Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
وفاته وسنه حال وفاته مئة وكيفية غسله وتكفينه والصلاة عليه وموضع قبره
فائدة : قال أبو القاسم السُّهَيْلي في ((الروض)(١) ما مضمونه: لا يُتصوَّرُ وقوعُ وفاتِه عليه الصلاة
والسلام ، يومَ الإثنين ثانيَ عَشَرَ ربيع الأول من سنةِ إحدى عَشْرَة ؛ وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام ،
وقف في حجة الوداع سنةَ عشرٍ يومَ الجمعة ، فكان أول ذي الحجة يوم الخميس ، فعلى تقدير أن تُحْسَبَ
الشهور تامةً أو ناقصةً أو بعضُها تامٌ وبعضُها ناقصٌ، لا يُتَصَوَّرُ أن يكونَ يوم الإثنين ثانيَ عَشَرَ ربيعٍ
الأول .
وقد اشتهر هذا الإيرادُ على هذا القول ، وقد حاول جماعةٌ الجوابَ عنه ، ولا يمكنُ الجوابُ عنه ،
إلا بمَسْلَكِ واحدٍ ، وهو اخْتلافُ المَطالع، بأن يكونَ أهلُ مكةَ رَأَوْا هلالَ ذي الحجّة ليلةَ الخميس ، وأمّا
أهلُ المدينة فلم يَرَوْه إلا ليلةَ الجمعة، وَيُؤَيّدُ هذا قولُ عائشةَ وغيرها: خرج رسولُ الله ◌ِوَل﴿ لخمسٍ بقينَ
من ذي القعدة - يعني من المدينة - إلى حجة الوداع . ويتعيَّن بماذ كرناه أنه خرج يوم السبت ، وليس كما
زَعَم ابنُ حزمٍ أنَّه خَرَج يومَ الخميس ؛ لأنه قد بقيَ أكثر من خَمْسٍ بلا شكٍّ ، ولا جائزٌ أن يكونَ خَرَجَ يومَ
الجمعةِ، لأنُّ أنساً قال(٢): صلَّى رسول الله وَِّ الظُّهْرَ بالمدينةِ أربعاً، والعصرَ بذي الخُلَيْفة ركعتين.
فتعيَّن أنه خَرَجَ يوم السبت لخمسٍ بَقينَ ، فعلى هذا إنما رأى أهلُ المدينة هلالَ ذي الحجة ليلة الجمعة ،
وإذا كان أولَ ذي الحجةِ عندَ أهلِ المدينة الجمعةُ، وحُسبت الشهورُ بعدَه كواملَ ، يكونُ أولَ ربيعِ الأوّلِ
يومُ الخَميسِ ، فيكونُ ثانيَ عَشرِهِ يومُ الإثنين . والله أعلم .
وثبت في (( الصحيحين )(٣) من حديث مالك ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن أنس بن مالك ،
قال : كانَ رسولُ اللهِ وَّه ليس بالطّويل البائن، ولا بالقَصير، وليس بالأبيض الأمْهَقِ ولا بالآدم ، ولا
بالجعد القَطَط ولا بالسَّبط ، بعثه الله عزَّ وجلَّ على رأس أربعين سنةً ، فأقام بمَّةَ عشر سنين ، وبالمدينة
عَشْرَ سنينٍ . وتوفّاهُ اللهُ على رأسٍ ستّين سنةً ، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرةً بيضاءَ . وهكذا رواه
ابنُّ وهب، عن قُوَّة٤) عن الزُّهْري ، عن أنس ، وعن قرة، عن(٥) ربيعة ، عن أنس، مثلَ ذلك .
قال الحافظ ابن عساكر . حديثُ قرّة عن الزُّهْري غريبٌ ، وأمّا منْ روايةِ ربيعةً ، عن أنس ، فرواها
عنه جماعةٌ كذلك . ثم أسند ( من طريق سليمان بن بلال(٦) عن يحيى بن سعيد وربيعة عن أنس : أنّ
رسول الله وَل﴿ تُوفِّي وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين .
(١) الروض الأنف (٥٧٩/٧).
(٢) البخاري (١٧١٥) ومسلم ( ١٠/ ٦٩٠).
(٣) البخاري (٣٥٤٨) ومسلم (٢٣٤٧) (١١٣).
(٤) ط: (عروة) وهو تحريف. وانظر تهذيب الكمال (٢٣/ ٥٨١).
(٥) ط : ( قرة بن ربيعة ) .
(٦) تكرر ما بين القوسين في ط .

٣٦٢
وفاته وسنه حال وفاته 18 وكيفية غسله وتكفينه والصلاة عليه وموضع قبره
وكذلك رواه ابنُ البَرْبَري ، ونافِعُ بن أبي نُعيم ، عن ربيعة ، عن أنس به ، قال : والمحفوظ عن
ربيعة ، عن أنس : ستون .
ثم أورده ابن عساكر من طريق مالكِ ، والأوزاعي ، ومِسْعر ، وإبراهيم بن طَهْمان ، وعبد الله بن
عمر، وسليمان بن بلال(١) وأنس بن عياض، والدراورديٍّ، ومحمد بن قيس المدني ، كلُّهم عن رَبيعة
عن أنسٍ، قال: تُوقِّي رسولُ الله ◌ِّل وهو ابنُ ستّين سنة .
وقال البيهقي (٢): أنبأنا أبو الحسين بن بشران، ثنا أبو عمرو بن السماك، ثنا حنبل بن إسحاق ، ثنا
أبو مَعْمَر عبد الله بن عمرو ، ثنا عبد الوارث ، ثنا أبو غالب الباهلي ، قال : قلت لأنس بن مالك : بسنِّ
أيِّ الرجالِ كان (٣) رسول الله إذ بعث ؟ قال: كان ابنَ أربعين سنةً . قال : ثم كان ماذا ؟ قال : كان بمكة
عشر سنين ، وبالمدينة عشر سنين ، فتَمَّتْ له ستُّون سنةً يوم قَبَضَهُ الله عزَّ وجلَّ وهو كأشَدِّ الرجال
وأحْسَنِهِمْ وأجْمَلِهم وأَلْحَمهم .
ورواه الإمام أحمد(٤) عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه به .
وقد روى مسلم(٥) عن أبي غسّان محمد بن عمرو الرازي ، الملقب بزُنَيَجِ(٦) عن حَكَّام بن سَلْمٍ(٧) ،
عن عثمان بن زائدة، عن الزُّبير بن عَدِيّ، عن أنس بن مالك، قال: قُبِضَ النبيُّ وََّ وهو ابنُ ثلاثٍ
وستِين ، وقُبض ( أبو بكر ، وهو ابن ثلاث وستّين، وقُبضَ )(٨) عمر ، وهو ابن ثلاث وستين . انْفَرَد به
مسلم . وهذا لا يُنافي ما تقدَّم عن أنس ، لأنّ العَربَ كثيراً ما تحذفُ الكَسْرَ .
وثبت في (( الصحيحين)(٩) من حديث الليث بن سعد، عن عُقَيْل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن
عائشة، قالت: تُوجِّي رسولُ الله ◌ِّه وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين سنةً. قال الزُّهري: وأخبرني سعيدُ بن
المسيّب مثله .
وروى موسى بن عُقبة ، وعُقَيْل ، ويونس بن يزيد ، وابن جُرَيج ، عن الزُّهْري ، عن عروة ، عن
(١) بعد هذا اللفظ في ط: (وأنس بن بلال) وهو زيادة لا ضرورة لها .
(٢) دلائل النبوة للبيهقي (٧/ ٢٣٧).
(٣) ط : ( ابن أي الرجال رسول الله) وما أثبته عن الدلائل .
(٤) مسند الإمام أحمد (١٥١/٣)، وإسناده صحيح.
(٥) مسلم (٢٣٤٨).
(٦) ط: (برشيح) وهو تحريف. وانظر تهذيب التهذيب (٣٦٩/٩).
(٧) ط: ( حكام بن مسلم) وهو تحريف. وانظر تهذيب التهذيب (٢/ ٤٢٢).
(٨) ليس ما بين القوسين في ط .
(٩) البخاري (٤٤٦٦) ومسلم (٢٣٤٩) (١١٥).

٣٦٣
وفاته وسنه حال وفاته وم# وكيفية غسله وتكفينه والصلاة عليه وموضع قبره
عائشة، قالت: تُوفِّي رسولُ الله ◌ِّهِ وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين . قال الزهري: وأخبرني سعيد بن المسيّب
مثل ذلك .
وقال البخاري(١): ثنا أبو نعيم، ثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمةَ، عن عائِشَة
وابن عباس: أنّ رسول الله وَلَهُ مكَثَ بمكة عَشْرَ سنين يُنْزِلُ(٢) عليه القرآن ، وبالمدينة عشراً . لم يخرجه
مسلم .
وقال أبو داود الطيالسي في ((مسنده (٣): ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن عامر بن سعد ، عن
جرير بن عبد الله، عن معاوية بن أبي سفيان، قال: قُبضَ النبيِ نَّه وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين ، وأبو بكرٍ
وهو ابنُ ثَلاثٍ وستّين ، وعمر وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين .
وهكذا رواه مسلمٌ(٤) من حديث غُنْدَرٍ عن شُعْبَة ، وهو من أفراده دون البخاري . ومنهم من يقول :
عن عامر بن سعد ، عن معاوية . والصوابُ ما ذكرناه عن عامر بن سعد ، عن جرير ، عن معاويةٌ(*)
ورُوِّينا من طريقٍ عامر بن شَراحيلُ(٦) الشعبي عن جرير بن عبد الله البَجَلي ، عن معاوية ... فذكره .
وروى الحافظ ابن عساكر من طريق القاضي أبي يوسف ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن أنس ،
قال: تُوقِّي رسولُ اللهِوَّهِ وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين، وتُوِّي أبو بكرٍ ، وهو ابن ثلاثٍ وستّين ، وتُوفِّي عمر
وهو ابن ثلاث وستين .
وقال ابن لَهيعة (٧) ، عن أبي الأسود ، عن عُروة ، عن عائشة ، قالت : تذاكر رسولُ الله وأبو بكر
ميلادَهما عندي ، فكان رسولُ الله أكبرَ من أبي بكر ، فتوفِّي رسول الله وَ ل﴿ وهو ابن ثلاث وستين ، وتُوِّي
أبو بكر بعدَه ، وهو ابن ثلاث وستين .
وقال الثوريُّ، عن الأعمش ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، قال: تُوفِّي أبو بكر بعدَه ، وهو ابن
ثلاث وستين .
وقال الثوريُّ عن الأعمش ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، قال : تُوفِّي رسولُ الله وأبو بكرٍ وعمر ،
وهم بنو ثلاثٍ وستّين .
(١) البخاري (٤٤٦٤، ٤٤٦٥).
(٢) ط : ( يتنزل ) .
دلائل النبوة (٢٣٩/٧) عن الطيالسي .
(٣)
(٤)
مسلم ( ٢٣٥٢) (١٢٠).
بعده في ط : ( فذكره ) زيادة .
(٥)
بعده في ط ، أ : ( عن الشعبي ) وعن فيها زيادة .
(٦)
(٧) مختصر تاريخ دمشق (٣٨٩/٢).

