Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
قدوم رسول ملوك حمير
وقد أورد الحافظ البيهقي(١) هاهنا : حديثَ كتاب عمرو بن حزم فقال : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ،
أنبأنا أبو العباس الأصم ، حدّثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدّثنا يونس بن بُكير ، عن محمد بن إسحاق ،
حدّثني عبد الله بن أبي بكر ، عن أبيه [ أبي ] بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال : هذا كتاب رسول الله
﴿ ◌ّ عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، يُفَقِّهُ أهلَها، ويعلّمُهم السُّنَّةُ، ويأخذ
صَدَقاتِهم ، فكتب له كتاباً وعهداً وأمره فيه أمره ، فكتب(٢) :
((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾
[ المائدة: ١] عهداً من رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله ، فإنّ الله
مع الذين اتقوا(٣) والذين هم محسنون ، وأمره أن يأخذ بالحق ، كما أمره الله ، وأن يبشر الناس بالخير
ويأمرهم به ، ويعلم الناس القرآن ، ويفقههم في الدين ، وأن ينهى الناس ، فلا يمسّ أحدٌ القرآن إلا وهو
طاهرٌ ، وأن يخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم ، ويلين لهم في الحق ، ويشتد عليهم في الظلم ، فإن
الله حرم الظلم ونهى عنه فقال: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ (١٢) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٨ -١٩ ]
وأن يبشِّرَ الناسَ بالجنةِ وبعملِها ؛ ويُنْذِرَ النّاسَ النارَ وعملَها ، ويستألِفَ الناسَ حتى يَتَفَقَّهوا في الدين ،
ويعلم الناسَ معالمَ الحجّ وسُنّنَه وفرائِضَه، وما أمر(٤) الله به ، والحج الأكبر الحج ، والحج الأصغر
العمرة، وأن يَنْهَى الناسَ أن يصلِّي الرجلُ في ثوبٍ واحدٍ صغير إلا أن يكون واسعاً ، فيُخالفُ بينَ طَرَفَيْهِ
على عاتِقَيْهِ ، وينهى أن يحتبي الرَّجُلُ في ثوبٍ واحدٍ ، ويُفْضي بفَرْجه إلى السَّماء ، ولا يعقص(٥) شعرَ
رأسه إذا عفا(٦) في قفاه ، وينهى الناسَ إن كان بينهم هَيْجٌ أن يدعوا إلى القبائل والعشائر ، وليكن دعاؤهم
إلى الله وحده لا شريكَ له ، فمن لم يَدْعُ إلى الله ، ودعا إلى العشائر والقبائل فليعطِفوا بالسيف ، حتى
يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له ، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوهَهُم وأيديهم إلى المرافق
وأرجلَهم إلى الكعبين ، وأن يمسحوا رؤوسَهم كما أمرهم الله عزَّ وجلَّ ، وأمروا بالصلاة لوقتها وإتمامٍ
الرُّكوع والسجود ، وأن يُغلَّس بالصبح ، وأن يُهََّر بالهاجرة حتى(٧) تميل الشمس وصلاة العصر والشمس
في الأرض مبدرة(٨) ، والمغرب حين يقبل الليل ، لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء ، والعشاء أول
(١) دلائل النبوة (٤١٣/٥ - ٤١٥).
(٢) إعلام السائلين ص (١٣٥ - ١٣٨) ومجموعة الوثائق السياسية رقم (١٠٥، ١٠٦، ١٠٧) ص (١٣٧) وما بعد.
(٣) ط: ( اتقوه ) .
(٤) ط : ( وما أمره ) .
(٥) ط: ( ينقض) وما هنا عن السيرة (٥١٥/٢).
(٦) عفا : أي كثر واسترسل ( اللسان : عفا).
(٧) في السيرة : ( حين ) .
(٨) في السيرة : ( مدبرة ) .

٦٢
قدوم جرير بن عبد الله البجلي وإسلامه
الليل ، [ وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها والغسل عند الرواح إليها }(١) وأمره أن يأخذ من المغانم
خُمُسَ الله ما كُتب على المؤمنين من الصدقة، من العَقار فيما سَقَتِ العَيْنُ(٢) وفيما سقت السماء العُشْر ،
وما سقى الغَزْب(٣) فنصف العشر ، وفي كل عشر من الإبل شاتان ، وفي عشرين أربع شياه ، وفي أربعين
من البقر بقرة ، وفي كل ثلاثين من البقر تبيعٌ أو تبيعةٌ جَذَع أو جَذَعة ، وفي كل أربعين من الغنم سائمة
وحدها شاةٌ ، فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين ، فمن زاد فهو خير له ، ومن أسلم من يهودي أو
نصراني إسلاماً خالصاً من نفسه فَدانَ دينَ الإسلام ، فإنه من المؤمنين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، ومنْ
كانَ على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يُغَيَّر عنها ، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى ، حر أو عبد ، دينار وافٍ ،
أو عوضه ٤) من الثياب ، فمن أدى ذلك فإن له ذمةَ الله ورسوله ، ومن مَنَعَ ذلك فإنه عدؤُ الله ورسوله
والمؤمنين جميعاً، صلوات الله على محمد ، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته )).
قال الحافظ البيهقي(٥) : وقد روى سليمان بن داود ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده هذا الحديث موصولًا بزيادات كثيرة ونقصان عن بعض ما ذكرناه في
الزكاة والديات وغير ذلك .
قلت : ومن هذا الوجه رواه الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي(٦) في سننه مطولاً ، وأبو داود في كتاب
المراسيل(٧)، وقد ذكرت ذلك بأسانيده وألفاظه في السننُ(٨) ولله الحمد والمنة ، وسنذكر بعد الوفود
بعثَ النبي بَِّ الأمراءَ إلى اليمن لتعليم الناس وأخذِ صدقاتِهم وأخماسِهم، معاذ بن جبل وأبا موسى
وخالدَ بن الوليد وعليَّ بن أبي طالب ، رضي الله عنهم أجمعين .
قُدومُ جَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله البَجَلي وإسلامه
قال الإمام أحمد(٩) : حدّثنا أبو قطن ، حدّثني يونس ، عن المغيرة بن شِبْلٍ ، قال : قال جرير : لما
(١) الزيادة من دلائل النبوة ومجموعة الوثائق السياسية.
(٢) في أ كلمة غير واضحة ، وفي ط : المغل ، وأثبتنا ما في دلائل النبوة ومجموعة الوثائق السياسية وسيرة ابن هشام
(٢٦٦/٤) وإعلام السائلين.
(٣) الغرب: الدلو العظيمة ( القاموس: غرب ).
(٤)
في ط : ( عرضه ) .
السنن الكبرى للبيهقي (٨٨/١، ٣٠٩)( و١٢٨/١٠).
(٥)
(٦)
النسائي ( ٤٨٦٨ و٤٨٦٩)، وإسناده ضعيف .
(٧)
أبو داود في المراسيل ( ٨٥ مختصراً ، ٩٧ مطولًا)، وإسناده ضعيف .
جامع المسانيد والسنن ( ٩/ ٥٦٠ _ ٥٦٥).
(٨)
مسند الإمام أحمد (٣٥٩/٤)، وهو حديث صحيح. وانظر طبقات ابن سعد (٣٤٧/١ - ٣٤٨).
(٩)

٦٣
قدوم جرير بن عبد الله البجلي وإسلامه
دَنَوْتُ من المدينة أنَخْتُ راحلتي، ثم حَلَلْتُ عَيْبَتِي (١)، ثم لَبِسْتُ حُلَّتِي، ثم دخلتُ، فإذا رسولُ الله ◌ِ ◌َه
يخطُبُ ، فرماني الناسُ بالحَدَق، فقلت لجليسي: يا عبد الله، هل ذكرني رسولُ اللهِوَلَ؟ قال: نعم،
ذكركَ بأحسنِ الذِّكْرِ ، بينما هو يخطُبُ إذ عرض له في خطبته وقال: (( يدخلُ عليكُم من هذا الباب ، أو
من هذا الفَجِّ ، منْ خَيْرِ ذي يَمَن إلّا أن٢ّ) على وجهه مسحةَ مَلَكٍ(٣)، قال جرير: فحمدتُ الله عزَّ وجلَّ
على ما أبلاني . قال أبو قطن : فقلت له : سمعتَه منه ، أو سمعتَه من المغيرة بن شِبْلٍ؟. قال : نعم .
ثم رواه الإمام أحمد(٤) عن أبي نعيم وإسحاق بن يوسف . وأخرج النَّسائي(٥) من حديث الفضل بن
موسى ، ثلاثتهم ، عن يونس بن(٦) أبي إسحاق السَّبيعي، عن المغيرة بن شِبْل ـ ويقال ابن شُبَيْل - ، عن
عوف البَجَلي الكوفي ، عن جرير بن عبد الله ، وليس له عنه غيره .
وقد رواه النّسائي(٧) ، عن قتيبة ، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن
أبي حازم، عن جرير بقصته: (( يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ من هذا البابِ رجلٌ على وَجْهِهِ مَسْحَة مَلَكِ)) الحديث.
وهذا على شرط الصحيحين .
وقال الإمام أحمد(٨): حدّثنا محمد بن عُبَيد، حدّثنا إسماعيل ، عن قيس ، عن جرير قال :
ما حَجَبني عنه(٩) رسول اللهِ ﴿ منذ أسلمتُ، ولا رآني إلا تبسَّم في وجهي .
وقد رواه الجماعة١٠) إلا أبا داود من طرقٍ عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عنه .
وفي الصحيحين زيادة : وشكوتُ إلى رسول الله وَ ل﴿ل أني لا أثبتُ على الخيل ، فضرب بيده في صدري ،
وقال: ((اللهم ثَبَّتْهُ واجعله هادياً مهدياً)). ورواه النَّسائي (١١) عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن
(١) العيبة: وعاء من أدم يكون فيها المتاع والجمع عياب وغِيْب ( اللسان: عيب).
(٢) لفظ ( أن ) زيادة عن المسند.
(٣) يقال: على وجهه مَسْحَةُ مَلَكٍ ومَسْحةُ جمالٍ ، أي أثر ظاهر منه، ولا يقال ذلك إلا في المدح (النهاية في غريب
الحديث والأثر : مسح ) .
(٤) مسند الإمام أحمد (٤/ ٣٦٠ و٣٦٤)، وهو حديث صحيح .
(٥) السنن الكبرى للنسائي (٨٣٠٤).
(٦) ط، أ: (عن) وانظر تهذيب الكمال (٤٨٨/٣٢).
(٧) السنن الكبرى (٢ : ٨٣) بلا قصة.
(٨)
مسند الإمام أحمد (٣٥٨/٤، ٣٦٢) .
(٩) ليس اللفظ في أ ، ط .
(١٠) صحيح البخاري رقم (٦٠٨٩) في فضائل أصحاب النبي ◌ُّر باب ذكر جرير رضي الله عنه ومسلم رقم (٢٤٧٥) في
فضائل الصحابة باب من فضائل جرير رضي الله عنه والترمذي رقم (٣٨٢٢) في المناقب باب جرير رضي الله عنه .
(١١) السنن الكبرى للنسائي (٨٣٠٢) بلا قصة.

