Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ كتاب دلائل النبوة (باب : إخباره عليه الصلاة والسلام عن الغيوب المستقبلة ) وقال يعقوب بن سُفيان : حدَّثنا عُبيد الله بن مُوسى ، أخبرنا أبو إسرائيلَ كوفي ، عن الوليدِ بن العَيْزَار ، عن عمرو بن ميمون، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: ما كنَّا ننكرُ ونحنُ مُتوافِرونَ أصحاب محمّد مَّةٍ، أنَّ السكينةَ تنطقُ على لسان عُمَرُ(١). قال البيهقيُّ: تابعه زرُّ بن حُبَيْش، والشعبيُّ عن عليٍّ. وقالَ يعقوبُ بن سُفيان : حدَّثنا مسلم بن إبراهيم ، حدَّثنا شعبةُ ، عن قيس بن مُسلم ، عن طارق بن شِهاب ، قال: كنَّا نُحدَّثُ أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ ينطقُ على لِسَانٍ مَلَك(٢). وقد ذكرنَا في سيرةٍ عمرَ بن الخطّاب رضي الله عنه أشياءَ كثيرة ، من مُكاشفاتِه وما كانَ يُخبرُ به من المُغَيِّبَات ، كقِصَّةِ ساريةَ بن زُنَيمُ(٣)، وما شاكلَها، ولله الحمدُ والِمِنَّةُ . ومن ذلك ما رواه البخاريُّ : من حديث فِراس ، عن الشعبيِّ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها؛ أنَّ نساءَ النبيِّ بَِّ اجتمعنَ عندَه، فقلنَ يوماً: يا رسولَ الله! أيَّتُّنَا أسرعُ بكَ لُحوقاً؟ فقال : (( أطولكن يداً)) فكانت سودةُ أطولنا ذراعاً ، فكانت أسرعنا به لحوقاً . هكذا وقع في الصحيح عند البخاري أنها سودة(٤) . وقد رواه يُونس بن بكير : عن زكريا بن أبي زائدة ، عن الشعبي ، فذكرَ الحديث مُرسلاً، وقال : فلما تُوفيت زينبُ علمنَ أنها كانت أطولَهُنَّ يداً في الخير والصدقةُ(٥) . والذي رواه مسلم : عن محمود بن غيلان ، عن الفضل بن موسى ، عن طلحة بن يحيى بن طلحة ، عن عائشة بنت طلحة ، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها .. فذكرَ الحديثَ ، وفيه : فكانت زينبُ أطولَنا يداً ، لأنها كانت تعملُ بيدها وتَصدَّق (٦) . وهذا هو المشهور عن علماء التاريخ ؛ أن زينبَ بنت جحش كانت أوَّل أزواج النبي ◌َّر وفاةً. قال الواقدي: تُوفيت سنة عشرين، وصلَّى عليها عمر بن الخطاب(٧). قلت : وأما سودة فإنها توفيت في آخر إمارة عمر بن الخطاب أيضاً ، قاله ابن أبي خيثمة . ومن ذلك ما رواه مسلم(٨): من حديث أُسيد بن جابر، عن عمرَ بن الخطّاب، في قصة أُويس القرنيّ ، وإخباره عليه الصلاة والسلام عنه بأنه خيرُ التابعين ، وأنه كان به بَرَصٌ ، فدعا الله فأذهبَه عنه ، (١) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٣٧٠) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٤٢) وهو حديث حسن . (٢) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٣٧٠) وهو حديث حسن . (٣) سارية بن زُنَّيْم: الدِّيلي ، الصحابيّ ، كان من أشد الناس حُضْراً ( عدواً) وهو الذي ناداه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وهو يخطبُ الجمعة بالمدينة المنورة، يا ساريةُ! الجبلَ الجبلَ. وتمام القصة في أسد الغابة (٣٠٦/٢). (٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٤٢٠) في الزكاة . (٥) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٣٧٤) وهو مرسل ، ولكن يشهد له رواية مسلم بعده . (٦) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٤٥٢) في فضائل الصحابة . (٧) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٩١/٨). (٨) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٤٥٢) في فضائل الصحابة . ٣٠٢ كتاب دلائل النبوة ( باب : إخباره عليه الصلاة والسلام عن الغيوب المستقبلة ) إلا موضعَ قَدْرِ الدِّرهم من جسده، وأنه بَارٌ بأُمّه ، وأمرُه لعمرَ بن الخطاب أن يستغفر له ، وقد وُجد هذا الرجل في زمان عمرَ بن الخطّاب على الصفة والنعت الذي ذكره في الحديث سواء . وقد ذكرتُ طرقَ هذا الحديث وألفاظه والكلام عليه مطوّلاً في الذي جمعته من مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ولله الحمد والمنة . ومن ذلك ما رواه أبو داود : حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدَّثنا وكيع ، حدَّثنا الوليد بن عبد الله بن جُميع ، حدَّثني جرير بن عبد الله وعبد الرحمن بن خَلاَّد الأنصاري ، عن أم ورقة بنت نوفل ؛ أنَّ رسولَ اللهِ وَ ﴿ لما غزا بدراً قالت: يا رسول الله! ائذنْ لي في الغزو معكَ، أُمرِّضُ مرضاكم ، لعلَّ الله يرزقني الشهادة، فقال لها: « قرِّي في بيتك فإنَّ الله يرزقكِ الشهادةُ(١))) فكانت تسمَّى الشهيدة ، وكانت قد قرأتِ القرآن، فاستأذنت النبيَّ ◌َّ أن يتخذ في دارها٢) مؤذناً يُؤذِّن لها، وكانت دَبَّرت غلاماً لها وجارية ، فقاما إليها بالليل فغمَّاها(٣) في قطيفةٍ لها حتى ماتت ، وذهبا ، فأصبح عمر ، فقام في الناس وقال : من عنده من هذين علم أو من رآهما فليجىء بهما ، فجيء بهما ، فأمر بهما فصُلبَا ، فكانا أوَّلَ مصلوبين بالمدينة . وقد رواه البيهقي : من حديث أبي نُعيم : حدَّثنا الوليد بن جُميع ، حدَّثتني جدَّتي ، عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث، فكان رسولُ الله وَلَه يزورُها ويُسمِّيها الشهيدة، فذكر الحديث ، وفي آخره فقال عمر: صدقَ رسولُ اللهِوَ لَ كان يقول: ((انطلقوا بنا نزور الشهيدةَ)(٤) ومن ذلك ما رواه البخاري(٥) : من حديث أبي إدريس الخَوْلاني ، عن عَوْف بن مالك في حديثه عنه، في الآيات الست بعد موته، وفيه: (( ثم مُوتانٌ يأخذ(٦) فيكم كقُعاص (٧) الغنم )) وهكذا وقع في أيام عمرَ ، وهو طاعون عمَواس سنة ثماني عشرة ، ومات بسببه جماعات من سادات الصحابة ، منهم معاذ بن جبل ، وأبو عبيدة ، ويزيد بن أبي سفيان ، وشُرحبيل بن حَسَنة ، وأبو جندل بن سهل بن عمرو وأبوه ، والفَضْل بن العبّاس بن عبد المطلب ، رضي الله عنهم أجمعين . وقد قال الإمام أحمد: حدَّثنا وكيع ، حذَّثنا النَّهَّاسُ بن قَهْم ، حدَّثنا شدَّاد أبو عمّار ، عن معاذ بن جبل ، قال: قال رسول الله وَالرَ: ((سِتّ من أشراط الساعة: موتي، وفتح بيت المقدس ، وموتٌ يأخذ (١) رواه أبو داود في سننه رقم (٥٩١) في الصلاة ، وإسناده ضعيف. (٢) كذا في الأصل وفي المطبوع : أن تتخذ في بيتها . (٣) ((فعمَّاها)): أي: وضعا فوق رأسها قطيفة أو وسادة وخنقاها. (٤) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٣٨١ - ٣٨٢)، ورواه الإمام أحمد في المسند (٤٠٥/٦) وأبو داود رقم (٥٩٢) وإسناده ضعيف لجهالة عبد الرحمن بن خلاد، وجدة الوليد بن عبد الله بن جميع ، فضلاً عن اضطراب الوليد بن جميع فيه . (٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣١٧٦) في الجزية والموادعة. (٦) في نسخة : يأخذكم . (٧) في نسخة : كعقاع. والتصحيح من الأصل والبخاري . القُعَاص: داءٌ يأخذُ الغنم ، لا يُلبثُها أن تموتَ. ٣٠٣ كتاب دلائل النبوة ( باب : إخباره عليه الصلاة والسلام عن الغيوب المستقبلة ) الناسَ كقُعاص الغنم ، وفتنة يدخل حريمها بيت كل مسلم ، وأن يعطى الرجل ألف دينار فيسخطها ، وأن يعدو الروم فيسيرون إليكم بثمانين بنداً ، تحت كل بند اثنا عشر ألفاً (١) وقد قال الحافظ البيهقي : أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق ، حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدَّثنا بَحْر بن نصر ، حدَّثنا ابن وَهْب ، أخبرني ابن لهيعة ، عن عبد الله بن حيَّان ؛ أنه سمع سُليمان بن موسى يذكر : أنَّ الطاعونَ وقع بالناس يوم جسر عموسه (٢) ، فقام عمرو بن العاص، فقال: يا أيها الناس ، إنما هذا الوجع رجسٌ فتنخّوا عنه . فقام شُرحبيل بن حسنة ، فقال : يا أيها الناس ، إني قد سمعتُ قولَ صاحبكم، وإني والله لقد أسلمتُ وصلَّيتُ، وإن عمراً لأضلُّ من بعير أهله، وإنما هو بلاءٌ أنزلَه الله عزَّ وجلَّ، فاصبروا . فقام معاذ بن جبل فقال : يا أيُّها الناس! إني قد سمعتُ قولَ صاحبيكم هذين ، وإن هذا الطاعون رحمةُ ربّكُم ودعوة نبيِّكمِ نََّ، وإني قد سمعت رسول الله وَ لَهيقول: ((إنكم ستَقَدَمون الشَّامَ، فتنزلون أرضاً يُقال لها : أرض عموسة ، فيخرج بكم فيها خُرْجَانٌ له ذُبَابٌ كذُباب الدُّمَّل ، يستشهد الله به أنفسَكم وذراريكم، ويُزَكِّي به أموالَكم)) اللَّهُمَّ إنْ كنتَ تعلم أني قد سمعتُ هذا من رسول الله وَّ فارزقْ معاذاً وآَلَ معاذ منه الحظّ الأوفى ولا تُعافِهِ منه، قال : فطُعنَ في السََّّابة ، فجعل ينظر إليها ، ويقول : اللَّهُمَّ باركْ فيها، فإنَّكَ إذا باركتَ في الصغير كان كبيراً، ثم طُعن ابنه، فدخلَ عليه فقال: ﴿الْحَقُّ مِن رَّيِّكَّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧] فقال: ﴿سَنَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾(٣) [ الصافات: ١٠٢]. وثبت في الصحيحين : من حديث الأعمش وجامع بن أبي راشد ، عن شقيق بن سَلَمة ، عن حُذيفةً ، قال: كُنَّا جلوساً عند عمرَ، فقال: أيُّكُم يحفظُ حديثَ رسول الله وَ له في الفتنة؟ قلتُ: أنا ، قال : هاتِ ، إنَّك لجريء، فقلت: ذكر فتنةَ الرَّجُلِ في أهله وماله وولدِه وجارِهِ، يُكَفِّرُها الصَّلاة والصَّدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقال : ليس هذا أعني ، إنما أعني التي تموجُ مَوجَ البحر ، فقلتُ : يا أميرَ المؤمنين! إنَّ بينَكَ وبينَها باباً مُغْلقاً، قال : وَيْحَكَ! أيُفتحُ الباب أم يُكسرُ ؟ قلت : بل يُكسرُ ، قال : إذاً لا يُغلقُ أبداً. قلت : أجل . فقلنا لحُذيفة : فكان عمر يعلمُ من الباب ؟ قال : نعم ، إني حدَّثته حديثاً ليس بالأغاليط ، قال : فهبنا أن نسألَ حذيفةَ من الباب ، فقلنا لمَسْروق ، فسأله ، فقال : مَنِ الباب ؟ قال : عمر (٤) . (١) رواه الإمام أحمد في المسند (٢٢٨/٥) وفي إسناده النهاس بن قهم ضعيف ، ولکن له شاهد عند البخاري من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه ، فهو به حسن . (٢) كذا في الدلائل ، وفي معجم البلدان: إمَواس : كورة من فلسطين بالقرب من بيت المقدس ، ومنها كان الطاعون أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه . (٣) ورواه بطوله البيهقي في الدلائل (٣٨٤/٦-٣٨٥) وفي إسناده ضعف، وهو في مسند أحمد (١٩٥/٤ - ١٩٦) مختصراً. (٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (٧٠٩٦) في الفتن، ومسلم في صحيحه رقم (٢٦/١٤٤) في الفتن وأشراط الساعة . ٣٠٤ كتاب دلائل النبوة ( باب : إخباره عليه الصلاة والسلام عن الغيوب المستقبلة ) وهكذا وقعَ من بعد مقتل عمر ، وقعت الفتنُ في النَّاس ، وتأكَّد ظهورُها بمقتل عثمانَ بن عفَّان رضي الله عنه . وقد قال يَعلى بن عُبيد ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن عَزْرة بن قَيْس ، قال : خطبنا خالد بن الوليد ، فقال: إنَّ أميرَ المؤمنينَ عمر بعثني إلى الشام، فحين ألقى بَوانِيَهُ(١) بَثْنّة وعسلاً، أراد أن يُؤْثِرَ بها غيري ويبعثني إلى الهند ، فقال رجلٌ من تحته : اصبرْ أيّها الأمير فإنَّ الفتنَ قد ظهرتْ ، فقال خالد : أما وابنُ الخطاب حيٍّ فلا ، وإنما ذاك بعدَه(٢) . وقد روى الإمام أحمد (٣): حذَّثنا عبد الرزاق(٤)، عن مَعمَر ، عن الزُّهريِّ ، عن سالم ، عن أبيه ، قال: أبصرَ رسولُ اللهِ وََّ على عمرَ ثوباً، فقال: ((أجديدٌ ثوبُكَ أم غسيلٌ؟)) قالَ: بل غَسيل ، قال: ((البسْ جديداً، وعِشْ حَمِيْداً، ومُتْ شَهيداً)) وأظنُّه قال: ((ويرزقُك الله قُرَّة عَيْنٍ في الدُّنيا والآخرة)). وهكذا رواه النسائيُ(٥) وابن ماجه (٦) من حديث عبد الرزاق به. ثم قال النّسائي: هذا حديث منكرٌ، أنكرَه يحيى القطَّان على عبد الرزاق ، وقد رُوي عن الزُّهريّ من وجه آخر مُرسلاً ، وقال حمزةٌ بن محمَّد الكِناني الحافظ : لا أعلمُ أحداً رواه عن الزُّهريّ غيرَ مَعْمَر ، وما أحسبه بالصحيح ، والله أعلم . قلت : رجال إسناده واتصاله على شرط الصحيحين، وقد قَبِلَ الشيخان تَفُّدَ مَعمر عن الزُّهريِّ في غير ما حديث . ثم قد روى البَزَّارُ هذا الحديثَ من طريق جابرٍ الجُعفيّ - وهو ضعيف - عن عبد الرحمن بن سَابط، عن جابر بن عبد الله مرفوعاً مثلَه سَواء(٧). وقد وقعَ ما أُخبرَ به في هذا الحديث ، فإنه رضي الله عنه قُتل شهيداً وهو قائمٌ يصلِّ الفجرَ في مِحرابهِ من المسجدِ النبويِّ، على صاحبهِ أفضلُ الصَّلاة والسَّلام . (١) في الدلائل: وهو يهمه فألقى بوائِنَهُ بَئنيَّةً وعسلاً . (٢) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٣٨٧) وفي إسناده عزرة بن قيس ، وهو ضعيف . (٣) في المسند (٨٨/٢). (٤) هو في مصنفه (٣٠٣٨٢) . (٥) في عمل اليوم والليلة (٣١١). (٦) في سننه (٣٥٥٨) . هكذا دافع المصنف عن هذا الحديث ، وفي دفاعه نظر من أوجه : (٧) الأول : إن استدلاله بحديث جابر الجعفي غير صحيح لأنه ضعيف . الثاني : إن النسائي لم ينفرد بهذا القول فهو قول يحيى بن سعيد القطان ، وناهيك به ، وهو قول يحيى بن معين على ما نقله ابن عدي في الكامل (١٩٤٨/٥)، وقال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في العلل (١/ ٤٩٠): هو حديث باطل . وقال البزار : لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا عبد الرزاق ، ولم يتابع عليه ؛ فحديث ينكره ويعله يحيى القطان ، وابن معين ، وأبو حاتم والنسائي وغيرهم من الجهابذة لا ينفعه تصحيح المتأخرين . الثالث : إن الشيخين كانا ينتقيان من أحاديث الثقات ولا يرويان كل حديثهم (بشار). ٣٠٥ كتاب دلائل النبوة ( باب : إخباره عليه الصلاة والسلام عن الغيوب المستقبلة ) وقد تقدَّمَ حديثُ أبي ذرٍّ في تسبيح الحصى في يد أبي بكر ، ثم عمرَ ، ثم عثمان ، وقوله عليه الصلاة والسلام: (( هذه خلافة النبوة ) (١) وقال نعيم بن حمَّد: حدَّثنا عبدُ الله بن المبارك، أنبأنا حَشْرَجُ بن نُباتة ، عن سعيد بن جُمْهَان ، عن سفينة، قال: لمَّا بنَى رسولُ اللهِ وَ ل﴿ مسجدَ المدينة، جاء أبو بكر بحجرٍ فوضعَه، ثم جاءَ عمرُ بحجرٍ فوضعَه ، ثم جاءَ عثمانُ بحجرٍ فوضعَه ، فقال رسول الله: ((هؤلاء يكونون الخلفاء بعدي)(٢). وقد تقدَّم في حديث عبد الله بن حَوالة قوله ◌َِّ: « ثَلاثٌ مَن نَجا مِنهنَّ فقد نَجا : موتي، وقتلُ خليفة مضطهداً، والدَّجَّال)(٣) وفي حديثه الآخر ، الأمر باتباع عثمان عند وقوع الفتنة . وثبتَ في الصحيحين ، من حديث سُليمان بن بِلال ، عن شَريك بن أبي نَمر ، عن سَعِيد بن المُسيِّب، عن أبي مُوسى، قال : تَوَضَّأْتُ في بَيتي، ثم خَرَجْتُ فقلتُ: لأَكوننَّ اليومَ مع رسولِ اللهِ وََّ، فجئتُ المسجدَ فسألتُ عنه ، فقالُوا : خرجَ وتوجَّه هاهنا ، فخرجتُ في أثرهِ حتى جئتُ بئرَ أريس - وبَابُها من جَريد - فمكثتُ عند بابها حتَّى ظننت أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قد قَضى حاجَتَه وجلسَ، فجئتُهُ فسلَّمتُ عليه فإذا هو قد جلسَ على قُفِّ بئرِ أريسٍ ، فتوسَّطَه ثم دلَّى رِجْلَيهِ في البئرِ وكشفَ عن سَاقيه ، فرجعتُ إلى البابِ وقلتُ: لَأَكُوننَّ بَوَّابَ رسولِ الله ◌َِّ، فلم أَنْشب أن دقَّ البابُ، فقلتُ : مَنْ هذا ؟ قال : أبو بكر ، قلتُ: على رِسْلِكَ، وذهبتُ إلى النبيِّ وَ﴿ فقلتُ: يا رسولَ الله! هذا أبو بكر يستأذنُ، فقالَ: ((ائذنْ له وَبَشِّرُهُ بالجنَّةِ))، قالَ: فخرجتُ مُسرعاً حتَّى قلتُ لأبي بكرٍ: ادخل ورسولُ اللهِّهِ يُبَشِّرُكَ بِالجَنَّة، قالَ: فدخلَ حتى جلسَ إلى جَنْبِ النبيِّوَّهِ فِي القُفِّ على يمينه، ودلَّى رِجْلَيهِ وكشفَ عن سَاقيه، كما صنعَ النّبِيُّ ◌َّهِ. قَالَ: ثم رجعتُ وقد كنتُ تركتُ أخي يَتَوَضَّأُ وقد كانَ قال لي: أنا على إثْرِكَ . فقلتُ : إن يُردِ الله بفلانٍ خَيراً يأتِ به ، قال : فسمعتُ تحريكَ البابِ ، فقلتُ : مَن هذا؟ قال : عمرُ ، فقلتُ : على رِسْلِكَ. قال: وجئتُ النبيَّ فسلَّمتُ عليه وأخبرتُه، فقالَ: (( ائذنْ له وبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ)). قالَ: فجئتُ وأَذِنْتُ له وقلتُ له: رَسولُ الله ◌َِّ يُبَشِّرُكَ بالجَنَّةِ. قَالَ: فدخلَ حتَّى جلسَ مع رسولِ الله وَّل على يَسارِهِ، وكشفَ عن سَاقيْه ودلَّى رِجْليه في البئرِ كمَا صنعَ النبيُّنَ ◌َّ وأبو بكر ، قالَ : ثم رجعتُ فقلتُ : إن يُرِدِ الله بفلانٍ خيراً يأتِ به ، يُريدُ أخَاه ، فإذا تحريكُ البَابِ ، فقلتُ : مَن هَذا؟ قال : عُثمانُ بنُ عفان، قلتُ: على رِسْلِكَ. وذهبتُ إلى رسولِ الله وَّرَ فقلتُ: هذا عثمانُ يستأذنُ، فقالَ: (( ائذنْ له وبَشِّرُهُ بالجَنَّةِ على بَلْوَى تُصيبُه)) قالَ: فجئتُ، فقلتُ: رسولُ اللهِ وَّهِ يأذنُ لكَ ويُبَشِّرُكَ بِالجَنَّةِ (١) تقدم الحديث . (٢) رواه نعيم بن حماد في كتاب الفتن (ص٥٩) والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٥٥٣) وإسناده ضعيف. (٣) تقدم وفي مجمع الزوائد (٧/ ٣٣٤) ومسند أحمد (١٠٥/٤) وفيهما: وقتل خليفة مصطبر . ٣٠٦ كتاب دلائل النبوة ( باب : إخباره عليه الصلاة والسلام عن الغيوب المستقبلة ) مع(١) بَلْوَى أو بَلاءٍ يُصيبُّكَ، فدخلَ وهو يقولُ: الله المُستعانُ، فلم يجد في القُفِّ مَجْلِساً ، فجلسَ وِجَاهَهُمْ مِنْ شِقِّ البئرِ، وكشفَ عن سَاقَيْهِ ودَلَّاهُمَا في البئرِ، كمَا صنعَ رسولُ الله ◌ِ ◌ّ وأبو بكر وعُمَرُ، رضي الله عنهما ، قالَ سعيدُ بنُ المُسَيِّبِ : فَأَوَلتُها قُبورهم ، اجتمعت وانفرد عثمان(٢) . وقد روى البيهقي من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور ، عن إبراهيم بن محمد بن حَاطب ، عن عبد الرحمن بن محيريز ، عن زيدٍ بن أرقمَ، قال: بَعشَني رسولُ اللهِوَلّ فقالَ: ((انطلقْ حتى تأتيَ أبا بكرٍ فتجدَه في دَارِه جالسَاً مُخْتَبِياً، فقلْ: إنَّ رسولَ اللهَوَّلَه يقرأُ عليكَ السَّلام ويقولُ : أبشرْ بِالجَنَّةَ ، ثم انطلقْ حتَّى تَأْتِيَ الثَّنِيَّة فتلقَى عمرَ راكباً على حِمَارٍ تلوحُ صَلْعَتُهُ فقلْ: إنَّ رسولَ اللهِ وَه يقرأُ عليكَ السَّلامَ، ويقولُ : أبشرْ بالجَنَّةِ ، ثم انصرفْ حتى تأتيَ عثمانَ، فتجدَه في السُّوق يبيعُ ويَبتاعُ ، فقل : إنَّ رسولَ اللهِنَّهِ يقرأُ عليكَ السَّلامَ، ويقولُ: أبشرْ بالجَنَّةِ بعدَ بَلاَءٍ شَديدٍ)) . فذكرَ الحديثَ في ذهابهِ إليهم، فوجدَ كُلَّ منهم كما ذكرَ رسولُ الله ◌َّه، وكُلاًّ منهم يقولُ: أينَ رسولُ الله ؟ فيقولُ: في مَكانٍ كذا وكذا ، فيذهبُ إليه ، وأن عثمانَ لمَّا رجعَ قال : يا رسول الله ! وأيُّ بَلاء يُصيبُني ؟ والذي بعثَكَ بالحَقِّ ما تَغَيَّيتُ ولا تَمَنَّيْتُ ولا مَسَسْتُ ذكري بيميني منذ بايعتُك، فأيّ بَلاء يُصيبُني؟ فقالَ: (( هو ذاك (٣). ثم قالَ البيهقيُّ: عبدُ الأعلى ضعيفٌ، فإن كانَ حفظَ هذا الحديثَ فيحتملُ أنَّ رسولَ الله ◌ِله بعثَ إليهم زيدَ بنَ أرقمَ ، فجاءَ وأبو موسى الأشعريّ جالسٌ على الباب كما تقدم . وهذا البلاءُ الذي أصابَه(٤) هو ما اتَّفقَ وقوعه على يدي مَنْ أنكرَ عليه من رُعَاع أهل الأمصار بلا علم ، فوقعَ ما سنذكره في دولته إن شاء الله من حَصْرِهم إيَّاه في دارِهِ ، حتَّى آلَ الحالُ بَعدَ ذاك كُلِّه إلى اضطهاده وقتله وإلقائه على الطريق أيَّاماً ، لا يُصلَّى عليه ولا يُلتفتُ إليه، حتَّى غُسِّلَ بعد ذلك وصُلِّيَ عليه ودُفن بحَشِّ كَوْكَبٍ(٥) - بستان في طرفِ البَقيع - رضي الله عنه وأرضاه ، وجعلَ جَنَّاتِ الفردوسِ متقلَّبه ومَنواه . كما قال الإمامُ أحمد٦ً): حدَّثنا يحيى، عن إسماعيل بن قيس ، عن أبي سهلة مولى عثمان ، عن عائشة، قالت: قالَ رسولُ اللهِ وَله: ((ادعُوا لي بعضَ أصحابي)) قلتُ: أبو بكر؟ قال: ((لا)) قلتُ: عمرُ؟ قال: ((لا)) قلتُ: ابنُ عَمِّكَ عَليٌّ؟ قال: ((لا)) قلتُ: عثمانُ؟ قال: ((نعم)) فلمَّا جاءَ (١) في مسلم : على . (٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٧٤) في فضائل الصحابة، ومسلم في صحيحه رقم (٢٤٢٣)(٢٩) في فضائل الصحابة . (٣) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٣٩٠) وفيه: عبد الرحمن بن بُجير، وفي الأصل : عبد الرحمن بن جبر ، وكلاهما خطأ ، وفي سنده عبد الأعلى بن أبي المساور ، وهو متروك . (٤) البلاء الذي أصاب عثمان : الفتنة التي ألَّبت الناس عليه وأدت إلى مقتله رضي الله عنه . ((حَشّ كوكب)) : بستان في المدينة عند بقيع الغرقد ، اشتراه عثمان بن عفان رضي الله عنه وزاده في البقيع . (٥) (٦) في المسند (٦ / ٥٢) والبيهقي في الدلائل (٣٩١/٦) وهو حديث صحيح. ٣٠٧ كتاب دلائل النبوة ( باب : إخباره عليه الصلاة والسلام عن الغيوب المستقبلة ) عُثمانُ، قال: ((تَنَخَي)) فجعلَ يُسارُه ولونُ عثمانَ يَتغيَّرُ . قال أبو سَهلة: فلمَّا كانَ يومُ الدَّار وحضرَ فيها ، قلتُ: يا أميرَ المؤمنين! ألا تقاتلُ؟ قالَ: لا، إنَّ رسولَ الله ◌َِّ عَهِدَ إليَّ عَهْداً وإِنِّي صَابِرٌ نَفْسِي عليه . تفرد به أحمدُ . ثم قد رواه أحمد(١) : عن وكيع ، عن إسماعيل ، عن قيس ، عن عائشة ، فذكرَ مثلَه ، وأخرجه ابنُ ماجه (٢) من حديث وكيع . وقال نُعيم بنُ حمَّاد في كتابه (( الفتن والملاحم(٣): حدَّثنا عتَّاب بن بشير، عن خُصَيْف ، عن مُجاهد، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: دخلتُ على رسولِ الله ◌ِّهِ وعثمانُ بين يَدِيْه يُناجيه ، فلم أُدركْ مِن مَقالتِه شيئاً إلا قولَ عثمان: أظلماً وعدواناً يا رسولَ الله ؟! فمَا دريتُ ما هو ، حتَّى قُتِلَ عثمانُ ، فعلمتُ أنَّ رسولَ اللهِّهِ إِنَّمَا عَنى قتلَه. قالت عائشةُ: وما أحببتُ أن يصل إلى عثمانَ شيءٌ إلَّ وصلَ إليَّ مثلُه ، غيرَ أَنَّ الله علمَ أَنِّي لم أُحبَّ قتلَه . ولو أحببتُ قتلَه لقُتِلتُ . وذلكَ لمَّا رُمي هودجُها من النَّبْل حتَّى صارَ مثلَ القُنفذ . وقال أبو داود الطَّيالسي(٤): حدَّثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المُطَّلب، عن حذيفة، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((لا تقومُ السَّاعة حتَّى تقتلُوا إمامَكم، وتَجتلِدُوا بأسيافِكُم، ويرثَ دنیاکُم شِرارُكُم » . وقال البيهقيُّ : أخبرنا أبو الحُسين بن بشران ، أخبرنا علي بن محمد المصري ، حدَّثنا محمد بن إسماعيل السُّلمي ، حدَّثنا عبد الله بن صالح ، حدَّثني اللَّيث ، حدَّثني خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن ربيعة بن سَيف، أنَّه حَدَّثه أنَّه جلسَ يوماً مع شُفَيِّ الأصبحيّ فقالَ : سمعتُ عبدَ الله بن عمرو يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِوََّ يقولُ: ((سيكونُ فيكم اثني عشرَ خليفةً: أبو بكر الصِّديق ، لا يلبثُ خلفي إلا قليلاً ، وصاحبُ رَحِى العرب ، يَعيشُ حَميداً ويموتُ شهيداً ، فقال رجل : ومَنْ هو يا رسولَ الله ؟ قال : عمرُ بن الخطّاب. ثم التفتَ إلى عثمانَ ، فقالَ: وأنتَ يسألُكَ النَّاسُ أن تخلعَ قميصاً كسَاكَه الله ، والذي بعثني بالحَقِّ إن خلعتَه لا تدخلِ الجنَّةَ حتَّى يلجَ الجملُ في سَمِّ الخِياط)(٥) . (١) في مسنده (٢١٤/٦) . (٢) رواه ابن ماجه في سننه (١١٣) في المقدمة، وهو حديث صحيح . (٣) رواه نعيم بن حماد في كتاب الفتن (ص ٤٧) في سنده خصيف بن عبد الرحمن الجزري ، صدوق سيِّء الحفظ خلط بأخرة ، ونعيم بن حماد نفسه ضعيف . (٤) رواه أبو داود الطيالسي رقم (٤٣٩) وإسناده ضعيف . عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب لم يرو عن حذيفة، وإنما يروي عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري الأشهلي . (٥) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٣٩٣) وفي إسناده ربيعة بن سيف ، قال الحافظ في التقريب : صدوق له مناكير . ٣٠٨ كتاب دلائل النبوة ( باب : إخباره عليه الصلاة والسلام عن الغيوب المستقبلة ) ثم روى البيهقيُّ من حديث مُوسى بن عُقبة: حدَّثني جَدِّي أبو أمِّ، أبو حَبيبة ، أنه دخلَ الدَّارَ وعثمانُ مَحصورٌ فيها ، وأنَّه سمعَ أبا هريرة يستأذنُ عثمانَ في الكلام ، فأذنَ له ، فقامَ فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قالَ: إِنِّي سمعتُ رسولَ الله وَلَ يقولُ: ((إنَّكم ستلقون بعدي فتنةً واختلافاً)) . فقالَ له قائلٌ من الناس : فمَن لنا يا رسولَ الله ؟ أو ما تأمرُنا؟ فقال: ((عَليكُم بالأمينِ وأصحابهِ)) وهو يُشير إلى عثمانَ بذلك(١). وقد رواه الإمام أحمد(٢) : عن عقَّان ، عن وُهيب ، عن موسى بن عُقبة ، به . وقد تقدَّم في حديث عبد الله بن حَوالة شاهدان له بالصحة ، والله أعلم . وقال الإمام أحمد(٣): حدَّثنا عبدُ الرحمن ، عن سفيان ، عن منصور ، عن ربعي ، عن البراء بن ناجية، عن عبد الله - هو ابن مسعود - عن النبيِّ وَّ قال: (( تدورُ رَحِى الإسلام لخمسٍ وثلاثينَ ، أو سِتّ وثلاثينَ ، أو سبع وثلاثينَ ، فإن هلكوا فسبيلُ مَنْ قد هلكَ ، وإن يقم لهم دينُهم يقم لهم سبعين عاماً )) قال : قلت : أمِمَّا مضى أو مِمَّا بقيَ؟ قال: ((مما بقي)). ورواه أبو داود(٤) : عن محمد بن سُليمان الأنباري ، عن عبد الرحمن بن مَهدي ، به . ثم رواه أحمد : عن إسحاق(٥)، وحجَّاج(٦) ، عن سفيان، عن منصور ، عن ربعي ، عن البراء بن ناجية الكاهلي ، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله وَ الَ: ((إنَّ رَحى الإسلام ستزول لخمسٍ وثلاثينَ أو ست وثلاثين ، أو سبعٍ وثلاثينَ ، فإن تهلك فسبيلُ مَنْ هلك ، وإن يقمْ لهم دِينُهم يقمْ لهم سبعينَ عاماً)) قال: قال عمر: يا رسولَ الله! أبما مضى أو بما بقيَ؟ قال: ((بل بما بقيَ)). وهكذا رواه يعقوب بن سفيان : عن عُبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن منصور به ، فقال له عمرُ : فذكرَه . قال البيهقيُّ(٧) : وقد تابعَ إسرائيلُ الأعمشَ وسفيانَ الثوري عن منصور . قال : وبلغني أنَّ في هذا إشارة إلى الفتنة التي كان فيها قتل عثمان سنة خمس وثلاثين ، ثم إلى الفتن التي كانت في أيام عليّ، وأرادَ بالسبعينَ ملكَ بني أمية ، فإنه بقيَ ما بينَ أن استقرَّ لهم المُلك إلى أن ظهرتِ الدعاة بخراسان، وضَعُفَ أمرُ بني أُميّة ودخلَ الوَهَن فيه ، نحواً من سبعين سنة . (١) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٣٩٣) وهو حديث حسن . (٢) رواه الإمام أحمد في المسند (٣٤٥/٢) رقم (٨٥٤١) والحاكم (٩٩/٣) وصححه ، وهو حديث حسن . (٣) رواه الإمام أحمد في المسند (١/ ٣٩٣) وهو حديث حسن من أجل البراء بن ناجية . (٤) في سننه (٤٢٥٤) في الفتن. (٥) في المسند (٣٩٣/١). في المسند (٣٩٥/١) وهو حديث حسن . (٦) (٧) في دلائل النبوة (٣٩٤/٦). ٣٠٩ كتاب دلائل النبوة (باب : إخباره عليه الصلاة والسلام عن الغيوب المستقبلة ) قلت : ثم انطوتْ هذه الحروبُ أيَّام صِفِّين ، وقاتلَ عليّ الخوارجَ في أثناء ذلك ، كما تقدَّم الحديث المتفق على صِحته، في الأخبار بذلك، وفي صِفتهم وصفةِ الرجل المُخَدَّجُ(١) فيهم . حدیث آخر قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا إسحاق بن عيسى، حدَّثني يحيى بن سُلَيْم، عن عبد الله بن عثمان ، عن مجاهد ، عن إبراهيم بن الأشتر ، عن أبيه ، عن أُمّ ذَرِّ قالت : لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيتُ . فقال : ما يُبكيكِ ؟ فقلتُ : وما لي لا أبكي وأنتَ تموتُ بفلاةٍ من الأرض ولا يَد لي بدفنِكَ ، وليس عندي ثوبٌ يسعكَ فأُكفِّكَ فيه. قال: فلا تبكي وأبشري، فإني سمعتُ رسولَ اللهِوَ لَه يقولُ لنَفَرِ: (( ليموتنَّ رجل منكم بفلاةٍ من الأرض ، يشهدُه عِصابةٌ من المؤمنين )) وليس من أولئك النَّفَر أحدٌ إلا وقد مات في قرية أو جماعة ، وإنِّي أنا الذي أموتُ بالفَلاة ، والله ما كذبَ ولا كذبتُ . تفرَّد به أحمدُ رحمه الله ، وقد رواه البيهقيُّ من حديث عليٍّ بن المَديني ، عن يحيى بن سُليم الطَّائفي به مطوّلً(٣) . والحديث مشهور في موته رضي الله عنه بالرّبذة سنة ثنتين وثلاثين ، في خلافة عثمان بن عفان ، وكان في النَّفَر الذين قدموا عليه وهو في السياق(٤) عبد الله بن مسعود ، وهو الذي صلَّى عليه ثم قدم المدينة فأقام بها عشرَ ليال ومات رضي الله عنه . حدیث آخر قال البيهقيُّ : أخبرنا الحاكم ، أخبرنا الأصم، حدَّثنا محمد بن إسحاق الصَّغَّاني، حدَّثنا عمر بن سعيد الدمشقي ، حدَّثنا سعيد بن عبد العزيز ، عن إسماعيل بن عُبيد الله ، عن أبي عبد الله الأشعري ، عن أبي الدرداء، قال: قلتُ: يا رسولَ الله! بلغني أنَّكَ تقول: ((لَيَرْتَذَّنَّ أقوامٌ بعد إيمانهم)). قال: (( أجل، ولستَ منهم)). قال: فتوفي أبو الدرداء قبلَ أن يُقتلَ عثمانٌ(٥) . وقال يعقوب بن سفيان: حدَّثنا صفوان، حدَّثنا الوليد بن مسلم ، حدَّثنا عبد الله أو عبد الغفار بن إسماعيل بن عُبيد الله ، عن أبيه أنه حدَّثه عن شيخ من السَّلف ، قال : سمعتُ أبا الدرداء يقول : قال (١) ((المُخَدَّج)): الناقص الخلقة، وتقدم الحديث. (٢) في المسند (٥/ ١٥٥) ورواه ابن حبان رقم (٦٦٧٠) والبزار رقم (٢٧١٦) وهو حديث حسن . (٣) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٠١ -٤٠٢) وهو حديث حسن . أي : في الاحتضار . (٤) (٥) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٠٣) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٧) وقال : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله الأشعري وهو ثقة . ٣١٠ كتاب دلائل النبوة ( ذكر إخباره عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان ) رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنِّي فَرَطُكُم على الحوض، أنتظرُ من يَرِدُ عليَّ منكم، فلا أُلفينَّ أُنازعُ أحدَكم ، فأقولُ : إنه من أُمَّتي ، فيقال : هل تدري ما أحدثوا بعدكَ ؟ )) قال أبو الدرداء: فتخوَّفتُ أن أكونَ منهم ، فأتيتُ رسولَ اللهِ وَ لَه فذكرتُ ذلك له، فقال: ((إنَّكَ لستَ منهم)). قال: فتوفي أبو الدرداء قبل أن يُقتلَ عثمان ، وقبل أن تقعَ الفتنُ . قال البيهقي : تابعه يزيد بن أبي مريم، عن أبي عُبيد الله مسلم بن مِشْكمُ(١) ، عن أبي الدرداء إلى قوله : (( لستَ منهم)(٢) . قلت : قال سعيد بن عبد العزيز : توفي أبو الدرداء لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ، وقال الواقدي وأبو عُبيد وغير واحد : توفي سنة اثنتين وثلاثين ، رضي الله عنه(٣). ذكر إخباره مَّة عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان بن عقَّان وفي خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروةَ ، عن أسامة بن زيد : أنَّ رسولَ اللهِّهِ أَشرفَ على أُطُم من آطام المدينة، فقال: ((هل ترونَ ما أرى؟ إنِّي لأرى مواقعَ الفتن خلالَ بيوتِكم كمواقعِ القَطر (٤) وروى الإمام أحمد ومسلم من حديث الزهريّ ، عن أبي إدريس الخَوْلانيّ : سمعتُ حذيفةَ بنَ اليمان يقول: والله إنِّي لأعلمُ النَّاس بكلِّ فتنةٍ هي كائنٌ فيما بيني وبينَ الساعة، وما ذاكَ أن يكون رسولُ اللهِه حدَّثني من ذلك شيئاً أسَرَّه إليَّ لم يكن حدَّث به غيري، ولكنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال : - وهو يُحدِّثُ مجلساً أنا فيه - سُئل عن الفتن وهو يَعُدُّ الفتنَ: ((فيهن ثلاث لا يذرنَ شيئاً، منهنَّ كرياح الصَّيف ، منها صغار ومنها كبار )) قال حذيفةُ : فذهبَ أولئك الرَّهطُ كلُّهم غيري . وهذا لفظ أحمد(٥) . قال البيهقي : مات حذيفة بعد الفتنة الأولى بقتل عثمانَ، وقبل الفتنتين الأُخرَيَين في أيَّام عليّ(٦). قلت : قال العِجْليُّ ، وغير واحد من علماء التاريخ : كانت وفاة حذيفةً بعد مقتل عثمان بأربعين (١) في المطبوع: ((يشكر)) محرف، وهو مسلم بن مشكم الخزاعي كاتب أبي الدرداء ، من رجال التهذيب. (٢) دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٦ / ٤٠٤) وهو حديث حسن . (٣) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد (٣٩٣/٧) والسير؛ للذهبي (٣٥٣/٢). رواه البخاري في صحيحه رقم (١٨٧٨) في فضائل الصحابة ، ومسلم في صحيحه رقم (٢٨٨٥) في الفتن . (٤) والأطم : القصر والحصن . (٥) رواه أحمد في المسند (٣٨٨/٥) ومسلم في صحيحه رقم (٢٨١٩) في الفتن. (٦) دلائل النبوة (٤٠٦/٦). ٣١١ كتاب دلائل النبوة ( ذكر إخباره عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان ) يوما١ً) . وهو الذي قال : لو كان قتلُ عثمانَ هدىً لاحتلبتْ به الأُمَّة لبناً ، ولكنَّه كان ضلالةً ، فاحتلبتْ به الأُمَّة دماً ، وقال: ولو أن أحداً ارفضَّ لِمَا صنعتُم بعثمانَ ، لكان جديراً أن يرفضَّ . وقال الإمام أحمد : حذَّثنا سفيان بن عيينةٍ ، عن الزُّهريِّ ، عن عروةَ ، عن زينت بنت أبي سلمة ، عن حَبيبةَ بنت أُمّ حَبيبة بنت أبي سفيان، عن أُمَّها أم حَبيبة ، عن زينبَ بنت جَحْشٍ زوج النبيِّ ◌َِ له - قال سفيان: أربع نسوة - قالت: استيقظَ النبيُّ ◌َ له من نومه وهو مُحْمَرُ الوجه، وهو يقول: (( لا إلهَ إلا الله ، ويلٌ للعرب من شرِّ قد اقتربَ ، فُتحَ اليومَ من رَدْمِ يأجوج ومأجوجَ مثلُ هذه - وحلَّقَ بأصبعه الإبهام والتي تليها - قلتُ: يا رسولَ الله! أنهلكُ وفينا الصَّالحون؟)) قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)(٢). هكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة به ، وكذلك رواه مسلم(٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وسعيد بن عمرو الأَشْعَئي، وزُهير بن حَرْب ، وابن أبي عُمرَ ، كلّهم عن سفيان بن عيينة به سواء . ورواه الترمذي(٤) عن سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ وغير واحد ، كلّهم عن سفيان بن عيينة . وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الترمذي : قال الحُمَيْديّ عن سفيانَ : حفظت من الزهريِّ في هذا الإسناد أربع نسوة. قلت : وقد أخرجه البخاري(٥): عن مالك بن إسماعيل، ومسلم(٢) : عن عمرو الناقد ، عن سفيان بن عُيينة ، عن الزهري ، عن عُروةَ ، عن زينبَ ، عن أُمّ حَبيبة ، عن زينبَ بنت جَحْش ، فلم يذكروا حبيبة في الإسناد ، وكذلك رواه عن الزهري : شعيب ، وصالح بن كيسان ، وعقيل ، ومحمد بن إسحاق ، ومحمد بن أبي عتيق ، ويونس بن يزيد ؛ فلم يذكروا عنه في الإسناد حَبيبة . فالله أعلم . فعلى ما رواه أحمد ومن تابعه عن سفيان بن عيينة ، يكون قد اجتمعَ في هذا الإسناد تابعيان ، وهما الزُّهري وعروة بن الزبير ، وأربع صحابيات ، وبنتان، وزوجتان ، وهذا عزيزٌ جداً . ثم قال البخاري بعد رواية الحديث المتقدِّم: عن أبي اليَمَان، عن شُعيب، عن الزُّهْريّ، فذكره إلى آخره(٧) . ثم قال : وعن الزُّهْريّ: حدَّثتني هندُ بنت الحارث، أَنَّ أُمَّ سلمةَ، قالت: استقيظَ رسولُ اللهِ وَّةِ فقال: (( سبحان الله! ماذا أنزل من الخزائن؟! وماذا أنزل من الفتن؟!)). وقد أسنده(٨) البخاريُّ في مواضع أُخر (١) الطبقات الكبرى (١٥/٦). (٢) رواه أحمد في المسند (٤٢٨/٦) وهو حديث صحيح . (٣) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٨٨٠) في الفتن . (٤) رواه الترمذي في جامعه رقم (٢١٨٧) في الفتن . (٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٣٤٦) الأنبياء ورقم (٧٠٥٩) و(٧١٣٥) في الفتن. (٦) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٨٨٠)(١) في الفتن. (٧) رواه البخاري في صحيحه رقم (٦١٢٨) في الأدب. (٨) في نسخة : أسند . ٣١٢ كتاب دلائل النبوة ( ذكر إخباره عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان ) من طُرق عن الزهريّ به . ورواه الترمذيُّ من حديث مَعْمَر عن الزهريِّ، وقال: حسن صحيح(١). وقال أبو داود الطيالسي : حدَّثنا الصَّلْتُ بن دينار ، حدَّثنا عُقبةُ بن صهبان وأبو رجاء العطاردي ، قالا: سمعنا الزبيرَ وهو يتلو هذه الآية: ﴿ وَأَتَّقُواْ فِتْنَةٌ لََّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَصَّةً﴾ [ الأنفال: ٢٥] قال : لقد تلوتُ هذه الآية زمناً وما أُراني من أهلها ، فأصبحنا مِن أهلها ٢) . وهذا الإسناد ضعيف ، ولكن روي من وجه آخر ، فقال الإمام أحمد: حدَّثنا أسود بن عامر ، حدَّثنا جرير، قال: سمعتُ الحسن قال: قال الزُّبيرُ بن العوَّام: نزلت هذه الآية ونحن متوافرون مع النبي (وَل ﴿ وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةً﴾ [ الأنفال: ٢٥] فجعلنا نقول: ما هذه الفتنة؟ وما نشعرُ أنَّها تقعُ حيث وقعت (٣) . ورواه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم عن ابن مهدي ، عن جرير بن حازم ، به(٤) . وقد قُتل الزبير بوادي السِّباع مرجعه من قتال يوم الجمل ؛ على ما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى . وقال أبو داود السجستاني في (( سننه)): حدَّثنا مُسَدَّد، حدَّثنا أبو الأحوص - سَلاَّم بن سُلَيم - عن منصور، عن هِلال بن يَساف، عن سعيد بن زيد، قال: كنَّا عند النبيِّ نَّهَ فذكرَ فتنةً فعظّم أمرَها . فقلنا: يا رسولَ الله! لئن أَدركَتْنا هذه لتُهْلِكُنا. فقال: (( كلاَّ، إنَّ بِحَسْبِكُم القتل (٥) قال سعيد : فرأيتُ إخواني قُتلوا . تفرد به أبو داود . وقال أبو داود السجستاني : حدَّثنا الحسن بن علي ، حدَّثنا يزيد ، أخبرنا هشام ، عن محمد ، قال : قال حذيفة : ما أحدٌ من النَّاس تدركُه الفتنة إلا أنا أخافُها عليه إلَّ محمد بن مسلمة ، فإني سمعتُ رسول الله مَ له يقول: ((لا تَضرُّك الفتنة)). وهذا منقطع(٦). وقال أبو داود الطيالسيّ ، حدَّثنا شعبة ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، سمعت أبا بُرْدةً يُحدِّث ، عن ثعلبة بن أبي ضُبيعةُ(٧) ، سمعتُ حذيفة يقول : إني لأعرف رجلاً لا تضرُّه الفتنةُ ، فأتينا المدينة فإذا (١) رواه الترمذي في الجامع رقم (٢١٩٦) في الفتن ، وهو كما قال. (٢) رواه الطيالسي في مسنده (١٩٢) وفي إسناده الصلت بن دينار، وهو متروك، ولكن يشهد لمعناه الذي بعده. (٣) رواه أحمد في المسند (١/ ١٦٧) رقم (١٤٣٨) وهو حديث حسن . (٤) رواه النسائي في الكبرى (١١٢٠٦). (٥) رواه أبو داود في سننه رقم (٤٢٧٧) في الفتن ، وهو حديث صحيح. وأراد سعيد بإخوانه الذين قُتلوا : عثمان وطلحة والزبير وعلياً رضي الله عنهم . (٦) رواه أبو داود في سننه رقم (٤٦٦٣) في السنة. (٧) ويقال: ضبيعة بن حصين، وهو مجهول، تفرد بالرواية عنه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري لم يوثقه غير ابن حبان . ٣١٣ كتاب دلائل النبوة ( ذكر إخباره عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان ) فُسطاطٌ مضروب ، وإذا محمد بن مسلمة الأنصاري ، فسألته : فقال: لا أستقرُّ بمصرٍ من أمصارهم حتَّى تنجليَ هذه الفتنة عن جماعة المسلمين(١) . قال البيهقي: ورواه أبو داود - يعني السجستاني - عن عمرو بن مرزوق ، عن شعبة، به(٢). وقال أبو داود: حدَّثنا مُسَدَّد، حذَّثنا أبو عوانة ، عن أشعث بن سُلَيم، عن أبي بُرْدةً ، عن ضُبيعة بن حصين الثعلبي ، عن حذيفة ، بمعناه(٣) . قال البخاري(٤) في ((التاريخ)» : هذا عندي أولى . وقال الإمام أحمد: حدَّثنا يزيد، حدَّثنا حمَّد بن سَلَمَة، عن عليٍّ بن زيد ، عن أبي بُرْدة ، قال : مررتُ بالرّبذَة فإذا فُسْطاط ، فقلت : لمن هذا؟ فقيل : لمحمد بن مَسْلَمة ، فاستأذنت عليه فدخلتُ عليه فقلت : رحمكَ الله إنَّكَ من هذا الأمر بمكان ، فلو خرجتَ إلى الناس فأمرتَ ونهيتَ ، فقال : إنَّ رسول الله وَ لَّ قال: ((إنها٥) ستكون فتنةٌ وفرقةٌ واختلافٌ، فإذا كانَ ذلك فائْتِ بسيفك أُحُداً فاضربْ به عَرْضَه ، واكسر نبلَكَ، واقطعْ وَتَرَكَ، واجلسْ في بيتِكَ حتى تأتيَكَ يدٌ خاطئةٌ أو يُعافيك الله عزَّ وجلَّ)). فقد كان ما قال رسولُ اللهِ وَّه، وفعلتُ ما أمرني به، ثم استنزلَ سيفاً كان مُعلَّقاً بعمود الفُسطاط، واخترَطَه فإذا سيفٌ من خشب ، فقال : قد فعلتُ ما أمرَني به ، واتَّخذتُ هذا أُرهبُ به الناسَ . تفرَّد به أحمد(٦) . وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم(٧)، حدَّثنا عليُّ بن عيسى المدني، أخبرنا أحمد بن نجدةً(٨) القُرشيُّ ، حدَّثنا يحيى بن عبد الحميد ، أخبرنا إبراهيم بن سعد ، حدَّثنا سالم بن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، عن محمود بن لبيد ، عن محمد بن مسلمة ؛ أنه قال : يا رسول الله ! كيف أصنعُ إذا اختلفَ المُصَلُّون! قال: (( تخرجُ بسيفك إلى الحرَّة فتضربَها به ، ثم تدخلُ بيتَك حتَّى تأتيَك مَنِيَّةٌ قاضِيَةٌ أو يدٌ خاطئةٌ )) . وقال الإمام أحمد (٩): حدَّثنا عبدُ الصَّمد، حدَّثنا زياد بن مسلم أبو عمر، حدَّثنا أبو الأشعث (١) رواه الحاكم في المستدرك (٤٣٣/٣) وصححه، وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٤٤٤/٣) والبيهقي في دلائل النبوة (٦ / ٤٠٧) وإسناده ضعيف لجهالة ضبيعة بن حصين . (٢) رواه أبو داود في سننه رقم (٤٦٦٤) في السنة، وهو في دلائل النبوة للبيهقي (٤٠٨/٦). (٣) رواه أبو داود في سننه رقم (٤٦٦٥) في السنة وإسناده ضعيف كما قدمنا . تاريخ البخاري (٣٤٣/٢/٢) وأراد بالأولى: حديث أبي عوانة، كما في الدلائل؛ للبيهقي (٤٠٨/٦). (٤) (٦) رواه أحمد في المسند (٤٩٣/٣) رقم (١٦٠٢٩) وإسناده ضعيف ، لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان . (٥) في المسند (٤٩٣/٣) : إنه . وفي نسخة : قال لي: ستكون . (٧) وهو في مستدركه (١١٧/٣) . في المطبوع (( بحرة )» محرف . (٨) (٩) في المسند (٢٢٦/٤) إسناده حسن من أجل زياد بن مسلم فهو صدوق حسن الحديث . ٣١٤ كتاب دلائل النبوة ( ذكر إخباره عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان ) الصَّنعاني ، قال : بعثنا يزيدُ بن معاوية إلى ابن الزبير ، فلمَّا قدمتُ المدينةَ دخلتُ على فلان - نسي زياد اسمه - فقال: إنَّ النَّاس قد صَنعُوا ما صَنَعُوا فما ترى ؟ قال : أوصاني خليلي أبو القاسم إن أدركت شيئاً من هذه الفتن فاعتمد إلى أُحدٍ فاكسر به حدَّ سيفِك ثم اقعدْ في بيتِك ، فإن دخلَ عليكَ أحدٌ البيتَ فقم إلى المَخْدَعِ ، فإن دخلَ عليك المَخْدَعَ فاجْثُ على ركبتيْكَ وقل : بؤ (١) بإثمي وإثمك فتكونَ من أصحاب النَّار وذلك جزاءُ الظالمين ، فقد كسرتُ سيفي وقعدتُ في بيتي . هكذا وقعَ إيرادُ هذا الحديث في مسند محمَّد بن مَسْلَمة عند الإمام أحمد ، ولكنْ وقعَ إبهامُ اسمه ، وليس هو لمحمَّد بن مَسْلَمَة بل صحابي آخر ، فإن محمد بن مَسْلَمة رضي الله عنه ، لا خلافَ عند أهل التاريخ أنه تُوفِّي فيما بين الأربعين إلى الخمسين ، فقيل سنة ثنتين ، وقيل : ثلاث ، وقيل : سبع وأربعين ، ولم يُدرْ أيّام يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير بلا خلاف ، فتعيَّنَ أنه صحابيُّ آخر خبرُه كخبر محمَّد بن مسلمة . وقال نُعيم بن حمّاد في (( الفتن والملاحم)»: حدَّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حمّاد بن سلمة ، حدَّثنا أبو عمرو القسملي ، عن ابنة أهبان٢ُ) الغفاري؛ أنَّ علياً أتى أهبان فقال: ما يمنعُكَ أن تتبعنا؟ فقال: أوصاني خليلي وابنُ عَمِّكَ وَّةِ: ((أنْ ستكونُ فرقةٌ وفتنةٌ واختلاف ، فإذا كان ذلك فاکسرْ سيفَك واقعدْ في بيتِكَ واتَّخذْ سيفاً من خشب(٣) . وقد رواه أحمد بن عفَّان ، وأسود بن عامر ، ومُؤَمِّل ، ثلاثتهم عن حمَّاد بن سلمة به، وزاد مُؤَمّلٌ في روايته بعد قوله: واتَّخذْ سيفاً من خشبٍ ((واقعدْ في بيتِكَ حتى تأتيَك خاطئةٌ أو مَنِيةٌ قاضِيَة)(٤) . ورواه الإمام أحمد أيضاً والترمذيُّ وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عُبيد الدِّيلي، عن عُدَيْسَةَ بنتِ أُهْبَانَ بن صَيْفِيّ، عن أبيها به(٥) . وقال الترمذي : حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عُبيد ، كذا قال ، وقد تقدَّم من غير طريقه . وقال البخاريُّ : حدَّثنا عبد العزيز الأويسي ، حدَّثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كَيْسَان ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المُسيّب وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي(٦) هريرة رضي الله عنه ، قال : (١) ((بؤ)): ارجع، من باء يبوء بالشيء: رجعَ. (٢) هي عديسة ابنة أهبان . رواه نعيم بن حماد في الفتن والملاحم (ص ٨٠). (٣) رواه أحمد في المسند رقم (٦٩/٥) وهو حديث حسن. (٤) (٥) رواه أحمد في المسند (٦٩/٥) والترمذي في جامعه (٢٢٠٣) في الفتن وابن ماجه في سننه رقم (٣٩٦٠) في الفتن وهو حديث حسن . (٦) في البخاري : أن أبا هريرة قال : ٠٠ ٣١٥ كتاب دلائل النبوة ( ذكر إخباره عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان ) قال رسولُ الله ◌ِ لَه: ((ستكون فتنة ١) القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من السَّاعي، من تشرَّف لها تَسْتَشْرِفْهُ، ومَنْ وجدَ ملجأً أو مَعاذاً فَلْيَعُذْ به(٢). وعن ابن شهاب : حدَّثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، عن عبد الرحمن بن مُطيع بن الأسود ، عن نَوْفَل بن مُعاوية مثل حديث أبي هريرة هذا(٣) وقد روى مسلمٌ حديث أبي هريرة من طريق إبراهيم بن سعد كما رواه البخاري ، وكذلك حديثَ نوفل بن معاوية بإسناد البخاري ولفظه ٤) ثم قال البخاري : حدَّثنا محمد بن كثير ، أخبرني سُفيان ، عن الأعمش ، عن زيد بن وَهْبٍ ، عن ابن مسعود، عن النبي ◌َّ قال: (( ستكونُ أَثَرَةٌ وأمورٌ تُنكرونها، قالوا : يا رسولَ الله! فما تأمرنا؟ قال: تُؤَدُّونَ الحَقَّ الذي عليكم وتسألونَ الله الذي لكم(٥). ورواه مسلم من حديث الأعمش به(٦) . وقال الإمام أحمد : حدَّثنا رَوْحٌ، حدَّثنا عثمانُ الشَّخَّام ، حدَّثنا سَلمَةُ بن أبي بَكْرَةَ ، عن أبي بَكْرَةَ ، عن رسول الله وَ ل﴿ أنه قال: ((إنها ستكونُ فتنةٌ، ثم تكونُ فتنةٌ ، ألا فالماشي فيها خيرٌ من السَّاعي إليها ، والقاعدُ فيها خيرٌ من القائم فيها ، ألا والمُضْطَجِعُ فيها خيرٌ من القاعد ، ألا فإذا نزلتْ فمن كان له غنمٌ فليلحقْ بغنمهِ ، ألا ومَنْ كانت له أرضٌ فليلحقْ بأرضه، ألا ومن كانت له إبلٌ فليلحقْ بإبله )) فقال رجلٌ من القوم : يا نبيَّ الله! جعلني الله فداكَ، أرأيتَ مَنْ ليست له غنمٌ ولا أرضٌ ولا إبلٌ، كيف يصنعُ ؟ قال : (( ليأخذْ سيفَه ثم لِيَعْمَدْ إلى صخرةٍ، ثمَّ ليدقَّ على حدِّه بحجرٍ، ثم لينجُ إن استطاعَ النَّجاء، اللَّهُمَّ هلْ بلَّغتُ)) إذ قال رجلٌ: يا رسولَ الله! جعلني الله فداكَ، أرأيتَ إن أُخِذَ بيدي مُكرهاً حتى يُنطلقَ بي إلى أحد الصَّفَّين أو إحدى الفئتين ؟ - عثمانُ يشكُ - فَيَحْذفنِي رجل بسيفه فيَقتُلني ، ماذا يكونُ من شأني ؟ قال: ((يبوءُ بإثمكَ وإثمهِ، ويكون من أصحاب النَّار (٧) . وهكذا رواه مسلم من حديث عثمان الشَّخَّام بنحو ٨). وهذا إخبارٌ عن إقبال الفتن ، وقد وردت أحاديث كثيرة في معنى هذا . (١) كذا في الأصل ، وفي البخاري : فتنٌ . (٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٠١) في المناقب . (٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٠٢) في المناقب . رواهما مسلم في صحيحه رقم (٣٨٨٦) (١١) و(١٢) في الفتن وأشراط الساعة. (٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٠٣) في المناقب . (٦) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٨٤٣) في الإمارة. (٥) (٧) رواه أحمد في المسند (٤٨/٥) وهو حديث حسن . (٨) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٨٨٧) (١٣) في الفتن . ٣١٦ كتاب دلائل النبوة ( ذكر إخباره عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان ) وقال الإمام أحمد : حدّثنا يحيى بن إسماعيل ، حدَّثنا قيس ، قال : لما أقبلتْ عائشةُ - يعني في مسيرها إلى وقعة الجمل - بلغتْ مياهَ بني عامرٍ ليلاً ، نبحتِ الكِلابُ ، فقالت : أُّ ماءِ هذا؟ قالوا : ماء الحَوْأَب ، فقالت : ما أَظُنُّنِي إلا أني راجعةٌ . فقالَ بعضُ مَنْ كانَ معها : بل تَقْدَمِينَ فيرَاكِ المسلمون ، فيصلحُ الله ذاتَ بينهم. قالت: إن رسول الله وج ◌ّه قالَ لها ذاتَ يومٍ: ((كيفَ بإحداكُنَّ تنبحُ عليها كِلابُ الحَوْأب)(١). ورواه نُعيم بن حمَّاد في ((الملاحم)): عن يزيد بن هارون، عن إسماعيل بن خالد ، عن قيس بن أبي حازم(٢) به . ثم رواه أحمد : عن غُنْدَر ، عن شعبةَ ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قَيْسِ بن أبي حازم ؛ أنَّ عائشةَ لما أتتْ على الحوابِ، فسمعتْ نباح الكلاب فقالت: ما أظنني إلا راجعةً، إن رسول الله وَ لّل قال لنا: (( أَيَّتُكُنَّ تنبح عليها كِلابُ الحَوْأب)) فقال لها الزُّبِيرُ: ترجعينَ؟ عسى الله أن يُصلحَ بكِ بينَ النَّاسُ(٣) . وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يُخرِّجوه . وقال الحافظ أبو بكر البزَّار : حدَّثنا محمد بن عثمان بن كرامة ، حدَّثنا عُبيدُ الله بن موسى ، عن عصام بن قُدامة البَجَليِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَّله: ((ليتَ شِعْري أيتكم صاحبة الجمل الأدبب(٤) تسير حتى تنبحها كلاب الحوأب ، يقتل عن يمينها وعن يسارها خلق كثير (٥) . ثم قال : لا نعلمه يُروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد . وقال الطبراني: حدَّثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدَّثنا إسماعيل بن عمرو البَجَلِيّ، حدَّثنا نُوح بن درّاج ، عن الأَجْلح بن عبد الله ، عن زيد بن عليّ ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : لما بلغَ أصحابُ عليّ ، حينَ ساروا إلى البصرة ؛ أنَّ أهلَ البصرةِ قد اجتمعوا لطلحةَ والزُّبير ، شقَّ عليهم ، ووقع في قلوبهم ، فقال عليّ : والذي لا إله غيره ليظهرنَّه على أهل البصرة، وليقتلنَّ طلحةَ والزُّبير، وليخرجنَّ إليكم من الكوفة ستة آلاف وخمسمئة وخمسون رجلاً ، أو خمسةُ آلافٍ وخمسمئة وخمسون رجلاً - شكَّ الأجلح - قال ابنُ عباس : فوقع ذلكَ في نفسي . فلما أتى الكوفةَ خرجتُ ، فقلت : لأنظرنَّ ، فإن كانَ كما يقولُ، فهو أمرٌ سمعَه ، وإلا فهو خديعةُ الحربِ ، فلقيتُ رجلاً من الجيش فسألته ، فوالله ما عَتَمَ أنْ قالَ ما قالَ عليّ، قال ابن عباس: وهو ما كان رسول الله وَ ل يُخبره(٦). (١) رواه أحمد في المسند (٦/ ٥٢) وهو حديث حسن . رواه نعيم بن حماد في الفتن (ص٤٥) وفيه: عن أبي خالد عن قيس بن حازم . والتصحيح من التهذيب . (٢) (٣) رواه أحمد في المسند (٦ / ٩٧). (٤) الأدبب : هو الكثير وَبر الوجه . رواه البزار كما في كشف الأستار (٣٢٧٣) وقال الهيثمي في المجمع (٢٣٤/٧): رجاله ثقات وهو حديث حسن . (٥) (٦) رواه الطبراني في الكبير (١٠٧٣٨) وذكره الهيثمي في المجمع (٢٣٦/٧) وقال: فيه إسماعيل بن عمرو البجلي ، وهو ضعيف . ٣١٧ كتاب دلائل النبوة ( ذكر إخباره عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان ) وقال البيهقي : أخبرنا عبد الله الحافظ ؛ حدَّثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجنيد ، حدَّثنا أحمد بن نصر ، حدَّثنا أبو نُعيم الفَضْل بن دُكَيْن ، حدَّثنا عبد الجبّار بن الوَزْد، عن عمَّار الدُّهني ، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن أُمِّ سلمةَ، قالت: ذكرَ النبيُّ نَ ◌ّهِ خروجَ بعض نسائه أمهات المؤمنين، فضحكت عائشةُ، فقال لها : (( انظُري يا حميراء ألا تكوني أنتِ)) ثم التفتَ إلى عليّ وقال: (( يا عليّ! إن وليتَ من أمرِها شيئاً فَارْفُقْ بها)) . وهذا حديث غريب جدا١ً) . وأغربُ منه ما رواه البيهقي أيضاً ، عن الحاكم ، عن الأصمِّ ، عن محمد بن إسحاق الصَّنعاني ، عن أبي نُعيم ، عن عبد الجبار بن العباس الشَّباميِّ ، عن عطاءِ بن السَّائب ، عن عمرَ بن الهُجَنَّع ، عن أبي بكرة، قال: قيل له ما يمنعُك ألا تكونَ قاتلتَ على نصرتك يوم الجمل؟ فقال: سمعتُ رسول الله وَّل يقول: (( يخرجُ قوم هَلْكَى لا يُفلحون، قائدُهم امرأة، قائدُهم في الجنَّة)(٢) وهذا منكرٌ جداً. والمحفوظ ما رواه البخاريُّ من حديث الحسن البصري ، عن أبي بكرةَ ، قال : نفعني الله بكلمة سمعتُها من رسول اللّه ◌َله ـ وبلغه أنَّ فارسَ ملَّكُوا عليهم امرأةً كسرى - فقال: «لن يُفلحَ قومٌ وَلَوْا أمرهم امرأةً (٣). وقال الإمام أحمد : حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شُعبةُ، عن الحكم ، سمعتُ أبا وائل قال : لمَّا بعثَ عليٍّ عمَّاراً والحسنَ إلى الكوفة يستنفرُهم ، خطبَ عمَّار فقال : إنِّي لأعلمُ أنها زوجته في الدُّنيا والآخرة ، لكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها٤) . ورواه البخاريُّ عن بندار عن غندر(٥). وهذا كلُّه وقع في أيام الجمل ، وقد ندمت عائشةُ رضي الله عنها على ما كان من خروجها ، على ما سنُورده في موضعه ، وكذلك الزبير بن العوَّام أيضاً ، تذكَّر وهو واقفٌ في المعركة أن قتالَه في هذا الموطن ليس بصواب ، فرجعَ عن ذلك . قال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَرُ ، عن قتادة، قال: لما وَلَّى الزبيرُ يومَ الجمل بلغَ عليّاً ، قال: لو كانَ ابنُ صفيَّةَ يعلم أنَّه على حقِّ ما ولَّى، وذلك أنَّ النبيَّ ◌َِّ لقيَهما في سقيفة بني ساعدةَ، فقال: ((أتحبُّه يا زبيرُ؟)) فقال: وما يَمنعُني؟ قال: ((فكيف بك إذا قاتلتَه وأنتَ ظالمٌ له؟ )) قال: فيرون أنه إنما وَلَّى لذلك . وهذا مرسل من هذا الوجه (٦) . (١) رواه الحاكم (١١٩/٣) والبيهقي في الدلائل (٦/ ٤١١). (٢) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤١٣) وعمر بن الهجنع: ذكره العقيلي في الضعفاء الكبير (١٩٦/٣) وابن حجر في لسان الميزان (٣٤١/٤) . (٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٧٠٩٩) في الفتن. رواه أحمد في المسند (٢٦٥/٤) وهو حديث صحيح . (٤) (٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٧٧٢) في فضائل الصحابة . (٦) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٢٤١/١١) وهو عند البيهقي في الدلائل (٤١٤/٦) وهو حديث مرسل ، أي : ضعيف . ٣١٨ كتاب دلائل النبوة ( ذكر إخباره عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان ) وقد أسنده الحافظ البيهقيُّ من وجه آخر فقال : أخبرنا أبو بكر - أحمد بن الحسن القاضي - حدَّثنا أبو عمرو بن مطر ، أخبرنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن سوار الهاشمي الكوفي ، حدَّثنا منجاب بن الحارث ، حدَّثنا عبد الله بن الأجلح ، حدَّثنا أبي ، عن يزيد الفقير ، عن أبيه ، قال : وسمعتُ المفضل بن فَضَالة يُحدِّث أبي ، عن أبي حرب بن أبي الأسود الدُّؤْلِيِّ، عن أبيه ، دخلَ حديثُ أحدهما في حديث صاحبه ، قال : لما دنا عليٌّ وأصحابُه من طلحة والزبير ، ودنتِ الصفوفُ بعضُها من بعض ، خرجَ عليٍّ وهو على بغلة رسول الله بَّه، فنادى: ادعوا لي الزبيرَ بن العوَّام، فإنِّي عليٍّ، فَدُعي له الزبيرُ ، فأقبلَ حتى اختلفتْ أعناقُ دوابّهما ، فقال عليٍّ: يا زبير نشدتُكَ بالله، أتذكرُ يوم مرَّ بك رسولُ اللهِ وَِّيهِ مكانَ كذا وكذا، فقال: ((يا زبيرُ تحبُّ عليَّاً؟)) فقلتَ: ألا أحبُّ ابنَ خالي وابنَ عمِّي وعلى ديني؟ فقال: ((يا عليّ أتحبُّه؟)) فقلت: يا رسولَ الله! ألا أحبُّ ابن عمَّتي وعلى ديني ؟ فقال: (( يا زبيرُ! أما والله لَتقاتلَّه وأنت ظالمٌ له)) فقال الزبيرُ: بلى، والله لقد نسيتُه منذ سمعتُه من رسول الله عَليه ثم ذكرتُه الآن ، والله لا أقاتلُكَ، فرجعَ الزبيرُ على دابته يشقُّ الصفوفَ ، فعرضَ له ابنه عبدُ الله بن الزبير فقال: ما لكَ؟ فقال: ذكَّرني عليٌّ حديثاً سمعتُهُ من رسول الله وِّرَ، سمعتُهُ يقول: ((لتقاتلنَّهُ وأنت ظالمٌ له )) فلا أقاتله . فقال : وللقتال جئت ؟ إنما جئتَ تصلحُ بين الناس، ويُصلح الله هذا الأمرَ. قال: قد حلفتُ أن لا أقاتله ، قال : فأعتق غلامك جَرْجِسَ ، وقفْ حتى تُصلحَ بين الناس ، فأعتقَ غلامَه ووقفَ ، فلمَّا اختلفَ أمرُ الناس ذهبَ على فرسِهُ(١) . قال البيهقيُّ : وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا الإمام أبو الوليد ، حدَّثنا الحسنُ بن سفيان ، حدَّثنا قَطَنُ بن بشير ، حدَّثنا جعفرُ بن سُليمان، حدَّثنا عبدُ الله بن محمد الرَّقاشيُّ ، حدَّثنا جدي - وهو عبد الملك بن مسلم - عن أبي جَرْو المازنيّ ، قال: سمعتُ عليَّاً والزبير ، وعليٍّ يقول له : نشدتك(٢) الله يا زبيرُ! أما سمعتَ رسول اللهِ وََّ يقول: ((إنك مُقاتلي(٣) وأنتَ لي ظالمٌ؟)) قال: بلى، ولكنِّي نسيتُ(٤) . وهذا غريب كالسياق الذي قبله . وقد روى البيهقيُّ من طريق الهُذيل بن بلال - وفيه ضعفٌ - عن عبد الرحمن بن مسعود العَبْدي ، عن (١) رواه البيهقي في الدلائل (٤١٤/٦ - ٤١٥) والحاكم في المستدرك بنحوه (٣٦٦/٣) وهو ضعيف . (٢) كذا في الدلائل ، وفي نسخة : سألتك بالله. (٣) كذا بالأصل ، وفي الدلائل : تُقاتِلُني. (٤) رواه البيهقي في الدلائل (٤١٥/٦) وأبو يعلى رقم (٦٦٦) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٥) وقال : رواه أبو يعلى وفيه عبد الملك بن مسلم الرقاشي ، قال البخاري : لم يصح حديثه . ٣١٩ كتاب دلائل النبوة ( ذكر إخباره عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان ) عليٍّ قال: قال رسول الله وََّ: ((مَنْ سَّه أن ينظرَ إلى رجلٍ يسبقُه بعضُ أعضائه إلى الجنَّة فلينظرْ إلى زيدٍ بن صُوحَانٌ(١))) قلت : قُتل زيد هذا في وقعة الجمل من ناحية عليٍّ. وثبتَ في الصحيحين من حديث همَّام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قالَ رسولُ اللهِوَلَّمَ: ((لا تقومُ الساعة حتى تقتتلَ فئتان عظيمتان دعواهما واحدة)( ٢). ورواه البخاريُّ أيضاً : عن أبي اليَمان ، عن شُعيب، عن أبي الزِّناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرةً(٣) . مثله . وهاتان الفئتان هما أصحاب الجمل ، وأصحاب صِفِّين ، فإنهما جميعاً يدعون إلى الإسلام ، وإنما يتنازعون في شيء من أمور المُلْك ، ومراعاة المصالح العائد نفعُها على الأمَّة والرعايا ، وكان ترك القتال أولى من فعله ، كما هو مذهب جمهور الصحابة على ما سنذكره . وقد قال يعقوب بن سفيان: حدَّثنا أبو اليمان ، حدَّثنا صفوان بن عمر ، وقال : كان أهلُ الشام ستين ألفاً، فقُتل منهم عشرون ألفاً ، وكان أهل العراق مئة وعشرين ألفاً ، فقُتل منهم أربعون ألفاً . ولكن كان عليٍّ وأصحابُه أدنى الطائفتين إلى الحقِّ من أصحاب معاوية ، وأصحابُ معاوية كانوا باغين عليهم ، كما ثبتَ في صحيح مسلم : من حديث شعبة ، عن أبي سلمة ، عن أبي نضرةَ ، عن أبي سعيد الخدريّ ، قال : حدَّثني من هو خير مني - يعني أبا قتادةَ - أنَّ رسولَ اللهِوَّه قال لعمَّار: ((تَقتلُكَ الفئة الباغيةُ)(٤). ورواه أيضاً من حديث ابن عُليَّةَ ، عن ابن عَوْن، عن الحسن ، عن أُمه ، عن أُمِّ سلمة ، قالت : قال رسول الله ◌َّهُ: ((تقتلُ عمَّاراً الفئةُ الباغيةُ)(٥). وفي رواية: ((وقاتلُه في النَّار)). وقد تقدَّم الحديثُ بطرقه عند بناء المسجد النبوي في أوّل الهجرة النبوية ، وما يزيدُه بعضُ الرافضة في هذا الحديث من قولهم بعد ذلك : لا أنالَها الله شفاعتي حتى يوم القيامة . فليس له أصل يُعتمد عليه ، بل هو من اختلاق الروافض - قبَّحهم الله - . وقد روى البيهقي من حديث أبي عبيدة بن محمد بن عمَّار بن ياسر عن مولاة لعمَّار قالت : اشتكى عمَّارٌ شكوى ، أَرِقَ منها ، فغُشي عليه ، فأفاقَ ونحنُ نبكي حولَه، فقال: ما تبكون ؟ أتخشونَ أن أموتَ على فراشي؟ أخبرني حبيبيٍ وَّ أنه تَقْتُلُني الفئةُ الباغيةُ، وأنَّ آخرَ زادي من الدنيا مَذْقة من لبن(٦) (١) رواه البيهقي في الدلائل (٤١٦/٦) وقال: هذيل بن بلال غير قوي. وفي ميزان الاعتدال (٢٩٤/٤): ضعفه النسائي والدار قطني ، وقال يحيى بن معين : ليس بشيء . وقال ابن حبان : متروك . (٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٥٣٥) في استتابة المرتدين ، ومسلم في صحيحه رقم (١٥٧)(١٧) في الفتن. (٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٧١٢١) في الفتن . (٤) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٩١٦) (٧٢) في الفتن . (٥) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٩١٦)(٧٣) في الفتن . (٦) رواه البيهقي في الدلائل (٤٢١/٦) ورواه أحمد في المسند (٤١٩/٤) والحاكم في المستدرك (٣٨٩/٣) وهو حديث حسن يشهد له الذي بعده . ومَذْقَةُ اللَّبن : شَرْبةُ اللبن الممزوج بالماء . ٣٢٠ كتاب دلائل النبوة ( ذكر إخباره عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان ) وقال الإمام أحمد : حدَّثني وكيع ، حدَّثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي البَخْتَريِّ ، قال: قال عمَّارٌ يومَ صِفِّين: ائتوني بِشَرْبَةِ لَّبَنٍ، فإنَّ رسولَ الله ◌ِ لهِه قال: ((آخرُ شَرْبَةٍ تشربُها من الدنيا شَرْبَةُ لَبَنٍ )) فشربَها ثم تقدَّم فقُتل (١). وحدَّثنا عبد الرحمن بن مَهْدي ، عن سفيان ، عن حبيب ، عن أبي البَخْتَرِيِّ، أن عمَّار بن ياسر أُتي بشَرْبةِ لَبَنٍ فضحكَ، وقال: إنَّ رسول اللهَوَّه قال لي: آخرُ شرابٍ أشربُه لَبَّنٌ حتَّى أموتَ(٢) . وروى البيهقيُّ من حديث عمَّار الدُّهني ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن ابن مسعود ، سمعتُ رسولَ اللهِ ◌ّه يقول: ((إذا اختلفَ النَّاسُ كان ابن سُمية مع الحقّ)(٣). ومعلومٌ أن عمَّاراً كان في جيش عليٍّ يوم صِفِّين، وقتلَه أصحابُ معاوية من أهل الشام ، وكان الذي تولَّى قَتْلَه رجل يُقال له أبو الغادية ، رجل من أفناء الناس ، وقيل : إنه صحابي . وقد ذكره أبو عمر بن عبد البر(٤) وغيره من أسماء الصحابة ، وهو أبو الغادية مسلم ، وقيل : يَسَار بن أزيهر الجهنيّ من قُضاعة ، وقيل : مزنيٌّ، وقيل: هما اثنانُ(٥) . سكَنَ الشام ثم صار إلى واسط ، روى له أحمد حديثاً ، وله عند غيره آخر ، قالوا : وهو قاتل عمَّار بن ياسر . وكان يذكرُ صفة قتله لعمَّار لا يتحاشى من ذلك ، وسنورد ترجمتَه عند قتله لعمَّار أيَّام معاوية في وقعة صِفِّين ، وأخطأ من قال : كان بدرياً . وقال الإمام أحمد(٦): حذَّثنا يزيد بن هارون، حدَّثنا العوَّام ، حدَّثني أسود بن مسعود ، عن حنظلةَ بن خُويلد العنزي ، قال : بينما أنا عند معاوية إذ جاءَه رجلان يختصمان في رأس عمَّار ، يقولُ كلُّ واحد منهما : أنا قتلتُه، فقال عبد الله بن عمرو: ليطبْ به أحدُكما لصاحبه نفساً، فإنِّي سمعتُ النبيِّ ◌َِله يقول: ((تقتله الفئة الباغية)) فقال معاوية: ألا نحِّ عنا مجنونَك يا عمرو، فما بالك معنا ؟! قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله وَّلهم فقال: ((أطعْ أباكَ ما دامَ حيّاً ولا تعصِه)) فأنا معكم ولست أُقاتل . وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا أبو معاويةً، حدَّثنا الأعمشُ ، عن عبد الرحمن بن زياد ، عن (١) رواه أحمد في المسند (٣١٩/٤) والحاكم في المستدرك (٣٨٩/٣) وصححه وهو حديث حسن . (٢) رواه أحمد في المسند (٣١٩/٤) وهو حديث حسن . (٣) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٢١) وإسناده ضعيف. (٤) الاستيعاب (١٧٢٥/٤) . (٥) أسد الغابة (٦/ ٢٣٧ و٢٣٨). في المسند (١٦٤/٢ و٢٠٦) رقم (٦٥٣٨) و(٦٩٢٩)، ومن طريق يزيد ذكره المزي في تهذيب الكمال (٧/ ٤٣٧) ، (٦) وهو حديث صحيح . (٧) رواه أحمد في المسند (٢/ ١٦١) رقم (٦٤٩٩) والنسائي في خصائص عليّ رقم (١٦٧) والبزار رقم (٣٢٨١) وهو حديث صحيح .