٣٦٤
وفاته وسنه حال وفاته الصحية وكيفية غسله وتكفينه والصلاة عليه وموضع قبره
وقال حنبلٌ : ثنا الإمام أحمد ، ثنا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، قال : أنْزِل على النبيِّ
وَّ وهو ابنُ ثلاثٍ وأربعين، فأقام بمكة عشراً، وبالمدينة عشراً. وهذا غريب منه ، وصحيح إليه .
وقال أحمد: ثنا هُشَيْم، ثنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، قال: نُبِّىء رسولُ الله ◌ِوَلّه وهو ابن
أربعين سنة، فَمَكَثَ ثلاثَ سنين ، ثم بُعثَ إليه جبريلُ بالرسالة ، ثم مكثَ بعدَ ذلك عَشْرَ سنين ، ثم هاجَر
إلى المدينة ، فَقُبضَ وهو ابن ثلاثٍ وستّين سنةً .
قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل (١): الثَّبَتُ (٢) عندنا ثلاثٌ وستّون سنة(٣).
قلت : وهكذا رَوَى مُجاهِدٌ ، عن الشعبيِّ، ورُوي من حديث إسماعيل بن أبي خالدٍ عنه .
وفي ((الصحيحين )(٤) من حديث ( رَوْحِ بن عُبادة ، عن زكريا بن إسحاق ، عن عَمْرو بن دينار ،
عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله ◌ِّهِ مَكَثَ بمكَّة ثَلاثَ عَشْرَةَ ، وتُوِّي وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين سنة .
وفي صحيح البخاري(٥) من حديث(٦) رَوْحٍ بن عُبادة أيضاً ، عن هشام ، عن عكرمة ، عن ابن
عباس ، قال: بُعثَ رسولُ الله ◌ِّوَ لأربعين سنةً، فمكث بمكةَ ثلاثَ عشرةَ، ثم أُمِرَ بالهجرة ، فهاجرَ
عشرَ سنين ، ثم مات وهو ابنُ ثلاث وستين ، وكذلك رواه الإمام أحمد عن رَوْحٍ بن عُبادة ويَحْيِى بن
سَعيد ويَزيد بن هارون كلُّهم عن هشام بن حسان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس به(٧) . وقد رواه أبو يَعْلَى
المَوْصلي ، عن الحسن بن عمر بن شَقيق ، عن جعفر بن سليمان ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن
سيرين ، عن ابن عباس ، فذكر مثله . ثم أوْرَدَهُ من طرقٍ ، عن ابن عباس ، مثل ذلك .
ورواه مسلمٌ(٨) من حديث حماد بن سَلَمة، عن أبي جَمْرَة٩ً) عن ابن عباس: أنَّ رسول الله وَّهِ أقام
بمكّة ثلاثَ عَشْرَةَ يُوحَى إليه ، بالمدينة عَشْراً ، ومات وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين سنة .
وقد أسند الحافظُ ابنُ عساكر من طريق سَلْمُ(١٠) بن جُنادة، عن عبد الله بن عمر ، عن كُريب ، عن
(١) مختصر تاريخ دمشق (٣٨٩/٢).
(٢) ط : ( الثابت ) .
(٣)
ليس اللفظ في ط .
البخاري ( ٣٩٠٣) ومسلم (٢٣٥١) (١١٧).
(٤)
(٥)
البخاري ( ٣٩٠٢) .
(٦)
ليس ما بين القوسين في أ .
رواه أحمد في المسند (٣٧١/١) و(٢٢٨) و(٢٣٦).
(٧)
(٨) مسلم ( ٢٣٥١) (١١٨).
(٩) ط: (حمزة) تحريف. وهو نصر بن عمران الضبيعي أبو جمرة البصري (انظر سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٤٣).
(١٠) ط: (مسلم) وانظر: تهذيب الكمال (٢١٨/١١).

٣٦٥
وفاته وسنه حال وفاته وية وكيفية غسله وتكفينه والصلاة عليه وموضع قبره
ابن عباس ، قال: تُوُفِّي رسولُ الله ◌ِّهِ وهو ابنُ ثلاثٍ وستين . ومن حديث أبي نَضْرَةَ ، عن سعيد بن
المسيّب ، عن ابن عباس مثله ، وهذا القول هو الأشهرُ وعليه الأكثرُ .
وقال الإمام أحمد(١): ثنا إسماعيل، عن خالد الحَذّاء ، حدّثني عَمّار مولى بني هاشم، سمعتُ ابنَ
عباس، يقول: تُوقِّي رسولُ اللهِ ◌ّهِ وهو ابنُ خَمْس وستّين سنةً. ورواه مسلمٌ(٣) من حديث خالدِ الحَذّاء به .
وقال أحمد (٣): ثنا حسن بن موسى، ثنا حَمّاد بن سَلَمَة عن عمار(٤) بن أبي عمار ، عن ابن عباس :
أنّ رسول الله وَّ أقام بمكة خمسَ عشرةَ سنةً، ثماني سنين - أو سبع - يرى الضوء ويَسْمع الصوتَ،
وثمانياً أو سبعاً يُوحى إليه، وأقام بالمدينة عشراً . ورواه مسلمُ(٥) من حديث حَمّاد بن سلمة به .
وقال أحمد(٦) أيضاً: ثنا عَفّان ، ثنا يزيد بن زُرَيْع ، ثنا يونس ، عن عمّار مولى بني هاشم ، قال :
سألتُ ابنَ عباسٍ: كم أتى لرسولِ اللهِوَّه يومَ مات؟ قال: ما كنتُ أرى مثلَك في قومه يَخْفَى عليك(٧)
ذلك . قال : قلت : إنّي قد سألتُ فاختُلِفَ عليّ ، فأحببتُ أن أعْلَم قولَك فيه . قال: أتحسُبُ ؟ قلت :
نعم ، قال : أمسِْ، أربعين بُعث لها ، وخمسَ عشرةَ أقام بمكةَ يأمنُ ويخاف ، وعشراً مُهاجَرَه
بالمدينة . وهكذا رواه مسلم(٨) من حديث يزيد بن زُرَيْع وشعبة بن الحجاج ، كلاهما عن يونس بن
عُبَيْد ، عن عَمّار ، عن ابن عباس بنحوه .
وقال الإمام أحمد (٩) : ثنا ابن نُمَيْر، ثنا العلاءُ بن صالح ، ثنا المِنْهال بن عَمْرو ، عن سعيد بن
جُبَيْر ، أنّ رَجُلاً أتى ابنَ عباسٍ ، فقال: أُنْزِلَ على النبيّ ◌َِّ عشراً بمكة وعشراً بالمدينة ، فقال من يقول
ذلك ؟ لقد أُنْزِل عليه بمكةَ خمسَ عشرة ، وبالمدينة عشراً ؛ خمساً وستّين وأكثر . وهذا من أفراد أحمد
إسناداً ومتناً .
وقال الإمام أحمد ١٠): ثناهُشَيْم ، ثنا عليّ بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس ، قال:
قُبض النبيُّ وَِّ وهو ابنُ خَمْسٍ وستّيْنَ سنة. تَفَرَّدَ به أحمد .
(١) مسند الإمام أحمد (٢٢٣/١، ٣٥٩).
(٢) مسلم ( ٢٣٥٣) (١٢٢).
(٣) مسند الإمام أحمد (٢٦٦/١، ٢٩٤).
(٤) ط : ( لا عن عمارة ) .
(٥)
مسلم ( ٢٣٥٣) (١٢٣).
مسند الإمام أحمد (٢٩٠/١).
(٦)
(٧)
ليس اللفظ في ط .
(٨) (٢٣٥٣) (١٢١).
(٩) مسند الإمام أحمد (٢٣٠/١)، ورواية الجماعة عن ابن عباس في ثلاث وستين أصح.
(١٠) مسند الإمام أحمد (٢١٥/١)، وإسناده ضعيف.