٦٤
قدوم جرير بن عبد الله البجلي وإسلامه
إسماعيل ، عن قيس ، عنه، وزاد فيه ((يَدْخُلُ عليكُمْ من هذه١) الباب رجل على وجهه مَسْحَةُ مَلَكِ))
فذكر نحو ما تقدم .
قال الحافظ البيهقي(٢): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدّثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد السّمَّاك ، حدّثنا
الحسنُ بن سلاَّم السَّاق، حدّثنا محمد بن مُقاتِلِ الخُراساني، حدّثنا حُصَيْنٌ(٣) بن عمر الأخمسي، حدّثنا
إسماعيل بن أبي خالد عن(٤) قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: بعث إليَّ رسول الله اليه
فقال : يا جريرُ، لأيِّ شيءٍ جئتَ؟ قلت: أُسْلِمُ(٥) على يديك يا رسول الله. قال: فألقى عليّ(٦)
كساءً، ثم أقبل على أصحابه فقال: ((إذا أتاكم كريمُ قوم فأكرموه)). ثم قال: يا جريرُ، أدعوكَ إلى
شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسولُ الله، وأن تؤمنَ بالله واليوم الآخر والقدرِ خيرِه وشَرِّه، وتُصَلِّي الصَّلاةَ
المكتوبةَ ، وتُؤَدِّي الزكاةَ المفروضة )» . ففعلتُ ذلك، فكان بعد ذلك لا يراني إلا تبسَّم في وجهي .
هذا حديث غريب من هذا الوجه .
وقال الإمام أحمد(٧) : حدّثنا يحيى بن سعيد القطان ، حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن
أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: بايَعْتُ رسول الله وَِّ على إقام الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكَاةِ والنُّصْح. لكلّ
مسلم .
وأخرجاه في الصحيحين(٨) من حديث إسماعيل بن أبي خالد به . وهو في الصحيحين(٩) من حديث
زياد بن علاقة ١) عن جرير به .
وقال الإمام أحمد(١): حدّثنا أبو سعيد، حدّثنا زائدة، حدّثنا عاصم، عن شقيق١٢) يعني - أبا
(١) ليس اللفظ في أ، ط .
(٢) دلائل النبوة (٣٤٧/٥).
في الدلائل ( حسين ) وانظر تهذيب الكمال (٥٢٦/٦).
(٣)
(٤) ط : ( أو ) وما هنا عن الدلائل.
في دلائل النبوة ((جئت لأسلم)).
(٥)
(٦)
في دلائل النبوة ((إليّ)).
مسند الإمام أحمد (٣٦٥/٤) .
(٧)
صحيح البخاري رقم ( ٥٧ ) في الإيمان باب قول النبي وَّل الدين النصيحة، وصحيح مسلم رقم (٥٦) في الإيمان
(٨)
باب : بيان أن الدين النصيحة، وأبو داود رقم ( ٤٩٤٥) في الأدب باب في النصيحة وسنن النسائي (٧/ ١٥٢) في
البيعة باب البيعة فيما يستطيعه الإنسان .
(٩) رواه البخاري رقم (٥٨) ومسلم رقم (٥٦) (٩٨) .
(١٠) في الأصل (علائة) وهو تحريف، انظر تهذيب التهذيب (٣/ ٣٨٠).
(١١) مسند الإمام أحمد (٣٦٤/٤).
(١٢) في ط: ( سفيان) وهو تحريف. انظر في ترجمة شقيق بن سلمة أبي وائل سير أعلام النبلاء (٤/ ١٦١).

٦٥
قدوم جرير بن عبد الله البجلي وإسلامه
وائل - عن جرير قال: قلت: يا رسول الله، اشترط عليّ، فأنت أعلم بالشرط. قال: ((أُبايعُكَ على أن
تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لا تَشْرِكُ به شيئاً ، وتُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتي الزكاةَ، وتَنْصحَ المسلمَ وتبرأ من الشرك)).
ورواه النَّسائي(١) من حديث شُعْبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن جَرير. وفي طريق أخرى (٢) ،
عن الأعْمَش ، عن منصور، عن أبي وائل، عن أبي نُخَيلةٌ(٣) ، عن جرير به ، فالله أعلم . ورواه أيضا٤ً)
عن محمد بن قدامة ، عن جرير ، عن مُغيرة ، عن أبي وائل والشعبي ، عن جرير به . ورواه عن جرير
عبدُ الله بن عَميرة(٥) ؛ رواه أحمد(٦) منفرداً به؛ وابنه عبيد الله بن جرير، رواه أحمد(٧) أيضاً منفرداً به.
وأبو جميلةُ(٨) وصوابه أبو نُخَيْلة، رواه أحمد والنسائي(٩) ورواه أحمد أيض١٠ً)، عن غُندر ، عن شعبة ،
عن منصور ، عن أبي وائل، عن رجل ، عن جرير ، فذكره . والظاهر أن هذا الرجل هو أبو نخيلة البَجَلي
والله أعلم .
وقد ذكرنا بعث النبي ◌ّ له حين أسلم إلى ذي الخَلَصَةُ(١) بيت كان يعبده خَثْعَم ويجيلة ، وكان يقال
له الكعبة اليمانية ، يضاهون به الكعبة التي بمكة ، ويقولون للتي ببكة الكعبة الشامية ، ولبيتهم الكعبة
اليمانية. فقال له رسول الله وَّر: ((ألا تريحني من ذي الخَلَصة)) فحينئذ شكى إلى النبي وَلّ أنّه لا يثبت
على الخيل ، فضرب بيده الكريمة في صدره حتى أثّرت فيه وقال: (( اللهم ثبّته ، وأجعله هادياً مهدياً)).
فلم يسقط بعد ذلك عن فرس . ونفر إلى ذي الخَلَصة في خمسين ومئة راكب من قومه من أحْمَس(١٢) ،
فخرّب ذلك البيت وحرّقه ، حتى تركه مثلَ الجمل الأجرب. وبعث إلى النبي ◌َّه بَشيراً يقال له
أبو أرطاة، فبشره بذلك، فبَّك رسولُ اللهِ وَلِّ على خيل أحْمَس ورجالها خمس مراتٍ .
(١) سنن النسائي (٧/ ١٤٧)، وهو حديث صحيح .
(٢)
سنن النسائي ( ٧ / ١٤٨ ).
(٣) هكذا في أو ط وسنن النسائي وفي الكنى لمسلم (١٢) والإكمال (٧/ ٣٣٥) وتبصير المنتبه (١٤١٢/٤)
((نحيلة)) بالحاء ، وكلاهما وارد، قال المزي في ترجمته من تهذيب الكمال (٣٤٢/٣٤): ذكره عبد الغني بن سعيد
بالحاء المهملة، وذكره غيره بالمعجمة وانظر بلابد التعليق على المؤتلف للدار قطني (٢٢٧٢/٤).
(٤)
سنن النسائي ( ٧/ ١٤٧).
تهذيب التهذيب ( ٣٤٥/٥ ) .
(٥)
(٦)
مسند الإمام أحمد (٣٦٦/٤).
مسند الإمام أحمد (٣٥٨/٤) .
(٧)
أثبت ابن كثير هنا كلمة «جميلة» الواردة في المسند (٤ / ٣٦٥) ليصوبها بنخيلة.
(٨)
(٩) مسند أحمد (٣٦٥/٤) وسنن النسائي (١٤٧/٧).
(١٠) مسند أحمد (٣٥٨/٤)، وينظر المسند الجامع (٥١٦/٤) حديث (٣١٦٧).
(١١) انظر تفصيل ذلك في معجم البلدان : الخلصة .
(١٢) أحمس : بطن من ضبيعة، وبطن آخر من بجيلة وهو ابن الغوث بن أنمار ( تاج العروس : حمس) .

