Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب دلائل النبوة ( باب: ما أخبر به مَثّ من الكائنات المستقبلة ... )
عليهم في الموت ، وهكذا وقعَ ، فإن هذا كان في مرض موته عليه الصلاة والسلام ، ثم أخبرَ أنه شهيدٌ
عليهم وإن تقدَّمتْ وفاتُه عليهم ، وأخبرَ أنه أُعطي مفاتيحَ خزائن الأرض ، أي : فُتحت له البلاد كما جاء
في حديث أبي هريرة المتقدم .
قال أبو هريرة: فذهبَ رسولُ اللهَ وَّرَ وأنتم تفتحونها كَفرَاً كَفرَاً؛ أي بلداً بلداً ، وأخبرَ أن أصحابَه
لا يُشركون بعدَه ، وهكذا وقعَ ولله الحمد والمِنّة ، ولكن خافَ عليهم أن ينافسُوا في الدنيا ، وقد وقعَ هذا
في زمان عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما، ثم مَن بعدَهما، وهلمَّ جراً إلى وقتنا هذا .
ثم قال البخاري : حدَّثنا عليُّ بن عبد الله، أخبرنا أزهرُ بن سعد، أخبرنا ابنُ عَوْن ، أنبأني موسى بنُ
أنس بن مالك ، عن أنس :
أن النبيَّ مَّهِ افتقدَ ثابتَ بن قَيْس، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، أنا أعلمُ لك علمَه؟ فأتاه فوجده جالساً
في بيته مُنكِّساً رأسَه ، فقال: ما شأنُك؟ فقال: شراً، كان يرفعُ صوتَه فوقَ صوتِ النبيِّ وَِّ، فقد حَبِطَ
عملُه، وهو من أهلِ النَّار ، فأتى الرجلُ فأخبره أنه قال كذا وكذا ، قال موسى : فرجعَ المرّة الآخِرَة ببشارةٍ
عظيمةٍ ، فقال: ((اذهبْ إليه فقل له: إنك لستَ من أهلِ النَّار، ولكن من أهلِ الجنة)).
تفرد به البخاري(١).
وقد قُتل ثابت بن قيس بن شمّاس شهيداً يوم اليمامة كما سيأتي تفصيلُه .
وهكذا ثبتَ في الحديث الصحيح البشارة لعبد الله بن سَلام أنه يموتُ على الإسلام ، ويكون من أهل
الجنة ، وقد مات رضي الله عنه على أكملٍ أحوالِه وأجملها ، وكان الناسُ يَشهدون له بالجنة في حياته ؛
لإخبار(٢) الصادق عنه بأنه يموتُ على الإسلام ، وكذلك وقع .
وقد ثبت في الصحيح الإخبار عن العشرة (٣) بأنهم من أهل الجنة .
بل ثبتَ أيضاً الإخبار عنه بَّهِ ((بأنه لا يدخل النَّارَ أحدٌ بايعَ تحتَ الشجرة(٤))) وكانوا ألفاً وأربعمئة ،
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦١٣) في المناقب باب علامات النبوة.
(٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٨١٢) في فضائل أصحاب النبي ◌َّر، ومسلم في صحيحه رقم (٢٤٨٣) في فضائل
الصحابة .
(٣) المبشرون بالجنة أكثر من ذلك بكثير ، ولكن هؤلاء العشرة اجتمعت أسماؤهم في حديث واحد ، رواه أبو داود في
سننه رقم (٤٦٤٨) و(٤٦٤٩) و(٤٦٥٠) في السنة، والترمذي في الجامع رقم (٣٧٤٨) و(٣٧٥٧) في المناقب عن
سعيد بن زيد . وهو حديث صحيح ، وثبتت البشارة لهم في البخاري ومسلم : الخلفاء الأربعة وكلٌ بمفرده ، رضي
الله عنهم جميعاً . وهذا ما أراده ابن كثير رحمه الله تعالى بقوله : وقد ثبت في الصحيح .
(٤) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٤٩٦)، في فضائل الصحابة ، وأبو داود في سننه رقم (٤٦٥٣) في السنة ، والترمذي
في الجامع رقم (٣٨٦٠) في المناقب كلهم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه .

٢٨٢
كتاب دلائل النبوة ( فصل في الإخبار بغيوب ماضية ومستقبلة )
وقيل : وخمسمئة ، ولم يُنقلْ أن أحداً من هؤلاء رضي الله عنه عاشَ إلا حميداً ، ولا ماتَ إلا على السَّداد
والاستقامة والتوفيق، ولله الحمد والمنة . وهذا من أعلام النبوات، ودلائل (١) الرسالة.
فصل
في الإخبار بغيوبٍ ماضية ومُستقبلة
روى البيهقي ، من حديث إسرائيل ، عن سِماك ، عن جابر بن سمرة ، قال :
جاءَ رجلٌ فقال: يا رسول الله إن فلاناً مات، فقال: ((لم يمتْ)) فعادَ الثانية فقال: إن فلاناً مات ،
فقال: ((لم يمت)) فعاد الثالثة فقال: إن فلاناً ( مات) نحرَ نفسه بِمشقصٍ عندَه، فلم يصلِّ عليه (٢) .
ثم قال البيهقي : تابعه زهير عن سماك .
ومن ذلك الوجه رواه مسلم(٣) مختصراً في الصلاة .
وقال أحمد(٤) : حدّثنا أسود بن عامر ، حدَّثنا هُرَيم بن سفيان ، عن بَيّان بن بشر ، عن قيس بن أبي
حازم ، عن أبي شَهم ، قال :
مرَّتْ بي جاريةٌ بالمدينة فأخذتُ بكَشْحها(٥)، قال: وأصبحَ الرسولُ وَّلَهِ يُبايع الناسَ ، قال: فأتيتُه
فلم يُبايعْني، فقال: (( صاحبُ الجبيذة؟)(٦) قال: قلتُ: والله لا أعودُ ، قال : فبايعني .
ورواه النسائي(٧) عن محمد بن عبد الرحمن المُخَرَّمي ، عن أسود بن عامر ، به .
ثم رواه أحمد عن سُرَيج ، عن يزيد بن عَطاء ، عن بيان بن بِشر ، عن قيس ، عن أبي شَهْم ،
فذكره(٨) .
(٨)
(١) كذا بالأصل ، وفي المطبوع: ودلالات .
(٢) دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٣٠٢/٦) وقد أخرجه الترمذي في الجامع رقم (١٠٦٨) في الجنائز، والنسائي في سننه
(٤/ ٦٦ -٦٧) في الجنائز ، وقال الترمذي: حسن .
(٣) رواه مسلم في صحيحه رقم (٩٧٨) في (الجنائز) ولفظه: أَتِي النبيُّ نَّهِ برجلٍ قتلَ نفسَه بمشاقص، فلم يُصلِّ عليه .
ومشاقص : سهام عِراض ، واحدها مِشقص .
(٤)
في المسند (٢٩٤/٥) وإسناده صحيح .
(( بكشحها )» : الكِشْح : ما بين الخاصرة إلى الضلع من الخلف .
(٥)
(( الجبيذة)» : تصغير الجبذة ، وهي الجذبة.
(٦)
في الکبری (٧٣٢٩) .
(٧)
(٨) المسند (٢٩٤/٥).

٢٨٣
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
وفي صحيح البخاري(١) : عن أبي نُعيم ، عن سفيانَ ، عن عبد الله بن دِينار ، عن عبد الله بن عمر ،
قال: كنا نتقي الكلامَ والانبساطَ إلى نسائِنا في عهدِ رسولِ اللهِ لَ خشيةَ أن ينزلَ فينا شيءٌ ، فلما توفي
النبي # تكلّمنا وانبسطنا.
وقال ابنُ وهب(٢) : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن أبي حازم ، عن
سهل بن سعد أنه قال : والله لقد كان أحدنا يكف عن الشيء مع امرأته وهو وإياها في ثوب واحد تخوفاً أن
ينزل فيه شيء من القرآن .
وقال أبو داو(٣) : حدَّثنا محمد بن العلاء ، حدَّثنا ابن إدريس ، حدَّثنا عاصم بن كليب ، عن أبيه ،
عن رجل من الأنصار ، قال :
خرجنا مع رسول الله وَ ﴿ في جنازة فرأيتُ رسولَ اللهِوَّهِ وهو على القبر يُوصي الحافر: ((أوسعْ من
قبل رجليه ، أوسع من قبل رأسه)) فلما رجع استقبله داعي امرأة ، فجاء وجيء بالطعام فوضع يده فيه
ووضع القوم أيديهم فأكلوا فنظر آباؤنا رسولَ الله وَ لؤ يلوك لقمة في فيه، ثم قال: (( أجد لحم شاة أخذت
بغير إذن أهلها ، قال : فأرسلت المرأة : يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة فلم توجد ،
فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة : أن أرسل بها إليَّ بثمنها فلم يوجد ، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إليَّ
بها، فقال رسول الله عَل: ((أطعميه الأسارى)).
فصل
في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة بعده عليه الصلاة والسلام
ثبت في صحيح البخاري ومسلم ، من حديث الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حُذيفة بن اليمان :
قال : قامَ رسول الله فينا مَقاماً ، ما تركَ فيه شيئاً إلى قيامِ السَّاعة إلا ذكرَه، عَلِمَه مَن عَلِمَه، وجَهِلَه مَن
جَهِلَه، وقد كنتُ أرى الشيءَ قد كنتُ نسيتُهُ فأعرفه كما يعرَفُ الرجلُ الرجلَ إذا غابَ عنه فرآهُ فعرفَ(٤) .
وقال البخاري(٥): حذَّثنا يحيى بن موسى، حدَّثنا الوليدُ، حذَّثني ابن جابر، حدَّثني بُسر بن
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٥١٨٧) في النكاح، باب الوصاة بالنساء ، وهو عند أحمد في المسند (٢/ ٦٢).
ومعنى نتقي : نجتنب .
(٢) دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٣٠٧/٦) وإسناده حسن .
(٣)
في سننه (٣٣٣٢) في البيوع ، وهو حديث صحيح .
رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٦٠٤) في القدر، ومسلم في صحيحه رقم (٢٨٩١) في الفتن ، وأبو داود في سننه
(٤)
رقم (٤٢٤٠) في الفتن .
(٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٠٦) في المناقب، باب علامات النبوة. و((الدخن)): الحقد، وقيل: الدَّغَل، =