٣٦٦
وفاته وسنه حال وفاته الدليل وكيفية غسله وتكفينه والصلاة عليه وموضع قبره
وقد روى التّرمذي في كتاب ((الشمائل)) وأبو يَعلى المَوْصلي، والبيهقي(١) من حديث قتادة ، عن
الحسن البصري، عن دَغْفَل بن حَنْظَلَة الشَّيباني النّسّابة، أنَّ النبيِنَّهِ قُبض وهو ابن خَمْسٍ وستّين . ثم
قال الترمذي: دَغْفَلُ لا يُعْرفُ له سماغْ(٢) عن النبيِ وَّر وقد كان في زمانه رجلاً. وقال البيهقيُّ: وهذا
يُوافقٌ(٣) روايةَ عمارٍ ومنْ تَابَعَه عن ابن عباس ، وروايةُ الجماعةِ عن ابن عباسٍ : في ثلاثٍ وستين ، أصحُ
فهم أوثقُ وأكثرُ ، وروايتُهم توافقُ الروايةَ الصَّحيحة عن عروة ، عن عائشة وإحدى الروايتين عن أنس ،
والرواية الصحيحة عن معاوية ، وهي قولُ سَعيدٍ ( بن المسيّب وعامر الشعبي(٤) وأبي جعفر محمد(٥) بن
علي رضي الله عنهم. قلت: وعبد الله بن عُتْب(٦) ، والقاسم بن عبد الرحمن ، والحسن البصري ،
وعلي بن الحسين ، وغير واحد .
ومن الأقوال الغريبة ما رواه خليفة بن خَيّاط٧) عن معاذ بن هشام : حدّثني أبي عن قتادة ، قال :
تُوقِّي رسول الله ◌ِّهِ وهو ابنُ اثْنَتَيْن وستّين سنةً. ورواه يَعقوبُ بن سُفْيا(٨) ، عن محمد بن المُثَنَّى، عن
معاذ بن هاشم ، عن أبيه ، عن قتادة مثله . ورواه زَيْد العَمِّي ، عن يزيد ، عن أنس .
ومن ذلك ما رواه محمد بن عائذٍ، عن القاسمُ(٩) بن حُمَيدٍ ، عن النُّعمان بن المنذر الغَسّاني ، عن
مكحول ، قال : تُوِّي رسولُ الله وهو ابن اثنتين وستين سنة وأشهرٍ .
ورواه يعقوب بن سفيان (١) ، عن عبد الحميد بن بكار ، عن محمد بن شعيب ، عن النعمان بن
المنذر، عن مكحول ، قال: تُوفِّي رسولُ الله مَ ل﴿ وهو ابن اثنتين وستين سنة ونصف.
وأغرب(١) من ذلك كله ما رواه الإمام أحمد١٢) عن رَوْح عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن
الحسن. قال: نزلَ القُرآن على رسول الله مَ له ثماني سنين بمكةَ، وعشراً بعدما هاجر . فإن كانَ الحسنُ
(١) الشمائل (٣٦٦) ومسند أبي يعلى (١٥٧٥) ودلائل النبوة (٧/ ٢٤٠).
(٢) ط، أ: (سماعاً) وما هنا للسياق .
(٣) أ: ( موافق ).
ليس ما بين القوسين في أ .
(٤)
ط : ( وأبي جعفر جعفر بن علي) وانظر سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٠١).
(٥)
(٦) ط : ( عقبة ).
(٧)
تاريخ خليفة (١/ ٧٠).
(٨)
المعرفة والتاريخ (٣١٤/٣).
في ترجمة محمد بن عائذ في تهذيب التهذيب روى عنه الهيثم بن حميد ، وليس بين الرواة عنه القاسم بن حميد .
(٩)
(١٠) المعرفة والتاريخ (٣١٤/٣).
(١١) ط : ( وأقرب ).
(١٢) أخرجه خليفة بن خياط في تاريخه (١/ ١١) من طريق سعيد به .

٣٦٧
صفة غسله عليه الصلاة والسلام
ممَّن يقولُ بقولِ الجُمْهور وهو أنه عليه الصلاة والسلام أُنْزِل عليه القرآنُ وعُمْرُه أربعون سنةً ، فقد ذهب
إلى أنه عليه الصلاة والسلام عاش ثمانياً وخمسين سنة . وهذا غريب جداً .
ولكن رُؤِّينا من طريق مُسَدَّدٍ ، عن هاشم بن حسان، عن الحسن، أنّه قال: تُوفِّي رسول الله وَّل وهو
ابنُ ستّين سنة (١) . وقال خليفة بن خياط (٢) : ثنا أبو عاصم ، عن أشعث ، عن الحسن ، قال : بُعث
رسولُ اللهِ وَ ◌ٌّ وهو ابنُ خمسٍ وأربعين، فأقام بمكة عشراً، وبالمدينة ثمانياً، وتُوقِّي وهو ابن ثلاث
وستين . وهذا بهذه الصفة غريبٌ جداً والله أعلم .
صِفَةُ غَسْلِهِ عليه الصلاة والسَّلامُ
قَدْ قَدَّمنا أنَّهم رضي الله عنهم اشْتَغَلوا بَيْعَةِ الصّدّيق بقيةَ يوم الاثنين وبعضَ يوم الثلاثاء ، فلمَّا تَمَهَّدَت
وَتَوَطَّدَتْ وتَمَّتْ، شرعوا بعد ذلك في تَجْهِيزِ رسولِ اللهِ وَ لَ مُقْتَدين في كلِّ ما أشْكَلَ عليهم بأبي بكرٍ
الصّدّيق رضي الله عنه .
قال ابن إسحاق(٣): فلما بُويع أبو بكر أقبل الناسُ على جهازِ رسول الله ◌َّهِ يومَ الثلاثاء. وقد تقدَّم
من حديث ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله مَّه توفِّي يوم
الاثنين ، ودُفن ليلة الأربعاء.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٤): حدَّثنا أبو معاوية، ثنا أبو بُرْدة، عن عَلْقَمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن
بُرَيْدة، عن أبيه ، قال: لمّا أخذوا في غسلِ رسولِ اللهِ بَ ◌ّهَ ناداهم منادٍ من الداخل أنْ لا تُجَرِّدو(٥) عن
رسول الله وَ له قميصَه. ورواه ابن ماجه(٦) من حديث أبي مُعاويَة، عن أبي بُرْدَة - واسمه عمرو بن یزید
التميمي كوفي .
وقال محمد بن إسحاق : حدّثني يحيى بن عَبّاد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه سمعتُ عائشة تقول :
لما أرادوا غسلَ النبيِّ وََّ، قالوا: ما نَدْرِي أَنْجَرِّدُ رسولَ اللهِوَله من ثيابه، كما نُجَرِّدُ مَوْتانا، أم نُغَسّلُه
وعليه ثيابُه ؟ فلما اختلفوا ألقى عليهم الله النومَ حتى ما منهم رجلٌ(٧) إلا وذَقَنه في صَدْره ، ثم كلَّمَهُم مُكَلِّمٌ
(١) تاريخ خليفة بن خياط (٦٩/١) من طريق هشام به .
(٢) تاريخ خليفة (١/ ١١).
(٤) دلائل النبوة للبيهقي (٧/ ٢٤٣) من طريق ابن أبي شيبة به .
(٣)
سيرة ابن هشام ( ٢ / ٦٦٢ ).
(٥) أ : ( أن تخرجوا عن ) وفي ( لا تخرجوا).
(٦) ابن ماجه (١٤٦٦)، وإسناده ضعيف.
(٧) ط : ( أحد ).

٣٦٨
صفة غسله عليه الصلاة والسلام
من ناحية البيت لا يدرون من هو أن غسِّلوا رسول الله ربَّله وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله،ومَّله فغَسَلُوه
وعليه قميصٌ يصُبّونَ الماءَ فوقَ القَميصِ فَيُدَلِّكونَهُ بالقَميصِ دون أيديهم . فكانت عائشة تقول : لو
استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما غَسَّلَ رسولَ اللهِ وَلَهَ إلا نساؤُه. رواه أبو داود(١) من حديث ابن
إسحاق .
وقال الإمام أحمد(٢): حدَّثنا يعقوب ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدّثني حسين بن عبد الله ، عن
عكرمة ، عن ابن عباس. قال : اجتَمَعَ القومُ لغسل رسول الله وَّه وليس في البيت إلا أهله؛ عمُّه
العباسُ بن عبد المطلب ، وعليُّ بن أبي طالب ، والفضل بن عباس ، وقثم بن العباس ، وأسامة بن
زيد بن حارثة ، وصالحٌ مولاه ، فلمّا اجتمعوا لغسله نادى من وراء الناس(٣) أوْسُ بن خَوْليّ الأنصاري ،
أحدُ بني عوفِ بن الخَزْرَج - وكان بدرياً - عليَّ بن أبي طالب، فقال: يا علي ننشدك اللهَ وحظّنا من
رسول الله وَّهِ. فقال له علي: أدخُلْ فدخل فحضر غسلَ رسولِ الله ◌ِّهِ، ولم يَلِ منْ غسلِه شيئاً، فأسنده
عليٍّ إلى صَدْرِهِ وعليه قَميصُه، وكان العباس وفضلٌ وقُثَمُ يُقَلِّبونَه مع عليّ ، وكان أسامةُ بن زيد وصالحٌ
مولاهما يَصُبّان الماء، وجعل عليٍّ يغسِلُهُ، ولم يَرَ من رسول الله ◌ِ لهِ شيئاً مما يرى من الميّتِ ، وهو
يقول: بأبي وأمي ما أطيبَكَ حَيّاً وميّتاً، حتّى إذا فرغوا من غسلِ رسولِ الله، - وكان يُغَسَّل بالماءِ
والسِّدرِ - جَفَّفوه ثم صُنع به ما يُصْنع بالميت، ثم أُدْرِج في ثلاثةِ أَثْوابٍ : ثوبين أبيضين ، وبُرْدِ حِبَرَةٍ .
قال : ثم دعا العباسُ رَجُلَيْن ، فقال: ليذهب أحدكما إلى أبي عبيدة بن الجراح - وكان أبو عبيدة
يَضْرَعُ(٤) لأهل مكة ، وليذهب الآخر إلى أبي طلحة بن سهل الأنصاري . وكان أبو طلحة يَلْحَدُ لأهْلٍ
المدينة . قال : ثم قال العباس حين سرَّحَهما : اللهمَّ خِرْ لرسولك! قال : فذهبا فَلَمْ يَجِدْ صاحبُ
أبي عبيدة أبا عبيدة، ووجَد صاحبُ أبي طلحة أبا طلحة فلحد لرسول الله وَ ليل انفرد به أحمد.
وقال يونس بن بُكَيْرٍ: عن المُنْذِرِ بن ثعلبة(٥) ، عن العِلْباء بن أخْمر قال: كانَ عليٌّ والفَضْلُ يُغَسِّلان
رسولَ الله ◌َّهِ ، فَنُودي عليٍّ: ارفع طَرْفَك إلى السَّماء . وهذا منقطعٌ.
قلتُ : وقد روّى بعضُ أهل السنن(٦) عن علي بن أبي طالب، ( أنّ رسول الله قال له : يا عليُّ،
(٢)
(١) أبو داود (٣١٤١)، وهو حديث حسن.
مسند الإمام أحمد (١/ ٢٦٠)، وهو حديث حسن .
(٣) في المسند : ( الباب ) .
(٤)
الضَّرْح : الشق في الأرض . والضارح الذي يعمل الضريح وهو القبر ( النهاية : ضرح ) .
(٥) بعده في ط : ( عن الصلت ) وهو زيادة فقد روى المنذر بن ثعلبة عن العلباء بن أحمر مباشرة وليس بينهما أحد .
( انظر تهذيب التهذيب ( ١٠/ ٣٠٠) (ترجمة المنذر بن ثعلبة) و(٢٧٣/٧) (علباء بن أحمر ).
(٦) أبو داود (٣١٤٠، ٤٠١٥) وابن ماجه (١٤٦٠)، وإسناده ضعيف.

