسول الله بَ ل (بسنة سواء. وقد حزن عليه رسول الله وَلّر) وبكى عليه وقال: ((تدمع
العينُ، ويحزنُ القلبُ، ولا نقول إلا ما يُرْضي ربَّنا، وإنا بك يا إبراهيمُ لمحزونون )(6) . وقد تقدم ذلك
في سنة عشر. وكانت مارية هذه من الصالحات الخيرات الحسان. وقد حظيت عند رسول الله وَّل وأُعجب
بها ، وكانت جميلة ملاَّحة ، أي : حلوة ، وهي تشابه هاجر سرية الخليل ، فإن كلاً منهما من ديار مصر
وتسرّاها نبيٌّ كريم ، وخليل جليل ، عليهما السلام .
في الأصل والمطبوع : حكاه عن السهيلي ، و( عن ) مقحمة .
(١)
(٢)
في تاريخه (٤/ ٣٨).
في أ، ط: شيرين، وما أثبتنا عن الاستيعاب (١٨٦٨/٤) والإصابة (٣٣٩/٤).
(٣)
(٤)
في ط : أخرتين ؛ وهو تحريف .
الحديث عن أنس رضي الله عنه، وهو في مسند أحمد ( ٣/ ١٩٤) ومسلم في صحيحه (٢٣١٥) في الفضائل ،
(٥)
وابن حبان في صحيحه ( ٧/ ٦٢) رقم (٢٩٠٢) في الجنائز .

١٨٣
أحداث سنة ١٧ هـ
ثم دخلت سنة سبع عشرة
في المُحرم منها انتقل سعد بن أبي وقاص من المدائن إلى الكوفة ، وذلك أنَّ الصحابةَ استوخموا١ً)
المدائن ، وتَغيَّرتْ ألوانُهم، وضعفتْ أبدانُهم ، لكثرةِ ذبابها وغبارها ، فكتبَ سعدٌ إلى عمر في ذلك ،
فكتب ( عمر ) : إنَّ العربَ لا تصلحُ إلا حيثُ يوافق إيلَها . فبعث سعدٌ حُذَيْفة وسلمان ( بن زياد )
يرتادال(٢) للمسلمين منزلاً مناسباً يصلحُ لإقامتهم . فمرًا على أرض الكوفة ، وهي حصباء في رملة
حمراء ، فأعجبتهما ووجدا هنالك ديرات ثلاث (٣) دير حرقة بنت النعمان ، ودير أم عمرو ، ودير
سلسلة، وبين ذلك خصاص(٤) خلال هذه الكوفة ، فنزلا فصلَّيا هنالك، وقال كل واحد منهما : اللهم
ربّ السماء وما أظَلَّتْ، وربّ الأرض وما أقلَّتْ، وربّ الريح وما ذَرَتْ ، والنجوم وما هَوَتْ ، والبحار
وما جَرَتْ ، والشياطين وما أضلَّتْ ، والخصاص وما أجنَّتْ ، بارك لنا في هذه الكوفة واجعلها منزلَ
ثباتٍ ، ثم كتبا إلى سعد بالخبر .
فأمر سعد باختطاط الكوفة ، وسار إليها في أول هذه السنة في محرمها ، فكان أول بناء(٥) وضع فيها
المسجد . وأمر سعد رجلاً رامياً شديد الرمي ، فرمى من المسجد إلى الأربع جهات فحيثُ سقطَ سهمُه
بنى الناسُ منازلهم، وعَمَّر قصراً تلقاء(٦) محراب المسجد للإمارة وبيت المال ، فكان أول ما بنوا المنازل
بالقصب ، فاحترقت(٧) في أثناء السنة ، فبنوها باللَّبِنِ عن أمر عمر ، بشرط أن لا يسرفوا ولا يجاوزوا
الحدَّ. وبعث سعد إلى الأمراء والقبائل فقدموا عليه، فأنزلهم الكوفةَ، وأمر سعد أبا هَيّاج(٨) الموكل
بإنزال الناس فيها بأن يعمُروا ويدعوا للطريق المنهج وسع أربعين ذراعاً . ولما دون ذلك ثلاثين وعشرين
ذراعاً ، وللأزقَّة سبعة أذرع . وبُني لسعد قصرٌ قريبٌ من السُّوق ، فكانت غوغاء الناس [ تمنع ] سعداً من
الحديث ، فكان يغلق بابه ويقول : سكِّنِ الصويت ، فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخطاب بعث
محمد بن مسلمة ، فأمره إذا انتهى إلى الكوفة أن يقدح زناده ويجمع حطباً ويحرق باب القصر ثم يرجع من
فوره . فلما انتهى إلى الكوفة فعل ما أمره به عمر ، وأمر سعداً أن لا يغلق بابه عن الناس ، ولا يجعل على
(١) بلدة وَخِمَة ووخيمة إذا لم يوافق سكنُها وقد استوخمتُها. اللسان (وخم ).
(٢)
في أ : يريدان ؛ والمثبت هو الأشبه .
في أ : ثلاث ديرات حربة ابن النعمان . وما هنا موافق للسان ( دير ) .
(٣)
الخصاص : جمع خص وهو البيت من الشجر أو القصب . اللسان ( خصص ) .
(٤)
(٥)
في أ : أول ما وضع .
في أ : قصراً أبلقاً .
(٦)
في أ : فاحترق .
(٧)
(٨) في تاريخ الطبري (٤٤/٤) : أبو الهيّاج بن مالك.

١٨٤
قصة أبي عبيدة وحصر الروم له بحمص
بابه أحداً يمنع الناس عنه ، فامتثل ذلك سعد وعرض على محمد بن مسلمة شيئاً من المال فامتنع من
قبوله ، ورجع إلى المدينة ، واستمر سعد بعد ذلك في الكوفة ثلاث سنين ونصفاً(١) ، حتى عزله عنها
عمر ، من غير عجز ولا خيانة .
قصة أبي عبيدة وحصر الروم له بحمص وقدوم عمر إلى الشام [ أيضاً لينصره ]
وذلك أن جمعاً من الروم عزموا على حصار أبي عبيدة بحمص ، واستجاشوا٢) بأهل الجزيرة ،
وخلق ممن هنالك ، وقصدوا أبا عبيدة ، فبعث أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه من قنّسرين ، وكتب إلى
عمر بذلك ، واستشار أبو عبيدة المسلمين في أن يناجر(٣) الروم ، أو يتحصَّنَ بالبلد حتى يجيء أمرُ عمر ؟
فكلّهم أشار بالتَّحصُّنِ ، إلا خالداً فإنه أشار بمناجزتهم ، فعصاهُ وأطاعهم . وتحصَّن بحمص وأحاط به
الروم ، وكلُّ بلدٍ من بلدان الشام مشغولٌ أهله(٤) عنه بأمرهم ، ولو تركوا ما هم فيه وأقبلوا إلى حمص
لا نخرم النظام في الشام كله .
وكتب عمر إلى سعد أن يندبَ الناس مع القعقاع بن عمرو ، ويسيّرهم إلى حمص من يوم يقدم عليه
الكتاب ، نجدة لأبي عبيدة فإنه محصورٌ ، وكتب إليه أن يُجهِّز جيشاً إلى أهل الجزيرة الذين مالؤوا الروم
على حصار أبي عبيدة ويكون أمير الجيش إلى الجزيرة عياض بن غَنْم . فخرج الجيشان معاً من الكوفة :
القعقاع في أربعة آلاف نحو حمص لنجدة أبي عبيدة ، وخرج عمر بنفسه من المدينة لينصر أبا عبيدة ، فبلغ
الجابية ، وقيل إنما بلغ سَرْغ . قاله ابن إسحاق ، وهو أشبه ، والله أعلم .
فلما بلغ أهل الجزيرة الذين مع الروم على حمص أن الجيش قد طرق بلادهم ، انشمرو(٥) إلى
بلادهم ، وفارقوا الروم ، وسمعت الروم بقدوم أمير المؤمنين عمر لينصر نائبه عليهم فضعف جانبهم
جداً . وأشار خالد على أبي عبيدة بأن يبرز إليهم ليقاتلهم ، ففعل ذلك أبو عبيدة ، ففتح الله عليه
ونصره ، وهُزمت الرومُ هزيمةً فظيعةً . وذلك قبل ورود عمر عليهم ، وقبل وصول الأمداد إليهم
بثلاث ليالٍ . فكتب أبو عبيدة إلى عمر ، وهو بالجابية ، يخبره بالفتح ، وأن المدد وصل إليهم بعد ثلاث
ليال وسأله٦) هل يدخلهم في القَسْم معهم مما أفاء الله عليهم ؟ فجاء الجوابُ بأن يدخلهم معهم في
الغنيمة ، فإنَّ العدوّ إنما ضعف ، وإنما انشمر عنه المدد من خوفهم منهم ، فأشركهم أبو عبيدة في
(١) في أ، ط: ونصف، وما هنا أقرب للسياق. والخبر في تاريخ الطبري (٤/ ٥٠).
(٢)
استجاشه : أي طلب منه جيشاً . اللسان ( جيش ) .
(٣)
في أ : أن يناجزوا .
في أ : مشغول بأهله .
(٤)
انشمروا : عادوا ورجعوا .
(٥)
(٦) في أ : وسألهم ؛ وهو خطأ .