٢٨٤
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
عُبيد الله الحضرميّ ، حدَّثني أبو إدريس الخولاني ؛ أنه سمع حذيفةً بن اليمان يقولُ : كان الناسُ يَسألون
رسولَ اللهَ وَّلَهَ عن الخيرِ، وكنتُ أسألُه عن الشر مخافةَ أن يُدركَني، فقلتُ: يا رسولَ الله ، إنا كنّا في
جَاهليةٍ وشرّ، فجاءَ الله بهذا الخير ، فهل بعدَ هذا الخير من شرّ؟ قال: ((نعم)) قلتُ : وهل بعد ذلك
الشرِّ من خَيْرِ؟ قال: ((نعم، وفيه دَخَرٌ)) قلتُ: وما دَخَنُه؟ فقال: ((قومٌ يَهْدُون بغير هَديي تَعرفُ منهم
وتُنكر)) قلت: فهل بعد ذلك الخيرِ من شرِّ؟ قال: (( نعم ، دُعاةٌ على أبواب جهنم ، مَن أجابَهم إليها
قَذَفوه فيها)) قلتُ: يا رسولَ الله صِفهم لنا، قال: (( هم من جِلدتِنَا، ويتكلّمون بألسنتنا)» قلت : فما
تَأْمُرني إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزمُ جَماعةَ المسلمين وإمامَهم)) قلت : فإن لم يكنْ لهم جماعةٌ ولا
إمامٌ؟ قال: ((فاعتزلْ تلكَ الفِرقَ كلَّها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرةٍ حتى يُدرِكَكَ الموتُ وأنت على ذلك )).
وقد رواه البخاري أيضاً ومسلم(١) ، عن محمد بن المثنى ، عن الوليد ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن
جابر ، به .
قال البخاري ، حدَّثنا محمد بن مثنى ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيد ، عن إسماعيل ، عن قيس ، عن حذيفةَ
قال : تعلَّمَ أصحابي الخيرَ ، وتعلّمتُ الشرّ. تفرد به البخاري(٢).
وفي صحيح مسلم من حديث شعبةً ، عن عديّ بن ثابت ، عن عبد الله بن يَزيد ، عن حذيفةً ، قال :
لقد حدَّثني رسولُ الله ◌َّه بما يكونُ حتى تقومَ الساعةُ، غير أني لم أسأله ما يُخرجُ أهلَ المدينة منها٣ً).
وفي صحيح مسلم ، من حديث عِلْبَاء بن أحمر ، عن أبي زيد - عمرو بن أخطب - قال : أخبرنا
رسولُ اللهِو ◌َلَه بما كان وبما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، فأعلمنا أحفظُنا(٤).
وفي الحديث الآخر : حتى دخلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ ، وأهلُ النَّارِ النَّارُ(٥).
وقد تقدَّمَ حديثُ خبّاب بن الأرت: (( والله ليتمنّ الله هذا الأمرَ ولكنَّكم تستعجلون)(٦) .
وكذا حديث عدي بن حاتم(٧) في ذلك .
وقيل : فساد القلب .
=
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٧٠٨٤) في الفتن، ومسلم في صحيحه رقم (١٨٤٧) في الإمارة.
(٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٠٧) في المناقب.
(٣) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٨٩١) (٢٤) في الفتن، ولفظه: فما منه شيءٌ إلا قد سألتُه، إلا أني لم أسأله:
ما يُخرج ...
(٤) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٨٩٢) في الفتن وأشراط الساعة .
(٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٩٤٣) في الإكراه ، وابن حبان في صحيحه (١٠ / ٩١) رقم (٦٦٩٨) في التاريخ .
(٦) تقدم الحديث .
(٧) تقدم الحديث .

٢٨٥
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
وقال الله تعالى: ﴿لُِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ،﴾ [التوبة: ٣٣] وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ الآية [ النور: ٥٥].
وفي صحيح مسلم، من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وَله: ((إن الدنيا
حُلوَة خضرة ، وإن الله مستخلفكم فيها فناظرٌ كيف تعملون ، فاتَّقُوا الدنيا ، واتَّقُوا النساءَ ، فإنَّ أولَ فتنة
بني إسرائيل كانت في النساء)(١) .
وفي حديث آخر : (( ما تركتُ بعدي فِتنةً هيَ أضرُّ على الرجال من النساء)(٢) .
وفي الصحيحين ، من حديث الزهري ، عن عروةً بن المِسْوَر ، عن عمرو بن عَوْف ، فذكرَ قصّةً
بعثِ أبي عُبيدة إلى البحرين قال: وفيه قال: قال رسول الله وَّةَ: ((أبشِروا وأمِّلُوا ما يسؤُكم، فوالله
ما الفقرَ أخشى عليكم ، ولكن أخشى أن تنبسطَ عليكم الدنيا كما بُسطت على مَن كان قبلَكم ، فتنافَسوها
كما تنافَسوها ، فتهلكَكم كما أهلكَنْهُم(٣) .
وفي الصحيحين ، من حديث سفيان الثوري ، عن محمد بن المُنْكدر ، عن جابرٍ قال : قال
رسول الله ربَّي: ((هل لكم من أنماط؟)) قال: قلت يا رسولَ الله: وأنى يكونُ لنا أنماط؟ فقال: ((أما
إنها ستكونُ لكم أنماط )) . قال : فأنا أقولُ لامرأتي : نَخِّي عني أنماطَك ، فتقول : ألم يقلْ رسولُ الله :
((إنها ستكون لكم أنماط؟)) فأتركها(٤) .
وفي الصحيحين ، والمسانيد ، والسنن وغيرها ، من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن
عبد الله بن الزبير ، عن سفيان بن أبي زُهير ، قال :
قال رسولُ الله وَيهِ: ((تُفتحُ اليمنُ، فيأتي قومٌ يَبْشُونُ(٥) فيتحمَّلون بأهليهم ومن أطاعَهم ، والمدينةُ
خيرٌ لهم لو كانوا يَعلمون)(٦).
(١) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٧٤٢) في الذكر والدعاء . وفيه : فينظرُ كيف تعملون .
(٢) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٧٤١) في الذكر والدعاء ، عن أسامة بن زيد بن حارثة ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن
نفيل ولفظه : ما تركتُ بعدي في الناس فتنةٌ أضرّ ...
(٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣١٥٨) في الجزية، ومسلم في صحيحه رقم (٢٩٦١) في الزهد .
(٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٣١) في المناقب، ومسلم في صحيحه رقم (٢٠٨٣) في اللباس، وأنماطاً:
جمع نَمَط ، وهو ظهارة الفراش ، وقيل: ظهر الفراش . ويطلق أيضاً على بساط لطيف له خَمْل يُجعل على
الهودج ، وقد يُجعل ستراً .
(٥) ((يبسُّون)): يسوقون الإبل ويزجرونها في السير، المعنى: أنهم يسوقون بهائمهم سائرين عن المدينة إلى غيرها.
والأصل فيه : أنه بَسْ بَسْ : زجر للإبل .
(٦) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٨٧٥) في فضائل المدينة، ومسلم في صحيحه رقم (١٣٨٨) في الحج ، ومالك
في الموطأ (٢/ ٨٨٧ و٨٨٨) في الجامع (باب ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها).

