Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي إبراهيم عليه السلام )
الَّذِى كَفَرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قيل: محمد مج ◌ّ أتاه الكذَّابُ بالبَعثِ، أَبِيُّ بن خَلَف، بعظم بالٍ ففرَكَه وقال :
﴿ يُخِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] فأنزل الله تعالى البرهان الساطع: ﴿ قُلْ يُحْيِيَهَا الَّذِىَّ أَنشَأَهَآ أَوْلَ مَزَّةٍ
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] فانصرف مبهوتاً ببرهان نبوّته. قلت: وهذا أقطعُ للحُجَّة، وهو
استدلالُه للمَعَاد بالبَداءةِ ، فالذي خلقَ الخَلقَ بعد أن لم يكونوا شيئاً مذكوراً ، قادرٌ على إعادتِهم ، كما
قال: ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَى وَهُوَ الْخَلَّقُ اَلْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١] أي:
يُعيدهم كما بدأهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿بِقَدِرٍ عَلَىَّ أَنْ يُحْثِّىَ الْمَوْنَى﴾ [الأحقاف: ٣٣] وقال:
وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيْةٍ ﴾ [الروم: ٢٧] هذا وأمرُ المَعاد نَظَرِيٌّ لا فِطريّ،
ضروريٌّ في قول الأكثرين .
فأما الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربّه فإنه مُعاندٌ مكابرٌ ، فإنَّ وجودَ الصانع مذكورٌ في الفِطَر ، وكلُّ واحد
مفطورٌ على ذلك، إلا من تغيَّرت فِطْرُه ، فيصيرُ نظرياً عندَه ، وبعضُ المُتكلِّمِين يجعلُ وجود الصانع من
باب النظر لا الضروريات ، وعلى كلِّ تقدير فدعواه أنه هو الذي يُحيي الموتى ، لا يقبلُه عقلٌ ولا سمعٌ ،
وكلُّ واحد يُكذِّبه بعقله في ذلك ، ولهذا ألزمَه إبراهيمُ بالإتيان بالشمس من المغرب إن كان كما ادَّعى
﴿ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرِّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
وكان ينبغي أن يذكر مع هذا؛ أنَّ الله تعالى سلَّطَ محمَّداً على هذا المعاندِ لمَّا بارزَ النبيَّ لَّه يوم
أُحد ، فقتلَه بيده الكريمة ، طعنه بحربةٍ فأصابَ ترقوته فتردَّى عن فرسه مِراراً ، فقالوا له : ويحكَ مالك ؟
فقال: والله إن بي لَما لو كانَ بأهل ذي المَجَاز لمَاتُوا أجمعين: ألم يقل: ((بل أنا أقتلُهُ(١) ؟)) والله لو
بصقَ عليَّ لقتلني - وكان أُبيِّ هذا لعنه الله قد أعدَّ فرساً وحربةً ليقتل بها رسولَ الله ◌ِ لَه، فقال: ((بل أنا
أقتلُه - إن شاء الله(٢) - )) فكان كذلك يوم أُحد .
ثم قال أبو نُعيم : فإن قيل : فإن إبراهيمَ عليه السلام كسَّر أصنامَ قومه غضباً لله ، قيل : فإن محمَّداً
وَلَه كسّر ثلاثمئة وستين صنماً نُصبت حول الكعبة، فأشارَ إليهن فتساقطنَ، ثم روى من طريق عبد الله
العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر قال: وقف رسول الله وَ لل يوم فتح مكة وحولَ البيت ثلاثمئة وستون
صنماً قد ألزمَها الشيطان بالرّصاصِ والنُّحاس، فكان كلَّما دنا منها بِمخصَرَتِهِ تَهوي من غير أن يمسّها ،
ويقولُ: ﴿ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] فتساقط لوجوهها، ثم أمرَ بهنَّ
فأُخرجنَ إلى المسيل .
(١) رواه الطبري في تفسيره (٩/ ١٣٧) وانظره في الدر المنثور (٦٩/٥).
(٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة .

٤٠٢
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي إبراهيم عليه السلام )
وهذا أظهرُ وأجلى من الذي قبلَه، وقد ذكرنا هذا في أوَّل دخول النبيِّ نَّ مكة عام الفتح بأسانيده
وطرقه من الصحاح وغيرها ، بما فيه كفاية .
وقد ذكر غيرُ واحد من علماء السِّيرة ، أنَّ الأصنامَ تساقطت أيضاً لمولده الكريم ، وهذا أبلغُ وأقوى
في المعجزة من مباشرة كسرها. وقد تقدَّمُ(١) أنَّ نارَ فارسَ التي كانوا يعبدُونها خَمَدَت أيضاً ليلتئذ ، ولم
تَخْمَدْ قبل ذلك بألف عام ، وأنَّه سقط من شُرفات قصر كسرى أربعَ عشرة شرفة ، مؤذنةً بزوال دولتهم بعد
هلاك أربعة عشر من ملوكهم في أقصر مدة ، وكان لهم في الملك قريب من ثلاثة آلاف سنة .
وأما إحياءُ الطيور الأربعة لإبراهيم عليه السلام ، فلم يذكره أبو نُعيم ولا ابنُ حامد ، وسيأتي في إحياء
الموتى على يد عيسى عليه السلام؛ ما وقعَ من المعجزات المحمَّدية من هذا النَّمَط ، ما هو مثل ذلك
وأعلى من ذلك ، كما سيأتي التنبيه عليه إذا انتهينا إليه ، من إحياء أمواتٍ بدعواتٍ من أُمَّتِه ، وحنين
الجِذع، وتسليم الحَجَر والشَّجَر والمَدَر عليه ، وتكليم الذراع له ، وغير ذلك .
وأما قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [ الأنعام: ٧٥]
والآيات بعدَها ، فقد قال الله تعالى: ﴿ سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا
الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ لِغُرِيَهُ مِنْ ءَايَدِنَاْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] وقد ذكر ذلك ابنُ حامدٍ فيما وقفتُ عليه
بعدُ، وقد ذكرنا في أحاديث الإسراء من كتابنا هذا، ومن التفسير ما شاهدهَ رسولُ اللهَ وَّل ليلة أُسري به
من الآيات فيما بينَ مَّة إلى بيت المقدس ، وفيما بين ذلك إلى سماء الدنيا ، ثم ما عاينَ من الآيات في
السَّموات السبع وما فوقَ ذلك ، وسدرة المُنتَهى ، وجنّة المأوى ، والنَّار التي هي بئسَ المصير والمَثوى ،
وقال عليه أفضل الصلاة والسلام في حديث المنام - وقد رواه أحمد والترمذي وصحَّحه ، وغيرهما ۔
(( فتجلَّى لي كلُّ شيء وعرفتُ (٢) .
وذكرَ ابنُ حامد في مقابلة ابتلاءِ الله يعقوبَ عليه السلام بفقدِه ولدَه يوسفَ عليه السلام ، وصبرِه
واستعانتِه ربّه عزَّ وجلَّ، موتَ إبراهيم بن رسول الله وَّرَ وصبرَه عليه، وقوله: ((تدمع العينُ، ويحزنُ
القلبُ ، ولا نقول إلا ما يُرضي ربَّنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون (٣) . قلتُ : وقد ماتت بناته الثلاثة:
رقيّة، وأُمّ كلثوم ، وزينبُ، وقُتِلَ عمّه حمزةُ ، أسدُ الله وأسدُ رسوله يومَ أُحد ، فصبرَ واحتسبَ . وذكرَ
في مقابلة حُسنٍ يوسفَ عليه السلام ما ذُكِرَ من جمال رسولِ الله ◌َّه ومهابتِهِ وحلاوتِه شكلاً ونفعاً وهَدياً ،
ودلّاً، ويُمنّاً ، كما تقدَّم في ذكر شمائله من الأحاديث الدَّالَّةِ على ذلك، كما قالت الرُّبيِّعُ بنت مُعَوِّد :
(١) تقدم تخريجه .
(٢) رواه أحمد في المسند (٢٤٣/٥) والترمذي في سننه ، في التفسير (٣٢٣٥) وهو صحيح كما قال الترمذي.
(٣) رواه مسلم في الفضائل (٢٣١٥) .