٣٦٩
صفة غسله عليه الصلاة والسلام
لا تُبْدِ فخذك ، ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميت . وهذا فيه إشعار بأمره له في حق نفسه . والله أعلم .
وقال الحافظ البيهقي(١) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا محمد بن يعقوب ، ثنا يحيى بن
محمد بن يحيى ، ثنا ضمرة (٢) ، ثنا عبد الواحد بن زياد ، ثنا مَعْمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب
قال: قال علي: غسّلتُ رسول الله وَّ﴿ فذهبتُ أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئاً، وكان طيّباً حيّاً وميّتاً
وَثير. وقد رواه أبو داود في ((المراسيل))، وابن ماجه (٣)، من حديث معمر به . زاد البيهقي في روايته:
قال سعيد بن المسيّب : وقد ولي دفنَه ، عليه الصلاة والسلام ، أربعة : علي ، والعباس ، والفضل ،
وصالح مولى رسول اللّه وَسّر، لحَدوا له لحداً، ونصبوا عليه اللَّبِن نَصْباً.
وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين ، منهم : عامر الشعبي ، ومحمد بن قيس ، وعبد الله بن
الحارث ، وغيرهم بألفاظ مختلفة يطولُ بسطُها هاهنا .
وقال البيهقي(٤) : وروى أبو عمرو كيسانُ(٥)، عن يزيد بن بلال، سمعتُ علياً يقول : وصَّى
رسول الله ◌َّ ألا يُغَسِّلَه أحد غيري؛ فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه . قال علي: فكان العباس
وأسامة يناولاني الماء من وراء الستر . قال عليٍّ: فما تناولت عضواً إلا كأنما يقلّبه معي ثلاثون رجلاً حتى
فرغتُ من غسله .
وقد أسند هذا الحديث الحافظ أبو بكر البزار في (( مسنده)(٦) فقال : ثنا محمد بن عبد الرحيم ، ثنا
عبد الصمد بن النعمان ، ثنا كيسان أبو عمرو ، عن يزيد بن بلال ، قال : قال علي : (٧) أوصاني
النبيُّ ◌ََّ أن لا يُغَسِّلَه أحدٌ غيري. ((فإنّه لا يرى أحد عَوْرتي إلا طُمِسَتْ عَيْناه)). قال علي: فكان
العباسُ وأسامة يناولاني الماء من وراء الستر . قلت : هذا غريب جداً .
وقال البيهقي(٨): أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، ثنا أبو العباس الأصم ، ثنا أسيدُ بن عاصم ،
ثنا الحسين بن حفص ، عن سفيان، عن عبد الملك بن جُرَيْج ، سمعت محمد بن علي أبا جعفر . قال :
غُسِّلَ النبيُّ نَ ◌ّهِ بِالسِّدْرِ ثلاثاً، وغُسِّلَ وعليه قميصٌ، وغُسِّل من بئرٍ كان يقال لها: ((الغَرْسُ)) بقُباء ،
(١) دلائل النبوة (٧/ ٢٤٣).
(٢) في الدلائل : ( مسدد ) .
أبو داود في المراسيل (٤١٥) وابن ماجه (١٤٦٧)، وهو حديث صحيح .
(٣)
(٤) دلائل النبوة (٢٤٤/٧).
(٥) أ: ( أبو عمرو بن كيسان) وانظر كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي (٤/ ١٣).
(٦) رقم (٨٤٨) .
(٧) ليس ما بين القوسين في ط .
(٨) ((دلائل النبوة)) (٢٤٥/٧).

٣٧٠
صفة كفنه عليه الصلاة والسلام
كانت لسعد بن خيثمة ، وكان رسول الله يَشْرَبُ منها، وولي غسلَهُ عليّ والفضل محتضنه (١) ، والعباس
يصُبُّ الماء ، فجعل الفضلُ يقولُ: أَرِحْني قَطَعْتَ وَتيني ، إنّي لأجدُ شيئاً يَتَرطَّلُ(٢) عليّ .
وقال الواقدي : ثنا عاصم بن عبد الله الحكمي، عن عمر بن عبد الحكم، قال: قال رسول الله وقل له :
(( نِعْمَ الِثْرُ بئرُ غَرْسٍ هي من عُيون الجَنَّة، وماؤها أطيبُ المياهِ)) . وكان رسول الله يُسْتَعَذَبُ له منها،
وغُسِّلَ من بئر غَرْس .
وقال سيفُ بن عمر ، عن محمد بن عون ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما فُرِغَ من القبر
وصلَّى الناسُ الظهرَ، أخذ العباسُ في غسلِ رسولِ اللهِّه، فضرب عليه كِلَّةً من ثيابٍ يمانيةٍ صِفاقٍ في
جوف البيت ، فدخلَ الكِلَّة ودعا عليّاً والفضل ، فكان إذا ذهبَ إلى الماء ليُعاطيَهما دعا أبا سفيان بن
الحارث فأدخله ، ورجالٌ من بني هاشم من وراء الكِلَّة ، ومن أُدْخِل من الأنصار حيث ناشَدوا أبي وسألوه
منهم أوْس بن خَوْلِيّ ، رضي الله عنهم أجمعين .
ثم قال سيف عن الضَّحّاك بن يربوع الحنفي ، عن ماهان الحَنفيّ ، عن ابن عباس ، فذكر ضربَ
الكِلَّةِ ، وأنَّ العَبّاسِ أدخل فيها علياً والفَضْلَ وأبا سُفْيان وأسامةَ ، ورجالٌ من بني هاشم من وراء الكِلَّة في
البيت ، فذكر أنَّهم أُلْقَيَ عليهم النُّعاسُ فسَمِعوا قائلاً يقول : لا تَغْسلوا رسول الله ؛ فإنّه كان طاهراً . فقال
العباس : ألا بلى . وقال أهل البيت: صَدَق ، فلا تُغَسِّلوه . فقال العباس : لا ندَعُ سُنةٌ لصوتٍ لا نَذْري
ما هو ؟ وغشيهم(٣) النعاس ثانيةً، فناداهم أن غسِّلُوه وعليه ثيابه . فقال أهل البيت ألا لا . وقال
العباس : ألا نعم! فشرعوا في غسله وعليه قميص ومِجْوَلُ(٤) مفتوح، فغسلوه بالماء القراح ، وطيّيوه
بالكافور في مواضع سجوده ومفاصله ، واعتُصِر قميصُه ومِجْوَلُه ثم أُدْرج في أكفانه . وجَمَّروه عُوداً
وندَّاً ، ثم احتملوه حتى وضعوه على سريره ، وسجّوه ، وهذا السياق فيه غرابة جداً .
صفة كفنه عليه الصلاة والسلام
قال الإمام أحمد(٥) : ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا الأوزاعي ، حدّثني الزهري ، عن القاسم ، عن
عائشة ، قالت: أُدْرِجَ رسولُ الله ◌ِ ◌ّه في ثوبِ حِبَرةٍ ثم أُخّرَ عنه. قال القاسم: إنّ بقايا ذلك الثَّبِ لَعندَنا
(١) ط : ( يحتضنه ) .
(٢) الترطيل: التليين ( النهاية : رطل ).
(٣) ط : ( غشيهم ) بلا واو .
(٤) المجْوَل: الصُّدْرة ثوب صغير وأما مجول النبي وَّل صدرة من حديد يعني الزَّرَديّة (النهاية: جول).
(٥) مسند الإمام أحمد (١٦١/٦).