٢٨٦
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
كذلك رواه عن هشام بن عروة جماعةٌ كثيرون .
وقد أسندَه الحافظُ ابن عساكر ، من حديث مالك ، وسفيان بن عيينة ، وابن جُريج ، وأبي مُعاوية ،
ومالك بن سعد بن الحسن ، وأبي ضَمْرة أنس بن عِيَاض ، وعبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار ،
وجرير بن عبد الحميد .
ورواه أحمد(١)، عن يونس ، عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة . وعبد الرزاق (٢) ، عن ابن
جريج ، عن هشام . ومن حديث مالك (٣) ، عن هشام به بنحوه .
ثم روى أحمد٤) ، عن سُليمان بن داود الهاشمي ، عن إسماعيل بن جعفر ، أخبرني يزيدُ بن
خُصَيْفة؛ أن بُسْرَ بن سعيد أخبرَه ، أنه سمعُ(٥) في مجلس الليثيين يذكرون أن سُفيان أخبرَهم ، فذكر
قصة ، وفيها :
أن رسولَ الله ◌ُ ◌ّه قال له: «ويُوشك الشامُ أن يُفتح فيأتيه رجالٌ من هذا البلد - يعني: المدينة -
فيعجبُهم ريفُه ورخاؤه ، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون ، ثم يُفتح العراق فيأتي قوم يَبُشُون ،
فيتحملون بأهليهم ومَن أطاعهم ، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون )(٦) .
وأخرجه ابن خزيمة من طريق إسماعيل .
ورواه الحافظ ابنُ عساكر من حديث أبي ذر، عن النبي ◌َّ بنحوه.
وكذا حديث ابن(٧) حوالة .
ويشهدُ لذلك: (( مَنَعتِ الشَّامُ مدها ودينارَها، وَمَنعتِ العراقُ درهمها وقَفِيزَها، ومنعت مصرُ أَزْدُبَّهَا
ودينارَها ، وعُدتم من حيث بدأتم )) وهو في الصحيح(٨).
(١) رواه أحمد في المسند (٥/ ٢٢٠) رقم (٢١٨١٤) وهو حديث صحيح .
(٢) مسند أحمد (٢٢٠/٥) وهو في مصنف عبد الرزاق (٢٦٥/٩) رقم (١٧١٥٩) وهو بمعنى الذي قبله.
(٣) مسند أحمد (٢٢٠/٥) وهو في موطأ الإمام مالك رقم (١٨٥١).
(٤)
في المسند (٢١٩/٥ - ٢٢٠).
كذا في الأصل ، وفي المسند (٢١٩/٥) أنه في مجلس الليثيين .
(٥)
في سنده جهالة الليثيين ولكن له شاهد في الصحيحين فهو حسن .
(٦)
ابن حوالة: هو عبد الله بن حوالة، قال البخاري: له صحبة، توفي بالشام سنة ٨٠ هـ، روى عن رسول الله الخالق
(٧)
حديثاً فيه البشارة بفتح الشام، ويأمره وَّ فيه بلزومها ... وسيُورد الحافظ ابن كثير هذا الحديث برواياته قريباً.
الإصابة (٢/ ٣٠٠) .
(٨) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٨٩٦) في الفتن وأشراط الساعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه وأوله: منعت العراق
درهمها .. وفيه : ومنعت الشام مُدّيها .. ومُدْيَها على وزن قُفْل، مكيال معروف لأهل الشام، يسع خمسة عشر=

٢٨٧
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
وكذلك حديث : المواقيت لأهل الشام واليمن ، وهو في الصحيحين(١)، وعند مسلم(٢): ميقات
أهل العراق .
ويشهد لذلك أيضاً حديث: (( إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ،
والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عزَّ وجلَّ)(٣)
وفي صحيح البخاري ، من حديث أبي إدريس الخَوْلاني ، عن عَوْف بن مالك ؛ أنه قال :
قال رسولُ اللهِ وَ ل﴿ في غزوة تبوك: ((اعدد ستاً بين يدي الساعة ... )) فذكرَ موته عليه الصلاة
والسلام، ثم فتحَ بيت المقدس ، ثم مُوتان - وهو الوباء - ثم كثرةَ المال، ثم فتنةً ، ثم هدنةً بين المسلمين
والروم )(٤) وسيأتي الحديث فيما بعد .
وفي صحيح مسلم ، من حديث عبد الرحمن بن شُمَاسَة ، عن أبي ذر ، قال :
قال رسولُ اللهِ وَ له: ((إنكم ستفتحون أرضاً يُذكر فيها القيراطُ فاستوصُوا بأهلها خيراً، فإن لهم ذِمّةً
وَرَحِماً ، فإذا رأيتَ رجلين يختصمان في موضع لَِنَة فاخرج منها)(٥) .
قال : فمرَّ بربيعةَ وعبد الرحمن ابني شرحبيل بن حَسَنَّة يختصمان في موضع لَبِنة ، فخرجَ منها . يعني
ديار مصر ، على يدي(٦) عمرو بن العاص في سنة عشرين ، كما سيأتي .
وروى ابن وهب، عن مالك والليث ، عن الزهري، عن ابن لكعب بن مالك (٧)، أن رسول الله وَلَه
قال: ((إذا افتتحتم مصر فاستوصُوا بالقبط خيراً ، فإن لهم ذمة ورحماً)).
ورواه البيهقي ، من حديث إسحاق بن راشد(٨) ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن
مكوكاً. و((قفيزها)): مكيال معروف لأهل العراق. يسع خمسة عشر مكوكاً. و((إردبَّها)): مكيال معروف
=
لأهل مصر ، يسع أربعة وعشرين صاعاً .
(١) حديث المواقيت المكانية رواه البخاري ومسلم وغيرهما، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عباس
رضي الله عنهم .
(٢) رواه مسلم في صحيحه رقم (١١٨٣) في الحج ، عن جابر رضي الله عنهما .
(٣)
تقدم الحديث مع تخريجه .
(٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣١٧٦) في الجزية والموادعة.
رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٥٤٣)(٢٢٧) في فضائل الصحابة، وهو في المسند (١٧٤/٥). والقيراط: جزء من
أجزاء الدينار والدرهم وغيرهما ، وكان أهل مصر يُكثرون من استعماله والتكلم به .
(٥)
(٦)
أي فتحت ديار مصر على يدي عمرو بن العاص رضي الله عنه .
(٧) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ٣٢٢) وفيه : عن أبي بن كعب بن مالك ، وهو تصحيف .
(٨) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٣٢٢/٦). وفيه: عن إسحاق بن أسد ، وهو تصحيف ، إنما هو إسحاق بن راشد
الجزري .

٢٨٨
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
مالك ، عن أبيه (١) .
وحكى أحمد بن حنبل، عن سفيان بن عيينة أنه سُئل عن قوله: (( ذمةً ورحماً )) فقال : مِن الناس مَن
قال : إن أم إسماعيل - هاجر - كانت قبطية ، ومن الناس من قال : أم إبراهيم .
قلت : الصحيحُ الذي لا شكَّ فيه أنهما قبطيتان كما قدَّمنا ذلك، ومعنى قوله: (( ذمةً)) يعني بذلك
هديّة المُقوقس إليه وقبولَه ذلك منه ، وذلك نوع ذِمام ومُهادنة ، والله تعالى أعلم .
وتقدَّم ما رواه البخاريُّ من حديث مُحِلّ بن خليفة ، عن عديّ بن حاتم ، في فتح كنوز كسرى وانتشار
الأمن ، وفيضان المال حتى لا يتقبَّلَه أحدٌ ، وفي الحديث أن عديّاً شهدَ الفتحَ ، ورأى الظعينةَ ترتحلُ من
الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله، قال: ولئن طالت بكم حياةٌ لترونَّ ما قال أبو القاسم وَّل، من كثرة
المال حتى لا يقبله أحدٌ .
قال البيهقيُّ : وقد كان ذلك في زمن عمرَ بن عبد العزيز(٢).
قلت : ويُحتمل أن يكون ذلك متأخراً إلى زمن المَهدي ؛ كما جاء في صفته ، أو إلى زمن نزول
عيسى ابن مريم عليه السلام بعد قتله الدجال ، فإنه قد ورد في الصحيح(٣) أنه يقتلُ الخِنزيرَ، ويكسرُ
الصليبَ ، ويفيضُ المالُ حتى لا يقبله أحدٌ ، والله تعالى أعلم .
وفي صحيح مسلم من حديث ابن أبي ذِئب ، عن مُهاجر بن مِسمَار ، عن عامر بن سعد ، عن جابر بن
سَمُرة قال: سمعتُ رسول الله وَلَهُ يقول: (( لا يزالُ هذا الدينُ قائماً ما كان اثنا عشرَ خليفة كلّهم من
قريش ، ثم يخرج كذَّابون بين يدي الساعة ، وليفتحنَّ عصابةٌ من المسلمين كنزَ القصر الأبيض ، قصر
كسرى ، وأنا فَرَطُكم على الحوض)) الحديث بمعناه(٤) .
وتقدم حديث عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن همّام، عن أبي هريرة ، مرفوعاً: ((إذا هلكَ قيصرُ فلا
(١) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٦/ ٣٢٢) وهو حديث صحيح يشهد له حديث مسلم المتقدم .
(٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ٣٢٣).
(٣) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٥٥) في الإيمان، وهو عند أحمد (٢/ ٤٩٣) وابن حبان في صحيحه (٢٢٨/١٥) رقم
(٦٨١٦) .
(٤) الحديث رواه مسلم في صحيحه رقم (١٨٢٢) في الإمارة، عن جابر بن سمرة؛ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقول:
(( لا يزال الدينُ قائماً حتى تقوم الساعةُ. أو يكونَ عليكم اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش)) وسمعته يقول: (( عُصَيْبةٌ
من المسلمين يفتتحون البيتَ الأبيضَ، بيتَ كسرى، أو آل كسرى)). وسمعته يقول: « إن بين يدي الساعة كذّابین
فاحذروهم)) وسمعته يقولُ: ((إذا أعطى الله أحدَكم خيراً فليبدأ بنفسِه وأهل بيته)) وسمعته يقول: «أنا الفَرَطُ على
الحوض)» وهو في دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٣٢٤/٦) والحافظ ابن كثير ذكره بمعناه من رواية البيهقي.

