Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١
باب ما تركه النبي رَالله
وَذَاكَ أحَقُّ ما سَالَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُ النَّاسِ أَوْ كَرِبَتْ (١) تَسيلُ
بِمَا يُوحَى إليْهِ ومَا يَقُولُ
نَبِيٌّ كَانَ يَجْلُو الشَّكَ عَنَّا
عَلَيْنا والرَّسُولُ لَنَا دَليلُ
ويَهْدِينَا فَلا نَخْشِى ضَلالًا
وَإِنْ لَمْ تَجْزَعي ذاكَ السَّبِيلُ
أَفَاطِمُ إِنْ جَزِعْتِ فَذَاك عُذْرٌ
وَفِيهِ سَيِّدُ النَّاسِ الرَّسولُ
فَقَبْرُ أبيكِ سَيِّدُ كُلِّ قَبْرٍ
بابُ
بيانِ أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّه لم يترُْ ديناراً ولا دِرْهَماً ولا عَبْداً ولا أمة ، ولا شاةً ولا بعيراً ولا شيئاً يُورِثُ عنه ،
بل أرضاً جَعَلَها كلّها صدقةً لله عزَّ وجلَّ ، فإنَّ الدُّنْيا بحَذافيرها كانَتْ أحقرَ عندَهُ - كما هي عندَ الله -
من أن يَسْعَى لها أو يتْرُكها بعدَهُ مِيراثاً ، صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه ، وعلى إخوانِهِ من النبيّيْنَ
والمُرْسَلين ، وسلّم تسليماً كثيراً دائماً إلى يوم الدين
قال البخاري(٢): حذَّثنا قُتيبةُ ، ثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن الحارث ، قال:
ما ترَكَ رسولُ اللهِ وَلِّ ديناراً ولا دِرْهماً ولا عَبْداً ولا أمةً إلا بغلتَه البيضاء التي كان يَرْكَبُها ، وسلاحَه ،
وأرضاً جَعَلَها لابنِ السَّبيل صدقةً . انفرد به البخاري دون مسلم، فرواه في أماكنَ من ((صحيحه )) من
طرقٍ مُتَعدِّدةٍ ، عن أبي الأحوص ، وسفيان الثوريّ ، وزهير بن معاوية ، ورواه الترمذيّ من حديث
إسرائيل ، والنَّسائي أيضاً من حديث يونُس بن أبي إسحاق ، كلُّهم عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله
السَّبيعي ، عن عمرو بن الحارث بن المُصْطلِقِ بن أبي ضرار ، أخي جُوَيْرية بنتِ الحارثِ أم المؤمنين ،
رضي الله عنهما ، به (٣) .
وقال الإمام(٤) أحمد : حدَّثنا أبو معاوية ثنا الأعمش ، وابن نمير عن الأعمش ، عن شَقيق ، عن
مَسْروق ، عن عائشة، قالت : ما تَرَكَ رسولُ اللهِ ديناراً ولا دِرْهماً ولا شاةً ولا بعيراً ولا أوصى
بشيء. وهكذا رواه مسلم(٥) منفرداً به عن البخاري وأبو داود(٦) والنسائي(٧)، وابن
(١) أ: ( أو كادت ).
(٢) البخاري ( ٤٤٦١).
(٣) البخاري (٢٨٧٣) و(٢٧٣٩) والترمذي في الشمائل (٣٨٢) والنسائي (٦٥٩٨).
(٤)
ط : ( وقد رواه أحمد) وانظر مسند الإمام أحمد (٦/ ٤٤).
(٥) مسلم (١٦٣٥).
(٦) أبو داود (٢٨٦٣).
(٧) النسائي (٣٦٢٣ - ٣٦٢٤).
٤٠٢
ساب ما تركه النبي مخل﴾
ماجه (١) ، من طرقٍ متعددةٍ عن سليمان بن مِهْران الأعمش، عن شَقيق بنِ سَلَمَة أبي وائلٍ ، عن
مسروق بن الأجدع ، عن أم المؤمنين عائشة الصّدّيقة٢ُ) بنت الصِّدِّيق حبيبةٍ حبيبِ اللهِ المُبَّأةِ من فوقِ سَبْعٍ
سماواتٍ رضي الله عنها وأرضاها .
وقال الإمام أحمد(٣): حدَّثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن عاصم، عن زِ{(٤) بن حُبَيْش عن
عائشة قالت: ما ترك رسول الله ﴿ ﴿ ديناراً ولا دِرْهماً ولا أمة ولا عَبْداً، ولا شاةً ولا بعيراً .
وحدَّثنا°) عبد الرحمن، عن سُفيان، عن عاصم، عن زِر٦ُّ) عن عائشة: ما تركَ رسولُ اللهِ اَل
ديناراً ولا دِرْهماً، ولا شاةً ولا بعيراً . قال سُفْيان: وأكثر علمي وأشكُّ في العبد والأمَة . وهكذا رواه
الترمذي في (( الشمائل )(٧) عن بُنْدار ، عن عبد الرحمن بن مَهْدي به .
قال الإمام أحمد(٨): وحدَّثنا وكيعٌ، ثنا مِسْعَر، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن زِؤ٩ُ) ، عن
عائشة، قالت: ما تركَ رسولُ اللهِوَل ◌َ ديناراً ولا دِرْهماً ولا عَبْداً ولا أمَةٌ ، ولا شاةً ولا بعيراً . هكذا رواه
الإمام أحمد من غيرِ شَكِّ .
وقد رواه البيهقي"١) عن أبي زكريا بن أبي إسحاق المُزَكّي ، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب ، ثنا
محمد بن عبد الوهاب ، أنبأنا جعفر بن عَوْن، أنبأنا مِسْعَر، عن عاصم، عن زِرِّ (٩) . قال: قالت
عائشة: تَسْألوني عن ميراث رسول الله وَ لَ؟ ما تركَ رسولُ اللهِ وَ لهديناراً ولا دِزْهماً ولا عَبْداً ولا وَليدةً .
قال مِسْعَر : أُراه قال : ولا شاةً ولا بعيراً .
قال: وأنبأنا مِسْعَرٌ عن عدي بن ثابتٍ، عن علي بن الحسين، قال: ما تَرَكَ رسولُ الله ◌ََّ ديناراً ولا
دِرْهماً، ولا عَبْداً ولا وليدةً. وقد ثبتَ في ((الصَّحيحين ﴾(١١) من حديث الأعْمَشِ ، عن إبراهيم عن
الأسود، عن عائشة: أن رسول الله وَ ﴿ اشترى طعاماً من يهوديّ إلى أجلٍ ، ورَهَنه دِرْعاً من حديد .
(١) ابن ماجه (٢٦٩٥).
(٢) ليس اللفظ في ط .
(٣) مسند الإمام أحمد (١٨٥/٦).
(٤) ط : ( ذر) تحريف.
مسند الإمام أحمد (١٨٧/٦)، وهو حديث صحيح .
(٥)
(٦)
ط ( ذر) تحريف .
(٧) الشمائل (٣٨٨)، وهو حديث صحيح.
(٨) أحمد في المسند (١٣٦/٦) وهو حديث حسن.
(٩) ليس اللفظ في ط .
(١٠) دلائل النبوة للبيهقي (٧/ ٢٧٤).
(١١) البخاري (٢٢٠٠، ٢٥١٣، ٢٩١٦)، ومسلم (١٦٠٣).
٤٠٣
باب ما تركه النبي ميع
وفي لفظٍ للبخاري(١) رواه عن قَبيصة، عن الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن
عائشة، قالت: تُوفِّي النبيِّه ودرعُه مَرْهونةٌ عندَ يهوديٍّ بثلاثين .
ورواه البيهقي(٢) من حديث يزيد بن هارون ، عن الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود
عنها، قالت: تُوفِّي النبيُّ نَّهِ ودرعُه مرهونةٌ بثلاثين صاعاً من شعير. ثم قال: رواه البخاري(٣) عن
محمد بن كثير عن سفيان .
ثم قال البيهقي(٤) : أنبأنا علي بن أحمد بن عَبْدان، أنبأنا أبو بكر محمد بن محمويه (٥) العسكري ،
ثنا جعفر بن محمد القلانسي ثنا آدم ثنا شيبان عن قتادة عن أنس. قال: لقد دُعيَ رسولُ اللهِ ◌ّ على خُبْزِ
شَعيرٍ وإهالةٍ سَنِخة. قال أنس: ولقد سَمِعْتُ رسولَ الله ◌ِ ◌َّلَ يقولُ: ((والذي نفسُ محمدٍ بيده، ما أصبح
عندَ آلِ محمدٍ صاعُ بُرِّ ولا صاعُ تَمْرٍ )) . وإنّ له يَومئذٍ تسعَ نسوةٍ، ولقد رَهَنَ درعاً له عندَ يَهوديٍّ بالمدينة ،
وأخذ منه طعاماً، فما وَجَدَ ما يَفتَكُّها به حتى مات ◌َّهِ. وقد روى ابنُ ماجه(٦) بعضَه من حديث شيبان بن
عبد الرحمن النّخوي عن قتادة به .
وقال الإمام أحمد(٧): حدَّثنا عبد الصمد ، ثنا ثابت ، ثنا هلال ، عن عكرمة، عن ابن عباس : أنَّ
النبيَّ ◌َّهُ نظر إلى أُحُدٍ. فقال: (( والذي نفسي بيده ما يَسُرّني أُحُداً لآل محمد ذهباً أُنْفِقُهُ في سبيل الله ،
أموتُ يومَ أموتُ وعندي منه ديناران إلا أن أرصدهما لِدَيْنٍ)) . قال : فمات فما ترك ديناراً ولا درهماً،
ولا عبداً ولا وليدة ، فترك دِرعَه رَهْناً عند يهوديٍّ بثلاثين صاعاً من شعير . وقد روى آخرَه ابنُ ماجه (٨) عن
عبد الله بن معاوية الجُمَحيّ ، عن ثابت بن يزيد ، عن هلال بن خَبّاب العَبْدي الكوفي به . ولأوله شاهدٌ
في (( الصحيح )(٩) من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه .
وقد قال الإمام أحمد( ١٠): حدثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان ، قالوا : ثنا ثابت ۔ هو ابن يزيد - ثنا
(١) البخاري ( ٤٤٦٧).
(٢) دلائل النبوة للبيهقي (٧/ ٢٧٤).
