Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ وفيات سنة ١٢ هـ يربوع) بن خَرَشَةُ(١) بن سَعْدٍ بن طَريف بن جِلاَّلُ(٢) بن غَنْم بن غَنِي بن أعصر(٣) بن سَعْد بن قَيْس بن غيلان بن مُضَر بن نزار أبو مَرْتد الغَنوي ، شهد هو وابنهِ مَرْتَد بدراً ، ولم يشهدها رجلٌ هو وابنه سواهما ، واستُشهد ابنُهُ مَرْتَد يوم الرَّجيع كما تقدَّم، وابنُ ابنهِ أُنَيس بن مَرْئد بن أبي مَرْئد له صحبة أيضاً ، شهد الفتح وحنيناً وكان عينَ رسول الله وَ لَه يوم أوطاس ، فهم ثلاثة نسقا، وقد كان أبو مرتد حليفاً للعباس بن عبد المطلب ، ورُوي له عن النبي ◌َ ﴿ حديثٌ واحدٌ أنّه قال: ((لا تُصلّوا إلى القبور، ولا تَجْلسُوا إليها)) [ رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من طريق واثلة بن الأسقع عنه (٤) . قال الواقدي : توفي سنة اثنتي عشرة ، زاد غيره بالشام، وزاد غيره عن ست وستين سنة ، وكان رجلاً طويلاً كثير الشعر . قلت : وفي قبلي دمشق قبر يعرف بقبر كثير(٥) ، والذي قرأته على قبره : هذا قبر كَنّاز بن الحصين صاحب رسول الله بَّليه، ورأيت على ذلك المكان روحاً وجلالة، والعجب أن الحافظ ابن عساكر لم يذكره في تاريخ الشام ، فالله أعلم . وممن توفي في هذه السنة : أبو العاص(٦) بن الرَّبيع بن عَبْدِ العُزَّى بن عَبْدِ شَمْسٍ بن عَبْدِ مُنافِ بن قُصيّ القُرشيّ العَبْشمي: زوج أكبر بنات رسول الله بِ لّه زينب، وكان مُحْسناً إليها ومُحبّاً لها، ولما أمره المشركون بطلاقها٧) حين بُعث رسول الله ◌ِّ أبى عليهم ذلك، وكان ابنَ أختِ خديجة بنت خويلد، واسم أَمه هالة ، ويقال هند بنت خويلد ، واختلف في اسمه فقيل(٨): ( لقيط )، وهو الأشهر، وقيل: مِهْشَمُ(٩) ، وقيل: هُشَيْم ، وقد شهد بدراً من ناحية الكفار فأسر : فجاء أخوه عمرو بن الربيع ليفاديه وأحضر معه في الفداء قلادةً كانت خديجة أخرجتها مع ابنتها زينب حين تزوج أبو العاص بها ، فلما رآها رسولُ الله رقَّ رقةً شديدةً وأطلقه بسببها ، واشترط عليه أن يبعث له زينب إلى المدينة فوفَّى له بذلك، واستمرّ أبو العاص على كفره بمكةً إلى قُبيل الفتح بقليل ، فخرج في تجارةٍ لقريش فاعترضه زيد بن حارثة في سرية فقتلوا جماعة من أصحابه خرشة - بفتح الخاء المعجمة ، وفتح الراء وبالشين المعجمة - جامع الأصول . (١) في ط : خيلان ، تحريف ، وجلان - بكسر الجيم - وتشديد اللام، وبالنون . (٢) (٣) كذا في الأصلين ، وفى الاستيعاب وأسد الغابة : يعصر . صحيح مسلم (٩٧٢) و(٩٧) و(٩٨) في الجنائز، وسنن أبي داود (٣٢٢٩) في الجنائز ، وجامع الترمذي (٤) (١٠٥٠) و (١٠٥١) في الجنائز، وسنن النسائي (٢/ ٦٧) في القبلة. في أ : زيادة : وكأنه من تصحيف بعض العامة . (٥) ترجمة - أبي العاص - في الاستيعاب (١٧٠١/٤) وجامع الأصول (٢١٩/١٥) وأسد الغابة (٦/ ١٨٥) وتهذيب (٦) الأسماء واللغات (٢٤٨/٢ - ٢٤٩). والإصابة (١٢١/٤ - ١٢٣). في ط : أمره المسلمون بطرقها ؛ خطأ . والتصويب من الاستيعاب . (٧) في أ : وقيل قاسم ، وقيل ياسر . (٩) مهشم : بكسر أوله ، وسكون ثانيه ، وفتح الشين المعجمة ، وقيل بضم أوله وفتح ثانيه وكسر الشين الثقيلة . (٨) ٨٢ أحداث سنة ١٣ هـ وغنموا العير ، وفرّ أبو العاص هارباً إلى المدينة فاستجار بامرأته زينب فأجارته ، فأجاز رسول الله جوارها ، ورد عليه ما كانَ معه من أموالٍ قريشٍ ، فرجع بها أبو العاص إليهم ، فرد كلَّ مالٍ إلى صاحبه ، ثم تشهد شهادة الحق وهاجر إلى المدينة، ورد عليه رسول الله مح 8# زينب بالنكاح الأول ، وكان بين فراقها له وبين اجتماعها١) ست سنين، وذلك بعد سنتين من وقت تحريم المسلمات على المشركين في عمرة الحديبية ، وقيل إنما ردّها عليه بنكاح جديد ، فالله أعلم . وقد ولد من زينب علي بن أبي العاص [ وأمامة بنت أبي العاص ] . وخرج مع عليٍّ إلى اليمن حين بعثه إليها رسولُ اللهِ وَ ليه وكان رسولُ الله ◌ِل يثني عليه خيراً في صهارته ، ويقول: (( حدَّثني فصدَقني وواعدني فوَفاني (٢) وقد توفي في أيام الصديق سنة ثنتي عشرة . وفي هذه السنة تزوج عليّ بن أبي طالب بابنته أمامة بنت أبي العاص ، بعد وفاة خالتها فاطمة ، وما أدري هل كان ذلك قبل وفاة أبي العاص أو بعده ، فالله أعلم(٣) سنة ثلاث عشرة من الهجرة استُهلَّتْ هذه السنة والصدِّيقُ عازم على جمع الجنود ليبعثَهم إلى الشام ، وذلك بعد مرجعه من الحج [وذلك] عملاً بقوله تعالى: ﴿يََّتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَئِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ [ التوبة: ١٢٣] وبقوله تعالى: ﴿فَئِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَّوْمِ الْآَخِرِ ﴾ الآية [ التوبة: ٢٩]. واقتداءً برسول الله بَِّ فإنه جمعَ المسلمين لغزو الشّام - وذلك عام تبوكَ - حتّى وَصلها في حرِّ شديد وجهد ، فرجع عامَهُ ذلك ، ثم بعثَ قبل موته أسامةَ بن زيدٍ مولاه ليغزوَ تخوم الشام كما تقدم . ولما فرع(٤) الصدِّيقُ من أمر جزيرة العرب بسط يمينَه إلى العراق ، فبعث إليها خالد بن الوليد ثم أراد أن يبعث إلى الشام كما بعث إلى العراق ، فشرع في جمع الأمراء في أماكن متفرقةٍ من جزيرة العرب . وكان قد استعمل عمرو بن العاص على صدقات قضاعة معه الوليدُ بن عقبة فيهم ، فكتب إليه يستنفره إلى الشامُ(٥): إنّي كنتُ قد رددتكَ على العمل الذي ولَّكُهُ رسولُ اللهِّهِ مرةً، وسمّاه لك أخرى ، وقد أحببت - أبا عبد الله - أن أفرِّغك لما هو خيرٌ لك في حياتك ومعادك منه، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحبّ إليك. (١) من قوله : فراقها إلى هنا بياض في (أ). قطعة من حديث أخرجه أحمد في مسنده ( ٣٢٦/٤) والبخاري في صحيحه (٣١١٠) في فرض الخمس ، ومسلم (٢) في صحيحه ( ٢٤٤٩) (٩٥) في فضائل الصحابة . (٣) بعده في ط : تم الجزء السادس من البداية والنهاية ، ويليه الجزء السابع ، وأوله : سنة ثلاث عشرة من الهجرة النبوية . نسأل الله التوفيق والإعانة . بسم الله الرحمن الرحيم سنة ثلاث عشرة من الهجرة . (٤) في أ : ولما تفرغ . تاريخ الطبري ( ٣٨٩/٣). (٥) ٨٣ أحداث سنة ١٣ هـ فكتب إليه عمرو بن العاص : إنّي سهمٌ من سهام الإسلام ، وأنت عبد (١) الله الرامي بها ، والجامع لها ، فانظرْ أشدَّها وأخشاها فارم ( بي ) فيها . وكتب إلى الوليد بن عقبة بمثل (٢) ذلك ورد عليه مثله ، وأقبلا بعد ما استخلفا في عملهما ، إلى المدينة . وقدم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن ، فدخل المدينةَ وعليه جبَّةُ ديباج ، فلما رآها عمرُ عليه أمر من هناك من الناس بتحريقها٣) عنه ، فغضب خالد بن سعيد وقال لعلي بن أبي طالب : يا أبا الحسن ! أغُلبْتُم يا بني عبد مناف عن الإمرة ؟ فقال له علي : أمغالبة تراها أو خلافة ؟ فقال لا يغالب(٤) على هذا الأمر أولى منكم ، فقال له عمر بن الخطاب : اسكت فضَّ اللهُ فاك ، والله لا تزال كاذباً تخوض فيما قلت ثم لا تضر إلا نفسك . وأبلغها عمر أبا بكر فلم يتأثر لها أبو بكر . ولما اجتمع عند الصدِّيق من الجيوش ما أراد قام في الناس خطيباً فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم حثَّ الناسَ على الجهاد فقال: ألا [ إنّ ]°) لكلِّ أمرٍ جوامع، فمنْ بلغَها فهي حسبُه، ومن عملَ الله كفاهُ اللهُ، عليكم بالجدِّ والقصد فإنَّ القصدَ أبلغُ، ألا إنه لا دينَ لأحدٍ لا إيمانَ له ، ولا إيمانَ لمنْ لا حسبة(٦) له ، ولا عملَ لمن لا نيَّة له ، ألا وإن في كتابِ الله من الثواب على الجهادِ في سبيل الله لما ينبغي للمسلم أن يحبَّ أن يُخصَّ به، هي التجارةُ(٧) التي دلَّ اللهُ عليها، إذ نَجَّى بها من الخزي ، وألحق بها [ من ] الكرامة . ثم شرعَ الصدِّيقُ في توليةِ الأمراءِ وعقدِ الألويةِ والرايات ، فيُقال إنَّ (أولَ) لواءٍ عَقَدهُ لخالدِ بن سعيد بن العاص ، فجاء عمر ( بن الخطاب ) فثناه عنه وذكَّره بما قال . فلم يتأثر ( به الصديق كما تأثر به عمر ، بل عزله عن الشام وولاه أرض (( تيماء )) يكون بها فيمن ) معه من المسلمين حتى يأتيه أمره . ثم عقدَ لواءَ يزيد بن أبي سفيان ومعه جمهورُ الناس ، ومعه سهيلُ بن عمرو ، وأشباهُه من أهل مكة ، وخرج معه ماشياً يوصيه ( بما اعتمده في حربه ومن معه من المسلمين ، وجعل له دمشق . وبعث أبا عبيدة بن الجراح على جند آخر ، وخرج معه ماشياً يوصيه ) ، وجعل له نيابةً حمص . وبعثَ عمرو بن العاص ومعه جندٌ أَخر وجعله على فلسطين . وأمر كلَّ أميرٍ أن يسلكَ طريقاً غير طريق الآخر ، لما لحظ في ذلك من المصالح . وكان الصدِّيقُ اقتدى في ذلك بنبيِّ الله يعقوب حين قال لبنيه: ﴿ وَقَالَ يَبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ في أ : فعبد الله ، وفي الطبري : بعد الله . (١) فى أ : قبل ذلك ، وفي الطبري : بنحو ذلك . (٢) في تاريخ الطبري (٣٨٨/٣): فصاح عمر بمن يليه مزقوا عليه جبته. (٣) (٤) في أ : لا يخالف . (٥) استدراك من الطبري . في أ: خشية. وفى نسخة (( ولا أجر لمن لا حسبة له)) . (٦) في أ، ط : هي النجاة؛ وما هنا عن الطبري (٣٩٠/٣). (٧) ٨٤ أحداث سنة ١٣ هـ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَبٍ مُتَفَرِقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِتَّهِّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَلِ اُلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [ يوسف: ٦٧]. فكان سلوكُ يزيد بن أبي سفيان على تبوك . قال المدائنيّ بإسناده عن شيوخه قالوا : وكان أبو بكر بعث هذه الجيوش في أول سنة ثلاث عشرة . قال محمد بن إسحاق(١) عن صالح بن كيسان : خرج أبو بكر ماشياً ويزيد بن أبي سفيان راكباً فجعل يوصيه ، فلما فرغ قال : أقرئك السلام وأستودعك الله، ثم انصرف ومضى يزيد وأجدَّ السيرَ . ثم تبعه شرحبيل بن حسنة ، ثم أبو عبيدة مدداً لهما . فسلكوا ( غير ) ذلك الطريق . وخرج عمرو بن العاص حتى نزل فلسطين من (٢) الشام . ويقالُ إن يزيد بن أبي سفيان نزلَ البلقاء أولًا. ونزل شرحبيلُ بالأردنّ ، ويقال بُيُصْرى . ونزلَ أبو عبيدة بالجابية . وجعلَ الصدِّيقُ يمذُهم بالجيوش ، وأمر كل واحد منهم أن ينضاف إلى من أحبَّ من الأمراءِ . ويُقال إن أبا عبيدة لما مرَّ بأرض البلقاءِ قاتلهم حتى صالحوه ، وكان أولَ صلحٍ وقعَ بالشامِ . ويقالُ : إنَّ أولَ حربٍ وقع بالشام أن الرومَ اجتمعوا بمكانٍ يقال له العَرَبةُ(٣) من أرض فلسطين ، فوجه(٤) إليهم أبا أمامة في سرية فقتلهم وغنم منهم ، وقتل منهم بطريقاً عظيماً . ثم كانت بعد هذه وقعة مَرْجِ الصُّفَّر استُشهد فيها خالد بن سعيد بن العاص وجماعة من المسلمين . ويقال إنَّ الذي استُشهد في مَرْجَ الصُّفَّر ابنٌ لخالد بن سعيد [ بن العاص ، وجماعة من المسلمين، وأما خالد بن سعيد ] ففرَّ حتى انحاز إلى أرضِ الحجاز ، فالله أعلم ، حكاه ابن جرير(٥) . قال ابن جرير(٦) : ولما انتهى خالد بن سعيد إلى تيماء اجتمع له جنود من الروم في جمع(٧) كثير من نصارى العرب، من بَهْراءُ(٨)، وتنوخ، وبني كَلْب، وسَليح، ولَخْم وجُذام ، وغَسّان ، فتقدم إليهم خالد بن سعيد ، فلمّا اقتربَ منهم تفرّقوا عنه ودخلَ كثيرٌ منهم في الإسلام ، وبعثَ إلى الصديق يُعلمُه بما وقعَ من الفتح، فأمرَهُ الصديق أن يتقدَّم ولا يُحْجم ؛ وأمدَّه بالوليد بن عقبة(٩) تاريخ الطبري ( ٤٠٥/٣ ) . (١) في ط : العرمات من أرض الشام، وفي تاريخ الطبري (٤٠٥/٣): نزل بغمر العَربات. (٢) (٣) الكامل في التاريخ (٤٠٥/٢) وفيه: واجتمع للروم جمع بالعَربة من أرض فلسطين . وفي ط : العرية . وعند ياقوت : الغَزيَّة قرية من أعمال زُرْع من نواحي حوران. معجم البلدان (٢٧/٤) ، والمصنف ينقل من تاريخ الطبري وفيه كما هنا . (٤) في أ : فتوجه . تاريخ الطبري ( ٤٠٦/٣). (٥) تاريخه ( ٣٨٩/٣). (٦) في أ : ومعهم كثير . (٧) في ط : من غيرا ؛ تحريف . (٨) (٩) في ط : الوليد بن عتبة؛ خطأ، والخبر في تاريخ الطبري (٣٩٠/٣). ٨٥ وقعة اليرموك وعكرمة بن أبي جهل وجماعة ، فسارَ إلى قريبٍ من إيلياء فالتقى هو وأميرٌ من الروم يقال له باهان(١) فكسره ، ولجأ٢) باهان إلى دمشق، فلحقه خالدُ بن سعيد ، وبادرَ الجيش إلى لحوق دمشق وطلب الحظوة ، فوصلوا إلى مرج الصُّفَّر فانطوت عليه مسالح باهان وأخذوا عليهم الطريق ، وزحف باهان ففرَّ خالدُ بن سعيد، فلم يزل إلى ذي المروة . واستحوذَ الرومُ على عسكرهم إلَّ من فرَّ على الخيل ، وثبت عكرمة بن أبي جهل ، وقد تقهقر عن الشام قريباً وبقي ردءاً لمن نفر إليه ، وأقبلَ شرحبيلُ بن حسنة من العراق من عند خالد بن الوليد إلى الصدِّيق ، فأمَّره على جيشه وبعثه إلى الشام ، فلما مر بخالد بن سعيد بذي المروة ، أخذ جمهورُ أصحابه الذين هربوا معه إلى ذي المروة . ثم اجتمع عند الصديق طائفةٌ من الناس فأمَّر عليهم معاوية بن أبي سفيان وأرسله وراء أخيه يزيد بن أبي سفيان . ولما مرَّ بخالد بن سعيد أخذ منْ كان بقي معه بذي المروة إلى الشام . ثم أذن الصديق لخالد بن سعيد في الدخول إلى المدينة وقال : كان عمر أعلم بخالد . وقعةُ اليَرْموك على ما ذكره سيف بن عمر في هذه السنة قبل فتح دمشق ، وتبعه على ذلك أبو جعفر بن جرير رحمه الله . وأما الحافظ ابن عساكر رحمه الله فإنه نقل (٣) عن يزيد بن أبي عبيدة والوليد وابن لهيعة والليث وأبي معشر : أنها كانت في سنة خمس عشرة بعد فتح دمشق . وقال محمد بن إسحاق : كانت في رجب سنة خمس عشرة . وقال خليفة بن خياط (٤) : قال ابن الكلبي : كانت وقعة اليرموك يوم الإثنين لخمسٍ مَضَيْن من رجب سنة خمس عشرة . قال ابن عساكر : وهذا هو المحفوظ ، وما قاله سيف من أنها قبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة فلم يتابع عليه . قلت : وهذا ذكر سياق سيف وغيره على ما أورده ابن جرير(٥) وغيره . قال : ولما توجهت هذه الجيوش نحو الشام أفزع ذلك الروم وخافوا خوفاً شديداً ، وكتبوا إلى هرقل في ط : ماهان ؛ تحريف وما هنا عن الطبري . (١) (٢) في أ : ونجا ؛ تحريف . في تاريخ دمشق (٥٢٧/١ - ٥٢٩). (٣) في تاريخه ( ص ١٣٠ ). (٤) (٥) في تاريخه (٣/ ٣٩٢). ٨٦ وقعة اليرموك يعلمونه بما كان من الأمر. فيقال : إنه كان يومئذ بحمص، ويقال : [ بل ] كان حج عامه ذلك إلى بيت المقدس . فلما انتهى إليه الخبر . قال لهم : ويُحكم إن ( هؤلاء ) أهلُ دينٍ جديد ، وإنهم لا قبلَ لأحدٍ بهم ، فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصفِ خراج الشام ويبقى لكم جبالُ الروم ، وإن أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام وضيقوا عليكم جبال الروم ، فنخروا من ذلك نخرةَ حُمُرِ الوَحْش كما هي عاداتهم في قلة(١) المعرفة والرأي بالحرب والنصرة في الدّين والدنيا . فعند ذلك سار إلى حمص ، ( وأمر هرقل بخروج (٢) الجيوش الرومية صحبةَ الأمراء ، في مقابلة كلّ أمير من المسلمين جيشٌ كثيفٌ . فبعث إلى عمرو بن العاص أخاً له لأبويه تَذَارق في تسعين ألفاً من المقاتلة . وبعث جرجه بن توذرا إلى ناحية يزيد بن أبي سفيان ، فعسكر بإزائه(٣) في خمسين ألفاً أو ستين ألفاً. وبعث الدُّراقص إلى شُرحبيل بن حَسَنة . وبعث الفيقار(٤) ويقال القيقلان - قال ابن إسحاق وهو خصيّ هرقل نسطورس - في ستّين ألفاً إلى أبي عبيدة بن الجراح . وقالت الروم : (والله) لنشغلنَّ أبا بكر عن أن يورد الخيول إلى أرضنا . وجميع عساكر المسلمين أحد وعشرون ألفاً سوى الجيش الذي مع عكرمة بن أبي جهل . وكان واقفاً في طرف الشامُ(٥) ردءاً للناس - في ستة آلاف - فكتب الأمراء إلى أبي بكر وعمر يعلمونهما بما وقع من الأمر العظيم ، فكتب إليهم أن اجتمعوا وكونو(٦) جنداً واحداً والقوا جنود المشركين، فأنتم أنصار الله والله ناصر(٧) منْ نَصَرِه ، وخاذلٌ من كَفَرَه ، ولن يُؤْتى مثلُكم عن قلة ، ولكن من تلقاء الذُّنوب فاحترسوا منها ، وليصلّ كل رجل منكم بأصحابه . وقال الصدِّيق : والله لأشغلنَّ النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد . وبعث إليه وهو بالعراق ليقدم إلى الشام فيكون الأمير على منْ به ، فإذا فرغ عاد إلى عمله بالعراق ، فكان ما سنذكره . ولما بلغ هرقل ما أمر به الصدِّيقُ أمراءه من الاجتماع ، بعث إلى أُمرائه أن يجتمعوا أيضاً وأن ينزلوا بالجيش (منزلاً) واسع العطن(٨)، واسع المُطَّرَدِ(٩)، ضيقَ المَهْرب، وعلى الناس أخوه بذارق ، وعلى المقدمة جرجه ، وعلى المَجْنبتين باهان والدُّراقص ، وعلى البحر القيقلان . وقال محمد بن عائدٌ "(١) : عن عبد الأعلى، عن سعيد بن عبد العزيز : إنَّ المسلمين كانوا أربعةً في أ : عاداتهم فرط المعرفة . (١) (٢) مكان القوسين في أ : في . الخبر في تاريخ الطبري (٣٩٢/٣). (٣) في ط : اللقيقار ، وما هنا عن الطبري . (٤) (٥) في أ : طرف المدينة . في أ : أن يجتمعوا ويكونوا . (٦) في ط : والله ينصر. وكتاب أبي بكر هذا في تاريخ الطبري ( ٣٩٣/٣). (٧) (٨) العطن للإبل كالوطن للناس ، ومعنى واسع العطن: أي واسع الناحية . اللسان ( عطن ) . (٩) من طراد الخيل ، وهو عدوها وتتابعها . اللسان ( طرد ) ومعنى مطرد : أي يتسع لعدو الخيل وتتابعها . (١٠) الخبر في تاريخ دمشق لابن عساكر (٥٢٩/١). ٨٧ وقعة اليرموك وعشرين ألفاً ، وعليهم أبو عبيدة ، والرُّوم كانوا عشرين ومئة ألفٍ عليهم باهان وسقلاب يوم اليرموك . وكذا ذكر [ محمد بن ] إسحاق : أن سقلاب الخصي كان على الروم يومئذ في مئة ألف ، وعلى المقدّمة جرجه - من أرمينية - في اثني عشر ألفاً ، ومن المُسْتعربة اثني عشر ألفاً عليهم جبلة بن الأيهم ، والمسلمون في أربعةٍ وعشرين ألفاً ، فقاتلوا قتالاً شديداً حتى قاتلت النساء من ورائهم أشدَّ القتال. وقال الوليد : عن صفوان ، عن عبد الرحمن بن جبير قال : بعث هرقلُ مئتي ألف عليهم باهان الأرمني . قال سيف(١) : فسارت الروم فنزلوا الواقوصة قريباً من اليرموك ، وصار الوادي خندقاً عليهم . وبعث الصحابةُ إلى الصدّيق يستمدُّونه ويعلمونه بما اجتمع من جيش الروم باليرموك ، فكتب الصدِّيق عند ذلك إلى خالد بن الوليد أن يستنيب على العراق وأن يقفل بمن معه إلى الشام ، فإذا وصل إليهم فهو الأمير عليهم . فاستناب المثنى بن حارثة على العراق ، وسار خالد مسرعاً في تسعة آلاف وخمسمئة ، ودليله رافع بن عُمَيْرة الطّائي، فأخذ به على السماوة(٢) حتى انتهى إلى قُراقِر(٣) ، وسلك به أراضي لم يسلكها قبله أحدٌ ، فاجتابَ البراري والقفار ، وقطعَ الأوديةَ ، وتصعَّد على الجبال ، وسار في غير مهيعُ(٤) ، وجعل رافع يدلُّهم في مسيرهم على الطريق ، وهو في مفاوز مُعْطشة، وعَطَّشَ النوقَ وسقاها الماء عللاً بعد نهل(٥)، وقطع مشافرها وكعمها٦) حتى لا تجترّ وخلَّى أدبارها، واستاقها معه ، فلما فقدوا [ ذلك ] الماء نحرها ، فشربوا ما في أجوافها من الماء ، ويقال : بل سقاه الخيل وشربوا ما كانت تحمله من الماء وأكلوا لحومها . ووصل ولله الحمد والمنة في تسعة(٧) أيام ، فخرج على الروم من ناحية تدمر ، فصالح أهل تدمر وأركة ٨)، ولما مر بعذراء(٩) أباحها وغنم لغسان أموالاً ١٠) عظيمة، وخرج من شرقي دمشق، ثم (١) تاريخ الطبري ( ٣٩٣/٣) . في ط : السماق، تحريف. والسماوة بادية بين الكوفة والشام قفرى. معجم البلدان ( ٢٤٥/٣). (٢) قراقر : واد لكلب بالسماوة من ناحية العراق نزله خالد بن الوليد عند مقصده الشام . معجم البلدان (٤/ ٣١٧) . (٣) مَهْيع : طريق مَهيعٌ واضح واسع بيّن ، وجمعه مهايع اللسان ( هيع ) . (٤) العلل : الشربة الثانية ، والنهل : الأولى . اللسان ( علل ونهل ) . (٥) (٦) كعم البعير يكعمُه كعْماً : شدّ فاه . اللسان ( كعم ) . (٧) في ط : خمسة، وما هنا عن أوالكامل لابن الأثير (٤٠٧/٢ - ٤٠٩). كذا في أ، ط وهي في تاريخ الخميس (٢٣٢/١): أوروكة، وفي معجم البلدان (٢/ ١٥٣) : أرك - بفتحتين - (٨) وضم ابن دريد همزته : مدينة صغيرة في طرف برية حلب قرب تدْمُر ، وهي من فتوح خالد بن الوليد في اجتيازه من العراق إلى الشام . (٩) عذراء : قرية بغوطة دمشق من إقليم خولان معروفة إليها ينسب مرجها ، وإذا انحدرت من ثنية العقاب وأشرفت على الغوطة فتأملت على يسارك رأيتها أول قرية تلي الجبل. معجم البلدان (٤/ ٩١) قلت: ويلفظها أهل دمشق اليوم عدرا. (١٠) في أ: ولما مر بعذراء أغار على عسا وغنم غسان أموالًا عظيمة . وما هنا أوضح. ٨٨ وقعة اليرموك سار حتى وصل إلى قناة بصرى ، فوجد الصحابة تحاربها ، فصالحه صاحبها وسلمها إليه ، فكانت أول مدينة فتحت من الشام ولله الحمد . وبعثَ خالدٌ بأخماس ما غنم من غسان مع بلال بن الحارث المزني إلى الصديق ( ثم سار وأبو عبيدة ومرتد وشرحبيل إلى عمرو بن العاص - وقد قصده الروم بأرض العربا من المعور - فكانت واقعة أجنادين ). وقد قال رجل من المسلمين في مسيرهم هذا مع خالد(١) (من الرجز ] : الله عَيْنَا٢) رافِعِ أنَّى اهْتدى فَوّزَ مِنْ فُراقِرٍ إلى سُوى خمساً إذا ما سارها الجيشُ بكى ما سارَها قَبلكَ إنسيِّ أرى وقد كان بعضُ العرب قال له في هذا المسير : إن أنتَ أصبحتَ عند الشجرة الفلانية نجوتَ أنتَ ومنْ معكَ ، وإن لم تدركُها هلكتَ أنتَ ومنْ معك ، فسار خالد بمن معه وسَرَوا سروةً عظيمةً فأصبحوا عندها ، فقال خالد : عندَ الصَّباح يحمد القوم السُّرى . فأرسلها مثلاً ، وهو أول من قالها رضي الله عنه . ( ويقول غير ابن إسحاق ، كسيف بن عمر وأبي مِخْنَف وغيرهما في تكميل السياق الأول : حين اجتمعت الروم مع أمرائها بالواقوصة ) وانتقل الصحابة من منزلهم الذي كانوا فيه ، فنزلوا قريباً من الروم في طريقهم الذي ليس لهم طريق غيره ، فقال عمرو بن العاص : أبشروا أيها الناس ، فقد حصرت ( والله ) الروم ، وقلما جاء محصور بخير . ويقال : إنّ الصحابة لما اجتمعوا للمشورة في كيفية المسير إلى الروم ، جلس الأمراء لذلك فجاء أبو سفيان فقال : ما كنت أظنّ أني أعمَّر حتى أدرك قوماً يجتمعون لحرب ولا أحضرهم ، ثم أشار أن يتجزَّأ الجيشُ ثلاثةَ أجزاء ، فيسير ثلثه فينزلون تجاه الروم ، ثم تسير الأثقال والذراري في الثلث الآخر ، ويتأخر خالد بالثلث الآخر حتى إذا وصلت الأثقال إلى أولئك سار بعدهم ونزلوا في مكان تكون البرية من وراء ظهورهم لتصل ( إليهم ) البُرُد والمَدد . فامتثلوا ما أشار به ونعم الرأي هو . وذكر الوليد عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير : أن الروم نزلوا فيما بين دير أيوب واليرموك ، ونزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر ، وأذرعات خلفهم ليصل إليهم المدد من المدينة . ويقال إن خالداً إنما قدم عليه بعدما نزل الصحابة تجاه الروم بعد ما صابروهم ( وحاصروهم ) شهر ربيع الأول بكماله ، فلما انسلخ وأمكن القتال لقلة الماء بعثوا (١) الأشطار الثلاثة الأولى في معجم ما استعجم (١٠٥٨) وهي أربعة في معجم البلدان (٣١٨/٤) وهي في تاريخ الطبري ( ٤١٦/٣) كما هنا . (٢) في معجم ما استعجم : ضل ضلال رافع ، وفي معجم البلدان : لله در رافع . ٨٩ وقعة اليرموك إلى الصديق يستمدونه فقال : خالد لها ، فبعث إلى خالد فقدم عليهم في ربيع الآخر ، فعند وصول خالد إليهم أقبل باهان مدداً للروم ومعه القساقسة ، والشمامسة والرهبان يحثونهم ويحرضونهم على القتال لنصر دين النصرانية ، فتكامل جيش الروم أربعون ومئتا ألف ، ثمانون ألف مسلسل بالحديد والحبال ، وثمانون ألف فارس ، وثمانون ألف راجل . قال سيف(١) : وقيل بل كان الذين تسلسلوا كل عشرة سلسلة لئلا يفروا ثلاثين ألفاً ، فالله أعلم . ( قال سيف ) وقدم عكرمةُ بمنْ معه من الجيوش فتكاملَ جيشُ الصحابةِ ستةً وثلاثين ألفاً إلى الأربعين ألفاً . وعند ابن إسحاق والمدائني ( أيضاً ) : أن وقعةَ أجنادين قبل وقعة اليرموك وكانت وقعةُ أجنادين لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة ، وقتل بها بشر كثير من الصحابة ، وهزم الروم وقتل أميرهم القيقلان . وكان قد بعث رجلاً من نصارى العرب يجس له أمر الصحابة ، فلما رجع إليه قال : وجدتُ قوماً رهباناً بالليل فرساناً بالنهار ، والله لو سرقَ فيهم ابنُ ملكهم لقطعوه ، أو زنى لرجموه . فقال له القيقلان : والله لئن كنت صادقاً لبَطْنُ الأرض خيرٌ من ظهرها . ( وقال سيف بن عمر في سياقه ) : ووجد خالد الجيوش متفرقة فجيش أبي عبيدة وعمرو بن العاص ناحية ، وجيش يزيد وشرحبيل ناحية . فقام خالد في الناس خطيباً . ( وقال سيف بن عمر في وقعة اليرموك ) فأمرهم بالاجتماع ونهاهم عن التفرق والاختلاف . فاجتمع الناس وتَصافُوا مع عدوّهم في أول جمادى الآخرة ، وقام خالد بن الوليد في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال : إن هذا يوم من أيام الله ، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي ، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم ، وإن هذا يوم له ما بعده لو رددناهم اليوم إلى خندقهم فلا نزال نردهم ، وإن هزمونا لا نفلح بعدها أبداً ، فتعالوا فلنتعاور الإمارة فليكن عليها بعضُنا اليوم والآخر غداً والآخر بعد غد ، حتى يتأمّر كلكم ، ودعوني اليوم أليكم ، فأمّروه عليهم وهم يظنون أن الأمرَ يطول جداً، فخرجت الروم في تعبئة لم يُر ( مثلها ) قبلها قط، وخرج خالد في تعبئة لم تعبئها العرب قبل ( ذلك ). فخرج في ستة وثلاثين كردوساً ( إلى الأربعين ) كُّ كردوسٍ ألفُ رجلٍ عليهم أميرٌ ، وجعل أبا عبيدة في القلب ، وعلى الميمنة عمرو بن العاص ومعه شرحبيل بن حسنة ، وعلى الميسرة يزيد بن أبي سفيان . وأمَّرَ على كل كردوس أميراً ، وعلى الطلائع قُبَات(٢) بن أشيم، وعلى الأقباض عبد الله بن مسعود ، والقاضي يومئذ أبو الدرداء، وقاصّهم الذي (١) قول سيف وخبر وقعة اليرموك في تاريخ الطبري (٣٩٤/٣ - ٤١١) والكامل لابن الأثير (٤١٠/٢ - ٤١٥). (٢) في أ، ط : قباب؛ وهو تحريف ، وهو قُباث بن أشيم بن عامر بن الملوِّح الليثي ويقال التميمي والكناني وهو الأكثر. الاستيعاب (١٣٠٣/٤) والإكمال (٩٧/٧) وجامع الأصول (٥٥/١٥) وأسد الغابة (٣٧٩/٤) والإصابة ( ٢٢١/٣) . ٩٠ وقعة اليرموك يعظُهم ويحثُّهم على القتال أبو سفيان بن حرب، وقارؤهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة الأنفال وآياتِ الجهاد المِقْداد بن الأسود . وذكر إسحاق بن يسار بإسناده : أنَّ أمراء الأرباع يومئذ كانوا أربعة ، أبو عبيدة وعمرو بن العاص وشُرحبيل بن حَسَنة ويزيد بن أبي سفيان ، وخرج الناس على راياتهم وعلى الميمنة معاذ بن جَبَل ، وعلى المَيْسرة نفاثة بن أسامة الكناني ، وعلى الرجَّالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، وعلى الخيَّالة خالد بن الوليد وهو المشير في الحرب الذي يصدر الناس كلهم عن رأيه ، ولما أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها كأنهم غمامة سوداء يصيحون(١) بأصوات مرتفعة ( ورهبانهم ) يتلون الإنجيلَ ويحثُّونهم على القتال ، وكان خالد في الخيل بين يدي الجيش(٢) فساق بفرسه إلى أبي عبيدة فقال له : إني مشيرٌ بأمر ، فقال : قُلْ ما أمرَكَ الله أسمعُ لك وأطيع . فقال له خالد ( إن ) هؤلاء ( القوم ) لا بدَّ لهم من حملة عظيمة لا محيدَ لهم عنها ، وإني أخشى على الميمنة والميسرة (وقد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين وأجعلها وراء ) ( الميمنة والميسرة ) حتى إذا صدموهم ( كانوا لهم ردءاً فنأتيهم من ورائهم (٣) . فقال له : نِعْمَ ما رأيتَ . فكان خالدٌ في أحد الخيلين من وراء الميمنة ، وجعل قَيْسَ بن هُبَيْرة في الخيل الأخرى ، وأمر أبا عبيدةً أن يتأخّر عن القلبِ إلى وراءِ الجيش كلَّه لكي إذا رآه المنهزمُ استحيى منه ورجع إلى القتال ، فجعل أبو عبيدة مكانَه في القلب سعيدَ بن زيد أحدَ العشرة رضي الله عنهم ، وساقَ خالدٌ إلى النساء من وراء الجيش ومعهنَّ عددٌ من السيوف وغيرها ، فقال لهن : من رأيتموه مولِّياً فاقتلنه ، ثم رجع إلى موقفه رضي الله عنه . ولما تراءى الجمعان وتبارزَ الفريقان وعظَ أبو عبيدة المسلمين فقال : عبادَ الله انصرُوا الله ينصرْكمْ ويُثبّتْ أقدامكم ، يا معشر(٤) المسلمين اصبروا فإن الصبرَ منجاةٌ من الكفر ومرضاةٌ للربّ ومدحضةٌ للعار ، ولا تبرحوا مصافّكم ، ولا تخطوا إليهم خطوة ، ولا تبدؤوهم بالقتال ، وشرِّعوا الرماح ، واستتروا بالدرق ، والزموا الصمت إلا من ذِكْرِ الله ( في أنفسكم ) حتى آمركم إن شاء الله تعالى . قالوا : وخرج معاذُ بن جبَلٍ على الناس فجعلَ يُذكِّرُهُم ويقولُ: يا أهلَ القرآن ، ومتحفّظي(٥) الكتاب وأنصار الهدى والحقّ ، إن رحمة الله لا تُنال وَجنَّتُهُ لا تُدْخِلُ بالأماني ، ولا يؤتي اللهُ المغفرةَ والرحمةَ (١) في أ : يضجّون. (٢) في أ : بين يدي الميسرة . مكان القوسين في أ : رأوا أنفسهم من ورائهم . (٣) في أ : يا معاشر . (٤) (٥) في أ : ومستحفظي . ٩١ وقعة اليرموك الواسعةَ إلا الصادقَ المُصدِّق، ألم تسمعوا لقول الله: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِىِ الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [ النور: ٥٥] الآية. فاستحيوا رحمكم اللهُ من ربكم أن يراكُمْ فراراً من عدُوّكم وأنتم في قَبْضتهِ وليس لكم مُلْتحدٌ من دونه ولا عزٌّ بغيره . وقال عمرو بن العاص : يا أيُّها المسلمون غُضّوا الأبصارَ، وأجثوا على الرُّكَب ، واشرعوا الرماحَ ، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنَّة فثبوا إليهم وَثْبة الأسدِ ، فوالذي يرضى الصدق ويُتيبُ عليه ويمقتُ الكذب ويجزي بالإحسان إحساناً ، لقد سمعتُ أن المسلمين سيفتحونها كَفْراً كَفْراً وقَصْراً قَصْراً، فلا يهولنَّكمُ (١) جموعُهُم ولا عددُهم، فإنكم لو صدقتموهم [ في ] الشد تطايروا تطاير أولاد الحَجَل . وقال أبو سفيان : يا معشرَ المسلمين أنتم العربُ، وقد أصبحتُم في دار العَجم منقطعين عن الأهل نائين (٢) عن أمير المؤمنين وأمداد المسلمين ، وقد والله أصبحتُم بإزاء عدوٍّ كثير عددُه، شديد عليكم حنقه(٣) ، وقد وترتموهم في أنفسهم وبلادهم ونسائهم ، والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم ، ولا يبلغ بكم رضوان الله غداً إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة ، ألا وإنها سنَّة لازمة وأن الأرض وراءكم ، بينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحاري وبراري ، ليس لأحد فيها معقل ولا معدل إلا الصبر ورجاء ما وعد الله فهو خيرُ معول ، فأمتنعوا بسيوفكم وتعاونوا ولتكن هي الحصون . ثم ذهب إلى النساء فوصاهنَّ ثم عاد فنادى : يا معاشر أهل الإسلام حضر ما ترون فهذا ما ترون رسول الله والجنة (٤) أمامكم ، والشيطان والنار خلفكم . ثم سار إلى موقفه رحمه الله . وقد وعظَ الناسَ أبو هريرة أيضاً فجعل يقول : سارعوا إلى الحُور العين وجوار ربكم عزَّ وجلَّ في جنات النعيم ، ما أنتم إلى ربكم في موطنٍ بأحبّ إليه منكم في مثل هذا الموطن ، ألا وإن للصابرين فضلهم . قال سيف بن عمر بإسناده عن شيوخه ، إنهم قالوا٥) : كان في ذلك الجمع ألف رجل من الصحابة ، منهم مئة من أهل بدر . وجعل أبو سفيان يقف على كل كردوس ويقول : اللهَ اللهَ، إنكم دارة العرب وأنصارُ الإسلام، وإنهم دارةُ الرومِ وأنصارٌ الشِّرك، اللهم إن هذا يوم من أيامك ، اللهم أنزل نصرك على عبادك . قالوا : ولما أقبل خالد من العراق قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد : ما أكثر الرومَ وأقلَّ المسلمينَ !! فقال خالد : (١) في ط : فلا يهولكم . (٢) في أ : نائبين . (٣) في أ : ضيقة . في أ : حضر ما ترون فهذا ما ترون والجنة أمامكم . (٤) تاريخ الطبري (٣٩٧/٣) فما بعدها . (٥) ٩٢ وقعة اليرموك ويلك ، أتخوّفني بالروم ؟ وإنما تكثر الجنود بالنصر ، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال ، والله لوددت أن الأشقر برأ من توجعه ، وأنهم أضعفوا في العدد - وكان فرسه قد حفا واشتكى في مجيئه من العراق - ولما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان ومعهما ضرار بن الأزور ، والحارث بن هشام ، وأبو جندل بن سهيل ، ونادوا : إنما نريد أميركم لنجتمع به ، فأذن لهم في الدخول على تذارق ، وإذا هو جالسٌ في خيمةٍ من حرير . فقال الصحابة : لا نستحلُّ دخولها ، فأمرَ لهم بفرشِ بسطٍ من حرير ، فقالوا : ولا نجلس على هذه . فجلس معهم حيث أحبُّوا وتراضوا على الصلح، ورجعُ(١) عنهم الصحابة بعد ما دعوهم إلى الله عزَّ وجلَّ فلم يتم ذلك. وذكر الوليد بن مسلم : أن باهان طلب خالداً ليبرز إليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحةٍ لهم فقال باهان : إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهدُ والجوعُ ، فهلموا إلى أن أعطي كلَّ رجلٍ منكم عشرةً دنانير وكسوةً وطعاماً وترجعون إلى بلادكم ، فإذا كان من العام المقبل(٢) بعثنا لكم بمثلها ، فقال خالد : إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت ، غير أنّا قومٌ نشربُ الدماء ، وأنه بلغنا أنه لا دمَ أطيبُ من دم الروم ، فجئنا لذلك . فقال أصحاب باهان : هذا والله ما كنا نُحدِّثُ به عن العرب قالوا: ثم تقدَّم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو - وهما على مَجْنبتي القلب - أن ينشبا القتال ، فبدرا يرتجزان ودَعوا إلى البراز ، وتنازل الأبطال ، وتجاولوا، وحمي الحرب ، وقامت على ساقٍ . هذا وخالدٌ مع كردوس من الحماة(٣) الشجعان الأبطال بين يدي الصفوف ، والأبطال يتصاولون من الفريقين بين يديه ، وهو ينظر ويبعث إلى كل قوم من أصحابه يما يعتمدونه من الأفاعيل ، ويدبّر أمر الحرب أتم تدبير . وقال إسحاق بن بشير(٤) : عن سعيد بن عبد العزيز ، عن قدماء مشايخ دمشق ، قالوا : ثم زحف باهان فخرج أبو عبيدة ، وقد جعل على المَيْمنة مُعاذَ بن جَبَلٍ ، وعلى المَيْسرة قُباثَ بن أشْيم الكناني ، وعلى الرجَّالة هاشم بن عتبة ( بن أبي وقاص ) ، وعلى الخيل خالد بن الوليد ، وخرج الناس على راياتهم ، وسار أبو عبيدة بالمسلمين ، وهو يقول : عبادَ الله انصروا الله ينصرُكم ويُثبّتْ أقدامَكُم ، يا معاشرَ المسلمين أصبْروا فإنَّ الصبرَ منجاةٌ من الكفر، ( ومرضاة للرب )، ومدحضةٌ للعار ، ولا تبرحوا مصافَّكُم ، ولا تخطوا إليهم خطوة ، ولا تبدؤوهم بالقتال ، وأشرِعوا الرماح ، واستتروا بالدرق ، والزموا الصمتَ إلا من ذِكْر الله . وخرج معاذ بن جَبَل فجعل يُذكِّرهم ، ويقول : يا أهلَ القرآن ، ومستحفظي الكتاب ، وأنصار الهدى والحق ، إنَّ رحمةَ الله لا تُنال، وجنَّتَه لا تُدْخِلُ بالأماني ، ولا يُؤْتي اللهُ المغفرة والرحمة الواسعة إلا في أ : ورجعوا ؛ على لغة - أكلوني البراغيث - وهي لغة مفضولة. (١) (٢) في أ : العام القابل . في أ : من الجماعة . (٣) الخبر في تاريخ دمشق - ترجمة عمر - ( ٥٣٧ ). (٤) ٩٣ وقعة اليرموك للصادق المُصدِّق، ألم تسمعوا لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ [ النور: ٥٥] إلى آخر الآية؟ فاسْتَحْيُوا - رحمكم الله - من ربكم أن يراكم فراراً من عدوكم ، وأنتم في قبضته ، وليس لكم مُلْتحدٌ من دونه . وسار عمرو بن العاص في الناس وهو يقول : أيُّها المسلمون غُضّوا الأبصار واجثوا على الركب ، وأشرعوا الرماحَ ، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فَتِبُوا وثبةَ الأسدِ ، فوالذي يرضى الصدق ويُثيب عليه ويَمْقتُ الكذبَ ويجزي بالإحسان إحساناً ، لقد سمعتُ أنَّ المسلمين سيفتحونها كَفْراً كَفْراً وقَصْراً قَصْراً ، فلا يهولنكم جموعُهم ولا عددُهم ، فإنكم لو صدقتموهم الشد التطايرو(١) [ تطاير] أولاد الحجل. ثم تكلم أبو سفيان فأحسن وحثّ على القتال فأبلغ في كلام طويل . ثم قال حين تواجه الناس : يا معشرَ أهل الإسلام حضر ما ترون ، فهذا رسول الله والجنة أمامكم ، والشيطان والنار خلفكم . وحرَّض أبو سفيان النساء فقال: من رأيتنه (٢) فاراً فاضربنه بهذه الأحجار والعصيّ حتى يرجع. وأشار خالد أن يقف في القلب سعيد بن زيد ، وأن يكون أبو عبيدة من وراء الناس ليردَّ المُنهزمَ . وقسم خالد الخيلَ قسمين فجعل فرقةً وراء الميمنة ، وفرقة وراء الميسرة ، لئلا يفرّ الناسُ وليكونوا ردءاً لهم من ورائهم . فقال له أصحابه : افعلْ ما أراكَ اللهُ، وامتثلوا ما أشارَ به خالدٌ رضي الله عنه . وأقبلت الرومُ رافعة (٣) صلبانها ولهم أصواتٌ مزعجةٌ كالرعد ، والقساقسة والبطارقة تحرّضُهم على القتال وهم في عَددٍ وعُدَ(٤) لم يرَ مثله ، فالله المستعان وعليه التكلان . وقد كان فيمن شهد اليرموكَ الزبيرُ بن العوّام ، وهو أفضل منْ هُناك من الصحابة ، وكان من فرسان الناس وشجعانهم ، فاجتمع إليه جماعة من الأبطال يومئذ ( فقالوا ) : ألا تحملُ فنحملُ معك ؟ فقال : إنكم لا تَثْبتون . فقالوا : بلى . فحمل وحملوا فلما واجهوا صفوفَ الرُّوم أحجموا وأقدم هو فاخترقَ صفوفَ الروم حتى خرج من الجانب الآخر وعاد إلى أصحابه . ثم جاؤوا إليه مرةً ثانيةً ففعل كما فعل في الأولى ، وجُرح يومئذ جرحان بين كتفيه ، وفي روايةٍ جرٌ . وقد روى البخاري معنى ما ذكرناه في صحيحه(٥) . وجعل معاذ بن جبل كلما سمع أصوات القسيسين والرهبان يقول : اللهم زلزل في أ : لطاروا . (١) في أ : من رأيتموني . والمثبت هو الأصح . (٢) (٣) في أ : واقفة . في أ : في عدد وعديد . (٤) صحيح الإمام البخاري ( ٣٧٢١) كتاب فضائل الصحابة. والخبر عن عروة عن أبيه: أن أصحاب النبي وَّه قالوا: (٥) للزبير يوم وقعة اليرموك : ألا تشدُّ فنشدّ معك؟ فحمل عليهم فضربوه ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضربها يوم بدر . قال عروة : فكنت أُدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير . ٩٤ وقعة اليرموك ( أقدامهم ) ، وأرعب قلوبهم ، وأنزل علينا السكينة ، وألزمنا كلمة التقوى، وحبِّبْ إلينا اللقاء ، وأرضنا بالقضاء . وخرج باهان فأمر صاحب الميسرة وهو الديريجان ، وكان عدو الله متنسكاً فيهم ، فحمل على الميمنة وفيها الأزد ومذحج وحضرموت ( وخولان ) ، فثبتوا حتى صدّوا أعداء الله ، ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال . فزال المسلمون من الميمنة إلى ناحية القلب ، وانكشف طائفة من الناس إلى العسكر ، وثبت صور(١) من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم ، وانكشفت زبيد . ثم تنادوا فتراجعوا وحملوا حتى نهنهوا من أمامهم من الروم وأشغلوهم عن اتباع من انكشف من الناس ، واستقبل النساء من انهزم من سرعان الناس يضربنهم(٢) بالخشب والحجارة وجعلت خولة ( بنت ثعلبة ) تقول : ( من الرجز ] : يا هَارِباً عن نِسْوَةٍ تَقِيّات فعَنْ قَليلٍ ما ترى سَبِيّات ولا حَصِیاتٍ ولا رضيّات قال : فتراجع الناس إلى مواقفهم . وقال سيف بن عمر(٣) : عن أبي عثمان الغَسَّاني ، عن أبيه . قال قال عكرمة بن أبي جهل يوم اليرموك: قاتلت رسول الله صل﴾ في مواطن وأفؤُ منكم اليوم ؟ ثم نادى : من يبايع على الموت ؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام ، وضرار بن الأزور في أربعمئة من وجوه المسلمين وفرسانهم ، فقاتلوا قدَّامَ فسطاطِ خالدٍ حتى أثبتوا جميعاً جراحاً ، وقتل منهم خلق منهم ضرار بن الأزور رضي الله عنهم . وقد ذكر الواقدي وغيره : أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماءً فجيء إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال : ادفعها إليه ، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال : ادفعها إليه ، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعاً ولم يشربها أحد منهم . رضي الله عنهم أجمعين . ويقال : إنَّ أول منْ قُتل من المسلمين يومئذ شهيداً رجلٌ جاءَ إلى أبي عبيدة فقال : إنّي قد تهيأتُ لأمري فهل لكَ من حاجة إلى رسول الله وَلَّ؟ قال: نعم، تُقرئه عني السلام وتقول: يا رسول الله إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً . قال : فتقدَّم هذا الرجلُ حتى قُتل ، رحمه الله . قالوا : وثبتَ كلُّ قوم على رايتهم حتى صارتِ الرومُ تدورُ كأنها الرحا . فلم تر يوم اليرموك ( إلا) مُخَّا ساقطاً، ومعصماً نادرا٤ً)، وكفاً طائرة من ذلك الموطن . ثم حملَ خالدٌ بمن معه من الخيّالة على المَيْسرة التي حملتْ على مَيْمنة المسلمين فأزالوهم إلى القلب ، فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف (١) الصور والسور واحد . في أ : يضربونهم ؛ وما هنا أقرب للسياق . (٢) تاريخ الطبري ( ٤٠١/٣ ). (٣) (٤) ندر الشيء يندر ندوراً فهو نادر: سقط وشدَّ. اللسان (ندر ). ٩٥ وقعة اليرموك منهم ، ثم قال : والذي نفسي بيده لم يبقَ عندهم من الصبر والجلد غيرُ ما رأيتُمْ، وإنّي لأرجو أن يمنحَكُم الله أكتافهُمْ. ثم اعترضَهُم فحملَ بمئة فارس معه على نحو من مئة ألف فما وصل إليهم حتى انفضَّ جمعُهم ، وحمل المسلمون عليهم حملةَ رجلٍ واحد ، فانكشفوا وتبعهم المسلمون لا يمتنعون منهم . قالوا : وبينما هُمْ في جولةِ الحرب وحومةِ الوَغى والأبطالُ يتصاولون من كلِّ جانبٍ ، إذ قدم البريدُ من نحو الحجاز فدُفع إلى خالد بن الوليد فقال له : ما الخبرُ؟ فقال له - فيما بينه وبينه - : إن الصدِّيقَ رضي الله عنه قد توفي واستخلفَ عمرَ ، واستنابَ على الجيوش أبا عبيدةَ عامرَ بن الجرّاح . فأسرّها خالدٌ ولم يُبْد ذلك للناس لئلا يحصل ضعفٌ ووهنٌ في تلك الحال، وقال له (١) والناسُ يسمعون: أحسنتَ، وأخذ منه الكتابَ فوضعه في كنانته واشتغل بما كان فيه من تدبير الحرب والمقاتلة ، وأوقف الرسول الذي جاء بالكتاب - وهو محمية بن زنيم - إلى جانبه . كذا ذكره ابن جرير(٢) بأسانيده. قالو(٣) : وخرجَ جرجة أحد الأمراء الكبار من الصف واستدعى خالد بن الوليد فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما ، فقال جرجة : يا خالد أخبرني فاصدقني ولا تكذبني ، فإنَّ الحُرَّ لا يكذب ، ولا تخادعني فإنّ الكريمَ لا يُخادع المسترسل بالله ، هل أنزل ( الله) على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسلّه على أحد إلا هزمتهم ؟ قال : لا! قال : فبم سُمِّيت سيفَ الله ؟ قال : إن الله بعثَ فينا نبيَّه فدعانا فتفرنا منه ونأينا عنه جميعاً ، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه (٤) ، وبعضنا كذبه وباعده ، فكنت فيمن كذَّبه وباعدَه ، ثم إنّ اللهَ أخذُ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه ، فقال لي : أنت سيفٌ من سيوفِ الله سله (الله) على المشركين . ( ودعا لي بالنصر ، فَسُمِّتُ سيف الله بذلك ، فأنا من أشد المسلمين على المشركين ). فقال جرجة : يا خالد إلى ما تدعون ؟ قال : إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبدُه ورسولُه والإقرار بما جاء به من عند الله عزَّ وجلَّ. قال : فمن لم يجبكم ؟ قال : فالجزية ونمنعهم . قال : فإن لم يُعْطها؟ قال : نؤذنه بالحرب ثم نقاتله ، قال : فما منزلةُ ( من) يُجيبكم ويدخلُ في هذا الأمر اليوم ؟ قال منزلتنا واحدة فما افترض الله علينا ، شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا . قال جرجة : فلمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر والذخر ؟ قال : نعم وأفضل . قال : وكيف يساويكم وقد سبقتموه ؟ فقال خالد : إنا قبلنا هذا الأمر عنوة وبايعنا نبينا وهو حيٌّ بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتاب ويُرینا الآيات ، وحق لمن رأى ما رأينا ، وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع ، وإنكم أنتم لم ترو(٥) ما رأينا ، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج ، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقةٍ ونيّةٍ كان أفضلَ منا ؟ فقال في أ : وقال له : أحسنت ؛ والناس يسمعون . (١) (٢) تاريخه ( ٣٩٨/٣). تاريخ الطبري ( ٣٩٨/٣ - ٤٠٠). (٣) في أ : وبايعه . (٤) (٥) في أ : لو رأيتم . ٩٦ وقعة اليرموك جرجة : بالله لقد صَدَقْتني ولم تُخادعني؟ قال : تالله لقد صَدَقْتُك وإنَّ اللهَ وليُّ ما سألتَ عنه . فعند ذلك قلبَ جرجة الترسَ ومال مع خالد. وقال : علّمْني الإسلامَ، فمال به خالدٌ إلى فسطاطه فسنُ(١) عليه قربةً من ماءٍ ثم صلَّى به ركعتين . وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها منه حملة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية عليهم عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام . فركب خالد وجرجة معه والروم خلال المسلمين، فتنادى الناس وثابوا وتراجعت الرومُ إلى مواقفهم وزحف خالدٌ بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد وجرجة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب . وصلَّى المسلمون صلاة الظهر وصلاة العصر إيماءً ، وأُصيب جرجة رحمه الله ولم يصلِّ لله إلا تلك الركعتين مع خالد رضي الله عنهما . وضعضعت الروم عند ذلك . ثم نهدَ خالد بالقلب حتى صار في وسط خيول الرُّوم ، فعند ذلك هربت(٢) خيالتهم ، وأسندتْ (٣) بهم في تلك الصحراء ، وأفرج المسلمون بخيولهم حتى ذهبوا . وأخَّر الناس صلاتي العشاءين حتى استقر الفتح ، وعمد خالد إلى رحل الرُّوم وهم الرجالة ففصلوهم عن آخرهم حتى صاروا كأنهم حائطٌ قد هُدِمَ ، ثم تبعوا من فرّ من الخيالة ، واقتحم خالد عليهم خندقهم ، وجاء الروم في ظلام الليل إلى الواقوصة ، فجعل الذين تسلسلوا وقيدوا بعضهم ببعض إذا سقط واحدٌ منهم سقط الذين معه . قال ابن جرير(٤) وغيره : فسقط فيها وقتل عندها (مئة ألف وعشرون ألفاً سوى منْ قُتل في المعركة . وقد قاتل نساءُ المسلمين في هذا اليوم وقتلوا خلقاً كثيراً من الروم ، وكن يضربن من انهزم من المسلمين ويقلن : أين تذهبون وتدعوننا للعلوج ؟ فإذا زَجَرْنَهم لا يملك أحد نفسه حتى يرجعَ إلى القتال . قال : وتجلل القيقلان وأشراف من قومه من الروم ببرانسهم وقالوا : إذا لم نقدر(٥) على نصر دين النصرانية فلنمتْ على دينهم . فجاء المسلمون فقتلوهم عن آخرهم . قالوا : وقتل في هذا اليوم من المسلمين ثلاثة آلاف منهم عكرمة وابنه عمرو ، وسلمة (٦) بن هشام ، سنَّ عليه الماء : صبَّه . اللسان ( سنن ) . (١) (٢) في أ : ذهبت . سندنا في الجبل وأسندنا جبلها فيها : أي صعدنا فيه . اللسان ( سند ) . (٣) (٤) تاريخه ( ٣/ ٤٠٠ ) . في أ : قال وتخلخل القيقلان وأشراف قومه من الروم برأسهم وقالوا : إذا لم يقدر .. (٥) في أ : ابن سلمة ؛ وهو زيادة لا ضرورة لها ، فسلمة بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي (٦) المخزومي ، من خيار الصحابة وفضلائهم ، وهو أخو أبي جهل بن هشام . قتل سنة ١٤ في خلافة عمر وقيل سنة ١٣ قبل موت أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً. ترجمته في الاستيعاب (٦٤٣) وجامع الأصول (١٤ / ١٩٢) وأسد الغابة (٤٣٥/٢ -٤٣٦) والإصابة (٦٨/٢ - ٦٩). ٩٧ وقعة اليرموك وعمرو بن سعيد ، وأبان بن سعيد ، وأثبت (١) خالد بن سعيد فلا يُدرى أين ذهب، وضرار بن الأزور ، وهشام بن العاص ، وعمرو بن الطفيل بن عمرو الدوسي ، وحقَّقَ اللهُ رؤيا أبيه (٢) يوم اليمامة . وقد تسلل(٣) في هذا اليوم جماعة من الناس ؛ انهزم عمرو بن العاص في أربعة حتى وصلوا إلى النساء ثم رجعوا حين زجرهم(٤) النساء ، وانكشف شرحبيل بن حسنة وأصحابه ثم تراجعوا حين وعظهم الأمير بقوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ أُشْتَّرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] . وثبت يومئذ يزيدُ بن أبي سفيان وقاتلَ قتالاً شديداً ، وذلك أن أباه مرَّ به فقال له : يا بني عليك بتقوى الله والصبر فإنه ليس رجلٌ بهذا الوادي من المسلمين إلا محفوفاً بالقتال ، فكيف بك وبأشباهك الذين ولّوا أمور المسلمين ؟! أولئك أحقّ الناس بالصبر والنصيحة ، فاتَّ اللهَ يا بُنيَّ ولا يكوننَّ أحدٌ من أصحابك بأرغب في الأجر والصبر في الحرب ولا أجرأ على عدوّ الإسلام منك . فقال : أفعل إن شاء الله . فقاتل يومئذ قتالاً شديداً وكان من ناحية القلب رضي الله عنه . وقال سعيد بن المسيب عن أبيه قال : هدأتِ الأصواتُ يومَ اليرموك فسمعنا صوتاً يكاد يملأ العسكر يقول : يا نصر الله اقترب ، الثباتَ الثباتَ يا معشرَ المسلمين ، قال : فنظرنا فإذا هو أبو سفيان ( تحت راية ابنه يزيد ) ، وأكمل خالدٌ ليلته في خيمة تذارق أخي هرقل - وهو أميرُ الروم كلهم يومئذ - هرب فيمن هرب ، باتت الخيول تجول نحو خيمةِ خالدٍ يقتلون من مرَّ بهم من الروم حتى أصبحوا وقتل تَذارِق وكان له ثلاثون سرادقاً وثلاثون رواقاً من ديباج بما فيها من الفرش والحرير ، فلما كان الصباح حازوا ما كان هنالك من الغنائم . وما فرحوا بما وجدوا بقدر حزنهم على الصدِّيق حين أعلمهم خالد بذلك ، ولكن عوضهم الله بالفاروق رضي الله عنه . وقال خالد حين عزَّى المسلمين في الصدِّيق : الحمد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت ، وكان أحبَّ إليَّ من عمر ، والحمد لله الذي ولى عمر وكان أبغضَ إليَّ من أبي بكر وألزمني حبَّه . وقد اتبع خالد منِ انهزمَ من الروم حتى وصلَ إلى دمشقَ فخرج إليه أهلها فقالوا : نحن على عهدنا وصلحنا ؟ قال : نعم . ثم اتبعهم إلى ثنيَّةِ العقاب فقتلَ منهم خلقاً كثيراً ثم ساقَ وراءهم إلى حمص فخرج إليه أهلُها فصالحهم كما صالح أهل دمشق . وبعث أبو عبيدة عياضَ بن غَنْم وراءهم أيضاً فساقَ حتى وصلَ مَلَظْيَةُ(٥) فصالحه أهلُها ورجعَ. فلما بلغَ (١) في أ: وابنه ؛ وهو تحريف . وأثبت أي جرح جرحاً عميقاً وفي تاريخ الطبري (٤٠٢/٣) وأثبت خالد بن سعيد فلا يدرى أين مات بعد . (٣) (٢) في أ : رؤيا ابنه . في ط : اتلف ، ولا معنى لها . في أ : زجرنهم ؛ على لغة أكلوني البراغيث . (٤) في أ: مليطة ؛ وهو تحريف . ومَلطية بلدة في بلاد الروم مشهورة مذكورة تتاخم الشام. معجم البلدان (٥/ ١٩٢). (٥) ٩٨ وقعة اليرموك هرقل (ذلك) بعثَ إلى مقاتليها فحضروا بين يديه وأمر بمَلَطْيَه فحُرقت وانتهت الرومُ منهزمةً إلى هرقل وهو بحمص والمسلمون في آثارهم يقتلون ويأسرون ويغنمون . فلما وصل الخبر إلى هرقل ارتحل من حمص وجعلها بينه وبين المسلمين وترس (بها) وقال هرقل: أما الشامُ فلا شام، وويلٌ للروم من المولودِ المشؤوم. ومما قيل من الأشعار في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو : [ من الوافر ] كَمَا فُزْنا بأيّامِ العِراقِ ألمْ ترَنَا عَلَى الْيَرْموكِ فُزْنا ومَرْجِ الصُّفرِ بالجُزْدِ العِتَاقِ(١) وعذراءَ المدائنِ قد فَتَحْنا فتَحْنا قَبْلها بُصْرَى وكَانَتْ فَتَلْنَا مِنْ أقامَ لَنا وفِينا قَتَلْنا الرُّومَ حتى ما تساوَى فَضَضْنا جمْعُهُم لما استجالوا غداةَ تهافتوا فيها فَصَاروا وقال الأسود أبو مفزّر(٤) التميمي: [ من الطويل ] وكمْ قَدْ أَغَرْنا غارةً بعد غارةٍ ولولا رجالٌ كانَ عشو(٥) غنيمةٍ لقيناهم(٧) الْيَرْموك لمَّا تَضَايَقَتْ فلا يَعْدِمنْ [ منَّا ] هرقلُ كَتَائباً وقال عمرو بن العاص : [ من الرجز ] مُحرَّمةَ الجناب لدى النعاقِ(٢) نَهابُهُمُ بِأَسْيافٍ رقاقٍ على اليرموكِ معروقُ الوراق على الواقوصِ بالبُثْرِ الرِّقَاقِ(٣) إلى أمرٍ فعُضِّلَ بالذواقِ وَيَوْماً وَيَوماً قد كَشَفْنا أهاوِلُهُ لدى مأقطِ(٦) رَجّتْ علينا أوائله بمنْ حَلَّ باليَرْموكِ منهُ حمائلهُ إذا رَامَها رامَ الَّذي لا يُحاوِلُه القَوْمُ لخمٌ وجذامٌ في الحربْ فإنْ يَعُودوا بها لا نَصْطحبْ ونحْنُ والرُّومُ بمَرْجِ نَضْطربْ بل نَعْصِبُ الفُرّارَ بالضَرْبِ الگربْ وروى أحمد بن مروان المالكي(٨) في (( المجالسة)): حدَّثنا أبو إسماعيل الترمذي حدَّثنا في أ : ومرج الصفرين على العتاق . (١) (٢) نعق ينعق نعقاً ونعاقاً ونعيقاً ونعقاناً: صاح بها . اللسان ( نعق). (٣) أ : على الواقوصة البتر . (٤) في ط : الأسود بن مقرن، وفي أ: أبو الأسود المقرر ؛ وكلاهما خطأ. والأبيات في تاريخ دمشق - ط دار الفكر - (٦٩/٩) ومختصره لابن منظور (٣٨٨/٤). أ : عسو ، وفي تاريخ ابن عساكر ومختصره : حشو ، والشطر غير واضح المعنى . (٥) المأقط : المضيق فى الحرب جمعه ماقط . اللسان ( أقط ). (٦) في التاريخ ومختصره : كفيناهم . (٧) (٨) أحمد المالكي الدينوري محدث فقيه، نزل مصر وبها توفي من تأليفه كتاب (( المجالسة )) الذي يرويه البوصيري = ٩٩ انتقال إمرة الشام من خالد إلى أبي عبيدة أبو معاوية، عن عمرو، عن أبي إسحاق قال: كان أصحاب رسول الله وَ لَه لا يثبتُ لهم العدوُ فُواقَ ناقةٍ(١) عند اللقاء، فقال هرقل وهو على أنطاكية لمّا٢) قدمت منهزمةُ الروم : ويُلَكُم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشراً مثلكم ؟ قالوا : بلى [وقال ] : فأنتم أكثر أم هم ؟ قالوا : بل نحن أكثرُ منهم أضعافاً في كلِّ موطن . قال : فما بالكم تنهزمون ؟ فقال شيخٌ من عظمائهم : من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار ، ويوفون بالعهد ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويتناصفون بينهم ، ومن أجل أنا نشرب الخمر ، ونزني ، ونركب الحرام ، وننقض العهد ، ونغْصب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عمَّا يُرضي الله ونفسد في الأرض . فقال : أنت صدقتني . وقال الوليد بن مسلم : أخبرني من سمع يحيى بن يحيى الغساني يحدث عن رجلين من قومه قالا : لمّا نزل المسلمون بناحية الأردن ، تحدثنا بيننا أن دمشق ستحاصر فذهبنا نتسوق ( منها ) قبل ذلك ، فبينا نحن فيها إذ أرسل إلينا بطريقها فجئناه فقال : أنتما من العرب ؟ قلنا : نعم ! قال : وعلى النصرانية ؟ قلنا : نعم . فقال : ليذهب أحدُكما فليتجسس لنا عن هؤلاء القوم ورأيهم ، وليثبت الآخر على متاع صاحبه . ففعل ذلك أحدنا ، فلبثَ ملياً ثم جاءه فقال: جئتكَ من عند رجال(٣) دقاق يركبون خيولً عتاقاً ، أما الليل فرهبان ، وأما النهار ففرسان ، يريشون النبل ويبرونها ، ويثقفون القنا، لو حدَّثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر . قال فالتفت إلى أصحابه وقال : أتاكم منهم ما لا طاقة لكم به . انتقال إمرة الشام من خالد إلى أبي عبيدة [ في الدولة العمرية وذلك ] بعد وقعة اليرموك وصيرورة الإمرة بالشّام إلى أبي عبيدة أولَ منْ سُمِّ أميرَ الأمراء قد تقدم أن البريد قدم بموت الصديق والمسلمون مصافو الروم يوم اليرموك ، وأن خالداً كتم ذلك عن المسلمين لئلا يقع وهن ، فلما أصبحوا أجلى لهم الأمر وقال ما قال ، ثم شرع أبو عبيدة في جمع الغنيمة وتخميسها ، وبعث بالفتح والخمس مع قُباث(٤) بن أَشْيم إلى الحجاز ، ثم نودي بالرحيل إلى دمشق ، فساروا حتى نزلوا مرج الصُّفَّر، وبعث أبو عبيدة بين يديه طليعةً أبا أمامة الباهلي ومعه رجلان من أصحابه. قال أبو أمامة : فسرتُ فلمّا كان ببعض الطريق أمرتُ الآخر فكَمَنَ هناك وسرتُ أنا وحدي حتى جئتُ بابَ البلد، وهو مغلقٌ في الليل، وليس هناك أحد، فنزلتُ وغرزت رمحي بالأرض، ونزعت لجامَ فرسي، وغيره توفي بعد الثلاثين والثلاث مئة. سير أعلام النبلاء (٤٢٧/١٥) ومعجم المؤلفين (١٧٤/٢) . = (١) فواق ناقة : أي قدر ما بين الحلبتين . (٢) في ط : كما ؛ تحريف ، وما هنا أقرب للسياق . (٣) في أ : قوم . في ط : قباب ؛ تحريف . وقد تقدمت ترجمته . (٤) ١٠٠ وقعة جرت بالعراق وعلقت عليه مخلاتَه ونمتُ، فلما أصبحَ الصباحُ قمتُ فتوضَّأتُ وصَلّيتُ الفَجْرَ، فإذا بابُ المدينة يقعقعُ(١) فلما فُتح حملتُ على البواب فطعنتُه بالرمح فقتلته ، ثم رجعتُ والطلب ورائي ، فلما انتهينا إلى الرجل الذي في الطريق من أصحابي ظنوا أنه كمينٌ فرجعوا عني ، ثم سرنا حتى أخذنا [ صاحبنا ] الآخر ، وجئت إلى أبي عبيدة فأخبرته بما رأيت ، فأقام أبو عبيدةَ ينتظرُ كتابَ عمر فيما يعتمده من أمر دمشق ، فجاء(٢) الكتاب يأمره بالمسير إليها ، فساروا إليها حتى أحاطوا بها . واستخلف أبو عبيدة على اليرموك بُشَيْر بن كعب في خيلٍ هناك . وقعة جرت بالعراق بعد مجيء خالد إلى الشام وذلك أنَّ أهلَ فارسٍ اجتمعوا بعدَ مقتلِ ملكهم وابنه على تمليك شهريار(٣) بن أزدشير بن شهريار واستغنموا غيبةَ خالد عنهم، فبعثوا إلى نائبه المُثَنَّى بن حارثة جيشاً كثيفاً نحواً من عشرة آلاف عليهم هُرْمز بن جَاذَوَيْه، وكتب شهريار إلى المثنى: إنّي قد بعثت إليك جنداً من وَخْشٍ(٤) أهل فارس إنما هم رعاة الدجاج والخنازير ، ولست أقاتلُكَ إلَّ بهم . فكتب إليه المثنى : من المُثَنّى إلى شهريار إنما أنتَ أحدُ رجلين إما باغ فذلك(٥) شرٌّلك وخيرٌ لنا ، وإما كاذبٌ فأعظمُ الكاذبين عقوبةً وفضيحةً عند الله في الناس الملوكُ ، وأما الذي يدلُّنا عليه الرأيُ ؛ فأنكم إنما اضطررتم إليهم ، فالحمد الله الذي ردَّ كيدَكم إلى رعاة الدجاج والخنازير. قال : فجزعُ(٦) أهلُ فارس من هذا الكتابِ ، ولامُوا شهريارَ على كتابه إليه واستهجنوا رأيه . وسار المثنى من الحيرة(٧) إلى بابل ، ولمّا التقى المُثَنَّى وجيشهم بمكان عند عدوة الصَّراة٨) الأولى، اقتتلوا قتالاً شديداً جداً ، وأرسل الفرس فيلاً بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين ، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن حارثة فقتله ، وأمر المسلمين فحملوا، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلاً ذريعاً ، وغنموا منهم مالاً عظيماً ، وفرَّت الفرسُ حتى انتهوا إلى المدائن في شرِّ حالةٍ ، ووجدوا الملكَ قد ماتَ فملَّكوا عليهم ابنةَ كسرى ((بورا( ٩) بنت أبرويز)) فأقامتِ العدلَ، وأحسنت السيرةَ، فأقامت سنةً وسبعةَ شهور، ثم ماتَتْ، (١) في أ : تقعقع . (٢) في أ : فجاءه . في أ : شهريار بن أدشير بن شهريار . وفي تاريخ الطبري (٤١١/٣): شَهْرَ برازين أردشير بن شهريار. (٣) في أ وط : وحش ؛ تحريف ، والوخش : رذالة الناس وصغارهم وغيرهم ، يكون للواحد والاثنين والجمع (٤) والمؤنث بلفظ واحد . اللسان ( وخش ) . (٥) في ط : لذلك . في أ : فخرج ؛ تحريف . (٦) في ط : الحرة ؛ تحريف . (٧) في أ: غزوة الصراة. وذكر هذه الغزوة ياقوت في معجمه (٣٩٩/٢) والطبري في تاريخه (٤١٢/٣). (٨) في أ : نوران ؛ تحريف . (٩)