٢٨٩
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
قيصرَ بعده ، وإذا هلكَ كسرى فلا كسرى بعدَه ، والذي نفسي بيده لتنفقنَّ كنوزَهما في سبيل الله عزَّ وجلَّ)»
أخرجاهً(١) .
وقال البيهقي(٢) : المراد زوال ملك قيصر ، عن الشام ، ولا يبقى كبقاء ملكهِ على الروم ، لقوله عليه
السلام، لما عظم كتابه: ثبت ملكه، وأما ملك فارس فبادَ بالكلية، لقوله: (( مزَّق الله ملكَه)).
وقد روى أبو داود(٣) عن محمد بن عُبيد ، عن حمّاد ، عن يونس ، عن الحسن ؛ عن عمر بن
الخطاب . وروينا٤) من طريق أخرى عن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه ، لما جيء بفروة كِسرى وسيفه
ومنطقته وتاجه وسواريه ألبسَ ذلك كلَّه لسراقةَ بن مالك بن جُعشم ، وقال : قل الحمد لله الذي ألبسَ ثيابَ
كسرى لرجل أعرابي من البادية .
قال الشافعيُّ(٥): إنما ألبسَه ذلك لأن النبيَّ ◌َّ قال لسراقة - ونظر إلى ذراعيه -: ((كأني بك وقد
لبستَ سواري كسرى)) والله أعلم .
وقال سفيان بن عيينة : عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن عدي بن حاتم ،
قال :
قال رسول الله وَّهُ: (( مُثِّلَت لي الحيرةُ كأنياب الكلاب، وإنكم ستفتحونها)» فقام رجلٌ ، فقال:
يا رسول الله، هب لي ابنةَ بُقَيْلَة، قال: ((هي لك)) فأعطوه إياها ، فجاء أبوها فقال : أتبيعها ؟ قال :
نعم ، قال : فبكم ؟ قال : احكم ما شئتَ ، قال : ألف درهم . قال : قد أخذتها ، فقالوا له : لو قلت
ثلاثين ألفاً لأخذها ، فقال : وهل عددٌ أكثرُ من ألف(٦) ؟
وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا عبدُ الرحمن بن مهدي، حدَّثنا معاوية، عن ضَمرة بن حبيب ، أن ابنَ
زُغبِ الإيادي حدَّثه قال: نزلَ عليَّ عبدُ الله بن حوالة الأزدي ، فقال لي (وإنه لنازلٌ عليَّ في بيتي )٨):
بعثنا رسول الله ◌َّرُ حولَ المدينة على أقدامنا لنغنمَ ، فرجعنا ولم نغنم شيئاً ، وعرف الجَهْدَ في وجوهنا ،
(١) هو عند البخاري رقم (٣١٢٠) ومسلم رقم (٢٩١٨) (٧٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
(٢) دلائل النبوة (٣٢٥/٦) وقد تصرف الحافظ ابن كثير بكلام البيهقي وذكر معناه .
(٣)
دلائل النبوة (٣٢٥/٦) .
(٤)
دلائل النبوة (٣٢٥/٦) .
(٥)
دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٣٢٥/٦).
دلائل النبوة؛ للبيهقي (٣٢٦/٦) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢١٢/٦)، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال
(٦)
الصحيح .
(٧) في المسند (٢٨٨/٥).
(٨) ما بين القوسين أثبته من المسند (٢٨٨/٥).

٢٩٠
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
فقام فينا فقال: ((اللهم لا تَكِلْهُم إليَّ فأضعفَ، ولا تَكِلْهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها ، ولا تَكِلُّهم إلى
النَّاس فيستأثروا عليهم)) ثم قال: ((لتفتحنَّ لكم الشامُ والرومُ وفارسُ، أو الرومُ وفارسُ، وحتى يكونَ
الأحدِكُم من الإبل كذا وكذا ، ومن البقر كذا وكذا ، ومن الغنم كذا وكذا ، وحتى يُعطى أحدُكم مئةً دينار
فيَسْخَطُها)) ثم وضعَ يدَه على رأسي أو على هامتي فقال: (( يا بنَ حَوَالةَ، إذا رأيتَ الخلافَةَ قد نزلت
الأرضَ المقدسةَ فقد دنت الزلازلُ والبَلائِلُ(١) والأمورُ العظام، والسَّاعة يومئذ أقربُ إلى النَّاس من يدي
هذه من رأسِك )).
ورواه أبو داود(٢): حديث معاوية بن صالح(٣).
وقال أحمد(٤) : حدَّثنا حيوةُ بن شريح، ويزيدُ بن عبد ربه قالا : حدَّثنا بقيّة، حدَّثني بَحِير بن
سعد، عن خالد بن مَعْدَان، عن أبي قُتَيِّلَةَ، عن ابن حوالة؛ أنه قال: قال رسولُ الله ◌َِّر: ((سيصيرُ
الأمرُ إلى أن تكون جنودٌ مجنّدةٌ، جندٌ بالشام، وجندٌ باليمن، وجندٌ بالعراق)» فقال ابن حَوَالَةَ : خِرْ لي
يا رسولَ الله إن أدركتُ ذلك، فقال: ((عليكَ بالشام فإنه خِيْرَةُ الله من أرضِه يَجتبي إليه خيرتَه من عباده ،
فإن أبيتُم فعليكم بيمنِكم واسْقُوا من غُدُره ، فإنَّ الله تكفَّل لي بالشام وأهله .
وهكذا رواه أبو داود(٥) ، عن حيوة بن شريح به .
وقد رواه أحمد(٦) أيضاً ، عن عصام بن خالد وعلي بن عيّاش، كلاهما عن حَريز بن عثمان ، عن
سليمان بن شمير ، عن عبد الله بن حوالة ، فذكر نحوه .
ورواه الوليدُ بن مسلم الدمشقي ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن مكحولٍ وربيعةً بن يزيد ، عن أبي
إدريس ، عن عبدِ الله بن حَوَالة ، به(٧) .
(١) كذا في الأصل والمطبوع وسنن أبي داود ، والبلابل : الهموم والأحزان ، وبلبلة الصدر : وسواس الهموم
واضطرابها فيه . وفي المسند : البلايا .
(٢) رواه أبو داود في سننه رقم (٢٥٣٥) في الجهاد.
(٣) إسناده ضعيف ، لجهالة ابن زغب الإيادي ، قال أبو نعيم : مختلف في صحبته يعد من تابعي أهل حمص ، وقد
تفرد بالرواية عنه ضمرة بن حبيب . وفي متن الحديث نكارة بينة ، لعلها من معاوية بن صالح ، فقد عرف عنه مثل
هذه النكارة لا سيما أنه لم يتابع على هذا الحديث (بشار) .
(٤) رواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ١١٠) وهو حديث صحيح بطرقه ، وهذا إسناد ضعيف لضعف بقية فإنه كان يدلس
تدليس التسوية ، وهو أمر قادح في عدالته . و((غُدُره)): كذا في الأصل ، وفي المسند وسنن أبي دواد: غُدُركم :
في سننه (٢٤٨٣) في الجهاد . وهذا إسناد حسن .
(٥)
جمع غدير ، وهي القطعة من الماء يغادرها السيل .
رواه الإمام أحمد في المسند (٢٨٨/٥) وهو حديث صحيح .
(٦)
(٧) دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٦/ ٣٢٧) وهو حديث حسن .