١٨٥
فتح الجزيرة - قدوم عمر - رضي الله عنه - إلى الشام
الغنيمة . وقال عمر : جزى الله أهل الكوفة خيراً يحمون حوزتهم ويمدون أهل الأمصار .
فتح الجزيرة
( قال ابن جرير(١): وفي هذه السنة فتحت الجزيرة٢) فيما قاله سيف بن عمر ) . قال ابن جرير : في
ذي الحجة من سنة سبعَ عشرةَ ، فوافقَ سيف بن عمر في كونها في هذه السنة . وقال ابن إسحاق : كان
ذلك في سنة تسع عشرة . سار إليها عياض بن غنم . وفي صحبته أبو موسى الأشعري وعمر بن سعد بن
أبي وقاص ، وهو غلام صغير السنّ ليس إليه من الأمر شيء ، وعثمان بن أبي العاص . فنزل الرُّها
فصالحه أهلها على الجزية ، وصالحت حَرَّان على ذلك . ثم بعث أبا موسى ( الأشعري ) إلى نَصيبين ،
وعمر بن سعد إلى رأس العين ، وسار بنفسه إلى دارا ، فافتتحت هذه البلدان ، وبعث عثمان بن
أبي العاص إلى أرمينية ، فكان عندها شيء من قتال ، قتل فيه صفوان بن المُعطّل السُّلمي شهيداً . ثم
صالحهم عثمان بن أبي العاص على الجزية ، على كل أهل بيت دينار .
وقال سيف في روايته : جاء عبد الله بن عبد الله بن غسان فسلك على رجليه حتى انتهى إلى الموصل
فعبر إلى بلد حتى انتهى إلى نَصيبين ، فلقوه بالصلح وصنعوا كما صنع أهل الرّقَّة . وبعث إلى عمر برؤوس
النصارى من عرب أهل الجزيرة ، فقال لهم عمر : أدُّوا الجزيةَ . فقالوا : أبْلِغْنا مأمننَا فَوالله لئن وضعت
علينا الجزية لندخلن(٣) ( أرض الروم ) ، والله لتفضحنا من بين العرب . فقال لهم : أنتم فضحتم
أنفسَكم ، وخالفتم أَمتكم ، ووالله لتؤدُنَّ الجزيةَ وأنت صَغَرَةٌ قَمَأَة٤ٌ) ، ولئن هربتم إلى الروم لأكتبنَّ
فيكم ، ثم لأسبينكم . قالوا : فخذ منا شيئاً ولا تُسمِّه(٥) جزية . فقال : أما نحن فنسميه جزية ، وأما أنتم
فسقُّوه ما شئتم . فقال له علي بن أبي طالب : ألم يُضْعف عليهم سعد الصدقة ؟ قال : بلى : وأصغى إليه
ورضي به منهم .
[ قدوم عمر رضي الله عنه إلى الشام ]
قال ابن جرير(٦) : وفي هذه السنة قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام فوصل إلى سَرْغ في
قول محمد بن إسحاق ، وقال سيف : وصل إلى الجابية . قلت : والأشهر أنه وصل سَرْغ ، وقد تلقّاه
في تاريخه (٥٣/٤) .
(١)
في ط : الجزائر . وما هنا عن الطبري .
(٢)
(٣)
في أ : لنرحلن ؛ تحريف .
صَغَرة : من الصَّغَر والصَّغار وهو الذل والهوان . اللسان ( صغر ) . قَمأة : جمع قميء من قمأ الرجل وغيره : ذلَّ
(٤)
وصَغُر وصار قميئاً . اللسان ( قمأ ).
(٥) في أ، ط : تُسمِّيه ، وما هنا للسياق النحوي .
(٦) في تاريخه (٥٦/٤) .

١٨٦
قدوم عمر - رضي الله عنه - إلى الشام
أمراءُ الأجناد ، أبو عبيدة ، ويزيد بن أبي سفيان ، وخالد بن الوليد ، إلى سَرْغ فأخبروه بأن الوباء قد وقع
بالشام ، فاستشار عمر المهاجرين والأنصار فاختلفوا عليه ، فمن قائل يقول : أنت قد جئت لأمر فلا ترجع
عنه. ومن قائل يقول: لا نرى أن تقدم بوجوه أصحاب رسول الله مح لول على هذا الوباء . فيقال إن عمر أمر
الناس بالرجوع من الغد(١) . فقال أبو عبيدة : أفراراً من قدر الله ؟ قال : نعم ! نفرٌّ من قدر الله إلى قدر
الله، أرأيت لو هبطت وادياً ذا عدوتين إحداهما مخصبة والأخرى مجدبة ، فإن رعيت الخصبة رعيتها بقدر
الله ، وإن أنت رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ؟ ثم قال : لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة .
قال ابن إسحاق في روايته وهو في صحيح البخاري (٢) : وكان عبد الرحمن بن عوف متغيباً في بعض
شأنه، فلما قدم قال : إن عندي من ذلك علماً، سمعت رسول الله بَ ل* يقول: ((إذا سمعتم به بأرض قوم
فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منه)) . فحمد الله عمر - ( يعني ) لكونه
وافق رأيه - ورجع بالناس .
وقال الإمام أحمد(٣): حدَّثنا وكيع ، حذَّثنا سفيان ، عن حبيب(٤) بن أبي ثابت ، عن إبراهيم بن
سعد، عن سعد بن مالك بن أبي وقاص وخزيمة بن ثابت وأسامة بن زيد قالوا: قال رسول الله العمليه :
((إنَّ هذا الطاعون رجزٌ وبقيةُ عذابٍ عُذِّب به قومٌ قبلكم ، فإذا وقع بأرض وأنتم بها٥) فلا تخرجوا منها
فراراً منه ، وإذا سمعتم به بأرضٍ فلا تدخلوا عليه )) .
ورواه ( الإمام) أحمد(٦) أيضاً من حديث سعيد بن المسيّب ويحيى بن سعد٧) ، عن سعد بن
أبي وقاص به .
قال سيف بن عمر(٨) : كان الوباء قد وقعَ بالشام في المُحَرَّم من هذه السنة ثم ارتفع ، وكأن سيفاً
يعتقدُ أنَّ هذا الوباء هو طاعون عَموَاس ، الذي هلك فيه خلق من الأمراء ووجوه المسلمين ، وليس الأمر
كما زعم ، بل طاعون عَمَواس ، من السنة المستقبلة بعد هذه ، كما سنبينه إن شاء الله تعالى .
وذكر سيف بن عمر أن أمير المؤمنين عمر كان قد عزمَ على أن يطوفَ البلدان ، ويزورَ الأمراء . وينظر
(١) في أ : من الغزو .
(٢)
صحيح البخاري ( ٥٧٢٩ ) في الطب .
(٣)
في المسند (١٨٢/١ و٢١٣/٥)، وإسناده صحيح .
(٤)
في ط: (( سفيان بن حسين)) خطأ، والصواب ما أثبتناه ، وسفيان هو الثوري .
(٥)
في ط : فيها ، وما هنا عن أ والمسند .
(٦)
في المسند (١٧٤/١ و١٨٠ و١٨٦) من حديث سعيد بن المسيب .
(٧) في ط: ((سعيد)) وهو خطأ، وهو يحيى بن سعد بن أبي وقاص ، وروايته عن أبيه أخرجها أحمد في المسند كما ذكر
المصنف في (١/ ١٧٣ و١٧٥ و١٧٦) .
(٨) تاريخ الطبري (٥٨/٤) .

