Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
وقعة جرت بالعراق
فملَّكوا عليهم أختها ((آزَرْمِيدُخْت زنان)) فلم ينتظم لهم أمرٌ، فملَّكوا عليهم (( سابور بن شهريار))،
وجعلوا أمره إلى الفَرُخْزاذ بن البِنْدوان فزوَّجه سابور بابنة كسرى « آزرميدخت» ( فكرهت ذلك وقالتْ :
إنّما هذا عبدٌ من عبيدنا . فلمَّا كان ليلة عُرْسها عليه همُّوا إليه فقتلوه ، ثم ساروا إلى سابور فقتلوه أيضاً .
وملَّكوا عليهم هذه المرأة وهي ((آزرْمِيدُخْت))) ابنة كسرى. ولعبت فارس بملكها لعباً كثيراً، وآخر
ما استقرّ أمرُهم عليه ( في هذه السنة) أن ملّكوا امرأةً وقد قال رسول الله وَ لَهُ: ((لن يُفْلِح قومٌ ولَّوْا أمرَهم
امرأةً (١) . وفي هذه الوقعة التي ذكرنا يقول عبدة بن الطبيب السَّعديّ(٢)، وكان قد هاجر المهاجرة حليلة
( له ) حتى شهد وقعةَ بابل هذه، فلما آيسته رجع إلى البادية وقال(٣) : [ من البسيط ]
أمْ أنتَ عَنْها بَعِيدُ الدَّارِ مَشْغُولٌ
هَلْ حَبْلُ خَوْلَة بَعْدَ البَيْنِ مَوصُولُ
ولِلنَّوى قَبْلَ يَوْمِ البَيْن تَأْويلُ
وَلِلأحبَّةِ أَيَّامٌ تَذَكَّرُها
دونَ المدينة٤ِ) فيهَا الدِّيكُ والفِيلُ
حَلَّتْ خُوَيْلةُ في حيٍّ عَهِدْتُهُمُ
منه فوارسُ لا عُزْلٌ ولا ميلُ
يُقارعُونَ رُؤوسَ العُجْمُ(٥) ضَاحِيَةً
وقد قال الفرزدق في شعره يذكر قتل المثنى ذلك الفيل(٦): [ من الطويل ]
وبيتُ المُثَنَّى قاتِلِ الفيلِ عَنْوةً ببابلَ إذْ فِي فَارسٍ مُلْكُ بَابِلٍ
ثُمَّ إِنَّ المُثَنَّى بن حارثة استبطأ أخبارَ الصدِّيق لتشاغله بأهل الشام ، وما فيه من حربِ اليرموك المتقدم
ذكره ، فسار المثنى بنفسه إلى الصديق ، واستناب على العراق بشير بن الخصاصيَّة ، وعلى المسالح سعيدَ
ابن مُرَّة العِجْلي ، فلما انتهى المُثنّى إلى المدينة وجد الصدِّيق في آخر مرض الموت . وقد عهد إلى عمر
ابن الخطاب ، ولما رأى الصديق المثنى قال لعمر : إذا أنا متُّ فلا تمسين حتى تندب الناسَ لحربِ أهل
العراق مع المثنى ، وإذا فتح الله على أمرائنا بالشام فأردد أصحابَ خالد إلى العراق فإنهم أعلم بحربه .
فلما مات الصدِّيقُ ندبَ عمرُ المسلمين إلى الجهاد بأرض العراق لقلة من بقيَ فيه من المُقاتلة بعد خالد
ابن الوليد، فانتدب خلقاً وأمَّرَ عليهم أبا عبيدة بن مسعود ، وكان شاباً شجاعاً ، خبيراً بالحرب والمكيدة.
وهذا آخر ما يتعلق بخبر العراق إلى آخر أيام الصدِّيق وأول دولة الفاروق .
(١) الحديث رواه البخاري في صحيحه (٤٤٢٥) كتاب المغازي، وأحمد في مسنده (٤٣/٥ و٤٧).
(٢) هو عبدة بن يزيد بن عمرو بن علي المعروف بعبدة بن الطبيب ، من تميم. شاعر فحل ، من مخضرمي الجاهلية
والإسلام ، كان أسود شجاعاً ، شهد الفتوح وقتال الفرس مع المثنى بن حارثة بالمدائن ، توفي سنة ٢٥ هـ . الشعر
والشعراء (٢٧٩) والأغاني ( ١٦٣/١٨) والإصابة (١٠٠/٣) ولقب أبيه : الطبيب. ووقع لقب أبيه في بعض
المصادر ، ومنها الإصابة : الطيِّب ، وهو تحريف .
الأبيات في تاريخ الطبري (٤١٢/٣-٤١٣) والأول والأخير في الإصابة (١٠٠/٣).
(٣)
(٤)
في تاريخ الطبري : دون المدائن .
(٥)
في الإصابة : الفرس .
البيت في ديوان الفرزدق - دار صادر - (١١٢) برواية : وبيت المثنى عاقر الفيل .
(٦)

١٠٢
خلافة عمر بن الخطاب
خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه
كانت وفاة الصدِّيق رضي الله عنه في يوم الإثنين عشيةً ، وقيل بعدَ المغرب ودفن من ليلته ، وذلك
لثمانٍ بقينَ من جمادى الآخرة سنة ثلاثَ عشرةَ بعد مرض خمسة عشر يوماً ، وكان عمر بن الخطاب يصلي
عنه فيها بالمسلمين ، وفي أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب ، وكان الذي كتب
العهد عثمان بن عفان ، وقرىء على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا .
فكانت خلافة الصدِّيق سنتين وثلاثة أشهر ، وكان عمره يوم توفي ثلاثاً وستين سنة ، للسن الذي توفي
فيه رسول الله وَّل، وقد جمع الله بينهما في التربة، كما جمع بينهما في الحياة ، فرضي الله عنه وأرضاه .
وقال محمد بن سعد(١) : عن أبي قطن عمرو بن الهيثم ، عن ربيع بن حسان(٢) الصائغ ، قال :
كان نقش خاتم أبي بكر (( نعم القادر الله)). وهذا غريب .
وقد ذكرنا ترجمة الصدِّيق رضي الله عنه ، وسيرته (٣) وأيامه وما روى من الأحاديث ، وما روي عنه
من الأحكام في مجلد ولله الحمد والمنة .
فقام بالأمر من بعده أتمَّ القيام الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وهو أوّلُ من
سُمِّي بأمير المؤمنين ، وكان أول من حيّاه بها المغيرةُ بن شعبة ، وقيل غيره كما بسطنا ذلك في ترجمة
عمر بن الخطاب وسيرته التي أفردناها٤) في مجلد ، ومسنده والآثار المروية مرتباً على الأبواب في مجلد
آخر ولله الحمد .
وقد كتب بوفاة الصدِّيق إلى أمراء الشام مع شدَّاد بن أوس، ومَحْميَة بن جَزْء(٥) ، فوصلا والناس
مصافون جيوش الروم يوم اليرموك كما قدمنا . وقد أمَّر ( عمر ) على الجيوش أبا عبيدة ( حين ولاه )
وعزل خالد بن الوليد .
وذكر سلمةُ عن محمد بن إسحاق :
طبقات ابن سعد ( ١٧٣/٣ ).
(١)
في أ : عمرو بن الهيثم بن ربيع بن حبان الصائغ .
(٢)
(٣)
في أ : وخيرته وأيامه .
في أ : أوردناها .
(٤)
في أ : محنة بن جريج ، وفي ط : محمد بن جريج ؛ وكلاهما خطأ، والصحيح ما أثبتناه عن تاريخ الطبري
(٤٣٤/٣) وترجمة محمية هذا في الاستيعاب (١٣٤٣) وجامع الأصول (١٥/ ١٨٠) والإصابة (٣٨٨/٣).
(٥)