٤٠٣
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي موسى عليه السلام ... )
(( لو رأيتَه لرأيتَ الشَّمسَ طالعةٌ)(١) . وذكرَ في مقابلةِ ما ابتُلي به يوسفُ عليه السلام من الفُرقة والغُربة،
هجرةِ رسولِ اللهِوَ لَهُ مِن مكَّةَ إلى المدينة، ومفارقته وطنَه وأهله وأصحابَه الذين كانوا بها.
القول فيما أُوتي موسى عليه السلام من الآيات البيّنات
وأعظمُهن تسعُ آياتٍ، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ﴾ [ الإسراء: ١٠١] وقد
شرحناها في التفسير(٢)، وحَكَينا قولَ السَّلف عليها ، واختلافهم فيها ، وأن الجمهور على أنها : هي
العصا في انقلابها حيَّة تسعى ، واليدُ إذا أدخلَ يدَه في جَيْبِ درعه ثم أخرجَها تُضيء كقطعة قمر يتلألأ
إضاءَةً ، ودعاؤه على قوم فرعونَ حين كذَّبوه ، فأرسلَ عليهم الظُّوفانَ والجرادَ والفُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ ،
آياتٍ مُفَصَّلاتٍ، كما بسطَنا ذلك في ((التفسير))(٣) وكذلك أخذَهم الله بالسِّنين ، وهي نقصُ الحُبوب ،
وبالجَذْب ، وهو نقصُ الثِّمار ، وبالموت الذريع ، وهو نقصُ الأنفس ، والطُّوفان في قول . ومنها : فَلْقُ
البحر لإنجاءِ بني إسرائيلَ وإغراقِ آل فرعون ، ومنها : تظليلُ بني إسرائيل في التيه بالغمام ، وإنزال المَنّ
والسَّلْوى عليهم ، واستسقاؤُه لهم ، فجعلَ الله ماءَهم يخرجُ من حَجَرٍ يُحملُ معهم على دَابَّة ، له أربعةُ
وجوه ، إذا ضربه موسى بعصاه يخرجُ مِن كلِّ وجه ثلاثةُ أعين ، لكلِّ سِبطٍ عَينٌ ، ثم يضربُه فينقلع ، إلى
غير ذلك من الآياتِ الباهراتِ ، كما بسطنا ذلك في التفسير ، وفي قصّة موسى عليه السلام من كتابنا هذا
في قصص الأنبياء منه ، ولله الحمدُ والِمِنَّة، وقتل كلٍّ من عَبَدَ العجْلَ منهم ثم أحياهُم الله تعالى ، وقصّة
البقرة .
أما العصا ، فقال شيخنا العلاَّمة ابنُ الزَّملكانِيّ : وأما حياة عصا موسى ، فقد سبَّح الحَصى في كفِّ
رسولِ اللهِ وَّرَ وهو جَماد، والحديثُ في ذلك صحيحٌ(٤)، وهذا الحديثُ مشهورٌ عن الزُّهريّ ، عن
رجل ، عن أبي ذَرِّ ، وقد قدّمنا ذلك مبسوطاً في دلائل النبوة بما أغنى عن إعادته ، وقيل : إنهن سبَّحنَ
في كفِّ(٥) أبي بكر ثم عمرَ ثم عثمان، كما سبَّحنَ في كفِّ رسول الله بَله، فقال: هذه خِلافةُ النُُّوَّة.
وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى بكر بن خنيس ، عن رجل سمَّاه قال : كانَ بيد أبي مُسلم
الخَوْلانِي سُبْحَةٌ يُسَبِّحُ بها ، قال : فنامَ والسُّبْحَةُ في يدِه ، قال : فاستدارتِ السُّبْحَةُ فالتَّقَّتْ على ذراعِه
(١) رواه الدارمي كما ذكر الخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح (٢٧٩٣) عن عمار بن ياسر رضي الله عنه ، وابن الأثير
في أسد الغابة (١٠٨/٧) وهو حديث حسن .
(٢) انظر تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٨٦/٣).
(٣)
انظر تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير (٨٦/٣).
(٤) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٩٩/٨) وقد تقدم في الدلائل.
(٥) في نسخة (( في يد )).

٤٠٤
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي موسى عليه السلام ... )
وهي تقولُ : سبحانَكَ يا مُنْبِتَ النََّاتِ ويا دائمَ الثَّبَاتِ . فقال: هلمَّ يا أُمَّ مسلم وانظُري إلى أعجبِ
الأعاجيبِ . قال: فجاءت أُمُ مُسلمٍ والسُّبحةُ تدورُ وتُسَبِّحُ ، فلما جلستْ سَكنت (١).
وأصُ من هذا كُلِّه وأصرحُ حديثُ البخاريِّ عن ابن مسعود قال: كنَّا نسمعُ تسبيحَ الطعام وهو يُؤكلُ(٢).
قال شيخنا : وكذلك قد سلَّمت عليه الأحجارُ . قلت : وهذا قد رواه مسلم عن جابر بن سَمُرةَ ،
قال: قال رسولُ الله ◌َّهُ: ((إني لأعرفُ حجراً كَان يُسلِّم عليّ بمكة قبلَ أن أُبعثَ، إني لأعرفهُ الآن(٣)
فقال بعضهم : هو الحجرُ الأسودُ .
وقال الترمذيُّ: حدَّثنا عبَّاد بن يعقوب الكُوفيّ، حدَّثنا الوليد بن أبي ثَوْر ، عن السُّدي ، عن عبّاد بن
يزيدَ ، عن عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: كنتُ مع النبيِّ نَ ◌ّه بمكة في بعضِ نواحيها، فما
استقبلَه جبلٌ ولا شجرٌ إلا قالَ: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ الله(٤) . ثم قال : غريب .
ورواه أبو نُعيم في (( الدلائل )) من حديث السُّدِّي، عن أبي عُمارة الحيواني ، عن علي قال : خرجتُ
مع رسول الله بَّ فجعلَ لا يمرُّ على حَجَرٍ ولا شَجَرٍ ولا مَدَرٍ ولا شَيءٍ إلا سلَّم عليه.
وقدَّمنا في أول المبعث أنه لما أوحى جبريلُ أوَّلَ ما أوحى إليه ، فرجعَ لا يمرُّ بحجرٍ ولا مَدَرٍ ولا شيءٍ
إلا قال : السَّلامُ عليكَ يا رسولَ الله .
قال : وأقبلتِ الشَّجَرة عليه بدعائِهِ ، وذكرَ اجتماعَ تينك الشجرتين لقضاء حاجتِه من ورائهما ، ثم
رجوعهما إلى منابتهما ، وكِلا الحديثينُ(٥) في الصحيح ، ولكن لا يلزمُ من ذلك حلولُ حياة فيهما ، إذ
قد يكونان ساقَهما سائقٌ، ولكن في قوله: (( انقادي عليَّ بإذن الله (٦) ما يدلُّ على حصول شعور منهما
لمخاطبته ، ولا سيما مع امتثالهما ما أمرَهما به .
قال : وأمرَ عِذْقاً من نَخْلةٍ أن ينزلَ ، فنزلَ ينقز في الأرض حتى وقفَ بينَ يديْه، فقال: (( أتشهدُ أنِّي
رسولُ الله (٧) فشهدَ بذلك ثلاثاً ثم عادَ إلى مكانه . وهذا أليقُ وأظهرُ في المطابقة من الذي قبلَه ، ولكن
هذا السِّیاق فيه غرابةٌ
.
(١) ذكره ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق (١٢/ ٦١) وفيه: فلمَّا جلست سكتت وفي إسناده بكر بن خنيس ، وهو
ضعيف .
(٢) رواه البخاري في صحيحه (٣٥٧٩) في المناقب وفي إسناده ضعيف .
(٣) رواه مسلم في صحيحه (٢٢٧٧) في الفضائل .
(٤)
رواه الترمذي في سننه (٣٦٢٦) في المناقب .
أي : حديث تسليم الحجر ، وحديث انقياد الشجرة . وكلاهما في صحيح مسلم .
(٥)
(٦) رواه مسلم في صحيحه رقم (٣٠١١) في الزهد والرقائق ( باب حديث جابر الطويل ).
(٧) رواه البيهقي في الدلائل (١٦/٦) .

٤٠٥
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي موسى عليه السلام ... )
والذي رواه الإمام أحمد وصحَّحَه التِّرمِذيّ(١)، ورواه البيهقي والبخاريُّ في التاريخ: من رواية أبي
ظبيانَ حُصين بن المُنْذر ، عن ابن عبّاس قال: جاء أعرابيّ إلى رسول الله مَ له فقال: بم أعرفُ أنَّكَ
رسولُ الله ؟ قال : (( أرأيتَ إن دعوتُ هذا العِذْقَ من هذه النَّخْلة أتشهدُ أنّي رسولُ الله ؟ )) قال: نعم .
قال : فدعا العِذْقَ ، فجعلَ العِذْقُ ينزلُ من النَّخْلةِ حتى سقطَ في الأرض ، فجعل ينقزُ حتَّى أتى
رسولَ اللهِّ، ثم قال له: ((ارجعْ)) فرجع حتَّى عاد إلى مكانه، وقالَ: أشهدُ أنَّكَ رسولُ الله، وآمن
به(٢) . هذا لفظ البيهقيِّ، وهو ظاهرٌ في أنَّ الذي شهدَ بالرسالة هو الأعرابيُّ، وكان رجلاً من بني عامرٍ ،
ولكن في رواية البيهقيِّ : من طريق الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: جاءَ رسولٌ إلى رسول الله وَّل فقال: ما هذا الذي يقولُ أصحابُكَ؟ قال: وحولَ رسولِ الله وَ ل
أعذاقٌ وشجرٌ ، فقال: (( هل لكَ أنْ أُرِيكَ آيَةً؟)) قال: نعم، فدعا غُصْناً منها، فأقبلَ يخدُّ الأرضَ حتَّى
وقفَ بين يديْه ، وجعلَ يسجدُ ويرفعُ رأسَه ، ثم أمرَه فرجعَ ، قال : فرجعَ العامريُّ وهو يقولُ : يا بني
عامر بن صَعْصَعَةَ: والله لا أُكَذِّبُه في شيءٍ يقولُه أبدا(٣) .
وتقدَّم فيما رواه الحاكم في مستدركه مُتفرِّداً به: عن ابن عمر ؛ أنَّ رسولَ الله وَ لِّ دعا رجلاً إلى
الإسلام ، فقال: هل من شاهدٍ على ما تقولُ؟ قال: ((هذه الشجرة)) فدعاها رسولُ الله ◌ِوَ ل وهي على
شاطىء الوادي ، فأقبلتْ تخدُّ الأرضَ خَدَّاً ، فقامت بين يديه ، فاستشهدَها ثلاثاً ، فشهدتْ أنَّه كما قال ،
ثم إنها رجعت إلى مَنْبتِها، ورجعَ الأعرابي إلى قومه ، وقال : إن يَتَِّعُوني أتيتُكَ بهم ، وإلا رجعتُ إليك
وكنتُ معكَ(٤) .
قال : وأما حنينُ الجِذْعِ الذي كانَ يخطبُ إليه النبيُّ ◌َّه، فعُمِلَ له المِنْبَرُ، فلما رَقَى عليه وخطبَ
حنَّ الجِذعُ إليه حنينَ العِشارَ، والنَّاسُ يسمعونَ بمشهدِ الخَلْقِ يومَ الجمعة ، ولم يزل يَئِنُ ويَحِنُّ حتى نزلَ
إليه النبيُّ نَّه فاعتنقَه وسَكَّنَه وخيَّره بينَ أن يرجعَ غُصناً طَرِيًَّ أو يُغرسَ في الجنَّةِ يأكلُ منه أولياءُ الله ، فاختارَ
الغَرْسَ في الجنَّةَ وسكنَ عند ذلك . فهو حديثٌ(٥) مشهورٌ معروف ، قد رواه من الصحابة عددٌ كثير
متواترٌ ، وكان بحضور الخلائق ، وهذا الذي ذكرَه من تواتر حنين الجِذْع هو كما قال ، فإنه قد روى هذا
الحديثَ جماعةٌ من الصحابة ، وعنهم أعدادٌ من التابعين ، ثم مِنْ بَعدِهم آخرون عنهم لا يُمكن تَواطؤُهم
(١) هكذا قال ، والترمذي لم يخرجه فضلاً عن تصحيحه! فكأنه سبق قلم من المصنف .
(٢) رواه البيهقي في الدلائل (١٥/٦ - ١٦) وهو عند الإمام أحمد في المسند (٢٢٣/١) رقم (١٩٥٤) والبخاري في
التاريخ الكبير (٤١٦/٣) . وقد تقدم . وهو حديث حسن .
(٣)
رواه البيهقي في الدلائل (١٦/٦ - ١٧) وتقدم .
رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٢٠) وتقدم أيضاً .
(٤)
(٥) انظر الشفا؛ للقاضي عياض (١/ ٤٢٧) .

