Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ كتاب الشمائل ( فصل : فيما يذكر من صفاته في الكتب المأثورة ... ) لهم فيه تماثيل وصور ، فقالوا لي : انظر هل ترى صورةَ هذا النبيّ الذي بُعث فيكم ؟ فنظرتُ فلم أرَ صورتَه ، قلتُ : لا أرى صورتَه ، فأدخلوني دَيراً أكبرَ من ذلك الدَّير ، فإذا فيه تماثيلُ وصورٌ أكثرُ مما في ذلك الدَّير، فقالوا لي: انظر هل ترى صورتَه؟ فنظرتُ فإذا أنا بصفة رسول الله ﴿ وصورتِه ، وإذا أنا بصفةِ أبي بكر وصورتِه، وهو آخذ بعَقب رسول الله وَله. فقالوا لي: هل ترى صفتَه؟ قلتُ : نعم ، قالوا : هو هذا؟ - وأشاروا إلى صفة رسول الله وَ له - قلت: اللهم نعم، أشهدُ أنه هو. قالوا: أتعرفُ هذا الذي آخذٌ بعقبِهِ ؟ قلتُ : نعم ، قالوا : نشهدُ أن هذا صاحبُكم ، وأن هذا الخليفةُ من بعده(١) ورواه البخاري(٢) في ((التاريخ))، عن محمد غير منسوب، عن محمد بن عمر هذا بإسناده ، فذكره مختصراً ، وعنده فقالوا : إنه لم يكن نبيٌّ إلَّ بعدَه نبيٌّ إلَّ هذا النبيّ. وقد ذكرنا في كتابنا (( التفسير (٣) عند قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ الَّذِينَ يَشَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىّ الْأُقِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَآلْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم ◌ِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾ الآية [ الأعراف: ١٥٧] ذكرنا ما أورده البيهقي وغيره، من طريق أبي أمامةَ الباهِليّ ، عن هشام بن العاص الأمويّ ، بُعثتُ أنا ورجلٌ من قريش إلى هرقلَ صاحب الرومِ ندعوه إلى الإسلام ، فذكرَ اجتماعهم به وأن غرفتَه تَنَغَّضَت حين ذكروا الله عز وجل ، فأنزلَهم في دار ضيافته ثم استدعاهم بعد ثلاث ، فدعا بشيء نحو الرَّبعة العظيمة فيها بيوت صِغارٌ عليها أبواب ، وإذا فيها صورُ الأنبياء ممثلة في قِطَعِ من حرير ، من آدمَ إلى محمدٍ صلواتُ الله عليهم أجمعين ، فجعلَ يُخرج لهم واحداً واحداً ويُخبرهم عنه ، وأخرجَ لهم صورةً آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم تعجّل إخراجَ صورة رسول الله وَّر، قال: ثم فتح باباً آخرَ فإذا فيها صورةٌ بيضاء، وإذا رسولُ اللهِ وَّه، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمّدٌ رسولُ الله، قال: ويَكينا، قال : والله يعلمُ أنه قامَ قائماً ثم جلس وقال : والله إنه لهو ؟ قلنا : نعم إنه لهو كما ننظرُ إليه ، فأمسكَ ساعةً ينظر إليها ثم قال : أما إنه كان آخر البيوت ، ولكني عجَّلته لكم لأنظرَ ما عندكم . ثم ذكر تمامَ الحديث في إخراجه بقيّة صور الأنبياء وتعريفه إياهما بهم ، وقال في آخره : قلنا له : من أين لك هذه الصور ؟ لأنا نعلم أنها على ما صُوِّرت عليه الأنبياءُ عليهم السلام ، لأنا رأينا صورةً نبيّنا عليه السلام مثلَه، فقال : إن آدمَ عليه السلام سألَ ربَّه الأنبياءَ من ولدِه ، فأنزلَ عليه صورَهم ، فكانت في خزانة آدم عليه السلام عند مغرب الشمس ، فاستخرجَها ذو القرنين من مغرب الشمس ، فدفعها إلى دانيال ، ثم قال : أما والله إن نفسي طابت بالخروج من مُلكي، وأني كنتُ عبداً لا يتر٤ُ) ملكَه حتى أموت . (١) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٣٨٤/١ _ ٣٨٥) وإسناده ضعيف. (٢) التاريخ الكبير؛ للبخاري (١٧٩/١/١) وإسناده ضعيف . تفسير القرآن العظيم ؛ لابن كثير (٥٦٤/٣ - ٥٦٧). (٣) (٤) في (أ) والمطبوع: وأني كنت عبداً لأشركم ملكة . والتصحيح من دلائل النبوة . ١٠٢ كتاب الشمائل ( فصل : فيما يذكر من صفاته في الكتب المأثورة ... ) قال : ثم أجازنا فأحسنَ جائزتَنا وسرَّحَنا ، فلما أتينا أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، حدَّثناه بما رأينا ، وماقال لنا وماأجازنا ، قال : فبكى أبو بكر فقال : مسكين ، لو أراد الله به خيراً لفعل ، ثم قال : أخبرَنا رسولُ الله ◌ِّل أنهم واليهود يجدون نعتَ محمّدٍ مَّ عندَهم (١). وقال الواقدي : حدَّثني علي بن عيسى الحكيمي عن أبيه ، عن عامر بن ربيعة ، قال : سمعتُ زيدَ بن عمرو بن نُفيل يقول : أنا أنتظرُ نبياً من ولد إسماعيل ، ثم من بني عبد المطلب ، ولا أراني أدركُه ، وأنا أؤمن به وأصدّقه وأشهدُ أنه نبي(٢)، فإن طالت بك مدة فرأيتَه فأقرئه مني السَّلام، وسأخبرك ما نعتُه، حتى لا يَخفى عليك . قلتُ : هلمَّ ، قال : هو رجلٌ ليس بالطويل ولا بالقصير ، ولا بكثير الشعر ولا بقليله ، وليست تُفارِقُ عينيه حمرةٌ ، وخاتَمُ النُّبوة بين كتفيه، واسمه أحمد ، وهذا البلد مولدُه ومبعثُه ، ثم يُخرجه قومه منها ، ويَكرهون ما جاء به حتى يُهاجِرَ إلى يثربَ فيظهر أمرُه ، فإياك أن تُخدعَ عنه فإني طِفْتُ البلادَ كلَّها أطلبُ دينَ إبراهيم ، فكلُّ من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون : هذا الدين وراءَك (٣) ، وينعتُونه مثلَ ما نعتُه لك ، ويقولون : لم يبق نبيٌّ غيره . قال عمر بن ربيعة: فلما أسلمتُ أخبرتُ النبيَّ وَّرَ قولَ زيد بن عمرو بن نُفيل وأقرأْتُه منه السَّلام، فردَّ عليه السلام وتَرحم عليه ، وقال: ((قد رأيتُه في الجنّة يَسحبُ ذُولاً)(٤) . (١) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٣٨٥/١ - ٣٩٠) وهو حديث حسن. (٢) في المطبوع : وأشهد برسالته . (٣) في المطبوع : وذاك . والتصحيح من (أ) والطبقات . (٤) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد (١٢٨/١) وإسناده ضعيف. ١٠٣ كتاب دلائل النبوة كتاب دلائل النبوة وهي معنوية وحسيّة : فمن المعنوية إنزال القرآن العظيم عليه، وهو أعظمُ المعجزات ، وأبهرُ الآيات ، وأبينُ الحُججِ الواضحات ؛ لما اشتملَ عليه من التركيب المعجِز الذي تحدَّى به الإنسَ والجِنَّ أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك ، مع توافر دواعي أعدائه على معارضتِهِ ، وفصاحتهم وبلاغتهم ، ثم تحدَّاهم بعشر سورٍ منه فعجزوا ، ثم تنازل إلى التحدي بسورة مِن مِثله ، فعجزوا عنه وهم يعلمون عجزَهم وتقصيرَهم عن ذلك، وأنَّ هذا ما لا سبيلَ لأحد إليه أبداً ، قال الله تعالى: ﴿قُل لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَالْجِنّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا﴾ [ الإسراء: ٨٨]. وهذه الآية مكية . وقال في سورة الطور وهي مكّة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَقَوَّهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ: إِن كَانُواْ صَدِقِينَ ﴾ [ الطور: ٣٣ - ٣٤]. أي: إن كنتم صادقين في أنه قاله من عنده ، فهو بشر مثلكم ، فائتوا بمثل ما جاء به فإنكم مثله. وقال تعالى في سورة البقرة - وهي مدنية - معيداً للتحدي: ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَافَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُوا فَأَتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ -٢٤] وقال تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ اقْتَرَنَهُ قُلْ فَأَتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُوْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُتُمْ صَدِّقِينَ ﴿ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَأَعْلَمُواْأَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣ - ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيِقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ اُلْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧] ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُمُ صَدِقِينَ ﴿٢َ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّلِينَ﴾ [يونس: ٣٨ -٣٩]. فبَيَّن تعالى أن الخلقَ عاجزون عن معارضة هذا القرآن ، بل عن عشر سور مثله ، بل عن سورة منه ، وأنهم لا يستطيعون ذلك أبداً ، كما قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ [البقرة: ٢٤]. أي: فإن لم تفعلوا في الماضي ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل ، وهذان تحدِّيَالُ(١) ، وهو أنه لا يمكن معارضتُهم له لا في الحال ولا في المآل ، ومثل هذا التحدي إنما يصدرُ عن وائقٍ بأنَّ ما جاءَ به لا يُمكن للبشر معارضتُه ولا الإتيان بمثله ، ولو كان من متقول (١) في المطبوع: وهذا تحدَّ ثان . وهو تصحيف ظاهر . ١٠٤ كتاب دلائل النبوة من عِند نفسه لخاف أن يُعارض ، فيُفتضح ويعود عليه نقيضُ ما قصده من متابعة الناس له ، ومعلومٌ لكل ذي لبّ أن محمداً صلوات الله وسلامه(١) عليه من أعقلِ خلق الله، بل أعقلُهم وأكملُهم على الإطلاق في نفس الأمر ، فما كان ليُقدمَ على هذا الأمر إلا وهو عالم بأنه لا يمكن معارضته ، وهكذا وقع ، فإنه من لدنِ رسول الله وَّ وإلى زماننا هذا لم يستطع أحدٌ أن يأتيَ بنظيره ولا نظيرِ سورةٍ منه، وهذا لا سبيلَ إليه أبداً ، فإنه كلامُ ربّ العالمين الذي لا يُشبهُه شيءٌ من خلقه لا في ذاته ولا في صفاتِه ولا في أفعاله ، فأنَّى يُشبه كلامُ المخلوقين كلامَ الخالق؟ وقول كفار قريش الذي حكاه تعالى عنهم في قوله: ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُّنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَاْ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [ الأنفال: ٣١] كذبٌ منهم ودعوى باطلة بلا دليل ولا برهان ولا حجّة ولابيان ، ولو كانوا صادقين لأتوا بما يُعارضه ، بل هم يعلمون كذبَ أنفسهم، كما يعلمون كذبَ أنفسهم في قولهم: ﴿ وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦]. أي: أنزله عالم الخفيات، ربّ الأرض والسموات، الذي يعلمُ ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ، فإنه تعالى أوحى إلى عبده ورسوله النبيّ الأميّ الذي کان لا يُحسن الكتابة ولا يَدريها بالكلية ، ولا يعلمُ شيئاً من علم الأوائل وأخبار الماضين ، فقصَّ الله عليه خبرَ ما كان وما هو كائن على الوجه الواقع سواء بسواء ، وهو في ذلك يفصلُ بين الحقّ والباطل الذي اختلفت في إيراده جملةُ الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: ﴿ِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَآ أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَأَصْبِرٌّ إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] وقال تعالى: ﴿ وَأَنَزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. الآية وقال تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِنٍَ وَلَا تَّخُلُهُ بِمِينِكٌَ إِذَا لَّأَ رْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ( بَلْ هُوَ ءَايَتُ بِبِنَتُ فِىِ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَّ وَمَا يَحْحَدُ ◌َِايَتِنَآ إِلَّ الظَّالِمُونَ (١) وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَـ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ مِّن رَبّةِ، قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللّهِ وَإِنَّمَا أَنْ نَذِيٌِّ مُِّينُ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًاً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوْنِ وَالْأَرْضِ ◌ّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ اُلْخَسِرُونَ﴾ [ العنكبوت: ٤٨ -٥٢] فبيَّن تعالى أن نفس إنزال هذا الكتاب المشتمل على علم ما كان وما يكون ، وحكم ما هو كائن بين الناس، على مثل هذا النبيّ الأمي وحده، كان من الدلالة على صدقه، وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَانُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا آتْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلَهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآَى نَفْسِّ إِنْ أَنَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَىٌَّ إِّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢) قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ, عَلَيَكُمْ وَلَّ أَدْرَنَكُمْ (١) في المطبوع: وَلهم. ١٠٥ كتاب دلائل النبوة بِهِ، فَقَدْ لَبِئْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ: أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١) فَمَنْ أَظْلَمُ مِقَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ رِئَايَتِّهِ: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [ يونس: ١٥ - ١٧]. يقول لهم : إني لا أُطيق تبديلَ هذا من تلقاء نفسي ، وإنما الله عزَّ وجلَّ هو الذي يمحو ما يشاء ويُثبت ، وأنا مبلّغ عنه وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به ، لأني نشأت بين أظهركم وأنتم تعلمون نسبي وصدقي وأمانتي ، وأني لم أكذب على أحد منكم يوماً من الدهر ، فكيف يَسعني أن أكذبَ على الله عزّ وجلّ ، مالك الصُّر والنفع ، الذي هو على كل شيء قدير ، وبكل شيء عليم ؟ وأي ذنب عنده أعظم من الكذب عليه ، ونسبة ما ليس منه إليه ، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ إِ ◌ٍلَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَقِينَ (١)] فَمَا مِنْكُرُ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ﴾ [ الحاقة: ٤٤ -٤٧]. أي : لو كذبَ علينا لانتقمنا منه أشدَّ الانتقام ، وما استطاع أحدٌ من أهل الأرض أن يحجزَنا عنه ويمنعنا منه . وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًّا أَوْ قَالَ أُوْحِىَ إِلَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ الْوَّتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُوْ أَبْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَلِهِ، تَسْتَكْبُونَ﴾ [ الأنعام: ٩٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُ شَىْءٍ أَكَبُرُ شَهَدَةٌ قُلِ اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [ الأنعام : ١٩ ] . وهذا الكلام فيه الإخبار بأن الله شهيدٌ على كل شيء ، وأنه تعالى أعظمُ الشهداء ، وهو مطلع عليّ وعليكم فيما جئتكم به عنه ، وتتضمن قوة الكلام قَسَماً به أنه قد أرسلني إلى الخلق لأنذرهم بهذا القرآن ، فمن بلغه منهم فهو نذير له ، كما قال تعالى: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَتَكُ فِى مِرْيَةِ مِنَةً إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [ هود: ١٧]. ففي هذا القرآن من الأخبار الصادقة عن الله وملائكته وعرشه ومخلوقاته العلوية والسفلية كالسموات والأرضين وما بينهما وما فيهن ، أمور عظيمة كثيرة مبرهنة بالأدلة القطعية المرشدة إلى العلم بذلك من جهة العقل الصحيح . كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] وقال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [ العنكبوت: ٤٣] وقال تعالى: ﴿ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى ◌ِوَجَ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ [ الزمر : ٢٧ -٢٨ ] وفي القرآن العظيم الإخبار عما مضى على الوجه الحق ، وبرهانه ما في كتب أهل الكتاب من ذلك ١٠٦ كتاب دلائل النبوة شاهداً له ، مع كونه نزل على رجل أمّيٍّ لا يعرفُ الكتابة ولم يُعَانِ يوماً من الدهر شيئاً من علوم الأوائل ، ولا أخبار الماضين ، فلم يفجأ الناس إلا بوحي إليه عما كان من الأخبار النافعة ، التي ينبغي أن تُذكر للاعتبار بها من أخبار الأمم مع الأنبياء ، وما كان منهم من أمورهم معهم، وكيف نجَّى الله المؤمنين وأهلك الكافرين ، بعبارة لا يستطيع بشر أن يأتي بمثلها أبد الآبدين ، ودهرَ الداهرين . ففي مكان تُقصُّ القِصَّة موجزة في غاية البيان والفصاحة ، وتارة تُبسط ، فلا أحلى ولا أجلى ولا أعلى من ذلك السياق ، حتى كأنَّ التالي أو السامع مشاهد لما كان ، حاضر له ، معاين للخبر بنفسه ، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِحَانِبٍ اُلُطُورِ إِذْنَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّكَ لِتُنذِرَ قَوْمَامَّآ أَنَهُمْ مِن تَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦] وقال تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وقال تعالى في سورة يوسف: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَ جْمَعُوْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَتْكُرُونَ ﴿ وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿ وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٢ - ١٠٤] إلى أن قال في آخرها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِّ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [ يوسف : ١١١ ] . وقال تعالى: ﴿ وَقَالُوْ لَوْلَا يَأْتِنَا بِتَايَةٍ مِّن رَّبِهِ، أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِيِنَةُ مَا فِ الصُّحُفِ اَلْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُ بِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ ءَايَئِنَا فِىِ الَّفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِیدُ [ فصلت: ٥٢ - ٥٣ ] . وعدَ تعالى أنه سيُظهر آيات القرآن وصدقه ، وصدق ما جاء به ، بما يخلقه في الآفاق من الآيات الدالة على صدق هذا الكتاب ، وفي أنفس المنكرين له المكذبين ما فيه حجة عليهم وبرهان قاطع لشبههم ، حتى يستيقنوا أنه منزل من عند الله على لسان الصادق . ثم أرشد إلى دليل مستقل بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]. أي: في العلم بأن الله يطّلع على هذا الأمر كفاية في صدق هذا المخبر عنه ، إذ لو كان مفترياً عليه لعاجلَه بالعقوبة البليغة كما تقدم بيان ذلك . وفي هذا القرآن إخبار عما وقع في المستقبل طبق ما وقع سواء بسواء ، وكذلك في الأحاديث حسب ما قررناه في كتابنا ((التفسير))(١) وماسنذكره من الملاحم والفتن؛ كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُم (١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٤٣٩/٤). ١٠٧ كتاب دلائل النبوة غَرْضَىِّ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ المزمل: ٢٠] وهذه السورة من أوائل ما نزل بمكة . وكذلك قوله تعالى في سورة اقتربت، وهي مكية بلا خلاف: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الذُّبُرَ ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴾ [ القمر: ٤٥ -٤٦] وقعَ مصداق هذه الهزيمة يومَ بدر بعد ذلك . إلى أمثال هذا من الأمور البيّنة الواضحة ، وسيأتي فصلٌ فيما أخبر به من الأمور التي وقعت بعده عليه الصلاة والسلام طبقَ ما أخبر به . وفي القرآن الأحكام العادلة أمراً ونهياً ، المشتملة على الحكم البالغة التي إذا تأملها ذو الفهم والعقل الصحيح قطع بأن هذه الأحكام إنما أنزلها العالم بالخفيات ، الرحيم بعباده ، الذي يعاملهم بلطفه ورحمته، وإحسانه، قال الله تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدَّلَا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي : صدقاً في الأخبار ، وعدلاً في الأوامر والنواهي، وقال تعالى: ﴿الَّرْ كِتَبُّ أُخْكِمَتْ ءَُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِرٍ خَبِيرٍ﴾ [ هود: ١] أي: أحكمت ألفاظه وفصلت معانيه، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ اُلْحَقِّ﴾ [ الفتح: ٢٨]، أي العلم النافع والعمل الصالح . وهكذا رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أنه قال لكُمَيل بن زياد : هو كتابُ الله ، فيه خبرُ ما قبلكم ، وحكمُ ما بينكم، ونبأ ما بعدكم. وقد بسطنا هذا كله في كتابنا (( التفسير (١) بما فيه كفاية(٢) فالقرآن العظيم معجز من وجوه كثيرة : في فصاحته ، وبلاغته ، ونَظمه ، وتراكيبه ، وأساليبه ، وما تضمنه من الأخبار الماضية والمستقبلة ، وما اشتمل عليه من الأحكام الجلية ، والتحدّي ببلاغة ألفاظه يخصُّ فصحاء العرب ، والتحدي بما اشتمل عليه من المعاني الصحيحة الكاملة - وهي أعظم في التحدي عند كثير من العلماء - يعمُّ جميعَ أهل الأرض، من الملّتينُ(٣) أهل الكتابين ، وغيرهم من عقلاء اليونان والهند والفرس والقبط ، وغيرهم من أصناف بني آدم في سائر الأقطار والأمصار . وأما من زعم من المتكلمين(٤) أن الإعجاز إنما هو من صَرف دواعي الكفرة عن معارضته مع إنكار ذلك ، أو هو سلبُ قدرتهم على ذلك ، فقولٌ باطل، وهو مُفَرٌّ على اعتقادهم أن القرآن مخلوق ، خلقه الله في بعض الأجرام ، ولا فرق عندهم بين مخلوق ومخلوق ، وقولُهم هذا كفر وباطل ، وليس (١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢٠١/٤). (٢) في المطبوع زيادة : فلله الحمد والمنّة . (٣) (( الملّتين)): اليهود والنصارى . (٤) هو إبراهيم النَّظَّام من المعتزلة . ١٠٨ كتاب دلائل النبوة مطابقاً لما في نفس الأمر ، بل القرآن كلامُ الله غير مخلوق ، تكلَّم به كما شاء تعالى وتقدَّس وتنزه عما يقولون علواً كبيراً ، فالخَلقُ كلُّهم عاجزون حقيقة وفي نفس الأمر عن الإتيان بمثله ولو تعاضدوا وتناصروا على ذلك ، بل لا تقدر الرسلُ الذين هم أفصحُ الخلق وأكملُهم ، أن يتكلموا بمثل كلام الله . وهذا القرآن الذي يبلّغُه الرسولُ وَله عن الله، أسلوبُ كلامه لا يُشبه أساليبَ كلام رسول الله وَّل ، وأساليبُ كلامه عليه الصلاة والسلام المحفوظة عنه بالسند الصحيح إليه ، لا يقدر أحد من الصحابة ولا من بعدهم أن يتكلم بمثل أساليبه في فصاحته وبلاغته ، فيما يرويه من المعاني بألفاظه الشريفة ، بل وأسلوبُ كلام الصحابة أعلى من أساليب كلام التابعين ، وهلم جراً إلى زماننا . وعلماء السلف أفصحُ وأعلمُ ، وأقل تكلفاً ، فيما يرونه من المعاني بألفاظهم من علماء الخلف ، وهذا يَشهده من له ذوق بكلام الناس ، كما يُدرك تفاوتَ ما بين أشعار العرب في زمن الجاهلية ، وبين أشعار المولّدين الذين كانوا بعد ذلك . ولهذا جاء الحديثُ الثابت في هذا المعنى، وهو فيما رواه الإمام أحمد قائلا١ً) : حدَّثنا يونسُ وحجّاج، حدَّثنا ليث، حدَّثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله وَ لَّه قال: (( ما من الأنبياء نبيٌّ إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وَحياً أوحاه الله إليّ ، فأرجو أن أكونَ أكثَرهم تابعاً يومَ القيامة )) . وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الليث بن سعد به (٢). ومعنى هذا أن الأنبياء عليهم السلام كل منهم قد أُوتي من الحجج والدلائل على صدقه وصحة ما جاء به عن ربه ما فيه كفاية وحجة لقومه الذين بُعث إليهم ، سواء آمنوا به ففازوا بثواب إيمانهم ، أو جحدوا فاستحقوا العقوبة، وقوله: ((وإنما كان الذي أوتيت)) أي: جلّه وأعظمه، الوحي الذي أوحاه إليه ، وهو القرآن ، الحجّة المستمرة الدائمة القائمة في زمانه وبعده ، فإن البراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم ، ولم يبق منها إلا الخبر عنها، وأما القرآن فهو حجة قائمة كأنما يسمعُه السامعُ من في رسول الله وَل، فحجة الله قائمة به في حياته عليه الصلاة والسلام وبعد وفاته، ولهذا قال: ((فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)) أي: لاستمرار ما آتاني الله من الحجّة البالغة والبراهين الدامغة ، فلهذا يكون يوم القيامة أكثرَ الأنبياء تبعاً . (١) في المسند (٣٤١/٢). (٢) البخاري في صحيحه رقم (٤٨٩١) في فضائل القرآن، ومسلم في صحيحه رقم (١٥٢) في الإيمان. ١٠٩ كتاب دلائل النبوة ( فصل : من الدلائل المعنوية ) فصل من الدلائل المعنوية ومن الدلائل المعنوية أخلاقُه عليه الصلاة والسلام الطاهرة ، وخلقُه الكامل ، وشجاعته وحِلمه ، وكرمه وزهده ، وقناعته وإيثاره ، وجميل صحبته ، وصدقه وأمانته ، وتقواه وعبادته ، وكرم أصله . وطيب مولده ومنشئه ومربَاه ؛ كما قدمناه مبسوطاً في مواضعه ، وما أحسن ما ذكره شيخُنا العلامة أبو العباس بن تيمية رحمه الله في كتابه الذي ردَّ فيه على فِرق النصارى واليهود وما أشبههم من أهل الكتاب وغيرهم ، فإنه ذكر في آخره دلائل النبوة ، وسلكَ فيها مسالك حسنة صحيحة منتِجة ، بكلام بليغ يخضَعُ له كلُّ من تأمله وفهمه . قال في آخر هذا الكتاب المذكور : فصل : وسيرة الرسول وَ ل ل وأخلاقه وأقوالُه وأفعاله من آياته ، أي : من دلائل نبوته . قال : وشريعته من آياته ، وأمته من آياته ، ودينهم من آياته ، وكراماتُ صالحي أمته من آياته ، وذلك يَظهر بتدبر سيرته من حين وُلد إلى أن بُعث ، ومن حين بُعث إلى أن مات ، وتدبُّر نسبه وبلده وأصله وفصله . فإنه كان من أشرف أهل الأرض نسباً ، من صميم سلالة إبراهيم الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب ، فلم يأت بعد إبراهيم نبيٌّ إلا من ذريته ، وجعل الله له ابنين : إسماعيل وإسحاق ، وذكر في التوراة هذا وهذا ، وبشَّر في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل ، ولم يكن من ولد إسماعيل من ظَهر فيه ما بَشَّرَت به النبوات غيره ، ودعا إبراهيمُ لذرية إسماعيل بأن يبعث الله فيهم رسولاً منهم . ثم الرسولُ وَ﴾ من قريش صفوة بني إبراهيم ، ثم من بني هاشم صفوة قريش، ومن مكة أُمّ القرى ، وبلد البيت الذي بناه إبراهيمُ ودعا الناسَ إلى حجّه ، ولم يزل مَحجوجاً من عهد إبراهيم ، مذكوراً في كتب الأنبياء بأحسن وصف . وكان ◌َلٍّ من أكمل الناس تربية ونشأة، لم يزل معروفاً بالصدق والبر والعدل ، ومكارم الأخلاق ، وترك الفواحش والظلم ، وكلِّ وصف مذموم ، مَشهوداً له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة ، ومن آمن به ومن كفر بعد النبوة ، ولا يُعرف له شيءٌ يُعاب به لا في أقواله ولا في أفعاله ولا في أخلاقه ، ولا جرت عليه كِذبة قط ، ولا ظلم ولا فاحشة . وقد كان ◌َ له خلقه وصورته من أحسن الصُّور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله، وكان أمّياً من قوم أمّيين ، لا يعرف هو ولا هم ما يعرفه أهل الكتاب من التوراة والإنجيل ، ولم يقرأ شيئاً من علوم الناس ، ولا جالسَ أهلها، ولم يدَّع نبوة إلى أن أكمل الله له أربعين سنة ، فأتى بأمر هو أعجبُ الأمور ١١٠ كتاب دلائل النبوة ( فصل : من الدلائل المعنوية ) وأعظمُها ، وبكلام لم يَسمع الأولون والآخرون بنظيره ، وأخبرَ بأمر لم يكن في بلده وقومه من يعرف مثله . ثم اتَّبَعه أتباعُ الأنبياء ، وهم ضعفاء الناس ، وكذَّبَه أهلُ الرياسة وعادوه ، وسعَوا في هلاكه وهلاك من اتبعه بكل طريق ، كما كان الكفار يفعلون بالأنبياء وأتباعهم . والذين اتَّبعُوه لم يتبعوه لرغبة ولا لرهبة ، فإنه لم يكن عنده مال يُعطيهم ولا جِهاتٌ يولّيهم إياها ، ولا كان له سيف، بل كان السيفُ والجاهُ والمالُ مع أعدائه ، وقد آذَوا أتباعَه بأنواع الأذى وهم صابرون محتسبون ، لا يرتدون عن دينهم ، لما خالط قلوبهم من حلاوة الإيمان والمعرفة . وكانت مكة يحجُّها العربُ من عهد إبراهيم ، فيجتمع في الموسم قبائل العرب ، فيخرج إليهم يبلّغهم الرسالةَ ، ويدعوهم إلى الله صابراً على ما يلقاه من تكذيب المكذب ، وجفاء الجافي ، وإعراض المعرض ، إلى أن اجتمع بأهل يثربَ وكانوا جيران اليهود ، وقد سمعوا أخباره منهم وعرفوه ، فلما دعاهم علموا أنه النبيُّ المنتظر الذي يُخبرهم به اليهود ، وكانوا سمعوا من أخباره أيضاً ما عَرفوا به مكانته ، فإن أمره كان قد انتشر وظهر في بضع عشرة سنة ، فآمنوا به وبايعوه على هجرته وهجرة أصحابه إلى بلدهم ، وعلى الجهاد معه ، فهاجر هو ومن اتّبعَه إلى المدينة ، وبها المهاجرون والأنصار ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية ، ولا برهبة إلا قليلاً من الأنصار أسلموا في الظاهر ثم حَسُن إسلام بعضهم ، ثم أذن له في الجهاد ، ثم أُمر به . ولم يزل قائماً بأمر الله على أكمل طريقة وأتمِّها ، من الصدق والعدل والوفاء ، لا يُحفظ له كِذبة واحدة ، ولا ظلمٌّ لأحد ، ولا غدر بأحد ، بل كان أصدقَ الناس وأعدلَهم ، وأوفاهم بالعهد مع اختلاف الأحوال ، من حرب وسلم ، وأمن وخوف ، وغِنَّى وفقر ، وقدرة وعجز ، وتمكّن وضعف ، وقلّة وكثرة ، وظهور على العدو تارة ، وظهور العدو تارة . وهو على ذلك كلِّه لازمٌ لأكمل الطرق وأتمها ، حتى ظهرت الدعوةُ في جميع أرض العرب التي كانت مملوءةً من عبادة الأوثان ، ومن أخبار الكُهّان ، وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق ، وسفك الدماء المحرّمة ، وقطيعة الأرحام ، لا يَعرفون آخرة ولا مَعاداً، فصاروا أعلمَ أهل الأرض وأدينَهم وأعدلَهم وأفضلَهم ، حتى أن النصارى لما رأوهم حين قدموا الشام قالوا : ما كان الذين صَحِبوا المسيحَ أفضلَ من هؤلاء . وهذه آثارُ علمهم وعملهم في الأرض وآثار غيرهم ؛ تعرفُ العقلاء فرقَ ما بين الأمرين . وهو ◌َلّ مع ظهور أمره، وطاعة الخلق له ، وتقديمهم له على الأنفس والأموال ، مات ولم يُخلِّف درهماً ولا ديناراً ، ولاشاة ولا بعيراً، إلا بغلتَه وسلاحَه، ودرعُه مرهونةٌ عند يهودي على ثلاثين ١١١ كتاب دلائل النبوة ( فصل : من الدلائل المعنوية ) وَسقا١ً) من شعير ابتاعها لأهله ، وكان بيده عَقَارٌ يُنفق منه على أهله، والباقي يصرفُه في مصالح المسلمين ، فحكم بأنه لا يُورَث ولا يأخذ ورثته شيئاً من ذلك . وهو في كل وقت يظهر من عجائب الآيات وفنون الكرامات ما يطول وَصفه ، ويُخبرهم بما كان وما يكون ، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويُحِلُّ لهم الطيبات ويُحَرِّمُ عليهم الخبائثَ ، ويَشرع الشريعةَ شيئاً بعد شيء ، حتى أكمل الله دينَه الذي بعثه به ، وجاءت شريعتُه أكملَ شريعة ، لم يبق معروفٌ تعرف العقولُ أنه