(٣) البخاري (٢٩١٦).
(٤) دلائل النبوة ( ٢٧٥/٧).
(٥) أ، ط : ( حمويه ) .
(٦) ابن ماجه (٢٤٣٧) من حديث الدستوائي عن قتادة به ، ورواه أحمد من حديث شيبان (٢٣٨/٣)، وهو حديث
صحيح .
(٧)
مسند الإمام أحمد (٣٠١/١).
(٨) ابن ماجه (٢٤٣٩)، وهو حديث صحيح .
(٩) أخرجه أحمد (١٤٨/٥)، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده .
(١٠) مسند الإمام أحمد (٣٠١/١).
٤٠٤
باب ما تركه النبي صل#
هلال - هو ابن خَبّاب - عن عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ نَّ دخلَ عليه عمر، وهو على حَصيرٍ قد
أثَّر في جَنْبه ، فقال: يا نبيَّ الله لو اتخذتَ فِراشاً أوْثَرَ من هذا؟ فقال: (( ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثلُ
الدُّنْيا إلا كراكبٍ سار في يوم صائِفٍ، فاستظَلَّ تحتَ شجرةٍ ساعةً من نهارٍ ، ثم راح وتركها )) . تَفَرَّدَ به
أحمدُ، وإسنادُه جيدٌ، وله شاهد١ٌ) من حديثِ ابنِ عبّاس ، عن عمر في المرأتين اللتين تَظاهَرَتا على
رسول الله وَ له، وقصة الإيلاء . وسيأتي الحديثُ مع غيره مما شاكله في بيان زُهْدِه عليه الصلاة والسلام،
وتركه الدنيا ، وإعراضه عنها ، واطّراحه لها ، وهو مما يدلّ على ما قلناه من أنه عليه الصلاة والسلام ، لم
تکن الدنیا عنده بیالٍ .
وقال الإمام أحمد(٢): حدَّثنا سفيان، ثنا عبد العزيز بن رُفَيْع ، قال : دخلتُ أنا وشَدّاد بن مَعْقِلٍ ،
على ابن عباس، فقال ابن عباس: ما ترك رسول الله وَّةٍ إلا ما بينَ هذين الَّوحَيْن. قال: ودخلنا على
محمد بن علي فقال مثل ذلك . وهكذا رواه البخاري (٣) ، عن قتيبة ، عن سفيان بن عيينة به .
وقال البخاري(٤): حدَّثنا أبو نعيم ، ثنا مالك بن مِغْوَلٍ، عن طلحة، قال : سألتُ عبدَ الله بن
أبي أوفى: أأَوْصَى النبيُّ وَّرَ؟ فقال: لا. فقلت: كيف كُتب على النّاس الوصيّةُ، أو أُمِروا بها؟
قال : أوْصَى بكتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ. وقد رواه البخاريُّ أيضاً ومسلمٌ ، وأهلُ السُّنن إلا أبا داود(٥) من
طرق ، عن مالك بن مِغْول به . وقال الترمذي : حسنٌ صحيحٌ غريبٌ ، لا نعرفه إلا من حديث مالك بن
مِغْولٍ .
تنبيه : قد وَرَدَتْ أحاديثُ كثيرةٌ سنوردُها قريباً بعد هذا الفصل في ذكر أشياء كان يختصُّ بها ،
صلوات الله وسلامه عليه ، في حياته ، من دُورٍ ومساكنٍ نسائه ، وإماءٍ وعبيد ، وخيول وإبل ، وغنم
وسلاح ، وبَغْلةٍ وحمار، وثياب وأثاث ، وخاتم ، وغير ذلك مما سنوضحه بطرقه ودلائله ، فلعلَّه عليه
الصلاة والسلام تَصَدَّقَ بكثير منها في حياته مُنْجزاً، وأعتق من أعتق من إمائه وعبيده ، وأرصد ما أرْصَدَهُ
من أمتعته ، مع ما خَصَّه الله به من الأرضينَ من بني النَّضير وخيبر وَفَدَك ، في مصالح المسلمين على
ما سنبيّنه ، إن شاء الله، إلا أنه لم يُخَلّف من ذلك شيئا٦ً) يورث عنه قطعاً لما سنذكره قريباً ، وبالله
المستعان .
(١) البخاري (٢٤٦٨، ٤٩١٣ - ٤٩١٥، ٥١٩١، ٥٨٤٣) ومسلم (١٤٧٩).
(٢)
مسند الإمام أحمد (٢٢٠/١) .
(٣)
البخاري ( ٥٠١٩ ).
(٤)
البخاري ( ٤٤٦٠).
البخاري (٢٧٤٠) ومسلم (١٦٣٤) والترمذي (٢١١٩) والنسائي (٣٦٢٢) وابن ماجه (٢٦٩٦).
(٥)
(٦) ط : ( ما ) .
٤٠٥
باب قوله عليه الصلاة والسلام : لا نورث
بابُ(١)
بيانِ أنّه عليه الصلاة والسلام قال: (( لا نُورَثُ))
قال الإمام أحمد(٢): حدَّثنا سُفيان، عن أبي الزِّناد، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة يَبلُغُ به، وقال
مرة: قال رسول الله وَّهِ: ((لا يَقْتَسِمُ وَرَثَتَي ديناراً ولا دِرْهماً، ما تركتُ بعدَ نفقةِ نسائي ومؤنة عاملي
فهو صدقة)). وقد رواه البخاري(٣) ومسلم(٤) وأبو داود(٥) من طرقٍ ، عن مالك بن أنس ، عن أبي الزناد
عبد الله بن ذَكْوان، عن عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله مَ ◌ّه قال :
(( لا يَقْتسِمُ وَرَئتي ديناراً ، ما تركتُ بعد نفقةِ نسائي ومؤنةِ عاملي فهو صدقةٌ )) لفظ البخاري .
ثم قال البخاري(٦): حدَّثنا عبد الله بن مَسْلمة ، عن مالكِ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن
عائشة: أنّ أزواج النبي وَلَّ حين تُوفّي رسولُ الله ◌َّوَ أَرَدْنَ أن يَبْعثن عثمانَ إلى أبي بكر يسألنه(٧)
ميراثَهن، فقالت عائشة: أليس قد قال رسول الله وَّةِ: ((لا نُورثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ؟)) وهكذا رواه
مسلم عن يحيى بن يحيى ، وأبو داود عن القعنبي ، والنسائي عن قتيبة ، كلُّهم عن مالك به (٨) . فهذه
إحدى النساء الوارثات - إن لو قدِّر ميراثٌ - قد اعترفت أنّ رسول الله وَ لير جعل ما تركه صدقة لا ميراثاً ،
والظّاهرُ أن بقيةَ أمهاتِ المؤمنين وافَقْنَها على ما رَوَتْ ، وتَذَكَّرْن ما قالت لهنَّ من ذلك ، فإنّ عبارتَها تُؤْذنُ
بأن هذا أمرٌ مُقَرَّر عندهن . والله أعلم .
وقال البخاري(٩): حدَّثنا إسماعيل بن أبان ، ثنا عبد الله بن المبارك ، عن يونس ، عن الزهري ، عن
عروة، عن عائشة أن النبي ◌َ ◌ّه قال: ((لا نُورَثُ ما تَركنا صدقة)).
وقال البخاري: باب قول رسول الله وَ ل﴿ لا نورَثُ، ما تركنا صدقةٌ: ثنا عبد الله بن محمد ، ثنا
هشام ، أنبأنا مَعْمَر ، عن الزُّهْري ، عن عروة ، عن عائشة: أنَّ فاطمةَ والعباس أتيا أبا بكر ، رضي الله
عنه، يَلْتمسان ميراثَهما من رسول الله وَ له وهما حينئذ يطلبانِ أرْضَه من فدك وسهمه من خيبر . فقال لهما
(١) مكان اللفظ بياض في أ .
(٢) مسند الإمام أحمد (٢٤٢/٢).
(٣) البخاري ( ٢٧٧٦، ٣٠٩٦، ٦٧٢٩).
(٤)
مسلم ( ١٧٦٠ ) (٥٥).
(٥) أبو داود (٢٩٧٤).
(٦) البخاري ( ٦٧٣٠ ).
(٧) ط : ( ليسألنه ) .
(٨) رواه مسلم رقم (١٧٥٨) (٥١) وأبو داود (٢٩٧٦) والنسائي في ((الكبرى)) (٦٣١١).
(٩) البخاري ( ٦٧٢٧)
٤٠٦
باب قوله عليه الصلاة والسلام : لا نورث
أبو بكر: سمعت رسول الله وَّه يقول: ((لا نورَثُ، ما تركنا صدقةٌ، إنما يأكلُ آل محمد من هذا
المال)). قال أبو بكر: والله لا أدَعُ أمراً رأيتُ رسولَ الله ◌ُّهَ يَصْنَعُه فيه إلا صنعتُهُ، قال : فهجرته فاطمة
فلم تكلِّمْه حتى ماتَتْ . وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن معمر(١) .
ثم رواه أحمد(٢) : عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن صالح بن كَيْسان ، عن الزُّهري ، عن
عروة ، عن عائشة : أنّ فاطمةَ سَأَلَتْ أبا بكر بعدَ وفاة رسول الله ميراثَها مما ترك مما أفاء الله عليه ، فقال
لها أبو بكر: إن رسول الله وَّ﴾. قال: ((لا نورَثُ، ما تركنا صدقةٌ)) فغَضبتْ فاطمةُ، وهَجَرَت
أبا بكر ، فلم تَزَلْ مُهاجرته حتى تُوفّيت. قال : وعاشت فاطمة بعد وفاةِ رسولِ الله وَّل ستةَ أشهرٍ ...
وذكر تمام الحديث . هكذا قال الإمام أحمد .
وقد روى البخاري(٣) هذا الحديثَ في كتاب المغازي من ((صحيحه)) عن ابن بُكير(٤) ، عن الليث ،
عن عقيل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، كما تقدم ، وزاد : فلما تُوفِيت دَفَنها عليّ ليلاً ولم
يُؤْذن بها٥) أبا بكر ، وصلّى عليها، وكان لعلّ من الناس وجهٌ حياةَ فاطمة ، فلما تُوفّيت استنكَرَ عليّ
وجوه الناس ، فالتمَس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن بايَعَ تلكَ الأشهر ، فأرسلَ إلى أبي بكر ائتنا ولا
يأتنا معك أحد ، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شِدّة عمر، فقال عمر: والله لا تدخُلُ عَليهم وحدك .