١٨٧
ذكر شيء من أخبار طاعون عمواس
فيما اعتمدوه وما آثروا من الخير ، فاختلف عليه الصحابة فمن قائل يقولُ إبدأ بالعراق ، ومن قائل يقول
بالشام . فعزم عمر على قدوم الشام لأجل قَسْم مواريث منْ مات من المسلمين في طاعون عمواس ، فإنه
أشكل قَسْمُها على المسلمين بالشام فعزم على ذلك . وهذا يقتضي أن عمر عزمَ على قدوم الشام بعد
طاعون عمواس ، وقد كان الطاعون في سنة ثماني عشرة كما سيأتي ، فهو قدوم آخر غير قدوم سَرْغ .
والله أعلم .
قال سيف : عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بن النعمان قالوا : قال عمر : ضاعت مواريثُ الناس
بالشام ، أبدأ بها فأقسم المواريث وأقيم لهم ما في نفسي ، ثم أرجع فأتقلّب في البلاد وأنبذ إليهم أمري .
قالوا : فأتى عمر الشام أربعَ مراتٍ مرتين في سنة ست عشرة ، ومرتين في سنة سبع عشرة . ( ولم يدخلها
في الأولى من الأخريين . وهذا يقتضي ما ذكرناه عن سيف أنه يقول بكون طاعون عمواس في سنة سبع
عشرة ) وقد خالفه محمد بن إسحاق وأبو معشر وغير واحد ، فذهبوا إلى أنه كان في سنة ثماني عشرة .
وفيه توفي أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان ، وغيرهم من الأعيان ، على ما سيأتي تفصيله(١) إن شاء
الله تعالى .
[ ذكر ] شيءٍ من أخبار طاعون عَمَواس (٢)
الذي توفي فيه أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم من أشراف الصحابة وغيرهم ، أورده ابن
جرير(٣) في هذه السنة .
قال محمد بن إسحاق(٤) : عن شعبة، عن المخارق(٥) بن عبد الله البَجَلي عن طارق بن شهاب
البَجَلي قال : أتينا أبا موسى ، وهو في داره بالكوفة، لنتحدَّث عنده، فلما جلسنا قال: لا تَخفّو(٦) فقد
أصيب في الدار إنسان بهذا السقم ، ولا عليكم أن تتنزهوا عن هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم
ونزهها ، حتى يرتفع(٧) هذا البلاء ، فإني سأخبركم بما يكرَه مما يتقى ، من ذلك أن يظنَّ منْ خرج أنه لو
(١) في أ : تعيينه .
(٢) عَمَواس : - ورواه الزمخشري بكسر أوله ، ورواه غيره بفتح أوله وثانيه - وهي كورة من فلسطين بالقرب من
فلسطين ، ومنها كان ابتداء الطاعون أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ثم فشا في أرض الشام فمات فيه خلق كثير
لا يحصى من الصحابة رضي الله عنهم، ومن غيرهم وذلك في سنة ١٨ للهجرة . معجم البلدان (٤/ ١٥٧ -
١٥٨ ) .
في تاريخه (٤/ ٦٠ ).
(٣)
تاريخ الطبري (٤ /٦٠ - ٦١ ).
(٤)
في ط: (( المختار))، محرف، وهو مخارق بن عبد الله بن جابر ، ويقال : مخارق بن خليفة ، من رجال التهذيب.
(٥)
في أ ، ط : تحفوا ، وما هنا عن تاريخ الطبري .
(٦)
(٧) في أ : يرفع هذا الوباء .

١٨٨
ذكر شيء من أخبار طاعون عمواس
قام مات ! ويظن منْ أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يُصِبْهُ ، فإذا لم يظنّ ذلك هذا المرءُ المسلمُ فلا عليه
أن يخرجَ وأن يتنزَّه عنه، إني كنت مع أبي عبيدة بن الجراح بالشام عام طاعون عَمَواس ، فلما اشتعل(١)
الوجعُ وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه : أن سلامٌ عليكَ، أمّا بعد ، فإنّه قد عرضَت لي
إليكَ حاجةٌ أريدُ أن أشافِهَكَ بها ، فعزمتُ عليك إذا نظرت في كتابي هذا أن لا تضعه من يدك حتى تُقبل
إليَّ .
قال : فعرفَ أبو عبيدة أنَّه إنَّما أرادَ أن يستخرجَه من الوباء ، فقال: يغفر اللهُ لأمير المؤمنين . ثم كتبَ
إليه يا أمير المؤمنين إنّي قد عرفت حاجتَكَ إليَّ ، وإني في جندٍ من المسلمين لا أجدُ بنفسي رغبةً عنهم ،
فلستُ أريدُ فراقهم حتى يقضي الله فيّ وفيهم أمرَهُ وقضاءَهُ، فخلُّني من عزمتك(٢) يا أمير المؤمنين،
ودعني في جندي(٣)
فلما قرأ عمر الكتابَ بكى . فقال الناس : يا أمير المؤمنين أماتَ أبو عبيدة ؟ قال : لا ، وكأن قد .
قال : ثم كتب إليه سلام : عليك ( أما بعد فإنك (٤) أنزلت الناس أرضاً عميقة فأرفعهم إلى أرضٍ مرتفعةٍ
نزهةٍ .
قال أبو موسى : فلما أتاه كتابه دعاني فقال : يا أبا موسى ، إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما
ترى ، فأخرج فأرتد للناس منزلاً حتى أتبعك بهم ، فرجعتُ إلى منزلي لأرتحل فوجدت صاحبتي قد
أصيبت ، فرجعتُ إليه وقلتُ : والله لقد كان في أهلي حدثٌ . فقال: لعلَّ صاحبتَك قد أصيبتْ ؟ قلت :
نعم ، فأمر ببعير فرخِّل له ، فلما وضع رجلَه في غرْزِهِ طُعِنَ فقال : والله لقد أَصِبْتُ ، ثم سار بالناس حتى
نزل الجابيةَ ورفعَ عن الناس الوباءَ .
وقال محمد بن إسحاق(٥) ، عن أبان بن صالح ، عن شهر بن حوشب ، عن رابّه - رجلٍ من قومه -
وكان قد خلف على أمّه بعد أبيه ، وكان قد شهد طاعون عَمَواس . قال : لما اشتعل الوجعُ قام أبو عبيدة
في الناس خطيباً فقال : أيها الناس ، إن هذا الوجعَ رحمةُ ربِّكمُ(٦) ودعوةُ نبيّكم وموتُ الصالحين قبلكم
( وإنَّ أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم لأبي عبيدة حظّه ، فطُعِنَ ، فماتَ واستخلف على الناس معاذ بن جبل ،
فقام خطيباً بعده . فقال : أيّها الناسُ ، إنَّ هذا الوجع رحمة ربّكم ، ودعوة نبيكم ، وموت الصالحين
قبلكم ) وإن معاذاً يسأل الله تعالى أن يقسم لآل معاذ حظّهم ، فطُعِنَ ابنهُ عبد الرحمن فمات ، ثم قام فدعا
في أ : استقل ؛ تحريف .
(١)
(٢)
في أ : عزيمتك .
في أ : ودعني وجندي .
(٣)
في أ : وإني أنزلت .
(٤)
تاريخ الطبري (٤/ ٦١ - ٦٢ ).
(٥)
في ط : رحمة بكم .
(٦)

١٨٩
ذكر شيء من أخبار طاعون عمواس
لنفسه، فطُعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها، ثم يقلب (١) ظهر كفه، ثم يقول: ما أحبُّ أنَّ لي بما
( فيك ) شيئاً من الدنيا . فلما ماتَ استخلف على الناس عمرو بن العاص ، فقام فيهم خطيباً فقال أيها
الناس، إن هذا الوجعَ إذا وقعَ فإنّما يشتعلُ اشتعالَ النار، فتحصّنوا٢) منه في الجبال . فقال أبو واثلة(٣)
الهُذَليّ: ( كذبت) والله لقد صحبتُ رسولَ الله ◌ِ لّ وأنت شرٌّ من حماري هذا. فقال: والله ما أردّ عليك
ما تقول ، وأيم الله لا نقيم عليه . قال : ثم خرج وخرج الناسُ فتفرقوا ودفعه الله عنهم . قال : فبلغ ذلك
عمر بن الخطاب من رأي عمرو بن العاص فوالله ما كرهه .
قال ابن إسحاق : ولما أنتهى إلى عمر مصاب أبي عبيدة ويزيد بن أبي سفيان ، أمَّر معاوية على جند
دمشق وخراجها ، وأمّر شُرحبيل بن حَسَنة على جندِ الأردن وخراجها .
( وقال سيف بن عمر عن شيوخه قالوا : لما كان طاعون عَمَواس وقع مرتين لم ير مثلهما وطال
مكثه ، وفني خلق كثيرٌ من الناس ، حتى طمع العدوّ وتخوفتْ قلوبُ المسلمين لذلك .
قلتُ : ولهذا قدم عمر بعد ذلك إلى الشام فقسم مواريث الذين ماتوا لمَّا أشكل أمرها على الأمراء .
وطابت قلوب الناس بقدومه ، وأنقمعت الأعداء من كل جانب لمجيئه إلى الشام ولله الحمد والمنة .
((٤) وقال سيف - بعد ذكره قدوم عمر بعد طاعون عمواس في آخر سنة سبع عشرة - قال : فلما أراد
القُفول إلى المدينة في ذي الحجة منها خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ألا إني قد ولَّيْتُ عليكم
وقضيتُ الذي عليَّ في الذي ولَّني اللهُ من أمركم إن شاء الله ، فبسطنا٥) بينكم فيأكم ومنازلكم
ومغازيكم ، وأبلغناكم ما لدينا ، فجنَّدنا لكم الجنود، وهيَّأنا لكم الفُروجُ(٦) وبوأنا لكم ، ووسعنا عليكم
ما بلغَ فَيُؤُكُمْ وما قاتلتم عليه من شامكم ، وسمينا لكم أطعماتكم ، وأمرنا لكم بأعطياتكم وأرزاقكم
ومغانمكم . فمن علم شيئاً ينبغي العمل به فليعلمنا نعمل به إن شاء الله ولا قوة إلا بالله .
قال وحضرت الصلاة فقال الناس : لو أمرتَ بلالاً فأذَّن ؟ فأمره فأذَّنَ فلم يبقَ أحدٌ كان أدرك رسولَ الله
وبلال يؤذن إلَّ بكى(٧) حتى بلَّ لحيتَه، وعمرُ أشدُّهم بكاءً، وبكى من لم يدركه لبكائهم ولذكره ◌َّل.
في تاريخ الطبري (٤/ ٦٢) : يقبِّل .
(١)
(٢)
في تاريخ الطبري : فتجبَّلوا ، وفي هامشه : تجبل القوم أي دخلوا في الجبل .
في أ، ط : أبو وائل ؛ خطأ، والمثبت من تاريخ الطبري (٤/ ٦٢) والإصابة (٢١٥/٤) وأبو واثلة الهذلي :
(٣)
صحابي شهد فتوح الشام وخبره هذا ، أخرجه أحمد في مسنده ( ١/ ١٩٦) وابن عساكر في تاريخ دمشق المختصر
(٢٩ /١٧٤) .
سيرد ما بين القوسين في أقبل فقرة ( كائنة غريبة ) .
(٤)
(٥)
في تاريخ الطبري : قسطنا .
في أ: فيأكم وبوأنا ، وفي ط : العروج ؛ وهو تحريف . والفروج: هي الثغور. النهاية ( ٤٢٣/٣).
(٦)
في أ : إلّا وبكى .
(٧)