٣٧١
صفة كفنه عليه الصلاة والسلام
بعدُ. وهذا الإسناد على شرط الشَّيْخين. وإنما رواه أبو داو(١)، عن أحمد بن حنبل ، والنسائي (٢) عن
محمد بن مُثَنَّى ، ومجاهد بن موسى ، فَرَّقَهُم(٣) ، كلُّهم عن الوليد بن مسلم به .
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي(٤) : ثنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ،
عن عائشة، قالت: كُفِّن رسولُ اللهِوَّه في ثلاثةِ أثواب بيض سَحُولية(٥) ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ .
وكذا رواه البخاري(٦) عن إسماعيل بن أبي أوَيْسٍ(٧) عن مالك.
وقال الإمام أحمد٨): حدَّثنا سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: كفن رسول الله ضّر في
ثلاثة أثواب سَحُوليّة بيض . وأخرجه مسلم(٩) من حديث سفيان بن عيينة، وأخرجه البخاري(١) ، عن
أبي نُعيم ، عن سفيان الثوري ، كلاهما عن هشام بن عروة به .
وقال أبو داول(١) : ثنا قتيبة ، ثنا حفص بن غياث ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أنّ
رسول الله كُفِّن في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ يمانيةٍ من كُرْسُفٍ(١٢) ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ . قال : فذُكِر
لعائشة قولُهم : في ثوبين وبُرْد حِبَرةٍ ، فقالت: قد أُتي بالبُزْد ، ولكنهم رَدُّوه ولم يُكَفِّنوه فيه . وهكذا
رواه مسلم(٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن حفص بن غياث به .
وقال البيهقي (١٣) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم ، ثنا أحمد بن
سَلَم١٤ُ) ثنا هَنّاد بن السَّرِيّ ، ثنا أبو مُعاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه ، عن عائشة، قالت : كُفِّنَ
(١) أبو داود (٣١٤٩).
(٢) السنن الكبرى للنسائي (٧١١٨).
ط : ( فرروهما ) .
(٣)
(٤)
في مسنده - ترتيبه (٥٧٤) .
سحوليّة: يروى بفتح السين وضمِّها ، فالفتح منسوب إلى السَّحول ، وهو القَصّار لأنه يسحلها : أي يغسلها ، أو
(٥)
إلى سحُول وهي قرية باليمن . وأما الضم فهو جمع سَحْل ، وهو الثوب الأبيض النقي ولا يكون إلا من قطن . وقيل
إن اسم القرية بالضم أيضاً . ( النهاية : سحل ) .
(٦)
البخاري رقم (١٢٧٣) .
(٧) ط: ( إدريس) تحريف وانظر سير أعلام النبلاء (١٠ / ٣٩٢).
(٨) مسند الإمام أحمد (٤٠/٦).
(٩) مسلم ( ٩٤١) (٤٦).
(١٠) البخاري ( ١٢٧١).
(١١) أبو داود (٣١٥٢).
(١٢) الكرسف : القطن ( النهاية : كرسف ).
(١٣) دلائل النبوة للبيهقي (٧/ ٢٤٧).
(١٤) ط: (مسلم) وهو تحريف. وانظر سير أعلام النبلاء ( ١٣/ ٣٧٣).

٣٧٢
صفة كفنه عليه الصلاة والسلام
رسولُ اللهِّله في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سَحُولِيَّة من كُرْسُفٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ، فأما الحلَّةُ فإِنّمَا
شُبِّه على الناس فيها ، إنَّما اشْتُرِيَتْ لَهُ(١) حُلَّةٌ، ليُكَفَّن فيها، فتُرِكتْ، فأخذها٢) عبدُ الله بن أبي بكرٍ ،
فقال: لأحْبسَنَّها لنَفْسي حتى أُكَفَّنَ فيها. ثم قال: لو رَضِيَها اللهُ لنبيّهِ وَّرَ لكفَّنه فيها . فباعها وتصدَّق
بثمنها. رواه مسلمٌ في (( الصَّحيح(٣) عن يحيى بن يحيى ، وغيره عن أبي معاوية .
ثم رواه البيهقي(٤) ، عن الحاكم ، عن الأصمِّ ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن أبي معاوية ، عن
هشام ، عن أبيه ، عن عائشة، قالت : كُفِّن رسولُ الله في بُرْدِ حِبَرةٍ كانت لعبد الله بن أبي بكر ، ولُفَّ
فيها ، ثم نُزِعَتْ عنه ، فكان عبدُ الله بن أبي بكر قد أمْسَكَ تلك الحلَّة لنفسه، حتى يُكَفَّن فيها إذا مات ،
ثم قال بعدَ أن أمْسَكَها: ما كنتُ أُمسِكُ لنفسي شيئاً منَع اللهُ رسولَه ◌َّهِ أنْ يُكَفَّن فيه فتَصَدَّقَ بِثَمَنِها
عبدُ الله .
وقال الإمام أحمد(٥): حدَّثنا عبد الرَّزاق، ثنا معمرٌ، عن الزُّهري ، عن عروة ، عن عائشة ،
قالت: كُفِّن رسولُ اللهِوَ ◌ّهَ في ثلاثةِ أثوابٍ سَحُوليّةٍ بيضٍ، ورواه النسائي(٦) ، عن إسحاق بن راهويه ،
عن عبد الرزاق .
قال الإمام أحمد(٧) : حدَّثنا مِسْكين بن بُكَيْر، عن سعيدٍ ، يعني ابن عبد العزيز ، قال : قال
مكحول : حدّثني عروة، عن عائشة: أنَّ رسول الله وَّلَ كُفِّن في ثلاثةِ رياط٨) يمانية . انفرد به أحمد .
وقال أبو يعلى المَوْصِلي : ثنا سهل بن حبيب الأنصاري ، ثنا عاصم بن هلال إمام مسجد أيوب ، ثنا
أيوب ، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كُفِّن رسولُ اللهِ وَّهِ فِي ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحوليّة .
وقال سفيان، عن عاصم بن عُبَيد الله، عن سالم، عن ابن عمر: أنَّ رسول الله وَلَ كُفِّن في ثَلاثَةِ
أثواب . ووقَعَ في بعض الروايات ؛ ثَوْبَيْن صُحارِتِّينُ(٩) وبُردِ حِبَرةٍ .
(١) ليس اللفظ في ط .
(٢) ط : (وأخذها) .
(٣)
مسلم ( ٩٤١ ) (٤٥).
دلائل النبوة للبيهقي ( ٢٤٧/٧ - ٢٤٨).
(٤)
مسند الإمام أحمد (٢٣١/٦)، وهو حديث صحيح .
(٥)
النسائي (١٨٩٦)، وهو حديث صحيح .
(٦)
(٧)
مسند الإمام أحمد (٢٦٤/٦)، وهو حديث صحيح .
(٨) ط: ( ثلاثة أثواب رياط) والرياط جمع الرَّيطة: كل ملاءة ليست بلفقين، وقيل كل ثوب رقيق لين (النهاية: ريط ).
(٩) صحاري نسبة إلى صحار وهي قرية باليمن وهو ثوب منسوب لهذه القرية فيقال ثوب أصحر وصحاري ( النهاية :
صحر ) .

٣٧٣
صفة كفنه عليه الصلاة والسلام
وقال الإمام أحمد(١): ثنا ابن إدريس، ثنا يزيد، عن مِقْسم عن ابن عباس، أنَّ رسولَ اللهَوَلِ كُفِّن
في ثلاثة أثوابٍ ، في قَميصه الذي مات فيه ، وحُلَّةٍ نَجْرانية - الحلة ثوبان .
ورواه أبو داود٢) عن أحمد بن حنبل ، وعثمان بن أبي شَيْئَة ، وابنُ ماجه(٣) ، عن علي بن محمد ،
ثلاثتُهم عن عبد الله بن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد، عن مِقْسَم، عن ابن عباسٍ بنحوه. وهذا غريب
جدا٤) .
وقال الإمام أحمد(٥) أيضاً: حدَّثنا عبد الرزاق ، ثنا سفيان ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم ، عن
مِقْسَم ، عن ابن عباس ، قال: كُفِّنَ رسولُ الله ◌ِّهِ فِي ثَوْبَيْن أَبْيَضَيْن وبُرْدٍ أحمر(٦) . انفرد به أحمد من هذا
الوجه .
وقال أبو بكر الشافعي : ثنا علي بن الحسن ، ثنا حُمَيْد بن الرّبيع ، ثنا بكرٌ ، يعني ابن عبد الرحمن ،
ثنا عيسى ، يعني ابن المختار ، عن محمد بن عبد الرحمن ، هو ابن أبي ليلى ، عن عطاء عن ابن عباس ،
عن الفضل بن عباس ، قال: كُفِّنَ رسولُ الله في ثوبَيْن أبْيَضَيْن وبُزْدٍ أحمر(٧) .
وقال أبو يعلى (٨): ثنا سليمان الشاذكوني ، ثنا يحيى بن أبي الهيثم ، ثنا عثمان بن عطاء ، عن أبيه ،
عن ابن عباس، عن الفضل، قال: كُفِّنَ رسولُ الله وَّهَ فِي ثَوْبَيْن أبيضين سَحُولِيِّين ، زاد فيه محمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى : وبُرْدٍ أحْمَر .
وقد رواه غيرُ واحدٍ ، عن أبي(٩) إسماعيل المُؤَدّب ، عن يعقوب بن عطاء ، عن أبيه ، عن ابن عباس
عن الفضل، قال: كُفِّن رسولُ اللهِوَّهِ فِي ثَوْبَيْن أبيضين، وفي روايةٍ : سحولية ، فالله أعلم .
وروى الحافظ ابن عساكر من طريق أبي طاهر المُخَلِّص ، ثنا أحمد بن إسحاق [البُهْلول] ، ثنا
عَبَّاد بن يَعْقوب ، ثنا شَريك عن أبي إسحاق . قال: وقعتُ على مجلس بني عبدِ المُطَّلب وهم
(١) مسند الإمام أحمد (٢٢٢/١).
(٢)
أبو داود ( ٣١٥٣) .
(٣) ابن ماجه ( ١٤٧١).
يزيد بن أبي زياد مجمع على ضعفه .
(٤)
(٥) مسند الإمام أحمد (٣١٣/١)، وإسناده ضعيف لضعف ابن أبي ليلى، ولانقطاعه فإن الحكم لم يسمعه من مقسم
( بشار) .
(٦) ط : ( وبد حمراء ) .
(٧) ط : (وبرد حمراء ).
(٨) مسند أبي يعلى (٦٧٢٠ ).
(٩) ليس اللفظ في ط. وهو أبو إسماعيل المؤدب إبراهيم بن سليمان بن رزين، ( تهذيب التهذيب ١٢٥/١).