١٠٣
خلافة عمر بن الخطاب
أن عمر إنما عزل خالداً لكلامُ(١) بلغه عنه، ولِما كان من أمر مالك بن نُويرة ، وما كان يعتمده في
حربه . فلما ولي عمر كان أولَ ما تكلّم به أن عزل خالداً ، وقال : لا يلي لي عملاً أبداً . وكتب عمر إلى
أبي عبيدة : إن أكذب خالد نفسه فهو أمير على ما كان عليه ، وإن لم يكذب نفسه فهو معزول ، فانزع
عمامته عن رأسه وقاسمه ماله نصفين . فلما قال أبو عبيدة ذلك لخالد قال له خالد : أمهلني حتى أستشير
أختي ، فذهب إلى أخته فاطمة - وكانت ( تحت ) الحارث بن هشام - فأستشارها في ذلك ، فقالت له :
إن عمر لا يحبك أبداً ، وإنه سيعزلك وإن كذبت نفسك . فقال لها : صدقت والله . فقاسمه أبو عبيدة
حتى أخذ [ إحدى ]٢) نعليه وترك له الأخرى(٣)، وخالد يقول سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين .
وقد روى ابن جرير(٤) عن صالح بن كيسان أنه قال : كان أولَ كتابٍ كتبه عمرُ إلى أبي عبيدة حين ولاه
وعزل خالداً أن قال : (( وأوصيك بتقوى الله الذي يَبْقى ويَفْنى ما سواه ، الذي هدانا من الضلالة ،
وأخرجنا من الظلمات إلى النور ، وقد استعملتك على جُنْد خالد بن الوليد فقم بأمرهم الذي يحق عليك ،
لا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة ، ولا تنزلهم منزلاً قبل أن تَسْتريده(٥) لهم وتعلم كيف مأتاه ، ولا
تبعث سرية إلَّ في كَثْفٍ(٦) من الناس ، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة ، وقد أبلاك الله بي وأبلاني
بك، فَغُضَّ بصرَكَ عن الدنيا، وألْهِ قلبَكَ عنها، وإياكَ أن تُهْلِكَكَ(٧) كما أهلكت منْ كانَ قبلكَ ، فقد
رأيت مصارعَهم . وأمرهم بالمسير إلى دمشق)).
وكان بعدما بلغه الخبر بفتح اليرموك وجاءته به البشارةُ ، وحُمل الخُمس إليه .
وقد ذكر ابن إسحاق أن الصحابةَ قاتلوا بعد اليرموك بأجنادين ثم بفِحْلٍ من أرض الغور قريباً من بيسان
بمكانٍ يقال له الرَّدَغة(٨) سمي بذلك لكثرة ما لقوا من الأوحال فيها ، فأغلقوها عليهم ، وأحاط بها
الصحابةُ .
قال : وحينئذ جاءت الإمارة لأبي عبيدة من جهة عمر وعُزِلَ خالدٌ ، وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من
مجيء الإمارة لأبي عبيدة في حصار دمشق هو المشهور .
(١) في أ : أن عمر لما عزل خالداً بكلام .
(٢) كذا في ط : وسقطت اللفظة من أ .
في ط : الآخرة ، وفي تاريخ الطبري ( ٤٣٧/٣) فأخذ نعلاً وأعطاه نعلاً .
(٣)
(٤)
تاريخه (٣ /٤٣٤ ).
في أ : تستزيده ؛ تحريف ، وراد لهم روداً ورياداً ، وارتاد واستراد ، والرود مصدر فعل الرائد وهو الذي يرسل في
(٥)
التمام النجعة وطلب الكلأ . اللسان ( رود ) .
في أ : كتف ، وفي ط : كنف ، وما هنا عن الطبري ( ٣/ ٤٣٤) أي في حشد وجماعة . اللسان ( كثف ).
(٦)
(٧) في ط : تهلك وما هنا عن أ ويوافق ما عند الطبري .
(٨) الرَّدْغَةُ والرَّدَغَةُ والرَّدغ: الماء والطين والوحل الكثير الشديد. اللسان (ردغ).

١٠٤
ذکر فتح دمشق
[ ذكر ] فتح دمشق
قال سيف بن عمر (١) :
لما ارتحل أبو عبيدة من اليرموك فنزل بالجنود على مرج الصُّفَّر وهو عازم على حصار دمشق إد(٢) أتاهُ
الخبرُ بقدوم مددهم من حمص ، وجاءه الخبرُ بأنَّه قد اجتمع طائفةٌ كبيرةٌ(٣) من الروم بفِحْلٍ من أرض
فلسطين ، وهو لا يدري بأي الأمرين يبدأ . فكتب إلى عمر في ذلك ، فجاء الجواب أن أبدأ بدمشق فإنها
حصنُ الشام وبيتُ مملكتهم ، فانهد لها وأشغلوا عنكم أهل فِحْلٍ بخيولٍ تكون تلقاءهم ، فإن فتحَها اللهُ
قبلَ دمشق فذلك الذي نحبُّ(٤)، وإن فُتحت دمشقُ قبلَها فسرْ أنت ومن معكَ واستخلفْ على دمشقَ ، فإذا
فتح الله عليكم فِحْلَ(٥) فسر أنت وخالد إلى حمص وأترك عمراً وشرحبيل على الأردن وفلسطين .
قال : فسرّح أبو عبيدة إلى فِحْل عشرةَ أمراء ، مع كلِّ أميرٍ خمسة أمراء ، وعلى الجميع عمارة بن
مخشي الصحابي ، فساروا من مرج الصُّفّر إلى فِحْل فوجدوا الروم هنالك قريباً من ثمانين ألفاً ، وقد
أرسلوا المياه حولهم حتَّى أرْدَغَتِ الأرض(٦) فسموا ذلك الموضع الرَّدَغة، وفتحها اللهُ على المسلمين
فكانت أولَ حصنٍ فُتح قبل دمشق على ما سيأتي تفصيله .
وبعث أبو عبيدة جيشاً يكون بين دمشق وبين فلسطين ، وبعث ذا الكلاع في جيش يكون بين دمشق
وبين حمص ليرد من يرد إليهم من المدد من جهة هرقل . ثم سار أبو عبيدة من مرج الصُّفَّر قاصداً دمشق ،
وقد جعل خالد بن الوليد في القلب ، وركب أبو عبيدة وعمرو بن العاص في المجنبتين ، وعلى الخيل
عياض بن غَنْم ، وعلى الرَّجَّالة شرحبيل بن حسنة ، فقدموا دمشق وعليها نِسطاس بن نُسْطُوُرس(٧) ، فنزل
خالد بن الوليد على الباب الشرقي وإليه باب كيسان أيضاً ، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية ( الكبير ،
ونزل يزيد بن أبي سفيان على باب الجابية ) الصغير ، ونزل عمرو بن العاص ، وشرحبيل بن حسنة على
بقية أبواب البلد، ونصبوا المجانيق والدَّبابات ، وقد أرصد أبو عبيدة أبا الدرداء على جيش ببرزة ردءاً
تاريخ الطبري ( ٤٣٦/٣).
(١)
في ط : إذا .
(٢)
(٣)
في أ : كثيرة .
في ط : يحب وهي مهملة النقط في أ، وما هنا عن الطبري (٤٣٨/٣).
(٤)
(٥) قال ياقوت في معجمه (٤/ ٢٣٧) : اسم موضع بالشام ، كانت فيه وقعة للمسلمين مع الروم ، ويوم فحل مذكور
في الفتوح ، وأظنه عجمياً ، لم أره في كلام العرب ، قتل فيه ثمانون ألفاً من الروم ، وكان بعد فتح دمشق بعام
واحد . أما الطبري فقد صرفها في قوله: وزعم أن فحلاً كانت بعد دمشق. تاريخه ( ٤٤١/٣ ) .
(٦) أرْدَغتِ الأرض : كثر رِداغُها. والرِّداغ جمع رَدَغة وهي الماء والطين والوحل الشديد. القاموس (ردغ) .
(٧) في أ: قسطاس بن بسطوس، وفي ط : نسطاس بن نُسْطُوس، وما هنا عن تاريخ الطبري (٤٣٨/٣) والضبط
عنه .

١٠٥
ذكر فتح دمشق
له ، وكذا الذي بينه وبين حمص وحاصروها حصاراً شديداً سبعين ليلة ، وقيل أربعة أشهر ، وقيل ستة
أشهر ، وقيل أربعة عشر شهراً ، فالله أعلم .
وأهل دمشق ممتنعون منهم غاية الامتناع ، ويرسلون إلى ملكهم هرقل - وهو مقيمٌ بحمص - يطلبون
منه المددَ فلا يمكن وصولُ المدد إليهم من ذي الكلاع ، الذي قد أرصده أبو عبيدة رضي الله عنه بين دمشق
وبين حمص - عن دمشق ليلة - فلما أيقنَ أهلُ دمشق أنه لا يصلُ إليهم مدد أبلسو(١) وفشلوا وضعفوا ،
وقويَ المسلمون واشتدَّ حصارهم .
وجاء فصل الشتاء واشتدّ البردُ وعسر الحال وعسر القتال ، فقدر الله الكبير المتعال ، ذو العزة
والجلال ، أنْ وُلد لبطريقِ دمشق مولودٌ في تلك الليالي فصنع لهم طعاماً وسقاهم بعده شراباً . وباتوا عنده
في وليمته قد أكلوا وشربوا وتعبوا فناموا عن مواقفهم ، واشتغلوا عن أماكنهم ، وفطن لذلك أميرُ الحرب
خالد بن الوليد، فإنه كان لا ينام ولا يترك أحداً ينام ، بل مراصد لهم ليلاً ونهاراً ، وله عيون وقُصّاد
يرفعون إليه أحوال المقاتلة صباحاً ومساءً . فلما رأى جَمْدة تلك الليلة ، وأنه لا يقاتل على الُّور أحدٌ كان
قد أعدَّ سلالم من حبال ، فجاء هو وأصحابه من الصناديد الأبطال ، مثل القعقاع بن عمرو ، ومذعور بن
عدي ، وقد أحضر جيشه عند الباب وقال لهم : إذا سمعتُم تكبيرنا فوقَ السّور فأرقوا إلينا . ثم نهد هو
وأصحابه فقطعوا الخندق سباحة بقِربٍ في أعناقهم ، فنصبوا تلك السلالم وأثبتوا أعاليها بالشرفات ،
وأكدوا أسافلها خارج الخندق ، وصعِدوا فيها ، فلما استوو(٢) على السور رفعوا أصواتهم بالتكبير ،
وجاء المسلمون فصعدوا في تلك السلالم ، وانحدر خالد وأصحابه الشجعان من السّور إلى البوّابين
فقتلوهم ، وقطع خالد واصحابه أغاليقَ الباب بالسيوف ، وفتحوا الباب عنوةً ، فدخل الجيشُ الخالديُّ من
الباب الشرقي . ولمّا سمع أهلُ البلد التكبير ثاروا ، وذهبَ كلُّ فريق إلى أماكنهم من السور ، لا يدرون
ما الخبر ، فجعل كلما قدم أحدٌ من أصحاب الباب الشرقي قتله أصحاب خالد ، ودخل خالد البلدة(٣)
عنوةً فقتل منْ وجده . وذهب أهل كل باب فسألوا من أميرهم الذي عند الباب من خارج الصلح - وقد كان
المسلمون دعوهم إلى المشاطرة فيأبون عليهم - فلما دعوهم إلى ذلك أجابوهم . ولم يعلم بقيةُ الصحابة
ما صنعَ خالدٌ . ودخل المسلمون من كل جانبٍ وبابٍ ، فوجدوا خالداً وهو يقتل من وجده، فقالوا له :
إنا قد أمَّاهم ، فقال : إني فتحتُها عنوةً . والتقت الأمراء في وسط البلد عند كنيسة المقسلاط بالقرب من
درب الريحان اليوم .
هكذا ذكره سيف بن عمر وغيره وهو المشهور أن خالداً فتح الباب قسراً .
أبلس : يئس وتحيّر . القاموس ( بلس ) .
(١)
(٢)
من قوله : وصعدوا .. إلى هنا . مستدرك في هامش أ.
في أ : الباب .
(٣)