قال أبو بكر : وما عسى أن يَصْنَعوا بي؟ والله لآتينَّهم . فانطلق أبو بكر، رضي الله عنه فتَشَهَّدَ
عَلِيُّ(٦)، وقال: إنّا قد عَرَفْنَا فَضْلَكَ وما أعطاك الله، ولم نَنْفَسْ عَلَيْكَ خيراً ساقه الله إليك ، ولكنَّكم
اسْتَبْدَدْتُم بالأمر، وكُنّا نرى لِقَرابتنا منْ رسولِ اللهَِّ أنَّ لنا في هذا الأمر نصيباً ، فلم يَزَلْ عليٍّ يذكرُ حتى
بَكَى أبو بكر، رضي الله عنه، وقال: والذي نفسي بيدِهِ لقَرابةُ رسولِ اللهِ وَّهَ أحبُّ إليَّ أن أصِلَ من
قَرابتي، وأما الذي شَجَر بَيْنِي وبَيْنَكُمْ(٧) في هذه الأموال ، فإني لم آلُ فيها عن الخير ، ولم أترُْ أمراً
صنعه(٨) رسول الله بَّه إلا صَنَعْتُه. فلما صلَّى أبو بكر رضي الله عنه الظهرَ رقي (٩) على المنبر، فتَشَهَّد،
وذكر شأنَ عليٍّ وتخلُّفَه عن البيعة، وعذرَهُ بالذي اعتذرَ به، وتَشَهَّدَ عليّ رضي الله عنه، فعظّمَ حقَّ
(١) مسند الإمام أحمد (٤/١).
(٢) مسند الإمام أحمد (٦/١)، وإسناده صحيح.
(٣) البخاري (٤٢٤٠ - ٤٢٤١).
أ : ( ابن أبي بكر) وط ( ابن أبي بكر) وفيهما تحريف وزيادة . وانظر البخاري . وفيه ( يحيى بن بكير ) .
(٤)
(٥)
ليس اللفظ في ط .
(٦) ليست عبارة ( فتشهّد علي ) في ط .
(٧) أ، ط : ( شجر بينكم) وما أثبته عن البخاري .
(٨) ط: (صنع).
(٩) ط : (ورقي ) والواو زائدة.
٤٠٧
باب قوله عليه الصلاة والسلام : لا نورث
أبي بكر ، وذكرَ فضيلته وسابقتَه ، وحدَّث أنّه لم يَحْمِلْهُ على الذي صنع نفاسةٌ على أبي بكرٍ ، ثم قام إلى
أبي بكر ، رضي الله عنهما، فبايَعَهُ . فأقبل الناسُ على عليٍّ فقالوا : أحسنتَ . وكانَ الناسُ إلى عليٍّ قريباً
حين راجعَ الأمرَ المَعْروفَ. وقد رواه البخاري(١) أيضاً ومسلم٢ُ) وأبو داود(٣) والنسائيُ(٤) من طرقٍ
متعددةٍ ، عن الزهريّ ، عن عروة ، عن عائشة بنحوه .
فهذه البيعةُ التي وَقَعَتْ من عليٍّ ، رضي الله عنه ، لأبي بكرٍ ، رضي الله عنه ، بعد وفاةٍ فاطمة ،
رضي الله عنها ، بيعةٌ مُؤَكِّدةٌ للصُّلْحِ الذي وقعَ بينهما ، وهي ثانيةٌ للبيعة التي ذكرناها أولاً يومَ السَّقيفة ،
كما رواه ابن خُزَيْمة وصَخَّحَهُ مسلم بن الحَجّاجِ ، ولم يكنْ عليٍّ مجانباً لأبي بكرٍ هذه الستةَ أشهرٍ ، بل
كان يُصلّي وراءه ويحضُرُ(٥) عِنْدَه للمَشورةِ، وركبَ مَعَهُ إلى ذي القَصَّة كما سيأتي .
وفي ((صحيح البخاري)(٦): أن أبا بكرٍ، رضي الله عنه، صلَّى العصرَ بعد وفاةِ رسولِ الله وَّل
بليالٍ ، ثم خرجَ من المسجد فوجَدَ الحسنَ بن علي يَلعبُ مع الغِلْمان، فَاحْتَمَلهُ على كاهِلِهِ ، وجَعَلَ
يقول : [ من مجزوء الرجز ]
[ يا] بِأَبِي شِبْهُ النَّبِيْ لَيْسَ شبيهاً بعَلِيْ
وعليُّ يَضْحِكُ . ولكن لمّا وقعتْ هذه البيعةُ الثانيةُ اعتقَد بعضُ الرواةِ أنّ علياً لم يُبَايِعْ قَبْلَها فنفى
ذلك، والمُثْبتُ مَقَدَّمٌ على النّافي، كما تَقَدَّمَ وكما تَقَزَّر. والله أعلم. وأما تَغَضُّبُ فاطمة ، رضي الله
عنها وأرضاها ، على أبي بكرٍ ، رضي الله عنه وأرضاه ، فما أدري ما وَجْهُهُ ، فإنْ كانَ لمنعِه إيّاها ما سألتُهُ
من الميراث، فقد اعتذر إليها بعذرٍ يجبُ قبولُهُ، وهو ما رواه عن أبيها رسولِ اللهِ وَّ أنه قال :
(( لا نُورَثُ ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ)). وهي ممن تَنْقَادُ لنَصّ الشارعِ الذي خَفي عليها قبل سُؤالها الميراثَ ، كما
خَفِيَ على أزواجِ النبيّ وَهَ حتى أخْبَرَتْهُنّ عائشةُ بذلك، ووَفَقْنَها عليه، وليس يُظَنّ بفاطمة ، رضي الله
عنها، أنها٧) أَنَّهَمَتِ الصِّدِّيق ، رضي الله عنه، فيما أخبرَها به ، حاشاها وحاشاه من ذلك، كيفَ وقَدْ
وافَقَهُ على روايةِ هذا الحديث عمرُ بنُ الخطّاب، وعثمانُ بن عفان، وعليُّ بن أبي طالب ، والعباسُ بن
عبد المطلب، وعبدُ الرحمن بن عوف، وطَلْحَةُ بن عُبَيْدِ الله، والزُّبِيْر بن العَوّام ، وسَعْدُ بن أبي وقّاص،
(١) البخاري (٣٠٩٢، ٣٠٩٣، ٣٧١١، ٣٧١٢، ٤٠٣٥، ٤٠٣٦، ٦٧٢٧).
(٢) مسلم ( ١٧٥٨) و(١٧٥٩) (٥١) و(٥٢) و(٥٣) و(٥٤).
(٣) أبو داود ( ٢٩٦٨، ٢٩٧٦٢٩٦٩، ٢٩٧٧).
النسائي ( ٤١٥٢) وفي السنن الكبرى (٦٣١١).
(٤)
ط : ( ويحضره ) .
(٥)
(٦) البخاري (٣٥٤٢، ٣٧٥٠).
(٧) ط : ( أنها علمت أنها اتهمت ).
٤٠٨
رواية الجماعة لما رواه الصدِّيق
وأبو هريرة ، وعائشةُ، رضي الله عنهم أجمعين ، كما سَنُبيِّنه قريباً . ولو تَفَرَّدَ بروايته الصديق ، رضي الله
عنه ، لوجَبَ على جميع أهْلِ الأرض قَبولُ روايتِهِ والانْقيادُ له في ذلك، وإن كان غَضَبُها لأجلِ ما سألتِ
الصديقَ ، إذ كانَتْ هذه الأراضي صَدَقةٌ لا ميراثاً، أن يكونَ زوجُها ينظُرُ فيها، فقد اعتذَرَ بما حاصِلُهُ أنه
لمّا كان خليفةَ رسولِ الله وَّهِ، فهو يرى أن فرضاً عليه أن يَعْمَلَ بما كانَ يَعْمله رسولُ اللهِ له، ويَلي ما كانَ
يَليه رسولُ الله، ولهذا قال: وإنّي واللهِ لا أَدَعُ أمْراً كان يَصْنَعُهُ فيه رسولُ اللهِوَهِ إلا صَنَعْتُه، قال:
فهجرَتْهُ فاطمةُ فلم تُكَلِّمُه حتى ماتَتْ . وهذا الهِجرانُ والحالةُ هذه فَتَح على فِرْقَة الرافضةِ شرَّاً عَريضاً ،
وجَهْلاً طويلاً، وأدْخَلوا أنفسَهم بسببه فيما لا يَعْنيهم، ولو تَفَهَّموا الأمورَ على ما هي عليه لعَرفوا للصِّدِّيق
فضلَه، وقَبِلوا منه عُذْرَهُ الذي يجبُ على كلّ أحدٍ قَبولُه، ولكنهم طائفةٌ مَخْذولةٌ ، وفِرْقَةٌ مَرْذولةٌ ،
يَتَمسَّكون بالمُتشابه، ويَتْرُكون الأمورَ المُحْكَمَةِ المُقَرَّرَةُ(١) عند أئمة الإسلام ، من الصحابة والتابعين ،
فمنْ بعدَهم من العلماء المُعْتَبرين في سائر الأعْصار والأمْصار ، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين .
بيانُ روايةِ الجَماعَةِ لمِا رَواهُ الصِّدِّيقُ ومُوافَقَتِهِمْ على ذلك
قال البخاري(٢): حدَّثنا يحيى بن بُكَير، ثنا الَّلَيْثُ، عن عُقَيل، عن ابن شهاب ، قال: أخبرني
مالك(٣) بن أوس بن الحَدَثان ، وكان محمد بن جُبَيْر بن مُطْعم ذكر لي ذِكراً من حديثه ذلك ، فانطلقتُ
حتى دخلتُ عليه ، فسألتُه ، فقال : انطلقتُ حتى أدْخُلَ على عُمَرَ ، فأتاهُ حاجبُه يَرْفا ، فقال : هل لك في
عثمانَ وعبد الرحمن بن عَوْفٍ ، والزُّبَيْرِ وسَعْدٍ ؟ قال : نعم، فأذِنَ لهم، ثم قال : هَلْ لَكَ في عليّ
وعبّاس؟ قال : نعم . قال عباس: يا أمير المؤمنين اقضٍ بَيْني وبينَ هذا، قال: أنْشُدُكمْ بالله الذي
بإذنِهِ تقومُ السَّماءُ والأرضُ، هل تعلمون أنَّ رسول الله وَّهِ قال: ((لا نُورثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ؟)) يريدُ
رسولُ اللهِ وَِّ نفسَه؟ قال الرهط : قَدْ قالَ ذلك. فأقبلَ على عليّ وعباس، فقال: هل تَعْلَمان أنَّ
رسول الله وَّ قد قال ذلك؟ قالا: قَدْ قالَ ذلك. قال عمر بن الخطاب: فإنّي أُحَدِّثكم عن هذا
الأمر؛ إنّ اللهَ كانَ قد خَصَّ لرسولِ اللهِوَّهِ في هذا الفيء بشيءٍ لم يُعْطِه أحداً غيرَه. قال ﴿وَمَآَ أَقَ اللَّهُ عَلَى
رَسُولِهِ﴾ إلى قوله ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] فكانَتْ خالصةً لرسول الله وَ لَه، والله ما احتازَها٤) دونكم ،
ولا اسْتَأثر بها٥) عليكم، لقد أعطاكموها ويثَها فيكم، حتى بقيَ منها هذا المالُ، فكانَ رسول الله ◌ِل
(١) ط : (المقدَّرة ).