٦٦
قدوم جرير بن عبد الله البجلي وإسلامه
والحديث مبسوط في الصحيحين وغيرهما(١) . كما قدمناه بعد الفتح استطراداً بعد ذكر تخريب بيت
العُزّى على يَدَيْ خالدٍ بن الوليد رضي الله عنه .
والظاهر أن إسلام جرير رضي الله عنه كان متأخراً عن الفتح بمقدار جيد ، فإن الإمام أحمد قال(٢):
حدّثنا هاشم(٣) بن القاسم، حدّثنا زياد بن عبد الله بن عُلاثة، عن(٤) عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن
مجاهد ، عن جرير بن عبد الله البَجَلي قال: إنما أسلمتُ بعدما أُنْزِلَت المائدةُ وأنا رأيتُ رسول الله وَلَّم
يَمْسَحُ بعدما أسلمتُ . تَفَرَّدَ به أحمدُ وهو إسنادٌ جيدٌ ، اللهمَّ إلا أن يكونَ منقطعاً بين مجاهدٍ وبينه .
وثبتَ في ((الصحيحين)) أن أصحابَ عبد الله بن مَسْعود كان يُعْجِبُهم حديثُ جَرِير في مسح الخُفّ،
لأن إسلام جرير إنما كان بعد نزول المائدة(٥) .
وسيأتي في حجة الوداع أن رسول الله وَ له قال له: ((استَنْصِتِ النّاسَ يا جرير)(٦) وإنما أمره بذلك
لأنه كان صبياً . وكان ذا شكل عظيم ، كانت نعلُه طولها ذراع ، وكان من أحسن الناس وجهاً ، وكان مع
هذا من أغض الناس طرفاً، ولهذا روينا في الحديث الصحيح(٧) عنه أنه قال: سألتُ رسولَ الله وَله عن
نظر الفجأة (٨) فقال : اصرف (٩) بصرك .
(١) صحيح البخاري رقم (٤٣٥٥) في المغازي باب غزوة ذي الخلصة وصحيح مسلم رقم (٢٤٧٦) في فضائل الصحابة
باب من فضائل جرير بن عبد الله رضي الله عنه وسنن أبي داود رقم ( ٢٧٧٢) في الجهاد باب في بعثة البشراء ،
ومسند الإمام أحمد (٣٦٥/٤).
(٢) المسند (٤/ ٣٦٣).
(٣) ط: ( هشام) تحريف، والتصحيح من المسند، وانظر سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٤٥).
(٤) ط: ( بن) تحريف، والتصحيح من المسند، وانظر سير أعلام النبلاء (٦/ ٨٠).
(٥) صحيح البخاري رقم ( ٣٨٧) في الصلاة في الثياب باب الصلاة في الخفاف وصحيح مسلم رقم (٢٧٢) في الطهارة
باب المسح على الخفين .
(٦) صحيح البخاري رقم (١٢١) كتب العلم باب الانصات للعلماء وصحيح مسلم رقم (١١٨) كتاب الإيمان باب بيان
معنى قول النبي ◌َّ ألا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم بعضاً وسنن ابن ماجه في الفتن رقم (٥) ومسند الإمام
أحمد (٣٥٨/٤، ٣٦٣، ٣٦٦).
(٧) صحيح مسلم رقم (٢١٥٩) في الآداب باب نظر الفجأة وسنن أبي داود رقم (٢١٤٨) في النكاح باب ما يؤمر من
غض البصر وسنن الترمذي رقم ( ٢٧٧٧) في الأدب باب ما جاء في نظر الفجأة ومسند الإمام أحمد (٣٥٨/٤،
٣٦١).
(٨) يقال: الفَجْأة بفتح الفاء وإسكان الجيم والقصر. والفُجاءة بضم الفاء وفتح الجيم والمد ( لسان العرب:
فجأ ) .
(٩) ط : ( اطرق ).

٦٧
وفادة وائل بن حجر الحضرمي
وِفَادَةٌ وائِلٍ بن حُجْر بن رَبيعةَ بن وائلٍ بن يَعْمر الحضْرميّ
أبو هُنيدة (١) أحد مُلوكِ اليَمَن على رسول الله وَلَّم
قال أبو عمر بن عبد البر(٢) : كان أحد أقيال حضرموت ، وكان أبوه من ملوكهم ، ويقال : إنّ
رسول الله وَّلَه بشّر أصحابَه قبل قدومه به، وقال: ((يأتيكم بقية أبناء الملوك)) فلما دخل رحَّب به، وأدناه
من نفسه ، وقرّب مَجْلسه، وبسطَ له رداءَه ، وقال: ((اللهم بارِكْ في وائلٍ وولدِه وولدٍ ولدِه)).
واستعمَلَهُ على الأقيال من حضرموت ، وكتب معه ثلاثة كتب ، منها كتابٌ إلى المهاجر بن أبي أمية ،
وكتاب إلى الأقيال والعباهلة (٣) . وأقطعه أرضاً، وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان ، فخرج معه راجلاً ،
فشكى إليه حرَّ الرمضاء ، فقال : انتعل ظِلَّ الناقة . فقال : وما يغني عني ذلك لو جعلتني رِدْفاً ، فقال له
وائل : اسكتْ ، فلست من أردافِ الملوك. ثم عاش وائل بن حُجْر حتى وفد على مُعاوية وهو أمير
المؤمنين ، فعرفه معاوية ، فرخَّب به ، وقرّبه وأدناه ، وأذكره الحديث (٤) ، وعرض عليه جائزة سنَّة ،
فأبى أن يأخذها ، وقال : أعطها من هو أحوج إليها منّي .
وأورد الحافظ البيهقي(٥) بعضَ هذا، وأشار إلى أن البخاري في التاريخ(٦) روى في ذلك شيئاً .
وقد قال الإمام أحمد(٧) : حدّثنا حجاج ، أنبأنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، عن علقمة بن وائل ،
عن أبيه : أن رسول الله وَلّ أقطعه أرضاً. قال: وأرسل معي معاوية أن أعطِها إيّاه، أو قال: أَعْلِمْها٨)
إياه . قال : فقال معاوية : أردفني خلفك . فقلت : لا تكون من أرداف الملوك . قال : فقال : أعطني
نعلك . فقلت : انتعل ظِلَّ الناقة . قال : فلمّا استُخْلِفَ معاويةُ أتيتُه ، فأقعدني معه على السرير ، فذكّرني
الحديث . قال سِماكٌ : فقال : وددتُ أنّي كنتُ حملتُه بين يدي .
وقد رواه أبو داود والترمذي(٩) من حديث شُعبة وقال الترمذي : صحيح .
(١) في أو ط ابن هنيد. وأثبتنا ما في الاستيعاب (١٥٦٢/٤) وأسد الغابة (٨١/٥)، وقال المزي في ترجمته من
تهذيب الكمال (٤١٩/٣٠): ((أبو هنيدة، ويقال: أبو هنيد)).
(٢) الاستيعاب (٤/ ١٥٦٢).
العباهلة: ملوك اليمن المقَرُّون على ملكهم فلم يُزالوا عنه. واحدها عبهل والتاء لتأكيد الجمع (تاج العروس: عبهل).
(٣)
(٤)
ليس اللفظ في ط .
(٥)
دلائل النبوة (٣٤٩/٥).
(٦)
التاريخ الكبير (١٧٥/٨ - ١٧٦ ).
(٧)
مسند الإمام أحمد (٣٩٩/٦)، وإسناده حسن .
(٨) ط : ( اعملها) تحريف.
(٩) سنن أبي داود رقم (٣٠٥٨) كتاب الخراج والإمارة والفيء باب إقطاع الأرضين ، وجامع الترمذي باب ما جاء في=

