Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ كتاب دلائل النبوة ( باب : دلائل النبوة الحسية ) كان يحملُ شيوخاً بالكوفة على الكذب فيَروي لهم نُسَخاً ويأمرهم أن يرؤُوها . وقد تبين(١) ذلك منه في غير شيخ بالكوفة . وقال الحافظ أبو بشر الدُّولابي (٢) في كتابه ((الذرية الطاهرة)): حدَّثنا إسحاق بن يونس، حدَّثنا سُويد بن سعيد ، حدَّثنا المطلب بن زياد ، عن إبراهيم بن حَيَّان ، عن عبد الله بن حَسَن ، عن فاطمة بنت الحسين ، عن الحسين، قال: كان رأسُ رسول الله وَ له في حِجر علي وهو يُوحَى إليه، فذكر الحديث بنحو ما تقدم . إبراهيمُ بن حَيَّان هذا تركه الدار قطني(٣)، وغيره(٤) وقال محمد بن ناصر البغدادي الحافظ : هذا الحديث موضوع ، قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي : وصدق ابن ناصر . وقال ابن الجوزي(٥) : وقد رواه ابن مردويه من حديث داود بن فراهيج(٦) ، عن أبي هريرة قال : نام رسولُ اللهِ وَله ورأسُه في حِجر عليّ، ولم يكن صلَّى العصرَ، حتى غَرُبت الشمسُ، فلما قامَ رسولُ الله دعا له فرُدّت عليه الشمسُ حتى صلَّى ، ثم غابت ثانية . ثم قال : وداود ضعَّفه شعبةُ . ثم قال ابن الجوزي : ومن تغفيل واضع هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضله ولم يتلمَّح عدمَ الفائدة ، فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاءً ، فرجوع الشمس لا يُعيدها أداءً ، وفي الصحيح(٧) عن رسول الله وَّل: ((إن الشمس لم تُحبَس على أحدٍ إلا ليُوشع)). قلت : هذا الحديث(٨) ضعيفٌ ومُنكر من جميع طرقه ، فلا تخلو واحدة منها عن شيعيّ ومجهول الحال ، وشيعيّ ومتروك، ومثل هذا الحديث لا يُقبل فيه خبرُ واحد إذا اتَّصلَ سندُه ، لأنه من باب (١) في الموضوعات لابن الجوزي: ((تيقنا)) وهو تحريف، وما أثبتناه من (أ) وهو الذي في كامل ابن عدي (١/ ٢٠٨) وتاريخ الخطيب (٦/ ١٥٧) الذي نقل منه ابن الجوزي . (٢) أبو بشر الدُّولابي: محمد بن أحمد بن حماد الأنصاري، الرازي، الوراق إمام حافظ، توفي سنة ٣١٠هـ . السير (١٤ / ٣٠٩) . وكتابه الذرية الطاهرة طبع في مؤسسة الأعلمي بيروت . (٣) ذكره في الضعفاء والمتروكين (١٥) . وقال ابن عدي : أحاديثه موضوعة (الكامل ٢٥٣/١) . (٤) (٥) الموضوعات ؛ لابن الجوزي (١/ ٣٥٧) . (٦) في المطبوع: (( من طريق حديث داود بن واهيج )) وكله تحريف . (٧) حديث حبس الشمس على يوشع بن نون رواه البخاري ومسلم، أما حديث (( إن الشمس لم تُحبس لبشر إلا ليوشعَ .. )). فقد رواه الإمام أحمد في المسند (٣٢٥/٢) عن أبي هريرة ، بسند صحيح . وانظر فتح الباري (٦/ ٢٢١) . (٨) أي : حديث ردِّ الشمس لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. ١٢٢ كتاب دلائل النبوة ( باب : دلائل النبوة الحسية ) ما تتوفر الدواعي على نقله ، فلا بد من نقله بالتواتر والاستفاضة ، لا أقل من ذلك . ونحنُ لا نُنكر هذا في قدرة الله تعالى وبالنسبة إلى جناب رسول الله وَلَه، فقد ثبتَ في الصحيحُ(١) أنها رُدّت ليوشع بن نون، وذلك يوم حاصر بيتَ المقدس ، واتفق ذلك في آخر يوم الجمعة ، وكانوا لايُقاتلون يومَ السبت فنظر إلى الشمس وقد تَنَصَّفَت للغروب فقال : (( إنّكِ مأمورةٌ، وأنا مأمورٌ ، اللهم احبسها عليّ ، فحبَسها الله عليه حتى فتحُوها )) . ورسول الله وَل أعظمُ جاهاً، وأجلُّ منصباً، وأعلى قدراً من يُوشعَ بن نون ، بل من سائر الأنبياء على الإطلاق ، ولكن لانقول إلا ما صحَّ عندنا عنه ، ولا نُسند إليه ما ليس بصحيح ، ولو صحَّ لكنّا من أول القائلين به ، والمعتقدين له ، وبالله المستعان . ( وقال الحافظ أبو بكر محمد بن حاتم بن زنجويه البخاري في كتابه (( إثبات إمامة أبي بكر الصديق)) (٢): فإن قال قائل من الروافض : إن أفضلَ فضيلةٍ لأبي الحسن ، وأدلَّ دليل على إمامته ما رُوي عن أسماء بنت عُمَيس ، قالت : كان رسول الله وََّ يُوحى إليه ورأسُه في حِجر عليّ بن أبي طالب، فلم يُصَلِّ العصرَ حتى غَرُبت الشمسُ، فقال رسول الله وَّه لعلي: ((صَلَّيْتَ؟)) قال: لا، فقال رسول الله: ((اللهم إنه كان في طاعتِك وطاعةِ رسولك ، فاردد عليه الشمس )) قالت أسماء : فرأيتُها غَرُبَت ، ثم رأيتُها طلعت بعدما غربت . قيل له : كيف لنا لو صحَّ هذا الحديثُ فَنَحتُ على مخالفينا من اليهود والنصارى ، ولكنَّ الحديثَ ضعيفٌ جداً لا أصلَ له ، وهذا مما كَسبت أيدي الروافض ، ولو رُدّت الشمسُ بعدما غَرُبَت لرآها المؤمنُ والكافرُ ، ونقلوا إلينا أن في يوم كذا في شهر كذا في سنة كذا رُدّت الشمسُ بعدما غَرُّبَت . ثم يقال للروافض : أيجوزُ أن تُرَدَّ الشمسُ لأبي الحسن حين فاتته صلاةُ العصر ، ولا تُرَدُّ لرسول الله ولجميع المهاجرين والأنصار وعليٍّ فيهم حين فاتتهم صلاة الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق ؟ . قال: وأيضاً مرة أخرى عَرَّسَ رسولُ الله ◌َّهَ بالمهاجرين والأنصار حين قفلَ من غزوة خيبر ، فذكرَ نومَهم عن صلاة الصبح ، وصلاتهم لها بعد طلوع الشمس ، قال: فلم يُرَدَّ الليلُ على رسول الله وعلى أصحابه . قال : ولو كان هذا فضلاً أُعطيه رسولُ الله ، وماكان الله ليمنعَ رسولَه شرفاً وفضلاً - يعني أُعطيه علي بن أبي طالب - . (١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣١٢٤) في فرض الخمس عن أبي هريرة رضي الله عنه ، ومسلم في صحيحه رقم (١٧٤٧) في الجهاد عن أبي هريرة أيضاً . (٢) ما بين قوسين ساقط من المطبوع واستدركته من الأصل . ١٢٣ كتاب دلائل النبوة ( فصل : في إيراد حديث ردّ الشمس ... ) ثم قال : وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (١): قلت لمحمد بن عُبيد الطنافسي (٢): ما تقولُ فيمن يقولُ : رجعت الشمس على عليّ بن أبي طالب حتى صلَّى العصرَ؟ فقال: مَن قال هذا فقد كذَب . وقال إبراهيم بن يعقوب: سألت يَعلى بن عُبيد الطنافسي(٣) ، قلت: إن ناساً عندنا يقولون : إن علياً وصيُّ رسول الله وَّ ورجعت عليه الشَّمسُ، فقال : كذبٌ هذا كلُّه . فصل في إيراد هذا الحديث من أماكن متفرقة وقد جمعَ أبو القاسم عُبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحَسَكاني جزءاً، وسمَّاه (( مسألة في تَصحيح ردّ الشَّمس وترغيم النواصِب الشّمسِ » . وقال : قد رُوي ذلك من طريق أسماء بنت عُميس ، وعليّ بن أبي طالب ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري . ثم رواه من طريق أحمد بن صالح المصري ، وأحمد بن الوليد الأنطاكي ، والحسن بن داود ، ثلاثتُهم عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك - وهو ثقة - أخبرني محمد بن موسى الفطري المدني ، وهو ثقة أيضاً ، عن عون بن محمد ، قال : وهو ابن محمد ابن الحنفية ، عن أمّه أمّ جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب، عن جدتها أسماء بنت عُمَيس: أن رسولَ اللهِّ صلَّى الظهرَ بالصهباء من أرضٍ خَيبر، ثم أرسل عليّاً في حاجةٍ ، فجاء وقد صلَّى رسولُ الله العصرَ ، فوضعَ رأسَه في حِجر عليّ ، ولم يحرّكه حتى غَرُبت الشمسُ، فقال رسول الله بَّهُ: ((اللهم إن عبدَك عليّاً احتبسَ نفسه على نبيّه فرُدَّ عليه شرقَها )) قالت أسماء : فطلعتِ الشمسُ حتى رفعت على الجبال ، فقام عليٍّ فتوضأ وصلَّى العصر ، ثم غابت الشمسُ . وهذا الإسناد فيه من يُجهل حالُه؛ فإن عَوناً هذا وأمه لا يُعرف أمرُهما بعدالة وضبط يُقبل بسببهما خبرُهما فيما هو دون هذا المقام ، فكيف يثبتُ بخبرهما هذا الأمر العظيم ، الذي لم يروه أحدٌ من أصحاب الصحاح ولا السنن ولا المسانيد المشهورة ؟ فالله أعلم . ولا ندري أسمعتْ أمّ هذا من جَدتها أسماء بنت عُميس أم لا ؟. (١) إبراهيم بن يعقوب السعدي الجوزجاني، أبو إسحاق الحافظ ، نزيل دمشق ، روى عنه أبو داود والترمذي والنسائي ، توفي سنة ٢٥٦ هـ ، خَفَضه ابن عدي من جهة النَّصب. ترجمته في توضيح المشتبه (٩٧/٥) . (٢) محمد بن عبيد الطنافسي ، حافظ ثقة من أهل الحديث توفي سنة ٢٠٤ ترجمته في سير أعلام النبلاء (٤٣٦/٩). (٣) يعلى بن عبيد الطنافسي أخو محمد بن عبيد، حافظ ثقة إمام ، توفي سنة ٢٠٩ . ترجمته في سير أعلام النبلاء (٩ / ٤٧٦) . ١٢٤ كتاب دلائل النبوة ( فصل : في إيراد حديث ردِّ الشمس ... ) ثم أورده هذا المصنف من طريق الحسين بن الحسن الأشعر ، وهو شيعي جلد ، وضعَّفه غيرُ واحد عن الفُضيل بن مرزوق ، عن إبراهيم بن الحسين بن الحسن ، عن فاطمة بنت الحسين الشهيد ، عن أسماء بنت عُمَيس ، فذكر الحديث . قال : وقد رواه عن فُضيل بن مرزوق جماعة ، منهم عبيد الله بن موسى . ثم أورده من طريق أبي جعفر الطحاوي من طريق عبد الله . وقد قدَّمنا روايتنا له من حديث سعيد بن مسعود ، وأبي أمية الطرسوسي ، عن عُبيد الله بن موسى العبسي ، وهو من الشيعة . ثم أورده هذا المصنف من طريق أبي جعفر العقيلي ، عن أحمد بن داود ، عن عمار بن مطر ، عن فُضيل بن مرزوق الأغر الرقاشي ويقال الرّاسي أبو عبد الرحمن الكوفي مولى بني عنزة ، وثقه الثوري وابن عيينة ، وقال أحمد : لا أعلم إلا خيراً . وقال ابن معين : ثقة ، وقال مرة : صالح ولكنه شدید التشيّع ، وقال مرة : لا بأس به . وقال أبو حاتم : صدوق صالح الحديث ، يَهِمُ كثيراً ، يُكتب حديثه ولا يُحتج به . وقال عثمان بن سعيد الدارمي : يقال: إنه ضعيف . وقال النسائي: ضعيف ، وقال ابن عدي : أرجو أن لا بأس به . وقال ابن حِبّان : منكر الحديث جداً ، كان يُخطىء على الثقات ويروي عن عطية الموضوعات . وقد روى له مسلم وأهلُ السنن الأربعة . فمن هذه ترجمته لا يُتهم بتعمّد الكذب ولكنه قد يتساهل ، ولا سيما فيما يُوافق مذهبه ، فيروي عمن لا يعرفه ، أو يحسن به الظن ، فيدلس حديثه ويسقطه ويذكر شيخه ، ولهذا قال في هذا الحديث الذي يجب الاحتراز فيه، وتوقي الكذب فيه (( عن )) بصيغة التدليس ، ولم يأت بصيغة التحديث ، فلعل بينهما من يُجهل أمرُه ، على أن شيخَه هذا - إبراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب - ليس بذلك المشهور في حاله ، ولم يرو له أحدٌ من أصحاب الكتب المعتمدة ، ولا روى عنه غيرُ الفضيل بن مرزوق هذا ، ويحيى بن المتوكل ، قاله أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان ولم يتعرضا لجرح ولا تعديل . وأما فاطمةُ بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب - وهي أخت زين العابدين - فحديثُها مشهور ، روى لها أهلُ السنن الأربعة ، وكانت فيمن قُدِمَ بها مع أهل البيت بعد مقتل أبيها إلى دمشق ، وهي من الثقات ، ولكن لاندري أسمعت هذا الحديث من أسماء أم لا ؟ فالله أعلم . ثم رواه هذا المصنف من حديث أبي حفص الكَتَّاني : حدَّثنا محمد بن عمر القاضي ، هو الجعابي ، حدَّثني محمد بن القاسم بن جعفر العَسكري من أصل كتابه ، حدَّثنا أحمد بن محمد بن يزيد بن سليم ، حدَّثنا خلف بن سالم ، حدَّثنا عبد الرزاق ، حدَّثنا سفيان الثوري ، عن أشعث أبي الشعثاء ، عن أمّه ، عن فاطمة - يعني بنت الحسين - عن أسماء؛ أن رسولَ اللهِوَ ل$ دعا لعليّ حتى رُدّت عليه الشمس. ١٢٥ كتاب دلائل النبوة ( فصل: في إيراد حديث ردِّ الشمس ... ) وهذا إسناد غريب جداً ، وحديث عبد الرزاق وشيخُه الثوري محفوظٌ عند الأئمة ، لا يكاد يُترك منه شيء من المهمات ، فكيف لم يَرو عن عبد الرزاق مثل هذا الحديث العظيم إلا خلفُ بن سالم بما قبله من الرجال ، الذين لا يُعرف حالَهم في الضبط والعدالة لغربتهم ؟ ثم إن أمّ أشعثَ مجهولةٌ، فالله أعلمُ(١). ثم ساقه هذا المصنف من طريق محمد بن مرزوق : حدَّثنا حسين الأشقر - وهو شيعي وضعيف كما تقدم - عن عليّ بن هاشم بن البريد - وقد قال فيه ابن حِبّان : كان غالياً في التشيّع ، يَروي المناكير عن المشاهير - عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن عليّ بن الحسين بن الحسن ، عن فاطمة بنت عليّ ، عن أسماء بنت عُمَيس فذكرَه . وهذا إسناد لا يثبت . ثم أسنده من طريق عبد الرحمن بن شَريك ، عن أبيه ، عن عروة بن عبد الله ، عن فاطمة بنت عليّ ، عن أسماء بنت عُمَيس ، فذكر الحديث كما قدمنا إيراده من طريق ابن عُقدة ، عن أحمد بن يحيى الصُّوفي، عن عبد الرحمن بن شريك، عن عبد الله النخعي. وقد روى عنه البخاريُّ في كتاب ((الأدب)) وحدَّث عنه جماعة من الأئمة ، وقال فيه أبو حاتم الرازي : كان واهي الحديث ، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال : ربما أخطأ . وأرخ ابن عقدة وفاتَه سنة سبع وعشرين ومئتين . وقد قدَّمنا أن الشيخ أبا الفرج بن الجوزي قال : إنما اتهم بوضعه أبا العباس بن عُقدة ، ثم أورد كلام الأئمة فيه بالطعن والجرح ، وأنه كان يسوي النسخ للمشايخ فيرويهم إياها ، فالله أعلم . قلت : في سياق هذا الإسناد عن أسماء ؛ أن الشمس رجعت حتى بلغت نصف المسجد ، وهذا يُناقض ما تقدَّم من أن ذلك كان بالصَّهباء من أرض خيبر ، ومثل هذا يُوجب توهينَ الحديث وضعفَه والقدحَ فيه . ثم سردَه من حديث محمد بن عمر القاضي الجعابي : حدَّثنا علي بن العباس بن الوليد ، حدَّثنا عَبَّاد بن يعقوب الرَّواجيني ، حدَّثنا علي بن هاشم ، عن صباح ، عن عبد الله بن الحسن - أبي جعفر - عن حسين المقتول ، عن فاطمة ، عن أسماء بنت عُمَيس قالت : لما كان يوم شُغِل علي ؛ لمكانه من قسم المغنم، حتى غربت الشمس أو كادت، فقال رسول الله وَله: ((أما صلّيت؟)) قال: لا، فدعا الله ، فارتفعت الشمس حتى توسطت السماء ، فصلّى عليّ ، فلما غربت الشمس سمعتُ لها صريراً كصرير الميشار في الحديد . وهذا أيضاً سياقٌ مخالف لما تقدم من وجوه كثيرة ، مع أن إسناده مظلم جداً ، فإن صباحاً هذا لا يُعرف ، وكيف يَروي الحسينُ بن علي المقتول شهيداً عن واحد عن واحد عن أسماء بنت عُمَيس ؟ هذا - (١) ومحمد بن عمر الجعابي فاسق رقيق الدين وتشيعه معروف، كما في الميزان (٣/ ٦٧٠). ١٢٦ كتاب دلائل النبوة ( فصل: في إيراد حديث ردّ الشمس ... ) تخبيط إسناداً ومتناً ، ففي هذا أن علياً شُغل بمجرد قسم الغنيمة ، وهذا لم يقله أحدٌ ولا ذهب إلى جواز ترك الصلاة لذلك ذاهب ، وإن كان قد جوَّز بعضُ العلماء تأخيرَ الصلاة عن وقتها لعذر القتال ؛ كما حكاه البخاري عن مكحول والأوزاعي وأنس بن مالك في جماعة من أصحابه بتسترَ ، واحتجَّ لهم في بني قريظة . وذهبَ جماعة من العلماء إلى أن هذا نُسِخَ بصلاة الخوف . والمقصودُ أنه لم يقل أحدٌ من العلماء إنه يجوز تأخيرُ الصلاة بعذر قسم الغنيمة ، حتى يُسند هذا إلى صنيع عليّ رضي الله عنه ، وهو الراوي عن رسول الله ◌َّر أن الوسطى هي العصر ، فإن كان هذا ثابتاً على ما رواه هؤلاء الجماعة ، وكان عليّ متعمداً لتأخير الصلاة لعذر قسم الغنيمة ، وأقرّه عليه الشارع صارَ هذا وحدَه دليلاً على جواز ذلك ، ويكون أقطع في الحجة مما ذكره البخاري ، لأن هذا بعد مشروعية صلاة الخوف قطعاً ، لأنه كان بخيبر سنة سبع ، وصلاة الخوف شُرعت قبل ذلك ، وإن كان عليّ ناسياً حتى تركَ الصلاة إلى الغروب فهو معذور ، فلا يحتاج إلى ردّ الشمس ، بل وقتها بعد الغروب ، والحالة هذه إذن ، كما ورد به الحديث ، والله أعلم . وهذا كلُّه مما يدل على ضعف هذا الحديث . ثم إن جعلناه قضيّةً أخرى ، وواقعة غير ما تقدم ، فقد تعدد رد الشمس غير مرة ، ومع هذا لم ينقله أحدٌ من أئمة العلماء ، ولا رواه أهلُ الكتب المشهورة ، وتفرد بهذه الفائدة هؤلاء الرواة الذين لا يخلو إسناد منها عن مجهول ومتروك ومتهم ، والله أعلم . ثم أورده هذا المصنف من طريق أبي العباس بن عُقدة : حدَّثنا يحيى بن زكريا ، حدَّثنا يعقوبُ بن سعيد، حدَّثنا عمرو بن ثابت ، قال: سألتُ عبدَ الله بن حسن بن حسن بن عليّ ( بن أبي طالب ) ، عن حديث رد الشمس على عليّ بن أبي طالب : هل يثبتُ عندكم؟ فقال لي : ما أنزلَ الله في كتابه أعظمُ من ردّ الشمس ، قلت : صدقتَ - جعلني الله فداك - ولكني أحبُّ أن أسمعَه منك، فقال: حدَّثني أبي - الحسن - عن أسماء بنت عُمَيس ؛ أنها قالت : أقبل عليُّ بن أبي طالب ذاتَ يوم وهو يُريد أن يصلِّي العصرَ مع رسول الله بَّه، فوافق رسولَ الله ◌َ ◌ّه قد انصرفَ ونزل عليه الوحي، فأسندَه إلى صدره ، فلم يزل مُسندَه إلى صدره، حتى أفاقَ رسولُ اللهِوَِّ فقال: ((أصلّيتَ العصرَ يا عليّ؟)) قال: جئتُ والوحيُّ ينزلُ عليكَ، فلم أزل مُسندَك إلى صدري حتى الساعة، فاستقبلَ رسولُ اللهِنَّهِ القبلةَ - وقد غربت الشمس - وقال: ((اللهم إن عليّاً كان في طاعتِك فارددها عليه)) قالت أسماء : فأقبلتِ الشَّمسُ ولها صريرٌ كصرير الرحى ، حتى كانت في موضعها وقت العصر . فقام عليٍّ متمكناً فصلَّى، فلما فرغَ رجعتِ الشمس ولها صرير كصرير الرحى ، فلما غابت اختلطَ الظلامُ ، وبدت النجوم . وهذا منكرٌ أيضاً إسناداً ومتناً ، وهو مناقض لما قبله من السياقات ، وعمرو بن ثابت هذا هو المتهم بوضع هذا الحديث أو سرقته من غيره ، وهو عمرو بن ثابت بن هرمز البكري الكوفي ، مولى بكر بن وائل ، ويُعرف بعمرو بن المقدام الحداد ، روى عن غير واحد من التابعين ، وحدَّث عنه جماعة ، منهم ١٢٧ كتاب دلائل النبوة ( فصل : في إيراد حديث ردِّ الشمس ... ) سعيد بن منصور ، وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان ، قال : تركه عبد الله بن المبارك ، وقال : لا تحدِّثوا عنه فإنه كان يسبُّ السلفَ. ولما مرَّت به جنازته توارى عنها . وكذلك تركه عبد الرحمن بن مهدي ، وقال ابنُ معين والنسائي : ليس بثقة ، ولا مأمون ، ولا يكتب حديثه . وقال مرة أخرى هو وأبو زرعة وأبو حاتم : كان ضعيفاً . زاد أبو حاتم : وكان رديء الرأي شديدَ التشيّع ، لا يُكتب حديثه . وقال البخاري : ليس بالقوي عندهم . وقال أبو داود : كان مِن شرار الناس ، كان رافضياً خبيثاً رجلَ سُوء ، قال هنا : ولما مات لم أصلِّ عليه ؛ لأنه قال لما مات رسول الله بَ لّ كفر الناس إلا خمسة. وجعلَ أبو داود يذمّه. وقال ابن حِبّان : يَروي الموضوعات عن الأثبات . وقال ابن عدي: والضعف على حديثه بيّن، وأرّخُوا وفاتَه في سنة سبع وعشرين ومئة ، ولهذا قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية : وكان عبد الله بن حسن وأبوه أجلَّ قدراً من أن يُحدِّثا بهذا الحديث . قال هذا المُصَنَّف لا المنصف : وأما حديث أبي هريرة ؛ فأخبرنا عقيل بن الحسن العسكري ، أخبرنا أبو محمد صالح بن الفتح النسائي ، حدَّثنا أحمد بن عمير بن جوصاء ، حدَّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدَّثنا يحيى بن زيد بن عبد الملك النوفلي ، عن أبيه ، حدَّثنا داود بن فراهيج ، عن عمارة بن برود ، عن أبي هريرة فذكره . وقال : اختصرته من حديث طويل . وهذا إسناد مظلم ، ويحيى بن يزيد وأبوه وشيخه داود بن فراهيج كلُّهم مُضعّفون ، وهذا هو الذي أشار ابن الجوزي إلى أن ابن مردويه رواه من طريق داود بن فراهيج عن أبي هريرة ، وضعَّف داود هذا شعبة والنسائي وغيرهما . والذي يظهر أن هذا مفتعل من بعض الرواة ، أو قد دخل على أحدهم وهو لا يشعر ، والله أعلم . قال : وأما حديث أبي سعيد ، فأخبرنا محمد بن إسماعيل الجرجاني في كتابه ؛ أن أبا طاهر محمد بن علي الواعظ أخبرهم : أخبرنا محمد بن أحمد بن متيم ، أخبرنا القاسم بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب : حدثني أبي ، عن أبيه محمد ، عن أبيه عبد الله ، عن أبيه عمر قال : قال الحسين بن عليّ: سمعتُ أبا سعيد الخدري يقول: دخلتُ على رسول الله وَّ فإذا رأسُه في حجر عليّ وقد غابت الشمس، فانتبه النبيّ بَ ◌ّه وقال: (( يا عليّ! أصلّيتَ العصر؟)) قال: لا، يا رسول الله ما صلَّيت، كرهتُ أن أضعَ رأسَك من حِجري وأنت وَجِع. فقال رسول الله مَّدٍ : ((يا عليّ، ادعُ يا عليّ أن تُرَدَّ عليك الشمسُ))، فقال عليٍّ: يا رسول الله، ادعُ أنت وأنا أُؤمن ، فقال : ((يا ربّ إنَّ علياً في طاعتِك وطاعةِ نبيّك فاردد عليه الشمس)). قال أبو سعيد: فوالله لقد سمعتُ للشمس صريراً كصرير البَكَرَة ، حتى رجعت بيضاءَ نقية . وهذا إسناد مظلم أيضاً ، ومتنه منكرٌ مخالف لما تقدّمه من السِّياقات ، وكل هذا يدل على أنه موضوع مصنوع مفتعل ، يسرقُه هؤلاء الرافضة بعضُهم من بعض ، ولو كان له أصل من رواية أبي سعيد لتلقاه عنه ١٢٨ كتاب دلائل النبوة ( فصل : في إيراد حديث ردِّ الشمس ... ) كبار أصحابه ؛ كما أخرجا في الصحيحين من طريقه حديث قتال الخوارج ، وقصة المخدج ، وغير ذلك من فضائل علي . قال : وأما حديثُ أمير المؤمنين عليّ، فأخبرنا أبو العباس الفرغاني ، أخبرنا أبو المُفَضَّل الشيباني ، حدَّثنا رجاء بن يحيى السَّاماني ، حدَّثنا هارون بن مسلم بن سعدان بسامراء سنة أربعين ومئتين ، حدَّثنا عبد الله بن عمرو بن الأشعث عن داود بن الكُمَيت ، عن عمّه المستهل بن زيد ، عن أبيه ابن سلهب ، عن جويرية بنت شهر ، قالت: خرجتُ مع عليّ بن أبي طالب، فقال: يا جويرية! إن رسولَ الله وَ لٍّ كان يُوحى إليه ورأسه في حِجري . فذكر الحديث . وهذا الإسناد مظلم ، وأكثر رجاله لا يُعرفون ، والذي يظهرُ والله أعلم أنه مركّب مصنوع ، مما عملته أيدي الروافضِ قبحهم الله، ولعن من كذب على رسول الله وَّر، وعَجَّلَ له ما توعَّدَه الشارعُ من العذاب والنَّكَال، حيث قال وهو الصادق في المقال: ((من كذب عليَّ معتمداً فليتبوأ مقعده من النار)(١) . وكيف يدخلُ في عقل أحد من أهل العلم أن يكون هذا الحديث يَرويه علي بن أبي طالب ، وفيه منقبة عظيمة له ، ودلالة معجزة باهرة لرسول الله وَلفيه، ثم لا يُروى عنه إلا بهذا الإسناد المظلم المركّب على رجال لا يُعرفون ، وهل لهم وجود في الخارج أم لا ؟ الظاهر - والله أعلم - لا. ثم هو عن امرأة مجهولة العين والحال ، فأين أصحاب علي الثقات ؛ كعبيد السلماني ، وشريح القاضي ، وعامر الشعبي ، وأضرابهم . ثم في ترك الأئمة كمالك ، وأصحاب الكتب الستة ، وأصحاب المسانيد والسنن والصحاح والحسان ؛ رواية هذا الحديث وإيداعه في كتبهم ، أكبر دليل على أنه لا أصل له عندهم ، أو هو مفتعل ، مأفوك بعدهم . وهذا أبو عبد الرحمن النسائي، قد جمع كتاباً في (( خصائص عليّ بن أبي طالب)). ولم يذكره ، وكذلك لم يروه الحاكمُ في (( مُستدركه)(٢)، وكلاهما يُنسب إلى شيء من التشيع، ولا رَواهُ من رواه من الناس المعتبرين إلا على سبيل الاستغراب والتعجب ، وكيف يقعُ مثلُ هذا نهاراً جهرة وهو مما تتوفر الدواعي على نقله ، ثم لا يُروى إلا من طرق ضعيفة منكرة ، وأكثرها مركبة موضوعة . وأجودُ ما فيها ما قدَّمناه من طريق أحمد بن صالح المصري ، عن ابن أبي فُديك ، عن محمد بن موسى الفِطْري ، عن عون بن محمد ، عن أمّه أم جعفر ، عن أسماءَ ، على ما فيها من التعليل الذي أشرنا إليه فيما سلف . وقد اغترَّ بذلك أحمد بن صالح رحمه الله ، ومال إلى صحته ، ورجَّح ثبوته . (١) حديث متواتر عن عدد من الصحابة. فرواه البخاري (١١٠) ومسلم (٣) عن أبي هريرة. (٢) مشكل الآثار للطحاوي (٢/ ١١). ١٢٩ كتاب دلائل النبوة ( فصل : في إيراد حديث ردِّ الشمس ... ) قال الطحاوي في كتابه (( مشكل الحديث)): عن علي بن عبد الرحمن ، عن أحمد بن صالح المصري ؛ أنه كان يقول : لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء في ردّ الشمس ؛ لأنه من علامات النبوة . وهكذا مال إليه أبو جعفر الطحاوي أيضاً فيما قيل . ونقل أبو القاسم الحسكاني هذا عن أبي عبد الله البصري المتكلم المعتزلي أنه قال : عَودُ الشمس بعد مغيبها آكدُ حالاً فيما يقتضي نقلُه ؛ لأنه وإن كان فضيلة لأمير المؤمنين فإنه من أعلام النبوة ، وهو مُقارِن لغيره في فضائله في كثير من أعلام النبوة . وحاصل هذا الكلام يقتضي أنه كان ينبغي أن يُنقل هذا نقلاً متواتراً ، وهذا حقّ لو كان الحديث صحيحاً ، ولكنه لم يُنقل كذلك فدلَّ على أنه ليس بصحيح في نفس الأمر ، والله أعلم . قلت : والأئمة في كلّ عصر يُنكرون صحة هذا الحديث ، ويردُّونه ويُبالغون في التشنيع على رُواته كما قدَّمنا عن غير واحد من الحفّاظ ، كمحمد ويعلى بن عبيد الطنافِسيَّين ، وكإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق ، وكأبي بكر محمد بن حاتم البخاري ، المعروف بابن زنجويه ، وكالحافظ أبي القاسم بن عساكر ، والشيخ أبي الفرج بن الجوزي ، وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين . وممن صرَّحَ بأنه موضوع شيخُنا الحافظ أبو الحجاج المِزّي ، والعلاَّمة أبو العباس بن تيمية ، وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري : قرأتُ على قاضي القضاة أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي : حدَّثنا عبد الله بن الحسين بن موسى ، حدَّثنا عبد الله بن عليّ بن المديني قال : سمعتُ أبي يقول : خمسةُ أحاديث يروونها ، ولا أصل لها عن رسول الله مَّه؛ حديث: لو صدقَ السائلُ ما أفلحَ من رَدَّه ، وحديث : لاوجع إلا وَجَعَ العين ، ولا غمَّ إلا غم الدين ، وحديث : أن الشمس رُدّت على عليّ بن أبي طالب ، وحديث : أنا أكرم على الله من أن يدعني تحت الأرض مئتي عام ، وحديث : أفطرَ الحاجمُ والمحجوم ؛ إنهما كانا يَغتابان . والطحاوي - رحمه الله - وإن كان قد اشتبه عليه أمرُه ، فقد روى عن أبي حنيفة رحمه الله إنكاره والتهكم بمن رواه ، قال أبو العباس بن عُقدة: حدَّثنا جعفر بن محمد بن عُمير ، حدَّثنا سليمان بن عبَّاد ، سمعتُ بشّار بن دراع قال : لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان ، فقال : عمن رويتَ حديثَ ردّ الشمس ؟ فقال : عن غير الذي رويتَ عنه : يا سارية الجبل . فهذا أبو حنيفة رحمه الله ، وهو من الأئمة المعتبرين ، وهو كوفيٍّ لا يُتَّهم على حبّ عليّ بن أبي طالب وتفضيله بما فضَّله الله به ورسولُه ، وهو مع هذا يُنکر علی راويه ، وقول محمد بن النعمان له لیس بجواب بل مجرد معارضة بما لا يُجدي ، أي : أنا رويتُ في فضل عليّ هذا الحديث ، وهو وإن كان مستغرباً فهو في الغرابة نظيرُ ما رويته أنت في فضل عمر بن الخطاب في قوله : يا ساريةَ الجبل . وهذا ١٣٠ كتاب دلائل النبوة ( فصل : في إيراد حديث ردِّ الشمس ... ) ليس بصحيح من محمد بن النعمان ، فإن هذا ليس إسناداً ولا متناً ، وأين مكاشفة إمام قد شهد الشارع له بأنه مُحَدَّثٌ بأمرٍ خيرٍ ، من ردّ الشمس طالعة بعد مغيبها الذي هو أكبر علامات الساعة؟ والذي وقع ليوشع بن نون ليس ردّاً للشمس عليه ، بل حُبِست ساعة قبل غروبها ، بمعنى تباطأت في سيرها حتى أمكنهم الفتح ، والله تعالى أعلم . وتقدم ما أورده هذا المصنف من طرق هذا الحديث : عن عليّ ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد ، وأسماء بنت عميس، وقد وقع في كتاب أبي بشر الدولابي في ((الذرية الطاهرة)(١) من حديث الحسين بن علي ، والظاهر أنه عنه ، عن أبي سعيد الخدري كما تقدم ، والله أعلم . وقد قال شيخُ الرافضة جمال الدين يُوسف بن الحسن الملقب بابن المُطَهِّرِ الحِلَّي في كتابه (( في الإمامة)) الذي ردّ عليه شيخنا العلامة أبو العباس ابن تيمية ، قال ابن المُطهر : التاسع : رجوع الشمس مرتين: إحداهما في زمن النبي بَلّر، والثانية بعده. أما الأولى، فروى جابر وأبو سعيد: أن رسول الله وَ ﴿ نزلَ عليه جبريل يوماً يُناجيه من عند الله، فلما تغشَّاه الوحيُ توسَّد فخذَ أمير المؤمنين ، فلم يرفع رأسَه حتى غابت الشمس، فصلَّى عليّ العصرَ بالإيماء، فلما استيقظَ رسولُ اللهَ وَّل قال له: سل الله أن يردّ عليك الشمسَ فَتُصلِّي قائماً . فدعا فرُدَّتِ الشمسُ فصلّى العصر قائماً. وأما الثانية فلما أراد أن يعبرَ الفرات ببابل ، واشتغلَ كثيرٌ من الصحابة بدواتهم ، وصلَّى لنفسه في طائفة من أصحابه العصرَ ، وفاتَ كثيراً منهم ، فتكلّموا في ذلك ، فسأل الله رَدَّ الشمسِ فَرُدَّت . قال : وقد نظمه الحِميَريّ فقال : وَقتُ الصَّلاةِ وقد دَنَت للمَغرِبِ رُدَّت عَليهِ الشمسُ لَمَّا فَاتَهُ لِلعَصرِ ثُمَّ هَوَت هَوِيَّ الکوگُبِ حَتَّى تَبَلَّجَ نُورها في وَقِتِها أخرى وَما رُدَّت لِخَلقِ المغرِبِ وَعليهِ قَد رُدَّت بِبَابِلَ مَرَّةً قال شيخُنا أبو العباس ( ابن تيمية ) رحمه الله(٢): فضل عليّ وولايتُه وعلوّ منزلته عند الله معلوم ولله الحمد بطرق ثابتة ، أفادتنا العلم اليقيني ، لا يُحتاج معها إلى ما لا يُعلم صدقُه أو يُعلم أنه كذب ، وحديثُ ردّ الشمس قد ذكرَه طائفةٌ كأبي جعفر الطحاوي ، والقاضي عياض ، وغيرهما ، وعدُّوا ذلك من معجزات رسول الله وَلّر، لكن المحقّقون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أن هذا الحديث كذبٌ موضوع ، ثم أورَد