Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ أحداث أخرى سنة ١٣ هـ وعَزلَ عنها خالد بن الوليد المخزومي ، وأبقاه على شُورى الحربِ . وفيها فُتحت بصرى صُلْحاً وهي أولُ مدينة فُتحت من الشام . وفيها فتحت دمشق في قول سيف وغيره - كما قدمنا - واستنيب فيها يزيدُ بن أبي سفيان، فهو أولُ من وليها من أمراء المسلمين رضي الله عنهم . وفيها ( كانت وقعة ) فحل من أرض الغور وقتل بها جماعة من الصحابة وغيرهم . وفيها كانت وقعة جسر أبي عُبَيْد فقتل فيها أربعة آلاف من المسلمين ، منهم أميرُهم أبو عُبَيْد بن مسعود الثقفي ، وهو والد صفية امرأة عبد الله بن عمر ، وكانت امرأةً صالحةً رحمهما الله . ووالد المُخْتار بن أبي عُبَيْد كذّاب ثقيف ، وقد كان نائباً على العراق في بعض ( وقعات ) العراق كما سيأتي . وفيها توفي المُثَنَّى بن حارثة في قول ابن إسحاق ، وقد كان نائباً على العراق ، استخلفه خالد بن الوليد حين سار إلى الشام ، وقد شهد مواقفَ مشهورةً ، وله أيامٌ مذكورةٌ ولاسيَّما يوم البُوَيْب (١) بعد جسر أبي عُبَيْد، قتل فيه من الفرس وغرق بالفرات قريبٌ من مئة ألف ، والذي (٢) عليه الجمهورُ أنّه بقيَ إلى سنة أربعَ عشرةَ كما سيأتي بيانه . وفيها حج بالناس عمرُ بن الخطاب في قول بعضهم ، وقيل : بل حجَّ عبد الرحمن بن عوف . وفيها استنفرَ عمرُ قبائلَ العرب لغزو العراق والشام فأقبلوا من كلّ النّواحي فرمى بهم الشامَ والعراق . ( وفيها ) كانت وقعة أجْنَادين في قول ابن إسحاق يوم السبت لثلاث من جمادى الأولى منها . وكذا عند الواقدي فيما بين الرملة وبيت جَبْرين(٣) وعلى الروم القيقلان(٤) وأمير المسلمين عمرو بن العاص ، وهو في عشرين ألفاً في قول ، فقتل القيقلان وانهزمت الروم وقتل منهم خلق كثير . واستشهد من المسلمين أيضاً جماعةٌ منهم هشام بن العاص ، والفضل بن العباس ، وأبان بن سعيد ، وأخواه خالد وعمرو ، ونعيم بن عبد الله بن النخَّام ، والطفيل بن عمرو ، وعبد الله بن عمرو الدَّوْسيّان ، وضرار بن الأزور ، وعكرمة بن أبي جهل ، وعمّه سلمة بن هشام ، وهبّار بن سفيانُ(٥) ، وصخر بن نصر ، وتميم وسعيد ابنا الحارث بن قيس رضي الله عنهم . (١) في ط : البويت ؛ تحريف. (٢) في ط : الذي۔۔ بلا واو - . في أوط : وبين جسرين ؛ وما هنا عن الطبري ( ٤١٧/٣) . (٣) كذا في الأصلين ، وفي تاريخ الطبري ( ٣/ ٤١٧) : القَبْقلار . (٤) في تاريخ الطبري (٤١٨/٣) : هبَّار بن الأسود بن عبد الأسد . (٥) ١٢٢ وفيات سنة ١٣ هـ وقال محمد بن سعد(١): قتل يومئذ طليب بن عمير(٢) وأمُّه أروى بنت عبد المطلب عمةُ رسول الله ال﴾ . وممن قُتل يومئذ عبدُ الله بن الزبير بن عبد المطلب ، وكان عمره يومئذ ثلاثين سنة فيما ذكره الواقدي (٣)، قال: ولم يكن له روايةٌ ، وكان ممن صبر يوم حنين. قال ابن جرير : وقتل يومئذ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة والحارث بن أوس بن عتيك رضي الله عنهم . وفيها كانت وقعة مرج الصُّفَّر في قول خليفة بن خَيّاط(٤) وذلك لاثنتي عشرةَ بقيتْ من جمادى الأولى ، وأميرُ الناس خالدُ بن سعيد بن العاص فقُتل يومئذ ، وقيل : إنَّما قُتل أخوه عمرٌو ، وقيل : ابنُه فالله أعلم . قال ابن إسحاق : وكان أمير الروم فلقط(٥)، فقتل من الروم مقتلةً عظيمة حتى جرت طاحون هناك من دمائهم . والصحيح أن وقعة مرج الصُّفر في أول سنة أربع عشرة كما سيأتي . ذكر المُتَوفَّين في هذه السنة مُرَتَّبينَ على الحروف كما ذكرهم [ شيخنا ] الحافظ الذهبي [في تاريخه ]٦) - أبانٌ(٧) بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي أبو الوليد ( المكي ) صحابيٌّ جليلٌ ، وهو الذي أجار عُثمان بن عفّان يومَ الحُدَيْبية حتى دخل مكةَ لأداءِ رسالة رسول الله بَّهِ. أسلم بعد مرجع أخويه من الحبشة خالد، وعمرو ، فدعواه إلى الإسلام فأجابهما، وساروا فوجدوا رسولَ الله وَ ل قد فتح خيبر . وقد استعمله رسول الله وَّله سنةَ تسع على البحرين وقتل بأجْنادين. الطبقات الكبرى ( ١٢٣/٣). (١) في أ ، ط : عمر ، تحريف ، وما هنا عن الطبقات والطبري ، وسيرد اسمه صحيحاً في ترجمته بعد صفحات . (٢) لم أجده في طبقات ابن سعد، إنما ذكر وفاته في هذه السنة ابن الأثير في الكامل (٤١٨/٢) وقال: وكان عمره يوم (٣) مات النبي وَ﴾ نحو ثلاثين سنة . تاريخه (ص ١٢٠) والخبر أيضاً في تاريخ الطبري ( ٤٠٦/٣). (٤) (٥) في ط : قلقط . وما هنا عن الأصل وتاريخ خليفة . (٦) تاريخ الإسلام (٦/٢) ط: مكتبة القدسي - القاهرة. ترجمة - أبان بن سعيد - في نسب قريش ( ١٧٤ - ١٧٥) وتاريخ خليفة ( ١٢٠) والاستيعاب (١١٩/١) وجامع (٧) الأصول (٨/١٣ -٩) وأسد الغابة (٤٦/١ -٤٨) ومختصر تاريخ دمشق (٣٣٣/٣ -٣٣٩) وسير أعلام النبلاء (٢٦١/١) والوافي (٢٩٩/٥) والإصابة (١٦/١). ١٢٣ وفيات سنة ١٣ هـ - أنسةُ(١) مولى رسول الله ◌ِّ المشهور أنه قتل ببدر فيما ذكره البخاري وغيره، وزعم الواقدي(٢) فيما نقله عن أهل العلم أنه شهد أحداً وأنه بقي بعد ذلك زماناً . قال : وحدَّثني ابن أبي الزناد عن محمد بن يوسف أن أنسةَ ماتَ في خلافة أبي بكر الصدِّيق، وكان يُكْنَى أبا مسروحُ(٣). وقال الزُّهْريُ(٤) : كان يأذن للناس على النبي مَالله. تميمُ(٥) بن الحارث بن قيس السهمي وأخوه قيس، صحابيان جليلان هاجرا إلى الحبشة (وقُتلا بأجنادين. الحارث(٦) بن أوس بن عتيك من مهاجرة الحبشة . قتل بأجنادين . خالد(٧) بن سعيد بن العاص الأموي من السابقين الأولين ، ممن هاجر إلى الحبشة ) وأقام بها بضعَ عشرة سنةً، ويقال: إنه كان على صنعاء من جهة رسول الله بَّه، وأمَّره الصدِّيقُ على بعض الفتوحات، كما تقدم . قُتل يوم مَرْج الصُّفَّر في قولٍ ، وقيل : بل هرب فلم يُمكّنه الصديقُ من دخول المدينة تعزير(٨) له ، فأقام شهر(٩) في بعض ظواهرها حتى أذن له . ويقال : إن الذي قتله أسلم ، وقال ( رأيت له ) حين قتلته نوراً ساطعاً إلى السماء رضي الله عنه . سعد١٠ُ) بن عبادة بن دُلَيْم بن حارثة بن أبي حَزِيمةٌ ١١) . ويقال حارثة بن حَزِيمة بن ثَعْلَبة بن طَريف بن (٢) ترجمة - أنسة - في الاستيعاب (١٣٧/١-١٣٨) وأسد الغابة (١٥٦/١) والإصابة (٧٥/١). (١) طبقات ابن سعد ( ٤٨/٣). في مصادره : أبو مسروح ، وقيل: أبو مسرح . قال بشار: قد جَوّد الذهبي تقييده بخطه في تاريخ الإسلام ((مُسَرِّح)) بضم (٣) الميم وفتح السين المهملة وكسر الراء المشددة . وبه قيده ابن نقطة في إكمال الإكمال مستدركاً على الأمير ابن ماكولا ، ونقله العلامة ابن ناصر الدين في توضيحه فقال: (( كذا قاله ابن نقطة، وذكر أنه نقله من خط أبي بكر ابن الخاضبة، وقيل : كنيته أبو مسروح؛ حكى الوجهين مصعب بن عبد الله الزبيري، وجزم بالثاني إبراهيم الحربي (١٦٦/٨). (٤) طبقات ابن سعد ( ٤٩/٣). ترجمة - تميم بن الحارث السهمي - في الاستيعاب (١٩٢/١ -١٩٣) وأسد الغابة (٢٥٧/١) والإصابة (١٨٤/١). (٥) ترجمة - الحارث بن أوس بن عتيك - في الاستيعاب (٢٨١/١) وأسد الغابة (٣٧٩/١) والإصابة (١/ ٢٧٤) (٦) وفيه : الحارث بن أوس بن عتاب . (٧) ترجمة - خالد بن سعيد بن العاص - في التاريخ الكبير (١٥٢/٣) والجرح والتعديل (٣٣٤/٣) والاستيعاب (٢/ ٤٢٠) وجامع الأصول (٤١٤/١٣) ومختصر تاريخ دمشق (٣٤٤/٧). وأسد الغابة (٢/ ٩٧ ) والإصابة (٥٨/٣) وسير أعلام النبلاء (٢٥٩/١) والإصابة (٤٠٦/١ - ٤٠٧). (٨) في ط : تعزيزاً ؛ تحريف . (٩) في أ : أشهراً . (١٠) ترجمة - سعد بن عبادة - في التاريخ الكبير (٤٤/٤) والجرح والتعديل (٨٨/٤) والاستيعاب (٥٩٤) وجامع الأصول (١٦٨/١٤) ومختصر تاريخ دمشق (٢٣٥/٩) وتهذيب الأسماء واللغات (٩٢/٦) وسير أعلام النبلاء (٢٧٠/١) والإصابة (٣٠/٢). (١١) في ط : ابن أبي خزيمة ، ويقال حارثة بن خزيمة . وفي أ : بن أبي خريمة ، ويقال حارثة بن خرم بن خزيمة بن= ١٢٤ وفيات سنة ١٣ هـ الخَزْرج بن ساعدَة بن كَعْب بن الخَزْرج الأنصاري الخزرجي سيِّدهم ، أبو ثابت ، ويقال : أبو قيس : صحابيٌّ جليلٌ كان أحدَ النقباء ليلة العقبة ، وشهد بدراً في قول عروة وموسى بن عقبة والبخاري(١) وابن ماكولا٢ً). وروى ابن عساكر(٣) من طريق حجاج بن أرطاة ، عن الحكم ، عن مِقْسَم ، عن ابن عباس : أن راية المهاجرين يوم بدر كانت مع علي ، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة رضي الله عنهما . قلت : والمشهور أنَّ هذا كان يوم الفتح ، والله أعلم . وقال الواقدي(٤) : لم يشهدها لأنه نهشته (٥) حيةٌ فشغلته عنها بعد أن تجَّهز لها ، فضرب له رسول الله وَ ل بسهمه وأجره، وشهد أحداً وما بعدها. وكذا قال خليفة بن خياط٦) . وكانت له جفنة تدورُ مع النبيّ حيث دار من بيوت نسائه بلحم وثَريدٍ ، أو لبن وخبز ، أو خبز بسمن ، أو بِخلِّ وزيت ، وكان ينادي عند أطمةً(٧) كلّ ليلة لمن أراد القرى . وكان يحسن الكتابةَ بالعربيّ ، والرميَ والسباحةَ ، وكان يُسمَّى منْ أحسنَ ذلك كاملاً. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر(٨) ما ذكره غير واحد من علماء التاريخ أنه تخلف عن بيعة الصدّيق حتى خرج إلى الشام فمات بقرية من حوران سنة أربع(٩) عشرة [ وقيل : توفي ١٣) ( في خلافة الصدِّيق. قاله ابن إسحاق والمدائني وخليفة . قال : وقيل في أول خلافة عمر . وقيل سنة أربع عشرة ) ، وقيل سنة خمس عشرة . وقال الفلاس وابن بُكَيْر سنة ست عشرة . قلتُ : أما بيعةُ الصدِّيق، فقد روينا في مسند الإمام أحمد(١١) أنه سلم للصدِّيق ما قاله من إن الخلفاء من قريش . وأما موته بأرض الشام فمُحقَّقٌ والمشهور أنه بحوران . قال محمد بن عائذ الدمشقي : عن عبد الأعلى ، عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال : أول مدينة فُتحت من الشام بصرى ، وبها توفي سعد بن عبادة . وعند كثير من أهل زماننا أنه دفن بقريةٍ ثعلبة . وأثبتنا ما في مصادره وتوضيح المشتبه ( ٢٢٢/٣). = (١) التاريخ الكبير (٤ /٤٤) . في الإكمال لابن ماكولا (١٤١/٣) لم يشهد بدراً. (٢) (٣) تاريخ دمشق (٢٤٩/٢٠) طبعة دار الفكر . (٤) طبقات ابن سعد ( ٦١٤/٣ ) . (٥) نهشه - كمنعه : لسعه . القاموس ( نهش ). تاريخه ( ص ١٣٥ ) . (٦) تأطمُ الليل : ظلمته . اللسان ( أطم ) . (٧) الاستيعاب (٥٩٩/٢). (٨) في ط : ثلاث ؛ وما هنا عن أ والاستيعاب . (٩) (١٠) زيادة يقتضيها سياق النص. (١١) مسند الإمام أحمد (١٨٥/٤) ونص الحديث: أن النبي ◌َّم قال ((الخلافة في قريش، والحكم في الأنصار ... )) وإسناده ضعيف ، ولكن عبارة (( الخلافة في قريش)) صحيحة من غير هذا الوجه . ١٢٥ وفيات سنة ١٣ هـ من غوطة دمشق، يقال لها (( المنيحة)) وبها قبر مشهور به . ولم أر الحافظ ابن عساكر تعرَّض لذكر هذا القبر(١) في ترجمته بالكلية ، فالله أعلم . قال ابن عبد البر(٢) : ولم يختلفوا أنه وجد ميتاً في مغتسله ، وقد اخضرّ جسدُه ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلاً يقول(٣): [ من الهزج ] قَتَلْنَا سَيِّدَ الخَزْرَ ج سَعْدَ بْن عُبَادة فَلَم يخطىء فؤادَهْ .(٤) رَمَيْناهُ بسهمينُ قال ابن جريج : سمعت عطاءً [يقول ] سمعت أن الجنَّ قالوا في سعد بن عبادة هذين البيتين . له عن النبي وَل﴿ أحاديثُ، وكان رضي الله عنه من أشد الناس غيرةٌ، ما تزوّج امرأةً إلا بكراً، ولا طلَّق امرأة فتجاسر أحدٌ أن يخطبها بعده . وقد روي أنّه لما خرج من المدينة قسم ماله بين بنيه، فلما توفي، ولد له ولد، فجاء أبو بكر وعمر إلى ابنه ( قيس ) بن سعد فأمراه أن يدخل هذا معهم، فقال إني لا أغير ماصنع سعد ، ولكن نصيبي لهذا الولد. سلمةُ(٥) بن هشام بن المغيرة ، أخو أبي جهل بن هشام ، أسلم سلمةُ قديماً ، وهاجر إلى الحبشة ، فلما رجع منها حبسه أخوه وأجاعه، فكان رسول الله وَليه يدعو له في القنوت ولجماعةٍ معه من المستضعفين . ثم انسلّ فلحق برسول الله وَّله بالمدينة بعد الخندق ، وكان معه بها ، وقد شهد أجنادين ، وقتل بها رضي الله عنه . ضرار(٦) بن الأزور الأسدي ، كان من الفرسان المشهورين ، والأبطال المذكورين ، له ( مواقف ) مشهودة ، وأحوال محمودة . ذكر عروة وموسى بن عقبة أنه قتل بأجنادين . له حديث(٧) في استحباب إبقاء شيء من اللبن في الضرع عند الحلب . (١) لقد تعرض ابن عساكر رحمه الله تعالى في أوّل ترجمة سعد بن عبادة من تاريخ دمشق (٢٣٧/٢٠) لذكر هذا القبر وقال: وقيل إن قبره بالمنيحة من إقليم بيت الآبار. وصدق الله تعالى ﴿ وَفَوْقَ كُلَّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [ يوسف: ٧٦]. الاستيعاب (٥٩٩/٢ ) . (٢) البيتان في الاستيعاب، وتاريخ دمشق (٢٦٦/٢٠) وأسد الغابة (٢٥٨/٢) وسير أعلام النبلاء (٢٧٧/١) وقد (٣) أضاف المحقق كلمة ( قد ) قبل البيت الأول والواو قبل البيت الثاني فتحول وزنه من الهزج إلى مجزوء الرمل - والبيتان - مُخْتِلَّي الوزن - في جامع الأصول . (٤) في الأصلين والاستيعاب : بسهم ؛ ولا يستقيم بها الوزن . ترجمة - سلمة بن هشام - في الجرح والتعديل (١٧٦/٤) والاستيعاب (٦٤٣) وجامع الأصول (١٤ / ١٩٢) (٥) وأسد الغابة (٤٣٥/٢ - ٤٣٦) والإصابة (٦٨/٢ - ٦٩). ترجمة - ضرار بن الأزور - في الاستيعاب (٧٤٦) وتاريخ دمشق (٣٧٨/٢٤ - ٣٩٢) - طبعة دار الفكر - واسد (٦) الغابة (٥٢/٣) والإصابة (٢٠٨/٢ -٢٠٩). (٧) رواه الإمام أحمد في مسنده (٣٣٩/٤) والدارمي في سننه (٨٨/٢ ) ونصه: عن ضرار بن الأزور رضي الله عنه= ١٢٦ وفيات سنة ١٣ هـ طُلَيْب(١) بن عُمَيْرِ بن وَهْب بن كبير(٢) بن عبد(٣) بن قُصَيّ القُرَشي العبدي، أمهُ أروى بنت عبد المطلب عمة النبي بَّله. أسلم قديماً وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهدَ بدراً، قاله ابن إسحاق والواقدي والزبير بن بكار. ويقال إنه أول من ضرب مشركاً، وذلك أن أبا جهل سبَّ النبيَ وَّل فضربَه طُلَيْب بلَحْي(٤) جمل فشجَّه . استشهد طليب بأجنادين وقد شاخ رضي الله عنه . عبد الله(٥) بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم القرشي (الهاشمي، ابن) عم النبي ◌َّه كان من الأبطال المذكورين ، والشجعان المشهورين ، قُتل يوم أجنادين بعد ما قتل عشرةً من الروم مبارزةً كلهم بطارقةٌ أبطال . وله من العمر يومئذ بضع وثلاثون سنة . عبد الله(٦) بن عمرو الدوسي قتل بأجنادين. ( وليس هذا الرجل معروفاً . عثمان(٧) بن طلحة العبدري الحجبي، قيل إنه قتل بأجنادين)، والصحيح أنه تأخر إلى ما بعد