٦٨
وفادة لقيط بن عامر المنتفق العقيلي
وِفادَةُ لَقيطِ بنِ عامٍ المُنْتَفق أبي رَزِينِ العُقَيْلي إلى رسول الله وَله
قال عبد الله بن الإمام أحمد(١) : كتبَ إليّ إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مُصعب بن الزُّبَيْر
الزُّبَيْري : كتبتُ إليك بهذا الحديث ، وقد عرضتُه ، وسمعتُهُ على ما كتبت به إليك ، فحدِّثْ بذلك عني .
قال : حدّثني عبد الرحمن بن المغيرة الحِزاميّ، حدّثني عبد الرحمن بن عَيّاش السَّمَعيِ الأنْصاريّ القُبائي
من بني عمرو بنِ عوف ، عن دَلْهَم بن الأسْوَد بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المُنْتَفِقِ العُقَيْلي عن أبيه
عن عَمِّه لَقيط بن عامر قال دَلْهَمُ(٢): وحدّثنيه أبي الأسودُ، عن عاصم بن لَقيط ، أن لقيطاً خرج وافداً إلى
رسول الله وَّه، ومعه صاحبٌ له يُقال له نَهيك بن عاصم بن مالك بن المُنْتَفق قال لَقِيطٌ : فخرجت أنا
وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله وَّر المدينة(٣) انسلاخ رجب، فأتَيْنا رسولَ الله وَّهِ، فوافَيناه حين
انصرفَ من صلاةِ الغَدَاةِ فقام في الناس خطيباً ، فقال: (( أيها الناس ألا إني قد خَبَّأْتُ لكم صوتي منذ أربعة
أيام ، ألا لأُسْمِعَنَّكُمْ ، ألا فَهَلْ من امرىءٍ بعثَهُ قومه))؟ فقالوا: أعلم لنا ما يقولُ رسولُ الله ، ألا ثم لعلَّه
أن يُلْهِيَّهُ حديثُ نفسه أو حديثُ صاحبه ، أو يلهيه الضُّلال، ألا إنّي مسؤول ، هل بلغتُ، ألا فاسمَعُو(٤)
تعيشوا ، ألا أجلسوا ألا أجلسوا . قال : فجلس الناس ، وقمتُ أنا وصاحبي حتى إذا فرغَ لنا فؤادُه وبصرُه
قلت : يا رسول الله ، ما عندكَ من علم الغَيْب ؟ فضحك لعمرُ اللهِ، وهزَّ رأسَه ، وعلمَ أني أبتغي
لسقطِه، فقال: ((ضَنَّ رَبُّكَ عزَّ وجلَّ بمفاتيحَ خمسٍ من الغَيْب، لا يعلمُها إلا اللهُ)) وأشار بيده . قلتُ :
وما هي؟ قال: ((علم المَنِيَّة، قد علم متى مَنِيَّةُ أحِدِكُمْ، ولا تعلمونه ، [ وعلمُ المَنِيّ ، حينَ يكونُ في
الرّحِم، قد علمه ولا تعلمون }٥) وعلم ما في غدٍ ، وما أنتَ طاعِمٌ غداً ولا تعلمه ، وعلم يوم الغَيْثِ ،
يشرفُ عليكم آزلين(٦) مُسْنتين (٧) فيظلّ يَضْحكُ قد علم أن غَيْرَكم إلى قَرِيبٍ (٨) )). قال لقيطٌ: قلتُ : لن
القطائع رقم ( ١٣٨١)، وهو حديث صحيح كما قال الترمذي.
(١) مسند الإمام أحمد (١٣/٤)، وإسناده ضعيف، لأنه مسلسل بالمجاهيل، وفي بعض ألفاظه نكارة ظاهرة كما
سيبينه المؤلف .
(٢) تقريب التهذيب .
(٣) كلمة (( المدينة)) ليست في (أ) ولا في المسند.
(٤)
في المسند: «اسمعوا)).
(٥) الزيادة من المسند .
(٦) آزلين: أي في شدة وقحط . والأزْل الضيق والجدب ( النهاية : أزل ).
(٧) في المسند ((آزلين آدلين مشفقين)). ومسنتين أي مجدبين، أصابتهم السنة، وهي القحط والجدب ( النهاية:
سنت ) .
(٨) في المسند ( إلى قرب ) .

٦٩
وفادة لقيط بن عامر المنتفق العقيلي
نَعْدَمَ من رَبِّ يَضْحَكُ خيراً ((وعلم يوم الساعة)). قلت(١): يا رسول الله عَلِّمْنا مما لا يَعْلَمُ(٢) الناسُ ومما
تَعْلَم ، فإنا من قَبِيلٍ لا يُصَدِّقون تَصْديقنا أحدٌ ، من مَذْحِج التي تربو علينا، وخَثْعَم التي توالينا وعشيرتنا
التي نحن منها(٣) . قال: ((تَلْبَثُونَ ما لَبِثْتُمْ ثُمَّ يُتَوفَّى نَبِيُّكُمُ ثم تَلْبَثُون ما لَبِثْتُم ثم تُبْعَثُ الصّائِحَةُ، لعمرُ
إلهكَ ما تدعُ على ظَهْرها من شيءٍ إلا مات، والملائكةُ الذين مع ربّك عزَّ وجلَّ، فأصبحَ ربُّكَ عزَّ وجلَّ
يَطوف (٤) بالأرض وقد خَلَتْ عليه البلادِ ، فأرسلَ ربِّك السماءَ تَهْضِبُ(٥) من عِنْدِ العَرْشِ، فَلَعَمْرُ إِلْهكَ
ما تَدَعُ على ظَهْرِها من مَصْرِعٍ قَتيلٍ ، ولا مَدْفَن مَيِّتٍ إلا شَقَّتِ القَبْرَ عنه حتى تَخْلُقَه(٦) من عند رأسه ،
فَيَسْتوي جالساً ، فيقول ربُّك عزَّ وجلَّ: مَهْيَمْ(٧) - لما كان فيه - فيقول: يا ربّ أمسِ اليومَ، فَلِعَهْدِهِ
بالحياة يحسبه(٨) حديثاً بأهله . قلت : يا رسول الله كيف يجمعُنا بعد ما تُفَرَّقُنا الرّياحُ والِلَى والسِّباع.
فقال : أنْبِّئُك بمثل ذلك في آلاء الله الأرضُ أشرفتَ عليها، وهي مَدَرة٩ُ) بالية . فقلت: لا تجيء
أبدا١٠ً)، ثم أرسل ربُّكَ عليها السماءَ فلم تَلْبَتْ عليكَ إلّا أياماً حتى أشرفت عليها وهي شريهُ (١) واحدة
فلعمرُ إلَهكَ لهوَ أقدرُ على أن يجمعَكم من الماء على أن يجمعَ نباتَ الأرضِ فتُخْرَجون من الأصواء(١٢)
ومن مصارعكم فَتَنظرُون إليه وينظُرُ إليكم . قال: قلت: يا رسولَ الله ، وكيف ونحن ملءُ الأرض وهو
عزَّ وجلَّ شخصٌ واحد١٣ٌ) ينظر إلينا وننظرُ إليه ، فقال أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله الشمسُ والقمرُ آية منه
صغيرةُ تَرَوْنَهما ويَرَيانِكم ساعةً واحدة ، لا تُضارُون في رُؤْيتهما ، ولعمرُ إلهك لهوَ أقدرُ على أن يراكم
وَتَرَوْنَهُ من أن تَرَؤْنَهما ويَرَيانكم لا تُضارّون في رؤيتهما . قلتُ : يا رسول الله فما يفعلُ بنا ربنا إذا لقيناه ؟
قال : تُعْرَضون عليه باديةً له صحائفكم ، لا يَخْفى عليه منكم خافيةٌ فيأخذُ ربُّكَ عزَّ وجلَّ، بيده غُرْفَة من
(١) أ، ط : ( قلنا ) وما هنا عن المسند .
(٢) في المسند ( علمنا مما تُعلِّم الناسَ وما تعلمُ ) .
(٣)
في أ: (( معها )).
في مسند الإمام أحمد (( يطيف)).
(٤)
(٥)
الهضب : المطر ( النهاية : هضب ) .
في مسند الإمام أحمد (( تجعله)» وفي أ: ( تخلفه).
(٦)
مَهْيَم : ما أمركم وشأنكم ، وهي كلمة يمانية ( النهاية : مهيم ) .
(٧)
(٨) ط : ( يتحسبه ) .
(٩) المدر : قطع الطين اليابس واحدتها مدرة ( اللسان : مدر).
(١٠) في مسند أحمد : لا تحيا أبداً .
(١١) شرية: حنظلة خضراء وقال ابن الأثير : هكذا رواه بعضهم وأراد أن الأرض اخضرت بالنبات فكأنها حنظلة واحدة .
والرواية شربة بالباء الموحدة ( النهاية : شرا) .
(١٢) الأصوات : قال ابن الأثير: قال القتيبي: يعني بالأصواء القبور وأصلها الأعلام شبه القبور بها ( اللسان: صوى).
(١٣) قد جاء في صحيح مسلم رقم (١٤٩٩) وفي البخاري ترجمة رقم (٧٤١٦) وليس المراد منه تشبيهه سبحانه
بالأشخاص.