٢٩١
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
وقال البيهقي : أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، أخبرنا عبدُ الله بن جعفر ، حدَّثنا يعقوب بن
سفيان، حدَّثنا عبدُ الله بن يوسف ، حدَّثنا يحيى بن حمزة ، حدَّثني أبو علقمة - نصرُ بن علقمة - يَردُّ
الحديثَ إلى جُبَيْر بن نُفَيْر. قال: قال عبد الله بن حَوَالة: كنّا عندَ رسولِ الله وَلَ فشكونا إليه العُرْيَ
والفقرَ، وقِلَّةَ الشيء، فقال: ((أبشروا فوالله لأنا بكثرةِ الشيء أخوفني عليكم من قِلّته، والله لا يزالُ هذا
الأمرُ فيكم حتى يفتح الله عليكم أرضَ الشام - أو قال: أرضَ فارسَ وأرضَ الروم وأرضَ حِمْيَرَ - وحتى
تكونوا أجناداً ثلاثة : جنداً بالشام ، وجنداً بالعراق ، وجنداً باليمن ، وحتى يُعطى الرجل المئة ،
فيسخَطُها)) قال ابنُ حَوَالة : قلت : يا رسولَ الله ، ومن يستطيعُ الشام وبه الروم ذاتُ القرون ؟ قال :
(( والله ليفتحنَّها الله عليكم ، وليستخلفنّكم فيها حتى تظلّ العصابةُ البِيضُ منهم قُمُصُهم، الملحمة (١)
أقفاؤهم، قياماً على الرُّوَيْجل الأسودِ منكم المحلوق ، ما أمرَهم من شيءٍ فعلوه ... )) وذكر الحديث.
قال أبو علقمة : سمعتُ عبد الرحمن بن مهدي يقول : فعرفَ أصحابُ رسولِ الله نَعْتَ هذا الحديث
في جَزءٍ بن(٢) سُهيل السُّلمي ، وكان على الأعاجم في ذلك الزمان ، فكانوا إذا راحوا إلى المسجد نظروا
إليه وإليهم قياماً حولَه، فيتعجبون بنعت رسول الله بَ ◌ّر فيه وفيهمُ(٣)
وقال أحمد : حدَّثنا حجَّاج، حدَّثنا اللَّث بن سعد، حدَّثني يزيد بن أبي حبيب(٤) ، عن ربيعة بن
لقيط التجيبي، عن عبد الله بن حَوَالة الأزدي؛ أن رسولَ اللهِ وَّر قال: ((من نجا من ثلاثٍ فقد نجا))
( قاله ثلاث مرات ) قالوا : ماذا يا رسولَ الله؟ قال: (( موتي ، ومن قتل خليفةٍ مصطبر بالحق يعطيه ،
والدجال (٥) .
وقال أحمد : حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدَّثنا الجُرَيْري ، عن عبد الله بن شقيق ، عن عبد الله بن
حَوالة، قال: أتيتُ على (٦) رسول الله بَّه وهو جالسٌ في ظل دَوْمٍ(٧)، وهو(٨) عنده كاتب له يُملي
كذا في الأصل ، وفي مجمع الزوائد : المحلقة .
(١)
(٢) جزء بن سهيل : قال الحافظ ابن حجر : جاء ذكره في حديث ذكره ابن عساكر في تاريخه ، وثابت بن قاسم في
الدلائل من طريق نصر بن علقمة ، عن جُبير بن نُفَيْر ، عن عبد الله بن حَوَالة .. وكان جزء أسود قصيراً ، فكانوا
يرون تلك الأعاجم، وهم حوله قيام لا يأمرهم بشيء إلا فعلوه ، فيتعجبون من هذا الحديث. الإصابة (١/ ٢٣٤).
(٣) دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٣٢٧/٦) وفيه بعض التحريف في ألفاظه، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد
(٢١١/٦-٢١٢) وقال: رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح، غير نصر بن علقمة ، وهو ثقة.
(٤) كذا في الأصل، وهو الصحيح، وفي المسند: (( يزيد بن أبي حكيم )) محرف .
(٥)
رواه الإمام أحمد في المسند (٢٨٨/٥) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٣٤/٧) وقال : رواه أحمد والطبراني،
ورجال أحمد رجال الصحيح غير ربيعة بن لقيط ، وهو ثقة ، ورواه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٠١) وصححه.
(٦) كذا في الأصل ، وفي المسند : أتيتُ رسول الله .
(٧) (( دَوْمة)): نوع من الشجر.
(٨) كذا في الأصل ، وفي المسند: وعنده كاتب ....

٢٩٢
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
عليه ، فقال: (( ألا نكتبك(١) يا بن حوالة؟)) قلتُ: لا أدري ما خارَ الله لي ورسولُه ، فأعرضَ عني ،
وأكبَّ على كاتبه يُملي عليه. ثم قال: ((ألا نكتبك يا بن حوالة؟)) قلت: لا أدري ما خار الله لي
ورسوله ، فأعرض عني ، وأكبَّ على كاتبه يملي عليه . قال : فنظرتُ فإذا في الكتاب عمر ، فقلت :
لا يكتبُ عمرَ إلا في خير، ثم قال: (( أنكتبك(٢) يا بن حوالة؟)) قلت: نعم، فقال: (( يا بن حَوالة ،
كيف تفعلُ في فتنة تخرجُ في أطراف الأرض كأنها صَيَاصِي(٣) بقر؟)) قلت: لا أدري ما خارَ الله لي
ورسولُه، قال: (( فكيف تفعلُ في أخرى تخرجُ بعدها كأن الأولى فيها انتفاجة٤ٌ) أرنب؟)) قلت:
لا أدري ما خارَ الله لي ورسولُه، قال: ((اتبعُوا هذا)) قال: ورجلٌ مقفي حينئذ، فانطلقتُ فسعيْتُ ،
وأخذتُ بمنكبيه فأقبلتُ بوجهه إلى رسول الله وَّلَه فقلتُ: هذا؟ قال: ((نعم)) قال: فإذا هو عثمان بن
عفان رضي الله عنه . )(٥) )) .
وثبت في صحيح مسلم ، من حديث يحيى بن آدم ، عن زهير بن معاوية ، عن سُهيل ، عن أبيه ، عن
أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّر: ((منعتِ العراقُ درهمَها وقفيزَها، منعتِ الشَّامُ مُدْيَها ودِينارَها،
ومنعتِ مصرُ إردبها ودينارها ، وعُدتُم من حيث بدأتُم ، وعدتُم من حيث بدأتُم ، وعدتُم من حيث
بدأتُم ، شهدَ على ذلك لحمُ أبي هُريرة ودمُه)(٦) .
وقال يحيى بن آدم وغيره من أهل العلم : هذا من دلائل النبوة حيث أخبرَ عما ضربَه عمرُ على أرض
العراق من الدراهم والقفزان ، وعما ضربَ من الخراج بالشام ومصر قبل وجود ذلك ، صلواتُ الله
وسلامه عليه .
وقد اختلفَ الناسُ في معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (( منعتِ العراقُ ... )) إلخ، فقيل: معناه أنهم
يُسلمون فيسقطُ عنهم الخراجُ، ورجَّحه البيهقيُّ(٧)، وقيل: معناه أنهم يَرجعون عن الطاعة ولا يُؤْدُّون
الخراجَ المضروبَ عليهم ، ولهذا قال : وعدتُم من حيثُ بدأتم ، أي : رجعتُم إلى ما كنتم عليه قبل
ذلك؛ كما ثبت في صحيح مسلم : ((إن الإسلامَ بدأ غريباً وسيعودُ غريباً فطُوبى للغرباء)(٨).
(١) في المسند : ألا أكتبك .
(٢) كذا في المسند تكرار قول النبي ◌َّهر: ألا نكتبك ... مرتين، وفي الأصل لم يتكرر، وفي المطبوع تكرر ثلاث مرات.
(٣)
((صياصي )) : قرون .
((انتفاجة أرنب)): وثبة أرنب .
(٤)
(٥) رواه الإمام أحمد في المسند (١٠٩/٤-١١٠) وإسناده صحيح، والجريري وإن اختلط لكن سماع إسماعيل من قبل
الاختلاط .
(٦) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٨٩٦) في الفتن وأشراط الساعة ، وقد تقدم ، وذكره هنا أتم وأكمل.
(٧) دلائل النبوة (٦/ ٣٣٠).
(٨) رواه مسلم (١٤٥) في الإيمان.

٢٩٣
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
ويؤيّدُ هذا القولَ ما رواه الإمامُ أحمدُ(١): حدَّثنا إسماعيل، عن الجُرَيْري ، عن أبي نضرة ، قال :
كنا عند جابر بن عبد الله فقال : يُوشك أهلُ العراق ألا يجبى إليهم قفيزٌ ولا درهمٌ ، قلنا : من أين ذلك ؟
قال : من قبل العجم، يَمنعون ذلك ، ثم قال: يُوشك أهلُ الشام ألا يُجبى إليهم دينارٌ ولا مُدّ ، قلنا :
من أين ذلك ؟ قال : من قبل الروم، يَمنعون ذلك، قال: ثم سكتَ (٢) هُنيهة، ثم قال: قالَ رسولُ الله
وَ﴿: «يكونُ في آخر أمتي خليفة يَحْني المال حَث٣ًْ)، لا يعدُّه عدّاً ».
قال الجُرَيْرِيُّ : فقلتُ لأبي نضرة وأبي العلاء : أتريانِه عمرَ بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ؟
فقالا : لا .
وقد رواه مسلم(٤) ، من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن عُلَيّةٍ وعبد الوهاب الثقفي ، كلاهما عن
سعيد بن إياس الجُرَيْرِي ، عن أبي نَضْرةَ المُنذر بن مالك بن قُطَعَة العَبْدي ، عن جابر ، كما تقدم .
والعجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي احتجَّ به على ما رجَّحه من أحد القولين المتقدمين ، وفيما سلكه
نظر ، والظاهر خلافه .
وَثبت في الصحيحينُ(٥)، من غير وجه؛ أن رسولَ اللهِوَ س ◌َلّهِ وَقَّتَ لأهل المدينة ذا الخُلَيفة، ولأهل
الشام الجُحْفة، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، وفي صحيحٌ(٦) مسلم ، عن جابر : ولأهل العراق ذاتٍ عرق . فهذا
من دلائل النبوة ، حيث أخبرَ عما وقعَ من حجّ أهل الشَّام واليمن والعراق ، صلواتُ الله وسلامه عليه .
وفي الصحيحين ، من حديث سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر ، عن أبي سعيد ،
قال: قال رسول الله وَّر: ((ليأتينَّ على النَّاسِ زمانٌ يغزو فيه فِتَامٌ من النَّاس، فيُقال لهم: هل فيكم من
صَحِبَ رسولَ الله وَّهِ؟ فيقال: نعم. فيفتحُ الله لهم، ثم يأتي على الناس زمانٌ فيغزو فئامٌ من الناس ،
فيُقال لهم : هل فيكم من صحبَ أصحابَ رسول الله ◌ٍَّ؟ فيُقال: نعم، فيُفْتَحُ لهم ، ثم يأتي على الناس
زمان يغزو فيه فئامٌ من الناس ، فيقال : هل فيكم من صَحِبَ من صاحبَهم ؟ فيُقال : نعم ، فيفتح الله
لهم (٧) .
في المسند (٣١٧/٣) .
(١)
(٢)
في المسند : ثم أمسك .
في المسند : حَئواً ، وكلاهما صحيح ، والحثو : الحفن باليد ، وهو دليل على كثرة المال والسخاء .
(٣)
رواه في صحيحه رقم (٢٩١٣) في الفتن وأشراط الساعة .
(٤)
حديث المواقيت المكانية رواه البخاري في صحيحه رقم (١٥٢٤) في الحج، عن ابن عباس، و(١٥٢٢) في الحج
(٥)
عن ابن عمر ، ومسلم في صحيحه رقم (١١٨١) في الحج ، عن ابن عباس و(١١٨٢) في الحج عن ابن عمر.
(٦) رواه مسلم في صحيحه رقم (١١٨٣)(١٨) في الحج.
(٧) رواه البخاري في صحيحه رقم (٢٨٩٧) في الجهاد، ومسلم في صحيحه رقم (٢٥٣٢) في فضائل الصحابة.