١٩٠
كائنة غريبة فيها عزل خالد
وذكر ابن جرير(١) في هذه السنة من طريق سيف بن عمر عن أبي المجالد أن عمر بن الخطاب بعث
ينكر على خالد بن الوليد في دخوله إلى الحمام ، وتدلكه بعد النُّورة بعصفر معجون بخمر ، فقال في
كتابه : إن الله قد حرَّم ظاهر الخمر وباطنه ، كما حرَّم ظاهر الإثم وباطنه ، وقد حرم مسّ الخمر فلا
تمسّوها أجسامكم فإنها نجس ، فإن فعلتم فلا تعودوا . فكتب إليه خالد : إنا قتلناها فعادت غسولًا غير
خمر . فكتب إليه عمر: إني أظنّ أن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه فانتهى لذلك(٢)).
قال سيف : وأصاب أهلَ البصرة تلك السنة طاعونٌ أيضاً فماتَ بشرٌ كثيرٌ وجمٌّ غفيرٌ ، رحمهم الله
ورضي الله عنهم أجمعين .
قالوا : وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهله إلى الشام فلم يرجع منهم إلا أربعة . فقال
المهاجر بن خالد (٣) في ذلك : [ من السريع ]
والشّامُ إنْ لمْ يُفْننا كاربُ
منْ يسكنِ الشَّامِ يُعرِّسْ بهِ
عِشْرون لمْ يُقْصصْ لهم شاربُ
أفنى بني رَيْطة فُرْسانُهُمُ
لِمِثْلِ هذا يعجبُ(٤) العاجبُ
ومنْ بني أعْمامِهِمْ مِثْلِهِمْ
ذلكَ ما خطَّ لنا الكاتبُ
طَعْناً وطاعوناً مناياهُمُ
كائنةٌ غَريبةٌ فيها عزل خالد عن قِنَّسرين أيضاً
قال ابن جرير(٥) : وفي هذه السنة أدرب خالد بن الوليد وعياض بن غنم ، أي : سلكا درب الروم
وأغارا عليهم ، فغنموا أموالاً عظيمة وسبياً كثيراً . ثم روى من طريق سيف ، عن أبي عثمان وأبي حارثة
والربيع وأبي المجالد ، قالوا : لما رجع خالدٌ ومعه أموالٌ جزيلةٌ من الصائفة انتجعه الناس يبتغون رفده
ونائله ، فكان ممَّن دخل عليه الأشعث بن قيس فأجازه بعشرة آلاف ، فلما بلغ ذلك عمر(٦) كتب إلى
أبي عبيدة يأمره أن يقيم خالداً ويكشف عمامته وينزع عنه قلنسوته ويقيّده بعمامته ويسأله عن هذه العشرة
آلاف ، إن كان أجازها الأشعث من ماله فهو سَرَفٌ، وإن كان من مال الصائفة فهي خيانة(٧) ، ثم اعزله عن
عمله . فطلب أبو عبيدة خالداً وصعد أبو عبيدة المنبر ، وأقيم خالد بين يدي المنبر ، وقام إليه بلال ففعل
في تاريخه (٤/ ٦٦ ).
(١)
في تاريخ الطبري : إليه ذلك .
(٢)
الأبيات في تاريخ الطبري (٦٥/٤) للمهاجر بن خالد بن الوليد .
(٣)
(٤)
في أ : عجب ، وفي تاريخ الطبري : أعجب .
(٥)
في تاريخه (٤/ ٦٦ ) .
في أ : فلما بلغ عمر ذلك .
(٦)
في أ : جناية .
(٧)

١٩١
كائنة غريبة فيها عزل خالد
ما أمر به عمر بن الخطاب هو والبريد(١) الذي قدم بالكتاب . هذا وأبو عبيدة ساكتٌ لا يتكلّمُ ، ثم نزل
أبو عبيدة واعتذر إلى خالد مما كان بغير اختياره وإرادته ، فعذره خالد وعرف أنه لا قصد له في ذلك . ثم
سار خالد إلى قِنَّسرين فخطب أهل البلد وودَّعهم(٢) ، وسار بأهله إلى حمص فخطبهم أيضاً وودعهم وسار
إلى المدينة ، فلما دخل ( خالد على ) عمر أنشد عمر قول الشاعر (٣): [ من الطويل ]
صَنَعْتَ فَلَمْ يَصْنعْ كَصُنعكَ صانعٌ وما يَصْنع الأقْوامُ فَاللهُ صانِعُ
ثم سأله من أين هذا اليسار الذي تجيز منه بعشرة آلاف ، فقال : من الأنفال والسهمان . قال : فما
زاد على الستين ألفاً فلك ، ثم قوَّم أمواله وعروضه وأخذ منه عشرين ألفاً ثم قال : والله إنك عليّ لكريم ،
وإنك إليّ لحبيب ، ولن تعمل لي بعد اليوم على شيء .
وقال سيف(٤) ، عن عبد الله، عن المستورد ، عن أبيه ، عن عدي بن سهل(٥) قال: كتب عمر إلى
الأمصار : إني لم أعزل خالداً عن سخطة ولا خيانة ، ولكن الناس فتنوا به فأحببت ( أن يعلموا ) أن الله هو
الصانعُ .
ثم رواه سيف ، عن مبشِّر، عن سالم ، قال : لما قدم خالد على عمر ... فذكر مثله . قال
الواقدي :
وفي هذه السنة اعتمر عمر في رجب منها ، وعمَّر في المسجد الحرام وأمر بتجديد أنصاب الحرم ،
أمر بذلك لمخرمة بن نوفل ، وأزهر بن عبد عوف ، وحويطب بن عبد العُزَّى ، وسعيد بن يربوع .
قال الواقدي : وحدَّثني كثير بن عبد الله المرّي ، عن أبيه ، عن جده قال : قدم عمر مكة في عمرة
سنة سبع عشرة ، فمر في الطريق فكلّمه أهل المياه أن يبنوا منازل بين مكة والمدينة - ولم يكن قبل ذلك
بناء - فأذنَ لهم وشرطَ عليهم أنَّ ابن السبيل أحقُّ بالظلِّ والماء .
قال ( الواقدي ) : وفيها تزوَّج عمر بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ، من فاطمة بنت
رسول الله وَّر، ودخل بها في ذي القعدة . وقد ذكرنا في سيرة عمر ومسنده صفة تزويجه بها وأنه أمهرها
أربعين ألفاً، وقال: إنما تزوجتُها لقول رسول الله بَّه ((كل سبب ونسب فإنه ينقطعُ يومَ القيامة إلَّ سببي
ونسبي))(٦)
(١) في أ : والبريدي .
(٢)
في أ : وودهم .
(٣) في أ : فلما دخل عمر أنشده .
تاريخ الطبري (٤ / ٦٨ ) .
(٤)
في تاريخ الطبري : ابن سهيل .
(٥)
(٦) الحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٦٣٥)، الحاكم في المستدرك (١٤٢/٣) وغيرهما وهو حديث حسن.