١٠٦
الكنائس التي تركت لأهل دمشق
وقال آخرون : بل الذي فتحها عنوةً أبو عبيدة . وقيل يزيد بن أبي سفيان ، وخالد صالحَ أهلَ البلد
فعكسوا المشهور المعروف ، والله أعلم .
وقد اختلف الصحابةُ ، فقال قائلون هي صلح - يعني على ما صالحهم الأمير ( في الأمر وهو
أبو عبيدة - وقال آخرون: بل هي عنوة ، لأن خالداً افتتحها بالسيف ) أولاً كما ذكرنا ، فلما أحسوا بذلك
ذهبوا إلى بقية الأمراء ومعهم(١) أبو عبيدة فصالحوهم ، فاتفقوا فيما بينهم على أن جعلوا نصفَها صلحاً
ونصفَها عنوةً ، فملك أهلها نصف ما كان بأيديهم وأقروا عليه ، واستقرت يدُ الصحابة على النصف .
ويُقوِّي هذا ما ذكره سيفُ بن عمر(٢) من أن الصحابة كانوا يطلبون إليهم أن يصالحوهم على المشاطرة
فيأبون ، فلما أحسّوا باليأس أنابوا إلى ما كانت الصحابةُ دعوهم إليه فبادروا إلى إجابتهم ، ولم تعلم
الصحابة بما كان من خالد إليهم ، والله أعلم .
[ الكنائس التي تركت لأهل دمشق ]
ولهذا أخذ الصحابةُ نصفَ الكنيسة العظمى التي كانت بدمشق وتعرف (( بكنيسة يوحنا)) فاتخذوا
الجانب الشرقي منها مسجداً ، وأبقوا لهم نصفها الغربي كنيسة ، وقد أبقوا لهم مع ذلك أربع عشرة كنيسة
أخرى مع نصف الكنيسة المعروفة (( بيوحنا))، وهي جامع دمشق اليوم . وقد كتب لهم٣) بذلك خالد بن
الوليد كتاباً ، وكتب فيه شهادته أبو عبيدة وعمرو بن العاص ويزيد وشرحبيل :
إحداها كنيسة المقسلاط(٤) التي اجتمع عندها أمراء الصحابة ، وكانت مبنية على ظهر السوق الكبير ،
وهذه القناطر المشاهدة في سوق الصابونيين من بقية القناطر التي كانت تحتها ، ثم بادت فيما بعد وأخذت
حجارتها في العمارات .
الثانية : كنيسة كانت في رأس درب القرشيين وكانت صغيرة ، قال الحافظ ابن عساكر(٥) : وبعضها
باقٍ إلى اليوم وقد تشعثت .
الثالثة : كانت بدار البطيخ العتيقة(٦) . قلت : وهي داخل البلد بقرب الكوشك ، وأظنها هي المسجد
الذي قبل هذا المكان المذكور ، فإنها خربت من دهر ، فالله أعلم .
في أ : ومنهم .
(١)
(٢)
تاريخ الطبري ( ٤٤٠/٣) .
يلاحظ أن الورقتين اللتين تبدأان بهذه اللفظة ورقمهما ١٦٧ و١٦٨ غير واضحتين بسبب الحبر الذي طمس كثيراً من
(٣)
الكلمات أحياناً والحروف أحياناً أخرى .
(٤)
تاريخ دمشق (١٢٩/٢ و١٣٠).
تاريخ دمشق ( ١٣٠/٢ ).
(٥)
في تاريخ دمشق (١٢٩/٢): بحضرة سوق الفاكهة. وفي (٢/ ١٣٠): وأما التي بسوق الفاكهة فكانت في دار
البطيخ فخربت .
(٦)

١٠٧
الكنائس التي تركت لأهل دمشق
الرابعة : كانت بدرب بني نصر بين درب الحبالين ودرب التميمي . قال الحافظ ابن عساكر(١): وقد
أدركت بعض بنيانها ، وقد خرب أكثرها .
الخامسة : كنيسة بولص ، قال ابن عساكر(٢) : وكانت غربيَّ القيساريةِ الفخرية [ خربت ] وقد
أدركت من بنيانها بعض أساس الحنيّة .
السادسة : كانت في موضع دار الوكالة وتعرف ( اليوم ) بكنيسة القلانسيين . قلت : والقلانسيين هي
الخواصين(٣) اليوم(٤) .
السابعة : التي بدرب السقيل اليوم وتعرف بكنيسة حميد بن درة سابقاً ، لأن هذا الدرب كان أقطاعاً له
وهو حميد بن عمرو بن مساحق القرشي العامري ، ودرة أمه ، وهي درّة ابنة [ أبي ] هاشم بن عتبة بن
ربيعة ، فأبوها خال معاوية . وكان قد أقطع هذا الدرب فنسبت هذه الكنيسة إليه ، وكان مسلماً ، ولم يبق
لهم اليوم سواها ، وقد خرب أكثرها .
ولليعقوبية منهم كنيسة داخل باب توما بين رحبة خالد - وهو خالد بن أسيد بن أبي العاص(٥) - وبين
درب طلحة بن عمرو بن مرة الجهني ، وهي الكنيسة الثامنة .
وكانت لليعقوبيين كنيسة أخرى فيما بين درب التنوي وسوق علي . قال ابن عساكر(٦) : قد بقي من
بنائها بعضه ، وقد خربت منذ دهر . وهي الكنيسة التاسعة .
وأما العاشرة فهي الكنيسة المصلبة . قال الحافظ ابن عساكر(٧): وهي باقية إلى اليوم بين الباب
الشرقي وباب توما بقرب النيبطن عند السور . والناس اليوم يقولون النيبطون . قال ابن عساكر : وقد
خرب أكثرها ، هكذا قال . وقد خربت هذه الكنيسة وهدمت في أيام صلاح الدين فاتح القدس بعد الثمانين
وخمسمئة بعد موت الحافظ ابن عساكر رحمه الله .
الحادية عشرة : كنيسة مريم داخل الباب الشرقي. قال ابن عساكر(٨) : وهي من أكبر ما بقي
بأيديهم . قلت : ثم خربت بعد موته بدهر في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري على
ما سيأتي بيانه .
(١) تاريخ دمشق (١٣٠/٢ - ١٣١).
تاريخ دمشق (١٣١/٢) والاستدراك عنه .
(٢)
في ط : الحواحين ؛ تحريف ، والتصحيح من تاريخ دمشق (٢/ ١٥٤).
(٣)
(٤) أضاف بعدها ابن عساكر (٢/ ١٣١) : فكانت موضع دار الوكالة فخربت .
في ط : العيص؛ خطأ. تاريخ ابن عساكر (١٣١/٢).
(٥)
(٦)
تاريخ دمشق ( ٢ /١٣٠).
تاريخ دمشق (١٣١/٢ - ١٣٢).
(٧)
نفس المصدر (٢ /١٣١ ) .
(٨)