(٢) البخاري ( ٦٧٢٨).
(٣) ط: (ملك بن أوس بلن الحدثنان) وكلها تحريفات. وانظر سير أعلام النبلاء (٤/ ١٧١).
(٤) أ : ( ما اختارها) .
(٥) أ، ط : ( استأثرها).
٤٠٩
رواية الجماعة لما رواه الصدِّيق
يُنْفقُ على أهله من هذا المال نفقةَ سَنَتِهِ ، ثمَّ يأخذُ ما بقي فَيَجْعَلَه مَجْعَلَ مالِ اللهِ، فعملَ بذلك رسولُ الله
مَ ◌ّ حياتَه ، أنشْدُكم بالله هل تَعْلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم قال لعليٍّ وعباس: أنْشُدُكما باللهِ هل
تَعْلَمان ذلك؟ قالا: نعم! فَتَوفَّى اللهُ نبيَّه فقال أبو بكر، رضي الله عنه: أنا وَلِيُّ رسولِ اللهِوَّر .
فقَبضَها فعمِلَ بما عمِل به رسول اللهِوَ ◌ّهِ ثُم توفَّى اللهُ أبا بكر ، فقلتُ: أنا وَلِيُّ وليّ رسولِ اللهِّ فَقَبضتها
سنتين ، أعْمَلُ فيها بما عمل رسولُ الله ◌َ وأبو بكر، ثم جِئْتُماني وكَلِمَتْكما واحدةٌ وأمرُكُما جميعٌ ، حتى
جئتَي تسألُنِي نَصِيبَك من ابن أخيك ، وجاءني هذا ليسأَلَني نصيبَ امرأتِهِ من أبيها ، فقلتُ : إن شِئْتُما
دفعتُ إليكُما بذلك، فَتَلْتَمسانِ مني قَضاء غيرَ ذلك !! فوالله الذي بإذنِهِ تقومُ السماءُ والأرضُ ، لا أقْضي
فيها قضاء غيرَ ذلك حتَّى تقومَ الساعة ، فإن عَجَزْتُما فادفعاها إليّ فأنا أكْفيكُماها. وقد رواه البخاري(١)
في أماكن متفرقة من ((صحيحه))، ومسلم(٢) وأهل السنن(٣) من طرقٍ ، عن الزهري به .
وفي روايةٍ في ((الصحيحين)(٤)، فقال عمر: فَوَليها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول الله وَّر ،
واللهُ يعلمُ أنَّه صادقٌ بارزٌّ راشدٌ تابعٌ للحقّ ، ( ثم وليتُها فعملتُ فيها بما عملَ رسول الله وٍَّ وأبو بكر ، والله
يعلم أني صادقٌ بارزٌ [ راشد ] تابعٌ للحق(٥) ثم جئتُماني فدفعتها إليكما لتعملا فيها بما عَمِلَ رسولُ اللهِ وَله
وأبو بكر ، وعملتُ فيها أنا ، أنْشدُكُم بالله أدفعتُها إليهما بذلك؟ قالوا: نعم . ثم قال لهما: أنْشُدُكما
بالله هل دفعتُها إليكما بذلك ؟ قالا : نعم ، قال : أفَتَلْتمسان مني قَضاءً غيرَ ذلك ؟ لا ، والذي بإذنه تقومُ
السَّماءُ والأرضُ .
وقال الإمام أحمد(٦): حذَّثنا سُفْيان عن عمرو ، عن الزُّهْري ، عن مالك بن أوس ، قال : سَمِعْتُ
عمر يقول لعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد : نَشَدْتُكُم بالله الذي تقومُ السماءُ والأرضُ بأمره ، أعلمتُم
أنّ رسولَ الله ◌َّهِ، قال: ((لا نُوَرِثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ؟)) قالوا: نعم. على شرط الصحيحين.
قلت : وكان الذي سَأَلاهُ بعدَ تَفْويضِ النظرِ إليهما، والله أعلم، هو أن يَقْسِمَ بينهما النظرَ ، فيجعَل
لكلِّ واحدٍ منهما نظر ما كان يستحقُّه بالإرث (٧) لو قُدِّر أنه كان وارثاً، وكأنهما قدَّما بينَ أيديهما جماعةً من
الصَّحابة ، منهم عثمانُ وابن عوفٍ وطلحةُ والزُّبِيرُ وسَعْدٌ ، وكان قد وَقَعَ بينهما خُصومٌ شديدٌ بسببٍ
(١) البخاري (٣٠٩٤، ٤٠٣٣، ٥٣٥٨، ٧٣٠٥).
(٢) مسلم ( ١٧٥٧) (٤٨) و(٤٩) و(٥٠).
(٣) أبو داود ٢٩٦٣، والترمذي (١٦١٠)، والنسائي في السنن الكبرى (٦٣٠٧ - ٦٣١٠)، والحديث ليس عند ابن
ماجه .
(٤)
البخاري ( ٧٣٠٥) ومسلم ( ١٥٧) (٤٩).
ليس ما بين القوسين في ط .
(٥)
(٦) مسند الإمام أحمد (٢٥/١، ١٦٢، ١٦٤، ١٩١).
(٧) ط: (بالأرض) وأ: ( من الإرث ).
٤١٠
رواية الجماعة لما رواه الصدِّيو
إشاعةِ النَّظَر بينهما ، فقالت الصّحابةُ الذين قدماهم بينَ أيديهما : يا أميرَ المؤمنين اقض بينهما، وأرِخُ(١)
أحدَهما من الآخر. فكأنَّ عُمَرَ ، رضي الله عنه، تَحَرَّجَ من قِسْمَةِ النَّظَرِ بَيْنَهُما بما يُشْبِهُ قِسْمَةُ(٢) الميراث
ولو في الصّورة الظاهرة، محافظةً على امتثال قوله ◌َ له: ((لا نُورثُ، ما تَرَكْنَا صدقةٌ)) فامتنع عليهم كلِّهم
وأبى من ذلك أشدَّ الإباء ، رضي الله عنه وأرضاه ، ثم إنّ علياً والعباسَ استمرّا على ما كانا عليه ، ينظران
فيها جميعاً إلى زمانٍ عثمان بن عفان ، فغلبه عليها عليٍّ وتركَها له العباس بإشارةِ ابنه عبد الله ، رضي الله
عنهما ، بين يَدَيْ عُثْمان، كما رَواهُ أحمدُ في ((مسنده)(٣)، فاستمرت في أيدي العَلَويّين . وقد تَفَصَّيْتُ
طرقَ هذا الحديث وألفاظَه في مسندَي الشَّيْخَيْن أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، فإنّي ، ولله الحمد ،
جَمَعْتُ لكلِّ واحدٍ منهما مُجَلَّداً ضَخْماً مما رواه عن رسول الله بِّه، ورآه من الفِقْهِ النافِعِ الصَّحيح ،
وَرَتَّبْتُه على أبواب الفقهِ المُصْطَلَح عليها اليوم . وقد رُوِّينا أن فاطمة، رضي الله عنها، احتجَّت أولًا
بالقياس وبالعموم في الآية الكريمة ، فأجابها الصِّدِّيقُ بالنصِّ على الخُصوص بالمَنْع في حقّ النبيّ ، وأنها
سلَّمَتْ له ما قال . وهذا هو المظنونُ بها ، رضي الله عنها .
وقال الإمام أحمد(٤): حدَّثنا عَفّان، ثنا حماد بن سَلَمة، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سَلَمة ، أنّ
فاطمةَ قالت لأبي بكر : من يَرتُكَ إذا مِتَّ؟ قال: ولدي وأهلي. قالت: فما لنا لا نرثُ رسول الله ◌ِّهِ ؟
فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ ◌َّ يقولُ: ((إن النبيَّ لا يورثُ)) ولكنّي أعولُ منْ كانَ رسولُ اللهَوَّ هِ يَعولُ وأُنفقُ
على منْ كانَ رسولُ اللهُ بِّهِ يُنْفَقُ. وقد رواه الترمذي في ((جامعه)(٥) عن محمد بن المُثَنَّى، عن
أبي الوليد الطَّيالسي (قال: حدثنا حماد بن سلمة)٦) ، عن محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة ، عن
أبي هريرة ... فذكره، فوصل (٧) الحديث . وقال الترمذي : حسنٌ صحيح غريب(٨)
فأما الحديثُ الذي قال الإمام أحمد(٩): حدَّثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ، ثنا محمد بن فُضيل ،
عن الوليد بن جُمَيْع، عن أبي الطُّفَيْل، قال: لما قُبضَ رسولُ اللهِوَّهِ أرسلَتْ فاطمةُ إلى أبي بكرٍ : أأنتَ
(١) ط : ( أو أرح ).
(٢) ليس اللفظ في ط .
مسند الإمام أحمد (١٣/١)، وإسناده صحيح .
(٣)
(٤)
مسند الإمام أحمد (١/ ١٠)، وهو حديث صحيح لغيره .
(٥)
الترمذي ( ١٦٠٨ )، وهو حديث صحيح .
(٦) ما بين الحاصرتين من جامع الترمذي ، ولا بد منها .
(٧) ط : ( وصل ) .