١٩٢
ذكر خبر عزل المغيرة بن شعبة
[ ذكر خبر عزل المغيرة بن شعبة عن البصرة وولاية أبي موسى ]
قال : وفي هذه السنة ولَّى عمر أبا موسى الأشعري البصرة ، وأمره أن يشخصَ إليه المغيرة بن شعبة
في ربيع الأول. فشهد عليه فيما حدَّثني معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب : أبو بكرة ،
وشبل بن معبد البَجَلي ، ونافع بن عبيد ، وزياد . ثم ذكر الواقدي وسيف (١) هذه القصة وملخصها :
أن امرأةً كان يُقال لها أمَّ جميل بنتَ الأفْقَم ، من نساء بني عامر بن صعصعة ، ويقال من نساء بني
هلال . وكان زوجُها من ثقيف قد توفي عنها ، وكانت تغشى نساءَ الأمراءِ والأشرافِ ، وكانت تدخل على
بيت المغيرة بن شعبة وهو أمير البصرة ، وكانت دار المغيرة تجاه دار أبي بكرة ، وكان بينهما الطريقُ ،
وفي دار أبي بكرة كُوَّةٌ تُشرفُ على كُوَّةٍ في دار المغيرة ، وكان لا يزال بين المغيرة وبين أبي بكرة
شَنانٌ (٢). فبينما أبو بكرة في داره وعنده جماعة يتحدَّثون في العُلَّيَّهِ(٣)، إذ فَتحتِ الريحُ بابَ الكُوَّة فقام
أبو بكرة ليُغلقها ، فإذا كوةُ المغيرة مفتوحة ، وإذا هو على صدر امرأة وبين رجليها ، وهو يُجامعها ، فقال
أبو بكرة لأصحابه : تعالوا فانظروا إلى أميركم يزني بأمّ جميل . فقاموا فنظروا إليه وهو يجامع تلك
المرأة ، فقالوا لأبي بكرة : ومن أين قلتَ إنها أم جميل ؟ - وكان رأساهما من الجانب الآخر -. فقال :
انتظروا ، فلما فرغا قامت المرأة فقال أبو بكرة : هذه أم جميل . فعرفوها فيما يظنون . فلما خرج المغيرة
- وقد اغتسل - ليصلّي بالناس منعه أبو بكرة أن يتقدم .
وكتبوا إلى عمر في ذلك ، فولى عمر أبا موسى ( الأشعري ) أميراً على البصرة . وعزل المغيرة ،
فسار إلى البصرة فنزل البرد٤) . فقال المغيرة : والله ما جاء أبو موسى تاجراً ولا زائراً (ولا جاء ) إلا
أميراً . ثم قدم أبو موسى على الناس ، وناولَ المغيرةَ كتاباً من عمر هو أوجز كتاب فيه : أما بعد فإنه بلغني
نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميراً فسلّم ما في يديك والعجل . وكتب إلى أهل البصرة : إني قد وليتُ عليكم
أبا موسى ليأخذ من قويكم لضعيفكم ، وليقاتل بكم عدوكم ، وليدفع عن دینکم ، ولیجبي لكم فيأكم ( ثم
ليقسمه بينكم ) وأهدى المغيرة لأبي موسى جاريةً من مولدات الطائف تُسمَّى عقيلة ( وقال : إنّي رضيتُها
لك، وكانت فارهة(٥) . وارتحل المغيرة والذين شهدوا عليه ) وهم أبو بكرة ، ونافع بن كلدة ، وزياد بن
أمية ، وشبل بن معبد البجلي . فلما قدموا على عمر جمع بينهم وبين المغيرة . فقال المغيرة : سَلْ هَؤلاء
الأعبد كيف رأوني ؟ مستقبلهم أو مستدبرهم ؟ وكيف رأوا المرأة وعرفوها ، فإن كانوا مستقبلي فكيف لم
(١) القصة بكاملها في تاريخ الطبري (٦٩/٤ - ٧٢ ).
(٢) يقال: شنئته أشنؤه شيئاً وشناناً: أبغضته. النهاية (٢/ ٥٠٣).
علَّيَّه - هي بضم العين وكسرها - الغرفة والجمع العلالي. النهاية ( ٢٩٥/٣) والقاموس (علا ) .
(٣)
في أ : فبرد البريد .
(٤)
جارية فارهة : إذا كانت حسناء مليحة . اللسان ( فره ) .
(٥)

١٩٣
فتح الأهواز ومناذر ونهر تيرى
يستتروا١) ؟ أو مستدبريَّ فكيف استحلّوا النظر في منزلي على(٢) امرأتي؟ والله ما أتيت إلا امرأتي وكانت
تشبهها . فبدأ عمر بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في
المكحلة ، قال : كيف رأيتهما ؟ ( قال ) : مستدبرهما . قال: فكيف استبنت(٣) رأسها٤) قال :
تحاملتُ . ثم دعا شبل بن معبد فشهد بمثل ذلك ، فقال استقبلتهما أم استدبرتهما ؟ قال : استقبلتهما .
وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم . قال : رأيته جالساً بين رجلي امرأة فرأيت
قدمين مخضوبتين يخفقان وآستين مكشوفتين ، وسمعت حفزانً(٥) شديداً . قال : هل رأيت كالميل(٦) في
المكحلة ؟ قال: لا . قال : فهل تعرف المرأة ؟ قال : لا ولكن أشبهها . قال : فتنحّ . وروي أن عمر
رضي الله عنه كبر عند ذلك ثم أمر بالثلاثة فجُلدوا الحدَّ، وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِلُّهَدَآءِ
فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [النور: ١٤] فقال المغيرة: أشفني من الأعبد. قال: اسكت، أسكتَ اللهُ
فاكَ، والله لو تمَّتِ الشهادة لرجمناكَ بأحجاركَ .
فتح الأهْواز ومَنَاذِر(٧) ونهر تِيْرَى(٨)
قال ابن جرير(٩) : كان في هذه السنة ، ( وقيل : في سنة ) ست عشرة . ثم روى من طريق سيف عن
شيوخه أن الهُرْمزان كان قد تغلَّب على هذه الأقاليم ( وكان ممَّنْ فَرَّ يوم القادسية من الفرس ، فجهَّز
أبو موسى من البصرة ، وعتبة ) بن غزوان من الكوفة جيشين لقتاله ، فنصرهم الله عليه ، وأخذوا منه
ما بين دجلة إلى دجيل ، وغنموا من جيشه ما أرادوا ، وقتلوا من أرادوا ، ثم صانعَهم وطلب مصالحتهم
عن بقية بلاده ، فشاورا في ذلك عتبة بن غزوان فصالحه ، وبعث بالأخماس والبشارة إلى عمر ، وبعث
وفداً فيهم الأحنف بن قيس . فأعجب عمر به وحظي عنده . وكتب إلى عتبة يوصيه به ويأمره بمشاورته
والاستعانة برأيه . ثم نقض الهُرْمزان العهد والصلح ، واستعان بطائفةٍ من الأكراد ، وغرَّته نفسه ، وحَسَّن
له الشيطانُ عملَه في ذلك . فبرز إليه المسلمون فنُصِروا عليه وقتلوا من جيشه جماً غفيراً ، وخلقاً كثيراً ،
في تاريخ الطبري : لم أستتر .
(١)
(٢)
في أ : إلى .
(٣)
في تاريخ الطبري : استثبتَّ .
في أ : رؤوسهما .
(٤)
حفزاناً : النفس الشديد المتتابع . اللسان ( حفز ) .
(٥)
(٦)
في أ : كالمرود .
مناذر : قرية من قرى الأهواز . وهما قريتان . معجم ما استعجم (١٢٦٣/٤) ومعجم البلدان ( ١٩٩/٥).
(٧)
تیری : مقصور : نهر تيرى من نواحي الأهواز. معجم البلدان ( ٢/ ٦٦ ).
(٨)
في تاريخه ( ٤ / ٧٢ ) .
(٩)

١٩٤
فتح تستر المرة الأولى صلحا
وجمعاً عظيماً، واستلبوا منه ما بيده من الأقاليم والبلدان إلى تُسْتَر(١)، فتحصن بها، وبعثوا إلى عمر
بذلك. وقد قال الأسود بن سريع في ذلك - وكان صحابياً رضي الله عنه (٢) - ( من الوافر ]
ولكنْ حافَظوا فيمنْ يُطِيعُ(٤
لَعَمْرُكَ ما أضاعَ بنو أبينا٣ً)
أضاعوا أمْرَهُ فيمَنْ يُضيعُ
أطاعوا ربَّهُم وعَصاهُ قَوْمٌ
فلاقوا كبَّةً فيها قبوعُ
مَجوسٌ لا يُنَهْنِهُها كِتَابٌ
سريع الشدِّ يَثْفِئُه٥ُ) الجميعُ
وولّى الهُرْمزانُ علی جَوادٍ
غَداةَ الجِسْرِ إذ نجَمُ ٦) الرَّبِيعُ
وخَلَّى سُرَّة الأهوازِ كَرْهاً
وقال حُرْقوص بن زهير السَّعدي وكان صحابياً أيضاً : ( من الوافر ]
لها في كلِّ ناحيةٍ ذخائر
غَلَبْنا الهُرْمُزانَ على بلادٍ
إذا صارت نواحيها٧) بَواكز
سواءٌ بَرُّهمْ والبَحْرُ فيها
جَعَافِ(٨) لا يزالُ لها زواخِرْ
لها بَحْرٌ يَعجّ بجانِبَيْهِ
فتح تُسْتَر المرّة الأولى صلحاً
قال ابن جرير(٩) : كان ذلك في هذه السنة في قول سيف وروايته . وقال غيره : في سنة ست عشرة
وقال غيره : كانت في سنة تسع عشرة . ثم قال ابن جرير : ذكر الخبر عن فتحها ، ثم ساق من طريق
سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمروُ ١٠) قالوا: ولما افتتح حُرْقُوص بن زُهَيْر سوق الأهواز ، وفرّ
الهُزْمزان بين يديه ، فبعث في إثره جَزْء بن معاوية - وذلك عن کتاب عمر بذلك ۔ فما زال جَزْء يتبعه حتى
انتهى إلى رامَهُزْمُزْ ١١) فتحصن الهُرْمزان في بلادها، وأعجز جَزْءاً تَطلُبُهُ ، واستحوذ جَزْء على تلك البلاد
تَسْتر : - بالضم ثم السكون وفتح التاء الأخرى وراء - أعظم مدينة بخوزستان. معجم البلدان (٢٩/٢).
(١)
الأبيات في تاريخ الطبري (٤/ ٧٦ ).
(٢)
في أ : بنوبنينا ؛ تحريف .
(٣)
فى أ ، ط : يطيعوا ، وما هنا عن تاريخ الطبري وهو الأشبه .
(٤)
في أ : يتبعه ، والروايتان بمعنى واحد .
(٥)
(٦)
نجم طلع . اللسان ( نجم ) .
كذا في أ ، ط . وفي تاريخ الطبري : نواجبها .
(٧)
الجعافر : جمع جعفر ، وهو النهر . اللسان ( جعفر ) .
(٨)
(٩)
في تاريخه (٤ / ٧٧ ) .
(١٠) في أ : وعمر ؛ خطأ.
(١١) رامَهُزْمز: مدينة مشهورة بنواحي خوزستان، وهي من بين مدن خوزستان تجمع النخل والجوز والأترنج . معجم
البلدان ( ٣ /١٧ ).