٧٠
وفادة لقيط بن عامر المنتفق العقيلي
الماء فَيَنْضَحُ قَبِيلُكُمُ(١) بها، فلعمرُ إِلْهِكَ ما تُخْطِىءُ وجهَ أحدِكُم منها قطرةٌ ، فأما المسلمُ فَتَدَعُ على وجهه
مثلَ الرَّيْطةُ(٢) البيضاء، وأما الكافر فتخطِمُهُ(٣) بمثل الحُمَم الأسود ، ألا ثم ينصرفُ نبيّكم ، وينصرفُ
على أثَره الصّالحون ، فَتَسْلُكُون جسراً من النار، فَيَطَأ أحدُكم الجمرَ، فيقول: حَسَّ(٤) فيقول ربك
عزَّ وجلَّ: أوانه [ ألا ]°) فَتَطْلُعون على حوضِ الرّسولِ على أظم٦ٍ) - والله - ناهلةٍ عليها ما رأيتُها قط ،
فلعمرُ إلهكَ لا يَبْسُط واحدٌ منكم يده إلا وقع(٧) عليها قدح يطهره من الطوف (٨) والبول والأذى، وتُحْبَس
الشمسُ والقمرُ، فلا تَرَوْنَ منهما واحداً . قال: قلت : يا رسولَ الله، فيم نُبُصِرُ؟ قال: بمثل(٩) بصرك
ساعتَكَ هذه، وذلك مع طُلوعِ الشمس في يوم أشرقتٍ (١٠) الأرض وواجهَته الجبالُ(١) قال: قلت :
يا رسولَ الله(١٢)، فيمَ نُجزَى من سَيِّئاتنا وحسناتنا؟ قال : الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها ، إلا أن
يَعْفُو . قال : قلت : يا رسول الله، إما الجنة وإمّا النارُ؟ قال: لعمرُ إلهِكَ، إنَّ للنارِ سبعةَ أبوابٍ ،
ما منهنَّ بابان إلّا يسير الراكبُ بينهما سبعين عاماً ، [ وإن للجنة لثمانية أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب
بينهما سبعين عاماً !١٣) . قلت : يا رسول الله ، فعلامَ نطَّلعُ من الجنةِ ؟ قال : على أنهارٍ من عسلٍ
مُصَفّى، وأنهارٍ من كأس ما بها منْ صُداعٍ ولا ندامةٍ ، وأنهارٍ من لَبَنٍ لم يَتَغَيَّرْ طعمُه ، وماءٍ غَيْرِ آسٍ ،
وفاكهةٍ ، لعمرُ إلهِكَ ما تعلمون ، وخيرٌ من مثله معه، وأزواج مُطَهَّرة . قلت : يا رسول الله ، ولنا فيها
أزواج ، أوَ منهنَّ مُصْلِحاتٌ ؟ قال : الصالحاتُ للصّالحين ، تلذّون بهنّ مثل لذاتكم في الدنيا ، ويلذذن
(١) أ، ط : ( قبلكم وما أثبته عن المسند ).
(٢) الريطة: الملاءة (اللسان : ريطة ).
المِخْطَم : قال أبو عمرو الشيباني الأنف ، وخطمه بخطمِه خطماً ضرب مخطمه ( اللسان : خطم ) .
(٣)
حَسِّ : بفتح الحاء وكسر السين وترك التنوين كلمة تقال عند الألم . والعرب تقول عند لذعة النار والوجع الحاد حسِّ
(٤)
بسِّ (اللسان : حسّ ) .
(٥)
الزيادة من المسند . وقال ابن الأثير : ( أي وإنه كذلك ، أو إنه على ما تقول ، وقيل : إن بمعنى نعم والهاء
للوقف . ( النهاية : أنن ) .
(٦) ط : ( إطماء ) .
في المسند : ( وضع ) .
(٧)
(٨) الطوف: الحدث من الطعام. قال ابن الأثير: المعنى أنّ من شرب تلك الشربة طهر من الحدث والأذى (النهاية:
طوف ) .
(٩) أ، ب: ( مثل ) .
(١٠) أ، ط: (أشرقته ).
(١١) في المسند: ((قبل طلوع الشمس في يوم أشرقت الأرض، واجهت به الجبال)).
(١٢) ليس اللفظ في ط .
(١٣) ليس ما بين المعقوفين في أ.

٧١
وفادة لقيط بن عامر المنتفق العقيلي
بكم(١) غَيْرَ أنْ لا توالد. قال لقيطٌ: قلت أقصى (٢) ما نحن بالغون ومنتهون إليه؟ فلم يُجِبْهُ النبيُّ رَُّ
قلتُ: يا رسول الله ، علامَ أَبايعُكَ؟ فبسطَ النبيُّ يَدَهُ وقال: على إقام الصلاة وإيتاءِ الزَّكاة وزيالُ(٣)
الشرك، وأن لا تُشْركَ بالله إلهاً غَيْرَه. (قال: قلتُ: وأنَّ لنا ما بينَ المشَرقِ والمَغْرِبِ؟ فقبضَ النبيُّ ◌َل
يَدَهُ وظنَّ أني مُشْتَرِطٌ شيئاً لا يُعْطينيهِ ، قال : قلت : نحِلُّ منها حيثُ شئنا ، ولا يَجْني منها امرُّؤْ إلا على
نَفْسِه؟ فبسطَ يَدَهُ وقال: ذلك لك ، تَحِلُّ حيث شِئتَ ولا تَجْني عليك إلا نفسُكَ. قال: فَانْصَرَفنا عَنْهُ ، ثم
قال : إن هذين من أتْقَى النّاسِ ـ لعَمْرو إلهك - في الأولى والآخرة)). فقال له كعب بن الخُداريّةُ(٤) : أحد
بني بكر بن كلاب(6) : من هم يا رسولَ الله؟ قال: بنو المنتفق أهل ذلك قال: فانصرفنا وأقبلت عليه(٦) .
وذكر تمام الحديث إلى أن قال :
فقلت : يا رسولَ الله هل لأحدٍ ممَّنْ مَضَى خَيْرٌ في جاهليتهم(٧) ؟ قال : فقال رجل من عُرْضٍ قريشٍ :
واللهِ إنّ أباكَ المُنْفِقَ لفي النّارِ. قال : فلكأنّه وقعَ حَرّ بينَ جلدي ووجهي ولحمي مما قال لأبي على رؤوس
الناس، فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله ؟ ثم إذا الأخرى أجمل ، فقلت: يا رسول الله ، وأهلُكَ ؟
قال : وأهلي لعمرُ اللهِ، ما أتيتَ عليه من قبر عامريٍّ أو قُرشيّ من مشركٍ فقل : أرسلني إليك محمدٌ
[ فأُبَشِّرُكَ (٨) بما يسوؤُك ، تُجَرُّ على وجهك وبطنك في النار. قال: قلت: يا رسولَ الله ، ما فُعِلَ بهم
ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه، وقد كانوا يَحْسَبون أنهم مُصْلِحون ؟ قال: ذلك بأن اللهَ يَبْعَث
في آخر كل سبعٍ أمم - يعني نبياً - فمَنْ عَصى نبيّه كانَ من الضالِّين، ومنْ أطاعَ نَبِيَّه كان من المُهْتَدين)).
هذا حديثٌ غريبٌ جدّاً وألفاظُه في بعضها نكارة، وقد أخرجه الحافظ البيهقي في كتاب ((البعث
والنشور)(٩)، وعبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة(١)، والقرطبي في كتاب ((التذكرة في أحوال الآخرة(١)،
وسيأتي في كتاب (( البعث والنشور)) إن شاء الله تعالى .
في الأصول : ( تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم ) .
(١)
(٢) في المسند ( أُقُضِيَ ).
(٣) زيالاً : مفارقة (القاموس: زال).
في الإصابة ( ٢٩٤/٣) كعب بن الخدارية بضم الخاء المعجمة وفتح الدال وفيه: (( من هم يا رسول الله ؟ قال :
(٤)
بنو المنتفق قالها ثلاثاً)).
(٥) ط : ( أحد بني كلاب ) .
(٦) ليس ما بين القوسين في أ .
(٧) ط : ( جاهلية ).
(٨) زيادة عن المسند .
(٩) انظر مقدمة دلائل النبوة (١١١/١).
(١٠) عبد الحق الإشبيلي بن عبد الرحمن الأزدي (ت٥٨٢ هـ) كشف الظنون (٢/ ١٤٣٧).
(١١) القرطبي: محمد بن أحمد بن فرح الأنصاري الأندلسي (ت٦٧١ هـ) كشف الظنون (٣٩٠/١).

٧٢
وفادة زياد بن الحارث رضي الله عنه
وفادةُ زیاد بن الحارث رضي الله عنه
قال الحافظ البيهقي(١): أنبأنا أبو أحمد الأَسَدْ أباذي(٢) بها، أنبأنا أبو بكر بن مالك القطيعي ، حدثنا
( أبو علي بشر بن موسى، حدّثنا(٣) أبو عبد الرحمن المقرىء ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ،
حدّثني زياد بن نُعيم الحَضْرمي، سمعتُ زيادَ بن الحارث الصُّدائي يحدِّثُ، قال: أتيتُ رسولَ الله ◌َلِتٍ ،
فبايَعْتُه على الإسلام ، فأُخبرتُ أنَّه قد بَعَثَ جيشاً إلى قومي فقلت (٤): يا رسول اللهِ، أرددِ الجيشَ ، وأنا
لك بإسلام قومي وطاعتهم، فقال لي: ((اذْهَبْ فَرُدّهم)) فقلت: يا رسول الله، إنَّ راحلتي قد كَلَّتْ
فبعث رسول الله وَ﴿ رجلاً فردّهم. قال الصُّدائي: وكتبتُ إليهم كتاباً ، فقدم وفدُهم بإسلامهم ، فقال لي
رسولُ اللهِ وَّةِ: ((يا أخا صُدَاء، إنك لمطائٌ في قومك)) فقلت: بل الله هداهم للإسلام فقال: (( أفلا
أُؤْمِّرُكَ عَلَيْهم؟ )) قلت: بلى يا رسولَ الله . قال: فكتب لي كتاباً أمَّرني، فقلت: يا رسولَ اللهِ، مُرْ لي
بشيءٍ من صَدَقاتهم قال: ((نعم)) فكتب لي كتاباً آخر . قال الصُّدائي : وكان ذلك في بعض أسْفارِهِ ،
فنزلَ رسولُ الله ◌َليهِ منزلًا، فأتاه أهل ذلك المنزل يَشْكُون عامِلَهُم ، ويقولون: أخَذَنا بشيءٍ كان بيننا وبينَ
قومِه في الجاهليّة. فقال رسول الله وَهُ: ((أو فعلَ ذلك؟)) قالوا: نعم. فالتفت رسولُ اللهِ وَّل إلى
أصحابه وأنا فيهم فقال: (( لا خيرَ في الإمارةِ لرجلٍ مُؤْمِنٍ )) ، قال الصُّدَائي: فدخلَ قولُه في نفسي . ثم
أتاه آخر، فقال: يا رسول الله، أَعْطِنِي. فقال: رسول الله بَّهُ: ((من سألَ النّاسَ عن ظهر غِنّى فصُدَاعٌ
في الرأس، وداءٌ في البطن)). فقال السائل: أعطني من الصَّدقة، فقال رسول الله وَّهُ: إنّ الله لم يرضَ
في الصدقات بحكم نبيّ ولا غيره ، حتى حكم هو فيها ، فجزَّأهما ثمانية أجزاءٍ ، فإن كنتَ من تلك
الأجزاء أعطيتُكَ . قال الصُّدَائي : فدخلَ ذلك في نفسي ، أني غنيٌّ وأني سألته من الصدقةِ ، قال : ثم إنَّ
رسول الله أعتشى(٥) من أول الليل ، فلزمته ، وكنت قريباً فكان أصحابُه يَنْقَطِعُون عنه ويستأخرون منه ،
ولم يَبْقَ معه أحدٌ غَيري ، فلما كانَ أوانُ صلاةِ الصُّبْحِ أمرني فأذَّنْتُ ، فجعلتُ أقول : أُقيمُ يا رسول الله ؟
فجعلَ ينظرُ ناحيةَ المشرقِ إلى الفجر ويقول: ((لا)) حتى إذا طلعَ الفجرُ نزلَ ، فَتَبَرَّزَ ، ثم انصرف إليَّ وهو
متلاحقٌ أصحابَه، فقال: ((هل من ماءٍ يا أخا صُداء)) قلت: لا، إلَّ شيءٌ قليلٌ لا يكفيك . فقال :
(( اجعلْهُ في إناءٍ ، ثم ائتني به )) ففعلتُ ، فوضع كفه في الماء . قال : فرأيتُ بين أُصْبَعَيْن من أصابعه عيناً
(١) دلائل النبوة (٣٥٥/٥ - ٣٥٧).
(٢) الأنساب (٢٢٤/١).
(٣) ما بين القوسين لم يرد في ط .
(٤) ليس اللفظ في ط .
(٥) أي سار وقت العشاء ( لسان العرب: عشا).