١٠٨
متی فتحت دمشق
الثانية عشرة : كنيسة اليهود التي بأيديهم اليوم في حارتهم(١) ، ومحلها معروف بالقرب من الحير
وتسميه الناس اليوم بستان القط .
وكانت لهم كنيسة في درب البلاغة لم تكن داخلة في العهد فهدمت فيما بعد ، وجعل مكانها المسجد
المعروف بمسجد ابن الشهرزوري(٢) ، والناس اليوم يقولون درب الشاذوري.
قلت : وقد أخربت لهم كنيسة كانوا قد أحدثوها لم يذكرها أحد من علماء التاريخ لا ابن عساكر
ولا غيره ، وكان إخرابها في حدود سنة سبع عشرة وسبعمئة ولم يتعرض الحافظ ابن عساكر لذكر كنيسة
السامرة بمرَّة .
ثم قال ابن عساكر(٣) : ومما أحدث - يعني النصارى - كنيسة بناها أبو جعفر المنصور لبني قطيطا في
الفورنق (٤) ، وقد أُخربتْ فيما بعد وجعلت مسجداً يعرف بمسجد الجينيق(٥) وهو مسجد أبي اليمن .
قال(٦): ومما أحدث كنيستها(٧) العباد إحداهما عند دار ابن الماشلي(٨) وقد جعلت مسجداً.
والأخرى التي في رأس درب النقاشين وقد جعلت مسجداً .
انتهى ما ذكره الحافظ ابن عساكر الدمشقي رحمه الله .
[ متى فتحت دمشق ]
قلت : وظاهر سياق سيف بن عمر يقتضي أن فتح دمشق وقع في سنة ثلاث عشرة ، ولكن نص سيف
على ما نص عليه الجمهور من أنها فتحت في نصف رجب سنة أربع عشرة ؛ كذا حكاه الحافظ ابن
عساكر(٩) من طريق محمد بن عائذ القرشي الدمشقي، عن الوليد ( بن مسلم عن عثمان بن
في أ : بحارتهم .
(١)
في ط : السهروردي؛ وهو تحريف؛ والتصحيح من الدارس (٢/ ٣١٧).
(٢)
(٣)
تاريخ دمشق (١٣٠/٢ ).
في ط : بناها أبو جعفر المنصور بني قطيطا في الفريق عند قناة صالح قريباً من دازبها وأرمن اليوم . وما هنا عن أ
(٤)
ويوافق ما في تاريخ دمشق (١٣٠/٢).
وقد حولت هذه الكنيسة إلى مسجد. الأعلاق الخطيرة (١١٤ و٢٧٦) والدارس (٣٢٦/٢ و٣٢٧).
في ط: الجينق؛ خطأ، ، التصويب من تاريخ دمشق (٢ / ٧٠ و٧١). والأعلاق الخطيرة (١١٤ و١١٥ و٢٧٦)
(٥)
والدارس (٣٢٦/٢ و٣٢٧).
أي ابن عساكر في تاريخه (٢/ ١٣٠ و١٣٢).
(٦)
في أ : كنيسة ؛ وهو مخالف للسياق .
(٧)
كذا في الأصلين ، وفي تاريخ دمشق (٢/ ١٣٢) والأعلاق الخطيرة (٢٧٦) : ابن الماشكي .
(٨)
(٩) في تاريخه (١٠٩/٢) ط دار الفكر .

١٠٩
هل فتحت دمشق صلحا أو عنوة
حصن(١) بن عَلاَّق، عن يزيد بن عبيدة قال : فتحت دمشق سنة أربع عشرة . ورواه دحيم عن الوليد ) .
قال : سمعت أشياخاً يقولون : إن دمشق فتحت سنة أربع عشرة .
وهكذا قال سعيد بن عبد العزيز وأبو معشر ومحمد بن إسحاق ومعمر والأموي وحكاه عن مشايخه
وابن الكلبي وخليفة بن خياط (٢) وأبو عبيد القاسم بن سلام، إن فتح دمشق كان في سنة أربع عشرة .
وزاد سعيد بن عبد العزيز وأبو معشر والأموي : وكانت اليرموك بعدها بسنة .
وقال بعضهم : ( بل ) كان فتحها في شوال سنة أربع عشرة .
وقال خليفة : حاصرهم أبو عبيدة في رجب وشعبان ورمضان وشوال وتم الصلح في ذي القعدة .
وقال الأموي في (( مغازيه)) : كانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى ، ووقعة فِحل في ذي القعدة من
سنة ثلاث عشرة - يعني ووقعة دمشق سنة أربع عشرة - .
وقال دحيم عن الوليد : حدَّثني الأموي أن وقعة فِحْل وأجْنادين كانت في خلافة أبي بكر ، ثم مضى
المسلمون إلى دمشق فنزلوا عليها في رجب سنة ثلاث عشرة ، يعني ففتحوها في سنة أربع عشرة . وكانت
اليرموك سنة خمس عشرة ، وقدم عمر إلى بيت المقدس سنة ست عشرة .
فصل : [ هل فتحت دمشق صلحاً أو عنوة ]
واختلف العلماءُ في دمشقَ هل فُتحت صُلْحاً أو عنوة ؟ فأكثرُ العلماء على أنَّه استقرَّ أمرُها على
الصلح ، لأنهم شكُّوا في المتقدم على الآخر أفتحت عنوةً ثم عدَلَ الرومُ إلى المصالحة ، أو فُتحت
صلحاً ، أو اتّفق الاستيلاءُ من الجانب الآخر قسراً ؟ فلما شكُّوا في ذلك جعلوها صلحاً احتياطاً .
وقيل : بل جُعل نصفُها صلحاً ونصفُها عنوةً ، وهذا القول قد يظهر من صنع الصحابة في الكنيسة
العظمى التي كانت أكبر معابدهم حين أخذوا نصفها وتركوا لهم نصفها ، والله أعلم(٣) .
ثم قيل : إن أبا عبيدة هو الذي كتب لهم كتابَ الصلح ، وهذا هو الأنسبُ والأشهرُ ، فإن خالداً كان
قد عزل عن الإمرة ، وقيل : بل الذي كتب لهم الصلحَ خالد بن الوليد ، ولكن أقرَّهُ على ذلك أبو عبيدة
فالله أعلم(٤) .
وذكر أبو حذيفة إسحاق بن بشر أن الصدِّيقَ توفي قبلَ فتح دمشق ، وأنَّ عمرَ كتب إلى أبي عبيدة يُعَزّيه
(١) في ط : حصين بن غلاق ، وفي تاريخ دمشق : خضر عن علاف ؛ وكلاهما تحريف . وحصن بن علاَّق . من
رجال التهذيب .
(٢)
تاريخ خليفة بن خياط ( ١٢٥ - ١٢٦ ).
(٣)
تاريخ الطبري (٤٤٠/٣).
تاريخ خليفة بن خياط ( ١٢٥ - ١٢٦ ).
(٤)

١١٠
متى كان إمداد خالد ؟ - بعثناه بريدا فعاد أميرا
والمسلمين في الصدِّيق ، وأنه قد استنابه على منْ بالشام ، وأمره أن يستشير خالداً في الحرب ، فلما وصلَ
الكتابُ إلى أبي عبيدة كتمهُ من خالد حتى فُتحت دمشقُ بنحو من عشرين ليلةً ، فقال له خالدٌ : يرحمك
الله، ما منعك أن تعلمني حين جاءك ؟ فقال : إني كرهتُ أن أكسر عليك (١) حربكَ، وما سلطان الدنيا
أريدُ ، ولا للدنيا أعملُ، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع، وإنّما نحن أخَوان ، وما يضرُّ الرجل أن
يليه أخوه في دينه ودنياه .
[ هل كان إمداد خالد زمن أبي بكر أم زمن عمر ]
ومن أعجب ما يُذْكرُ هاهنا ما رواه يعقوب بن سفيان الفسوي (٢): حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا
عبد الملك بن محمد ، حدَّثنا راشد بن داود الصنعاني ( حدَّثني أبو عثمان الصنعاني ) شراحيل بن مرثد ،
قال :
بعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى أهل اليمامة ، وبعثَ يزيد بن أبي سفيان إلى الشام ، فذكر الراوي
قتالَ(٣) خالد لأهل اليمامة إلى أن قال : ومات أبو بكر واستُخلف عمر ، فبعث أبا عبيدة إلى الشام فقدم
دمشق فاستمدَّ أبو عبيدة عمر فكتب عمر إلى خالد بن الوليد أن يسير إلى أبي عبيدة بالشام . فذكر مسير
خالد من العراق إلى الشام كما تقدم ، وهذا غريب جداً ، فإنَّ الذي لا يُشكَ فيه أن الصديقَ هو الذي بعث
أبا عبيدة وغيره من الأمراء إلى الشام ، وهو الذي كتب إلى خالد بن الوليد أن يقدم من العراق إلى الشام
ليكون مدداً لمن به وأميراً عليهم ، ففتح الله تعالى عليه وعلى يديه جميعَ الشام على ما سنذكره إن شاء
الله تعالى .
[ بعثناه بريداً فعاد أميراً ]
وقال محمد بن عائذ : قال الوليد بن مسلم : أخبرني صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن
جبير بن نفير :
أن المسلمين لما افتتحوا مدينة دمشق بعثوا أبا عبيدة ( بن الجراح ) وافداً إلى أبي بكر بشيراً بالفتح ،
فقدمَ المدينةَ فوجد أبا بكر قد تُوفي واستُخْلفَ عُمر بن الخطاب ، فأعظم أن يتأمَّر أحد من الصحابة(٤) عليه
فولاه جماعة الناس ، فقدم عليهم فقالوا : مرحباً بمن بعثناه بريداً فقدم علينا أميراً .
(١) في أ : عنك .
(٢) المعرفة والتاريخ (٣١٥/٢ -٣١٦).
(٣) في ط : فقال .
(٤) في أ : أصحابه.