٢٩٤
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
وثبت في الصحيحين ، من حديث ثور بن زيد ، عن أبي الغيث ، عن أبي هريرة ، قال : كنا جلوساً
عند رسول الله بَّهِ فَأُنزلتْ عليه سورةُ الجمعة ﴿ وَءَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ﴾ [الجمعة: ٣] فقال رجلٌ: مَن
هؤلاء يا رسولَ الله؟ فوضَعَ يدَه على سلمانَ الفارسي وقال: «لو كان الإيمانُ عند التُّرَيَّا لنالَه رجالٌ من
هؤلاء(١) وهكذا وقع كما أخبر به عليه الصلاة والسلام .
وروى الحافظُ البيهقي من حديث محمد بن عبد الرحمن بن عِزْقٍ ، عن عبد الله بن بُسْرٍ ، قال : قال
رسول الله بَ لَّهُ: ((والذي نفسي بيده لتُفُتحنَّ عليكم فارسُ والروم حتى يكثرَ الطعام فلا يُذكرُ عليه اسمُ الله
٢٣١)
عزّ وجلّ(٢) .
وروى الإمام أحمد والبيهقي وابن عدي وغيرُ واحدٍ من حديث أوس بن عبد الله بن بريدة ، عن أخيه
سهل، عن أبيه عبد الله بن بريدة بن الخصيب مرفوعاً: (( ستُبعثُ بعوثٌ، فكنْ في بَعْثِ خُراسان ، ثم
اسكنْ مدينةً مرو ، فإنه بناها ذو القرنين، ودعا لها بالبركة ، وقال: لا يُصيبُ أهلَها سوء)(٣) .
وهذا الحديثُ يُعدُّ من غرائب المسند ، ومنهم من يجعلُه موضوعاً ، فالله أعلمُ(٤) .
وقد تقدَّم حديث أبي هريرة(٥) ، من جميع طرقه في قتال الترك ، وقد وقع ذلك كما أخبر به سواء
بسواء ، وسيقعُ أيضاً .
وفي صحيح البخاري ، من حديث شعبة ، عن فُرَاتِ القَزَّاز ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، عن
رسول الله وَّه قال: ((كانت بنو إسرائيلَ تسوسُهم الأنبياءُ، كلما هلكَ نبيٌّ خلفَه نبيٌّ، وإنه لا نبيَّ بعدي ،
وإنه سيكون خُلفاءُ فَيَكثُرُون)) قالوا: فما تأمرنا يا رسولَ الله؟ قال: ((فُوا ببيعةِ الأوّل فالأول ،
وأعطوهم حقَّهم ، فإن الله سائلُهم عما استرعاهُم)(٦) .
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٨٩٧) في تفسير سورة الجمعة ، ومسلم في صحيحه رقم (٢٥٤٦) (٢٣١) في
فضائل الصحابة ، وعندهما أن الرجل سأل رسول الله وَ ل ﴿ مرة أو مرتين أو ثلاثاً. وفي البخاري أنه سأل ثلاثاً.
(٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ٣٣٤) بأطول مما هاهنا، والحافظ ابن كثير ذكر منه آخره ، ورواه ابن ماجه في سننه رقم
(٣٢٦٣) في الأطعمة ، وذكره من أوله مختصراً . وقال في الزوائد : إسناده صحيح ، رجاله ثقات .
(٣) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٣٣٢/٦) وهو عند الإمام أحمد في المسند (٣٥٧/٥) وابن عدي في ((الكامل)) (٨٤١/٢)
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠ / ٦٤) وقال : رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط بنحوه ، وفي إسناد
أحمد والأوسط : أوس بن عبد الله ، وفي إسناد الكبير : حسام بن مصك ؛ مجمعٌ على ضعفهما .
العجب من الحافظ ابن حجر أنه حَسَّنه في القول المسدد (١٣٣) ، وأمارات الوضع بادية عليه.
(٤)
تقدم الحديث .
(٥)
رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٤٥٥) في الأنبياء ، ورواه مسلم في صحيحه رقم (١٨٤٢) في الإمارة
(٦)
و(( تسوسهم الأنبياء)): يتولون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية ، والسياسة : القيام على الشيء بما
يُصلحه .

٢٩٥
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
وفي صحيح مسلم، من حديث أبي رافع، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله وَليّةٍ:
(( ما كان نبيٌّ إلا كان له حواريّون يَهدون بهديه، ويَسْتَنُّون بسنّته، ثم يكونُ من بعدهم خلوفٌ يقولون
ما لا يفعلون ويعملون ما تنكرون)(١) .
وروى الحافظ البيهقي ، من حديث عبد الله بن الحارث بن محمد ( بن عمرو ) بن حاطب الجُمَحِي ،
عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((يكون بعد الأنبياء خلفاء
يَعملون بكتاب الله، ويَعدلونَ في عبادة الله، ثم يكونُ من بعد الخلفاء ملوكٌ يأخذون بالثأر ، ويقتلون
الرجالَ، ويصطفون الأموالَ، فمغيِّرٌ بيده، ومغيِّرٌ بلسانه، وليس وراءَ ذلك من الإيمان شيءٌ)(٢)
وقال أبو داود الطيالسي(٣): حدَّثنا جرير بن حازم، عن ليث ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن أبي
ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل، عن النبيِّينَ﴿ فقال: ((إن الله بدأَ هذا الأمرَ نُجُوَّةً
ورحمةً، وكائناً خلافة ورحمة ، وكائناً مُلكاً عضوضاً، وكائناً عزةً وجبرية وفساداً في الأمة ، يستحلُّون
الفروج والخمور والحرير، ويُنصرون على ذلك، ويُرزقون أبداً حتى يلقوا الله عزّ وجلّ )(٤) .
وهذا كله واقع .
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي - وحسّنه - والنسائي ، من حديث سعيد بن
جُمْهان، عن سفينةَ مولى رسول الله؛ أن رسول الله وَ لاري قال: (( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون
ملكاً )) وفي رواية: (( ثم يُؤتي الله ملكَه مَنْ يشاء)(٥)
وهكذا وقع سواء ، فإن أبا بكر رضي الله عنه كانت خلافتُه سنتين وأربعة أشهر وعشر ليالٍ(٦) ، وكانت
خلافةُ عمر عشرَ سنين وستة أشهر وأربعة أيام ، وخلافةُ عثمان اثنتا عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً ، وكانت
خلافة علي بن أبي طالب خمس سنين إلا شهرين(٧)
(١) رواه مسلم في صحيحه رقم (٥٠) في الإيمان ، واللفظ الذي ذكره الحافظ ابن كثير هو من رواية البيهقي في الدلائل
(٣٣٩/٦) .
(٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٣٣٩/٦).
مسند الطيالسي (ص٣١) رقم (٢٢٨) وإسناده ضعيف .
(٣)
دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٦ / ٣٤٠) وإسناده ضعيف .
(٤)
رواه الإمام أحمد في المسند (٢٢١/٥) وأبو داود في سننه رقم (٤٦٤٦) و(٤٦٤٧) في السنة ، والترمذي في الجامع
(٥)
رقم (٢٢٢٦) في الفتن ، والنسائي في فضائل الصحابة (٥٢) ، قال الحافظ في الفتح : أخرجه أصحاب السنن ،
وصححه ابن حبان، وقال الترمذي: وفي الباب عن عمر وعلي قالا: لم يعهد النبي ◌َّ في الخلافة شيئاً.
(٦) في الأصل ، ودلائل النبوة (٦/ ٣٤٢) إلا عشر ليال.
(٧) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٢٤٢/٦).