٤٠٦
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي موسى عليه السلام ... )
على الكذب ، فهو مقطوعٌ به في الجملة . وأما تخييرُ الجِذع كما ذكرَه شيخُنا فليس بمتواتر ، بل ولا يصحُ
إسناده .
وقد أوردتُه في الدلائل عن أُبيِّ بن كعب ، وذُكرَ في مسند أحمد ، وسنن ابن ماجه . وعن أنسٍ من
خمس طرق إليه ، صحَّح الترمذيُّ إحداها ، وروى ابنُ ماجه أخرى ، وأحمد ثالثةً ، والبزَّارُ رابعةً ،
وأبو نُعيم خامسةً . وعن جابر بن عبد الله في صحيح البخاري من طريقين عنه ، والبزَّار من ثالثة ورابعة ،
وأحمد من خامسة وسادسة ، هذه على شرط مسلم . وعن سهل بن سعد في مصنف ابن أبي شيبةً على
شرط الصحيحين . وعن ابن عبّاس في مسند أحمد وسنن ابن ماجه بإسناد على شرط مسلم ، وعن ابن
عمر في صحيح البخاري ، ورواه أحمد من وجه آخر عن ابن عمر . وعن أبي سعيد في مسند عبد بن حُميد
بإسناد على شرط مسلم ، وقد رواه أبو يَعْلى المَوْصلي من وجه آخر عنه . وعن عائشة رواه الحافظ
أبو نُعيم من طريق عليّ بن أحمد الجوربي ، عن قبيصة ، عن حيَّان بن عليّ، عن صالح بن حيَّان ، عن
عبد الله بن بريدة ، عن عائشة، فذكرَ الحديث بطوله ، وفيه أنَّه خيَّره بين الدنيا والآخرة ، فاختارَ الجِذعُ
الآخرةَ، وغارَ حتَّى ذهبَ فلم يُعرف ، وهذا غريب إسناداً ومتناً . وعن أُمّ سلمة رواه أبو نُعيم بإسناد
جید .
وقد تقدَّمتٍ (١) الأحاديث ببسط أسانيدها وتحرير ألفاظها وعزوها ، بما فيه كفايةٌ عن إعادته هاهنا،
ومَنْ تدبّرها حصلَ له القطعُ بذلك ، ولله الحمدُ والِمِنَّة .
قال القاضي عياض بن موسى السبتي المالكي في كتابه (( الشفا)(٢) : وهو حديثٌ مشهور متواتر
خرّجه أهل الصحيح ، ورواه من الصحابة بضعة عشر ، منهم : أبيّ ، وأنس ، وبُريدة ، وجابر ،
وسهل بن سعد ، وابن عبّاس ، وابن عمر ، والمطلب بن أبي وداعة ، وأبو سعيد، وأُمُ سلمة رضي الله
عنهم أجمعين .
قال شيخنا : فهذه جمادات ونباتات ، وقد حييت(٣) وتكلَّمت ، وفي ذلك ما يُقابل انقلاب العصا
حيَّة .
قلت : وسنُشير إلى هذا عند ذكر معجزات عيسى عليه السلام في إحيائه الموتى بإذن الله تعالى في
ذلك ، كما رواه البيهقيُّ : عن الحاكم ، عن أبي أحمد بن أبي الحسين ، عن عبد الرحمن بن أبي حاتم ،
عن أبيه ، عن عمرو بن سواد، قال: قال لي الشافعيُّ: ما أعطى الله نبيَّاً ما أعطى محمَّداً وَِّ. فقلت:
(١) تقدمت الأحاديث بطرقها المتعددة في الدلائل .
(٢) انظر الشفا؛ للقاضي عياض (٤٢٧/١).
(٣) في نسخة ((حَنَّت )).

٤٠٧
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي موسى عليه السلام ... )
أُعطي عيسى إحياءَ الموتى ، فقال : أُعطي محمَّدٌ الجِدعَ الذي كان يَخطبُ إلى جنبه حتى هُيِّىءَ له المنبرُ ،
فلما هُيِّىءَ له حنّ الجِذعُ حتى سُمِعَ صوتُه ، فهذا أكبرُ من ذلك(١).
وهذا إسنادٌ صحيحٌ إلى الشافعيِّ رحمه الله ، وهو مما كنتُ أسمعُ شيخنا الحافظَ أبا الحجّاجِ المِزِّي
رحمه الله يذكرُه عن الشافعي رحمه الله وأكرمَ مثواه ، وإنما قال : فهذا أكبرُ من ذلك ؛ لأن الجِذعَ لیس
مَحَلاَّ للحياة ، ومع هذا حصلَ له شعورٌ، ووَجِدَ لما تحوَّل عنه إلى المِنبر، فأنَّ وحنَّ حنينَ العِشار حتَّى
نزلَ إليه رسول اللهَ وَ لّ فاحتضنَه وسكَّنَه حتى سكنَ. قال الحسن البصري: فهذا الجِذْعُ حَنَّ إليه ، فأَنتُم
أحقُّ أن تحِنُّوا إليه . وأما عودُ الحياة إلى جسد كانت فيه بإذن الله فعظيمٌ، وهذا أعجبُ وأعظمُ من إيجاد
حياة وشعور في محلٌّ ليس مألوفاً لذلك ، ولم تكن فيه قبلُ بالكُلَّيَّةِ ، فسبحان الله رب العالمين !.
تنبيه: وقد كان لرسول الله بَّ لواءٌ يُحملُ معه في الحرب ، يخفقُ في قلوب أعدائه مسيرةً شهر بين
يديه ، وكانت له عَنَزَةٌ تُحمَلُ بین یدیه ، فإذا أرادَ الصَّلاة إلی غیر جدار ولا حائل رُگّزت بین یدیه ، وكان له
قضيبٌ يتوّأ عليه إذا مشى، وهو الذي عَبَّرَ عنه سَطيح في قوله لابن أخته عبد المسيح بن بُقيلة : يا عبدَ
المسيح ! إذا كثرت التلاوة، وظهرَ صاحبُ الهَراوة وغاضتْ بحيرة ساوة، فليستِ الشامُ لسَطِيح شامً(٢) .
ولهذا كان ذكرُ هذه الأشياء عند إحياء عصا موسى وجَعلِها حَيَّةً أليقُ ، إذ هي مساويةٌ لذلك ، وهذه
مُتَعدِّدة في مَحالّ متفرّقة ، بخلاف عصا موسى فإنها وإن تعدَّد جَعلُها حيَّة ، فهي ذاتٌ واحدة ، والله
أعلم . ثم ◌ُنَتَّه على ذلك عند ذكر إحياء الموتى على يد عيسى لأنَّ هذه أعجبُ وأكبرُ وأظهر ، والله أعلم .
قال شيخنا : وأما أنَّ الله كَلَّمَ موسى تكليماً، فقد تقدَّمَ حصولُ الكلام للنبيِّ وَّرَ ليلة الإسراء مع
الرؤية، وهو أبلغ. ويشهدُ له : ((فنُوديت: أن يا محمَّدُ! كمَّلت فريضتي، وخَفَّفتُ عن عبادي(٣)
وسياقُ بقية القِصَّة يُرشد إلى ذلك ، وقد حكى بعضُ العلماء الإجماعَ على ذلك ، لكن رأيتُ في كلام
القاضي عياض(٤) نقل خلافٍ فيه ، والله أعلم . وأما الرؤيةُ ففيها خلاف مشهور بين الخَلَف والسَّلَف،
ونصرَها من الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزيمة المشهور بإمام الأئمة ، واختارَ ذلك القاضي (٥)
عياض والشيخ محيي الدين النووي(٦) .
(١) رواه البيهقي في الدلائل (٦٨/٦).
(٢) انظر قصة سطيح مع ابن أخته في دلائل النبوة؛ للبيهقي (١٢٦/١ - ١٣٠) وتقدمت في فصل ما وقع من الآيات ليلة
مولده الي .
رواه البيهقي (٣٩٥/٢) في الدلائل عن أبي سعيد الخدري ، وفيه أبو هارون العبدي متروك .
(٣)
(٤)
الشفا، للقاضي عياض (٣٩٠/١) .
(٥) المصدر السابق (٣٨٦/١).
(٦) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٥/٣) .