٧٣
وفادة الحارث بن حسان البكري
تفورُ، فقال رسول الله وَّرَ: ((لولا أني أستحي من ربي عزَّ وجلَّ لسقَيْنا واستقينا، نادٍ في أصحابي: من
له حاجة في الماء)). فناديتُ فيهم، فأخذ من أراد منهم شيئاً. ثم قام رسول الله وَلَه إلى الصلاة فأراد بلالٌ
أن يقيمَ ، فقال له رسول الله: ((إن أخا صُداء أذَّن، ومَنْ أَذَّنَ فهو يُقيم)). قال الصُّدائي: فأقمتُ ، فلما
قضى رسولُ اللهِ وَ ◌ّ الصلاةَ أتيتُه بالكتابين، فقلتُ: يا رسول الله، اغْفِني من هذين. فقال: (( ما بدا
لك؟)) فقلت: سمعتك يا رسول الله تقول: ((لا خير في الإمارة لرجلٍ مؤمنٍ)) وأنا أؤمنُ بالله وبرسوله ،
وسمعتُكَ تقولُ للسائِل : ((من سألَ الناسَ عن ظَهر غِنَىّ فهو صدائٌ في الرأسِ وداءٌ في البطن)) وسألتك وأنا
غنيٌّ. فقال: ((هو ذاك، فإن شئت فاقبلْ، وإن شِئْتَ فَدَعْ)) فقلت: أَدَعُ. فقال لي رسول الله وَّةِ :
((فَدُلَّني على رجل أؤمِّره عليكم)) فدلَلْته على رجلٍ من الوفدِ الذين قدموا عليه، فأمَّره عليهم ، ثُمّ قُلْنا :
يا رسولَ الله، إن لنا بئراً إذا كانَ الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها، وإذا كان الصيف قل ماؤها فتفرَّقنا
على مياهِ حولَنَا ، فقد أسلمنا ، وكلّ مَنْ حولنا عدوٌ ، فادعُ اللهَ لنا في بئرنا فيسعَنا ماؤُها فنجتمعَ عليه ولا
نتفرَّقَ. فدعا سبع حُصَيّات، فعركَهُنّ بيده، ودعا فيهن، ثم قال: ((اذهبوا بهذه الحُصَيّات، فإذا أتيتم البئر
فألقُوا واحدةً واحدةً واذكروا الله )). قال الصُّدَائي: فَفَعَلْنا ما قال لنا ، فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى
قَعْرها . يعني البئر .
وهذا الحديث له شواهد في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه(١) .
وقد ذكر الواقدي أن رسول الله وَ ير كان بعث بعد عمرة الجِعْرانة(٢) قيس بن سعد بن عبادة في أربعمئة
إلى بلاد صُداء فيوطِّئها ، فبعثوا رجلاً منهم فقال : جئتك(٣) لترد عن قومي الجيشَ وأنا لك بهم ، ثم قدم
وفدهم خمسة عشر رجلاً ، ثم رأى منهم حجة الوداع مئة رجل . ثم روى الواقدي عن الثوري ، عن
عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن زياد بن نعيم ، عن زياد بن الحارث الصُّدَائي قصته في الأذان .
وِفادةُ الحارِثِ بن حَسّان البَكْري إلى رسول الله وَله
قال الإمام أحمد(٤): حدّثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، حدّثني أبو المُنْذر سَلّمُ بن سُلَيْمان النَّحْوي ، حدّثنا
عاصِمُ بن أبي النّجُود ، عن أبي وائلٍ ، عن الحارث البَكْريّ قال : خرجتُ أشْكُو العَلاءَ بن الحَضْرَمي إلى
(١) سنن أبي داود رقم (٥١٤) في الصلاة باب الإقامة ، وجامع الترمذي رقم (١٩٩) في الصلاة باب ما جاء أن من
أذن فهو يقيم ، وسنن ابن ماجه كتاب الأذان رقم ( ٧١٧) باب السنة في الأذان ، ومسند الإمام أحمد (١٦٩/٤)،
وإسناده ضعيف .
الجِعْرانة والجِعِرَّانة : ماء بين الطائف ومكة وهي إلى مكة أقرب .
(٢)
(٣) ليس اللفظ في ط .
(٤) مسند الإمام أحمد ( ٤٨٢/٣) ، وإسناده حسن .

٧٤
وفادة الحارث بن حسان البكري
رسول الله وَ﴿، فمررتُ بِالرَّبَذةُ(١) فإذا عجوزٌ من بني تميم مُنْقَطِعٌ بها، فقالت: يا عبدَ اللهِ، إنّ لي إلى
رسولِ اللهِ حاجةً ، فهل أنت مُبَلِّغي إليه ؟ قال: فحملتُها ، فأتيتُ المدينةَ ، فإذا المسجدُ غاصٌّ بأهله ،
وإذا رايةٌ سوداء تخفِقُ، وبلالٌ مُتَقلَّدُ السيف بينَ يدَيْ رسول الله وَّهِ، فقلتُ : ما شأنُ الناس ؟ قالوا:
يريدُ أن يبعثَ عمرو بن العاص وَجْهاً . قال : فجلستُ ، فدخل منزله - أو قال رحله - فاستأذنتُ عليه ،
فأذن لي ، فدخلتُ ، فسلّمتُ، فقال: (( هل كان بينكم وبين تميم شيءٌ؟ )) قلتُ: نعم، وكانت الدائرةُ
عليهم ، ومررتُ بعجوزٍ من بني تميمٍ مُنْقَطِع بها ، فسألتني أن أحْمِلَها إليك ، وهاهي بالباب فأذِنَ لها ،
فدخلتْ ، فقلتُ : يا رسولَ الله، إنْ رأيتَ أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزاً فاجعل الدَّهناء(٢) ، فحميت
العجوز واسْتَوْفَزَتْ، وقالت: يا رسول الله، أينَ يَضْطَرّ مُضَرُّكَ قال: قلت: إنما٣) مثلي ما قال الأول:
((مِعْزَى(٤) حَمَلَتْ حَتْفَها )) حَمَلْتُ هذه ولا أشعرُ أنَّها كانَتْ لِي خَصْماً ، أعوذُ بالله ورسوله أنْ أكونَ كوافِدٍ
عادٍ . قال : هيه ، وما وافد عاد ؟ وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمُه(٥) . قلتُ : إن عاداً قُحطوا،
فبعثوا وافداً لهم يقال له قَيِلٌ : فمرَّ بمعاوية بن بكر ، فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر ، وتُغَنِّه جاريتان ،
يقال لهما الجرادتان(٦) ، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مَهَرَةُ(٧)، فقال: اللهمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أنيُ(٨) لم
أجىء إلى مريض فأداويه ، ولا إلى أسير فأفاديه ، اللهم اسقِ عاداً ما كنتَ تسقيه . فمرت به سحاباتٌ
سُودٌ ، فنودي منها : اختر، فأومأ إلى سحابةٍ منها سوداء ، فنودي منها : خذها رماداً رِمْدِدا٩ً) ، لا تبقي
من عادٍ أحداً. قال : فما بَلَغَني أنه أُرِسَل عليهم من الريح إلا بِقَدْرٍ ما يجري في خاتمي هذا، حتى هلكوا.
قال أبو ائل : وصدق : وكانت المرأة أو الرجل إذا بعثوا وافداً لهم قالوا : لا تكن (١٠) كوافد عاد.
(١) الرَّبذَة: من قرى المدينة على ثلاثة أيام قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة .. وقد
خربت باتصال الحروب بين أهلها وبين ضربة ( معجم البلدان : ربذه ) .
(٢) الدهناء : تقصر وتمدّ وهي من ديار بني تميم ( معجم البلدان ).
(٣) ط : (إن ) .
(٤) في مسند الإمام أحمد ((معزاة)). وفي معجم الأمثال العربية: ( حتفها تحمل ضَأْن بأظلافها ) . انظر معجم الأمثال
العربية ( حتف - أحمل - ضأن ـ ظلف) ومجمع الأمثال (١/ ١٩٢) وجمهرة الأمثال (١/ ٣٤١ و٣٦٣)، وأمثال
القاسم (٣٢٩)، وفصل المقال (٤٥٦) والمستقصى (٥٩/٢)، واللسان: ( حتف ).
(٥) استطعمته الحديث : أي طلبت منه أن يحدثني وأن يذيقني طعم حديثه ( النهاية : طعم ).
قال في التاج : جرد (( الجرادتان مغنيتان كانتا بمكة في الجاهلية مشهورتان بحسن الصوت والغناء . أو أنهما كانتا
(٦)
للنعمان بن المنذر)) .
في مسند الإمام أحمد : جبال تهامة .
(٧)
ليس اللفظ في ط .
(٨)
(٩) الرمْدد بالكسر : المتناهي في الاحتراق والدقة ( اللسان : رمد).
(١٠) ط : ( لا يكن ).