(٨) هكذا وقع في أو ط ، والذي في جامع الترمذي والتحفة : حسن غريب ، وهو الصواب ، فقد ذكر غير واحد أنه روي
من غير ذكر أبي هريرة فيه ، كما بيناه في تعليقنا على الترمذي ( بشار) .
(٩) في مسنده (١/ ٤) .
٤١١
رواية الجماعة لما رواه الصدِّيق
وَرِثْتَ رسولَ اللهِ أم أهلُه؟ فقال: لا بل أهلُه، قالت (١): فأين سهم رسول الله وَّه؟ فقال أبو بكر: إني
سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((إنَّ الله إذا أطْعَمَ نبيّاً طُعْمَةً ثمّ قَبَضَه جَعَلَهُ للّذي يَقومُ من بَعْدِه)) فرأيتُ أن
أردّه على المسلمين. قال (٢): فأنْتَ وما سَمِعْتَ من رسول الله وَِّ﴾(٣). وهكذا رواه أبو داود(٤) ، عن
عثمان بن أبي شيبة ، عن محمد بن فُضَيْل به . ففي لفظ هذا الحديث غرابةٌ ونكارةٌ ، ولعلَّه رُوي بمعنى
ما فَهِمَه بعضُ الرواة ، وفيهم منْ فيه تَشَتُّعٌ ، فَلْيُعْلَمْ ذلك، وأحسنُ ما فيه قولُها : أنتَ وما سَمِعْتَ من
رسول الله وَ﴿، وهذا هو(٥) المظنونُ بها، واللائقُ بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها ، رضي الله عنها .
وكأنَّها٦) سأَلَتْهُ بعدَ هذا أن يجعلَ زوجَها ناظراً على هذه الصدقة ، فلم يُجِبْها إلى ذلك ، لما قدمناه ،
فَتَعَتَّبَتْ (٧) عليه بسبب ذلك وهي امرأةٌ من بناتِ آدم ، تأسف كما يأسفون ، وليست بواجبةِ العِصْمَةِ مع
وجودٍ نصِّ رسولِ الله وََّ، ومخالفةِ أبي بكر الصديق، رضي الله عنه وأرضاه ، وقد رُوِّينا عن أبي بكر
رضي الله عنه : أنه ترضَّى فاطمة وتلاينها قبل موتها فرضيت رضي الله عنها .
قال الحافظ أبو بكر البيهقي(٨): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ٩ ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ،
ثنا محمد بن عبد الوهاب، ثنا عَبدان بن عثمان العَتكي بنيسابور، أنبأنا أبو حمزة٠ ١) ، عن إسماعيل بن
أبي خالد ، عن الشعبي ، قال : لما مَرِضتْ فاطمةُ أتاها أبو بكر الصّدّيقُ فاستأذَنَ عليها ، فقال علي :
يا فاطمةُ هذا أبو بكر يَسْتَأْذِنُ عليكِ . فقالت : أتحبُّ أن آذنَ له ؟ قال : نعم . فأذِنَتْ له فدخلَ عليها
يَتَرِضَّاها ، فقال : واللهِ ما تركتُ الدارَ والمالَ والأهل والعَشيرة إلا ابتغاءَ مَرْضاةِ الله ، ومرضاةِ رسولِهِ .
ومرضاتِكُمْ أهْلَ البَيْتِ، ثم تَرَضّاها حتى رَضَيتْ. وهذا إسنادٌ جيدٌ قويٌّ. والظَاهِرُ أنّ عامِر؟١١) الشَّعبي
سَمِعَهُ من عليّ ، أو مِمَّنْ سَمِعَه من عليّ .
وقد اعترفَ عُلماءُ أهل البَيْتِ بصحَّةٍ ما حَكَم به أبو بكر في ذلك . قال الحافظ البيهقي(١٢) : أخبرنا
(١) ط : (فقالت ).
(٢) ط : قالت.
(٣) بعدها في المسند ( أعلم ) .
(٤) أبو داود ( ٢٩٧٣).
(٥) ط : (وهذا هو الصواب والمظنون بها) وفي أ : (وهذا الصواب والمظنون بها ).
(٦) ط : ( ولكنها ) .
(٧) ط : ( فعتبت ).
(٨) السنن الكبرى للبيهقي (٣٠١/٦).
(٩) ليست عبارة ( أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ) في ط .
(١٠) في سنن البيهقي : ( أبو ضمرة ).
(١١) ط : ( أن عامر ) خطأ.
(١٢) السنن الكبرى للبيهقي (٣٠٢/٦).
٤١٢
رواية الجماعة لما رواه الصدِّيق
محمد بن عبد الله الحافظ ، ثنا أبو عبد الله الصَّفّار ، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، ثنا نَصْرُ بن علي ،
ثنا ابن داود، عن فُضَيْل بن مرزوق ، قال : قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(١) : أما
أنا فلو(٢) كنت مكان أبي بكر ، رضي الله عنه، لحَكمْتُ بما حَكَم به أبو بكرٍ رضي الله عنه ، في فَدَك .
فصل
وقد تَكَلَّمَتِ الرّافِضَةُ في هذا المقام بجَهْلٍ ، وتكَلَّفُو(٣) ما لا عِلْمَ لهم به، وكذَّبوا بما لم يُحيطوا
بِعِلْمِه، ولمّا يَأْتِهِم تأويلُه، وأدْخَلُوا أنفسَهم فيما لا يَعْنيهم، وحاوَلَ بعضُهم أن يَرُدَّ خبرَ أبي بكرِ(٤) رضي
الله عنه، فيما ذكرناه بأنّه مخالفٌ للقرآن حيث يقول الله تعالى: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيَّمَنُ دَاوُودٌ﴾ [ النمل: ١٦] الآية.
وحيث قال تعالى إخباراً عن زكريا أنه قال: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثْنِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ وَأَجْعَلْهُ
رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٥ -٦] واستدلالهم هذا٥) باطلٌ من وجوهٍ: أحدُها أن قوله: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودٌ ﴾
[ النمل: ١٦] إنما يعني بذلك في المُلْك والنُّبوة، أي جَعَلْناه قائماً بعدَه فيما كانَ يليه من المُلْكِ وتَدْبير
الرَّعايا ، والحكم بين بني إسرائيل ، وجعلناه نبياً كريماً كأبيه، وكما جُمع لأبيه المُلْكُ والنُّوّةُ ، كذلك
جُعِلَ ولدهُ بعدَه ، وليس المرادُ بهذا وراثةَ المال ؛ لأن داود كما ذَكَرَه كثيرٌ من المُفسِّرين كان له أولادٌ
كثيرون يقال : مئة ولدٍ(٦) ، فلِمَ اقتصْرَ على ذكر سليمان من بينهم لو كان المراد وِراثةَ المال ؟ إنما المرادُ
وراثةُ القيام بعدَه في النبوة والملك، ولهذا قال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُرَّدٌ﴾ [ النمل: ١٦] وقال :
﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنِطِقَ الَّيْرِ وَأُوتِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [ النمل: ١٦] وما بعدها من
الآيات . وقد أشبعنا الكلام على هذا في كتابنا (( التفسير )) بما فيه كفاية ، ولله الحمدُ والمنةُ كثيراً .
وأما قِصَّةُ زَكريّا فإنّه عليه السلام ، من الأنبياء الكرام ، والدُّنْيا كانَتْ عِنْدَه أحْقَرَ منْ أن يَسْأَلَ اللهَ ولداً
ليرتَه في ماله ، كيف؟ وإنما كان نجاراً يأكُلُ من كَسْب يَدِهِ كما رواه البخاري(٧)، ولم يكُنْ لِيَدَّخِرَ منها
فوقَ قُوتِهِ حتى يَسْألَ الله ولداً يرثُ عنه مالَه - أن لو كان له مال(٨) - وإنما سأل ولداً صالحاً يرثه في النبوة
والقيام بمصالح بني إسرائيل ، وحملهم على السَّداد. ولهذا قال تعالى: ﴿كَهِيعَصَ ﴾ ذِكْرُ رَحْمَتِ
(١) ليس ( بن أبي طالب ) في أ.
(٢) ط : ( أما لو كنت ) .
(٣) ط : ( وتكفلوا ) تحريف .
(٤)
ليس اللفظ في ط .
ط : ( واستدلالاتهم بهذا ) .
(٥)
(٦) ليس اللفظ في ط .
(٧) ليس الحديث عند البخاري كما قال المصنف رحمه الله، بل هو عند مسلم رقم (٢٣٧٩).
(٨) ط : ( ماله ).
٤١٣
رواية الجماعة لما رواه الصدِّيق
رَئِكَ عَبْدَهُ زَكَرِنَّ ﴿ إِذْ نَادَى رَبَُّ نِدَاءَ خَفِيًّا (٢) قَالَ رَبٍ إِ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ
بِدُ عَئِكَ رَبِّ شَقِيًّا (١٥) وَ إِنِى خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِن لَُّنكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِىِ وَبَرِثُ
مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِّ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ١ - ٦] القصة بتمامها. فقال: ﴿ وَلِيًّا (٥) يَرِثُبِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ
يَعْقُوبِّ﴾ [مريم: ٦]، يعني النبوة، كما قَرَّرنا ذلك في (( التفسير)) ولله الحمد والمنة . وقد تقدَّم في
رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر، أنَّ رسول الله وَّهِ قال: ((النبيُّ لا يُورَثُ )) وهذا اسمُ
جنسٍ يَعُمُّ كُلَّ الأنْبياء، وقد حَسَّنَهُ الترمذي. وفي الحديث الآخر: ((نَحْنُ مَعْشَرَ الأنبياءِ لا نُورَثُ)(١).
والوجه الثاني: أنَّ رسولَ الله ◌ِّهِ قد خُصَّ من بينِ الأنْبياء بأحْكام لا يُشارِكونه فيها ، كما سنَعْقدُ له
باباً مُفْرداً في آخر السِّيرة، إن شاء الله، فلو قُدِّرَ أنّ غيرَهُ من الأنبياء يُورَثون - وليس الأمر كذلك - لكانَ
ما رواهُ منْ ذكرنا من الصحابة الذين منهم الأئمة الأربعة ؛ أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليٌّ مُبِّيناً
لِتَخْصيصه بهذا الحكم دونَ ما سواه .