١١١
مسألة فقهية في المسح على الخفين - فتح البقاع وبيروت وتدمر
[ مسألة فقهية في المسح على الخفين ]
وقد روى الليثُ وابنُ لهيعة وحيوة بن شريح ومفضل بن فضالة وعمر بن الحارث وغير واحد عن
يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحكم عن عُلَيّ بن رباح عن عقبة بن عامر :
أنه بعثه أبو عبيدة بريداً بفتح دمشق قال : فقدمت على عمر يوم الجمعة فقال لي : منذ كم لم تنزع
خُفَّيك ؟ فقلت من يوم الجمعة وهذا يوم الجمعة . فقال : أصبت السُّنَّةَ .
قال الليث : وبه نأخذ ، يعني أن المسحَ على الخُفَّيْن للمُسافر لا يتأقَّتُ ، بل له أن يمسحَ عليهما
ما شاء ، وإليه ذهب الشافعي في القديم . وقد روى أحمد وأبو داود عن أَبيّ بن عِمارة مرفوعاً مثل
هذا)
والجمهور على ما رواه مسلم عن علي في تأقيت المسح للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، وللمُقيم يوم
وليله(٢)
ومن الناس من فضَّل بين البريد ومن في معناه وغيره ، فقال في الأول لا يتأقَّت ، وفيما عداه يتأقت
لحديث عقبة (٣) وحديث علي ، والله أعلم .
فصل : [ فتح البقاع وبيروت وتدمر ]
ثم إن أبا عبيدة بعث خالد بن الوليد إلى البقاع ففتحه بالسيف . وبعث سرية فالتقوا مع الروم بعين
ميسنور(٤)، وعلى الروم رجل يقال له (( سنان (٥) تحدر على المسلمين من عقبة بيروت فقتل من
المسلمين يومئذ جماعة من الشهداء فكانوا يسمون (( عين ميسنون)) عين الشهداء . واستخلف أبو عبيدة
(١) لم يرو الإمام أحمد لأبي بن عمارة شيئاً. تهذيب الكمال (٢/ ٢٦٠) بل روى حديثه الطبراني في المعجم الكبير
برقم (٥٤٥) وأبو داود في سننه رقم ( ١٥٨) كتاب الطهارة ، ونص الحديث : قلت : يا رسول الله! أمسح على
الخفين؟ قال: ((نعم يوماً)) قال: قلت: يا رسول الله يوماً؟ قال: ((نعم ويومين ... الحديث،)) وفي آخره :
قال: ((نعم وما شئت)). ورواه ابن ماجه بمعناه (٥٥٧) من طريق عبادة بن نسي ، عنه .
وقد روى الإمام أحمد في مسنده (٢١٣/٥) حديث خزيمة بن ثابت قال: رخص لنا رسول الله وَلير، أن نمسح
ثلاثاً ، ولو استزدناه لزادنا .
(٢) حديث علي رواه مسلم في صحيحه رقم (٨٥) (٢٧٦) كتاب الطهارة. ونصه: قال رسول الله ◌َّقة: للمسافر
ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوم وليلة .
(٣)
حديث عقبة الموقوف هو المتقدم .
في أ: ميستون، ولم نجدها فيما توافر لدينا من كتب البلدان، ولعلها (( ميسون)) التي ذكرها ياقوت في معجم
(٤)
البلدان .
(٥) في أ : سان .

١١٢
فتح سائر مدن دمشق صلحا - وقعة فِحل
على دمشق(١) يزيد بن أبي سفيان كما وعده بها الصديق . وبعث يزيد دِحْيَة بن خليفة إلى تدمر في سرية
ليمهِّدوا أمرها . وبعث(٢) أبا الزهراء القشيري إلى البَثَنِيَّة وحوران فصالح أهلها .
[ فتح سائر مدن دمشق صلحاً ]
قال أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله(٣):
افتتح خالد دمشق صلحاً ، وهكذا سائر مدن الشام كانت صلحاً دون أرضيها . فعلى يدي يزيد بن
أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة . وقال الوليد بن مسلم : أخبرني غير واحد من شيوخ دمشق
بينما هم على حصار دمشق إذ أقبلت خيل من عقبة السلمية مخمرة بالحرير ، فثار إليهم المسلمون فالتقوا
فيما بين بيت لهيا والعقبةُ(٤) التي أقبلوا منها ، فهزموهم وطردوهم إلى أبواب حمص ، فلما رأى أهل
حمص ذلك ظنوا أنهم قد فتحوا دمشق ، فقال لهم أهل حمص إنا نصالحكم على ما صالحتم عليه أهل
دمشق ففعلوا .
وقال خليفة بن خياط(٥) : حدَّثني عبد الله بن المغيرة ، عن أبيه قال : افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن
كلها عنوة ، ما خلا طبرية فإن أهلها صالحوه . وهكذا قال ابن الكلبي . وقالا : بعث أبو عبيدة خالداً
فغلب على أرض البقاع وصالحه أهل بعلبك وكتب لهم كتاباً .
وقال ابن المغيرة عن أبيه : وصالحهم على أنصاف منازلهم وكنائسهم ، ووضع الخراج . وقال ابن
إسحاق وغيره : وفي سنة أربع عشرة فُتحت حمص وبعلبك صلحاً على يدي أبي عبيدة في ذي القعدة ،
قال خليفة : ويقال في سنة خمس عشرة .
وقعة فِحْل
[ بكسر الفاء ، وقيل والحاء، والصحيح تسكينها ]
وقد ذكرها كثيرٌ من علماء السِّيَر قبل فتح دمشق ( وإنما ذكرها الإمام أبو جعفر بن جرير(٦) بعد فتح
دمشق ) وتبع في ذلك سياق سيف بن عمر فيما رواه عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني وأبي حارثة
في أ : على الشام .
(١)
في أ : وبعث يزيداً دحية بن خليفة أبا الزهراء .
(٢)
الخبر في فتوح البلدان للبلاذري ( ١٦٩ ).
(٣)
(٤)
في فتوح البلدان ( ١٧٨) : والثنيَّة .
تاريخه ( ١٢٩ ) .
(٥)
تاريخ الطبري ( ٤٤٢/٣).
(٦)

١١٣
ما وقع بأرض العراق من القتال
القيسى(١) قالا: خلف الناس يزيد بن أبي سفيان في خيله في دمشق وسارو(٢) نحو فحل ، وعلى الناس
الذين هم بالغور شرحبيل بن حَسَنة ، وقد جعل على المقدمة خالد بن الوليد ، وأبو عبيدة على الميمنة ،
وعمرو بن العاص على الميسرة ، وعلى الخيل ضرار بن الأزور ، وعلى الرَّجَّالة عياض بن غنم ، فوصلوا
إلى فِحْل : وهي بلدة بالغور ، وقد انحاز الرومُ إلى بَيْسان، وأرسلوا مياه تلك الأراضي على [ ما ] هنالك
من الأراضي ، فحال بينهم وبين المسلمين ، وأرسل المسلمون إلى عمر يخبرونه بما هم فيه من مصابرة
عدوهم وما صنعَهُ الرومُ من تلك المكيدة ، إلا أن المسلمين في عيش [ رغيد ] ومدد كبير، وهم على أُهبة
من أمرهم .
وأمير هذا الحرب شرحبيل بن حسنة وهو لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة . وظن الروم أن المسلمين
على غِرة ، فركبوا في بعض الليالي ليبيتوهم ، وعلى الروم سقلاب(٣) بن مخراق ، فهجموا على
المسلمين فنهضوا إليهم٤) نهضة رجل واحد لأنهم على أهبة دائماً ، فقاتلوهم حتى الصباح وذلك اليوم
بكماله إلى الليل . فلما أظلمَ الليلُ فرَّ الرومُ وقتل أميرُهم ( سقلاب ) وركب المسلمون أكتافهم وأسلمتهم
هزيمتهم إلى ذلك الوحل(٥) الذي كانوا قد كادوا به المسلمين فغرَّقهم الله فيه ، وقتل منهم المسلمون
بأطراف الرماح ما قارب الثمانين ألفاً لم ينجُ منهم إلا الشريد ، وغنموا منهم شيئاً كثيراً ومالاً جزيلاً .
وانصرف أبو عبيدة وخالد بمن معهما من الجيوش نحو حمص كما ( أمر ) أميرُ المؤمنين عمر بن
الخطاب . واستخلف أبو عبيدة على الأردن شرحبيل بن حَسَنة ، فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص
فحاصر بَيْسان ، فخرجوا إليه ، فقتلَ منهم مقتلةً عظيمةً ، ثم صالحوه على مثل ما صالحتْ عليه دمشقُ ،
وضرب عليهم الجزيةَ والخراجَ على أراضيهمُ(٦) ، وكذلك فعل أبو الأعور السّلمي بأهل طبرية سواء .
[ فصلٌ فيلما وقع بأرض العراق آنذاك (٧) من القتال
وقد قدمنا أنَّ المثنى بن حارثة لما سار خالد من العراق بمن صحبه إلى الشام ، وقد قيل : إنه سار
بتسعة آلاف ، وقيل: بثلاثة آلاف ، وقيل: بسبعمئة، وقيل : بأقل ، إلا أنّهم صناديدُ جيشِ العراق ، فأقام
المثنى بمن بقي ، فاستقلَّ عددهم ، وخاف من سطوة الفرس لولا اشتغالهم بتبديل ملوكهم وملكاتهم ،
واستبطأ المثنى خبرَ الصدِّيق فسارَ إلى المدينة فوجد الصدِّيقَ في السياق ، فأخبره بأمر العراق ، فأوصى
(١) في تاريخ الطبري: العبشمي، ولم أجد له ترجمة. وفي نسخة ((العتبي)).
(٢)
في ط : وسار .
في تاريخ الطبري (٤٤٢/٣) والكامل لابن الأثير (٤٣٠/٢) : سقلار .
(٣)
(٤)
في أ : عليهم .
في أ : وأسكتتهم هزيمتهم إلى ذلك الرجل .
(٥)
(٦)
في أ : أرضهم .
في أ : في هذه المدة .
(٧)