الأربعين. قال: أُهديت لرسول الله وَ له لقحة؛ فأمرني أن أحلبها، فحلبتها فجهدت في حلبها، فقال: (( دع داعي اللبن)) = وإسناده ضعيف . ترجمة - طليب بن عمير - في الاستيعاب (٧٧٢) وتاريخ دمشق (١٤٢/٢٥) - طبعة دار الفكر - وأسد الغابة (١) (٩٤/٣) والإصابة (٢٣٣/٢) وفيه : طليب بن عمير - بالتصغير - أو عمرو. في ط: ((وهب بن كثير))، وفي أ: ((وهب بن أبي كثير))، وكله تصحيف، والصواب ما أثبتناه من خط الذهبي في (٢) تاريخ الإسلام ( الورقة ١٩٢ من مجلد أيا صوفيا) وهو الذي ينقل منه المصنف ، فالمفروض أن يكون ما عند ابن كثير موافقاً لما عند الذهبي . وهذا الذي قاله الذهبي قاله ابن سعد في الطبقات (١٢٣/٣)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤٩٩/٤). على أنه وقع في سلسلة نسبه خلف بين المصادر ، فذكر المصعب الزبيري ( نسب قريش ٢٥٦) وابن حزم في الجمهرة (١٢٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤٢/٢٥) وغيرهم أنه: ((طليب بن عمير بن وهب بن عبد)) ليس فيه ((ابن كثير)). وذكر يونس بن بكير وغيره عن ابن إسحاق أنه (( طليب بن عمير بن وهب بن أبي كبير بن عبد)) (تاريخ دمشق ١٤٦/٢٥)، وكذلك قال ابن عبد البر في الاستيعاب (٧٧٢/٢) وابن حجر في الإصابة (٢٣٣/٢) وهو في الأصل قول موسى بن عقبة والزهري (كما في أسد الغابة ٩٤/٣)، وفصّل فيه الفاسي في العقد الثمين (٧٣/٥) ( بشار ) . (٣) في ط : ((هند )» وهو تحریف بيِّن . (٤) اللّخي : العظم الذي فيه الأسنان من داخل الفم من الإنسان والحيوان . اللسان ( لحا ) . ترجمة - عبد الله بن الزبير - في الاستيعاب (٩٠٤) وتاريخ دمشق (١٣٧/٢٨-١٤٠) وأسد الغابة (٢٤١/٣) (٥) والإصابة (٣٠٨/٢) . ترجمة - عبد الله بن عمرو الدوسي - في الاستيعاب (٩٥٦) وأسد الغابة (٣٤٩/٣) والإصابة (٣٥١/٢). (٦) ترجمة - عثمان بن طلحة - في الاستيعاب (١٠٣٤) وجامع الأصول (٥١٤/١٤) وأسد الغابة (٥٧٨/٣) (٧) والإصابة (٢/ ٤٦٠). ١٢٧ وفيات سنة ١٣ هـ عتاب(١) بن أسيد بن أبي العيص بن أمية الأموي أبو عبد الرحمن أمير مكة نيابةً عن رسول الله وَليقول استعمله عليها عامَ الفتح ، وله من العمر عشرون سنة ، فحجَّ بالناس عامئذٍ ، واستنابه عليها أبو بكر بعده عليه السلام . وكانت وفاته بمكة ، قيل : يوم توفي أبو بكر رضي الله عنهما . له حديث واحدٌ رواه أهلُ .(٢) السنن الأربعة عكرمة (٣) بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو عثمان القرشي المخزومي ، كان من سادات الجاهلية كأبيه ، ثم أسلم عام الفتح بعدما فرّ ، ثم رجع إلى الحق . واستعمله الصدِّيقُ على عُمان حين ارتدُّوا ، فظفر بهم كما تقدم . ثم قدم الشام وكان أميراً على بعض الكراديس ، ويقال : إنه لا يُعرفُ له ذنبٌ بعد ما أسلم . وكان يُقبّلُ المصحفَ ويبكي ويقول ، كلامُ ربي، كلام ربي(٤). احتجَّ بهذا الإمام أحمد على جواز تقبيل المصحف ومشروعيته . وقال الشافعي : كان عكرمة محمود البلاء في الإسلام . وقال عروة : قتل بأجنادين . وقال غيره : باليرموك بعد ما وجد به بضع وسبعون ما بين ضربةٍ وطعنةٍ رضي الله عنه . الفضل(٥) بن العباس بن عبد المطلب ، قيل إنه توفي في هذه السنة ، والصحيح أنه تأخر إلى سنة ثماني عشرة . نعيم بن عبد الله النَّخَامُ(٦) أحد بني عدي ، أسلمَ قديماً قبل عمر ، ولم يتهيَّأ له هجرةٌ إلى ما بعد الحُدَيْبية ، وذلك لأنه كان فيه بِرّ بأقاربه ، فقالت له قريش : أقم عندنا على أي دينٍ شئتَ ، فوالله (١) ترجمة - عتاب بن أسيد - في التاريخ الكبير (٥٤/٧) والجرح والتعديل (١١/٧) والاستيعاب (١٠٢٣) وجامع الأصول (١٤ /٥٠٧) وأسد الغابة (٥٦٦/٣) والإصابة (٤٥١/٢). (٢) نص الحديث عن عتاب بن أسيد: أن النبي وَّجله كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم. رواه أبو داود في سننه رقم ( ١٦٠٣) كتاب الزكاة ، والترمذي في الجامع الصحيح رقم (٦٤٤) كتاب الزكاة ، والنسائي في سننه رقم (٢٦١٨) كتاب الزكاة وابن ماجه في سننه رقم (١٨١٩) كتاب الزكاة ، وفي إسناده ضعف . (٣) ترجمة - عكرمة بن أبي جهل - في التاريخ الكبير (٧/ ٤٨) والجرح والتعديل (٧٠٦/٧) والاستيعاب ( ١٠٨٢) وجامع الأصول (١٤ / ٥٣٥) وأسد الغابة (٧٠/٤) وتهذيب الأسماء واللغات (٣٣٨/١) ومختصر تاريخ دمشق (١٣١/١٧) وسير أعلام النبلاء (٣٢٣/١) والإصابة (٤٩٦/٢). (٤) الخبر رواه الدارمي في سننه (٢/ ٤٤٠) بلفظ «كان يضع المصحف على وجهه، ويقول: كتاب ربي، كتاب ربي)). (٥) ترجمة - الفضل بن العباس - في التاريخ الكبير (٥٠٢/٣) والجرح والتعديل (٤٨/٤) والاستيعاب (٦٢١) وجامع الأصول (٣٠/١٥) وأسد الغابة (٣٩١/٢) وتهذيب الأسماء واللغات (٢١٨/١) وسير أعلام النبلاء (٤٤٤/٣) والإصابة (٤٧/٢). (٦) ترجمة - نعيم بن عبد الله - في التاريخ الكبير (٩٢/٨) والجرح والتعديل (٤٥٩/٨) والاستيعاب (١٥٠٧) وجامع الأصول (٤١٢/١٥) وأسد الغابة (٣٤٦/٥) والإصابة (٥٦٧/٣). ١٢٨ أحداث سنة ١٤ هـ لا يتعرضكَ أحدٌ إلا ذهبت أنفسنا دونك . استشهد يوم أجنادين ، وقيل : يوم اليرموك رضي الله عنه . هَبَّارُ(١) بن الأسود بن أسد أبو الأسود القُرشي الأسدي ، هذا الرجل كان قد طعن راحلة زينب بنت النبي ◌ِّ يوم خرجتْ من مكةَ حتى أسقطت، ثم أسلم بعدُ فحَسُنَ إسلامُه، وقُتل بأجنادين رضي الله عنه . هَبَّارُ(٢) بن سُفْيان بن عبد الأسد المَخْزومي ابن أخي أم سلمة . أسلمَ قديماً وهاجرَ إلى الحبشة واستُشهد يوم أجْنَادين على الصحيح ، وقيل : قتل يوم مؤتة ، والله أعلم . هشام(٣) بن العاص بن وائل السَّهْمي أخو عمرو بن العاص. روى الترمذي أن رسول الله مَ له قال ((ابنا العاص مؤمنان)(٤) وقد أسلم هشام قبل عمرو ، وهاجر إلى الحبشة ، فلما رجع منها احتبس بمكة . ثم هاجر بعد الخندق ، وقد أرسله الصديق إلى ملك الروم . وكان من الفرسان . وقتل بأجْنادين ، وقيل : باليرموك ، والأول أصح ، والله أعلم . أبو بكر الصديق رضي الله عنه تقدم ، وله ترجمة مفردة ولله الحمد . سنة أربع عشرة من الهجرة استُهلَّتْ هذه السنة ، والخليفة عمر بن الخطاب يحثُّ الناسَ ويحرِّضُهم على جهادِ أهل العراق ، وذلك لِما بلغَه من قتل أبي عُبَيْد يومَ الجِسْر ، وانتظامٍ شَمْلِ الفرس ، واجتماعِ أمرهم على يَزْدَجِرْد الذي أقاموه من بيت الملك ، ونقض أهل الذمة(٥) بالعراقَ عهودهم ، ونبذهم المواثيق التي كانت عليهم ، وآذوا المسلمين وأخرجوا العمال من بين أظهرهم . وقد كتب عمر إلى من هنالك من الجيش أن يتبرزوا من بين أظهرهم إلى أطراف البلاد . قال ابن جرير رحمه الله : وركب عمر رضي الله عنه في أول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من ترجمة - هبار بن الأسود - فى الاستيعاب (١٥٣٦) وأسد الغابة (٣٨٤/٥) والإصابة (٣/ ٥٩٧). (١) (٢) ترجمة - هبار بن سفيان - في الاستيعاب (١٥٣٦) وأسد الغابة (٣٨٥/٥) والإصابة (٥٩٩/٣). ترجمة - هشام بن العاص - في الاستيعاب (١٥٣٩) وأسد الغابة (٤١/٥) والإصابة (٦٠٤/٣). (٣) لم يخرجه الترمذي بهذا اللفظ . وإنما أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٣٠٤) و(٣٢٧) و)٣٥٣)، والنسائي في فضائل (٤) الصحابة (١٩٥)، وإسناده حسن. أما الترمذي فقد أخرج في جامعه (٣٨٤٤) من حديث عقبة بن عامر عن النبي وَل قال: ((أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص)) وقال عقيبه : غريب (يعني ضعيف). (٥) في ط : أهل المدينة، والخبر في تاريخ الطبري ( ٤٨٢/٣). ١٢٩ أحداث سنة ١٤ هـ المدينة فنزل على ماءٍ يقال له صِرار(١) ، فعسكر به عازماً على غزو العراق بنفسه ، واستخلفَ على المدينة عليّ بن أبي طالب، واستصحب معه عثمان بن عفان وساداتِ الصحابة . ثم عقدَ مجلساً لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه ، ونودي أنّ الصلاةَ جامعةٌ ، وقد أرسل إلى علي(٢) فقدم من المدينة ، ثم استشارهم فكلهم وافقه(٣) على ( الذّهاب إلى) العراق، إلا عبد الرحمن بن عوف فإنَّه قالَ له : إنِّي أخشى إن كسرتَ أن يضعفَ المسلمون في سائر أقطار الأرض ، وإني أرى أن تبعث رجلاً وترجع أنت إلى المدينة . فأرثا٤) عمر والناس عند ذلك واستصوبوا رأيَ ابن عوف . فقال عمر : فمن ترى أن نبعثَ إلى العراق ؟ فقال : قد وجدتُه . قال : ومن هو ؟ قال الأسد ( في براثنه (٥) سعد بن مالك الزهري . فاستجادَ قوله وأرسلَ إلى سعدٍ ، فأمَّره على العراق وأوصاه ، فقال : (( يا سعد بن وهيب لا يغرَّنَّك من الله أن قيل: خالُ رسول الله وَّهِ وصاحبُه، فإنَّ اللهَ لا يمحو السيِّءَ بالسيِّءٍ، ولكن يمحو السيِّءَ بالحسنِ ، وإن الله ليس بينه وبين أحدٍ نسبٌ إلا بطاعته ، فالناس شريفُهم ووضيعُهم في ذات اللهِ سواء ، الله ربهم وهم عبادُه ، يتفاضلون بالعافية ، ويدركون ما عند الله بالطاعة ، فانظر الأمرَ الذي رأيتَ رسولَ الله ◌ِ له منذ بُعِثَ إلى أن فارقنا عليه فألزمْهُ، فإنَّه الأمرُ . هذه عِظتي إيّاك، إن تركتَها ورغبتَ عنها حَبِطٌ(٦) عملُك وكنتَ من الخاسرين)) . ولما أراد فراقَه قالَ له : (( إنَّكَ سَتَقْدِمُ على أمرٍ شديدٍ ، فالصبرَ الصبرَ على ما أصابَكَ ونابكَ ، تجتمع (٧) لك خشية الله ، وأعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين ، في طاعته واجتناب معصيته ، وإنَّما أطاعه من أطاعه ببغضٍ(٨) الدنيا وحبِّ الآخرة ، وإنما عصيان من عصاه بحبِّ الدنيا وبغض الآخرة . وللقلوب حقائقُ يُنْشئها الله إنشاءً، منها السرّ، ومنها العلانية، فأما العلانيةُ فأن يكون٩ُ) حامدهُ وذاتُه في الحقِّ سواء ، وأمّا السرّ فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه ، وبمحبة الناس ، ومن محبة الناس فلا (١) في أ: ضرار ، وما هنا عن تاريخ الطبري . وصرار - بكسر أوله وبالراء المهملة أيضاً في آخره - موضع على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق. معجم البلدان (٣٩٨/٣). فى أ: عدي ؛ تحريف، وما هنا موافق لتاريخ الطبري (٣/ ٤٨٠-٤٨١). (٢) (٣) في ط : وافقوه . كذا فى أ، ط ولعلها : فأرفأ بمعنى سكن واطمأن . اللسان ( رفأ ورما). (٤) براثن الأسد جمع بُرْثُن : وهو مِخْلبه ، وقيل : هو للسبع كالإصبع للإنسان . وقيل : البرثن : الكف بكمالها مع (٥) الأصابع . اللسان ( برثن ) . حبط : بطل ثواب عمله . اللسان ( حبط ) . (٦) في أ، ط : تجمع ؛ وما هنا عن الطبري . (٧) في ط : ببعض ؛ وهو عكس المعنى المقصود . (٨) (٩) في ط : تكون ؛ تحريف . ١٣٠ أحداث سنة ١٤ هـ تزهدْ في التحتُّب فإنَّ النبيّين قد سألوا محبتهم ، وإنّ الله إذا أحب عبداً حتّبه ، وإذا أبغض عبداً بغَّضه ، فأعتبر منزلتكَ عندَ الله بمنزلتكَ عند الناس)). قالوا : فسارَ سعدٌ نحوَ العراقِ في أربعة آلاف ، ثلاثة آلاف من أهل اليمن ، وألف من سائر الناس ، وقيل في ستة آلاف . وشَيَّعَهُمْ عمر من صِرارٍ إلى الأعوصُ(١)، وقام عمر في الناس خطيباً هنالك فقال : ((إن الله إنّما ضربَ لكمُ الأمثالَ، وصرَّفَ لكم القول لتحيى [ به ] القلوب فإنَّ القلوبَ ميتةٌ في صدورها حتى يُحْيِيها اللهُ. من عَلِم شيئاً فلينتفعُ(٢) به ، فإنَّ للعدلِ أمارات وتباشير، فأما الأمارات فالحياء والسخاء والهين واللين . وأما التباشير فالرحمة . وقد جعل الله لكل أمر باباً ، ويسر لكل باب مفتاحاً ، فباب العدل الاعتبار ؛ ومفتاحه الزهد ، والاعتبار ذكر الموت والاستعداد بتقديم الأموال . والزهد أخذ الحق من كلّ أحدٍ قِبَلهُ حقٌّ والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف ، فإنْ لم يكفه الكفاف لم يُغْنه شيءٌ . إني بينكم وبين الله، وليس بيني وبينه أحدٌ ، وإنَّ اللهَ قد ألزمني دفعَ الدعاء عنه فانهوا شكاتكم إلينا ، فمن لم يستطع فإلى من يُبَلِّغُناها نأخذ(٣) له الحقَّ غَيْرَ متعتع)(٤) . ثم سار سعد إلى العراق ، ورجع عمر بمن معه من المسلمين إلى المدينة . ولما انتهى سعد إلى نهر زَرود ، ولم يبق بينه وبين أن يجتمع بالمثنى بن حارثة إلا اليسير ، وكل منهما مشتاق إلى صاحبه ، انتقض جرح المثنى بن حارثة الذي كان جرحه يوم الجسر فمات رحمه الله ورضي الله عنه . واستخلف على الجيش بشير بن الخصاصية ، ولما بلغ سعداً موتُه ترخَّم عليه وتزوج زوجته سلمى. ولما وصل سعد إلى محلة الجيوش انتهت إليه رياستها وإمرتها ، ولم يبق بالعراق أمير من سادات العرب إلا تحت أمره ، وأمدَّه عمر بأمداد أخر حتى اجتمع معه يوم(٥) القادسية ثلاثون ألفاً ، وقيل ستة وثلاثون. وقال عمر : والله لأرمينَّ ملوكَ العجم بملوك العرب . وكتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل ، والعرفاء على كل عشرة(٦) عريفاً على الجيوش ، وأن يواعدهم إلى القادسية ، ففعل ذلك سعدٌ ، عرَّفَ العُرفاء ، وأمَّر على القبائل ، وولَّى على الطلائع ، والمقدِّمات ، والمَجْنبات والسَّاقات ، والرّجّالة ، والركبان ، كما أمرَ أمير المؤمنين عمر . قال سيف (٧) بإسناده عن مشايخه قالوا : وجعل عمر على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي فى أ: الأعرص، وهو تحريف. والأعوص على أميال من المدينة المنورة. معجم البلدان (١/ ٢٢٣). (١) في ط : فلينفع ؛ وما هنا الوجه والطبري ( ٤٨٥/٣). (٢) (٣) في أ : جعلناها فيأخذ . متعتع : أي من غير أن يصيبه أذى يقلقه ويزعجه . اللسان ( تعع ) . (٤) (٥) في أ : اجتمع له في القادسية . في أ: على كل عشيرة . وفي تاريخ الطبري (٤٨٨/٣): فعشَر الناس ، وهذا يوافق ما أثبتناه . (٦) تاريخ الطبري (٤٨٩/٣ ). (٧) ١٣١ أحداث سنة ١٤ هـ ذا النون . وجعل إليه الأقباض وقسمة الفَيْء ، وجعلَ داعيةَ الناس وقاصَّهُم سلمانَ الفارسيَّ. وجعل الكاتبَ زيادَ بن أبي سفيان . قالوا : وكان في هذا الجيش كلّه من الصحابة ثلاثمئة وبضعة عشر صحابياً ، منهم بضعة وسبعون بدرياً ، وكان فيه سبعمئة من أبناء الصحابة رضي الله عنهم . وبعث عمر كتاباً إلى سعد يأمره بالمبادرة إلى القادسية ، والقادسية باب فارس في الجاهلية ، وأن يكون بين الحجر والمدر ، وأن يأخذ الطرقَ والمسالكَ على فارس ، وأن يبدروهم بالضرب والشدة ، ولا يهولنك (١) كثرةُ عددهم وعُدَدهم، فإنَّهم قومٌ خَدَعةٌ مَكَرَةٌ، وإن أنتم صبرتم واحتسبتمُ(٢) ونويتم الأمانة (٣) رجوتُ أن تُنْصروا عليهم، ثم لم يجتمع لهم شملهم أبداً إلّ أن يجتمعوا ، وليست معهم قلوبهم . وإن كانت الأخرى فأرجعوا إلى ما وراءكم حتى تصلوا ( إلى ) الحجر