معروف إلا أمرَ به ، ولا منكرٌ تعرفُ العقولُ أنه منكر إلا نهى عنه ، لم يأمر بشيء فقيل : ليته لم يأمر به ، ولا نهى عن شيء فقيل: ليته لم ينه عنه، وأحلَّ لهم الطيبات لم يحرم منها شيئاً كما حُرِّمَ في شريعة غيره ، وحرَّم الخبائثَ لم يُحِلّ منها شيئاً كما استحلَّ غيره . وجمعَ محاسنَ ما عليه الأمم ، فلا يُذكر في التوراة والإنجيل والزبور نوعٌ من الخبر عن الله وعن الملائكة وعن اليوم الآخر إلا وقد جاء به على أكمل وجه ، وأخبرَ بأشياء ليست في الكتب ، وليس في الكتب إيجابٌ لعدل ، وقضاء بفضل ، وندب إلى الفضائل ، وترغيب في الحسنات ؛ إلا وقد جاء به وبما هو أحسن منه . وإذا نظرَ اللبيبُ في العباداتِ التي شرعَها وعباداتِ غيره من الأمم ظهرَ له فضلُها ورُجحانُها ، وكذلك في الحدود والأحكام وسائر الشرائع . وأمّته أكملُ الأمم في كل فضيلة ، وإذا قيس علمُهم بعلم سائر الأمم ظهرَ فضلُ علمهم ، وإن قيس دينهم وعبادتهم وطاعتُهم الله بغيرهم ظهرَ أنهم أدْيَنُ من غيرهم ، وإذا قيس شجاعتُهم وجهادُهم في سبيل الله وصبرهم على المكاره في ذات الله ، ظهر أنهم أعظمُ جهاداً وأشجعُ قلوباً ، وإذا قيس سخاؤُهم وبرّهم وسماحةُ أنفسهم بغيرهم : ظهر أنهم أسخى وأكرم من غيرهم . وهذه الفضائلُ به نالوها ، ومنه تعلَّموها ، وهو الذي أمرهم بها ، لم يكونوا قبلاً متبعين لكتاب جاء هو بتكميله ، كما جاء المسيح بتكميل شريعة التوراة ، فكانت فضائلُ أتباع المسيح وعلومُهم بعضُها من التوراة ، وبعضُها من الزبور ، وبعضُها من النبوات، وبعضُها من المسيح ، وبعضُها ممن بعدَه ؛ كالحواريين وممن بعدَ الحواريين (٢)، وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم حتى أدخلوا - لما غيروا دينَ المسيح - في دين المسيح أموراً من أمور الكفّار المناقضة لدين المسيح . وأما أمّةُ محمد ◌َّ فلم يكونوا قبله يقرؤون كتاباً ، بل عامّتُهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداود والتوراة والإنجيل والزبور إلا من جهته ، وهو الذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء ، ويُقِرُّوا بجيمع الكتب المنزلة (١) الوسق : ستون صاعاً ، أو حمل بعير. (٢) كذا في (أ) وكانت العبارة في المطبوع: وبعضها ممن بعده من الحواريين ومن بعض الحواريين. ١١٢ كتاب دلائل النبوة ( فصل : من الدلائل المعنوية ) من عند الله ، ونهاهم عن أن يُفَرِّقوا بين أحدٍ من الرسل ، فقال تعالى في الكتاب الذي جاء به : ﴿ قُولُوَاْءَامَنَا بِلَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُونَ مِن زَيِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٢) فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنْتُمْ بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ وَإِ نَّوْ فَإِّمَا هُمْ فِي شِقَاقٌ فَسَيَكْفِيكَ هُمُ الَّهُ وَهُوَ السَمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٦ - ١٣٧] وقال تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتَبِكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لَِّ لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ الآية [ البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦] وأمته عليه الصلاة والسلام لا يستحلون أن يأخذو(١) شيئاً من الدين غير ما جاءَ به ، ولا يَبتدعون بدعة ما أنزل الله بها من سلطان ، ولا يَشرعون من الدين ما لم يأذن به الله ، لكن ما قصَّه عليهم من أخبار الأنبياء وأممهم ، اعتبروا به ، وما حدَّثهم أهلُ الكتاب موافقاً لما عندهم صدّقوه ، وما لم يعلم صدقه ولا كذبه أمسكوا عنه ، وماعرفوا بأنه باطل كذَّبوه ، ومن أدخل في الدين ما ليس منه من أقوال متفلسفة الهند والفرس واليونان أو غيرهم ، كان عندهم من أهل الإلحاد والابتداع . وهذا هو الدِّين الذي كان عليه أصحاب رسول الله وَّر والتابعون، وهو الذي عليه أئمةُ الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق ، وعليه جماعة المسلمين وعامَّتُهم ، ومن خرجَ عن ذلك كان مذموماً مدحوراً عند الجماعة ، وهو مذهب أهل السنة والجماعة ، الظاهرين إلى قيام الساعة ، الذين قال فيهم رسول الله وَّل: ((لا تزال طائفة من أمتي، ظاهرين على الحق، لا يضرُّهم من خالفهم ولا من خذلهم ، حتى تقوم الساعة (٢) وقد يَتنازعُ بعضُ المسلمين مع اتفاقهم على هذا الأصل الذي هو دين الرسل عموماً، ودين محمد وَله خصوصاً ، ومن خالف في هذا الأصل كان عندهم مُلحداً مَذموماً ، ليسوا كالنصارى الذين ابتدعوا ديناً ما قام به أكابر علمائهم وعبَّادهم ، وقاتل عليه ملوكُهم ، ودانَ به جُمهورهم ، وهو دينٌ مُبتدع ليس هو دين المسيح ولا دين غيره من الأنبياء ، والله سبحانه أرسلَ رسلَه بالعلم النافع ، والعمل الصالح ، فمن اتّبعَ الرسلَ حصل له سعادة الدنيا والآخرة ، وإنما دخل في البدع من قصَّرَ في اتّباع الأنبياء علماً وعملاً . ولما بعثَ الله محمداً ◌َّ بالهدى ودين الحق ، تلقى ذلك عنه المسلمون أمّتُه ، فكلُّ علم نافع وعمل صالح عليه أمة محمد ، أخذوه عن نبيهم ؛ كما ظهر لكل عاقل أن أمَّته أكملُ الأمم في جميع الفضائل ، العلمية والعملية ، ومعلومٌ أن كل كمال في الفرع المتعلِّم هو في الأصل المعلِّم ، وهذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام كان أكمل الناس عِلماً وديناً . (١) في المطبوع : يوجدوا. (٢) قطعة من حديث طويل رواه مسلم في صحيحه رقم (١٩٢٠) في الجهاد ، والترمذي في الفتن (٢٢٢٩) ، وابن ماجه في السنة (١٠)، وفي الفتن (٣٩٥٢)، وابن حبان (٦٧١٤) من حديث ثوبان رضي الله عنه. ١١٣ كتاب دلائل النبوة ( فصل : من الدلائل المعنوية ) وهذه الأمور تُوجب العلمَ الضروري بأنه كان صادقاً في قوله: ﴿إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [ الأعراف: ١٥٨] لم يكن كاذباً مفترياً، فإن هذا القول لا يَقولُه إلا من هو من خيار الناس وأكملهم؛ إن كان صادقاً ، أو من هو من أشر الناس وأخبثهم إن كان كاذباً ، وما ذُكِرَ من كمال علمه ودينه يُناقض الشرَّ والخبثَ والجهل ، فتعيَّنَ أنه مُتّصفٌ بغاية الكمال في العلم والدين ، وهذا يستلزم أنه كان صادقاً في قوله: ﴿إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. لأن الذي لم يكن صادقاً إما أن يكونَ متعمّداً للكذب أو مُخطِئاً ، والأوّل يُوجب أنه كان ظالماً غاوياً ، والثاني يقتضي أنه كان جاهلاً ضَالاً، ومحمد وَّ كان علمُه يُنافي جهلَه، وكمالُ دينه يُنافي تعمّدَ الكذب ، فالعلمُ بصفاته يستلزمُ العلمَ بأنه لم يكن يتعمّدُ الكذبَ ولم يكن جاهلاً يكذبُ بلا علم ، وإذا انتفى هذا وذاك تعيَّنَ أنه كان صادقاً عالماً بأنه صادق ، ولهذا نزَّهه الله عن هذين الأمرين بقوله تعالى : ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىْ جَ مَا ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَىِ ﴿ وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَّ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحَىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ١ -٤]. وقال تعالى عن الملك الذي جاء به: ﴿ إِنَّهُ لَقَوّلُ رَسُولٍ كَرٍِ (١٦) ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَشِّ مَكِينٍ ﴿ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [ التكوير: ١٩ أَوَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَنِ ] وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِصَنِينٍ ] وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالْأُفُقِّ الْمُبِينِ! ٢٢ - ٢١ ] ثم قال عنه: ﴿ وَمَا صَاحِبُّكُم بِمَجْنُونٍ تَجِيمٍ (﴿أَ فَأَتْنَ تَذْهَبُونَ (٣٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٢ -٢٧] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (١) نَزَلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ ◌َ عَلَى قَلْكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِنَّ (١) بِسَانٍ عَرَبٍِ مُّبِينٍ ﴾ [ الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] إلى قوله: ﴿هَلْ أُتِبِّئُكُمْ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣] بَّن ـا تَنَُّ عَلَى كُلِّ أَفَاكٍ أَشِمٍ ! عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ سبحانه أن الشيطان إنما يَنزلُ على مَن يُناسبه ليُحَصِّلَ به غرضَه ، فإن الشيطانَ يقصِد الشرّ، وهو الكذب والفجور ، ولا يقصد الصدق والعدل ، فلا يقترن إلا بمن فيه كذبٌ إما عمداً وإما خطأً ، وفجوراً أيضاً ، فإن الخطأ في الدين هو من الشيطان أيضاً ، كما قال ابن مسعود لما سُئل عن مسألة : أقول فيها برأي ؛ فإن يكن صواباً فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، والله ورسولُه بريئان منه . فإن رسول الله بريءٌ من تنزل الشياطين عليه في العمد والخطأ ، بخلاف غير الرسول ؛ فإنه قد يُخطىءُ ويكون خطؤه من الشيطان ، وإن كان خطؤه مغفوراً له ، فإذا لم يُعرف له خبرٌ أخبرَ به كان فيه مخطئاً ، ولا أمرٌ به كان فيه فاجراً ، عُلم أن الشيطان لم ينزل عليه ، وإنما ينزل عليه مَلَك كريم ، ولهذا قال في الآية الأخرى عن النبي: ﴿ إِنَُّ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرٍِ (١٢) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّانُؤْمِنُونَ (١) وَلَ يِقَوْلِ كَاِهِنٍ قَلِلًا مَّا نَذَكَّرُونَ ([8] نَزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٠ -٤٣]. انتهى ما ذكره (١) ، وهذاعين ما أورده بحروفه . (١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٧٥٢/٣). ١١٤ كتاب دلائل النبوة ( باب : دلائل النبوة الحسيّة ) باب (وأمَّا (١) دلائل النبوة الحسيّة ( - أعني المشاهدةَ بالأبصار - فسماويَةٌ وأرضيّة (٢) ومن أعظم ذلك كله انشقاق القمر المنير فرقتين، قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْاْءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ ﴿ وَكَذَّبُواْ وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَآءَ هُمَّ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَفِرٌّ ﴿ وَلَقَدْ جَآءَ هُم مِّنَ اَلْأَثْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرُ أَ حِكْمَةُ بَلِغَةٌ فَمَاتُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ١ -٥]. وقد اتفق العلماءُ مع بقية الأئمة على أن انشقاق القمر كان في عهد رسول الله بَّر، وقد وردت الأحاديث بذلك من طريق تفيد القطعَ عند الأمة . رواية أنس بن مالك : قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس قال : سألَ أهلُ مكةَ النبيَّ وََّ آيَةً فانشقَّ القمرُ بمكة مرتين، فقال: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَّ اَلْقَمَرُ ﴾ [ القمر : ١ ] . ورواه مسلم(٤) ، عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق . وقال البخاري(٥): حدَّثني عبد الله بن عبد الوهاب، حدَّثنا بِشرُ بن المفضل، حدَّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن أهلَ مكة سألوا رسولَ اللهِ وَ ل ◌َّ أن يريَهم آيةً فأراهم القمر شِقّين ، حتى رأوا حِرَاء بينهما . وأخرجاه في الصحيحين(٦) من حديث شيبان ، عن قتادة . ومسلم(٧) من حديث شعبة ، عن قتادة . رواية جُبير بن مطعم: قال أحمد (٨): حدّثنا محمد بن كثير، حدَّثنا سُليمان بن كثير ، عن حُصين بن (١) ما بين قوسين ساقط من الأصل، وأثبته من (أ). (٢) ما بين قوسين ساقط من الأصل ، وأثبته من ( أ). (٣) في المسند (١٦٥/٣) رقم (١٢٦٨٨) ومسلم رقم (٢٨٠٢ و٤٦). (٤) صحيح مسلم (٢٨٠٢) (٤٦). رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٨٦٨) في مناقب الأنصار . (٥) (٦) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٨٦٧) في التفسير، ومسلم في صحيحه رقم (٢٨٠٢) (٤٦) في صفات المنافقين وأحكامهم . (٧) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٨٠٢) (٤٧) في صفات المنافقين. (٨) رواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٨٢). ١١٥ كتاب دلائل النبوة ( باب : دلائل النبوة الحسية ) عبد الرحمن، عن محمد بن جُبير بن مطعم، عن أبيه قال: انشقَّ القمرُ على عهد رسول الله بِّهِ فصارَ فِرِقتين : فرقةُ على هذا الجبل وفرقةٌ على هذا الجبل، فقالوا : سحَرَنا محمدٌ ، فقالوا : إن كان سحَرَنا فإنه لا يستطيعُ أن يسحرَ الناسَ ( كلَّهم ) . تفرد به أحمدُ(١) ورواية ابن جرير والبيهقي(٢) ، من طرقٍ ، عن حُصين بن عبد الرحمن به . رواية حذيفة بن اليمان: قال أبو جعفر بن جرير(٣): حدَّثني يعقوب، حدَّثني ابن عُلَية ، أخبرنا عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السُّلمي قال : نزلنا المدائنَ فكنا منها على فرسخ ، فجاءت الجمعةُ فحضر أبي وحضرتُ معه، فخطبنا حُذيفةُ فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿اقْتَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَّ اُلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشقَّ، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفِراق، ألا وإن اليومَ المِضمارَ وغداً السباق . فقلت لأبي : أتستبقُ الناس غداً ؟ فقال : يا بني إنك لجاهل ، إنما هو السِّباق بالأعمال . ثم جاءت الجمعةُ الأخرى فحضرَه فخطبَ حذيفةُ ، فقال : ألا إن الله يقول : ﴿ أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَ الْقَمَرُ﴾ [ القمر: ١] (ألا وإنَّ الساعةَ قد اقتربت، ألا وإنَّ القمر قد انشقَّ ) ألا وإن الدنيا قد آذنت بفِرَاق . ( ألا وإن اليوم المضمارَ وغداً السباق ، ألا وإنَّ الغاية النار ، والسابقُ مَن سَبَقَ إلى الجنة ) . ورواه أبو زُرعة الرازي في كتاب (( دلائل النبوة )) من غير وجه ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن ، عن حذيفة، فذكر نحوه، وقال: ألا وإن القمر قد انشقَّ على عهد رسول الله مَّل، ألا وإن اليومَ المضمارَ وغداً السباق ، ألا وإن الغايةَ النار ، والسابقُ من سَبَقَ إلى الجنة . رواية عبد الله بن عباس: قال البخاري(٤): حدَّثنا يحيى بن بُكير ، حدَّثنا بكر ، عن جعفر ، عن عراك بن مالك ، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبَة، عن ابن عباس، قال: انشقَّ القمرُ في زمان النبي وَ . ورواه البخاري أيضاً ومسلم(٥) ، من حديث بكر بن مضر ، عن جعفر بن ربيعة به . (١) إسناده ضعيف لانقطاعه ، فإن حصين بن عبد الرحمن السلمي لم يسمع هذا الحديث من محمد بن جبير بن مطعم ، بينهما جبير بن محمد بن جبير وهو مجهول ، كما بينه الإمام الترمذي في جامعه (٣٢٨٩)، والرواية المتصلة أخرجها الطبراني في الكبير (١٥٦٠)، والحاكم (٤٧٢/٢) والبيهقي في الدلائل (٢٦٨/٢) وهذه الرواية هي الأشبه كما قال الإمام الدار قطني في كتابه العلل (٤/ الورقة ١٠٤). على أن أصل الحديث في الصحيحين من حديث ابن مسعود ، كما سيأتي . رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٧/ ٥١) والبيهقي في دلائل النبوة (٢٦٨/٢). (٢) تفسير الطبري (٢٧/ ٥١) وما بين الأقواس سقط من الأصل ، وأثبته من التفسير. (٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٨٦٦) في التفسير. (٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٨٧٠) في مناقب الأنصار، ومسلم في صحيحه رقم (٢٨٠٣) في صفات (٥) المنافقين . ١١٦ كتاب دلائل النبوة ( باب : دلائل النبوة الحسيّة ) طريق أخرى عنه: قال ابن جرير(١): حدَّثنا ابن المثنى، حدَّثنا عبد الأعلى، حدَّثنا داود بن أبي هند ، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿اقْتَرَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ ﴿ وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢] قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة انشقَّ القمرُ حتى رَأَوا شِقّيه . وروى العوفي (٢) ، عن ابن عباس نحواً من هذا. وقد روي من وجه آخر ، عن ابن عباس ، فقال أبو القاسم الطبراني(٣): حدَّثنا أحمد بن عمرو البزار ، حدَّثنا محمد بن يحيى القطيعي ، حدَّثنا محمد بن بكير ، حدَّثنا ابن جُريج ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كُسِفَ القمرُ على عهد رسولِ الله وَّهِ فقالوا: سَحَرَ القمرَ ، فنزلت : ﴿ أَقْتَّرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ ﴿ وَإِن يَرَوْاْءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْسِحْرٌ مُسْتَمِرٌ﴾ [القمر: ١ -٢]. وهذا سياق غريب ، وقد يكون حصل للقمر مع انشقاقه كسوف ، فيدل على أن انشقاقه إنما كان فى ليالي إبداره ، والله أعلم . رواية عبد الله بن عمر بن الخطاب : قال الحافظ أبو بكر البيهقي(٤) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، قالا : حدَّثنا أبو العباس الأصمّ ، حدَّثنا العباس بن محمد الدُّوريّ: حدَّثنا وهبُ بن جرير ، عن شعبة ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، في قوله عزّ وجلّ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله وَّل ، انشقَّ فِلقتين ؛ فِلقة من دون الجبل، وفِلقة من خلف الجبل ، فقال رسول الله وَله: ((اللهم اشهد)). وهكذا رواه مسلم والترمذي(٥) ، من طرق عن شعبة ، عن الأعمش ، عن مجاهد . قال مسلم كرواية مجاهد ، عن أبي معمر ، عن ابن مسعود . وقال الترمذي : حسن صحيح . رواية عبد الله بن مسعود: قال الإمام أحمد(٦): حدَّثنا سفيان ، عن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أبي معمر ، عن ابن مسعود قال: انشقَّ القمرُ على عهد رسول الله وَّر شقتين، حتى نظروا إليه ، فقال رسول الله وَله: ((اشهدوا)). (١) تفسير الطبري (٢٧/ ٥١) وفي الإسناد علي بن أبي طلحة قال الحافظ : أرسل عن ابن عباس ولم يره. (٢) المعجم الكبير للطبراني (١٢ /١٢٨) رقم (١٢٦٧١)، والعوفي هو عطية ، ضعيف. (٣) المعجم الكبير للطبراني (١١ / ٢٥٠). (٤) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٢٦٧/٢). (٥) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٨٠١) في صفات المنافقين، والترمذي في الجامع (٢١٨٢) في الفتن، و(٣٢٨٨) في التفسير . (٦) رواه الإمام أحمد في المسند (١/ ٣٧٧). ١١٧ كتاب دلائل النبوة ( باب : دلائل النبوة الحسية ) ورواه البخاري ومسلم (١) ، من حديث سفيان بن عيينة . وأخرجاه(٢) من حديث الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة ، عن ابن مسعود به . قال البخاري(٣): وقال أبو الضحى، عن مسروق عن عبد الله: ((انشقَّ بمكة)). وهذا الذي علَّقه البخاري ، قد أسنده أبو داود الطيالسي في ((مسنده)(٤) ، فقال : حدّثنا أبو عوانة ، عن المغيرة ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود قال : انشقَّ القمرُ على عهد رسول الله وَ ◌ّل، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، قال: فقالوا: انظروا ما يأتينا به السُّفار، فإن محمداً لا يستطيعُ أن يسحرَ الناس كلَّهم . قال : فجاء السُّفار فقالوا ذلك . وروى البيهقي(٥)، عن الحاكم ، عن الأصم، عن عباس الدوري(٦) ، عن سعيد بن سُليمان، عن هُشَيْمُ(٧) ، عن مغيرة ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ ، عن عبد الله ، قال : انشقَّ القمرُ بمكةً حتى صَار فِرِقتين ، فقالت كفار قريش أهل مكة : ذا سحرٌ سحرَكم به ابن أبي كبشة ، انظروا المسافرينَ فإن كانوا رأَوا ما رأيتم فقد صدقَ ، وإن كانوا لم يَروا ما رأيتُم فهو سحرٌ سحرَكم به ، قال: فسُئل السُّفار - وقدموا من كل وجه - فقالوا : رأيناه . ورواه ابن جرير(٨) من حديث المغيرة، وزاد : فأنزل الله: ﴿أَفْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ [ القمر : ١ ] . وقال الإمام أحمد(٩) : حدَّثنا مُؤَمِّل ، عن إسرائيل ، عن سِمَاك ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن (١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٢٦) في المناقب، ومسلم في صحيحه رقم (٢٨٠٠) في صفات المنافقين. (٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٨٧١) في مناقب الأنصار، ومسلم في صحيحه رقم (٢٨٠٠) (٤٤) في صفات المنافقين . (٣) رواه البخاري في صحيحه عقيب حديث (٣٨٦٩). مسند أبي داود الطيالسي (ص٣٨) رقم (٢٩٥) وذكره البيهقي في الشعب (٢٦٦/٢) وهو حديث صحيح . (٤) دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٢٦٦/٢ - ٢٦٧) . وقال البيهقي عقبه : استشهد به البخاري في أن ذلك كان بمكة . (٦) في المطبوع: ((ابن عباس الدوري)) وهو خطأ بيِّن ، فإنه عباس بن محمد الدوري . (٥) (٧) في المطبوع: ((هشام)) ولا يصح، وما أثبتناه يعضده مافي دلائل النبوة للبيهقي (٢٦٦/٢) وهو هشيم بن بشير بن القاسم السلمي الواسطي ، وروايته عن مغيرة بن مقسم الضبي في الصحيحين ، كما في تهذيب الكمال للمزي (٣٠/ ٢٧٤) . (٨) تفسير الطبري (٥٠/٢٧ -٥١) . (٩) رواه الإمام أحمد في المسند (٤١٣/١) وإسناده حسن من أجل سماك بن حرب فإنه صدوق حسن الحديث في روايته عن غير عكرمة ، ومتن الحديث صحيح من غير طريقه . ١١٨ كتاب دلائل النبوة ( باب : دلائل النبوة الحسية ) عبد الله، قال : انشقَّ القمرُ على عهد رسولِ الله ◌َِّ، حتى رأيتُ الجبلَ بين فُرجَتَي القمر . وروى ابن جرير(١)، عن يعقوب الدَّورقي (٢) عن ابن عُلَيّة ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، قال : تُنْتُ أن ابنَ مسعودٍ كان يقول : لقد انشقَّ القمر . ففي صحيح البخاري ، عن ابن مسعود ، أنه كان يقول : خمسٌ قد مَضَينَ : الرُّوم ، واللِّزام ، والبَطشَةُ ، والدُّخانُ ، والقمر ، في حديث طويل عنه ، مذكورٌ في تفسير سورة الدخان(٣) . وقال أبو زرعة في ((الدلائل)(٤): حدَّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، حدَّثنا الوليد ، عن الأوزاعي، عن ابن بُكير قال: انشقَّ القمر بمكةَ والنبيُّ وَّهِ قبلَ الهجرة فخرّ شقتين ، فقال المشركون : سَحَرَه ابنُ أبي كبشة . وهذا مرسل من هذا الوجه . هذه طرقٌ عن هؤلاء الجماعة من الصحابة ، وشهرةُ هذا الأمر تُغني عن إسناده ، مع وُروده في الكتاب العزيز . وما يذكُره بعضُ القصّاص: من أن القمر دخل في جيب النبي بَّهِ وخرج من كُمّه٥ُ) ، ونحو هذا الكلام فليس له أصلٌ يُعتمد عليه ، والقمر في حال انشقاقه لم يزايل السماء ، بل انفرق باثنتين ، وسارت إحداهما حتى صارت وراءَ جبل حِرَاءَ ، والأخرى من الناحية الأخرى ، وصار الجبلُ بينهما ، وكلتا الفِرقتين في السماء ، وأهلُ مكة ينظرون إلى ذلك ، وظنَّ كثيرٌ من جهلتهم أن هذا شيء سُحرت به أبصارُهم . فسألوا من قَدِمَ عليهم من المسافرين فأخبرُوهم بنظير ما شاهدوه ، فعلموا صِحَّةَ ذلك وتيقنوه. فإن قيل : فلم لم يُعرف هذا في جميع أقطار الأرض ؟ فالجوابُ : ومن يَنفي ذلك ، ولكن تطاول العهد والكفرةُ يجحدون بآيات الله ، ولعلَّهم لما أخبروا أن هذا كان آية لهذا النبي المبعوث ، تداعت آراؤهم الفاسدة على كتمانه وتناسيه ، على أنه قد ذَكرَ غيرُ واحد من المسافرين أنهم شاهدوا هيكلاً بالهند مكتوباً عليه أنه بني في الليلة التي انشقَّ القمرُ فيها . ثم لما كان انشقاقُ القمر ليلاً قد يُخفى أمرُه على كثير من الناس لأمورٍ مانعةٍ من مشاهدته في تلك الساعة ، من غيوم متراكمةٍ كانت تلك الليلة في بلدانهم ، ولنوم كثيرٍ منهم ، أو لعلّه كان في أثناء الليل حيثُ ينامُ كثيرٌ من الناس ، وغير ذلك من الأمور ، والله أعلم . (١) تفسير الطبري (٢٧/ ٥١) وفيه: قد انشقَّ القمر . وهو موقوف صحيح . في المطبوع: (( الدوري)) محرف ، وما أثبتناه يعضده مافي تفسير الطبري ، ويعقوب الدورقي شيخ الطبري . (٢) (٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٨٢٥) في التفسير . دلائل النبوة لأبي زرعة (٣٦٩/١). (٤) (٥) انظر المصنوع (ص ٢٦١) وكشف الخفاء (٥٥٥/٢) وأسنى المطالب (٣٣٠). ١١٩ كتاب دلائل النبوة ( باب : دلائل النبوة الحسيّة ) وقد حرَّرنا هذا فيما تقدم في كتابنا ((التفسير)(١) . فأما حديث رد الشمس بعد مغيبها : فقد أنبأني شيخُنا المسند الرَّحَالة بهاء الدين القاسم بن المظفر بن تاج الأمناء بن عساكر(٢) إذناً ، قال : أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عساكر المشهور بالنسَّابة ، قال : أخبرنا أبو المظفر بن القُشَيري وأبو القاسم المستملي ، قالا : حدَّثنا أبو عثمان المحبر ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الدَّنْدَقاني(٣) بها، أخبرنا محمد بن أحمد بن محبوب . وفي حديث ابن القشيري: حدَّثنا أبو العباس المحبوبي، حدَّثنا سعيد بن مسعود (( ح)) قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر ، وأخبرنا أبو الفتح الماهاني ، أخبرنا شجاع بن علي ، أخبرنا أبو عبد الله بن منده ، أخبرنا عثمان بن أحمد الننسي ، أخبرنا أبو أميّة محمد بن إبراهيم ، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بن موسى ، حدَّثنا فضيل بن مرزوق ، عن إبراهيم بن الحسن ، زاد أبو أميّة بن الحسن ، عن فاطمة بنت الحسين ، عن أسماء بنت عُمَيس، قالت: كان رسولُ اللهَ وَّل يُوحى إليه ورأسه في حِجر عليّ، فلم يُصَلِّ العصرَ حتى غربت الشَّمسُ، فقال رسول الله وَّه: ((صَلَّيْتَ العصرَ؟)) وقال أبو أمية: ((صَلّيتَ يا علي؟)) قال: لا، قال رسول الله وَ له، وقال أبو أمية: فقال النبي وَّل: ((اللهم إنه كان في طاعتِك وطاعةِ نبّك)) وقال أبو أمية: (( رسولك، فاردد عليه الشمسَ)) قالت أسماء: فرأيتُها غَرُبَت ثم رأيتُها طَلَعت بعدما غَرُبَت)). وقد رواه الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في (( الموضوعات)(٤) من طريق أبي عبد الله بن منده كما تقدم، ومن طريق أبي جعفر العقيلي : حدَّثنا أحمد بن داود ، حدَّثنا عمّار بن مطر ، حدَّثنا فضيل بن مرزوق ، فذكره . ثم قال : وهذا حديث موضوع ، وقد اضطربَ الرواةُ فيه ، فرواه سعيدُ بن مَسعود ، عن عبيد الله بن موسى ، عن فُضَيل بن مرزوق ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن عليّ بن الحسن ، عن فاطمة بنت عليّ ، عن أسماء . وهذا تخليط في الرواية . قال : وأحمد بن داود ليس بشيء ، قال الدار قطني(٥): متروك كذاب، وقال ابن حِبّان(٦): كان (١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢٦٠/٤). (٢) ابن عساكر : القاسم بن أبي غالب المظفر محمود ، من بني هبة الله بن عساكر الدمشقي ، طبيب ، عالم بالحديث ، سمع منه ابن كثير ، ومولده ووفاته بدمشق ، توفي سنة ٧٢٣هـ. الدرر الكامنة (٢٣٩/٣) والأعلام (١٨٦/٥). (٣) نسبة إلى الدنداقان، وهي بليدة عند مرو، خرج منها جماعة من المحدثين، اللباب (٤٢٦/١). (٤) الموضوعات؛ لابن الجوزي (٣٥٥/١ - ٣٥٦) . (٥) الضعفاء والمتروكون (٥٢) . (٦) المجروحين (١٤٦/١). ١٢٠ كتاب دلائل النبوة ( باب : دلائل النبوة الحسيّة ) يضعُ الحديث . وعمَّار بن مَطر، قال فيه العقيلي (١): كان يُحدِّث عن الثقات بالمناكير . وقال ابن عدي(٢): متروك الحديث. قال: وفُضيل بن مَرزوق قد ضعَّفه يحيى (٣). قال ابن حِبّال(٤) : يَروي الموضوعات ويُخطىء عن الثقات . وبه ، قال الحافظ ابن عساكر : وأخبرنا أبو محمد ، عن طاووس ، أخبرنا عاصم بن الحسن ، أخبرنا أبو عمرو بن مهدي ، أخبرنا أبو العباس بن عُقْدة، حدَّثنا أحمد بن يحيى الصوفي ، حدَّثنا عبد الرحمن بن شَريك ، حدَّثني أبي ، عن عروة بن عبد الله بن قشير ، قال : دخلتُ على فاطمةَ بنت عليّ فرأيتُ في عنقها خرزة ، ورأيت في يديها مَسكتين غليظتين - وهي عجوز كبيرة - فقلتُ لها : ما هذا؟ فقالت : إنه يُكره للمرأة أن تتشبَّه بالرجال . ثم حذَّثتني: أن أسماء بنت عُمَيس حدَّثتها: أن عليّ بن أبي طالب دفعَ إلى النبي ◌َّ وقد أُوحِي إليه ، فجلَّلَه بثوبه ، فلم يزل كذلك حتى أدبرتِ الشمسُ - يقول: غابت أو كادت أن تغيب - ثم إن نبيَّ الله وَالرَ سُرِّي عنه، فقال: أصلَّيتَ يا عليّ؟ قال: لا، فقال النبي وَّرَ: ((اللهم ردّ على عليّ الشمس)) فرجعتْ حتى بلغت نصفَ المسجد . قال عبد الرحمن : وقال أبي : حدَّثني موسى الجهني نحوَه . ثم قال الحافظ ابن عساكر : هذا حديث منكر ، وفيه غير واحد من المجاهيل . وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في (( الموضوعات (٥) : وقد روى ابنُ شاهين هذا الحديث عن ابن عقدة ، فذكره . ثم قال : وهذا باطل ، والمتهم به ابن عقدة ، فإنه كان رافضياً ، يُحدِّثُ بمثالب الصحابة . قال الخطيب (٦): حدَّثنا علي بن محمد بن نصر، سمعت حمزة بن يوسف يقول(٧) : كان ابن عقدة بجامع (( براثا)) يملي مثالب الصحابة - أو قال : الشيخين - فتركته . وقال الدار قطني : كان ابن عقدة رجل سوء ، وقال ابن عدي(٨): سمعت أبا بكر بن أبي غالب يقول : ابن عقدة لا يتديّنُ بالحديث ، لأنه (١) الضعفاء الكبير (٣٢٧/٣). (٢) الكامل (١٧٢٧/٥). (٣) هكذا قال ، وفي قوله نظر ، فالمعروف عن يحيى غير ذلك ، فقد وثقه في رواية عباس الدوري ( تاريخه ٤٧٦/٢)، وفي رواية ابن أبي خيثمة (الجرح والتعديل ٧/ الترجمة ٤٢٣)، وقال الكوسج عنه: صالح الحديث ، وقال الدارمي ( تاريخه ٦٩٨) : لا بأس به . فمثل هذا لا يقال فيه : ضعفه ( بشار ) . (٥) الموضوعات ؛ لابن الجوزي (٣٥٦/١) . (٤) المجروحين ٢٠٩/٢ . (٦) الكلام لابن الجوزي وهو في تاريخ الخطيب (١٥٨/٦) (ط. الدكتور بشار). (٧) هكذا وقع في الموضوعات لابن الجوزي ولا يصح فالكلام رواه حمزة بن يوسف السهمي عن أبي عمر بن حيويه ، كما في سؤالات السهمي (١٦٦) وتاريخ الخطيب (١٥٨/٦). (٨) الكامل (٢٠٨/١ -٢٠٩).