١١٤
وقعة النمارق
الصدِّيق عمر أن يندبَ الناسَ لقتال أهل العراق . فلما ماتَ الصدِّيقُ ودُفن ليلةَ الثلاثاء أصبح عمر فندب
الناسَ وحثَّهمْ على قتالِ أهلِ العراق ، وحرضهم ورغَّبهم في الثواب على ذلك ، فلم يقم أحدٌ لأن الناس
كانوا يكرهون قتال الفرس لقوة سطوتهم ، وشدة قتالهم ، ثم ندبهم في اليوم الثاني والثالث فلم يقم
أحد١). وتكلَّم المثنى بن حارثة فأحسن ، وأخبرهم بما فتحَ اللهُ تعالى على يدي خالد من معظم أرض
العراق ، وما لهم هنالك من الأموال والأملاك والأمتعة والزاد ، فلم يقم أحدٌ في اليوم الثالث .
فلما كان اليوم الرابع كان أول من انتدب من المسلمين أبو عبيد بن مسعود الثقفي ثم تتابعَ الناسُ في
الإجابة ، وأمر عمر طائفة من أهل المدينة وأمَّر على الجميع أبا عبيد هذا ولم يكن صحابياً ، فقيل لعمر :
هلا أمَّرت عليهم رجلاً من الصحابة ؟ فقال: إنما أؤَمِّرُ أولَ من استجابَ ، إنكم إنما سبقتم الناس بنصرة
هذا الدين ، وإن هذا هو الذي استجاب قبلكمُ(٢) . ثم دعاه فوصّاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من
المسلمين خيراً، وأمره أن يستشير أصحابَ رسول الله بَّهِ، وأن يستشير سَلِيط بن قَيْس فإنه رجلٌ باشرَ
الحروب. فسار المسلمون إلى أرض العراق ، وهم سبعةُ آلاف رجلٍ ، وكتب عمرُ إلى أبي عبيدة أن يرسلَ
مِنْ كانَ بالعراق ممن قدمَ مع خالدٍ إلى العراق ، فجهز عشرة آلاف عليهم هاشم بن عتبة ، وأرسل عمر
جرير بن عبد الله البجلي في أربعة آلاف إلى العراق فقدم الكوفةَ ، ثم خرج منها فواقع هرقران المدار فقتله
وانهزم جيشه وغرق أكثرهم في دجلة ، فلما وصل الناسُ إلى العراق وجدوا الفرسَ مضطربين في ملكهم ،
وآخر ما استقرّ عليه أمرهم أن ملكوا عليهم ((بُورالُ(٣) بنت كسرى بعد ما قتلوا التي كانت قبلها (آزَرْميدُخت)
وفوضت بوران أمر الملك عشر سنين إلى رجل منهم يقال له رستم ( بن فَرُخزاذ على أن يقوم بأمر الحرب ،
ثم يصير الملك إلى كسرى ، فقبل ذلك . وكان رُسْتم ) هذا منجماً يعرف النجوم وعلمها جيداً ، فقيل له :
ما حملك على هذا ؟ يعنون وأنت تعلم أن هذا ( الأمر ) لا يتمّ لك ، فقال : الطمعُ وحبُّ الشرف .
وقعة النَّمَارِق
بعث رستم أميراً يقال له ((جابان)) وعلى مَجْنَبَتَّه رجلان يُقال لأحدهما (( حشنس ماه )) ويقال للآخر
((مردانشاه)) وهو خصيُّ أمير حاجب الفرس، فالتقوا مع أبي عُبيد بمكان يقال له النَّمارِقُ(٤) - بين الحيرة
والقادِسيَّة - وعلى الخيل المُثَنَّى بن حارثة ، وعلى المَيْسرة عمرو بن الهيثم، فاقتتلوا هنالك قتالاً شديداً ،
وهزمَ اللهُ الفرسَ ، وأسر جابان ومردانشاه . فأما مردانشاه فإنَّه قتلهُ الذي أسره ، وأما جابان فإنه خدَعَ
في أ : فلم يقم أحد في اليوم الثالث .
(١)
الخبر في تاريخ الطبري (٤٤٦/٣) والكامل لابن الأثير (٤٣٢/٢).
(٢)
في أ : نوران؛ تحريف ، والخبر عند الطبري ( ٤٤٦/٣).
(٣)
النّمارق : موضع قرب الكوفة من أرض العراق ، نزله عسكر المسلمين في أول ورودهم العراق . معجم البلدان
(٤)
(٣٠٤/٥) .

١١٥
وقعة النمارق
الذي أسره حتى أطلقه فأمسكه المسلمون وأبوا أن يُطلقوه ، وقالوا : إن هذا هو الأمير وجاؤوا به إلى أبي عُبيد
فقالوا : اقتله فإنه الأمير ، فقال وإن كان الأمير فإني لا أقتله ، وقد أمَّنه رجلٌ من المسلمين ، ثم ركب أبو عُبيد
في آثار(١) من انهزمَ منهم وقد لجؤوا إلى مدينة كَسْكَر(٢) التي لابن خالة كسرى واسمه نَرْسي فوازرهم نَرْسي على
قتال أبي عبيد، فقهرهم(٣) أبو عبيد وغنم منهم شيئاً كثيراً وأطعمات كثيرة جداً، ولله الحمد . وبعث بخُمس
ما غنمَ من المال والطعام إلى عمر بن الخطاب بالمدينة وقد قال في ذلك رجل من المسلمين(٤): [ من الطويل ]
لقد صُبِّحتْ بالخِزْي أهلُ النَّمارقِ
لَعَمْري وما عَمري عَليَّ بَهِيٍِّ
يَجُوسونَهُمْ ما بين دُرْت٥ُ) وبارِقٍ(٦)
بأيدي رجالٍ هاجَرُوا نَحْو ربّهمْ
وبين الهَوَافي (٨) من طريقِ التدارقِ(٩)
قَتَلْنَاهُمُ ما بينّ مرجٍ مُسَلَّحِ(٧)
فالتقَوْا بمكان بين كَسْكَر والسَّقَاطَّهُ ١٠) وعلى ميمنة نَرْسي ومَيْسرته ابنا خاله بِنْدَويه وَتِيرَويْهُ(١١) أولاد
نظامُ(١٢)، وكان رستم قد جَهَّز الجيوشَ مع الجالينوس (١٣)، فلما بلغ أبو عُبَيد ذلك أعجل نَرْسي بالقتال
قبل وصولهم فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزمتِ الفرسُ وهرب نَرْسي والجالينوس إلى المدائن بعد وقعة جَرَتْ
من أبي عبيد مع الجالينوس بمكان يقال له ( باروسما ) فبعثَ أبو عُبيد المُثَنى بن حارثة وسرايا أُخر إلى
متاخم تلك الناحية كنهر جور(١٤) ونحوها، ففتحها صلحاً وقهراً، وضربوا الجزيةَ والخراج وغنموا
(١) في أ : في إثر.
(٢) كَسْكر، بالفتح ، ثم السكون ، وكاف أخرى ، وراء : كورة من آخر سقي النهروان إلى أن تصب دجلة في البحر
وكانت قصبتها خسروسابور . معجم البلدان (٤ / ٤٦١).
(٣) في أ : فهزمهم .
الأبيات في تاريخ الطبري ( ٤٥٠/٣) ومعجم البلدان (١٢٩/٥) منسوبة إلى عاصم بن عمرو .
(٤)
(٥)
في أ : دريا ، وفي ط : درنا ؛ وكلاهما تحريف ، وما هنا عن الطبري وياقوت.
بارق : ماء بالعراق، وهو الحد بين القادسية والبصرة من أعمال الكوفة . معجم البلدان (٣١٩/١).
(٦)
مرج مُسَلَّح: بالعراق ، ذكره عاصم بن عمرو التميمي في شعر له أيام الفتوح . معجم البلدان ( ١٢٩/٥).
(٧)
في الأصلين : الهواني ؛ وما هنا عن الطبري . والهَوافي : موضع بأرض السواد ، ذكره عاصم بن عمرو التميمي
(٨)
- وكان فارساً مع جيش أبي عبيد الثقفي - معجم البلدان ( ٤١٩/٥) .
(٩) كذا في الأصلين. وفي تاريخ الطبري ( ٤٥١/٣): البذارق، ولم أجدهما في ما لدي من كتب البلدان .
(١٠) في الأصلين: السفاطية؛ وما هنا عن معجم البلدان (٢٢٦/٣) قال ياقوت: السُّقاطية: ناحية بكسكر من أرض
واسط وقع عندها أبو عبيد الثقفي بالنِّرسيان صاحب جيوش الفرس فهزمه شر هزيمة .
(١١) في ط: بيرويه. وما هنا عن أوالطبري (٣/ ٤٥١).
(١٢) في تاريخ الطبري : بسطام .
(١٣) في تاريخ الطبري : الجالنوس .
(١٤) في تاريخ الطبري (٤٥١/٣): نهر جوبر، والذي في معجم البلدان (٣١٩/٥): نهر جوبرة بالبصرة . وأما نهر
جور فهو بين الأهواز وميسان .

١١٦
وقعة جسر أبي عبيدة
الأموالَ(١) الجزيلةَ ولله الحمد والمنة ، وكسروا الجالينوس الذي جاء لنصرة جابان وغنموا جيشه وأمواله ،
وكرَّ هارباً إلى قومه حقيراً ذليلاً .
وقعة جسر أبي عُبَيْدٍ ومَقْتلُ أمير المُسلمين وخلق كثير منهم
لما رجع الجالينوس هارباً مما لقي من المسلمين تذامرت (٢) الفرس بينهم واجتمعوا إلى رستم فأرسل
جيشاً كثيفاً عليهم ذا الحاجب ((بَهْمَن(٣) جاذويه)) وأعطاه راية أفريدون وتسمى دِرفْش كابيان، وكانت
الفرس تتيمَّن بها . وحملوا معهم راية كسرى وكانت من جلودِ النمور ، عرضُها ثمانية أذرع . فوصلوا إلى
المسلمين وبينهم النهر وعليه جسر ، فأرسلوا : إما ( أن ) تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم . فقال المسلمون
لأميرهم أبي عبيد: أَوْمُرْهُمْ فليعبروا هم إلينا . فقال: ما هُم بأجرأ على الموت منّا ، ثم اقتحمَ إليهم
فاجتمعوا في مكانٍ ضيّقِ هنالك ، فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يعهدْ مُثْله ، والمسلمون في نحوٍ من عشرة
آلاف ، وقد جاءت الفرسُ معهم بأفيلةٍ كثيرةٍ عليها الجلاجلُ، قائمة لتذعر خيولَ المسلمين ، فجعلوا
كلما حملوا على المسلمين فرَّت خيولُهم من الفيلةِ ومما تَسْمِعُ من الجلاجل التي عليها ، ولا يثبت منها إلا
القليل على قسْر، وإذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولُهم على الفيلة ، وَرَشَقَتْهُم الفرسُ بالنبل ،
فنالوا منهم خلقاً كثيراً وقتلَ المسلمون منهم مع ذلك ستةَ آلاف .
وأمر أبو عُبَيْد المسلمين أن يقتلوا الفيلة أولًا، فاحتوشوها٤) فقتلوها عن آخرها ، وقد قدَّمتِ
الفرسُ بين أيديهم فيلاً عظيماً أبيض ، فتقدَّم إليه أبو عُبيد فضربَهُ بالسيف فقطع ذلومه(٥) فحمي الفيل ،
وصاح صيحةً هائلةً وحمل فتخبطه برجليه فقتله ووقفَ فوقه ، فحمل على الفيل خليفة أبي عبيد الذي كان
أوصى أن يكون أميراً بعده فقتل ، ثم آخر ، ثم آخر ، حتى قتل سبعة من ثقيف كان قد نصَّ أبو عُبيد عليهم
واحداً بعد واحد ، ثم صارت إلى المُثنَّى بن حارثة بمُقْتضى الوصية أيضاً . وقد كانت دَوْمةُ امرأةٌ
أبي عبيد رأت مناما٦ً) يدل على ما وقع سواء بسواء . فلما رأى المسلمون ذلك وَهَنوا عند ذلك، ولم يكن
(١) هذه أول لفظة من الورقة (١٧٣ و١٧٤) التي لا تبين فيها الحروف والكلمات بسبب الحبر.
تذامر المشركون : أي تلاوموا على ترك الفرصة ، وقد تكون بمعنى تحاضوا على القتال . اللسان ( ذمر ) .
(٢)
(٣)
في ط : بهمس حادويه . وما هنا عن أوالطبري ( ٣/ ٤٥٤) وابن الأثير (٤٣٨/٢).
(٤)
احتوش القوم على فلان : جعلوه وسطهم . اللسان ( حوش ) .
لم أجدها في كتب اللغة، وفي ((تاج العروس)): زلم أنفه: إذا قطعه ، وازدلم أنفه : استأصله ، وازدلم رأسه :
(٥)
قطعه . - ورواية الطبري ( ٣/ ٤٥٧): مُشفره - .
(٦) رأت دَوْمة - امرأة أبي عبيد - أن رجلاً نزل من السماء بإناءٍ فيه شراب فشرب أبو عبيد وجَبْر في أناس من أهله ،
فأخبرت بها أبا عبيد فقال : هذه الشهادة ، وعهد أبو عبيد إلى الناس ، فقال : إن قتلت فعلى الناس جبر ، فإن قتل
فعليكم فلان حتى أمَّر الذين شربوا من الإناء على الولاء من كلامه . ثم قال : إن قتل أبو القاسم فعليكم المثنى .
الطبري ( ٤٥٦/٣ ) .

١١٧
وقعة جسر أبي عبيدة
بقيَ إلا الظفر بالفُرْس ، وضعف أمرهم ، وذهب ريحهم ، وولَّوْا مُدْبرين ، وساقت الفرسُ خلفهم فقتلوا
بشَراً كثيراً وانكشف الناس ( فكان ) أمراً بليغاً، وجاؤوا إلى الجسر فمر بعض الناس . ثم انكسر الجسر
فتحكَّم فيمن وراءه الفرس فقتلوا من المسلمين وغرق في الفرات نحواً من أربعة آلاف . فإنا لله وإنا إليه
راجعون .
وسار المثنى بن حارثة فوقف عند الجسر الذي جاؤوا منه ، وكان الناس لما انهزموا جعل بعضهم
يلقي بنفسه في الفرات فيغرق ، فنادى المثنى : أيُّها الناسُ على هِينِكُمْ ، فإني واقفٌ على فمِ الجسر
لا أجوزُه حتى لا يَبْقى منكم أحدٌ هاهنا ، فلما عدَّى الناسَ إلى الناحية الأخرى سارَ المثنى فنزل بَهم أولَ
منزلٍ ، وقام يحرسُهم هو وشجعانُ المسلمين ، وقد جُرح أكثرُهم وأُثْخِنوا ، ومن الناس منْ ذهب في
البرية لا يدرى أين ذهب ، ومنهم من رجعَ إلى المدينة النبوية مذعوراً .
وذهب بالخبر عبد الله بن زيد بن عاصم المازني إلى عمر بن الخطاب فوجده على المنبر ، فقال له
عمر : ما وراءك يا عبد الله بن زيد؟ فقال : أتاك الخبر اليقين يا أمير المؤمنين ، ثم صعد إليه المنبر فأخبره
الخبر سراً .
ويقال : كان أول من قدم بخبرِ الناس عبدُ الله بن يزيد(١) بن الحُصَيْن الخَطْمي (٢) ، فالله أعلم .
قال سيف بن عمر : وكانت هذه الوقعة في شعبان من سنة ثلاث [ عشرة ] بعد اليرموك بأربعين يوماً
فالله أعلم .
وتراجع المسلمون بعضهم إلى بعض وكان منهم منْ فَرَّ إلى المدينة فلم يُؤَنِّب عمرُ الناسَ بل قالَ : أنا
فيئكم .
وأشغل اللهُ المجوسَ بأمر مَلِكهم . (وذلك(٣) أنَّ أهلَ المدائن عَدَوْا على رُستم فخلعوه ثم وَلَّوه
وأضافوا إليه الفَيْرُزان ، واختلفوا على فرقتين ، فركب الفرس إلى المدائن ولحقهم المُثَنّى بن حارثة في
نَفَرٍ من المسلمين ، فعارضه أميران من أمرائهم في جيشهم ، فأسرهما وأسر معهما بشراً كثيراً فضرب
أعناقهم . ثم أرسل المُثنى إلى منْ بالعراق من أمراء المسلمين يستمدُّهم ، فبعثوا إليه بالأمداد ، وبعثَ إليه
عمر بن الخطاب بمددٍ كثير فيهم جرير بن عبد الله البَجَلي ، في قومه بجيلة بكمالها ، وغيره من سادات
المسلمين حتى كثر جيشه .
في تاريخ الطبري (٤٥٨/٣) عبد الله بن زيد؛ وهو خطأ. وترجمة عبد الله بن يزيد فى الاستيعاب (١٠٠١).
(١)
(٢) في ط : الحطمي : تصحيف .
(٣) من هذه اللفظة سقط في أ يستمر ما يقرب من ورقة كاملة إلى آخر الأبيات التي على قافية النون.