٤٠٨
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي موسى عليه السلام ... )
وجاء عن ابن عبّاس تصديق الرؤية ، وجاء عنه تفنيدها، وكلاهما في صحيح مسلم(١) .
وفي الصحيحين (٢) عن عائشة إنكار ذلك، وقد ذكرنا في الإسراء : عن ابن مسعود ، وأبي هريرة ،
وأبي ذر ، وعائشة رضي الله عنهم ، أنَّ المرئيَّ في المرتين المذكورتين في أول سورة النَّجْم ، إنما هو
جبريلُ عليه السلام .
وفي صحيح مسلم عن أبي ذرِّ قال: قلت: يا رسولَ الله! هل رأيتَ رَبَّكَ؟ فقال: (( نور أنَّى
أراه(٣)؟ وفي رواية: ((رأيت نوراً)(٤) .
وقد تقدَّمَ بسطُ ذلك في الإسراء في السيرة ، وفي التفسير في أول سورة بني إسرائيل .
وهذا الذي ذكرَه شيخنا فيما يتعلَّق بالمعجزات الموسوية عليه أفضل الصلاة والسلام .
وأيضاً فإن الله تعالى كلَّم موسى وهو بطُور سَيْناء، وسألَ الرؤيةَ فَمُنِعَها، وكلَّم محمداً ◌َّه ليلةَ
الإسراء وهو بالملأ الأعلى حين رُفع لمستوّى سمع فيه صريفَ الأقلام ، وحصلت له الرؤيةُ في قول طائفة
كبيرة من علماء السَّلَفِ والخَلَف ، والله أعلم . ثم رأيتُ ابنَ حامد قد طرقَ هذا في كتابه وأجادَ وأفادَ ،
وقال ابنُ حامد: قال الله تعالى لموسى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنّى﴾ [طه: ٣٩] وقال لمحمد: ﴿قُلْ إِن
كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [ آل عمران: ٣١] وأما اليد التي جعلها الله
برهاناً وحُجَّةً لموسى على فرعون وقومه، كما قال تعالى بعد ذكر صيرورة العَصا حيَّة: ﴿ أُسْلُكَ يَدَكَ فِى
جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِبْهِ﴾
[ القصص: ٣٢]. وقال في سورة طه: ﴿ءَيَّةً أُخْرَى (٤) لِيَكَ مِنْ ءَايَتِنَا الْكُبْرَىَ﴾ [طه: ٢٢ - ٢٣] فقد أعطى الله
محمّداً انشقاقَ القمر بإشارته إليه فرقتين ، فرقة من وراء جبل حِرَاء ، وأخرى أمامه ، كما تقدَّم بيان ذلك
بالأحاديث المتواترة ، مع قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ ﴿ وَإِن يَرَوْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ
مُسْتَمِرٌ ﴾ [القمر: ١ - ٢] ولا شَكَّ أنَّ هذا أجلُّ وأعظم وأبهر في المعجزات وأعمُّ وأظهر وأبلغ من ذلك .
وقد قال كعب بن مالك في حديثه الطويل في قصة توبته : وكان رسول الله وَّلَه إذا سُرَّ استنارَ وجهُه كأنَّه
فلقة قمر ، وذلك في صحيح البخاري(٥) . وقال ابنُ حامد : قالوا : فإن موسى أعطي اليدَ البيضاءَ ،
(١) روى مسلم تفنيد الرؤية عن ابن عباس (٢٨٤) و(٢٨٥) في الإيمان. أما إثبات الرؤية عن ابن عباس فهي عند
الترمذي (٣٢٨٠) في التفسير، باب تفسير سورة النجم . وانظر تفصيل هذا الموضوع في زاد المعاد (٣٦/٣ -
٣٧) .
(٢) رواه البخاري (٤٨٥٥) في التفسير، ومسلم (١٧٧) في الإيمان.
(٣) رواهما مسلم (١٧٨) (٢٩١) و(٢٩٢) في الإيمان.
(٤) رواهما مسلم (١٧٨) (٢٩١) و(٢٩٢) في الإيمان .
(٥) رواه البخاري (٤٤١٨) في المغازي ، باب حديث كعب بن مالك.

٤٠٩
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي موسى عليه السلام ... )
قلنا لهم : فقد أُعطي مُحمَّدٌ مَِّ ما هو أفضلُ من ذلك؛ نوراً كان يُضيءُ عن يمينه حيث ما جلسَ ، وعن
يساره حيث ما جلس وقامَ ، يراه النَّاسُ كلُّهم، وقد بقي ذلك النُّورُ إلى قيام الساعة ، ألا ترى أنه يُرى النُّورُ
السَّاطع من قبره ◌َّ من مسيرةٍ يوم وليلة ؟ هذا لفظه .
وهذا الذي ذكره من هذا النور غريب جداً .
وقد ذكرنا في السيرة عند إسلام الطُّفَيْل بن عمرو الدَّوسيّ؛ أنه طلبَ من النبيِّ وَِّ آيَةً تكون له عَوْناً
على إسلام قومه فدعا له ، وذهبَ إلى قومِه ، فلما أشرفَ على قومِه من بيتِه هناكَ ؛ سطعَ نورٌ بينَ عينَيَه
كالمصبَاحِ ، فقال: اللَّهُم في غير هذا الموضع فإنهم يَظُّونَه مُثلَةً ، فتحوَّلَ النُّور إلى طرف سوطه ،
فجعلوا ينظرون إليه كالمصباح، فهداهم الله على يديه ببركة رسول الله و له وبدعائه لهم في قوله: ((اللهم
اهدِ دَوساً، وائتِ بهم(١) وكان يُقال للطُّفَيْل : ذو النور ، لذلك .
وذكرَ أيضاً حديثَ أُسَيْد بن حُضَيْرٍ وعبَّاد بن بِشْر في خروجهما من عند النبيِّ ◌ََّ في ليلة مُظْلِمَةٍ ،
فأضاءً لهما طرفُ عصا أحدهما ، فلما افترقا أضاء كل واحد منهما طرف عصاه ، وذلك في صحيح
البخاري(٢) وغيره .
وقال أبو زُرعةَ الرازيُّ في كتاب دلائل النبوة : حدَّثنا سُليمان بن حرب ، حدَّثنا حمّاد بن سلمةَ ، عن
ثابت بن أنس بن مالك، أنَّ عبَّاد بن بِشْر وأُسيد بن حُضَيْر خرجا من عند النبيِّ بَّه في ليلةٍ ظلماءَ
حِندس(٣)، فأضاءت عصا أحدهما مثل السِّراج، وجعلا يمشيان بضوئها ، فلما تفرّقا إلى منزلهما أضاءت
عصاذا وعصاذا .
ثم روى عن إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوَّام ، وعن يعقوب بن
حُميد المدني ، كلاهما عن سفيان بن حمزة ، عن كثير بن زيد ، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلميّ ،
عن أبيه، قال: سرنا في سفرٍ مع رسول الله وَّهَ في ليلةٍ ظلماءَ دِخْمِسَة، فأضاءت أصابعي، حتَّى جَمَعُوا
عليها ظهرَهم ، وما هلكَ منهم ، وإنَّ أصابعي لتستنير(٤) .
وروى هشام بن عمَّار في ((المبعث)): حذَّثنا عبدُ الأعلى بن محمد البَكْري، حدَّثنا جعفرُ بن سُليمان
البصري ، حدَّثنا أبو التََّّحِ الضَّبْعي ، قال: كان مُطَرِّف بن عبد الله يبدو ، فيدخل كلَّ جمعة، فرُبما نُوَّرَ
(١) رواه البخاري (٤٣٩٢) في المغازي، ومسلم (٢٥٢٤) في الفضائل.
(٢) رواه البخاري (٣٨٠٥) في مناقب الأنصار، باب منقبة أسيد بن حضير وعبَّاد بن بشر رضي الله عنهما.
(٣) ((حِنْدس)): مظلمة حالكة.
(٤) رواه البخاري في تاريخه (٤٦/٣) والبيهقي في دلائله (٧٩/٦) وأبو نعيم في الحلية (٤٩٤) والسيوطي في الخصائص
(٢/ ٨١) وفيها : وإن أصابعي لتُنير. واستنار : أضاء.

٤١٠
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي موسى عليه السلام ... )
له في سوطه ، فأدلجَ ذاتَ ليلةٍ وهو على فرسه ، حتَّى إذا كان عند المقابر هوَّم به ، قال : فرأيتُ صاحبَ
كلِّ قبرٍ جالساً على قبره ، فقال : هذا مُطَرِّفٌ يأتي الجمعةَ ، فقلتُ لهم : وتعلمونَ عندَكم يومَ الجمعة ؟
قالوا : نعم ، ونعلم ما تقولُ فيه الطَّيرُ ، قلتُ : وما تقول فيه الطير ؟ قالوا : تقول : ربِّ سَلِّم سَلِّم ، يومٌ
صالح(١) .
وأما دعاؤه عليه السلام عليهم بالطُّوفان ، وهو الموت الذريع في قول ، وما بعده من الآيات ،
والقخْط والجَذْب ، فإنما كان ذلك لعلَّهم يرجعون إلى متابعته ويُقلعون عن مخالفته ، فما زادهم إلا طُغياناً
كبيراً، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٥) وَقَالُواْ
يَكَأَيُّهَ السَّاحِرُ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنََّ لَمُهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: ٤٨ -٤٩] ﴿ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا
فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (َ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الُطُوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا
تُجْرِمِينَ ﴿﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْرِجْزُ قَالُواْ يَمُوسَى آدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَلَكَ لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا الْرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ
وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْرِجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٣) فَأنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ
فَأَغْرَقْنَهُمْ فِى الْيَمِّ بِأَنَهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَدِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢ - ١٣٦] وقد دعا رسولُ اللهَوَ لَه على
قريش حين تمادوا في مخالفته بسبعٍ كَسَبْعٍ يوسفَ ، فقُحطوا حتَّى أكلوا كلَّ شيءٍ ، وكان أحدُهم يرى بينَه
وبين السماء مثل الدُّخَان من الجوع . وقد فسَّرَ ابن مسعود قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ
مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] بذلك، كما رواه البخاري(٢) عنه في غير ما موضع من صحيحه. ثم توَسَّلوا إليه ،
صلوات الله وسلامه عليه ، بقرابتهم منه مع أنه بُعث بالرحمة والرأفة ، فدعا لهم ، فأقلعَ عنهم ، ورُفع
عنهم العذاب ، وأحيوا بعدما كانوا أَشرفوا على الهلكة .
وأما فَلْقُ البحر لمُوسى عليه السلام حينَ أمرَه الله تعالى - حين تَراءى الجمعان - أن يضربَ البحرَ
بعصاه فانفلقَ فكان كلُّ فِرْقٍ كالطَّودِ العظيم ، فإنه معجزةٌ عظيمة باهرة ، وحُجَّةٌ قاطعة قاهرة ، وقد بسطنا
ذلك في التفسير وفي قصص الأنبياء من كتابنا(٣) هذا .
وفي إشارته بََّ بيده الكريمة إلى قمرِ السَّماء فانشقَّ القمرُ فِلْقَتَين وَفقَ ما سألَه قريش ، وهم معه
جلوسٌ في ليلة البدر ، أعظمُ آية ، وأيمنُ دلالة ، وأوضحُ حجَّة ، وأبهرُ بُرهاٍ على نبوته وجاهه عند الله
(١) رواه أحمد في الزهد (٢٤٦) وأبو نعيم في الحلية (٢٠٥/٢) وذكره الذهبي في السِّير (١٩٣/٤) وفيه: تقول: سلام
سلام من يوم صالح. ومعنى (( يبدو)): يخرج إلى البادية، و((هوَّمَ به)): هزَّ رأسه من النعاس ، أو نام نوماً
خفيفاً .
(٢) رواه البخاري (٤٥٤٤) في التفسير، باب تفسير سورة حم (الدخان) و(٩٦٢) و(٩٧٤) في الاستسقاء.
(٣) انظر كتاب قصص الأنبياء للمؤلف.