طرقَه واحدةً واحدةً كما قدّمنا ، وناقش أبا القاسم الحسكاني فيما تقدم ، وقد أوردنا كلَّ ذلك ، وزدنا عليه ونقصنا منه ، والله الموفق . (١) الذرية الطاهرة لأبي بشر الدولابي (ص ٩٣). (٢) منهاج السنة (١٦٥/٨) وهذا الفصل أكثره منه كما سيصرح المصنف. ١٣١ كتاب دلائل النبوة ( فصل : في إيراد حديث ردِّ الشمس ... ) واعتذرَ عن أحمد بن صالح المِصري في تصحيحه هذا الحديث بأنه اغترَّ بسنده ، وعن الطحاوي بأنه لم يكن عندَه نقلٌ جيّد للأسانيد کجهابذة الحفاظ ، وقال في عيون كلامه : والذي يقطع به أنه كذب مفتعل . قلت : وإيراد ابن المطهر لهذا الحديث من طريق جابر غريب ، ولكن لم يُسنده ، وفي سياقه ما يقتضي أن علياً هو الذي دعا بردِّ الشمس في الأولى والثانية ، وأما إيرادُه لقصة بابل فليس لها إسناد وأظنه - والله أعلم - من وضع الزنادقة من الشيعة ونحوهم، فإن رسول الله وسلم وأصحابه يوم الخندق قد غربت عليهم الشمس ولم يكونوا صلّوا العصرَ بل قاموا إلى بُطحان - وهو واد هناك - فتوضؤوا وصلّوا العصر بعدما غربت الشمس ، وكان عليّ أيضاً فيهم ولم تُرَدّ لهم ، وكذلك كثيرٌ من الصحابة الذين ساروا إلى بني قريظة فاتتهم العصرُ يومئذ حتى غربت الشمسُ ولم ترد لهم، وكذلك لمَّا نامَ رسولُ الله ◌ِّ وأصحابُه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس ، صلّوها بعد ارتفاع النهار ولم يُرَدّ لهم الليل ؛ فما كان الله عزّ وجلّ ليعطي عليّاً وأصحابَه شيئاً من الفضائل لم يعطها رسولَ الله وَّر وأصحابه . وأما نظم الحِميَري فليس [ فيه ] حُجّة ، بل هو كهذيان ابن المُطَهّر ، هذا لا يَعلم ما يقول من النثر وهذا لا يدري صحة ما ينظم ، بل كلاهما كما قال الشاعر : إن كُنتُ أدري فَعَليَّ بَدَنَه مِن كَثرَةِ التخلِيطِ أنّي من أنه والمشهور عن عليّ في أرض بابلَ ، ما رواه أبو داود رحمه الله في (( سننه)) عن عليّ ، أنه مرَّ بأرض بابلَ وقد حانت صلاة العصر ، فلم يُصلّ حتى جاوزَها، وقال: نهاني خليلي ◌َّ أن أُصلِّي بأرضٍ بابلَ فإنّها ملعونة (١) . وقد قال أبو محمد بن حزم في كتابه (( الملل والنحل )) مُبطلاً لردّ الشمس على عليّ بعد كلام ذكره رادّاً على من ادَّعى باطلاً من الأمر ، فقال : ولا فرق بين من ادعى شيئاً مما ذكرنا لفاضلٍ ، وبين دعوى الرافضة ردّ الشمس على عليّ بن أبي طالب مرتين ، حتى ادعى بعضُهم أن حبيب بن أوس قال : فَرُدَّت عَلَيْنَا الشمسُ والليلُ راغِمٌّ بِشَمسٍ لَهُم مِن جانِبِ الخِدرِ تَطَلَعُ لِبهجَتِهَا نُورِ السَّماءِ المُرَجَّعُ نضَا ضَوءُها صِيغَ الدِّجنةِ وانطَوى أَلَمَّت (٢) بنا أم كَانَ في القومِ يُوشَعُ فَوالله ما أدري أأحلامُ نَائمٍ (١) رواه أبو داود في سننه رقم (٤٩٠) في الصلاة . وقال الخطابي: في إسناد هذا الحديث مقال ، ولا أعلم أحداً من العلماء حرَّم الصلاة في أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصحُّ منه؛ وهو قوله ◌ِّر: ((وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )) .. (٢) كذا في الملل والنحل ؛ لابن حزم (١٤٧/١)، والبيت الثاني في (أ) والمطبوع: = ١٣٢ كتاب دلائل النبوة ( استسقاء الرسول اني) هكذا أورده ابنُ حزم في كتابه (١)، وهذا الشِّعرُ تظهر عليه الركة والتركيب ، وأنه مصنوع ، والله أعلم . استسقاء الرسول وشية ومما يتعلّق بالآيات السماوية في باب دلائل النبوة ، استسقاؤه عليه الصلاة والسلام ربَّه عزَّ وجلَّ لأمته حين تأخر المطر ، فأجابه إلى سؤاله سريعاً ، بحيث لم ينزل عن مِنبره إلا والمطرُ يتحادرُ على لحيته عليه الصلاة والسلام ، وكذلك استصحاؤه . قال البخاري : حدَّثنا عمرو بن عليّ، حدَّثنا أبو قُتيبة، حدَّثنا عبدُ الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، قال : سمعتُ ابنَ عمر يَتمثَّلُ بشعر أبي طالب : وَأبيضَ يُستَسقى الغَمامُ بِوَجِهِهِ ثِمَالُ(٢) اليتامَى عِصمةٌ لِلأَرامِلِ(٣) قال البخاري(٤): وقال عُمر بن حمزة: حدَّثنا سالم، عن أبيه . ربما ذكرتُ قولَ الشاعر وأنا أنظر إلى وجه رسول اللّه ◌َل﴿ يَستسقي، فما ينزلُ حتى يَجيشَ كلُّ ميزاب . وَأَبِيضَ يُستسقَى الغَمَامُ بِوَجِهِهِ ثِمَالُ اليتامَى عِصمَةٌ لِلأرامِلِ وهو قول أبي طالب . تفرد به البخاري . وهذا الذي علَّقه(٥)، قد أسنده ابن ماجه(٦) في ((سننه))، فرواه عن أحمد بن الأزهر، عن أبي النضر ، عن أبي عقيل ، عن عمر بن حمزة عن سالم عن أبيه . وقال البخاري: حدَّثنا محمد - هو ابن سَلام - حدَّثنا أبو ضمرة ، حدَّثنا شَريك بن عبد الله بن أبي نمر ؛ أنه سمع أنس بن مالك يذكر أن رجلاً دخلَ المسجدَ يومَ جمعةٍ من باب كان وِجاهَ المِنبر ، = فوالله ما ندري عليٌّ ما بدا لنا فردّت له أم كان في القوم يوشع (١) الملل والنحل؛ لابن حزم (١/ ١٤٧). (٢) ((ثِمَال)): العماد والملجأ. والمُطعِم والمُغيث والمُعين والكافي. (٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٠٠٨) في الاستسقاء. (٤) رواه البخاري في صحيحه (١٠٠٩) معلقاً . (٥) وقد رواه الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (٣٨٩/٢) بسنده عن الإمام أحمد، حدَّثنا أبو النضر، حدَّثنا أبو عقيل، حدَّثنا عمر بن حمزة .. إلخ، والحديث في المسند (٢/ ٩٣) وزاد فيه : على المنبر . (٦) رواه ابن ماجه في سننه رقم (١٢٧٢) في إقامة الصلاة، باب ما جاء في الدعاء في الاستسقاء، وإسناده ضعيف لضعف عمر بن حمزة، كما قال الحافظ ابن حجر في ((التقريب))، وهو حديث حسن بالذي قبله، ومتن الذي قبله صحيح. ١٣٣ كتاب دلائل النبوة ( استسقاء الرسول بنة ) ورسولُ اللهِ وَلهَ قائمٌ يخطب، فاستقبلَ رسولَ اللهِ وَ لَ قائماً، فقال: يا رسولَ الله هلكتِ الأموال، وتقطّعتِ السُّبل، فادعُ الله لنا يُغيثنا، قال: فرفعَ رسولُ الله ◌َلَه يديه فقال: ((اللهم اسقنا ، اللهم اسقنا ، اللهم اسقنا)) قال أنس : ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قَزَعة ولا شيئاً ، ومابيننا وبين سَلع من بيت ولا دار ، قال : فطلعت من ورائه سحابةٌ مثل الترس ، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت ، قال : والله ما رأينا الشَّمسَ سِتاً ، ثم دخلَ رجلٌ من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ، ورسولُ اللهِ مَّ﴿ قائم يخطب، فاستقبله قائماً، وقال : يا رسولَ الله هلكت الأموال وانقطعت السُّبل ، ادعُ الله يُمسكها ، قال: فرفعَ رسول الله وَّر يديه ثم قال: (( اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال والظّرَاب ومنابت الشجر)) قال : فأقلعت ، وخرجنا نمشي في الشمس . قال شريك : فسألتُ أنساً أهو الرجل الذي سأل أولًا ؟ قال: لا أدري (١). وهكذا رواه البخاريُّ أيضاً ومسلم(٢) ، من حديث إسماعيل بن جعفر ، عن شريك به . وقال البخاري: حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو عَوانة، عن قتادةَ، عن أنس قال: بينما رسولُ اللهِوَيه يخطبُ يومَ جمعة إذ جاء رجل فقال : يا رسول الله فَحَط المطرُ، فادعُ الله أن يسقينا ، فدعا فمُطرنا ، فما كدنا أن نصلَ إلى منازلنا ، فما زلنا نُمطر إلى الجمعة المقبلة ، قال : فقام ذلك الرجل - أو غيرُه ــ فقال: يا رسولَ الله ادعُ الله أن يصرفَه عنا، فقال رسول الله وَّه: (( اللهم حَوالَينا ولا علينا)) قال: فلقد رأيتُ السحابَ يتقطّع يميناً وشِمالًا، يُمطرون ولا تُمطر(٣) المدينة (٤) . تفرد به البخاري من هذا الوجه . وقال البخاري: حدَّثنا عبدُ الله بن مسلمة ، عن مالك، عن شَريك بن عبد الله بن أبي نَمِر ، عن أنس، قال: جاء رجل إلى رسول الله وَل﴿ فقال: هلكتِ المواشي وتقطّعت السُّبل، فادعُ الله، فدعا، فمُطرنا من الجمعة إلى الجمعة ، ثم جاء فقال : تَهذَّمت البيوتُ وتقطّعت السبل وهلكت المواشي ( فادعُ الله أن يُمسكَها(٥) فقال: ((اللهم، على الآكام والظّراب والأودية ومنابت الشجر))، فانجابت عن المدينة انجيابَ الثوب(٦) . وقال البخاري : حدَّثنا محمد بن مُقاتل، حدَّثنا عبد الله، حدَّثنا الأوزاعي ، حدَّثنا إسحاق بن (١) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٠١٣) في الاستسقاء، والظّراب: جمع ظَرِب: وهو الجبل المنبسط ، ليس بالعالي . (٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٠١٤) في الاستسقاء، ومسلم في صحيحه رقم (٨٩٧) في الاستسقاء . (٣) كذا في (أ) وفي البخاري: ولا يُمطر أهل المدينة. (٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٠١٥) في الاستسقاء. (٥) ما بين القوسين أثبته من البخاري . (٦) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٠١٦) في الاستسقاء. ١٣٤ كتاب دلائل النبوة ( استسقاء الرسول ) عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، حدَّثني أنس بن مالك قال: أصابتِ النَّاسَ سَنةٌ على عهد رسول الله مَلآله فبينا رسولُ الله وَلَّ يخطُب على المنبر يوم الجمعة، فقام أعرابيٌّ فقال: يا رسولَ الله هلك المال، وجاعَ العيال ، فادعُ الله أن يسقينَا ، قال: فرفعَ رسول الله وَلَ يديه وما في السماء فَزَعة ، فوالذي نفسي بيده ما وضعَها حتى ثارَ سحابٌ أمثالُ الجبال ، ثم لم ينزل عن مِنبره حتى رأيتُ المطرَ يتحادرُ على لحيته قال : فمُطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد ، والذي يليه إلى الجمعة الأخرى ، فقام ذلك الأعرابي - أو غيره - فقال: يا رسول الله تهدَّم البناء، وغَرِق المالُ، فادعُ الله لنا، فرفعَ رسولُ الله ◌ِ له يديه فقال: ((اللهم حَوالَينا ولا علينا)) قال: فما جعلَ رسولُ الله ◌َّه يُشير بيده إلى ناحية من السماء إلا انفرجت، حتى صارت المدينة في مثل الجَوبَة ، وسال الوادي - وادي قناة - شهراً، ولم يجىء أحدٌ من ناحية إلا حدَّثَ بالجودُ(١) . ورواه البخاري أيضاً في الجمعة ، ومسلم(٢) من حديث الوليد ، عن الأوزاعي . وقال البخاري : وقال أيوب بنُ سليمان: حدَّثني أبو بكر بن أبي أُوَيس ، عن سُليمان بن بلال ، قال : قال يحيى بن سعيد : سمعت أنس بن مالك، قال: أتى (رجلٌ ) أعرابيٌّ من أهل البدو إلى رسول الله ◌َّه يوم الجمعة، فقال: يا رسولَ الله هلكتِ الماشيةُ، هلكَ العيال، هلك الناس ، فرفع رسولُ الله ◌َ لل يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم مع رسول الله وَل يدعون، قال: فما خرجنا من المسجد حتى مُطرنا، فما زلنا نُمطر حتى كانت الجمعة الأخرى، فأتى الرجلُ إلى رسول الله وَ ل ◌َه فقال: يا رسول الله بَشِقَ المسافرُ ومُنع الطريق(٣). قال البخاري : وقال الأوَيسي - يعني عبد الله -: حدَّثني محمد بن جعفر - هو ابن كثير - عن يحيى بن سعيد وشَريك، سمعا أنساً، عن النبي ◌َ﴿ رفعَ يديه حتى رأيتُ بياضَ إبطيه(٤). هكذا علَّق هذين الحديثين ، ولم يسندهما أحد من أصحاب الكتب الستة بالكلية . وقال البخاري : حدَّثنا محمد بن أبي بكر قال : حدَّثنا معتمر ، عن عُبيد الله ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك قال: كان النبيُّ نَّه يَخطب يومَ جُمعة، فقام الناس فصاحوا، فقالوا: يا رسول الله قَحَطَ (١) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٠٣٣) في الاستسقاء. (٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٩٣٣) في الجمعة ، ومسلم في صحيحه رقم (٨٩٧) (٩) في الاستسقاء. و(( الجَوبَة)»: الفجوة، ومعناه تقطّع السحابُ عن المدينة وصار مستديراً حولها ، وهي خالية منه . (٣) ذكره البخاري تعليقاً في صحيحِه رقم (١٠٢٩) في الاستسقاء. وبَشِق المسافر: قلَّ وقيل: ضعف عن السفر وعجز عنه . وقيل : هي مصحفة من لَثقَ أو مشق ، فتح الباري (٢ / ٥١٦) وهو حديث صحيح . (٤) ذكره البخاري في صحيحه رقم (١٠٣٠) في الاستسقاء تعليقاً، وهو متن صحيح، وانظر البخاري رقم (١٠٣١). ١٣٥ كتاب دلائل النبوة ( استسقاء الرسول الخليج ) المَطر، واحمرَّت الشجر، وهلكت البهائمُ، فادعُ الله أن يسقيَنا، فقال: (( اللهم اسقنا )) مرتين ، وايمُ الله ما نرى في السماء قزعة من سحاب ، فنشأت سحابة وأمطرت ، ونزل عن المنبر فصلَّى ، فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها ، فلما قام النبيُّ وَلّه يَخطب صاحوا إليه: تهدمت البيوت، وانقطعت السبل، فادعُ الله يحبسَها عنا، قال: فتبسَّم رسولُ اللهِوَ للهثم قال: « اللهم حوالينا ولا علينا، فتكشَّفت (١) المدينة ، فجعلت تُمطر حولَها ولاتُمطر بالمدينة قطرةً، فنظرتُ إلى المدينة وإنها لفي مثل ١(٢) الإكليل(٢) وقد رواه مسلم(٣) من حديث معتمر بن سليمان ، عن عبيد الله - وهو ابن عمر العمري - به . وقال الإمام أحمد: حدَّثنا ابن أبي عدي، عن حُميد، قال: سُئل أنس: هل كان رسولُ الله وَ ل يَرفع يديه؟ فقال: قيل له يوم جمعة: يا رسول الله! فَحَطَ المطرُ، وأجدبتِ الأرضُ ، وهلَك المالُ ، قال : فرفع یدیه حتی رأیتُ بیاضَ إبطيه ، فاستسقی ، ولقد رفعَ یدیه فاستسقی ، ولقد رفع يديه وما نرى في السماء سحابةً ، فما قضينا الصَّلاةَ حتى إن الشَّابَّ قريب الدَّار(٤) ليهمّه الرجوعُ إلى أهله ، قال: فلما كانت الجمعة التي تليها قالوا : يا رسولَ الله! تهدَّمتِ البيوتُ واحتبست الرُّكبان، فتبسَّم رسولُ الله ◌َّ من سرعة مَلالة ابن آدم، وقال: (( اللهم حوالينا ولا علينا))، قال: فتكشَّطَت عن المدينة . وهذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين ، ولم يخرجوه(٥) . وقال البخاريُّ وأبو داود واللفظ له : حدَّثنا مُسَدَّدٌ ، حدَّثنا حمّاد بن زيد ، عن عبد العزيز بن صُهَيب ، عن أنس بن مالك ، وعن يونس بن عُبيد ، عن ثابت ، عن أنس رضي الله عنه ، قال : أصابَ أهلَ المدينة قَحطٌ على عهد رسول اللهِ وَلَّ، فبينا هو يخطب يوم جمعة؛ إذ قام رجل فقال : يا رسول الله! هلكت الكُراع، هلكت الشاء، فادعُ الله يسقينا ، فمدَّ يدَه ودعا . قال أنس : وإن السماء لمثل الزجاجة ، فهاجت الريح فأنشأت سحاباً ، ثم اجتمع ، ثم أرسلت السماء عَزاليها فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا ، فلم تزل تُمطر إلى الجمعة الأخرى ، فقام إليه ذلك الرجل - أو غيره - فقال : يا رسول الله! تهدَّمت البيوتُ فادعُ الله يحبسه. فتبسَّم رسول الله وَّل ثم قال: (( حوالينا ولا علينا)) فنظرت إلى السحاب يتصدَّع حول