والثالث : أنه يجبُ العملُ بهذا الحديثِ والحكمُ بمقتضاه ، كما حَكَمَ به الخُلَفَاءُ ، واعْتَرفَ بصحّته
العلماء ، سواء كان منْ خصائصه أم لا، فإنه قال: ((لا نُورَثُ، ما تَرْكنا٢) صَدَقةٌ)) إذ يَحْتَمِلُ من حيثُ
اللفظُ أن يكونَ قولُهُ عليه الصلاة والسلام: (( ما تركنا صَدَقَةٌ)) أن يكونَ خبراً عن حُكْمِه او حُكْم سائر
الأنبياءِ معه ، على ما تَقَدَّم وهو الظاهر، ويحتملُ أن يكون إنشاء وَصِيَّةٍ(٣) كأنه يقول : لا نورثُ لأن جميع
ما تركناه جعلناه(٤) صدقةً، ويكون تخصيصُه من حيثُ جوازُ جعلِه مالَه كلَّه صدقةً، والاحتمالُ الأولُ
أظهرُ. وهو الذي سلكه الجمهور . وقدْ يَقْوَى المعنى الثاني بما تقدَّم من حديث مالكٍ وغيره ، عن
أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنّ رسولَ اللهَوَ لَه قال: ((لا يَقْتَسِمُ(٥) وَرَثَتَي ديناراً، ما تَرَكْتُ
بعدَ نفقهِ نِسائي ومُؤْنَةِ عاملي فهو صدقةٌ)) وهذا اللفظ مخرجٌ في (( الصحيحين)) وهو يردّ تَحْرِيفَ منْ قال
من الجَهَلَة من طائفةِ الشّيعةِ في روايةِ هذا الحديث ما تركنا (١) صدقةً بالنصب ، جعل - ما - نافية ، فكيف
يصنع بأول الحديث ، وهو قوله : لا نُورثُ؟! وبهذه الرواية (( ما تركت بعدَ نفقة نسائي ومُؤْنَة عامِلي فهو
صَدَقةٌ)) وما شأنُ هذا إلا كما حُكِيَ عن بعض المعتزلة أنه قَرَأَ على شيخٍ من أهل السُّنَّة: وكَلَّمَ اللّهُ مُوسى
(١) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/١٢) وأما ما اشتهر في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ ((نحن معاشر الأنبياء
لا نورث)) فقد أنكره جماعة من الأئمة، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ ((نحن)) لكن أخرجه النسائي في
((الكبرى)) رقم (٦٣٠٩) بلفظ ((إنا معشر الأنبياء)) أقول: وهو عند أحمد (٤٦٣/٢) من حديث أبي هريرة بإسناد
صحيح .
(٢) ط : ( ما تركناه ) .
(٣) ط : (وصيته ) .
(٤) ليس اللفظ في ط .
(٥) ط : ( لا تقتسم) .
٤١٤
باب ذکر روجاته واولا ده چچ
تكليماً بنصب الجلالة ، فقال له الشيخ : ويحك ، كيف تصنع بقوله تعالى : ﴿ولما١ً) جاء موسى
لميقاتنا فكلمه ربه ﴾ [ الأعراف: ١٤٣ ] .
والمقصود أنه يجبُ العملُ بقوله ◌َِّ: ((لا نُورَثُ، ما تركنا صَدَقةٌ)) على كلِّ تقديرٍ احتملَه اللفظُ
والمَعْنى، فإنّه مُخَصَّصٌ لعموم آيةِ الميراثِ ، ومخرجٌ له عليه الصلاة والسلام منها ، إما وحده ، أو مع
غيره من إخوانه الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام .
باب ذكر
صَلىالله
وسيلة
زوجاته صلوات الله وسلامه عليه وأولاده
قال الله تعالى: ﴿يَنِسَآءَ النَّ لَسْئُّنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ الْنِسَآءِ إِنِ آَتَّقَيَتُنُّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضُ
وَقُلْنَ فَوْلاً مَّعْرُوفًا (٢٤) وَقَرْنَ فِى بُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّحْنَ تَبَرُّعَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اَللَّهَ
وَرَسُولَهُ؟ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيرًا () وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ
مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةٍ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٢ - ٣٤] لا خلاف أنه عليه الصلاة والسلام
تُوقِّي عن تسعٍ وهُنّ ؛ عائشةُ بنتُ أبي بكر الصديق التَّيميّة ، وحَفْصَة بنت عمر بن الخطاب العَدَوية ،
وأم حبيبة رَمْلَةَ بنت أبي سُفيان صخر بن حرب بن أمية الأموية، وزَيْنَبُ بنتُ جَحْشِ الأسَدِيّة، وأمّ سَلَمَة
هندُ بنتُ أبي أُمَيَّة المَخْزومية، ومَيْمونة بنت الحارث الهِلاليّة، وسَوْدَةُ بنت زَمْعَة العامرية ، وجُوَيْرِية بنتُ
الحارث بن أبي ضرار المصطلقية ، وصَفيّة بنت حُبَيّ بن أخطب النَّضْريّة الإسرائيلية الهارونيّة ، رضي الله
عنهن وأرضاهن . وكانت له سُرِّيَّتان، وهما : مارية بنت شَمْعون القِبْطيّة المصريّة من كورة أنْصِنا٢ً) وهي
أم ولده إبراهيم عليه السلام ، وريحانةُ بنت شَمْعُون القُرَظيَّة ، أسلمت ثم أعتقها ، فلحقت بأهلها ، ومن
الناس من يزعمُ أنّها٣) احتجبت عندهم ، والله أعلم .
وأما الكلامُ على ذلك مُفَصَّلاً ومرتباً من حيث ما وقعَ أولًا فأولًا مجموعاً من كلام الأئمة ، رحمهم
الله ، فنقول وبالله المستعان :
(١) ط : ( فلما ) .
(٢) ط: ( ألصنا ) تحريف . وأنصنا : بالفتح ، ثم السكون، وكسر الصاد المهملة، والنون، مقصور : مدينة أزلية
من نواحي الصعيد على شرقي النيل ( معجم البلدان : أنصنا ) وبقي منها اليوم أطلال واقعة في مدينة النصلة في
أسيوط ( القاموس الجغرافي: ١٣٢/١ - ١٣٣).
(٣) ليس اللفظ في أ .
٤١٥
ـ ب ذكر روجانه واولاده مال
روى الحافظُ الكبيرُ أبو بكرٍ البيهقيُ(١١ من طريق سَعيد بن أبي٢) عَروبة ، عن قتادة ، قال : تزوَّجَ
رسولُ اللهََِّ بِخَمْسَ عَشْرَةَ امرأة، دخلَ منهن بثلاثَ عشرةَ، واجْتَمَعَ عنده إحدى عشْرَةَ، وماتَ عن تِسْعٍ .
ثم ذكر هؤلاء التِّسع اللاتي ذكرناهن رضي الله عنهنُ(٣). (ورواهُ بَحْرُ بن كَنِيْز(٤) ، عن قتادة ، عن أنس ،
والأول أصحُ (٥) ورواه سَيْفُ بن ◌ُعُمر التَّميمي عن سَعيد عن قتادة عن أنس وابن عباس مثله. وروى سَيْف
عن سَعيد بن عبد الله، عن عبد الله بن أبي مُلَيْكة ، عن عائشة مثله، قالت: فالمرأتان اللتان لم يدخُلْ
بهما ، فهما ؛ عَمْرَةُ بنت يزيد الغِفارَّةُ والشَّنْباء، فأمّا عَمْرَةُ، فإنّه خَلا بها وجَرَّدها فرأى بها وَضَحا٦ً) ،
فردَّها وأوجبَ لها الصِّداقَ ، وحُرِّمَتْ على غَيْره ، وأما الشَّنْباء ، فلمّا أُدْخِلَتْ عليه لم تَكُنْ يَسيرةً ، فَتَرَكَها
يَنْتَظِرِ بها اليسَر، فلمّا مات ابنُه إبراهيمُ على تَفِئَةِ(٧) ذلك، قالت: لو كان نبيّاً لم يَمُتِ ابنُهُ ، فَطَلَّقَها
وأوْجَبَ لها الصّداقَ ، وحُرِّمَتْ على غيره، قالت : فاللاتي اجْتَمَعْنَ عنده ؛ عائشةُ، وَسْوَدةُ،
وحَفْصَةُ، وأم سَلَمَةَ ، وأم حَبيبة ، وزينب بنت جَحْشٍ ، وزينبُ بنت خُزَيْمة ، وجُوَيْرية ، وصَفِيَّة ،
وميمونة ، وأم شريك .
قلت: وفي ((صحيح البخاري (٨): عن أنسٍ أنَّ رسول الله وَ ه كانَ يَطوفُ على نسائِه وهُنَّ إحدى
عَشْرَةَ امرأةً . والمشهورُ أنَّ أَمَّ شَريكِ لم يدْخُل بها ، كما سَيَأْتي بيانُه، ولكنَّ المُراد بالإحدى عَشْرَةَ
اللَّتِي (٩) كان يطوفُ عليهنّ التِّسْعُ المَذْكوراتُ والجاريتانِ ماريةُ ورَيْحانَةُ .
وروى يعقوب بن سُفْيان الفَسَوي ، عن الحَجّاجِ بن أبي مَنيع ، عن جدّه عُبيد الله بن أبي زياد
الرُّصافيّ، عن الزُّهْريّ - وقد علقه البخاري في ((صحيحه)) عن الحجّاج هذا - وأوردَ له الحافظُ ابنُ
عساكر١٠) طُرُقاً عنه أنّ أولَ امرأةٍ تزوّجَها رسولُ الله ◌َّه خديجةُ بنتُ خُوَيْلِدِ بن أَسَدِ بن عبد العُزَّى بن
قُصَيّ، زَوَّجَه إياها أبوها قبلَ البِعْثَةِ - وفي روايةٍ قال الزهري: وكان عُمرُ رسول الله وَ﴿ يوم تزوَّج خديجةً
(١) دلائل النبوة للبيهقي (٢٨٨/٧ - ٢٨٩).
(٢) ليس اللفظ في ط .
(٣) بعده في ط : ( ورواه سيف بن عمر عن سعيد عن قتادة عن أنس ، والأول أصح ) .
(٤) أ : ( كثير) تحريف وانظر تهذيب التهذيب (١/ ٤١٨) والضبط عنه .
(٥) ليس ما بين القوسين في ط .
(٦) وَضَحٌ أي بَرَصٌ ( النهاية: وضح ) .
(٧) ط: (على بغتة) تحريف. وعلى تفئة ذلك، أي على أثره، وفيه لغة أخرى (على تئفة ذلك ) بتقديم الياء على
الفاء ، وقد تشدّد ( النهاية : تفأ ) .