٣٧٤
كيفية الصلاة عليه واله
متوافرون، فقلتُ لهم: في كمْ كُفِّنَ رسولُ الله ◌َِّ؟ قالوا: في ثلاثةِ أثوابٍ ليس فيها قميصٌ ولا قَبا(١)
ولا عمامةٌ .
قلت : كمْ أسرَ منكمٌ يومَ بدرٍ ؟ قالوا : العَبّاسُ ونَوْفَلٌ وعَقيلٌ .
وقد روى البيهقي(٢) من طريق الزهري ، عن عليّ بن الحسين زَيْن العابدين، أنه قال: كُفِّنَ
رسولُ الله في ثلاثةِ أثوابٍ أحدُها بُرْد٣) حِبَرةٍ .
وقد ساقه الحافظُ ابنُ عساكر من طريقٍ ، في صحَّتِها نظرٌ ، عن علي بن أبي طالب ، قال : كَفَّنْتُ
رسولَ اللهِوَلِ فِي ثوبين سَحُولَيَّين وبُرْد حِبَرَةٍ .
وقد قال أبو سعيد بن الأعرابي(٤): حدَّثنا إبراهيم بن الوليد ، ثنا محمد بن كثير ، ثنا هشام ، عن
فَتادة، عن سَعيد بن المُسيّب، عن أبي هريرة. قال: كُفِّن رسولُ اللهِ وَّ فِي رَيْطَتَيْن وبُرْدٍ نَجْرانيٍّ .
وكذا رواه أبو داود الطَّيالسيّ ، عن هشام ، وعمران القَطان ، عن قتادة ، عن سعيد ، عن أبي هريرة به .
وقد رواه الرَّبيعُ بن سُلَيْمان ، عن أسد بن موسى، ثنا نصر بن طَريف ، عن قتادة ، ثنا ابن المُسيّب ،
عن أم سَلَمة : أنَّ رسولَ الله كُفِّن في ثلاثة أثوابٍ أحدُها بُرْدٌ نَجْراني .
وقال البيهقي(٥): وفيما رُوِّينا عن عائشة بيانُ سبب الاشتباه على الناس، وأنّ الحِبرةَ أخِّرتْ عنه .
والله أعلم .
ثم روى الحافظ البيهقي ، من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة ، ثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّورقي ،
عن حُمَيْد بن عبد الرحمن الرُّؤاسي ، عن حَسَن بن صالح عن هارون بن سعد(٦) ، قال : كان عند عليٍّ
مِسْكٌ، فأوصى أن يُحَنَّط به، وقال: هو من فَضْل حَنوطِ رسول اللهِوَلَّ. ورواه٧) من طريقٍ إبراهيم بن
موسى ، عن حميدٍ ، عن حسن ، عن هارون ، عن أبي وائلٍ ، عن عليّ ... فذكره .
كيفية الصلاة عليه ◌َلآم
وقد تقدم الحديث الذي رواه البيهقيُّ من حديث الأشعث بن طَليقٍ ، والبزَّار من حديث
((القباء)»: الثوب الذي يلبس، مشتق من قبا الشيء: إذا جمعه بأصابعه لاجتماع أطرافه، والجمع أقبية (اللسان: قبا).
(١)
(٢)
دلائل النبوة للبيهقي ( ٢٤٨/٧ ) .
ط : ( برد حمراء) وهي زيادة ليست في النسخة الأخرى ((أ)).
(٣)
(٤)
ط : ( ابن الأرعبي ) تحريف .
(٥)
دلائل النبوة ( ٢٤٩/٧).
(٦) أ، ط: (سعيد) تحريف. وانظر تهذيب التهذيب (١١ / ٤).
(٧) دلائل النبوة (٢٤٩/٧).

٣٧٥
كيفية الصلاة عليه الخ
ابن(١) الأصبهاني، كلاهما عن مُرَّة، عن ابن مسعود: في وصِيَّة النبيّ مَ ◌َّ أن يُغَسِّلَه رجالُ أهلِ بَيْتِه ،
وأنه قال : كَفِّنوني في ثيابي هذه، أو في يمنية (٢) أو بياضِ مصر ، وأنه إذا كفَّنوه يضعونه على شَفير قَبْره ،
ثم يَخْرجون عنه حتى تُصَلّي عليه الملائكةُ ، ثم يدخلُ عليه رجال أهلِ بيتهِ فيصلُّون عليه ، ثمّ الناس بعدهم
فرادى ... الحديث بتمامه ، وفي صحته نظرٌ كما قدمنا ، والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق(٣) : حدّثني الحسين بن عبد الله بن عُبَيد الله بن عباس ، عن عكرمة ، عن ابن
عباس ، قال : لما مات رسول الله وَ ل﴿ أَدخِلَ الرجالُ فَصَلَّوا عليه بغيرِ إمام أرسالًا حتى فرغوا، ثم أُدخِلَ
النِّسَاءُ فَصَلَّيْنَ عليه ، ثم أُدْخِلِ الصِّبْيان فَصَلَّوا عليه، ثم أُدْخِلَ العَبِيدُ فَصَلَّوا عليه أرسالًا، لم يَؤُمَّهُمْ على
رسول الله وَاللّه أحدٌ.
وقال الواقدي (٤) : حدّثني أبيُّ بن عَباس(٥) بن سَهْل بن سَعْد، عن أبيه، عن جده . قال: لما أُدْرِجَ
رسول الله بَّ في أكْفانِهِ وُضِعَ على سَريره، ثم وُضِعَ على شَفير حُفْرَتِهِ، ثم كان الناسُ يَدْخُلونَ عليه رُفَقاء
رُفَقَاءَ ، لا يَؤُمُّهُمْ عليه(٦) أحدٌ .
قال الواقدي : حدّثني موسى بن محمد بن إبراهيم، قال: وجدتُ كتابً(٧) بخطِّ أبي فيه أنَّه لما كُفِّنَ
رسولُ اللهِ وَ لَّ ووُضِعَ على سَريره ؛ دَخَلَ أبو بكرٍ وعمر، رضي الله عنهما، ومَعَهُما نفرٌ من المهاجرين
والأنْصار بقدرِ ما يَسَعُ البَيْتُ، فقالا: السَّلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، وسلَّم المهاجرون
والأنصارُ كما سلَّم أبو بكر وعُمر(٨)، ثم صُقُّوا صُفوفاً لا يَؤُمُّهم أحدٌ ، فقال أبو بكر وعمر - وهما في
الصف الأول حِيالَ رسول الله ◌َّهِ اللَّهُمّ إنّا نَشْهَدُ أنَّه قد بَلَّغَ ما أُنْزِلَ إليه، ونَصَحَ لأمَّتِهِ ، وجاهَدَ في سبیلٍ
اللهِ حَتَّى أعزَّ اللهُ دينَه وتمَّت كلمتُهُ، وأُؤْمِنَ به وحدَهُ لا شريكَ له ، فاجْعَلنا إلّهنا مِمَّن يَشَبعُ القولَ الذي أُنْزِل
معه، وأجمعْ بيننا وبينَه حتّى تُعَرَّفَه بنا وتُعَرِّفَنا به (٩) فإنّه كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً ، لا نَبْتَغي بالإيمان به
بديلاً ، ولا نَشْتَري به ثمناً أبداً. فيقول الناس: آمين آمين، ويخرجون ويدخلُ آخرون حتى صَلَّى
الرجالُ . ثم النساء ، ثم الصبيانُ .
(١) ليس اللفظ في ط.
(٢) ط : ( يمانية ) .
(٣) دلائل النبوة للبيهقي (٧/ ٢٥٠).
(٤) دلائل النبوة للبيهقي ( ٧/ ٢٥٠).
(٥) ط: (عياش) تحريف. وانظر تهذيب التهذيب (١٨٦/١).
(٦) ليست ( عليه) في الدلائل.
(٧) أ : (صحيفة) وفي الدلائل ( صحيفة كتاباً ).
(٨) ليس (عمر ) في الدلائل.
(٩) ط : ( له ) .