١٩٥
ذكر غزو بلاد فارس من ناحية البحرين
والأقاليم والأراضي ، فضرب الجزية على أهلها ، وعمر عامرها ، وشق الأنهار إلى خرابها ومواتها ،
فصارت في غاية العمارة والجودة . ولما رأى الهُرْمُزان ضيقَ بلاده عليه لمجاورة المسلمين ، طلب من
جَزْء بن معاوية المصالحة ، فكتب إلى حُرْقوص ، فكتب حرقوص إلى عُتبة بن غزوان ، وكتب عتبة إلى
عمر في ذلك . فجاء الكتاب العمري بالمصالحة على رامهُرْمز، وتُسْتَر، وجُنْدَيْ سابور(١)، ومدائن أخر
مع ذلك . فوقع الصلحُ على ذلك كما أمر به عمر رضي الله عنه .
ذكر غزو ( بلاد ) فارس من ناحية البحرين
( عن )(٢) ابن جرير عن سيف
وذلك أنَّ العلاء بن الحَضْرمي كان على البحرين في أيام الصدِّيق، فلما كان عمر عزله عنها وولاها
لقدامة بن مظعون . ثم أعاد العلاء بن الحضرمي إليها . وكان العلاء بن الحضرمي يباري سعد بن أبي
وقاص. فلما افتتح سعد القادسية، وأزاح كسرى عن داره، وأخذ حدود ما يلي السواد، واستعلى وجاء
بأعظم مما جاء به العلاء بن الحضرمي من ناحية البحرين. فأحب (العلاء) أن يفعل فعلاً في فارس نظيرَ
ما فعله سعدٌ فيهم، فندب الناس إلى حربهم، فاستجاب له ( أهل ) بلاده ، فجزَّأهم أجزاء ، فعلى فرقة
الجارود بن المُعلَّى، وعلى الأخرى السوّار بن همام، وعلى الأخرى خُلَيْد بن المُنْذر بن ساوَى، وخُليد
هو أمير الجماعة. فحملهم في البحر إلى فارس، وذلك بغير إذن عمر له في ذلك - وكان عمر يكره ذلك
لأن رسول الله ◌َّله وأبا٣) بكر (ما) غزيا فيه المسلمين - فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا
من عند إصطخر ، فحالت فارس بينهم وبين سفنهم ، فقام في الناس خُليد بن المنذر فقال : أيها الناس،
إنما أراد هؤلاء القوم بصنيعهم هذا محاربتكم، وأنتم جئتم لمحاربتهم، فاستعينوا بالله وقاتلوهم، فإنما
الأرض والسفن لمن غلب، واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، فأجابوه إلى
ذلك فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالاً شديداً في مكان من الأرض يدعى طاؤس ، ثم أمر خُليد
المسلمين فترجّلوا وقاتلوا فصبروا ، ثم ظفروا فقتلوا فارس مقتلةً لم يُقتلوا قبلها مثلَها . ثم خرجوا
يريدون البصرةَ فغرقت بهم سفنهم ، ولم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلاً ، ووجدوا شَهْرَك في أهل
اصطخر قد أخذوا على المسلمين بالطرق ، فعسكروا وامتنعوا من العدو . ولما بلغ عمر ما صنع
العلاء بن الحضرمي، اشتد غضبُه عليه، وبعث إليه فعزله وتوّده ، وأمره بأثقل الأشياء عليه ، وأبغض
الوجوه إليه . فقال : الحق بسعد بن أبي وقاص ( فخرج العلاءُ إلى سعد بن أبي وقاص ) مضافاً إليه ،
وكتب عمر إلى عُتبة بن غزوان : إن العلاء بن الحضرمي خرج بجيش فأقطعهم أهل فارس وعصاني ،
جُنديسابور : مدينة بخوزستان ، خصبة واسعة الخير بها النخل والزروع والمياه .
(١)
(٢) في أ: وذلك فيما حكاه . والخبر في تاريخ الطبري (٧٩/٤).
(٣) في أ : ولى أبا بكر ؛ خطأ .

١٩٦
ذكر فتح تستر ثانية عنوة
وأظنّه لم يردِ اللهَ بذلك، فخشيتُ عليهم إلَّا يُنْصروا، أن يُغْلبوا ويُنْشَبو(١) ، فاندب إليهم الناسَ واضممهم
إليك من قبل أن يجتاحوا . فندب(٢) عتبة المسلمين وأخبرهم بكتاب عمر إليه في ذلك ، فانتدب جماعة
من الأمراء الأبطال ، منهم هاشم بن أبي وقاص ، وعاصم بن عمرو ، وعرفجة بن هَرْئمة ، وحذيفة بن
محصن ، والأحْنف بن قيس ، وغيرهم ، في اثني عشر ألفاً . وعلى الجميع ( أبو ) سَبْرة بن أبي رُهُم .
فخرجوا على البغال يجنبون الخيل سراعاً ، فساروا على الساحل لا يلقون أحداً حتى انتهوا إلى ( موضع )
الوقعة التي كانت بين المسلمين من أصحاب العلاء ، وبين أهل فارس بالمكان المسمى بطاؤس ، وإذا
خُلَيد بن المنذر ومن معه ٣) من المسلمين محصورون قد أحاط بهم العدو من كل جانب ، وقد تداعت
عليهم تلك الأمم من كل وجه ، وقد تكاملت أمداد المشركين ، ولم يبق إلا القتال . فقدم المسلمون إليهم
في أحوج ما هم فيه إليهم ، فالتقوا مع المشركين رأساً ، فكسر أبو سبرة المشركين كسرةً عظيمةً . وقتل
منهم مقتلةً عظيمةً جداً. وأخذ منهم أموالاً جزيلةً باهرةً، واستنقذ خُلَيداً ومنْ معه من المسلمين من أيديهم،
وأعزَّ به الإسلام وأهله، ودفعَ الشركَ وذلَّه ولله الحمد والمنة ثم عادوا إلى عُتبة بن غزوان إلى البصرة .
ولما استكمل عتبة فتح تلك الناحية ، استأذن عمر في الحج فأذن له فسار إلى الحجِّ واستخلف على
البصرة أبا سَبْرة بن أبي رُهْم ، واجتمع بعمر في الموسم ، وسأله أن يقيله فلم يفعل ، وأقسم عليه ليرجعن
إلى عمله . فدعا عتبة الله عزَّ وجلَّ فمات ببطن نخلة، وهو منصرفٌ من الحج ، فتأثر(٤) عليه عمر وأثنى
عليه خيراً ، وولَّى بعده بالبصرة المغيرة بن شعبة ، فوليها بقية تلك السنة والتي تليها ، لم يقع في زمانه
حدثٌ ، وكان مرزوق السلامة في عمله . ثم وقع الكلام في تلك المرأة من أبي بكرة ، فكان من أمره
ما قدمنا . ثم بعث إليها أبا موسى الأشعري والياً عليها رضي الله عنهم .
ذكر فتح تُسْتَر ثانية [ عنوةً والسوس(٥) ورامهرمز ] وأسر الهرمزان
وبعثه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قال ابن جرير١) : كان ذلك في هذه السنة في رواية سيف بن عمر التميمي . وكان سبب ذلك أن
ينشبوا من النشاب ، أو يقعوا في أمر لا خلاص منه .
(١)
في أ : أن يحتاجوا فانتدب .
(٢)
(٣)
في أ : ومن تبعه .
في أ : فتأسف .
(٤)
(٥)
السوس : بلدة بخوزستان ، فتحت في أيام عمر رضي الله عنه على يد أبي موسى الأشعري ، ووجد بها موضعاً فيه
جثة دانيال النبي عليه السلام ، فسأل عن ذلك فأخبر أن بختنصَّر نقله إليها لما فتح بيت المقدس ، وأنه مات هناك
فكان أهل تلك البلاد يستسقون بجثته إذا قحطوا ، وأمر عمر رضي الله عنه بدفنه ، فَسَكر نهراً ثم حفر تحته ودفنه فيها
وأجرى الماء عليه فلا يدرى أين قبره إلى الآن. معجم البلدان (٣/ ٢٨٠ - ٢٨١).
(٦) في تاريخه (٤ /٨٩).

١٩٧
ذكر فتح تستر ثانية عنوة
يَزْدجرد كان يحرّض أهل فارس في كل وقت ويُؤَنّهم بملك العرب بلادهم وقصدهم إياهم في حصونهم
فكتب إلى أهل الأهواز وأهل فارس فتحرّكوا وتعاهدوا وتعاقدوا على حرب المسلمين ، وأن يقصدوا
البصرةَ . وبلغ الخبر إلى عمر ، فكتب إلى سعد - وهو بالكوفة - أن أبعث جيشاً كثيفاً إلى الأهواز مع
النُّعمان بن مُقَرِّن وعجّل وليكونوا بإزاء الهُزْمزان، وسمى رجالاً من الشجعان الأعيان الأمراء يكونون في
هذا الجيش ، منهم جريرُ بن عبد الله البجلي ، وجَرير بن عبد الله الحِمْيري ، والنُّعمان بن مُقرِّن ،
وسُوَيْد بن مُقَرِّن : وعبد الله بن ذي السَّهمين . وكتب عمر إلى أبي موسى وهو بالبصرة أن ابعثْ إلى
الأهواز جنداً كثيفا١ً) وأمّر عليهم سهيل بن عدي ، وليكن معه البراء بن مالك ، وعاصم بن عمرو ،
ومَجْزَأة بن ثَوْر ، وكعب بن ثور ، وعرفجة بن هَرْثَمة ، وحذيفة بن محصن ، وعبد الرحمن بن سهل ،
والحصين بن معبد . وليكن على أهل الكوفة وأهل البصرة جميعاً أبو سَبْرة بن أبي رُهم ، وعلى كل منْ
أتاه من المدد . قالوا : فسار النُّعمان بن مُقَرّن بجيش الكوفة فسبق البصريين فانتهى إلى رامهرمز وبها
الهرمزان ، فخرج إليه الهرمزان في جنده ونقض العهد بينه وبين المسلمين ، فبادره طمعاً أن يقتطعه قبل
مجيء أصحابه من أهل البصرة رجاء أن ينصر أهل فارس ، فالتقى معه النعمان بن مُقَرّن بإربل ، فاقتتلا
قتالاً شديداً ، فهزم الهرمزان وفر إلى تُسْتر ، وترك رامهرمز فتسلّمها النعمان عنوةً وأخذ ما فيها من
الحواصل والذخائر والسلاح والعدد . فلما وصل الخبر إلى أهل البصرة بما صنع الكوفيون بالهرمزان وأنه
[ قد ] فرّ فلجأ إلى تُسْتَر ، ساروا إليها ولحقهم أهلُ الكوفة حتى أحاطوا بها فحاصروها جميعاً ، وعلى
الجميع أبو سَبْرة فوجدوا الهُرْمزان قد حشد بها خلقاً كثيراً ، وجماً غفيراً . وكتبوا إلى عمر في ذلك
وسألوه أن يمدَّهم ، فكتب إلى أبي موسى أن يسير إليهم . فسار إليهم - وكان أمير أهل البصرة واستمرّ
أبو سَبْرة على الإمرة على جميع أهل الكوفة والبصرة ، فحاصرهم(٢) أشهراً وكثر القتل من الفريقين ،
وقتل البراء بن مالك أخو أنس بن مالك يومئذ مئة مبارزٍ سوى منْ قتل غير ذلك ، وكذلك فعل كعب بن
سُور(٣) ، ومَجْزَأة بن ثَوْر ، وأبو يمامة وغيرهم من أهل البصرة ، وكذلك أهل الكوفة قَتل منهم جماعة مئة
مبارزة كحبيب بن قرة ، وربعي بن عامر ، وعامر بن عبد الأسو(٤) وقد تزاحفوا أياماً متعددة ، حتى إذا
كان في آخر زحف قال المسلمون البراء بن مالك - وكان مجابَ الدعوة - : ( يا براء ) أقسم على ربك
ليهزمنّهم لنا . فقال : اللهم اهزمهم لنا ، واستشهدني قال : فهزمهم المسلمون حتى أدخلوهم خنادقهم
واقتحموها عليهم ، ولجأ المشركون إلى البلد فتحصنوا به ، وقد ضاقت بهم البلد ، وطلب رجل من أهل
البلد الأمانَ من أبي موسى فأمَّنه ، فبعث يدلُّ المسلمين على مكان يدخلون منه إلى البلد ، وهو من مدخل
في أ : كثيراً .
(١)
في أ : فحاصروهم .
(٢)
في ط : ثور ؛ تحريف . والتصحيح من تاريخ الطبري .
(٣)
في أ : عبد الأسد ، والمثبت عن تاريخ الطبري .
(٤)

١٩٨
ذكر فتح تستر ثانية عنوة
الماء إليها ، فندب الأمراءُ الناسَ إلى ذلك فانتدب [ لذلك ] رجال من الشجعان والأبطال ، وجاؤوا
فدخلوا مع الماء - كالبطّ - إلى البلد، وذلك في الليل، فيُقال كان أول من دخلها عبد الله بن مُغَفَّلُ(١)
المُزَني، وجاءوا إلى البوابين فأناموهمُ(٢) وفتحوا الأبواب ، وكبّر المسلمون فدخلوا البلد ، وذلك في
وقت الفجر إلى أن تعالى النهار ، ولم يصلّوا الصبح يومئذ إلا بعد طلوع الشمس كما حكاهُ البخاريُّ(٣) عن
أنس بن مالك قال : شهدت فتح تُسْتَر ، وذلك عند صلاة الفجر ، فاشتغل الناس بالفتح فما صلوا الصبح
إلا بعد طلوع الشمس فما أحب أن لي بتلك الصلاة حمرَ النعمُ(٤) . احتج بذلك البخاري لمكحول
والأوزاعي في ذهابهما إلى جواز تأخير الصلاة لعُذْرِ القتال . وجنح إليه البخاري واستدلّ بقصة الخندق في
قوله عليه السلام (( شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً)(٥) وبقوله يوم بني قريظة
(( لا يصلينَّ أحدٌ منكم العصر إلَّ في بني قريظة)(٦) فأخَّرها فريقٌ من الناس إلى بعد غروب الشمس ، ولم
يعنِّفهم ، وقد تكلّمنا على ذلك في غزوة الفتح .
والمقصود أن الهُرْمُزان لما فُتحت البلدُ لجأ إلى القلعة، فتبعه جماعةٌ من الأبطال ممن ذكرنا وغيرهم
فلما حصروه في مكان من القلعة ولم يبق إلا تلافُه أو تلافُهم ، قال لهم بعد ما قتل البراء بن مالك ومَجْزأة بن
ثور رحمهما الله : إن معي جعبةً فيها مئة سهم ، وإنه لا يتقدَّم إليَّ أحدٌ منكم إلا رميته بسهم قتلته ، ولا يسقط
لي سهم إلا في رجل منكم ، فماذا ينفعكم إن أسرتموني بعدما قتلتُ منكم مئة رجل ؟ قالوا : فماذا تريد ؟
قال : تؤمّنوني حتى أسلُّمكم يدي فتذهبوا بي إلى عمر بن الخطاب فيحكم فيّ بما يشاء . فأجابوه إلى ذلك
فألقى قوسه ونُشّابه وأسروه فشدوه وثاقاً وأرصدوه(٧) ليبعثوه إلى أمير المؤمنين عمر ، ثم تسلموا ما في البلد
من الأموال والحواصل فاقتسموا أربعة أخماسه ، فنال كلُّ فارسٍ ثلاثةَ آلاف وكل راجلٍ ألفَ درهم .
(١) في أ: ابن معقل؛ تحريف . والتصحيح من الاستيعاب (٩٩٦) وجامع الأصول (١٤ / ٢٨٥) وأسد الغابة
(٣٦٨/٣) والإصابة (٣٧٢/٢).
(٢)
أناموهم : أي قتلوهم . اللسان ( نوم ) .
صحيح الإمام البخاري ( الفتح ٢ / ٤٣٤ عقيب الحديث رقم ٩٤٤ ) في صلاة الخوف كتاب الصلاة عند مناهضة
(٣)
الحصون ولقاء العدو .
(٤)
لفظ البخاري : وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها .
الحديث عن علي كرم الله وجهه رواه البخاري في صحيحه ( ٢٩٣١) في الجهاد ، ومسلم في صحيحه ( ٦٢٧)
(٥)
(٢٠٥) في الصلاة .
أما الحديث الذي احتج به البخاري لمكحول والأوزاعي فرواية أخرى بسنده إلى جابر بن عبد الله قال : جاء عمر يوم
الخندق فجعل يسُبُّ كفّارٍ قريش ويقول : يا رسول الله ، ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب . فقال النبي
وَلَّمَ: ((وأنا والله ما صلَّيتها بعدُ)) قال: فنزل إلى بُطْحان فتوضأ وصلّى العصر بعدما غابت الشمس، ثم صلى
المغرب بعدها . صحيح البخاري رقم ( ٩٤٥ ) في الخوف .
(٦)
صحيح البخاري رقم (٩٤٦) في الخوف .
أرصده وترصَّده : راقبه . اللسان ( رقب ) .
(٧)