٤١١
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي موسى عليه السلام ... )
تعالى ، ولم يُنقل معجزةٌ عن نبيٍّ من الأنبياء من الآيات الحِسِّيَّات أعظمُ من هذا ، كما قرَّرنا ذلك بأدلته من
الكتاب والسُّنة ، في التفسير وفي أول البعثة(١) والله أعلمُ .
وهذا أعظمُ من حَبس الشَّمس قليلاً ليُوشعَ بن نون حتَّى تَمَكَّن من الفتح ليلة السبت ، كما سيأتي تقريرُ
ذلك مع ما يُناسب ذكره عنده .
وقد تقدَّم من سيرة العَلاء الحضرميِّ، وأبي عبيد الثَّقَفِيِّ وأبي مُسلم الخَولانيّ ، وسَيرِ الجُيوش التي
كانت معهم على تَيَّار الماء ، ومنها دجلة، وهي جاريةٌ عجَّاجة(٣)، تقذفُ بالخشب من شِدَّة جريها،
وتقدَّم تقريرُ أنَّ هذا أعجبُ من فَلقِ البحر لموسى من عدة وجوه ، والله أعلم .
وقال ابن حامد : فإن قالوا : فإنَّ موسى عليه السلام ضربَ بعصاه البحرَ فانفلقَ ، فكان ذلك آيةٌ
لموسى عليه السلام. قلنا: فقد أُوتي رسولُ الله ◌ِ لهَ مثلَها. قال عليٍّ رضي الله عنه: لمَّا خرجنا إلى خيبرَ
فإذا نحن بواد سُحتٍ ، وقدَّرنَاه فإذا هو أربع عشرة قامة ، فقالوا : يا رسول الله ! العدؤُ من ورائِنا والوادي
من أمامنا، كما قال أصحاب موسى: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ ﴾ [الشعراء: ٦١] فنزلَ رسول الله وَ له ثم قال: اللهم
إنَّكَ جعلتَ لكل مرسلٍ دلالةً، فأرني قدرتكَ، فركبَ رسول الله وَّ فعبرتِ الخيلُ لا تُبدي حوافرَها،
والإبلُ لا تُبدي أخفافَها ، فكان ذلك فتحاً .
وهذا الذي ذكرَه بلا إسناد ، ولا أعرفُه في شيءٍ من الكتب المعتمدة بإسناد صحيح ولا حسن ، بل
ولا ضعيف ، فالله أعلم .
وأما تظليلُه بالغَمام في التِّيه، فقد تقدَّم ذكرُ حديث الغَمامة (٣) التي رآها بحيرا تُظِلُّه من بين أصحابه ،
وهو ابنُ اثنتي عشرة سنة ، صُحْبةَ عمِّه أبي طالب وهو قادم إلى الشام في تجارة ، وهذا أبهرُ من جهةٍ أنَّه كان
وهو قبل أن يُوحى إليه ، وكانت الغَمامة تُظِلُّه وحدَه من بين أصحابه ، فهذا أشدُّ في الاعتناء ، وأظهرُ من
غَمام بني إسرائيل وغيرهم ، وأيضاً فإن المقصود من تظليل الغَمام إنَّما كان لاحتياجهم إليه من شِدَّة الحَرِّ .
وقد ذكرنا في الدلائل حين سُئل النبيُّ وَّه أن يدعوَ لهم ليُسقَوا، لما هم عليه من الجُوع والجَهد
والقَحط، فرفَعَ يديه وقال: ((اللَّهُمَّ اسقِنا، اللَّهُمَّ اسقِنا، اللَّهُمَّ اسِقِنا)) قال أنس: ولا والله ما نرى في
السَّماء من سَحابٍ ولا قَزَعه (٤) ، وما بيننا وبين سَلع من بيتٍ ولا دار ، فأنشأت من ورائه سحابة مثل
التُّرس ، فلما تَوسَّطتِ السماءَ انتشرت ثم أمطرت، قال أنس : فلا والله ما رأينا الشَّمسَ سبتنا . ولمَّا
(١) تقدم من هذا الجزء.
((عجَّاجة)) : صوت تدفق الماء في النهر.
(٢)
تقدم الحديث ، وفيه كلام فراجعه .
(٣)
(٤) ((قزعة)): قطعة من السحاب المتفرِّق.

٤١٢
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي موسى عليه السلام ... )
سألوه أن يستصحيَ لهم رفعَ يدَه وقال: ((اللَّهُمَّ حَوَالَينا ولا علينا))، فما جعلَ يُشيرُ بيديه إلى ناحيةٍ إلا
انحازَ السَّحابُ إليها(١) حتى صارت المدينةُ في مثلِ الإكليل يُمطرُ ما حولَها ولا تُمطر(٢). فهذا تظليلُ غَمام
محتاج إليه ، آكدُ من الحاجة إلى ذلك ، وهو أنفعُ منه، والتصرّف فيه ، وهو يشير ، أبلغُ في المعجز
وأظهرُ في الاعتناء ، والله أعلم .
وأما إنزالُ المَنِّ والسَّلوى عليهم فقد كثَّر رسولُ اللهِوَّهَ الطَّعامَ والشَّرابَ في غير ما موطن، كما تقدَّم
بيانُه في دلائل النبوة من إطعام الجَمِّ الغفير من الشيء اليسير، كما أطعمَ يومَ الخندق من شويهة(٣) جابر بن
عبد الله وصاعِه الشعير ، أزيدَ من ألف نفسٍ جائعة ، صلواتُ الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين .
وأطعمَ من حفنة قوماً من الناس ، وكانت تُمَدُّ من السماء ، إلى غير ذلك من هذا القَبيل مما يطولُ
ذكره .
وقد ذكرَ أبو نُعيم وابنُ حامد أيضاً هاهنا : أن المرادَ بالمَنّ والسَّلوى إنما هو رزقٌ رُزقُوه من غير كَدِّ
منهم ولا تعب ، ثم أوردَ في مقابلتِهِ حديثَ تحليل المغنم ولا يحل لأحد قبلنا ، وحديث جابر في سرية
أبي عُبيدة ، وجوعهم حتى أكلوا الخَبَطَ فحسرَ البحرُ لهم عن دَابَة، تُسمَّى العنبرَ ، فأكلوا منها ثلاثين من
يوم وليلة حتى سَمِنُوا وتكرَّست ◌ُكَنُ بطونهم ، والحديث في الصحيح كما تقدَّمُ(٤) ، وسيأتي عند ذكر
المائدة في معجزات المسيح ابن مريم .
قصة أبي مسلم الخَوْلاني
أنه خرجَ هو وجماعة من أصحابه إلى الحج وأمرَهم ألا يَحملوا زاداً ولا مَزاداً ، فكانوا إذا نزلوا منزلًا
صلَّى ركعتين ، فيُؤتون بطعام وشرابٍ وعَلَفٍ يَكفيهم ويَكفي دَوابَّهم غدَاءٌ وعَشاء مُدَّة ذهابهم وإيابهم(٥) .
وأما قوله تعالى: ﴿﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أَضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةَ
عَيْنَّا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ تَشْرَبَهُمّ﴾ الآية [ البقرة: ٦٠]. فقد ذكرنا بسطَ ذلك في قِصَّة موسى عليه السلام
وفي التفسير .
وقد ذكرنا الأحاديث(٦) الواردةَ في وَضع النبيِّ ◌َِّ يدَه في ذلك الإناء الصغير الذي لم يتسع لبسطها
(١) ((الإكليل)): العصابة، وتُطلق على كل محيط بالشيء.
(٢) رواه بمعناه البخاري (١٠١٧) في الاستسقاء، ومسلم (٨٩٧) باب الدعاء في الاستسقاء.
(٣) ((الشويهة)): الشاة الصغيرة.
(٤)
تقدم الحديث .
تقدمت قصة أبي مسلم .
(٥)
(٦) تقدمت الأحاديث .

٤١٣
كتاب دلائل النبوة ( باب: فيما أعطي رسول الله بحيث وما أعطي الأنبياء قبله )
فيه ، فجعلَ الماءُ ينبعُ من بَيْنِ أصابِعه أمثالَ العُيون ، وكذلك كَثَّرَ الماءَ في غير ما موطن ؛ كمَزادَتَي تلكَ
المرأة ، ويومَ الحُدَيبية ، وغير ذلك ، وقد استسقى اللهَ لأصحابه في المدينة وغيرها فأُجيب طِبقَ السُّؤالِ
وَفَقَ الحاجةِ لا أزيدَ ولا أنقصَ ، وهذا أبلغُ في المُعجز .
ونبعُ الماء من بين أصابعه من نفس يده ، على قول طائفة كثيرة من العلماء ، أعظمُ من نبع الماء من
الحَجَرِ فإنَّه محلٌّ لذلك .
قال أبو نُعيم الحافظ : فإن قيل : إن موسى كان يضربُ بعصاه الحجرَ فينفجرُ منه اثنتا عشرة عيناً في
التيه ، قد علمَ كلُّ أُناسٍ مَشربَهم . قيل: كان لمحمَّدٍ وََّ مثلُه أو أعجبُ، فإنَّ نبعَ الماء من الحَجَر مشهورٌ
من المعلوم والمتعارف ، وأعجبُ من ذلك نبعُ الماء من بين اللَّحم والدَّم والعَظم ، فكان يُفرِجُ بينَ أصابعه
في مخضب ، فينبع من بين أصابعه الماء ، فيشربون ويَستقون ماءً جارياً عذباً ، روى العددَ الكثير من
الناس والخيل والإبل(١).
ثم روى من طريق المُطَّلب بن عبد الله بن حَنطَبَ: حدَّثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري ،
حدَّثني أبي. قال: كنا مع رسول الله ﴿ في غزوة غزاها، فباتَ النَّاسُ في مَخمَصَة ، فدعا بِركوَةٍ
فُوُضِعت بينَ يديه ، ثم دعا بماءٍ فصبَّه فيها ، ثم مَّ فيها وتكلّم ما شاء الله أن يتكلّم ، ثم أدخلَ إصبعه
فيها ، فأقسمَ بالله لقد رأيتُ أصابعَ رسول الله وَّهِ تَتْفجَّر منها ينابيعُ الماء، ثم أمرَ النَّاسَ فسُقوا وشَربوا
وملؤوا قِرَبَهم وإداواتِهِمْ(٢) .
وأما قِصَّةُ إحياء الذين قُتلوا بسبب عبادة العجل وقصة البقرة ، فسيأتي ما يُشابههما من إحياء حيواناتٍ
وأُناس ، عند ذكر إحياء الموتى على يد عيسى ابن مريم ، والله أعلم .
وقد ذكر أبو نُعيم ها هنا أشياءَ أُخرَ تركناها اختصاراً واقتصاراً .
وقال هشام بن عمَّار في كتابه (( المبعث)) :
باب
فيما أُعطي رسولُ الله ◌َّهِ وما أُعطي الأنبياء قبله
حدَّثنا محمد بن شعيب ، حدَّثنا رَوحُ بن مدرك ، أخبرني عمرُ بن حسَّان التميمي ؛ أن موسى عليه
السلام أُعطي آيةً من كُنوز العرش: ((ربِّ لا تُولِج الشيطان في قلبي، وأعذني منه ومن كلِّ سوء ، فإنَّ لك
(١) انظر دلائل النبوة؛ لأبي نعيم (١/ ٧٥٢).
(٢) رواه أبو نعيم كما في حجة الله على العالمين؛ للنبهاني (٦/ ٦٢٦) ولم أجده في الحلية ولا في الدلائل .

٤١٤
كتاب دلائل النبوة ( باب: فيما أعطي رسول الله حملة# وما أعطي الأنبياء قبله )
اليدَ والسُّلطانَ والمُلكَ والمَلكوت، ودهرَ الدَّاهرين، وأبدَ الآبدين، آمين آمين(١). قال: وأُعطي
محمَّدٌ وَ ﴿ آيتان من كُنوز العرش (٢)، آخر سورة البقرة: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ،
وَالْمُؤْمِنُونَ ... ﴾ إلى آخرها [البقرة: ٢٨٥ -٢٨٦].
قِصَّة حبس الشمس
على يُوشَع بن نون بن أفرايم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن ، عليهم
السلام، وقد كان نبيَّ بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام ، وهو الذي خرجَ ببني إسرائيل من التِّيه ،
ودخلَ بهم بيتَ المقدس بعد حصار ومقاتلة ، وكان الفتحُ قد ينجزُ بعدَ العصر يومَ الجمعة ، وكادتِ
الشَّمسُ تغربُ، ويدخلُ عليهم السَّبتُ ، فلا يَتمكَّنونَ معه من القتال، فنظرَ إلى الشَّمس فقال : إنَّكِ
مأمورةٌ وأنا مأمورٌ ، ثم قال: اللَّهُمَّ احبِسها عليَّ، فحبسَها الله عليه حتَّى فتحَ البلدَ ، ثم غَرَبَت .
وقد قدّمنا في قِصَّة من قِصَص الأنبياء الحديثَ الواردَ في صحيح مسلم : من طريق عبد الرزاق ، عن
مَعْمَرَ بن هَمَّام، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّرَ، قال: ((غزا نبيٌّ من الأنبياء، فدنا من القرية حينَ صَلَّى
العصرَ أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورةٌ وأنا مأمورٌ ، اللَّهُمَّ أمسكْها عليّ شيئاً(٣) فحُبستْ
عليه حتَّى فتحَ الله عليه .. الحديث بطوله .
وهذا النبيُّ هو يُوشَعُ بن نون ، بدليل ما رواه الإمام أحمد: حدَّثنا أسود بن عامر ، حدَّثنا أبو بكر بن
هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الشَّمسَ لم تُحبس لبشرٍ
إلا ليُوشِعَ عليه السلام لياليَ سارَ إلى بيتِ المقدس (٤) تفرَّدَ به أحمدُ وإسناده على شرط البُخاري .
إذا عُلمَ هذا ، فانشقاقُ القمر فِلْقَتَيْنِ حتَّى صارت فلقة من وراء الجبل - أعني حراء - وأخرى من
دونه ، أعظمُ في المعجزة من حبس الشمس قليلاً .
وقد قدّمنا في الدلائل حديثَ رَدِّ الشَّمْس بعد غُروبها ، وذكرنا ما قيل فيه من المقالات ، فالله أعلم .
قال شيخنا العَلاَّمة أبو المعالي بن الزملكاني : وأما حبسُ الشَّمس ليُوشِعَ في قتال الجبّارين ، فقد
انشقَّ القمرُ لَبيِّنَا وَّهِ، وانشقاق القمر فِلْقَتَينِ أبلغُ من حَبْسِ الشَّمس عن مسيرها .
(١) لم أجده ، وكتاب المبعث لهشام بن عمار لم أره مطبوعاً .
(٢) رواه أحمد في المسند (٣٨٣/٥) والنسائي في الكبرى (٨٠٢٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٢١٣/١) وفي الشعب
(٢٣٨) .
(٣) رواه مسلم في صحيحه (١٧٤٧) في الجهاد ، وتقدم .
(٤) رواه الإمام أحمد في المسند (٣٢٥/٢) رقم (٨٢٩٨) وهو حديث تقدم .

٤١٥
كتاب دلائل النبوة ( باب : فيما أعطي رسول الله : وما أعطي الأنبياء قبله )
وصَحَّتِ الأحاديث(١) وتواترت بانشقاق القمر ، وأنه كان فرقة خلف الجبل وفرقة أمامه، وأنَّ
رسول الله وَ لّ قال: ((اشهدوا)(٢)، وأنَّ قريشاً قالوا: هذا سحرَ أبصارنا، فوردَ المسافرون وأخبروا
أنهم رأوه مفرَّقاً، قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ (١) وَإِن يَرَوْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْسِحْرٌ مُسْتَمٌِّ ﴾
[ القمر: ١ - ٢] قال: وقد حُبست الشَّمسُ لرسول الله وَل مرّتين، إحداهما ما رواه الطحاوي وقال: رواته
ثقات، وسمَّاهم وعدَّهم واحداً واحداً؛ وهو أن النبيَّ بَّ كان يُوحى إليه ورأسه في حِجر عليٍّ رضي الله
عنه ، فلم يرفع رأسَه حتَّى غَرَبَت الشَّمسُ، ولم يكن عليّ صلَّى العصرَ، فقال رسول الله ◌ِّهِ: «اللَّهُمَّ إنه
كان في طاعتِك وطاعةِ رسولك(٣)، فَارْدُد عليه الشَّمسَ))(٤) فردَّ الله عليه الشَّمسَ حتى رُئِيَتْ، فقامَ عليٍّ
فصَلَّى العصرَ ، ثم غَرَبَتْ .
والثانيةُ صبيحة الإسراء، فإنه وَ لَه أخبرَ قريشاً عن مَسْراه من مكَّة إلى بيت المقدس، فسألوه عن أشياءً
من بيت المقدس ، فجلاَّه الله له حتَّى نظرَ إليه ووصفَه لهم ، وسألوه عن عِيْرٍ كانت لهم في الطريق فقال :
(( إنَّها تصلُ إليكم مع شروق الشمس)) فتأخَّرَتْ ، فحبسَ الله الشمسَ عن الطُّلوع حتى جاءتِ العيرُ.
روى ذلك ابن بُكير(٥) في زياداته على السيرة .
أما حديث ردِّ الشمس بسبب عليّ رضي الله عنه، فقد تقدَّم ذكرنا له من طريق أسماء بنت عميس وهو
أشهرها ، وأبي سعيد ، وأبي هريرة ، وعليّ نفسه ، وهو مُستنكرٌ من جميع الوجوه ، وقد مال إلى القول
بتقويته أحمد بن صالح المصري الحافظ ، وأبو جعفر الطحاوي ، والقاضي عياض ، وكذا صحَّحه جماعة
من العلماء الرافضة ، كابن المُطَهِّر(٦) وذويه . وردّه وحكمَ بضعفه آخرون من كبار حفَّاظ الحديث
ونُقَّادهم ، كعليٍّ بن المَديني ، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ، وحكاه عن شيخه محمد ويعلى ابني
عبيد الطنافسيين ، وكأبي بكر محمد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه أحد الحفّاظ ، والحافظ
الكبير أبي القاسم بن عساكر ، وذكره الشيخ جمالُ الدين أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات ،
وكذلك صرَّحَ بوضعه شيخاي الحافظان الكبيران أبو الحجّاجِ المِزِّي ، وأبو عبد الله الذهبي . وأما ما ذكره
يُونس بن بُكير في زياداته على السيرة من تأخّر طلوع الشمس عن إبّان طُلوعها ، فلم ير لغيره من علماء
(١) انظر الأحاديث في معجزة انشقاق القمر (ص ٧٧ - ٨٠).
(٢)
تقدم الحديث .
(٣)
في نسخة: (( وطاعة نبيِّك)).
(٤)
تقدم الحديث .
هو يونس بن بكير المتوفى سنة (١٩٩ هـ) وهو راوي السيرة عن ابن إسحاق ، وله عليها زيادات .
(٥)
(٦) هو ابن المطهر الحلي صاحب كتاب ((منهاج الكرامة)) والذي ألف الإمام ابن تيمية كتابه ((منهاج السنة)) في الرد
عليه .

٤١٦
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أعطي إدريس عليه السلام )
السِّير . على أن هذا ليس من الأمور الشاهدة ، وأكثر ما في الباب أن الراوي رأى تأخيرَ طلوعها ، ولم
يُشاهد حبسها عن وقتها .
وأغرب من هذا ما ذكرَهُ ابنُ المُطَهَّر في كتابه ((المنهاج)) ، أنَّها رُدَّت لعليٍّ مرتين ، فذكرَ الحديث
المُتقدِّم ، كما ذكر ، ثم قال : وأما الثانية فلمَّا أراد أن يعبرَ الفراتَ ببابلَ ، اشتغلَ كثيرٌ من أصحابه بسبب
دَوابِّهم، وصلَّى لنفسه في طائفة من أصحابه العصرَ ، وفاتت كثيراً منهم ، فتكلَّموا في ذلك ، فسألَ الله ردًّ
الشمس فرُدَّت . وقد نظمه الحميريُّ ، فقال :
وقت الصلاة وقد دنتْ للمغربِ
رُدَّت عليه الشمس لمَّا فاتَه
للعصر ثم هوت هويَّ الكوكبِ
حتى تسلَّخ نورها في وقتها
أخرى وما ردت لخلق مقرب
عليه قد رُدَّت ببابل مرَّةً
قال : وذكر أبو نُعيم بعدَ موسى إدريس عليه السلام ، وهو عند كثير من المفسرين من أنبياء بني
إسرائيل ، وعند محمّد بن إسحاق بن يَسار وآخرين من علماء النسب قبلَ نوح عليه السلام ، في عمود
نسبه إلى آدم عليه السلام ، كما تقدَّم التنبيه على ذلك . فقال :
القول فيما أُعطي إدريس عليه السلام
من الرفعة التي نَوَّهَ الله بذكرها، فقال: ﴿ وَرَفَعْنَهُ مَكَنَا عَلِيًّا﴾ [ مريم: ٥٧ ]
قال: والقول فيه أن نبينا محمداً ◌َلّ أُعطي أفضل وأكملَ من ذلك، لأن الله تعالى رفعَ ذكره في الدنيا
والآخرة فقال: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [الشرح: ٤] فليس خطيبٌ ولا شفيعٌ ولا صاحبُ صلاة إلا يُنادي بها :
أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقرنَ الله اسمَه باسمِه ، في مشارق الأرض ومغاربها ،
وذلك مفتاحاً للصلاة المفروضة .
ثم أوردَ حديثَ ابن لهيعة: عن درّاج، عن أبي الهيثمُ(١)، عن أبي سعيد، عن رسول الله وَ له في
قوله: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: قال لي جبريلُ: قال الله: ((إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ)(٢) . ورواه ابن جرير
وابن أبي عاصم من طريق دَرَّاج .
ثم قال : حدَّثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي ، حدَّثنا موسى بن سهل الجوني ، حدَّثنا
أحمد بن القاسم بن بهرام الهيتي ، حدَّثنا نصرُ بن حمّاد ، عن عثمان بن عطاء ، عن الزهري ، عن
(١) في المطبوع: ((الهشيم)) محرف، وهو أبو الهيثم العُتْواري ، وهذا إسناد ضعيف.
(٢) رواه أبو يعلى في المسند (١٣٨٠) وابن جرير الطبري في تفسيره (٢٣٥/٣٠) وابن حبان في صحيحه (١٧٧٢)
موارد ، وإسناده ضعيف .

٤١٧
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أعطي إدريس عليه السلام )
أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله: «لما فرغتُ مما أمرني الله تعالى به من أمر السمواتِ والأرض
قلت : يا ربِّ إنه لم يكن نبيٌّ قبلي إلا قد كرَّمته ، جعلتَ إبراهيم خليلاً، وموسى كليماً ، وسخّرت لداودَ
الجبالَ ، ولسليمان الريح والشياطين ، وأحييت لعيسى الموتى ، فما جعلتَ لي ؟ قال : أوليس قد
أعطيتُك أفضلَ من ذلك كله ، أنِّي لا أُذْكَرُ إلا ذُكِرْتَ معي ، وجعلتُ صدورَ أمتك أناجيلَ يقرؤون القرآن
ظاهراً، ولم أُعْطِها أُمَّةً ، وأنزلتُ عليك كلمة من كنوز عرشي: لا حول ولا قوة إلا بالله)(١) . وهذا
إسناد فيه غرابة ، ولكن أورد له شاهداً من طريق أبي القاسم بن بنت منيع البغوي ، عن سليمان بن داود
المهراني ، عن حمّاد بن زيد ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً بنحوه .
وقد رواه أبو زرعة الرازي في كتاب (( دلائل النبوة)) بسياق آخر ، وفيه انقطاع ، فقال: حدَّثنا
هشام بن عمَّار الدمشقي ، حدَّثنا الوليد بن مسلم ، حدَّثنا شعيب بن زريق أنه سمع عطاءً الخراساني ،
يُحدِّث عن أبي هريرة وأنس بن مالك، عن النبي وَلّر من حديث ليلة أُسري به. قال: (( فأراني الله من
آياتِهِ ، فوجدتُ ريحاً طيِّة ، فقلت : ما هذا يا جبريلُ ؟! قال : هذه الجنَّةُ، تقولُ : يا ربِّ ائتني بأهلي ،
قال الله تعالى : لك ما وعدتُكَ ، كل مؤمن ومؤمنة لم يتخذ من دوني أنداداً ، من أقرضني قرَّبته ، ومن
توّل عليَّ كفيتُه ، ومن سألني أعطيتُه ، ولا ينقص نفقته ، ولا ينقص ما يتمنى، لك ما وعدتُكَ ، فنعم
دار المتقين أنت ، قلت : رضيت ، فلما انتهينا إلى سدرة المنتهى خررت ساجداً فرفعتُ رأسي فقلت :
يا رب! اتخذت إبراهيم خليلاً ، وكلمت موسى تكليماً ، وآتيت داود زبوراً، وآتيتَ سليمان ملكاً
عظيماً ، قال : فإني قد رفعتُ لك ذكركَ ، ولا تجوز لأمتك خطبة حتى يشهدوا أنك رسولي ، وجعلتُ
قلوبَ أمتك أناجيل ، وآتيتك خواتيم سورة البقرة من تحت عرشي)(٢) .
ثم روى من طريق الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي هريرة ، حديث الإسراء بطوله ، كما
سقناه من طريق ابن جرير في التفسير ، وقال أبو زُرعة في سياقه : ثم لقيَ أرواحَ الأنبياء عليهم السلام ،
فأثنوا على ربّهم عزَّ وجلَّ .
فقال إبراهيمُ عليه السلام : الحمدُ لله الذي اتّخذني خليلاً ، وأعطاني مُلكاً عظيماً ، وجعلني أمَّة قانتاً
الله محياي ومماتي ، وأنقذني من النار ، وجعلَها عليَّ برداً وسلاماً .
ثم إنَّ موسى عليه السلام أثنى على ربِّه ، فقال : الحمد لله الذي كلَّمني تكليماً ، واصطفاني برسالته
وبكلامه ، وقرّبني نجياً ، وأنزل عليَّ التوراة ، وجعلَ هلاك فرعون على يديَّ ونجاة بني إسرائيل على
يديَّ .
(١) رواه أبو نُعيم في الدلائل كما في تفسير ابن كثير (٩٤/٤) وفي إسناده ضعف.
(٢) رواه أبو زرعة الرازي في دلائله، كما في تفسير ابن كثير (٢٥/٣) و(٢٩/٣).