٣٧٦
صفة دفنه عليه الصلاة والسلام
وقد قيل: إنَّهم صلَّوا عليه من بعدِ الزَّوال يومَ الإثنين إلى مثلِه من يوم الثلاثاءِ . وقيل: إنَّهم مَكَثُوا
ثلاثةَ أيامٍ يصلُّون عليه ، كما سيأتي بيانُ ذلك قريباً . والله أعلم .
وهذا الصَّنيعُ ، وهو صلاتُهم عليه فُرادى لم يَؤُمَّهم أحدٌ عليه ، أمْرٌ مُجْمَعٌ عليه لا خلافَ فيه ، وقد
اختُلِفَ في تَعْلِيلِهِ ؛ فَلَوْ صَحَّ الحديثُ الذي أَوْرَدْناه عن ابن مسعودٍ لكانَ نَصّاً في ذلك ويكون من باب
التَّعَبُّدِ الذي يعسُرُ تعقُّلُ معناه، وليس لأحدٍ أن يقولَ لأنَّه لم يكنْ لهم إمامٌ لأنّا قد قَدَّمنا أنَّهم إنَّما شَرَعوا في
تَجْهيزه عليه الصلاة والسلام بعدَ تَمامِ بَيْعةِ أبي بكرٍ ، رضي الله عنه وأرضاه ، وقد قال بعضُ العلماء : إنَّما
لم يَؤُمَّهم أحدٌ ، ليُباشرَ كلُّ واحدٍ منَ النّاس الصلاةَ عليه منه إليه ، ولتُكَوَّرَ صلاةُ المُسلمينَ عليه مرةً بعد
مرةٍ ، من كلٍّ فردٍ فردٍ من آحادِ الصَّحابة ، رجالُهم ونساؤهم وصبيانُهم حتى العبيدُ والإماءُ .
وأما السُّهَيْلي (١) فقال ما حاصله: إنّ اللهَ قد أخبرَ أنه وملائكته يصلُّون عليه، وأمرَ كلَّ واحدٍ من
المؤمنين أن يصلِّ عليه ، فوجب على كل أحدٍ أن يُباشرَ الصلاةَ عليه منه إليه ، والصلاةُ عليه بعد موته من
هذا القَبيل . قال: وأيضاً فإنَّ الملائكةَ لنا٢) في ذلك أئمةٌ . فالله أعلم .
وقد اختلف المُتَأَخِّرون من أصحاب الشافعيّ في مشروعيّةِ الصَّلاةِ على قَبْرِه لغير الصحابة .
فقيل : نعم ، لأنَّ جَسَدَهُ عليه الصلاة والسّلام طَريٍّ في قَبْرِه، لأنَّ اللهَ قد حَرَّمَ على الأرضِ أن تَأْكُلَ
أجسادَ الأنبياء، كما وَرَدَ بذلك الحديثُ في السُّنَنِ وغيرها٣)، فهو كالمَيِّتِ اليومَ. وقال آخرون: لا يَفْعَلُ؛
لأن السَّلْفَ مِمَّنْ بَعْدَ الصَّحابة لم يَفْعَلُوهُ ، ولو كان مَشْروعاً لبادَروا إليه ، ولئابَروا عليه ، والله أعلم .
صِفَةُ دَفْنِهِ عليه الصلاة والسلام وأیْن دُفن
( وذكر الخلاف في دفته ليلاً كان أو نهاراً (٤)
قال الإمام أحمد(٥): حدَّثَنا عبد الرزاق، ثنا ابن جُرَيْج، أخبرني أبي - وهو عبد العزيز بن جُرَيْج - :
أنَّ أصحابَ النبيِّ وَّه، (لم يَدْروا أين يَقْبِرُونُ(٦) النبيِِّ، حتَّى قال أبو بكر: سَمِعْتُ
(١) الروض الأنف (٥٨٩/٧).
(٢) ط: ( قالت لنا).
(٣) رواه أحمد في المسند (٨/٤) وأبو داود رقم (١٠٤٧) و(١٥٣١) والنسائي رقم (١٣٧٣) وابن ماجه رقم (١٠٨٥)،
وهو حديث صحيح .
(٤) ليس ما بين القوسين في ط .
(٥) مسند الإمام أحمد (٧/١).
(٦) ط : ( يقبروا ) خطأ .

٣٧٧
صفة دفنه عليه الصلاة والسلام
النبيَّ ◌َّةَ(١) يقول: لمْ يُقْبِرْ نبيٌّ إلا حيث يموتُ، فَأَخَّروا فِراشَه، وحَفَروا تحت فِراشِهِ مَّله. وهذا فيه
انقطاعٌ بينَ عبد العزيز بن جُرَيْجٍ وبينَ الصّدّيق ، فإنّه لم يدركه .
لكن رواهُ الحافظُ أبو يَعْلَى (٢) من حديث ابنِ عبّاسٍ ، وعائشةَ، عن أبي بكر الصدِّيق رضي الله
عنهم ، فقال : ثنا أبو موسى الهَرَوي ، ثنا أبو معاوية ، ثنا عبد الرحمن بن أبي بكر ، عن ابن
أبي مُلَيكة، عن عائشة، قالت: اخْتَلفوا في دَفْنِ النبيِّ ◌َّهُ حينَ قُبضَ، فقال أبو بكر: سَمِعْتُ النبيَّ ◌ِل
يقول: ((لا يُقْبِضُ النبيُّ إلا في أحبّ الأَمْكِنَةِ إليه )) . فقال: ادْفِنُوه حيث قُبِضَ.
وهكذا رواه الترمذي(٣) ، عن أبي كُرَيْبٍ ، عن أبي معاوية ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر المُلَيْكي ،
عن ابن أبي مُلَيْكة، عن عائشة، قالت: لما قُبضَ رسولُ اللهِ وَِّ اخْتَلِفُوا في دَفْنِهِ ، فقال أبو بكر :
سَمِعْتُ مِنْ رسولِ اللهِ شَيْئاً ما نَسِيتُهُ . قال: (( ما قَبَضَ الله نَبِيّاً إلا في المَوْضِع الذي يَجبُ أن يُدْفَنَ فيه )).
اذْفِئُوهُ في مَوْضِعِ فِراشِهِ . ثم إنَّ الترمذيَّ ضَعَّفَ المُلَيْكي ، ثم قال : وقد رُوَيَ هذا الحديثُ من غير هذا
الوجه، رواه ابنُ عباسٍ عن أبي بكر الصديق، عن النبي ◌َّر.
وقال الأموي ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، عن رجل حَدَّثَهُ ، عن عروة ، عن عائشة : أنَّ أبا بكرٍ ،
قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ له يقول: ((إنَّه لَمْ يُدْفَنْ نبيٌّ قَط إلا حيث قُبض)).
وقال(٤) أبو بكر بن أبي الدنيا ، حدّثني محمد بن سهل التَّميمي ، ثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي ، عن
حمّاد بن سَلَمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كانَ بالمدينة حَفّاران ، فلما ماتَ النبيُّ
وَّهَ، قالوا: أين نَدْفِه؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: في المكان الذي مات فيه، وكان أحدُهما يَلْحَدُ والآخر
يَشُقّ، فجاء الذي يَلْحَدُ فَلَحَدَ للنبِيِّوَِّ. وقد رواهُ مالك(٥) بن أنس، عن هشام بن عروة ، عن أبيه منقطعاً.
وقال أبو يعلى (٦): حدَّثنا جَعْفَر بن مِهْران، ثنا عبد الأعلى ، عن محمد بن إسحاق ، حدّثني
حسين(٧) بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما أرادوا أن يَحْفِروا للنبيِّي وَّر، وكان
(١) ليس ما بين القوسين في أ.
(٢) مسند أبي يعلى (٤٥).
الترمذي ( ١٠١٨ )، وهو حديث حسن .
(٣)
(٤)
ط : ( قال ) بلا واو .
(٥)
الموطأ (٢٣١/١).
(٦)
مسند أبي يعلى ( ٢٢).
(٧) أ : ( حنين ) وليس اللفظ في ط . وهو الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي المدني :
روى عن ربيعة بن عباد وله صحبة وعن عكرمة وغيرهما . روى عنه هشام بن عروة وابن إسحاق وغيرهما . قال ابن
سعد: توفي سنة (٤٠) أو (١٤١) انظر (تهذيب التهذيب ٣٤١/٢ -٣٤٢).

٣٧٨
صفة دفنه عليه الصلاة والسلام
أبو عبيدة بن (١) الجراح يَضْرحُ كحفر(٢) أهلِ مكة، وكان أبو طلحة زيدُ بن سَهْل هو الذي كان يَحْفِرُ لأَهْل
المدينة ، وكان يَلْحَدُ، فدعا العبّاسُ رجلين، فقال لأحدِهما: اذْهَبْ إلى أبي عُبَيْدة . وقال للآخر :
اذْهَبْ إلى أبي طَلْحَة. اللَّهمَّ خِرْ لرسولك. قال: فوجد صاحبُ أبي طلحة أبا طلحة، فجاءَ به فَلَحَدَ
لرسولِ اللهِ وَّرَ. فلما فُرغَ من جَهازِ رسول اللهِوَ لَّهِ يومَ الثلاثاء وُضِعَ على سَريره في بيته، وقد كانَ
المسلمون اخْتَلَفوا في دَفْنِهِ . فقال قائل : نَدْفِئُهُ في مَسْجِدِهِ . وقال قائل: نَدْفِئُهُ مع أصحابه . فقال
أبو بكر: إنّي سَمِعْتُ رسول الله بِّهَ يقول: ((ما قُبضَ نبِيٌّ إلا دُفِنَ حَيْثُ قُبِضَ)) . فرفِعَ فراشُ
رسولِ اللهَِّ الذي تُوفِّيَ فيه فحَفَروا له تَحْتَه، ثمّ أُدْخِلَ الناسُ على رسول الله وَلَهِ يُصَلّون عليه أرسالًا؛
الرجالُ ، حتى إذا فُرِغَ منهم ، أدْخِلَ النِّساءُ ، حتى إذا فَرَغَ النساءُ ، أُدْخِلَ الصِّبْيانُ ، ولم يَؤُمَّ الناسَ على
رسول الله ﴿ أحدٌ. فدفن رسول الله وَ له من أوسطِ اللَّيْل ليلةَ الأربعاء.
وهكذا رواه ابن ماجه (٣) ، عن نصرٍ بن عليّ الجَهْضَمي ، عن وهب بن جَرير ، عن أبيه ، عن
محمد بن إسحاق ، فذكر بإسناده مثله . وزاد في آخره ونزل(٤) في حُفْرتِه عليُّ بن أبي طالب ، والفَضْلُ
وقُثَمُ ابنا عباس، وشُقْرانُ مولى رسول الله بََّ. قال أوْسُ بن خَوْلَيّ - وهو أبو ليلى - لعليّ بن
أبي طالبٍ: أَنْشُدُكَ اللهَ! وحَظّنَا من رسول الله بِّهَ. قال له علي: انْزِلْ. وكان شُقْرانُ مَوْلاه أخَذَ قطيفةٌ
كان رسولُ اللهِ وَّهَ يَلْبَسُهَا، فَدَفَنها في القَبْر، وقال: واللهِ لا يَلْبَسُها أحدٌ بَعْدَك. فدُفِنَتْ مِعَ
رسولِ اللهِوَ لَّه. وقد رواه الإمامُ أحمد(٥)، عن حسين بن محمد، عن جرير بن حازم، عن ابن إسحاق ،
مختصراً. وكذلك رواه يونس بن بُكَيْر وغيره ، عن ابن(٦) إسحاق به. وروى الواقدي(٧) : عن ابن
أبي حَبيبة، عن داود بن الحصين عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي بكر الصديق، عن رسول الله وَله:
(( ما قَبَضَ اللّهُ نَبِيّاً إلا ودُفِنَ حيثُ قُبضَ)).
وروى البيهقي(٨)، عن الحاكم، عن الأصَمّ ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بُكَير ، عن
محمد بن إسحاق ، عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحُصَيْن ، أو محمد بن جعفر بن الزبير ،
(١) ليس اللفظ في ط.
(٢) ط : ( لحفر ) .
(٣) ابن ماجه (١٦٢٨)، وإسناده ضعيف بطوله، وانظر ما ثبت منه عند ابن ماجه رقم (١٥٥٧) و(١٥٥٨).
(٤) ليس اللفظ في ط .
(٥) مسند الإمام أحمد (٢٩٢/١)، وهو حديث صحيح .
(٦) ليس اللفظ في ط .
(٧) ابن سعد (٢٩٢/٢ - ٢٩٣) ودلائل النبوة للبيهقي (٧/ ٢٦١).
(٨) دلائل النبوة (٢٦٠/٧ - ٢٦١).