(٨) البخاري ( ٢٦٨، ٢٨٤، ٥٠٦٨، ٥٢١٥).
(٩) دلائل النبوة للبيهقي (٢٨٢/٧ - ٢٨٦) من طريق الفسوي .
(١٠) تاريخ دمشق - دار الفكر بيروت ( ١٧٧/٣ ) -.
٤١٦
باب ذكر زوجاته واولاده د
إحدى وعشرين سنة ، وقيل : خمساً وعشرين سنة . زمان بُنيتِ الكَعْبةُ . وقال الواقدي : وزاد ولها
خمسٌ وأربعون سنةً . وقال آخرون من أهل العلم : كان عمرُه عليه الصلاة والسلام يومئذٍ ثلاثين سنة .
وعن حكيم بن حزام ، قال : كان عمرُ رسول الله يوم تزوَّج خديجة خمساً وعشرين سنة ، وعمرها أربعون
سنة . وعن ابن عباس : كان عمرها ثمانياً وعشرين سنة . رواهما ابن عساكر . وقال ابن جريج : كان
عليه الصلاة والسلام ابنَ سبع وثلاثين سنةً، فولدت له القاسم ، وبه كان يُكَنَّى، والطَّيِّب ، والطّاهِرَ ،
وزينبّ ، ورُقيةَ ، وأمَّ كلثوم ، وفاطمةً .
قلت : وهي أم أولاده كلّهم سوى إبراهيم ، فَمِنْ مارية كما سيأتي بيانُه . ثم تكلم على كل بنت من
بنات رسول الله وَ ◌ّله ومن تزوَّجَها، وحاصلُه: أنَّ زينبَ تَزَوَّجَها أبو(١) العاص بن الربيع بن عَبْد العُزَّى بِنِ
عبد شمس بن عبد مناف، وهو ابنُ أختِ خَديجةَ ، أُمه هالة بنتُ خُوَيْلدٍ ، فولدت له ابناً اسمُهُ عليٍّ ، وبنتاً
اسمُها أُمامة بنتُ زَيْنَب ، وقد تَزَوَّجَها عليُّ بنُ أبي طالب بعدَ وفاةٍ فاطمة ، وماتَ وهي عندَهُ، ثم تزوَّجتْ
بعدَه بالمغيرة بن نَوْفَل بن الحارث بن عبد المطلب . وأمّا رُقيَّةُ فَتَزَوَّجها عثمانُ بن عَفّان ، فولدَتْ له ابنَه
عبدَ الله، وبه كان يُكَنَّى أولًا، ثم اكْتَنَى بابِهِ عَمْرٍو، وماتَتْ رُقَيّة، ورسولُ الله ◌ِّهِ ببدرٍ، ولمّا قَدِمَ
زيد بن حارثة بالبشارةِ وَجَدَهُم قد ساوَوْا التُّرابَ عليها، وكان عثمانُ قد أقام عندَها يُمَرِّضُها، فضربَ لهُ
رسولُ اللهَِّ بِسَهْمِه وأجْرِه، ثم زَوَّجه بأُخْتِها أمِّ كُلْثوم، ولهذا كان يُقالُ له: ذو النُّورَيْنِ ، فَتُوفّيتْ عنده
أيضاً في حياة رسول الله وَّر، وأما فاطمةُ فتزوّجَها ابنُ عمِّه عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب، فدخلَ
بها بعدَ وقعة بدرٍ كما قدمنا ، فولدت له حسناً وبه كان يكنَّى، وحُسيناً وهو المَفْتولُ شَهيداً بأرض العراق .
قلت : ويقال: ومُحْسِناً . قال : وزينب وأمَّ كُلْثوم، وقد تزوَّجَ زينَب هذه ابنُ عمِّها عبدُ الله بن
جعفر ، فولدَتْ له علياً وعَوْناً وماتت عنده، وأمّا أمّ كلثوم ، فَتَزوّجها أمير المؤمنين عُمر بن الخطاب ،
فولدت له زيداً ومات عنها ، فتزوَّجَتْ بعده ببني عَمِّها جعفرٍ واحداً بعد واحدٍ ، تزوجت بعَوْنِ بن جعفرٍ ،
فمات عنها ، فخلفَ عليها أخوه محمد ، فمات عنها ، فخلف عليها أخوهما عبد الله بن جعفر ، فماتت
عنده. قال الزهري: وقد كانت خديجة بنت خُوَيْلدٍ تزوَّجَتْ قبل رسول الله وَله برجُلَيْن؛ الأول: منهما
عَتيق بن عائذ(٢) بن مَخْزوم ، فولدت منه جارية ، وهي أم محمد بن صَيْفيّ ، والثاني : أبو هالة
التميمي، فولدت له هند بن هند، وقد سماه ابن إسحاق (٣) ، فقال: ثُمَّ خَلَفَ عليها بعد هلاك
[عتيق بن] عائذ(٤) أبو هالة النّاش بن زرارة ، أحد بني عمرو بن تميم ، حليف بني عبد الدار ، فولدت
(١) ليس اللفظ في ط . وانظر الإصابة.
(٢) ط: (عابد) وانظر جمهرة أنساب العرب (١٤٢).
(٣) سيرة ابن هشام (٢/ ٦٤٣ - ٦٤٤).
(٤) ط: (عابد) وفي السيرة ( عتيق بن عابد ).
٤١٧
باب ذكر زوجاته واولاده العائلة
له رجلاً وامرأة. ثم هلك عنها، فخلف عليها رسولُ اللهِ وَ ﴿ فولَدَتْ له بناتِهِ الأرْبَعَ، ثم بعدَهن القاسمَ
والطيّبَ والطّاهِرَ ، فذهب الغِلْمةُ جميعاً وهم يرضعون .
قلتُ: ولم يَتَزَوَّج عليها رسولُ اللهِ وَ ل﴿ مدةَ حياتها امرأةً، كذلك رواه(١) عبد الرزاق ، عن معمر ،
عن الزُّهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أنها قالت ذلك . وقد قدَّمنا تَزْويجها في موضعِه وذكرنا شيئاً من
فضائلها بدلائلها .
قال الزهري : ثم تزوَّجَ رسولُ الله ◌َِّ بعدَ خديجة بعائشة بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قُحافة عثمان بن
عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَّيْم بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْرِ بن
كنانة ، ولم يتزوج بِكْراً غيرها .
قلت: ولم يُولَد له منها ولدٌ، وقيل: بل أسقَطت منه ولداً سمّاه رسولُ الله وَّل عبد الله، ولهذا كانت
نُكَنَّى بأمّ عبد الله . وقيل: إنما كانت تُكَنَّى بعبد الله ابنٍ أُخْتها أسماء من الزبير بن العَوّام ، رضي الله
عنهم .
قلت: وقد قيل: إنَّه ◌ِّهِ تزوج سَوْدَه قبلَ عائشة، قاله ابن إسحاق وغيرُه كما قدَّمنا ذِكرَ الخلاف في
ذلك . فالله أعلم . وقد قدَّمنا صفةَ تزويجه ، عليه الصلاة والسلام بهما قبل الهجرة ، وتأخَّر دخوله بعائشة
إلى ما بعدَ الهجرة .
قال(٢) وتزوّجَ مَِّ حَفْصَة بنت عمر بن الخطاب، وكانت قبلَه تحت خُنَيْس بن حُذافَة بن قيس بن
عديٍّ بن حُذافة بن سَهْم بن عَمْرو بن هُصَيْص بن كعب بن لؤي ، مات عنها مُؤْمناً .
قال(٣): وتزوجٍ وَلَّ أَمَّ سلمة هند بنت أبي أمية بن المُغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانَتْ
قبلَهُ تحتَ ابن عمها أبي سَلَمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم .
قال(٤): وتزوج تَّ سَوْدَة بنت زَمْعَة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ؤُدّ بن نَصْر بن مالك بن حِسْل بن
عامر بن لُؤَيّ ، وكانت قبلَه تحتَ السَّكْران بن عَمْرو أخي سُهَيْل بن عمرو بن عَبْد شَمْس ، مات عنها
مُسْلِماً بعدَ رجوعه وإياها من أرض الحَبَشَةِ إلى مكة رضي الله عنهما .
قال(٥): وتزوج ◌َ﴿ أَمّ حَبيبة رَمْلَة بنت أبي سفيان بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن
(١) مسلم (٢٤٣٦) (٧٧) من طريق عبد الرزاق.
(٢) السيرة النبوية (٦٤٥/٢).
(٣) المصدر ذاته (٦٤٤/٢ - ٦٤٥).
(٤) المصدر ذاته ( ٢/ ٦٤٤).
(٥) المصدر ذاته ( ٢ / ٦٤٥) .
٤١٨
باب ذكر زوجاته واولا ده ﴾
قصَيّ ، وكانت قبلَه تحتَ عُبَيْد الله (١) بن جَحْشٍ بن رِئابٍ، من بني أَسَد بن خُزَيْمة، مات بأرضِ الحَبَشَةِ
نصرانياً ، بعث إليها رسول الله عَمْرو بن أميَّةِ الضَّمْري إلى أرض الحبشة ، فخَطَبها عليه ، فَزَوَّجَها منه
عثمان بن عفان ، كذا قال ، والصواب : خالد بن سعيد بن(٢) العاص، وأصْدَقَها عنه النجاشي أربعمئة
دينار، وبعث بها مع شُرَحْبيل بن حَسَنَة، وقد قدَّمنا ذلك كلَّه مطولاً. ولله الحمد. قال(٣): وتزوج
زينب بنت جَحْش بن رِئاب بن أسَد بن خُزَيْمة، وأمّها أميمة بنت عبد المطلب عَمَّة رسول الله اَلَه ،
وكانَتْ قبلَه تحتَ زيد بن حارثة مولاه عليه الصلاة والسلام ، وهي أول نسائه لحُوقاً به ، وأولُ من عُمِل
عليها النَّعْشُ، صَنَعَتْهُ أسماءُ بنت عُمَيْسٍ عليها ، كما رأت ذلك بأرض الحَبَشَةِ .