١٩٩
فتح السوس
فتح السوس
ثم ركب أبو سَبْرة في طائفة من الجيش ومعه أبو موسى الأشعري والنُّعمان بن مُقَرِّن ، واستصحبوا
معهم الهُزمزان ، وساروا في طلب المنهزمين من الفرس حتى نزلوا على السوس ، فأحاطوا بها . وكتب
أبو سَبْرة إلى عمر فجاء الكتاب بأن يرجعَ أبو موسى إلى البصرة ، وأمر عمر زرَّ بن عبد الله بن كُلَیب
الفُقَيْميُ(١) - وهو صحابيٌّ - أن يسير إلى جُنْديسابُور. فسار. ثم بعث أبو سَبْرة بالخُمْس والهُرْمُزالُ(٢) مع
وفدٍ فيهم أنس بن مالك والأحنفُ بن قيس ، فلما اقتربوا من المدينة هيؤوا٣) الهُرْمزان بلبسه الذي كان
يَلبسه من الدّيباج والذَّهب المُكلل بالياقوت واللآلىء. ثم دخلوا المدينةَ وهو كذلك فتيمَّموا به منزلَ أمير
المؤمنين ، فسألوا عنه فقالوا: إنَّه ذهب إلى المسجد بسبب وفد من الكوفة . فجاؤوا المسجد فلم يَرَوْا
أحداً فرجعوا ، فإذا غِلْمانٌ يلعبون فسألوهم عنه فقالوا : إنه نائمٌ في المسجد متوسداً برنساً له . فرجعوا
إلى المسجد فإذا هو متوسد(٤) برنساً له كان قد لبسه للوفد ، فلما انصرفوا عنه توسَّد البرنس ونام ، وليس
في المسجد غيره ، والدِّرَّة معلقةٌ في يده . فقال الهُرْمُزان : أين عمر ؟ فقالوا : هو ذا . وجعل الناس
يخفضون أصواتهم لِثَلا ينبهوه ، وجعل الهُرْمزان يقول: وأين حُجَّابُهُ؟ أين حَرَسُهُ ؟ فقالوا : ليس له
حُجّابٌ ولا حَرسٌ ، ولا كاتبٌ ولا ديوانٌ . فقال : ينبغي أن يكون نبياً . فقالوا : بل يعملُ عمل الأنبياء .
وكثر(٥) الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالساً ، ثم نظر إلى الهُرْمُزان، فقال : الهُرمُزان ؟ قالوا :
نعم فتأمَّله وتأمَّلَ ما عليه ثم قال : أعوذُ بالله من النار وأستعين(٦) بالله . ثم قال : الحمدُ الله الذي أذلَّ
بالإسلام هذا وأشياعَه ، يا معشرَ المسلمين تمسّكوا بهذا الدين ، واهتدوا بهدي نبيكم ، ولا تبطرنكم
الدنيا فإنها غَرَّارَة١ٌ). فقال له الوفد : هذا ملكُ الأهواز فكلِّمْهُ . فقال : لا حتى لا يبقى عليه من حليته
شيءٌ . ففعلوا ذلك وألبسوه ثوباً صفيقاً(٨)، فقال عمر: يا هُرْمُزان كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر
الله؟ فقال : يا عمرُ : إنا وإيّاكم في الجاهلية كان الله قد خلَّى بيننا وبينكم فغلبناكم ، ( إذ لم يكن معنا
ولا معكم) ، فلما كان معكم غلبتمونا . فقال عمر : إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرّقنا . ثم
(١) في ط : العقيمي ، تحريف .
وما هنا موافق لتاريخ الطبري (٨٦/٤).
(٢)
في أ : وبالهرمزان .
في أ : بعثوا إلى الهرمزان .
(٣)
(٤)
في أ : يتوسط .
(٥)
في أ : وكبر الناس .
في أ : واستغفر الله ، وفي تاريخ الطبري : وأستعين الله .
(٦)
في ط : غدارة ، وما هنا عن أوتاريخ الطبري .
(٧)
في أ : مفتقاً .
(٨)

٢٠٠
فتح السوس
قال: ما عذركَ وما حجتكَ في انتقاضك(١) مرةً بعد مرةٍ ؟ فقال : أخافُ أن تقتلني قبل أن أخبرك . قال :
لا تَخَفْ ذلك . فاستسقى الهرمزان ماءً فأتي به في قدح ( غليظ ، فقال : لو مت عطشاً لم أستطع أن
أشرب في هذا . فأتي به في قدح ) آخر يرضاه فلما أخذه جعلت يده ترعد ، وقال : إني أخاف أن أُقتل وأنا
أشربُ . فقال عمر : لا بأس عليك حتى تشربه فأكفأه ، فقال عمر : أعيدوه عليه ولا تجمعوا عليه القتلَ
والعطشَ . فقال: لا حاجةً لي في الماء ، إنما [ أردت ] أن أستأنس(٢) به. فقال له عمر: إني قاتلُك،
فقال : إنك أمَّنتني . قال : كذبتَ ، فقال أنس : صدقَ يا أميرَ المؤمنين ، فقال عمر : ويحك يا أنس أنا
أُؤمن من قتل مَجْزأة والبراء ؟ لتأتيني بمخرج وإلا عاقبتك ، قال : قلت لا بأس عليك حتى تخبرني .
وقلت لا بأس عليك حتى تشربه ، وقال له منْ حوله مثل ذلك . فأقبل على الهُزْمزان فقال : خدعتني ،
والله لا أنخدع إلا أن تُسلم. فأسلم ففرض ( له ) في ألفين وأنزله المدينة .
وفي روايةٍ أنَّ الترجمان بين عمر وبين الهرمزان كان(٣) المغيرة بن شعبة ، فقال له عمر : قُلْ له من أي
أرضٍ أنت ؟ قال مهرجاني . قال : تكلّم بحجتك . فقال : أكلام حي أم ميت ؟ قال : بل كلام حي .
فقال قد أمَّنتني ، فقال : خدعتني ولا أقبل ذلك إلا أن تسلم . فأسلم ففرض له في ألفين وأنزله المدينة .
ثم جاءزيد فترجم بينهما أيضاً .
قلت : وقد حَسُن إسلام الهرمزان وكان لا يفارقُ عمر حتى قُتل عمر فاتَّهمه بعضُ الناس بممالأة
أبي لؤلؤة هو وجفينة ، فقتل عبيد الله بن عمر الهرمزان وجفينة على ما سيأتي تفصيله .
وقد روينا أن الهرمزان لما علاه عبيد الله بالسيف قال : لا إله إلا الله . وأما جفينة فصلب على
وجهه .
والمقصود أن عمر كان يحجر على المسلمين أن يتوسّعوا في بلاد العجم خوفاً عليهم من العجم ،
حتى أشار عليه الأحنف بن قيس بأن المصلحة تقتضي توسُّعهم في الفتوحات ، فإن الملك يَزْدَجِرْد لا يزال
يستحثّهم على قتال المسلمين ، وإن لم يستأصل شأفة (٤) العجم وإلا طمعوا في الإسلام وأهله ، فاستحسن
عمر ذلك منه وصوَّبه . وأذن للمسلمين في التوسع في بلاد العجم ، ففتحوا بسبب ذلك شيئاً كثيراً ، ولله
الحمد . وأكثر ذلك وقع في سنة ثماني عشرة كما سيأتي بيانه فيها .
ثم نعودُ إلى فتح السوس وجُنْديسابور وفتح نهاوند في قول سيف . كان قد تقدّم أن أبا سبْرة سار بمن
معه من علية الأمراء من تُسْتر إلى السُّوس ، فنازلها حيناً وقُتل من الفريقين خلقٌ كثيرٌ ، فأشرف عليه علماءُ
في ط : إنقاضك .
(١)
(٢)
في تاريخ الطبري (٨٨/٤): أردت أن أستأمن.
في أ : إن الترجمان كان بين عمر وبين الهرمزان المغيرة .
(٣)
في ط : شأو .
(٤)