٣٧٩
صفة دفنه عليه الصلاة والسلام
قال : لمّا ماتَ رسولُ اللهِّوَ اخْتَلَفوا في دَفْنِهِ فقالوا: كيف نَدْفِنُهُ مع الناس أو في بيوتِه ؟ فقال أبو بكر :
إني سمعتُ رسولَ اللهِوَ لَه يقول: ((ما قَبَضَ اللهُ نَبِيّاً إلا دُفِنَ حَيْثُ قُبضَ)). فدُفِنَ حيث كان فراشُه رُفِعَ
وحُفِر تَحْتَه .
وقال الواقدي(١): حدَّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخْنسيّ، عن عبد الرحمن بن
سعيد - يعني ابن يربوع - قال: لمّا تُوفّي النبيُّ ◌َِّ اخْتَلِفُوا في موضع قَبْره . فقال قائل : في البقيع ، فقد
كان يُكْثرُ الاستغفار لهم ، وقال قائل : عند منبره ، وقال قائل : في مُصَلاّه. فجاء أبو بكر . فقال: إنَّ
عندي من هذا خبراً وعلماً ، سمِعْتُ رسولَ الله يقول: ما قُبضَ نبيِّ إلا دُفِنَ حَيْثَ تُوفّي . قال الحافظ
البيهقي (٢): وهو في حديث يَحْيَى بن سَعيد، عن القاسم بن محمد ، وفي حديث ابن جُرَيْجٍ ، عن أبيه ،
كلاهما عن أبي بكر الصّدّيق، عن النبيِوَلّ مرسلاً .
وقال البيهقي(٣): عن الحاكم، عن الأصَمّ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بُكَير ، عن
سَلَمة بن نُبَيْط بن شَرِيط ، عن أبيه ، عن سالم بن عُبَيْد ، وكان من أصحاب الصُّفَّةِ ، قال : دخل أبو بكر
على رسول الله وَّل حين مات، ثم خرج، فقيل له: تُوفّي رسولُ الله وَّلَ؟ قال: نعم. فعلموا أنّه كما
قال ، وقيل له : أنُصلِّي عليه؟ وكيف نصلي عليه. قال: تَجيئون عُصَباً عُصَباً فتُصَلُّون ، فعلموا أنَّه كما
قال ، قالوا : هل يُدْفَنُ وأين؟ قال : حيث قَبِضَ اللهُ روحَه ، فإنّه لم يَقْبِضْ روحَه إلا في مكانٍ طيّب
فعلموا أنه كما قال .
وروى البيهقي(٤) من حديث سُفْيان بن عُيَينة ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن
المُسَيّب، قال : عَرَضتْ عائشةُ على أبيها رُؤْيا ، وكان من أعْبَر الناس ، قالت : رأيتُ ثلاثةَ أقمارٍ وَقَعْنَ
في حَجْري ، فقال لها : إن صدَقَتْ رُؤْياكِ دُفِنَ في بيتك منْ خير أهلِ الأرض ثلاثة . فلما قُبضَ
رسولُ اللهِوَّهِ قال: يا عائشةُ، هذا خيرُ أقْمارك. ورواه مالك(٥) ، عن يحيى بن سعيد، عن عائشة
مُنْقطعاً. وفي ((الصحيحين))(٦) عنها أنها قالت: تُوُفِّي النبيُّ ◌ََّ في بيتي وفي يومي وبين سَحْري
ونَحْرِي ، وجَمَعَ اللهُ بَيْنَ ريقي وريقِه في آخر ساعةٍ من الدنيا وأول ساعة من الآخرة .
(١) دلائل النبوة للبيهقي (٧/ ٢٦١) .
(٢) دلائل النبوة للبيهقي (٧/ ٢٦١).
(٣) دلائل النبوة للبيهقي (٢٥٩/٧).
(٤) دلائل النبوة للبيهقي (٢٦١/٧ - ٢٦٢).
(٥) الموطأ (٢٣٢/١).
(٦) البخاري (٣١٠٠، ٤٤٤٩ - ٤٤٥١، ٥٢١٧) ومسلم (٢٤٤٣، ٢٤٤٤).

٣٨٠
صفة دفنه عليه الصلاة والسلام
وفي صحيح البخاري(١): من حديث أبي عَوانه ٢)، عن هلال الوَزَّانُ(٣) ، عن عروة ، عن عائشة ،
قالت : سمعتُ رسول الله بَّر في مرضه الذي ماتَ فيه يقول: ((لَعَنَ اللهُ اليهودَ والنَّصارى انَّخذوا قُبُور
أنبيائهمْ مساجدَ )) . قالَتْ عائشةُ: ولولا ذلك لأُبْرِزَ قبره ، غيرَ أنه خَشِيَ أن يُتَّخِذَ مَسْجداً .
وقال ابن ماجه(٤) : حدَّثنا محمود بن غيلان ، ثنا هاشِمُ بن القاسِم ، ثنا مبارك بن فَضالة ، حدّثني
حُمَيْد الطّويل، عن أنس بن مالك، قال: لمّا تُوفِّي رسول الله وََّ، وكان بالمدينة رجلٌ يَلْحَدُ ، والآخر
يَضْرَحُ، فقالوا: نَسْتخيرُ رَبَّنا٥) ونبعثُ إليهما فأيُّهما سُبق تركناه . فأُرْسِل إلَيْهما فَسَبَقَ صاحبُ
الََّحْدِ، فَلَحَدوا لِلنَّبِيِنَّه. تفرد به ابن ماجه، وقد رواه الإمام أحمد(٦) ، عن أبي النَّضر هاشم بن
القاسم به .
وقال ابن ماجه(٧) أيضاً: حدَّثنا عُمَر بن شَبَّة بن عَبيده٨) بن زَيْد، ثنا عُبَيْد بن طُفَيْل، ثنا عبدُ الرحمن
ابن أبي مُلَيْكة، حدثني ابن أبي مُلَيْكة، عن عائشة، قالت: لمّا ماتَ رسولُ الله ◌ِّوَ اخْتَلَفوا في اللَّحْدِ
والشّقّ، حتى تَكَلَّموا في ذلك، وارتفعت أصواتهم، فقال عمر: لا تَصْخبوا عندَ رسول الله وَّهَ حَيّاً ولا
مَيّاً - أو كلمة نَحْوهَا - فارسلوا إلى الشَّقَّق واللَّحِدِ جميعاً، فجاء اللّحد، فلحدَ لرسول الله بَله ثم
دُفِنَ ، تَفَرَّدَ به ابن ماجه .
وقال الإمام أحمد (٩): حذَّثنا وكيع، ثنا العُمَري، عن نافع، عن ابن عمر(١٠) وعن
عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ رسولَ اللهِ وَ لِ أُلْحِدَ له لَحْدٌ. تفرَّدَ به أحمد من هذين
الوجهين .
(١) البخاري (١٣٩٠).
(٢) أ : ( أبي قوام ) وهو تحريف . وهو الوَضّاح بن عبد الله اليشكري مولى يزيد بن عطاء أبو عوانة الواسطي البزاز ،
روى عن هلال الوزان. مات في سنة ست وسبعين ومئة ( تهذيب التهذيب ١١٦/١١ - ١٢٠).
(٣) ط، أ: (الوراق) تحريف. وهو هلال بن أبي حميد، ويقال ابن حُميد ، ويقال ابن عبد الله بن عبد الرحمن
ويقال ابن مِقْلاص الجهني مولاهم أبو عمرو ويقال أبو أمية ويقال أبو الجهم الكوفي الصيرفي الجهبذ الوزّان . روى
عن عروة بن الزبير وغيره وعنه أبو عوانة وغيره ( تهذيب التهذيب ١١ / ٧٧ - ٧٨).
(٤) ابن ماجه (١٥٥٧)، وهو حديث صحيح .
(٥) ط : (الله ) .
(٦) مسند الإمام أحمد (١٣٩/٣).
(٧) ابن ماجه (١٥٥٨)، وإسنداه ضعيف، لجهالة عبيد بن طفيل، وضعف شيخه عبد الرحمن.
(٨) أ، ط: ( شيبة عن عبيدة) وفيها تحريف وخطأ وهو شبّة بن عبيدة بن زيد بن رائطة النميري أبو زيد بن أبي معاذ
البصري النحوي الأخباري ( انظر تهذيب التهذيب ( ٧/ ٤٦٠) وتقريبه ( ٤١٣).
(٩) مسند الإمام أحمد (٢٤/٢)، (١٣٦/٦)، وهو حديث صحيح لغيره.
(١٠) ط : ( عمرو وعن ) .