١١٨
وقعة البويب
وقْعَةُ البُوَيْبِ التي اقْتَصَّ فيها المسلمون من الفرس
فلما سمعَ بذلك أمراءُ الفرس ، وبكثرةِ جيوشِ المُثَنَّى ، بعثوا إليه جيشاً آخر مع رجلٍ يقال له مِهْران
فتوافَوْا هم وإياهم بمكان يُقال له : (( البُوَيْب) (١) قريب من مكانِ الكوفةِ اليوم وبينهما الفرات . فقالوا :
إما أن تعبروا إلينا ، أو نعبر إليكم . فقال المسلمون : بل اعبروا إلينا . فعبرتِ الفرسُ إليهم فتوافقوا ،
وذلك في شهرِ رمضان . فعزمَ المُثَنَّى على المسلمين في الفطر فأفطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم ،
وعُبي الجيش ، وجعلَ يمرُ على كلِّ رايةٍ من راياتِ الأمراءِ على القبائلِ ويعظهم ويحثّهم على الجهاد
والصبر والصمت . وفي القوم جرير بن عبد الله البجلي في بَجِيلة وجماعة من سادات المسلمين . وقال
المثنى لهم : إني مُكَبِّر ثلاثَ تكبيرات فتهيَّؤْوا ، فإذا كَبَّرْتُ الرابعةَ فأحملوا . فقابلوا قوله بالسمع والطاعة
والقبول . فلما كبّر أولَ تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم(٢)، واقتتلوا قتالاً شديداً ، ورأى
المُثَنّى في بعض صفوفه خللاً ، فبعث إليهم رجلاً يقول : الأمير يقرأ عليكم السلام ويقول لكم :
لا تفضحوا العرب اليوم فاعتدلوا . فلما رأى ذلك منهم - وهم بنو عجل - أعجبه وضحك . وبعث إليهم
يقول : يا معشر المُسلمين عاداتكم، انصروا الله ينصركُمْ. وجعلَ المُثَنّى والمسلمون يدعون اللهَ بالظّفَر
والنصر . فلما طالت مدة الحرب جمع المُثَنّى جماعةً من أصحابه الأبطال يحمون ظهره ، وحمل على
مِهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنةَ ، وحمل غلامٌ من بني تغلب نصراني فقتلَ مِهْران وركب
فرسه . كذا ذكره سيف بن عمر (٣)
وقال محمد بن إسحاق : بل حمل عليه المُنْذِر بن حسَّان بن ضرار الضّي فطعنه واحتزَّ رأسه جرير بن
عبد الله البجلي، واختصما في سَلَبِهِ(٤) ، فأخذ جرير السلاح ، وأخذ المنذر مِنْطقته .
وهربتِ المجوسُ وركبَ المسلمون أكتافهم يفصلونهم فصلاً . وسبق المثنى بن حارثة إلى الجسر
فوقف عليه ليمنعَ الفرسَ من الجواز عليه ليتمكَّن منهم المسلمون . فركبوا أكتافَهم بقيةَ ذلك اليوم وتلك
الليلة ، ومن أبعد إلى الليل ، فيُقال : إنه قتل منهم يومئذ ، وغرقَ قريبٌ من مئة ألفٍ ، ولله الحمد
والمنة . وغنمَ المسلمون مالاً جزيلاً وطعاماً كثيراً ، وبعثوا بالبشارة والأخماس إلى عمر رضي الله عنه .
وقد قُتل من سادات المسلمين في هذا اليوم بَشَرٌ كثيرٌ أيضاً . وذلَّتْ لهذه الوقعة رقابُ الفُرْس وتمكّن
الصحابةُ من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة ، فغنموا شيئاً عظيماً لا يمكن حصره . وجرت
(١) في ط: البويث، تحريف . والبويب: نهر كان بالعراق موضع الكوفة ، كان عنده وقعة أيام الفتوح بين المسلمين
والفرس . معجم البلدان (١/ ٥١٢ ) .
(٢)
في تاريخ الطبري (٤٦٥/٣) : خالطوهم .
(٣)
تاريخ الطبري (٤ / ٤٦٦) .
(٤) في تاريخ الطبري: سلاحه . والسَّلَبُ - بالتحريك - ما يسلب . القاموس (سلب) ،

١١٩
ذكر اجتماع الفرس على يزدجرد
أمورٌ يطول ذِكرها بعد يوم البُوَيْب ، وكانت هذه الواقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام . وقد قال الأغورُ
الشَّني١ُّ) العَبْدِيُّ في ذلك(٢) : [ من البسيط ]
هاجَتْ لأعْورَ دارُ الحيِّ أحْزانا
واسْتَبْدَلَتْ بَعْدَ عَبْدِ القَيْسِ حَسَّانا٣ً)
إذْ بالنُّخَيْلةِ قَتْلَى جُنْدٍ مِهْرانا
وَقَدْ أرانا بها والشَّمْلُ مُجْتمعٌ
فَقَتَّلَ الزَّحفَ من فُرْسٍ وچِيلانا
إِذْ كان٤ُ) سارَ المُثَنَّى بالخيُولِ لهم
حَتَّى أبادَهُمُ مَثْنِى وَوُحْدانا)
سَما لِمهرانَ والجيشِ الذي مَعهُ
فصل
ثم بعثَ أميرُ المؤمنين عمرُ بن الخطّاب سعد بن أبي وقّاص الزهري أحدَ العشرة في ستة آلاف أميراً
على العراق ، وكتب إلى جرير بن عبد الله والمُثَنى بن حارثة أن يكونا تبعاً له وأن يسمعاله ويُطيعا ، فلما
وصل إلى العراق كانا معه ، وكان قد تنازعا الإمرةَ ، فالمثنى يقول لجرير : إنما بعثكَ أميرُ المؤمنين مَدداً
إليَّ. ويقول جرير(٥): إنما بعثني أميراً عليكَ. فلما قدم سعد على إمارة٦) العراق انقطع نزاعهما .
قال ابن إسحاق : وتوفي المثنى بن حارثة في هذه السنة (٧) : كذا قال ابن إسحاق . والصحيح أن
بعثَ عمر سعداً إنّما كان في أول سنة أربع عشرة كما سيأتي .
ذكر اجتماع الفرس على يَزْدَجِرْد بعد اختلافهم
كان شيرين قد جمعَ آلَ كسرى في القصر الأبيض ، وأمر بقتلٍ ذُكرانه كلّهم ، وكانت أم يزدجرد فيهم
ومعها ابنها وهو صغير ، فواعدت أخواله فجاؤوا وأخذوه منها ، وذهبوا به إلى بلادهم ، فلما وقع ما وقع
يوم البُوَيْبِ وقُتل منْ قُتل منهم كما ذكرنا ، وركب المسلمون أكتافَهُمْ وانتصروا عليهم وعلى أخذ
بلدانهم ، ومحالّهم وأقاليمهم . ثم سمعوا ( بقدوم سعد بن أبي وقاص من جهة عمر ) ، اجتمعوا فيما
بينهم وأحضروا الأميرين الكبيرين فيهم وهما رُسْتم والفيرزان فتذامرو(٨) فيما بينهم وتواصَوْا وقالوا لهما :
(١) الأعور الشني : هو بشر بن منقذ بن عبد القيس ، أبو منقذ كان شاعراً محسناً وله ابنان شاعران ، حبسه علي بن
أبي طالب رضي الله عنه ثم خلى عنه. الشعر والشعراء (٤٢٥-٤٢٦) ط. دار الكتب العلمية.
(٢)
الأبيات في تاريخ الطبري ( ٤٧١/٣).
(٣)
في تاريخ الطبري : خفانا .
في ط : إذا كان ، ولا يستقيم بها الوزن ، وفي تاريخ الطبري : أزمان .
(٤)
في أ : وجرير يقول .
(٥)
في ط : على أمر العراق .
(٦)
أرخ خليفة بن خياط وفاة المثنى بن حارثة سنة أربع عشرة . تاريخه ( ١٢٩).
(٧)
تذامروا : أي تلاوموا أو تحاضُوا على القتال . اللسان ( ذمر ) .
(٨)

١٢٠
أحداث أخرى سنة ١٣ هـ
لئن لم تقوما بالحرب كما ينبغي لنقتلنكما ونشتفي بكما . ثم رأوا فيما بينهم أن يبعثوا خلف نساء كسرى من
كل فج ومن كل بقعة ، فمن كان لها ولد من آل كسرى مَلَّكوه عليهم. فجعلوا إذا أتوا بالمرأة عاقبوها١ً)
هل لها ولد وهي تُنكر ذلك خوفاً على ولدها إن كان لها ولد ، فلم يزالوا حتى دُلُّوا على أم يَزْدَجِرْدَ ،
فأحضروها وأحضروا ولدها فملّكوه عليهم وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وهو من ولد(٢) شهريار بن
كسرى وعزلوا بوران ، واستوثقت الممالك له ، واجتمعوا عليه وفرحوا به ، وقاموا بين يديه بالنصر أتمَّ
قيام ، واستفحلَ أمره فيهم وقويت شوكتُهم به ، وبعثوا إلى الأقاليم والرساتيق فخلعوا الطاعةَ للصحابة
ونقضوا عهودهم وذممهم ، وبعث الصحابة إلى عمر بالخبر ، فأمرهم عمر أن يتبرّزوا من بين ظهرانيهم
وليكونوا على أطرافِ البلاد حولهم على المياه ، وأن تكون كلُّ قبيلةٍ تنظر إلى الأخرى بحيث إذا حدث(٣)
حدث على قبيلة لا يَخْفى أمرُها على جيرانهم . وتفاقمَ الحالُ جداً ، وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاثَ
عشرة .
وقد حجَّ بالناس عمرُ في هذه السنة ، وقيل: بل حجَّ بهم عبد الرحمن بن عوف(٤) ، ولم يحجَّ عمر
هذه السنة ، والله أعلم .
[ ذكر ] ما وقع [ في هذه السنة - أعني ] سنة ثلاث عشرة من الحوادث
[ إجماعاً ومن توفي من الأعيان ]
كانت فيها وقائع تقدم تفصيلها ببلاد ( العراق ) على يَديْ خالدٍ بن الوليد رضي الله عنه ، فُتحت فيها
الحيرةُ والأنبارُ وغيرهما من الأمصار .
وفيها سار خالد بن الوليد من العراق إلى الشام على المشهور .
وفيها كانت وقعة اليرموك في قول سيف بن عمر ، واختيار ابن جرير ، وقتل بها من ( قتل من )
الأعيان ممَّنْ يطولُ ذكرُهم وتراجمُهم رضي الله عنهم أجمعين .
وفيها توفي أبو بكر الصدِّيق . وقد أفردنا سيرته في مجلد ولله الحمد .
وفيها ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة منها .
فولَّى قضاءَ المدينة عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
واستناب على الشام أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري .
عاقبوها : يقصد بذلك : عذّبوها ؛ كما يفهم من رواية الطبري ( ٣/ ٤٧٧).
(١)
(٢)
الخبر في تاريخ الطبري ( ٣/ ٤٧٧).
(٣)
في أ : إذا أحدث ؛ تحريف .
تاريخ الطبري ( ٤٧٩/٣) .
(٤)