٤١٨
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أعطي إدريس عليه السلام )
ثم إن داود عليه السلام أثنى على ربه فقال : الحمدُ لله الذي جعلني ملكاً، وأنزل عليَّ الزبور ،
وألان لي الحديد ، وسخّر لي الجبال يُسبِّحنَ معي والطَّيرَ ، وآتاني الحكمة وفصل الخطاب .
ثم إن سليمان عليه السلام أثنى على ربِّه فقال: الحمدُ لله الذي سخّر لي الرياح والجِنَّ والإنس ،
وسخِّر لي الشياطين يعملون لي ما شئتُ من محاريبَ وتماثيلَ وجِفَانٍ كالجَواب وقدور راسيات ، وعلَّمني
منطقَ الطير ، وأسالَ لي عَينَ القِطْر ، وأعطاني ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي .
ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على الله عز وجل فقال : الحمدُ لله الذي علّمني التوراة والإنجيل ،
وجعلني أُبرىءُ الأكمه والأبرصَ وأُحيي الموتى بإذن الله، وطهَّرني ورفعَني من الذين كفروا ، وأعاذني من
الشيطان الرجيم ، فلم يكن للشيطان علينا سبيل .
ثم إنَّ محمداً وَّهَ أثنى على ربه فقال: كلُّكُم أثنى على ربِّه، وأنا مُثنٍ على ربِّي، الحمدُ لله الذي
أرسلني رحمةً للعالمين ، وكافَّة للناس بشيراً ونذيراً ، وأنزلَ عليَّ الفُرقان فيه بيان لكل شيء ، وجعلَ أمتي
خير أمة أُخرجت للناس ، وجعل أمتي أُمَّةً وسطاً ، وجعل أُمَّتي هم الأوَّلون وهم الآخرون ، وشرحَ لي
صدري ، ووضعَ عنِّي وزري ، ورفعَ لي ذِكري ، وجعلني فاتحاً وخاتماً .
فقال إبراهيم عليه السلام: بهذا فَضَلَكم محمد ◌َلٍ)(١) .
ثم أورد الحديثَ المتقدم ، فيما رواه الحاكم والبيهقي ، من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم ،
عن أبيه ، عن عمر بن الخطّاب، مرفوعاً في قول آدم: (( يا ربِّ أسألُكَ بحقِّ محمّد إلا غفرتَ لي ،
فقال الله : وما أدراكَ ولم أَخلُقَه بعدُ ؟ فقال : لأني رأيتُ مكتوباً مع اسمك على ساقِ العرش: لا إله
إلا الله محمد رسول الله ، فعرفتُ أنَّكَ لم تُضفْ إلى اسمِكَ إلا أحبَّ الخلق إليكَ ، فقال الله : صدقتَ
يا آدمُ، ولولا محمد ما خلقتُكَ)(٢) .
وقال بعضُ الأئمة : رفعَ الله ذكرَه ، وقرَنه باسمه في الأوَّلين والآخرين ، وكذلكَ يرفعُ قدَرَه ، ويقيمُه
مقاماً مَحمُوداً يومَ القيامة ، يغبطُه به الأوَّلُون والآخِرون ، ويرغبُ إليه الخلق كلُّهم حتى إبراهيم الخليل ،
كما وردَ في صحيح مسلم(٣) فيما سلفَ ، وسيأتي أيضاً .
فأما التنويه بذكره في الأمم الخالية ، والقرون السابقة ، ففي صحيح البخاري(٤) : عن ابن عباس
(١) رواه ابن جرير في تفسيره (٧/٨ - ١١) وذكره ابن كثير في تفسير مطلع سورة الإسراء (٢٥/٣ -٢٦).
(٢) رواه البيهقي في الدلائل (٣٩٧/٢ - ٤٠٢) والحاكم في المستدرك (٢/ ٦١٥) وصححه الحاكم ، وتعقبه الذهبي
فقال : بل موضوع ، وعبد الرحمن واهٍ .
(٣) رواه مسلم في صحيحه (١٩٤)(٣٢٧) في الإيمان.
(٤) ذكره المؤلف في التفسير (١/ ٤٦٣) عن علي بن أبي طالب وابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهم ، ولم يعزه ،
ولم أجده في البخاري في صحيحه ، ولعله في التاريخ .

٤١٩
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أعطي إدريس عليه السلام )
قال : ما بعثَ الله نبيَّاً إلا أخذَ عليه الميثاق لئن بُعِثَ محمَّدٌ وهو حي ليُؤمِنَنَّ به وليتبعنه ولينصرنَّه، وأمرَه
أن يأخذَ على أمته العهدَ والميثاق لئن بُعثَ محمَّد وهم أحياء ليؤمننَّ به وليتبعنَّه .
وقد بشَّرت بوجوده الأنبياء حتى كان آخر من بشّر به عيسى ابن مريم خاتم أنبياء بني إسرائيل ، وكذلك
بشَّرت به الأحبارُ والرهبان والكهَّان ، كما قدَّمنا ذلك مبسوطاً .
ولما كانت ليلة الإسراء رُفِعَ من سماء إلى سماء حتَّى سلَّم على إدريس عليه السلام ، وهو في السماء
الرابعة ، ثم جاوزَه إلى الخامسة ثم إلى السادسة ، فسلّم على موسى بها ، ثم جاوزَه إلى السابعة فسلّم
على إبراهيم الخليل بها عند البيت المعمور ، ثم جاوز ذلك المقام ، فرُفِعَ لمستوى سمعَ فيه صريفَ
الأقلام ، وجاء سدرة المنتهى ، ورأى الجنَّة والنَّار، وغير ذلك من الآيات الكبرى ، وصلَّى بالأنبياء ،
وشيَّعه من كل سماءِ مقرَّبُوها ، وسلَّم عليه رضوانُ خازنُ الجِنان ، ومالك خازن النار . فهذا هو الشرف ،
وهذه هي الرِّفعة ، وهذا هو التكريم والتنويه والإشهار والتقديم والعلوّ والعظمة ، صلوات الله وسلامه
عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين .
وأما رفع ذكره في الآخرين ، فإنَّ دينَه باقٍ ناسخٌ لكلِّ دين، ولا يُنسخُ هو أبدَ الآبدين ودَهرَ الدَّاهرين
إلى يوم الدين ، ولا تزالُ طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرُهم من خذلَهم ولا من خالفَهم حتى تقومَ
الساعة . والنِّداءُ في كل يوم خمس مرَّات على كل مكان مرتفع من الأرض : أشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهد
أنَّ محمداً رسول الله . وهكذا كلُّ خطيبٍ يخطبُ لا بُدَّ أن يذكرَه في خطبته ، وما أحسنَ قول حسان :
مِنَ الله مَشهودٌ يَلوحُ ويَشْهَدُ
أَغُّ عَليهِ للنبوّةِ خَاتَمٌ
إِذَا قَالَ في الخَمسِ المُؤَذِّن أشهدُ
وضَمَّ الإله اسمَ النبيِّ إلى اسمِهِ
فَذُو العرشِ مَحمودٌ وهذا مُحمَّدُ
وشَقَّ لَهُ من اسمهِ لْيُجِلَّهُ
وقال الصرصريّ(١) :
لا يصحُّ الأذانُ في الفرض إلا باسمه العذب في الفم المرضي
وقال أيضاً :
أَلم ترَ أنَّا لا يَصُ أَذانُنا وَلَا فرضنا إن لم نكَرِّرْهُ فيهِما
(١) هو يحيى بن يوسف الصرصري، الشاعر، المتوفى سنة (٦٥٦هـ) .

٤٢٠
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي داود عليه السلام )
القول فيما أوتي داود عليه السلام
قال الله تعالى: ﴿ وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُ ودَ ذَا الْأَيْدِّ إِنَّهُ، أَوََّبٌ (٤٦) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ, يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَاْإِشْرَاقِ (٦) وَاُلْطَّيْرَ
يَحْثُورَةٌ كُلٌّ لَّهُ أَوَابٌ﴾ [ص: ١٧ - ١٩] وقال تعالى: ﴿ ﴿ وَلَقَدْ ءَانْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرِّ وَأَلَنَّالَهُ
الْحَدِيدَ ﴿ أَنِ اعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِّيِ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠ -١١] وقد ذكرنا في
قصته عليه السلام وفي التفسير ، طيب صوته عليه السلام ، وأن الله تعالى كان قد سخّر له الطير تُسبِّحُ
معه ، وكانت الجبالُ أيضاً تُجيبه وتُسبِّح معه ، وكان سريع القراءة ، يأمر بدوابّه فتسرج فيقرأ الزبور بمقدار
ما يفرغ من شأنها ثم يركب ، وكان لا يأكل إلا من كسب يده ، صلوات الله وسلامه عليه ، وقد كان نبينا
محمّد ◌َّ حسنَ الصوت، طَيِّبَه بتلاوة القرآن، قال جُبير بن مطعم: قرأ رسول الله وَّر في المغرب بالتين
والزيتون، فما سمعتُ صوتاً أطيبَ من صوته وَ ل﴾(١). وكان يقرأ ترتيلاً كما أمره الله عز وجل بذلك . وأما
تسبيحُ الطير مع داودَ ، فتسبيحُ الجبال الصُّمِّ أعجبُ من ذلك، وقد تقدَّم في الحديث أن الحصى سبَّحَ في
كفِّ رسولِ اللهِ وَّهِ، قال ابن حامد: وهذا حديث معروف مشهور، وكانت الأحجارُ والأشجارُ والمَدَرُ
تُسلِّم عليه ◌ِ .
وفي صحيح البخاري(٢): عن ابن مسعود قال: لقد كنَّا نسمعُ تسبيحَ الطَّعام وهو يُؤكل - يعني بين
يدي النبيِّ ◌َلاه -.
وكلَّمه ذراع الشاة المسمومة ، وأعلمَه بما فيه من السُّمِّ ، وشهدت بنبوته الحيواناتُ الإنسية
والوحشية ، والجماداتُ أيضاً ، كما تقدَّم بسط ذلك كله ، ولا شكَّ أن صدورَ التسبيح من الحصى الصِّغار
الصُّمِّ التي لا تجاويفَ فيها ، أعجبُ من صدور ذلك من الجبال ، لما فيها من التجاويف والكهوف ، فإنها
وما شاكلَها تُردِّدُ صدَى الأصواتِ العالية غالباً ، كما كان عبد الله بن الزبير إذا خطبَ - وهو أميرُ المؤمنين
بالحرم الشريف - تُجاوبُه الجبال ، أبو قبيس وزرو( ٣) ، ولكن من غير تسبيح ، فإن ذلك من معجزات
داود عليه السلام . ومع هذا فتسبيح الحصى في كفِّ رسول الله وَلَّهَ وأبي بكر وعمر وعثمان ، أعجب.
وأما أكلُ داود من كسب يده ، فقد كانَ رسولُ اللهِّهِ، يأكلُ من كسبه أيضاً، كما كان يرعى غنماً لأهل
مكة على قراريط . وقال: (( ما من نبيِّ إلا وقد رعى الغنمَ)(٤) . وخرجَ إلى الشام في تجارة لخديجة
مضاربةً، وقال الله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقِّ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ
(١) رواه البخاري في الصلاة (٧٦٩) باب الجهر في العشاء، ومسلم (٤٦٥)(١٧٧) في الصلاة ، باب القراءة في
العشاء ، عن البراء بن عازب رضي الله عنه ، وصوابه : قرأ في العشاء .
(٢) رواه البخاري في المناقب (٣٥٧٩) باب علامات النبوة في الإسلام.
(٣)
لم أجد في جبال مكة جبلا بهذا الاسم .
(٤) رواه البخاري في الإجارة (٢٢٦٢).