٢٩٦
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
قلت : تكميلُ الثلاثين بخلافة الحسن بن علي نحواً من ستة أشهر ، حتى نزلَ عنها لمعاوية عام أربعين
من الهجرة ، كما سيأتي بيانه وتفصيله .
وقال يعقوب بن سفيان: حدَّثني محمد بن فضيل ، حدثنا مُؤمل ، حدَّثنا حمّاد بن سلمة ، عن
علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ( عن أبيه﴾(١)، قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَ ل يقول: (( خلافة
نبوة ثلاثون(٢) عاماً، ثم يُؤْتي الله ملكَه مَنْ يشاء)(٣) .
فقال معاوية : رضينا بالملك .
وهذا الحديث فيه ردٌّ صريح على الروافض المنكرين لخلافة الثلاثة ، وعلى النواصب من بني أمية
ومَن تَبِعَهم من أهل الشام ، في إنكار خلافة عليّ بن أبي طالب .
فإن قيل : فما وجهُ الجمع بين حديث سفينةَ هذا ، وبين حديث جابر بن سَمُرة المتقدم في صحيح
مسلم : ((لا يزالُ هذا الددينُ قائماً ما كان على الناس اثنا عشرَ خليفة كلُّهم من قريش)(٤) ؟ فالجوابُ :
أن من الناس من قال : إن الدينَ لم يزلْ قائماً حتى ولي اثنا عشر خليفة ، ثم وقع تخبيطٌ بعدَهم في زمان
بني أمية ، وقال آخرون : بل هذا الحديث فيه بشارةٌ بوجود اثني عشرَ خليفة عادلًا من قريش ، وإن لم
يُوجدوا على الولاء ، وإنما اتفق وقوع المُتابعة بعد النبوة في ثلاثين سنة ، ثم قد كان خلفاءُ راشدون .
فمنهم عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي رحمه الله ، وقد نصّ على خلافتِه وعدله وكونه
من الخلفاء الراشدين ، غيرُ واحد من الأئمة ، حتى قال أحمدُ بن حنبل : ليس قولُ أحدٍ من التابعين حجّة
إلا قول عمر بن عبد العزيز .
ومنهم من ذَكر من هؤلاء المَهدي بأمر الله العباسي . والمَهدي المُبَشّر بوجوده في آخر الزمان منهم
أيضاً بالنص على كونه من أهل البيت ، واسمُه محمد بن عبد الله ، وليس بالمنتظر في سرداب سامرا ، فإن
ذاك ليس بموجود بالكلية ، وإنما ينتظرُه الجهلة من الروافض .
وقد تقدَّم في الصحيحين ، من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ أن رسولَ الله وَ لّه قال:
((لقد هممتُ أن أدعوَ أباكٍ وأخاكِ وأكتبَ كتاباً لئلا يقولَ قائلٌ، أو يتمنى متمنّ)) ثم قال رسولُ الله ◌ِلَّدٍ :
(١) سقطت من الأصل ، وأثبتها من دلائل النبوة ، ولا بد منها .
(٣) دلائل النبوة، للبيهقي (٦/ ٣٤٢).
(٢)
كذا في الأصل ، وفي الدلائل : ثلاثين .
(٤) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٨٢٢) في الإمارة ، ولفظه: لا يزالُ الدين قائماً حتى تقوم السَّاعة ، أو يكون عليكم
اثنا عشر خليفة ، كلهم من قريش .

٢٩٧
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
((يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكرٍ (١) .
وهكذا وقع ، فإن الله ولَّه ، وبايَعه المؤمنون قاطبةً كما تقدم .
وفي صحيح البخاري : أن امرأة قالت : يا رسول الله ، أرأيتَ إن جئتُ فلم أجدْك ؟ كأنها تُعَرِّضُ
بالموت - فقال: (( إن لم تجديني فائْتِ أبا بكر)(٢) .
وثبت في الصحيحين، من حديث ابن عمر وأبي هريرة، أن رسول اللهوَ ل# قال: ((بينا أنا نائمٌ رأيتني
على قَليب فنزعتُ منها ما شاءَ الله ، ثم أخذَها ابن أبي قُحَافة فنزعَ منها ذَنُوباً أو ذنوبين ، وفي نزعه ضعفٌ
والله يغفر له ، ثم أخذها ابنُ الخطاب فاستحالت غَرْباً ، فلم أرَ عبقرياً من الناس يفري فریَه ، حتى ضربَ
الناسُ بعطن)(٣) .
قال الشافعي (٤) رحمه الله: رؤيا الأنبياء وحي، وقوله: ((وفي نزعه ضعف)) قصر مدته ، وعجلة
موته ، واشتغاله بحرب أهل الردة عن الفتح الذي ناله عمر بن الخطاب فى طول مدته .
قلت : وهذا فيه البشارة بولايتهما على الناس ، فوقعَ كما أخبرَ سواء .
ولهذا جاء في الحديث الآخر الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان ، من حديث ربعي بن
خِراش، عن حذيفة بن اليمان، عن النبي وَلّ؛ أنه قال: ((اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر (٥)
رضي الله عنهما . وقال الترمذي : حسن .
وأخرجه (٦) من حديث ابن مسعود، عن النبي وَثّ .
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٥٦٦٦) في المرضى ، ورقم (٧٢١٧) في الأحكام ، ومسلم في صحيحه رقم
(٢٣٨٧) في فضائل الصحابة .
(٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٥٩) في فضائل الصحابة ورقم (٧٢٢٠) في الأحكام و(٧٣٦٠) في الاعتصام
بالكتاب والسنة .
(٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٧٦) في فضائل الصحابة عن عبد الله بن عمر ، ومسلم في صحيحه رقم (٢٣٩٢)
في فضائل الصحابة عن أبي هريرة رضي الله عنه .
و((قليب)): البئر غير المطوية. و((ذَنُوباً)): الدلو المملوءة. و((غرباً)): الدلو العظيمة. و((عبقرياً)): هو
السيد ، وقيل: الذي ليس فوقه شيء. و(( ضرب الناس بعطن)) : أي أرووا إليهم ثم آووها إلى عطنها ، وهو
الموضع الذي تُساق إليه بعد السقي لتستريح .
(٤) مسند الشافعي (١٩٥/٢) .
(٥) رواه أحمد فى المسند (٣٨٥/٥ و٣٩٩ و٤٠٢) والترمذي في الجامع رقم (٣٦٦٢) في المناقب ، وابن ماجه في سننه
رقم (٩٧) في المقدمة ، وابن حبان في صحيحه (٣٢٧/١٥) رقم (٦٩٠٢)، والحاكم (٧٥/٣) وإسناده حسن كما
قال الترمذي .
(٦) يعني: الترمذي ، وهو في جامعه (٣٨٠٥) وقال: غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود لا نعرفه إلا من =

٢٩٨
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
وتقدَّم من طريق الزهري ، عن رجل عن أبي ذر ، حديث تسبيح الحصى في يد رسول الله ، ثم يد أبي
بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وقوله عليه الصلاة والسلام: (( هذه خلافة النبوة)(١) .
وفي الصحيح، عن أبي موسى ، قال: دخلَ رسولُ الله وَ يرِ حائطاً فدلَّى رجليه في القف ، فقلت :
لأكوننَّ اليوم بَوَّابَ رسول الله وَّر، فجلستُ خلفَ الباب، فجاء رجل فقال : افتحْ ، فقلت : من أنت ؟
قال: أبو بكر، فأخبرت رسولَ الله وَ له فقال: ((افتح له وبشِّره بالجنة)) ثم جاء عمر فقال كذلك، ثم جاء
عثمان فقال: ((ائذنْ له وبشِّره بالجنّة على بلوى تُصيبه)) فدخل وهو يقول: الله المستعان(٢).
وثبت في صحيح البخاري ، من حديث سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : صَعِدَ
رسولُ الله ◌َّهِ أَحداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجفَ بهم الجبلُ، فضربَه رسول الله بَل برجله وقال:
(( اثبتْ ، فإنما عليك نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان)(٣) .
وقال عبد الرزاق (٤): أخبرنا معمر ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ؛ أن حِراءَ ارتجَّ وعليه النبيُّ
وَّه وأبو بكر وعمر وعثمان، فقال النبيُّ وََّ: ((اثبتْ ما عليك إلا نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان)).
قال معمر: قد سمعتُ قتادة يُحدِّث عن النبي وَ لّ مثله.
وقد روى مسلم، عن قتيبةَ، عن الدراوردي (٥)، عن أبيه، عن أبي هُريرة؛ أن رسولَ الله مَّل كان
على حِرَاءٍ، هو وأبو بكر وعمر وعثمانُ وعليٍّ وطلحةُ والزبير، فَتَحَرَّكَت الصخرةُ، فقال النبي ◌ِّ:
((اهدأ فما عليكَ إلا نبيٌّ أو صدِّيق أو شهيد)(٦) .
وهذا من دلائل النبوة، فإن هؤلاء كلّهم أصابوا الشهادة، واختصَّ رسولُ الله وَلّ بأعلى مراتب
الرسالة والنبوة ، واختصَّ أبو بكر بأعلى مقامات الصديقية .
وقد ثبتَ في الصحيح الشهادة للعشرة بالجنة ، بل لجميع من شهدَ بيعة الرضوان عام الحُديبية ،
حديث يحيى بن سلمة بن كهيل ، ويحيى بن سلمة يضعف في الحديث ، وينظر تمام تخريجه في تعليق الدكتور بشار
=
على جامع الترمذي .
(١) تقدم الحديث .
(٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٧٤) في فضائل أصحاب النبي وَّر، ومسلم في صحيحه رقم (٢٤٠٣) في فضائل
الصحابة .
(٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٧٥) في فضائل أصحاب النبي وَليه -.
(٤) المصنف لعبد الرزاق (٢٢٩/١١) رقم (٢٠٤٠١) وهو في دلائل النبوة للبيهقي (٦/ ٣٥١) وإسناده صحيح.
(٥) الدراوردي: هو عبد العزيز بن محمد، أبو محمد الجهني، مولاهم، المدني . توفي سنة ٨٦ أو ٨٧هـ . تقريب
التهذيب (ص٣٥٨) ترجمة (٤١١٩).
(٦) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٤١٧) في فضائل الصحابة .