قال(٤): وتزوَّجَمَ ل زينب بنت خُزَيمة، وهي من بني منافِ بن هلال بن عامر بن صَعْصَعَة (ويقال
لها : أمّ المساكين ، وكانت قبلَه تحتَ عبد الله بن جَحْش بن رِئاب، قُتِلَ يومَ أُحدٍ (٥) ، فلم تَلْبَثْ عنده
عليه الصلاة والسلام ، إلا يَسيراً حتَّى تُوفِّيتْ ، رضي الله عنها .
وقال يونس عن محمد بن إسحاق : كانت قبله عند الحُصين بن الحارث بن عبد المطلب بن
عبد مناف ، أو عند أخيه الطُفَيْل بن الحارث .
قال الزُّهْرِي: وتَزَوَّجَ رسول الله وَه مَيْمُونَةَ بنت الحارث بن حَزْنِ بن بُجَيْر بن الهُزَمِ بن رُؤيبة بن
عبد الله بن هلال بن عامر بن صَعْصَعَة ، قال : وهي التي وَهَبَتْ نفسها .
قلت : الصحيح أنه وَّ﴿ خطبها، وكان السفيرَ بينهما أبو رافع مولاه، كما بسطنا ذلك في عُمْرة
القَضاء . قال الزهري : وقد تزوّجَتْ قَبْلَه رجلين: أولهما ابن عَبْدِ يا ليل - وقال سيفُ بن عمر في
روايته : كانت تحتَ عُمَّيْر بن عَمْرو ، أحد بني عُقدة بن ثقيف بن عمرو الثقفي ، مات عنها - ثم خَلَفَ
عليها أبو رُهْمٍ بنُ عبد العُزَّى بن أبي قَيْس بن عبد وُد بن نَصْرِ بن مالكِ بن حِسْل بن عامر بن لُؤي .
قال : وسَبَى رسولُ اللهِ وَّه جُوَيْرية بنتَ الحارث بن أبي ضِرار بن الحارث بن عائذ(٦) بن مالك بن
المُصْطَلق، من خُزاعة، يوم المُرَيْسيع، فأعتقها وتزوَّجها ، ويقال(٧): بل قدم أبوها الحارثُ وكان ملكَ
(١) ط : ( عبد الله) وانظر السيرة النبوية .
(٢) ط : ( عثمان بن أبي العاص ) وما أثبته عن أوالسيرة النبوية .
(٣) سيرة ابن هشام (٢/ ٦٤٤).
(٤) المصدر السابق ( ٢/ ٦٤٧).
(٥) ليس ما بين القوسين في أ .
(٦) ط: (عامر) وانظر الاستيعاب (١٨٠٤).
(٧) دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٥١) .
٤١٩
باب ذكر زوجاته واولا ده المسئ﴾
خزاعةٍ فَأَسْلَم، ثم تَزَوَّجَها منه بََّ، وكانت قبلَه عندَ ابن عمِّها صَفْوان بن أبي الشُّفْرِ(١)، قاله٢) قتادةُ ،
عن سعيد بن المسيّب ، والشعبيُّ، ومحمد بن إسحاق وغيرهم ، قالوا : وكان هذا البطنُ من خُزاعة
حلفاء لأبي سفيان على رسول الله وَله؛ ولهذا يقول حَسّان(٣): [ من الوافر ]
وحِلْفُ الحَارِثِ بنِ أبي ضِرَارٍ وَحِلْفُ قُرَيْظَةٍ فِيكُمْ سَواء(٤)
وقال سيف بن عمر في روايته ، عن سعيد بن عبد الله ، عن ابن أبي مُلَيْكة ، عن عائشة ، قالت :
وكانت جُوَيْرِيَة تحتَ ابن عمِّها مالكِ بن صَفْوان بن تَوْلَب ذي الشُّفْر بن أبي السَّرْح بن مالك بن
المُصْطَلقِ .
قال : وسبى صَفيَّة بنت حُيي بن أخْطَب من بني النضير يومَ خَيبر، وهي عروسٌ بكنانة بن
أبي الحُقَيق ، وقد زعمَ سيفُ بن عمر في روايته أنّها كانت قبلَ كنانةَ عند سَلّم بن مِشْكَم ، فالله أعلم .
قال : فهذه إحدى عشْرَةَ امرأةً دخل بهن . قال : وقد قَسَمَ عمرُ بن الخطاب في خلافته لكلِّ امرأة من
أزواج النبيّ وَ ◌َّاثْنَيُّ(٥) عشر ألفاً، وأعطى جُوَيْرية وصَفية سنَّةَ آلافٍ، سنَّة آلاف (٦) ، بسبب أنهما سُبيتا .
قال الزهري: وقد حَجَبهما رسول الله وَ لِّ وقَسَم لهما.
قلت : وقد بَسَطنا الكلامَ فيما تقدَّم في تَزْويجه عليه الصلاة والسلام كلَّ واحدةٍ من هذه النِّسوة ،
رضي الله عنهن ، في موضعه .
قال الزهري : وتزوج(٧) رسول الله وَّ﴿ العاليةَ بنت ظَبْيان بن عَمْرو من بني أبي(٨) بكر بن كِلاب ،
ودخل بها، وطَلَّقَهَا مَِّ. قال البيهقي: كذا في كتابي، وفي رواية غيره : ولم يدخُلْ بها فَطَلَّقَها.
وقد قال محمد بن سعد(٩) ، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي: حدّثني رجلٌ من بني
أبي بكر بن كِلاب، أنَّ رسولَ الله وَ له تَزَوَّجَ العاليةَ بنت ظَبْيان بن عَمْرو بن عَوْف بن كَعْب بن عَبْدِ بن
أبي بكر بن كلاب ، فمكثت عنده دهراً ثم طلقها .
(١) ط: (السفر) وما أثبته عن. وانظر القاموس المحيط: ( شفر).
(٢) ط : ( قال ) .
البيت في دیوان حسان - دار صادر (١٨/١).
(٣)
(٤)
في ديوان حسان : ( وحلف قريظة منا براءُ ) .
(٥)
ط : ( اثنا ) .
(٦) ليست ( ستة آلاف ) الثانية في ط .
(٧) ط : ( وقد تزوج العالية ) .
(٨) ليست ( أبى) فى أ، ط واستدركتها عن الاستيعاب (١٨٨١/٤)، وتاريخ دمشق (٢٣٣/٣).
(٩) الطبقات الكبرى (١٤٣/٨).
٤٢٠
باب ذكر زوجاته واولاده الصا
وقد روى يعقوب بن سفيان (١) ، عن حجاج بن أبي مَنيع، عن جَدِّه، عن الزُّهْري، عن عُزْوة ، عن
عائشة: أنَّ الضَّحاكَ بن سُفْيان الكِلابيّ هو الذي دلَّ رسولَ اللهِ لَهَ عليها، وأنا أسْمَعُ من وراءِ الحِجاب،
قال : يا رسولَ اللهِ، هَلْ لكَ في أختِ أمّ شَبيبٍ؟ وأمُّ شَبيبِ امرأةُ الضَّحاك ، وبه قال الزهري : وتزوَّجَ
رسولُ اللهِ لهِ امرأةً من بني عَمْرو بن كلابٍ ، فأُنْبىء أن بها بياضاً ، فَطَلَّقها ، ولم يدخل بها .
قلت : الظاهر أن هذه هي التي قبلها ، والله أعلم .
قال: وتزوَّجَ أختَ بني الجَوْن الكِنْدي وهم حلفاء بني فَزارة، فاستعاذت منه، فقال: ((لقد عُذْتِ
بعَظيمٍ ، الحقي بأهْلِكِ)) فطلَّقَها ولم يَدْخُلْ بها. قال: وكانت لرسول الله وَ لَّ سُرِّيَّة، يقال لها : مارية،
فولدت له غلاماً اسمه إبراهيم ، فتُوفِّي وقد ملأ المَهْدَ . وكانتْ له وَليدةٌ يقالُ لها : رَيْحانةُ بنتُ شَمْعون ،
من أهل الكتاب من خنافة ، وهم بطنٌ من بني قُرَيْظة، أعتَقَها رسولُ اللهِ وَّهِ، ويَزْعمون أنَّها قد
احتجبت .
وقد روى الحافظ ابنُ عساكر(٢) بسنده، عن عليّ بن مُجاهدٍ، أنَّ رسولَ اللهِوَ له تزوَّجَ خَوْلَةَ بنت
الهُذَيْلِ بن هُبَيْرة التَّغلبي ، وأُمُها خِرْنِقُ بنتُ خليفة ، أختُ دحيةَ بن خليفةَ ، فحُمِلتْ إليه من الشام ،
فماتَتْ في الطَّريق، فتزوَّجَ خالتَها شَراف(٣) بنتَ فضالة (٤) بن خليفة ، فحُمِلت إليه من الشّام فماتت في
الطريق أيضاً .
وقال يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق(٥). وقد كان رسول الله وَ ل تزوَّجَ أسماءَ بنتَ كَعْبٍ
الجَوْنيّة فلم يَدْخُلْ بها حتى طلَّقها، وتزوَّجَ عَمْرَةَ بنت يزيد(٦) ، إحدى نساء بني كلاب ، ثم من بني
الوحيد ، وكانت قبلَه عند الفضل بن عباس بن عبد المطلب. فطلَّقها ◌ِِّ ولم يدخُلْ بها .
قال البيهقي: فهاتان هما اللتان ذَكَرهما الزُّهْري ولم يُسَمِّهما، إلا أنَّ ابنَ إسحاق لم يذكُر العاليةَ .
وقال البيهقي (٧) : أخبرنا الحاكم ، أخبرنا الأصمّ، أخبرنا أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بکیر ،
عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبيّ، قال: وَهَبْنَ لرسولِ اللهِوَّهِ نساءٌ أَنفسَهُنّ فدخل ببعضهن وأرْجَى
(١) المعرفة والتاريخ (٣٢٣/٣).
(٢)
تاريخ دمشق ( ٣/ ٢٣٣ ) .
(٣) في تاريخ دمشق - دار الفكر - (٢٣٣/٣) (شراقة) وطبعة المجمع - السيرة - (١٩١/١) (شراق) وما أثبته عن
الاستيعاب (١٨٦٨/٤)، والإصابة (٣٤٠/٤).
(٤) ط : ( فضلة ) .
(٥) السير والمغازي لابن إسحاق (٢٦٧) وتاريخ دمشق - مجمع اللغة العربية - السيرة - (١٨٧/١).
(٦) في ط، أ: (زيد) وما أثبته عن المصدرين السابقين .
(٧) دلائل النبوة ( ٧/ ٢٨٧).