٧٥
وفادة عبد الرحمن بن أبي عقيل مع قومه
وقد رواه الترمذي(١) والنَّسائي من حديث أبي المنذر سَلاّم بن سليمان به، ورواه ابن ماجه (٢) عن
أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النّجود ، عن الحارث البكري ، ولم
يذكر أبا وائل ، وهكذا رواه الإمام أحمد (٣) عن أبي بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن الحارث ،
والصواب : عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن الحارث كما تقدم .
وِفَادةُ عبد الرحمن بن أبي عَقيلٍ مع قومه
قال أبو بكر البيهقي(٤) أنبأنا أبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي ، أنبأنا أبو جعفر
محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي ، أنبأنا علي بن الجَعْد ، حدّثنا عبد العزيز ، حدّثنا أحمد بن
يونس ، حدّثنا زهير ، حدّثنا أبو خالد يزيد الأسدي ، حدّثنا عون بن أبي جحيفة ، عن عبد الرحمن بن
علقمة الثقفي ، عن عبد الرحمن بن أبي عَقيل(٥)، قال: انطلقتُ في وفدٍ إلى رسول الله وَّته، فأتيناه ،
فَأَنَخْنا بالباب ، وما في الناس أبغض إلينا من رجل نَلِجُ عليه ، فلما دخلنا وخرجنا فما في الناس رجلٌ
أحبُّ إلينا من رجل دَخَلْنا عليه . قال : فقال قائل منا: يا رسولَ الله ، ألا سألتَ ربَّكَ مُلكاً كملك
سليمان! قال: فضحك رسول الله وَ له، ثم قال: ((فلعل لصاحبكم(٦) عند الله أفضل من ملك
سليمان ، إنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يبعث نبياً إلا أعطاه دعوة ، فمنهم من اتخذها دنيا فأُعْطيهَا ، ومنهم من دعا
بها على قومه إذا عَصَوْه فأُهلكوا بها ، وإنّ الله أعطاني دعوةٌ فاختبأتُها عند ربّي شَفاعةً لأمتي يوم
القيامة ) (٧) .
(١) جامع الترمذي، أبواب تفسير القرآن من سورة الذاريات رقم (٣٢٧٣) و(٣٢٧٤) والنسائي في (( الكبرى)) رقم
(٨٦٠٧) ، وهو حديث حسن .
(٢) ابن ماجه (٢٨١٦) وإسناده منقطع، ولكن وصله البخاري في التاريخ (٢/ ٢٦١) فهو حسن به .
(٣) مسند الإمام أحمد (٤٨١/٣)، وهذا إسناد منقطع، كما بينه المؤلف، فإسناده ضعيف ، وقد نبه على انقطاعه
المزي في تهذيب الكمال (٢٢٣/٥) ولكن وصله البخاري في التاريخ الكبير (٢٦١/٢) فهو حسن به .
(٤) دلائل النبوة (٣٥٨/٥).
(٥) الإصابة (٤١١/٢).
(٦) في أ، ط: ((فلعل صاحبك)) وأثبتنا ما في دلائل النبوة، ومجمع الزوائد (١٠/ ٣٧١).
(٧) أخرجه البخاري في التاريخ (٢٤٩/٥) وقال في الإصابة (٤١١/٢): ((أخرجه البخاري في تاريخه والحارث بن
أبي أسامة وابن منده )) . أقول : وهو حديث حسن .

٧٦
قدوم طارق بن عبد اللّه وأصحابه
قدوم طارق بن عبد الله(١) وأصحابه
روى الحافظ البيهقي(٢) من طريق أبي جَنَاب(٣) الكلبي ، عن جامع بن شَدّاد المُحاربي ، حدّثني رجلٌ
من قومي يقال له طارِقُ بن عبد الله قال : إني لقائمٌ بسوق ذي المَجاز ، إذ أقْبَل رجلٌ عليه جُبّةٌ ، وهو
يقول: (( يا أيُّها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تُفْلِحوا)) ورجلٌ يَتْبَعُهُ يَرْميه بالحِجارة ، وهو يقول: يا أيُّها
الناسُ إنه كذاب(٤) . فقلتُ : مَنْ هذا؟ فقالوا : هذا غلامٌ من بني هاشِم، يَزْعُمُ أنَّه رسولُ الله . قال :
قلتُ : مَنْ هذا الذي يَفْعَلُ به هذا؟ قالوا: هذا عقُّه عَبْدُ العُزّى(٥). قال: فلمّا أسلمَ الناسُ وهاجَرُوا ،
خرجْنَا من الرَّبذه(٦) . نريد المدينة ، نمتارُ من تَمْرها، فلمّا دَنَوْنا من حيطانها ونخلها قلتُ : لو نزلنا
فلبسنا ثياباً غير هذه ، إذا رجلٌ في طِمْرَين، فسلّم علينا، وقال: (( مِنْ أينَ أقبلَ القومُ؟)) قلنا : من
الرَّبَذة. قال: ((وأين تريدون؟)) قُلْنا: نُريد هذه المدينةَ. قال: (( ما حاجَتُكُمْ منها؟ )) قلنا: نمتارُ من
تَمْرها. ومعنا ظَعينةٌ لنا، ومعنا جَمَلٌ أحْمَر مَخْطوم(٧) فقال: ((أتبيعوني جَمَلَكم هذا؟)) قلنا : نعم ،
بكذا وكذا صاعاً من تمر. قال: فما استوضَعَنا مما قلنا شيئاً ، وأخذ بخِطام الجمل ، وانطلق ، فلما توارى
عنّا بحيطان المدينة ونخلها قلنا : ما صنعنا! واللهِ ما بعنا جملَنا ممن يُعرف ، ولا أخذنا له ثمناً . قال :
تقول المرأة التي معنا : واللهِ لَقَدْ رأيتُ رَجُلاً كَأَنَّ وجهه شقّةُ القَمَر ليلةَ البَدْرِ ، أنا ضامنةٌ لثمن جَمَلِكُم ، إذ
أقبلَ الرجلُ فقال : أنا رسولُ رسولِ الله إليكم ، هذا تمركم فكلوا ، واشْبَعوا ، واكْتالوا ، واستَوْفُوا ،
فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا فاسْتَوْفينا، ثم دخلنا المدينة، فدخلنا المسجدَ ، فإذا هو قائمٌ على المنبر يخطبُ
الناسَ ، فأدركنا من خطبته وهو يقول: ((تَصَدَّقوا فإنّ الصدقةَ خيرٌ لكم ، اليدُ العُلْيا خَيْرٌ منَ اليدِ السُّفْلى ،
أمّك وأباك، وأختَك وأخاك، وأدناك أدناك». إذ أقبلَ رجلٌ من بني يَرْبوع ، أو قال رجلٌ من الأنصار
فقال: يا رسولَ الله لنا من هؤلاء دماءٌ في الجاهليّة. فقال: ((إن أباً لا يَجْني على ولدٍ (٨) ثلاث مرات.
وقد روى النسائي(٩) فضلَ الصَّدقةِ منه ، عن يوسف بن عيسى ، عن الفضل بن موسى ، عن يزيد بن
(١) الإصابة (٢٢٠/٢).
(٢) دلائل النبوة (٥/ ٣٨٠ - ٣٨١).
ط : ( خباب ) وانظر: تهذيب التهذيب (١٢ / ٦٠).
(٣)
(٤)
بعدها في الدلائل : ( فلا تصدّقوه ) .
(٥)
عبد العزى : أبو لهب .
(٦) الربذة: مرّ ذكرها في وفادة الحارث بن حسان البكري ، وهي من قرى المدينة على ثلاثة أيام قريبة من ذات عرق
على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة ، وبها قبر أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ( معجم البلدان ) .
(٧) الخطام : الحبل يجعل في طرفه حلقة ثم يقلّد البعير، ثم يثني على مخطمه ( أنفه) ( اللسان: خطم).
في أ: ((إن أباً لا يجني على والد)».
(٨)
(٩) سنن النسائي (٦١/٥) في الصدقة باب اليد العليا، وهو حديث صحيح.