٢٩٩
كتاب دلائل النبوة ( فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة ... )
وكانوا ألفاً وأربعمئة ، وقيل : وثلاثمئة ، وقيل : خمسمئة ، وكلُّهم استمرّ على السَّدَاد والاستقامة حتى
مات ، رضي الله عنهم أجمعين .
وثبت في صحيح البخاري(١) البشارة لمُكَّاشَة بأنه من أهل الجنة ، فقُتل شهيداً يوم اليمامة .
وفي الصحيحين ، من حديث يونس ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ؛ أنه سمعَ
رسولَ الله وَ ل يقول: ((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، تُضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة
البدر )) فقام عُكَّاشة بن مِحْصَن الأسدي يجرُّ نمرةً عليه ، فقال : يا رسولَ الله ادعُ الله أن يجعلَني منهم ،
فقال بَّر: ((اللهم اجعله منهم)) ثم قام رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسولَ الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم،
فقال: ((سبقك بها عُكَّاشة)(٢) .
وهذا الحديث قد روي من طرق متعددة تُفيد القطعَ ، وسنُورده في باب صفة الجنة ، وسنذكرُ في قتال
أهل الردة أن طلحةَ الأسدي قتلَ عُكَّاشَة بن مِحْصن شهيداً رضي الله عنه، ثم رجعَ طلحةُ الأسديُّ عما كان
يدعيه من النبوة وتاب إلى الله ، وقدم على أبي بكر الصديق واعتمرَ وحَسُنَ إسلامه .
وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسولَ اللهِوَ لَه قال: « بينا أنا نائم رأيتُ كأنه وُضعٍ في
يدي سِواران فقطعتهما ، فأُوحي إليّ في المنام : أن انفخْهما ، فنفختُهما فطارا، فأوّلتُهما كذَّابين
يَخرجان، صاحبَ صنعاء ، وصاحبَ اليمامة)(٣) .
وقد تقدَّم في الوفود أنَّه قالَ لمُسيلمةَ حينَ قَدِمَ مع قومِه وجعلَ يقولُ إنْ جعلَ لي محمّد الأمرَ مِن بعدِه
اَّبعتُه، فوقفَ عليه رسولُ اللهِ وَّه وقالَ به: ((والله لو سَألتَنِي هَذَا العَسِيْبَ مَا أعطيتُكَه، ولئنْ أدبرتَ
ليعقرنَّك الله ، وإنِّي لأراكَ الذي أُرِيتُ إليه ما أُرِيتُ)(٤) .
وهكذا وقعَ ، عقرَه الله وأهانَه وكسرَه وغلبَه يومَ اليَمامةَ، كما قُتل الأسودُ العَنْسِيُّ بصنعاءَ ، وعلى
ما سنُورده إن شاء الله تعالى .
وروى البيهقيُّ من حديث مبارك بن فَضالة، عن الحسن، عن أنس ، قال: لقي رسولَ الله ◌َِلهم
مسيلمةُ، فقال له مسيلمة: أتشهدُ أني رسولُ الله؟ فقال النبيُّ وَ له: ((آمنتُ بالله ورسوله)) ثم قالَ
رسولُ اللهِّهَ: ((إنَّ هذا رجلٌ أُخِّرَ لِهَلَكَةِ قومِه)(٥).
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٥٤١) في الرقاق ، وهو عند مسلم في صحيحه رقم (٣٦٧) في الإيمان.
(٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٥٤١) في الرقاق ، وهو عند مسلم في صحيحه رقم (٣٦٧) في الإيمان.
(٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٧٠٣٧) في التعبير وفي المغازي، ومسلم في صحيحه رقم (٢٢٧٤) في الرؤيا.
(٤) تقدم .
(٥) دلائل النبوة للبيهقي (٣٥٩/٦) وهو حديث حسن يشهد له ما بعده .

٣٠٠
كتاب دلائل النبوة ( باب : إخباره عليه الصلاة والسلام عن الغيوب المستقبلة )
وقد ثبتَ في الحديث الآخر ، أنَّ مسيلمةَ كتبَ بعد ذلك إلى النبيِّ وَّهِ: بسم الله الرحمن الرحيم،
مِن مسيلمةَ رسولِ الله ، إلى محمّدٍ رسولِ الله، سلامٌ عليكَ ، أمَّا بعدُ قد أُشْرِكْتُ في الأمرِ معكَ ، فلكَ
المَدَرُ ولي الوَبَرُ، ولكنَّ قُريشاً قومٌ يعتدُونَ. فكتبَ إليه رسولُ اللهِوَ لَهَ: ((بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ، مِن
محمّدٍ رسولِ الله إلى مُسيلمةَ الكَذَّابِ ، سَلامٌ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، أمَّا بعدُ فإنَّ الأرضَ لله يُورثها مَن يَشَاءُ
مِن عبادِهِ والعَاقِبَةُ للمُثَّقين(١) . وقد جعل الله العاقبةَ لمحمّدٍ وأصحابِه لأنَّهم هُم المتَّقون ، وهم العَادِلون
المؤمنون ، لا مَن عَدامُم .
وقد وردتِ الأحاديثُ المَرويَّةُ من طُرق عنه ◌َِّ في الأخبار عن الرِّدة التي وقعت في زمن الصِّدِّيقِ،
فقاتلَهم الصِّدّيقُ بالجُنُودِ المُحمَّدَّةِ حتى رَجعُوا إلى دين الله أفواجاً ، وعَذُبَ مَاءُ الإيمان كما كانَ بعدما
صَار أُجاجاً، وقد قال الله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنِ دِينِ، فَوْفَ يَأْتِىِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى
اُلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، قال المفسرون: هم أبو بكر وأصحابُه رضي الله عنهم.
وثبتَ في الصحيحين : من حديث عَامرِ الشَّعبيِّ، عن مَسْروق، عن عائشَةَ، في قِصَّة مسَارَّةِ النبيِّ
وَّ ابنته فاطمةَ وإخبارِهِ إِيَّاهَا بأنَّ جبريلَ كان يُعارضهُ بالقرآنِ في كلِّ عامِ مرَّةً ((وإنَّه عارضني العَامَ مرتين ،
وما أرى ذلك إلا لاقترابِ أَجَلي)) فبكت، ثم سارَّها، فأخبرَها بأنها سَيِّدَهُ نِساءِ أهلِ الجنَّة ، وأنَّها أوّلُ
أهلِهِ لُحوقاً به(٢). وكانَ كما أخبرَ. قال البيهقيُّ: واختلفُوا في مُكثِ فاطمةَ بعدَ رسولِ الله ◌ِوَّهَ، فقيل:
شهرانِ ، وقيلَ : ثلاثة ، وقيل : ستةَ ، وقيل : ثمانية ، قالَ : وأصحُّ الروايات رواية الزهري : عن
عروةَ ، عن عائشةَ ، قالت: مكثت فاطمةُ بعدَ رسولِ اللهِوَ لهستةَ أشهرٍ . أخرجاه في الصحيحين(٣).
ومن كتاب دلائل النبوة
في باب إخباره عليه الصلاة والسلام عن الغُيوبِ المستقبلة
فمن ذلك ما ثبتَ في الصحيحين : من حديث إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن أبي سَلَمَة ، عن
عائشة، قالت: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (( إنَّه قد كانَ في الأُمم مُحدَّثونَ، فإن تكن في أُمَّتي فعمرُ بنُ
الخطّاب)( ٤) .
(١) السيرة النبوية لابن هشام (٢١٠/٤) ودلائل النبوة للبيهقي (٣٣١/٥) وهو حديث حسن.
(٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٢٤) في المناقب، ومسلم في صحيحه رقم (٢٤٥٠) في فضائل الصحابة .
(٣) قطعة من حديث رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٢٤٠) في المغازي ، ومسلم في صحيحه رقم (١٧٥٩) (٥٢٠) في
الإمارة .
(٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٤٦٩) في أحاديث الأنبياء، ومسلم في صحيحه رقم (٢٣٩٨) في فضائل الصحابة.