فإنكم عليه (٤) أجرأ ، وإنهم عنه أجبن ، وبه أجهل ، حتى يأتي اللهُ بالفتح عليهم ويردَّ لكم الكرّة . وأمره بمحاسبة نفسه وموعظة جيشه ، وأمرهم بالنية الحسنة والصبر فإنَّ النصر يأتي من الله على قدر النية ، والأجر على قدر الحسبة ، وسلوا الله العافية ، وأكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، واكتب إليّ بجميع أحوالكم وتفاصيلها ، وكيف تنزلون وأين يكون منكم عدوكم ، واجعلني بكتبك إليَّ كأني أنظر إليكم ، وأجعلني من أمركم على الجلية ، وخفِ الله وازْجُهُ ولا تدل بشيء(٥)، وأعلم أن الله قد توكّل لهذا الأمر بما لا خُلْفَ له ، فأحذر أن يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم . فكتب إليه سعد يصفُ له كيفيةَ تلك المنازل والأراضي بحيث كأنه يشاهدها ، وكتب إليه يخبره بأن الفرس قد جرَّدُوا لحربه رُسْتم وأمثاله ، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم ، وأمر الله بعدُ ماضٍ ، وقضاؤه مسلَّمُ(٦) ، إلى ما قدِّر لنا وعلينا، فنسأل الله خيرَ القضاء وخيرَ القدر في عافية . وكتب إليه عمر : قد جاءني كتابك وفهمته ، فإذا لقيتَ عدوَّك ومنحكَ الله أدبارهم ، فإنه قد أُلْقيَ في رُوعي أنَّكم ستهزمونهم فلا تشكَّنَّ في ذلك ، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فإنه خرابُها إن شاء الله . وجعل عمر يدعو لسعدٍ خاصةً وله وللمسلمين عامةً . (١) في أ : ولا يهولنكم . في ط : وأحسنتم ، وما هنا عن الطبري . (٢) (٣) في أ : الإنابة . في أ : عليهم ، وفي تاريخ الطبري : عليها . (٤) في أ : ولا تذل لشيء . وما هنا موافق للطبري . (٥) (٦) في أ : مسلم لنا إلى . ١٣٢ فصل في غزوة القادسية ولما بلغ سعد العُذَيْبُ(١) اعترضَ للمسلمين جيشٌ للفرس مع شيرزاذ بن آزاذويه (٢) ، فغنموا مما معه شيئاً كثيراً ووقع منهم موقعاً كبيراً ، فَخَمَّسَها سعد وقسمَ أربعة أخماسها في الناس واستبشسر الناسُ بذلك وفرحوا ، وتفاءلوا ، وأفرد سعد سرية تكون حياطة لمن معهم من الحريم ، على هذه السرية غالب بن عبد الله الليثي . [ فصل في ] غَزْوة القادسيّة ثم سار سعدٌ فنزلَ القادسيةَ ، وبثَّ سراياه ، وأقامَ بها شهراً لم ير أحداً من الفرس ، فكتب إلى عمر بذلك ، والسرايا تأتي بالمِيرة . من كلّ مكانٍ ، فعجَّت رعايا الفُرْس من أطراف بلادهم إلى يَزْدَجِردَ من الذين يلقون ( من المسلمين ) من النهب والسبي . وقالوا : إن لم تنجدونا وإلا أعطينا ( ما ) بأيدينا وسلَّمنا إليهم الحصون . واجتمع رأي الفرس على إرسال رُسْتم إليهم، فبعث إليه يَزْدَجرْدَ فأمَّره على الجيش فاستعفى رستم من ذلك ، وقال : إن هذا ليس برأي في الحرب ، إن إرسال الجيوش بعد الجيوش أشدّ على العرب من أن يكسروا جيشاً كثيفاً مرة واحدة. فأبى الملك إلا ذلك. فتجهز رستم للخروج(٣). ثم بعث سعد كاشفاً إلى الحيرة (وإلى صلوبا ) فأتاه الخبر بأن الملكَ قد أمَّر على الحرب رُسْتم بن الفرخزاذ الأرمني ، وأمدَّه بالعساكر . فكتب سعد إلى عمر بذلك فكتب إليه عمر : لا يكربنك ما يأتيك(٤) عنهم ، ولا ما يأتونك به ، واستعن بالله وتوكل عليه ، وابعث إليه رجالًا من أهل النظر والرأي والجَلَد يدعونه ، فإن الله جاعلٌ دعاءهم توهيناً لهم وفَلْج٥ُ) عليهم ، واكتب إليّ في كل يوم . ولما أقترب رُسْتم بجيوشه وعسكر بساباط(٦) كتب سعد إلى عمر يقول : إن رستم قد عسكر بساباط وجرّ الخيول والفيول وزحف علينا بها ، وليس شيء أهمَّ عندي ، ولا أكثر ذكراً مني لما أحببت أن أكون عليه من الاستعانة (٧) والتَّوكُل . وعبأ رستم فجعل على المقدمة وهي أربعون ألفاً الجالنوس ، وعلى الميمنة الهرمزان ، وعلى الميسرة مهران بن بهرام وذلك ستون ألفاً ، وعلى الساقة البندران في عشرين ألفاً ، فالجيش كله ثمانون ألفاً فيما ذكره سيف(٨) وغيره . العذيب : ماء بين القادسية والمغيثة .. وكانت مسلحة للفرس . معجم البلدان (٤/ ٩٢). (١) (٢) في ط : اراذويه . وفي تاريخ الطبري (٤٩٢/٣): آزاذ . (٣) في أ : فعزم رستم على الخروج . (٤) في أ : ما بلغك . في أ : وملجأ . والفلج: الظّفرُ والفَوْزُ. اللسان ( فلج ) . (٥) (٦) ساباط ، يقال ساباط كسرى : بالمدائن موضع معروف . معجم البلدان ( ١٦٦/٣ ). (٧) في أ : الاستغاثة . تاريخ الطبري ( ٥٠٥/٣) . (٨) ١٣٣ رستم والمغيرة بن شعبة وفي رواية كان رستم في مئة ألف وعشرين ألفاً ، يتبعها ثمانون ألفاً ، وكان معه ثلاثة وثلاثون فيلاً منها فيل أبيض كان لسابور ، فهو أعظمها وأقدمها ، وكانت الفيلة تألفه . ثم بعث سعدٌ جماعةً من السادات منهم النعمان بن مُقرِّن ، وفُرات بن حَيَّان ، وحَنْظلة بن الربيع التميمي ، وعطارد بن حاجب ، والأشعث بن قيس ، والمغيرة بن شعبة ، وعمرو بن معديكرب ، يدعون رستم إلى الله عزَّ وجلَّ . فقال لهم رستم : ما أقدمكم ؟ فقالوا : جئنا لموعود الله إيانا ، أخذ بلادكم وسبي نسائكم ( وأبنائكم ) وأخذ أموالكم ، فنحن على يقين من ذلك ، وقد رأى رستم في منامه كأنَّ ملكاً نزل من السماء فختم على سلاح الفرس كله ودفعه إلى رسول الله وَ لّ فدفعه رسول الله بَل إلى عمر. وذكر سيف بن عمر (١) أنَّ رستم طاول سعداً في اللقاء حتى كان بين خروجه من المدائن وملتقاه سعداً بالقادسية أربعة أشهر، كل ذلك لعله يضجر سعداً ومن معه ٢) ليرجعوا ، ولولا أن الملك استعجله ما التقاه ، لما يعلم من غلبة المسلمين لهم ونصرهم عليهم ، لما رأى في منامه ، ولما يتوسَّمه ، ولما سمع منهم ، ولما عنده من علم النجوم الذي يعتقد صحته في نفسه لما له من الممارسة لهذا الفن . ولما دنا جيش رستم من سعد أحبَّ سعدٌ أن يطَّلعَ على أخبارهم على الجلية ، فبعثَ سرية لتأتيه برجلٍ من الفرس وكان في السرية طُلَيْحة الأسدي الذي كان ادَّعى النبوةَ ثم تاب . وتقدَّمَ الحارثُ مع أصحابه حتى رجعوا . فلما بعث سعدٌ السريةَ اخترقَ طُلَيْحةُ الجيوشَ والصفوفَ، وتَخطَّى الألوفَ ، وقتل جماعة من الأبطال حتّى أسرَ أحدَهم وجاء به لا يملكُ من نفسه شيئاً ، فسأله سعدٌ عن القوم فجعل يصف شجاعةً طليحة ، فقال : دَعْنا من هذا وأخبرنا عن رستم ، فقال : هو في مئة ألف وعشرين ألفاً ، ويتبعها مثلها . وأسلم الرجل من فوره رحمه الله . [ رستم والمغيرة بن شعبة ] قال سيف(٣) عن شيوخه: ولما تواجه الجيشان بعث رستم إلى [ سعد ] أن يبعثَ إليه برجلٍ عاقلٍ عالمٍ بما أسأله عنه . فبعث إليه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه . فلما قدم عليه جعل رستم يقول له : إنكم جيراننا وكنا نُحسن(٤) إليكم ونكفُّ الأذى عنكم ، فأرجعوا إلى بلادكم ، ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا . فقال له المغيرة: إنّا ليس طلبنا الدنيا، وإنما همنا°) وطلبنا الآخرة ، وقد بعث الله إلينا رسولًا قال له : إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدنْ بديني ( فأنا ) منتقم بهم ، منهم ، وأجعل لهم نفس المصدر ( ٣/ ٥٠٩ ). (١) (٢) في أ : ومن تبعه . تاريخ الطبري ( ٥٢١/٣ - ٥٢٢). (٣) في أ : ونحن محسنون . (٤) في أ : وإنما جئنا . (٥) ١٣٤ رستم وربعي بن عامر الغلبةَ ما داموا مُقِرِّين به ، وهو دين الحق ، لا يرغبُ عنه أحدٌ إلا ذلَّ، ولا يعتصم به إلا عزَّ. فقال له رستم : فما هو ؟ فقال : أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله، فقال ما أحسن هذا؟! وأي شيء أيضاً . قال وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله . قال : وحسن أيضاً ، وأي شيء أيضاً ؟ قال : والناس بنو آدم ، فهم إخوة لأب وأم ، قال : وحسن أيضاً . ثم قال رستم : أرأيت إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا ؟ قال : إي والله ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة . قال: وحسن أيضاً . ( قال ) : ولما خرج المغيرة من عنده ذاكر رستم رؤساء قومه في الإسلام فأنِفُوا ذلك وأَبَوْا أن يدخلوا فيه ، قبَحهم الله وأخزاهم، وقد فعل. [ رستم وربعي بن عامر ] قالو(١) : ثم بعث إليه سعد رسولاً آخر بطلبه وهو رِبْعي بن عامر ، فدخل عليه وقد زيَّنوا مجلسَهُ بالنمارق المذهَّبة(٢) والزرابي الحرير (٣)، وأظهر اليواقيت واللآلىء الثمينة، والزينة العظيمة ، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة . وقد جلس على سرير من ذهب . ودخل رِبْعي بثياب صفيقة (٤) وسيف وترس وفرس قصيرة ، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد ، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه . فقالوا له : ضع سلاحك . فقال : إني لم آتكم ، وإنما جئتكم حين دعوتموني ، فإن تركتموني هكذا وإلّ رجعت . فقال رستم : أئذنوا له ، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق ، فخرق عامتها ، فقالوا له : ما جاء بكم ؟ فقال : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام ، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه ، فمن قَبِلَ ذلك ( قبلنا ) منه ورجعنا عنه ، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود(٥) الله . قالوا : وما موعود الله ؟ قال : الجنةُ لمن ماتَ على قتال منْ أبى ، والظفرُ لمن بقي . فقال رستم : قد سمعتُ مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظرَ فيه وتنظروا ؟ قال : نعم ! كم أحبُّ إليكم ؟ يوماً أو يومين ؟ قال : لا ، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا . فقال : ما سنَّ لنا رسول الله وَّر أن نؤخِّر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث ، فأنظر في أمرك وأمرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل ، فقال: أسيدهم أنت ؟ قال ! لا: ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم. فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم قطّ أعزَّ وأرجحَ من كلام هذا الرجل ؟ فقالوا: معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا ، وتدعَ دينك إلى هذا الكلب ، أما ترى إلى ثيابه ، فقال : ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، (١) الخبر في تاريخ الطبري (٥١٨/٣ - ٥١٩). (٢) النمارق: الوسائد . اللسان (نمرق ). الزرابي : البسط ، وقيل كل ما بسط واتكىء عليه . وقيل هي الطنافس وقيل هي النمارق . اللسان ( نمرق ) . (٣) في أ : ضعيفة . والصفيقة : السخيفة الرثة . (٤) (٥) في أ : موعد . ١٣٥ رستم وربعي بن عامر وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة . إن العربَ يستخفون بالثياب والمأكل ، ويصونون الأحساب . ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلاً فبعث إليهم حذيفة بن محصن فتكلم نحو ما قال ربعي . وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة فتكلم بكلام حسن طويل . قال فيه رستم للمغيرة : إنما مَثَلَكُم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل . فقال منْ يوصلني إليه وله درهمان ؟ فلما سقط عليه غرق فيه ، فجعل يطلب الخلاص فلا يجده ، وجعل يقول منْ يُخلِّصني وله أربعة دراهم ؟ ومَثَلُكُم كمثل ثعلب ضعيفٍ دخل جحراً في كَرْمٍ ، فلما رآه صاحب الكَرْم ضعيفاً رحمه فتركه ، فلما سمنَ أفسدَ شيئاً كثيراً فجاء بجيشه ، واستعانَ عليه بغلمانه فذهبَ ليخرجَ فلم يستطع لسمنه فضربه حتى قتله ، فهكذا تخرجون من بلادنا . ثم استشاط غضباً وأقسم بالشمس لأقتلنكم غداً ( فقال المغيرة : ستعلم . ثم قال رستم للمغيرة : قد أمرتُ لكم بكسوةٍ ولأميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا . فقال المغيرة : أبعد أن أوهنًا ملككم وضعضعنا١) عزَّكم ، ولنا مدة نحو بلادكم ونأخذ الجزية منكم عن يدٍ وأنتم صاغرون ، وستصيرون لنا عبيداً على رغمكم ؟! فلما قال ذلك استشاط غضباً ) . وقال ابن جرير(٢): حدَّثني محمد بن عبد الله بن صفوان الثقفي، حدَّثنا أمية بن خالد، حدَّثنا أبو عوانة، عن حُصَين بن عبد الرحمن . قال قال أبو وائل : جاء سعد حتى نزل القادسية ومعه الناس قال : لا أدري لعلنا لا نزيد على سبعة آلاف ( أو ثمانية آلاف ) بين ذلك ، والمشركون ثلاثون ألفاً، أو نحو ذلك ، فقالوا: لا يَدَ لَكُمْ ولا قوةَ ولا سلاح ، ما جاء بكم ؟ ارجعوا . قال : قلنا ما نحن براجعين ، ، فكانوا يضحكون من نَبْلِنا٣) ويقولون دوك دوك ويشبِّهونها بالمغازل . فلما أبينا عليهم أن نرجع قالوا : ابعثوا إلينا رجلاً من عقلائكم يبين لنا ما جاء بكم . فقال المغيرة بن شعبة : أنا ، فعبر إليهم فقعد مع رستم على السرير، فنخروا٤) وصاحوا، فقال: إنَّ هذا لم يزدني رفعةً ولم يُنْقص صاحبكم . فقال رستم : صدق ، ما جاء بكم ؟ فقال : إنّا كنّا قوماً في شرِّ وضلالةٍ ، فبعث الله إلينا نبياً فهدانا الله به ورزقنا على يديه ، فكان فيما رزقنا حبةٌ تنبتُ في هذا البلد فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا : لا صبرَ لنا عنها ، أنزلونا هذه الأرضَ حتى نأكلَ من هذه الحبة . فقال رستم إذاً نقتلكم . قال إن قتلتمونا دخلنا الجنة ، وإن قتلناكم دخلتم النار ، وأدَّيتم الجزية ( قال : فلما قال : وأديتم الجزية ) نخزو(٥) وصاحوا وقالوا : لا صلحَ بيننا وبينكم . فقال المغيرة : تعبرون إلينا أو نعبر إليكم ؟ فقال رستم : بل نعبر إليكم ، فاستأخر المسلمون حتى عبروا ، فحملوا عليهم فهزموهم . (١) في ط : وضعفنا . (٢) تاريخه ( ٤٩٦/٣ ) . (٣) في أ : قلتنا . نَخَّرَ - يَنْخِر ويَنْخُر - نخيراً: مدّ الصوت والنَّفَس في خياشيمه. اللسان (نخر) . (٤) نخزوا : كنخروا . (٥) ١٣٦ رستم وربعي بن عامر وذكر سيف (١): أن سعداً كان به عِرْق النَّسا يومئذ، وأنَّه خطبَ الناسَ وتلا قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَبَنَا فِ الزَُّورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصََّلِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وصلَّى بالناس الظهرَ ثم كبّر أربعاً ، وحملوا بعد أن أمرهم أن يقولو(٢) : لا حول ولا قوة إلا بالله ، في طردهم إياهم ، وقتلهم لهم . وقعودهم لهم كل مرصد ، وحصرهم لبعضهم في بعض الأماكن حتى أكلوا الكلاب والسنانير . وما رد شاردهم حتى وصل إلى نهاوند ، ولجأ أكثرهم إلى المدائن ، ولحقهم المسلمون إلى أبوابها . وكان سعد قد بعث طائفةً من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الله قبل الوقعة فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم ، وخرجَ أهلُ البلد ينظرون إلى أشكالهم وأرديتهم على عواتقهم وسياطهم بأيديهم ، والنعال في أرجلهم ، وخيولهم الضعيفة ، وخبطها الأرض بأرجلها . وجعلوا يتعجبون منها(٣) غاية العجب كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشَهم مع كثرة عددها وعُددها . ولما استأذنوا على الملك يَزْدجردَ أذن لهم وأجلسهم بين يديه ، وكان متكبِّراً قليل الأدب ، ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها ؟ عن الأردية ، والنعال ، والسياط ، ثم كلما قالوا له شيئاً من ذلك تفاءل ، فردَّ الله فأله على رأسه . ثم قال لهم : ما الذي أقدمكم هذه البلاد ؟ أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا ؟. فقال له النعمان بن مُقرِّن : إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلُّنا على الخير ويأمرنا به ، ويعرفنا الشر وينهانا عنه ، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة . فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلَّ صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده ، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواصّ ، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث ، ثم أمر أن ينهد إلى منْ خالفه من العرب ويبدأ بهم ، ففعل فدخلوا معه جميعاً على وجهين مكروه عليه فاغتبط ، وطائعُ(٤) إياه فازداد . فعرفنا جميعاً فضلَ ما جاء به على الذي كنّا عليه من العداوة والضيق ، وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف ، فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين الإسلام حَسَّن(٥) الحسنَ وقَبَّح القَبيح كله ، فإن أبيتم فأمرٌ من الشرِّ هو أهونُ من آخر شرِّ منه الجزيةُ، فإن أبيتم فالمناجزة ، وإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم ، وشأنكم وبلادكم ، وإن أتيتمونا بالجزية(٦) قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم . قال : فتكلم يَزْدَجرد فقال : إني لا أعلم في الأرض أمةً كانت أشقى ولا أقلَّ عدداً ولا أسوأ ذات بينٍ منكم ، قد كنّا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم ، لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم . فإن تاريخ الطبري ( ٥٣١/٣). (١) في أ: وحملوا بعدها وهم يقولون : لا حول ولا قوة إلا بالله. (٢) (٣) في أ : منهم . في أ : وطامع ؛ وهو تحريف . (٤) في أ : فحسِّن . (٥) (٦) في أ : وإن أبقيتمونا فالجزية . ١٣٧ رستم وربعي بن عامر كان عددكم كَثُرَ فلا يغرّنكم منا ، وإن كان الجهْدُ دعاكم فرضنا لكم قوتاً ( إلى ) خصبکم وأكرمنا وجوهکم وكسوناكم وملّكنا عليكم ملكاً يرفق بكم . فأسكت القوم . فقام المغيرة بن شعبة فقال : أيها الملك إن هؤلاء رؤوسُ العرب ووجوهُهم، ( وهم ) أشراف(١) يستحيون من الأشراف ، وإنما يكرم الأشراف الأشراف ، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف ، وليس كل ما أرسلوا له جمعوه لك ، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه ٢) ، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك ، فجاوبني فأكون ( أنا ) الذي أبلغك ويشهدون على ذلك . إنك قد وصفتنا صفةً لم تكن بها عالماً ، فأما ما ذكرت من سوء الحال ، فما كان أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا، فلم يكن يشبه (٣) الجوع ، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات ، ونرى ذلك طعامنا ، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض ، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم . ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً ، وأن يبغي(٤) بعضنا على بعض ، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه ، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرتُ لك وفي المعاد على ما ذكرتُ لك، فبعث الله إلينا رجلاً معروفاً نعرف نسبَه ونعرفُ وجهَه ومولدَه، فأرضه(٥) خير أرضنا ، وحَسَبُه خيرُ أحسابنا ، وبيتُهُ خيرُ بيوتنا ، وقبيلتُه خيرُ قبائلنا ، وهو نفسه كان خيرَنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا ، فدعانا إلى أمرٍ فلم يجبه أحدٌ . أول تربٍ كانَ له الخليفة من بعده ، فقال وقلنا ، وصدق وكذَّبنا ، وزاد ونقصنا ، فلم يقل شيئاً إلا كان ، فقذف الله في قلوبنا التصديقَ له واتّباعه ، فصار فيما بيننا وبين ربّ العالمين . فما قالَ لنا فهو قولُ الله ، وما أمرنا فهو أمرُ الله، فقال لنا: إنَّ ربَّكم يقول: [ إني ] أنا اللهُ وحدي لا شريكَ لي، كنتُ إذ لم يكن شيءٌ ، وكلُّ شيءٍ هالك إلا وجهي ، وأنا خلقتُ كلَّ شيءٍ ، وإليَّ يصيرُ كلُّ شيءٍ ، وإنَّ رحمتي أدركَتْكُم فبعثتُ إليكم هذا الرجلَ لأدلَّكم على السبيل التي أنجيكم بها بعد الموت من عذابي ، ولأحلَّكُمْ داري ، دارَ السلام. فنشهد عليه أنه جاءَ بالحق من عند الحق . وقال : منْ تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم ، ومنْ أَبَى فاعْرِضُوا عليه الجزيةَ ، ثم امنعوه ممّا تمنعون منه أنفسكم ، ومنْ أبى فقاتلوه فأنا الحكمُ بينكم ، فمنْ قُتل منكم أدخلته جتَّتَي ، ومنْ بقيَ منكم أعقبته النصر على منْ ناوأه . فاخْتَرْ إنْ شئتَ الجزيةَ وأنت صاغرٌ ، وإن شئت فالسيفُ ، أو تُسْلم فتُنْجي نفسَكَ . فقال يَزْدَجِرْدُ : استقبلتني بمثل هذا؟ فقال: ما استقبلت إلَّ منْ كلَّمني، ولو كلَّمني غيرُك لم أستقبلك به . فقال : لولا أن الرسل لا تُقْتَلُ لقتلتكم ، لا شيء لكم عندي . وقال : ائتوني بوفّرٍ من تُرابٍ في أ : والأشراف . (١) في أ : عنه . (٢) في أ : شبه . (٣) في أ : يغير . (٤) (٥) في أ : وارضه . ١٣٨ رستم و ربعي بن عامر فاحملوه على أشرف هؤلاء ، ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات (١) المدائن . أرجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسلٌ إليه رستم حتى يدفنه (٢) وجنده في خندق القادسية وينكِّل به وبكم من بعد ، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشدّ مما نالكم من سابور . ثم قال : من أشرفُكم ؟ فسكتَ القوم ، فقال عاصم بن عمرو وافْتَأَتَ(٣) ليأخذ التراب : أنا أشرفهم ، أنا سيدُ هؤلاء فحمّلنيه ، فقال : أكذلك ؟ قالوا : نعم . فحمله على عنقه ، فخرج به من الإيوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها ، ثم انجذب في السير فأتو(٤) به سعداً وسبقهم عاصم فمر بباب قُدَيْس(٥) فطواه فقال(٦) بَشِّروا الأمير بالظفر ، ظفرنا إن شاء الله ( تعالى ، ثم مضى حتى جعل التراب في الحِجْر، ثم رجع فدخل على سعد ، فأخبره الخبر . فقال : أبشروا ) فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم . وتفاءلوا بذلك أخذ بلادهم . ثم لم يزل أمر الصحابة يزداد في كلّ يوم عُلوّاً وشَرَفاً ورفعةً ، وينحطّ أمرُ الفرس سُفلاً وذُلًا ووهناً. ولما رجعَ رستم إلى الملك يسأله(٧) عن حال من رأى من المسلمين ؟ فذكر ( له ) عقلهم وفصاحتهم وحدَّةً جوابهم ، وأنهم يرومون أمراً يوشك أن يدركوه . وذكر ما أمر به أشرفهم من حمل التراب وأنه استحمق أشرفهم في حمله التراب على رأسه ، ولو شاء اتقى بغيره وأنا لا أشعر . فقال له رستم : إنه ليس أحمق ، وليس هو بأشرفهم ، إنما أراد أن يفتدي قومه بنفسه ، ولكن والله ذهبوا بمفاتيح أرضنا . وكان رستم مُنجِّماً ، ثم أرسل رجلاً وراءهم وقال : إن أدرك التراب فردَّه تداركنا أمرنا ، وإن ذهبوا به إلى أميرهم غلبونا على أرضنا . قال : فساق وراءهم فلم يدركهم بل سبقوه إلى سعد بالتراب . وساء ذلك فارس وغضبوا من ذلك أشدَّ الغضب واستهجنوا رأي الملك . فصل كانت وقعةُ القادسية وقعةً عظيمة لم يكن بالعراق أعجبَ منها ، وذلك أنه لما تواجه الصفَّان كان سعد رضي الله عنه قد أصابه عِرْقُ النَّسا، ودمامل في جسده ، فهو لا يستطيع الركوب ، وإنما هو في قصر متكىء على ( صدره فوق ) وسادة وهو ينظر إلى الجيش ويدبّر أمره ، وقد جعل أمر الحرب إلى خالد بن في تاريخ الطبري : باب . (١) في تاريخ الطبري : حتى يدفنكم ويدفنه . (٢) (٣) افتأت : اختلق . اللسان ( فأت ) . (٤) في ط : ليأتوا . قَدَيْس : موضع بناحية القادسية نزله سعد لما قدم القادسية بينما نزل زُهرة حيال قنطرة العتيق وموضع القادسية (٥) اليوم . معجم البلدان ( ٤/ ٣١٤) . في ط : وقال . (٦) في أ : سأله . (٧) ١٣٩ رستم وربعي بن عامر عُرْفُطة ، وجعل على الميمنة جرير بن عبد الله البجلي ، وعلى الميسرة قيس بن مكشوح ، وكان قيس والمغيرة بن شعبة قد قدما على سعد مدداً من عند أبي عبيدة من الشام بعدما شهدا وقعة اليرموك . وزعم ابن إسحاق أن المسلمين كانوا ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية آلاف ، وأن رستما١) كان في ستين ألفاً ، فصلَّى سعدٌ بالناس الظهر ، ثم خطب الناسَ فوعظهم وحثهم وتلا قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ بَرِثُهَا عِبَادِىَ الصََّلِحُونَ﴾ [ الأنبياء: ١٠٥] وقرأ القُرّاءُ آيَاتِ الجهاد وسُوَرَهُ ، ثم كَبَّر سعدٌ أربعاً ، ثم حملوا بعد الرابعة ، فاقتتلوا حتى كان الليل فتحاجزوا ، وقد قتل من الفريقين بشرٌ كثيرٌ ، ثم أصبحوا إلى مواقفهم فاقتتلوا يومهم ذلك وعامة ليلتهم ، ثم أصبحوا ( كما أمسوا ) على (٢) مواقفهم ، فاقتتلوا حتى أمسوا، ثم اقتتلوا في اليوم الثالث كذلك ، وأمست هذه الليلة تسمى ليلة الهَرير ، فلما أصبح اليومُ الرابعُ اقتتلوا قتالاً شديداً وقد قاسوا من الفيلة بالنسبة إلى الخيول العربية بسبب نفرتها منها أمراً بليغاً ، وقد أباد الصحابة الفيلةَ ومنْ عليها ، وقلعوا عيونها ، وأبلى جماعةٌ من الشجعان في هذه الأيام مثل طُلَيْحة الأسدي، وعمرو بن مَعْديكرب، والقَعْقاع بن عمرو، وجَرير بن عبد الله البَجَلي، وضِرار بن الخَطّاب ، وخالد بن عرفطة ، وأشكالهم وأضرابهم ، فلما كان وقت الزوال من هذا اليوم ويسمى يوم القادسية ، وكان يوم الإثنين من المحرم سنة أربعَ عشرةَ كما قاله سيف بن عمر التميمي ، هبت ريحٌ شديدٌ فرفعت (٣) خيامَ الفرس عن أماكنها وألقتْ سريرَ رستم الذي هو منصوب له ، فبادر فركب بغلته وهرب، فأدركه المسلمون فقتلوه وقتلوا الجالينوس مقدمَ الطلائع القادسية، وانهزمت الفرسُ ، ولله الحمد والمنة عن بكرة أبيهم ، ولحقهم المسلمون في أقفائهم فقُتل يومئذ المُسلْسَلون بكمالهم وكانوا ثلاثين ألفاً، وقتل في المعركة عشرة آلاف ، وقتلوا قبل ذلك قريباً من ذلك . وقُتل من المسلمين في هذا اليوم وما قبله من الأيام ألفان وخمسمئة رحمهم الله. وساق المسلمون خلفَ المنهزمين حتى دخلوا وراءهم مدينة(٤) الملك وهي المدائن التي فيها الإيوان الكسروي ، وقد أذن لمن ذكرنا عليه ، فكان منهم إليه ما قدمنا . وقد غنم المسلمون من وقعةِ القادسية هذه من الأموال والسلاح ما لا يُحدُّ ولا يُوصف كثرةً ، فحصلت الغنائمُ بعد صرف الأسلاب وخُمِّستْ وبُعث بالخمس والبشارة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وقد كان عمر رضي الله عنه يستخبرُ عن أمر القادسية كلَّ منْ لقيهُ من الركبان ، ويخرج من المدينة إلى ناحية العراق يستنشقُ الخبرَ ، فبينما٥) ( هو ذات ) يوم من الأيام إذا هو براكبٍ يلوحُ من بُعْدٍ ، فاستقبلهُ عمرُ فاستخبره ، فقال له : فتحَ الله على المسلمين بالقادسية وغنموا غنائمَ كثيرةً ، (١) كذا في الأصلين. (٢) في أ : إلى. في أ : وهبت ريح شديدة فوقعت . (٣) في أ : إلى مدينة . (٤) (٥) في أ : فلما . ١٤٠ رستم و ربعي بن عامر وجعل يحدّثُه ، وهو لا يعرفُ عمر، وعمر ماشٍ تحت راحلته ، فلما اقتربا من المدينة جعلَ الناس يُحُّونَ عمرَ بالإمارة ، فعرفَ الرجلُ عمرَ فقال : يرحمك الله يا أمير المؤمنين هلا أعلمتني أنَّكَ الخليفةُ ؟ فقال لا حرجَ عليك يا أخي . وقد تقدَّم أنَّ سعداً رضي الله عنه كان به قروحٌ وعِرقُ النّسا ، فمنعَهُ من شهودِ القتال ، لكنه جالسٌ في رأس القصر ينظرُ في مصالح الجيش ، وكان مع ذلك لا يُغلقُ عليه بابَ القصر ( لشجاعته ) ، ولو فرَّ الناسُ لأخذته الفُرسُ قبضاً باليد ، لا يمتنع منهم ، وعنده امرأتُه سلمى بنت خصفة التي كانت قبله عند المُثنَّى بن حارثة ، فلما فَرَ بعضُ الخيل يومئذٍ فزعتْ وقالت : وامُثَنياه ولا مُثَنَّى لي اليوم . فغضبَ سعدٌ من ذلك ولطمَ وجهها ، فقالت : أغيرةُ وجبناً - يعني أنها تعيِّره بجلوسه في القصر يوم الحرب - وهذا عناد منها ، فإنها أعلم الناس بعذره وما هو فيه من المرض المانعُ(١) من ذلك. وكان عنده في القصر رجلٌ مسجونٌ على الشراب كان قد حُدَّ فيه مراتٍ متعددةٍ ، يقالُ سبعَ مراتٍ ، فأمر به سعدٌ فَقُيِّدَ وأُودِعَ في القصر ، فلما رأى الخيول تجول حول حمى القصر وكان من الشُّجعان الأبطال قال(٢): [ من الطويل ] وأُتْرَكْ مَشْدُوداً عَليَّ وِثَاقيا كفَى حزناً أنْ تدحمَ الخيلَ بالفتى (٣) مصاريعُ من دوني تصمُّ المناديا إذا قمتُ غنّاني الحديدُ وغُلّقَتْ (٤) وقدْ تركوني مفردا٥ً) لا أَخا ليا٦) وقدْ كنتُ ذا مالٍ كثيرٍ وإخوةٍ ثم سأل من زَبْراء(١) أم ولد سعد أن تطلقه وتعيره فرس سعد ، وحلف لها أنه يرجع آخر النهار فيضع رجله في القيد فأطلقته ، وركب فرس سعد وخرج فقاتل قتالاً شديداً ، وجعل سعد ينظر إلى فرسه فيعرفها وينكرها٨) ويشبهه بأبي محجن ولكن يشك لظنه أنه في القصر موثق ، فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في قيدها ونزل سعد فوجد فرسه يعرق فقال : ما هذا ؟ فذكروا له قصة أبي محجن فرضي عنه وأطلقه رضي الله عنهما . (١) في أ : المتتابع. (٢) في أ: فقال. والأبيات كما هنا عدداً ورواية في تاريخ الطبري (٣/ ٥٧٥)، وهي أربعة فيه (٥٤٨/٣) وسبعة في الأغاني (١٩/ ٥) وهي عشرة في منح المدح ص (٢٨٩ - ٢٩١). في تاريخ الطبري والأغاني : أن تردي الخيل بالقنا . وفي منح المدح : أن تلتقي البيض بالقنا . (٣) فى أ : وأطلقت ؛ ولا معنى لها . وفي تاريخ الطبري والمنح : وأغلقت . (٤) في تاريخ الطبري والأغاني والمنح : واحداً . (٥) (٦) بعده في الطبري بيت ، وبعده في الأغاني أربعة ، وبعده في المنح : سبعة . (٧) في تاريخ الطبري ( ٥٤٨/٣) والأغاني (٥/١٩): سلمى بنت أبي حفصة. (٨) في أ: ثم ينكرها وشبهه. وهي كما هنا في تاريخ الطبري ( ٣/ ٥٧٥).