المدينة كأنه إكليل (٦) . (١) كذا في (أ) وفي البخاري: فكشَطَت. وفي مسلم: تقشَّعَت ، وهي بمعنى ارتفع الغيم عنها وانكشف وزال. (٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٠٢١) في الاستسقاء. (٣) مسلم في صحيحه رقم (٨٩٧) (١٠) في الاستسقاء . (٤) في المسند : حتى أن قريب الدار الشَّابّ ... (٥) رواه الإمام أحمد في المسند (١٠٤/٣). (٦) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٣٢) في الجمعة و(٣٥٨٢) في علامات النبوة، وأبو داود (١١٧٤) في الصلاة. ١٣٦ كتاب دلائل النبوة ( استسقاء الرسول (الداخلية) فهذه طرق متواترة عن أنس بن مالك ؛ لأنها تُفيد القطعَ عند أئمة هذا الشأن . وقال البيهقيُّ بإسناده من غير وجه إلى أبي مَعمَر سعيد بن خثيم الهِلالي ، عن مسلم الملائي ، عن أنس بن مالك قال: جاء أعرابي فقال: يا رسولَ الله! والله لقد أتيناكَ، وما لنا بعير يَئِطُ(١)، ولا صبيٌّ يَصطبح ، وأنشد : وَقَدِ شُغِلَت أُمُّ الصَّبيِّ عَنِ الطفلِ أَنَيناكَ والعَذراءُ يَدِمِي لُبانُها(٢) مِنَ الجوعِ ضعفاً قائم(٣) وهو لا يُخلي وَألقى بِكَفّيهِ الفَتَى لاستِكانَةٍ سوى الحَنْظَلِ العَامِيِّ والعِلهِ الفَسْلِ (٤) وَلَا شيءَ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ عِندنا وَأَينَ فِرَارُ النَّاس إلا إلى الرُّسل وَلَيسَ لنا إلَّ إليكَ فِرَارُنا قال: فقام رسول الله وَل وهو يجرُّ رداءَه حتى صَعِد المنبرَ فحمد الله وأثنى عليه، ثم رفع يديه نحوَ السماء وقال: ((اللهم اسقنا غيئاً مُغيئاً مَريئاً مَريعاً سريعاً غَدَقاً طَبَقاً، عاجلاً غير رائثٍ ، نافعاً غير ضار ، تملأ به الضرع ، وتُنبت به الزرع ، وتحيي به الأرض بعد موتها ، وكذلك تخرجون )). قال: فوالله ما ردًّ يدَه إلى نحره حتى ألقت السماءُ بأوراقها، وجاء أهلُ البطانة يصيحون: يا رسولَ الله الغرقَ الغرقَ ، فرفع يديه إلى السماء وقال: ((اللهم حوالينا ولا علينا)) فانجابَ السَّحابُ عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل فضحك رسول الله وَّل حتى بدت نواجذه ثم قال: ((لله درّ أبي طالب لو كان حيّاً قرَّت عيناه، مَن يُنشد قولَه؟ )) فقام عليُّ بن أبي طالب فقال : يا رسول الله كأنك أردتَ قوله : ثِمَالُ اليَتَامى عصمَةٌ للأرامِلِ وأبيضَ يُستَسقَى الغَمامُ بوجهِهِ فَهُم عِندَهُ في نِعمَةٍ وَفَواضِلٍ يَلوذُ بِه الهُلَّكُ مِن آل هاشمٍ ولَمَا نُقاتِل دُونَهُ وَنُنَاضِل كَذبتمْ وبَيَتِ الله يُبْزَى مُحَمَّدٌ وَنَذهَل عن أبنائِنا وَالحلائِلِ وَنسلِمُهُ حتَّى نُصوَّعَ حَولَهُ قال : وقام رجل من بني كنانة فقال : = و(( الكراع)) : جماعة الخيل . ((عزاليها)) جمع عُزَلَاء، وهي فم المزادة الأسفل الذي يصب فيه الماء ، والمزادة : الراوية . وهو كناية عن شدة المطر وغزارته ، فكأنه ينزل من السماء كنزوله من أفواه القرب . و((يتصدع)): يتشقق . (١) ((يئط)): يصوِّت. ((لبانَها)» : صدورها . (٢) (٣) كذا في (أ) وفي دلائل النبوة (٦/ ١٤١) من الجوع ضعفاً ما يمرّ ولا يُخلي. (٤) ((الحنظل)): نبات ثمره شديد المرارة، و((العلهز)): دم الشعر، ((الفَسْل)): الرديء. ١٣٧ كتاب دلائل النبوة ( استسقاء الرسول ليلة ) لَكَ الحمدُ والحمدُ مِمَّن شَكَر دَعا الله خَالِقَهُ دَعوةٌ فَلَم يَكُ إلا كلفِّ الرِّدَاءِ دِفَاقُ العَزالَى (٢) عَمَّ الِقَاعَ وكانَ كما قَالَهُ عَمُّهُ سُقينا بوَجِهِ النَّبيِ المَطَرْ إليهِ وأشخصَ مِنهُ البصر وأَسرَعَ حتى رأينا الدِّرَ(١) أغاثَ بهِ الله عَيناً مُضر أبو طالبٍ أبيضٌ ذو غُرَر وهذا العيان كذَاك الخبر بهِ الله يَسقي بِصَوبِ الغَمَامِ فَمَن يَشْكُرِ الله يَلقى المزيدَ ومَن يكفر الله يَلقى الغِيَر قال: فقال رسول الله وَله: ((إن يكَ شاعرٌ يُحسنُ فقد أحسنتَ)(٣) وهذا السياق فيه غرابة ، ولا يُشبه ما قدَّمنا من الروايات الصحيحة المتواترة عن أنس ، فإن كان هذا هكذا محفوظاً فهو قصة أخرى غير ما تقدم ، والله أعلم . وقال الحافظ البيهقي : أخبرنا أبو بكر بن الحارث الأصبهاني، حدَّثنا أبو محمد بن حَيَّالُ(٤) ، حدَّثنا عبد الله بن مصعب ، حدَّثنا عبد الجبار ، حدَّثنا مروان بن معاوية ، حذَّثنا محمد بن أبي ذئب المدني ، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن حاطب الجمحيّ ، عن أبي وَجرَةَ يزيد بن عُبيد السُّلمي ، قال : لما قفلَ رسولُ اللهَ وَّه من غزوة تبوك أتاه وفدُ بني فِزارة بضعة عشر رجلاً، فيهم خارجة بن الحصين ، والحرّ بن قيس - وهو أصغرهم - ابن أخي عُيينة بن حصن ، فنزلوا في دار رملةَ بنت الحارث من الأنصار ، وقدموا على إبل ضِعاف عِجاف، وهم مسنتولُ(٥)، فأتوا رسولَ اللهِوَ لَ مُقرّين بالإسلام، فسألهم رسولُ الله ◌ِّل عن بلادهم قالوا : يا رسول الله، أسنتتْ بلادُنا ، وأجدَبت أحياؤنا، وعَرِيت عيالُنا ، وهلكت مواشينا ، فادعُ ربَّك أن يغيثَنَا، وتشفَّع لنا إلى ربّك ويشفع ربُّك إليك، فقال رسول الله وَّر: ((سبحان الله، ويلك ! هذا ما شفعت إلى ربِّي، فمن ذا الذي يشَفع ربُّنا إليه؟ لا إله إلا الله، وسع كرستُّه السموات والأرض، وهو يَئِطُّ من عظمته وجلاله كما يَئِط٦ُ) الرَّحلُ الجديد ». وقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((إن الله يضحكُ من شفقتكم وأزلكُمُ(٧) وقُربِ غِيَائِكم)). (١) ((الدِّرَر)): المطر المتساقط، و((الدَّر)): الحلب. كذا في الأصل ، وفي دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٦/ ١٤٢): رقاق العوالي جَمُّ البعاق ، وفيه تصحيف ظاهر. (٢) (٣) دلائل النبوة ؛ للبيهقي (١٤١/٦- ١٤٢). (٤) هو أبو الشيخ الأصبهاني . ((مسنتون)) : أي أصابتهم سَنَّة ، وهي الجدب والقحط . (٥) (٦) (( يئط الرَّحل)): يُصوّت . (٧) ((أزْلكم)) : شدتكم. ١٣٨ كتاب دلائل النبوة ( استسقاء الرسول الحالية) فقال الأعرابي : ويضحك ربنا يا رسول الله ؟ قال : نعم ، فقال الأعرابي : لن نعدم يا رسولَ الله من ربّ يضحكُ خيراً، فضحكَ رسولُ اللهِوَلَ من قوله، فقام رسولُ اللهِوَ ◌ّ فِصَعِد المنبرَ وتكلّم بكلام ورفع يديه - وكان رسولُ الله ◌َ ◌ّ لا يرفعُ يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء - ورفعَ يديه حتى رُئي بياضُ إبطيه، وكان مما حُفظ من دعائه: (( اللهم اسق بلدَك وبهائمك، وانشر رحمتَك وأَخْي بلدكَ الميّت ، اللهم اسقنا غَيثاً مُغيئاً مَرِيئا١ً) مَريع٢ً) طبقاً واسعاً عاجلاً غير آجل ، نافعاً غيرَ ضَارّ ، اللهم سقيا رحمةٍ ولا سُقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق ، اللهم اسقنا الغيثَ وانصرنا على الأعداء)). فقام أبو لبابة بن عبد المنذر فقال: يا رسول الله! إن التَّمرَ في المرابد، فقال رسول الله: (( اللهم اسقنا)) فقال أبو لبابة: التمر في المرابد، ثلاث مرات، فقال رسول الله وَّشير: ((اللهم اسقنا حتى يقومَ أبو لبابة عُرِيَانَ فيسدّ ثَعَلَب(٣) مِربده(٤) بإزاره)) قال : فلا والله ما في السماء من قَرْعَةٍ ولا سَحاب ، وما بين المسجد وسَلع من بناء ولا دار ، فطلعت من وراء سلع سحابةٌ مثلُ التُّرس ، فلما توسطتِ السماءَ انتشرت وهم ينظرون ثم أمطرت، فوالله ما رأوا الشمسَ ستاً ، وقام أبو لبابة عُرِيَانَ يسدّ ثعلبَ مِربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه ، فقال رجل: يا رسولَ الله! هلكتِ الأموالُ وانقطعتِ السُّبلُ، فصعِد النبيُّ وََّ الِمِنبرَ فدعا ورفعَ يديه حتى رُئي بياضُ إبطيهِ، ثم قال: (( اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظّراب وبطون الأودية، ومنابتِ الشَّجر )) فانجابت السَّحابة عن المدينة كانجياب الثوب(٥). وهذا السياق يشبه سياق مسلم المُلاَئي عن أنس ، ولبعضه شاهد في سنن أبي داود ، وفي حديث أبي رَزِين العُقَيلي شاهد لبعضه ، والله أعلمُ(٦) . وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في (( الدلائل)): أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن عليّ بن المؤمل ، أخبرنا أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، حدَّثنا محمد بن حمّاد الظّهرَاني ، أخبرنا سهل بن عبد الرحمن المعروف بالسندي بن عبد ربه ، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي أُويس المدني ، عن عبد الرحمن بن حَرمَلة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي لُبابة بن عبد المنذر (١) ((مَريئاً)): عاقبتهُ حميدة. (٢) ((مَريعاً)): خصباً. (( ثعلب)) : مخرج الماء . (٣) ((مربده)) : المربد : المكان الذي يبسط فيه التمر ويجفف . (٤) دلائل النبوة ؛ للبيهقي (١٤٣/٦ - ١٤٤). (٥) (٦) وتقدم أنه قال عن حديث مسلم الملائي أن فيه غرابة ولا يشبه الروايات الصحيحة ، فهذا مثله ، وعبد الله بن محمد بن عمر ذكره الذهبي في الميزان (٢/ ٤٨٣ - ٤٨٤) ونقل عن أبي حاتم قوله فيه ((محله الصدق )) يعني هو تحت الاعتبار ، ثم ذكر الذهبي أنه ليس له شيء في كتب الحديث المعتبرة . ١٣٩ كتاب دلائل النبوة ( استسقاء الرسول النخيل ) الأنصاري قال: استسقى رسولُ اللهِ وَّرِ يومَ جمعة وقال: ((اللهم اسقنا، اللهم اسقنا)) فقام أبو لُبابة فقال: يا رسولَ الله إن الثَّمرَ في المَرَابدِ. وما في السماء من سَحاب نراه، فقال رسول الله وَّ: ((اللهم اسقنا ، حتى يقومَ أبو لبابة يَسدُّ ثَعلَب مِربَده بإزاره)) فاستهلّت(١) السماءُ ومَطرت، وصلَّى بنا رسولُ اللهِوَثّل، فأتى أبا لبابةُ(٢) يقولون له: يا أبا لبابة، إن السَّماءَ والله لن تُقلعَ حتى تقومَ عُريَاناً فتسدَّ ثَعلبَ مِربَدك بإزارك كما قال رسول الله وَّل، قال: فقام أبو لبابة عُريَانَ يَسدُّ ثَعلبَ مِربده بإزاره، فأقلعت السماء (٣) وهذا إسناد حسن ، ولم يروه أحمد ولا أهلُ الكتب ، والله أعلم . وقد وقعَ مثلُ هذا الاستسقاء في غزوة تبوك في أثناء الطريق ؛ كما قال عبد الله بن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن عتبة بن أبي عتبة ، عن نافع بن جبير ، عن عبد الله بن عباس ؛ أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدِّثنا عن شأن ساعة العُسرة ، فقال عمر : خرجنا إلى تبوك في قَيظ شديد، فنزلنا منزلًا وأصابنا فيه عَطشٌ حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، حتى أن كان أحدُنا ليذهبُ فيلتمسُ الرَّحلَ فلا يجده حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، حتى أن الرجل ليَنحرُ بعيره فيعصر فَرته فيشربه ، ثم يجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر الصديق : يا رسول الله! إن الله قد عَوَّدكَ في الدعاء خيراً ، فادعُ الله لنا ، فقال: (( أو تحبُّ ذلك؟)) قال: نعم ، فرفع يديه نحو السماء، فلم يَرجعهما حتى قالت (٤) السماء فأطلّت(٥) ، ثم سكبت ، فملؤوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر(٦) . وهذا إسناد جيد قوي ولم يخرجوه . وقد قال الواقدي (٧) : كان مع المسلمين في هذه الغزوة اثنا عشر ألف بعير ومثلَها من الخيل ، وكانوا ثلاثين ألفاً من المُقاتلة ، قال: ونزل من المطر ماءٌ أغدقَ الأرض حتى صارت الغُدران تسكبُ بعضُها في بعض ، وذلك في حمأة القيظ - أي : شدة الحر البليغ - فصلوات الله وسلامه عليه . وكم له عليه الصلاة والسلام من مثل هذا في غير ما حديث صحيح ، ولله الحمد . وقد تقدم أنه لما دعا على قريش حين استعصت ؛ أن يُسَلِّطَ الله عليها سَبعاً كسبع يوسف ، فأصابتهم (١) كذا بالأصل ، وفي دلائل النبوة : فأسبَلت . في الدلائل : ثم طاف الأنصار بأبي لبابة يقولون ... (٢) (٣) دلائل النبوة؛ للبيهقي (١٤٤/٦ _ ١٤٥). (٤) ((قالت السماء)): امتلأت بالغيوم. ((فأطلّت)) : تهيأت للهطول . (٥) (٦) رواه البزار رقم (١٨٤١). (٧) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد (١٦٦/٢). ١٤٠ كتاب دلائل النبوة ( فصل : وأما المعجزات الأرضية ) سنة حَصَّت(١) كلَّ شيء حتى أكلوا العظام والكلاب والعِلْهز ، ثم أتى أبو سفيان يشفع عنده في أن يدعوَ الله لهم ، فدعا لهم ، فرُفِعَ ذلك عنهم . وقد قال البخاري : حدَّثنا الحسن بن محمد ، حدَّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدَّثنا أبي عبد الله بن المثنى ، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس ، عن أنس بن مالك ؛ أن عمر بن الخطاب كان إذا قُحطوا استسقى بالعباس ، وقال : اللهم إنا كُنّا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، قال : فيُسقوط(٢) . تفرد به البخاري . فصل وأما المعجزات الأرضية فمنها ما هو متعلّق بالجمادات ، ومنها ما هو متعلّق بالحيوانات ، فمن المتعلّق بالجمادات : تكثيرُه الماءَ في غير ما موطن على صفات متنوعة سنوردُها بأسانيدها إن شاء الله ، وبدأنا بذلك لأنه أنسبُ باتّباع ما أسلفنا ذكرَه من استسقائه وإجابة الله له . قال البخاري(٣) حدَّثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك، قال: رأيتُ رسولَ الله وَه وحانت صلاةُ العصرِ، والتمسَ النَّاسُ الوضوءَ فلم يجدوه ، فأتى رسولُ اللهِ وَّهَ بوضوء، فوضع رسول الله وَلِ يدَه في ذلك الإناء، فأمرَ النَّاسَ أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماءَ ينبعُ من تحت أصابعه ، فتوضأ النَّاسُ حتى توضؤوا من عند آخرهم . وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي(٤) ، من طرق ، عن مالك ، به . وقال الترمذي : حسن صحيح . طريق أخرى عن أنس: قال الإمام أحمد(٥): حدَّثنا يونس بن محمد، حدَّثنا حزم ، سمعت الحسن يقول: حدَّثنا أنس بن مالك: أن رسول الله بَّهُ خرجَ ذاتَ يوم لبعضٍ مخارجه معه ناس من أصحابه ، فانطلقوا يَسيرون ، فحضرت الصلاة ، فلم يجد القومُ ماءً يتوضؤون به ، فقالوا : يا رسول الله ! ما نجدُ ما نتوضأ به ، ورأى في وجوه أصحابه كراهيةَ ذلك ، فانطلقَ رجلٌ من القوم فجاء بقدح من ماءٍ يسير ، (١) ((حصَّت)): أتلفت. (٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٠١٠) في الاستسقاء. (٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٦٩) في الوضوء . (٤) رواه مسلم رقم (٢٢٧٩) في الفضائل وفي الطهارة ، والنسائي في سننه (١/ ٦٠) في الطهارة ، والترمذي في الجامع رقم (٣٦٣١) في المناقب . (٥) في المسند (٢١٦/٣) .