٧٧
قدوم وافد فروة بن عمرو الجذامي
زياد بن أبي الجَعْد ، عن جامع بن شَدّاد ، عن طارق بن عبد الله المُحاربي ببعضه . ورواه الحافظ
البيهقي (١)، أيضاً عن الحاكم، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن يزيد بن
زياد، عن جامع، عن طارق بطوله ، كما تَقَدَّم ، وقال فيه : فقالت الّعينةُ: لا تَلاوَموا، فلقد رأيتُ
وجهَ رجلٍ لا يَغْدِرُ ما رأيتُ شيئاً أشبهَ بالقمر ليلة البدر من وجهه .
قدومُ وافدٍ فَرْوةَ بن عَمْرو الجُذامي(٢)، صاحب بلاد مَعَانُ(٣)
قال ابن إسحاق(٤): وبعث فروةُ بن عمرو بن النافرة الجُذامي ثم التُّفاتي(٥) إلى رسول اللهَوَل رسولًا
بإسلامه، وأهدى له بغلةً بيضاءَ، وكان فروةٌ عاملاً للرّوم على مَنْ يليهم من العرب ، وكان منزلُه مَعَان وما
حولها من أرض الشام ، فلما بلغَ الرومَ ذلك مِنْ إسلامه طلبوه حتى أخذوه ، فحَبَسوه عندهم ، فقال في
محبِسِه ذلك : [ الكامل ]
وَالرُّومُ بَيْنَ الْبَابِ وَالْقِروان(٦)
طَرَقَتْ سُلَيْمَى مَوْهِنَاً أصْحَابي
وَهَمَمْتُ أنْ أُغْفِي وَقَدْ أَبْكَاني
صَدَّ الخَيَالُ وسَاءَهُ مَا قَدْ رَأَى
سَلْمَى ولا تَذْنِ(٧) للإِثْيَان
لا تَكْحَلِنَّ العَيْنَ بَعْدِيَ إنْمِدَاً
وَسْطَ الأَعِزَّة لا يُحَصُّ لِسَاني(٨)
وَلَقَدْ عَلِمْتَ أبا كُبَيْشَةَ أَنَّني
وَلَئِنْ بَقِيْتُ لتعْرِفُنَّ مَكَاني
فَلَئِنْ هَلَكْتُ لَتَفْقِدُنَّ أَخَاكُمُ
وَلَقَدْ جَمَعْتُ أجلَّ ما جَمَعَ الفتى
مِنْ جَوْدَةٍ وَشَجَاعةٍ وبَيَانِ
قال : فلما أجمعت الروم على صلبه على ماء لهم يقال له عِفْرَى (٩) بفلسطين قال: [ الطويل ]
ألا هَل أتَى سَلْمى بأنَّ حَلَيْلَهَا عَلَى مَاءِ عِفْرِى فَوْقَ إِحْدَى الرَّوَاحِلِ
(١) دلائل النبوة (٣٨١/٥).
(٢) الإصابة (٢١٣/٣) وفيه: ((فروة بن عامر الجذامي أو ابن عمرو وهو أشهر)).
(٣) معان: بالفتح وآخره نون ، والمحدّثون يقولونه بالضم : مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء
( معجم البلدان ) .
(٤) سيرة ابن هشام (٤/ ٢٦١ - ٢٦٢).
(٥) أسد الغابة (٤ / ١٧٨).
(٦) الوهن: نحو من نصف الليل أو بعد ساعة منه كالمَوْهِن ( القاموس : وهن ) القروان : جمع قرو ، وهو شبه حوض
ترده الإبل ( اللسان : قرأ) .
في السيرة : ( ولا تدين ) .
(٧)
(٨) لا يحصّ لساني: أي لا يقطع.
(٩) معجم البلدان ، وأورد في البيتين .

٧٨
قدوم تميم الداري على رسول الله التاريخ
على ناقَةٍ لَمْ يَضْرِبِ الفَحْلُ أُمَّهَا مُشَذَّبَة أطرافُها بالمَناجِلِ
قال : وزعم الزهري أنهم لما قدّموه ليقتُلُوه قال : [ الكامل ]
بلِّغْ سَرَاةَ المُسْلِمينَ بأنَّني سِلْمٌ لِربِّي أعْظُمِي ومقامي (١)
قال: ثم ضربوا عُنُقَه، وصلبوه على ذلك الماء، رحمه الله، ورضي عنه وأرضاه، وجعل الجنة مثواه(٢) .
قُدومُ تَميم الدّاري على رسول اللهِ له
في خُروج النبيّ ◌َّ وإيمانِ من آمنَ به
[قال البيهقي]: أخبرنا أبو عبد الله سهل بن محمد بن نَصْرَوَيْهِ المَرْوَزي بنيسابور ، أنبأنا أبو بكر محمد
ابن أحمد بن [ حبيب ، أنبأنا يحيى بن أبي طالب (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر أحمد بن ]
الحسن القاضي، [قالا]: أنبأنا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد القطّان ، حدّثنا يحيى بن جعفر بن الزبير،
أنبأنا وَهْب بن جرير، حدّثنا أبي، سمعت غَيْلانَ بن جرير يُحَدِّثُ ، عن الشَّعْبي ، عن فاطمة بنت قيس
قالت: قدم على رسول الله وَّ تميمٌ الدّاريّ، فَأَخبر رسولَ اللهِوَّوَ أَنّه ركبَ البَحْر، فتاهَتْ به سَفِينَتُهُ،
فسقَطُوا إلى جزيرةٍ ، فَخَرَجوا إليها يَلْتَمسونِ الماءَ ، فلقيَ إنساناً يجُّ شعْرَهُ ، فقال له : منْ أنتَ ؟ قال أنا
الجَسّاسةُ(٣). قالوا: فأخبرنا. قال: لا أُخْبركم، ولكن عليكُمْ بهذه الجزيرة، فَدَخَلْناها، فإذا رجل
مُقَيَّد ، فقال : مَنْ أَنتُمْ ؟ قلنا : ناسٌ من العَرَبِ ، قال : ما فعل هذا النبيُّ الذي خرجَ فيكم ؟ قلنا : قد آمنَ
به الناسُ واتبعوه وصَدَّقوه . قال: ذلك خيرٌ لهم. قال: أفلا تخبروني عن عين زُغَر(٤) ما فعلَتْ ؟
فأخبرناه عَنْها ، فوثَبَ وَثْبَةً كادَ أن يخرُجَ من وراء الجدار ، ثم قال: ما فعل نخل بَيْسَان(٥) ، هل أطعم
بعدُ ؟ فأخبرناه أنه قد أطعم ، فوثبَ مثلها ، ثم قال : أما لو قد أَذِنَ لي في الخروج لوَطئت البلادَ كلَّها غيرَ
طيبة. قالت: فأخرجه رسولُ اللهِوَّهِ فحدَّث الناسَ، فقال: ((هذه طيبةُ وذاك الدجالُ)).
وقد روى هذا الحديثَ الإمامُ أحمدُ ومسلمٌ وأهلُ السنن(٦) من طرق ، عن عامر بن شراحيل الشعبي ،
(١) ليس اللفظ في ط .
(٢) في الإصابة ( ٢١٣/٣) ((وأخرج ابن شاهين وابن منده قصته من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس
بسند ضعيف إلى الزهري )) .
(٣) الجسّاسة: دابة في جزائر البحر تجسّ الأخبار وتأتي بها الدجالَ ( اللسان: جسّ ) وروي أنها هي دابة الأرض
( معجم البلدان : زعر ) وأورد ياقوت الحديث بطوله في معجمه ( طيبة ) .
(٤) زُغَر : قرية بمشارف الشام ( معجم البلدان ) .
(٥) بَيْسَان: مدينة بالأردن بالغور الشمالي وهي بين حوران وفلسطين ( معجم البلدان ).
(٦) مسند الإمام أحمد (٣٧٣/٦) وصحيح مسلم رقم (٢٩٤٢) كتاب الفتن باب قصة الجساسة ، وسنن أبي داود رقم=

٧٩
وفد بني أسد
عن فاطمة بنت قيس . وقد أورد له الإمام أحمد شاهداً من رواية أبي هريرة (١) وعائشة٢ً) أم المؤمنين ،
وسيأتي هذا الحديث بطرقه وألفاظه في كتاب (( الفتن)) .
وذكر الواقدي(٣) وفد الداريِّين من لَخْم وكانوا عشرة .
وَقْدُ بني أَسَدٍ
وهكذا ذكر الواقدي (٤): أنه قدم على رسول الله وَ له في أوَّلِ سنةٍ تسع وفدُ بني أسد ، وكانوا عشرة ،
منهم ضِرارُ بن الأزْور ، ووابِصَةُ بن مَعْبَد، وطُلَيْحَة بن خُوَيْلد الذي ادَّعى النبؤَّة بعد ذلك ، ثم أسلم
وحَسُنَ إسلامُه، ونُقَادة(٥) بن عبد الله بن خلفٍ ، فقال لهم رئيسهم: حَضْرَميُّ بنُ عامٍ : يا رسول الله ،
أَتَيْنَاكِ نَتْدَرَّعُ اللِيلَ البَهِيمَ في سنةٍ شَهْبَاءَ ، ولم تَبْعَثْ إلينا بَعْثاً، فنزل فيهم: ﴿يَمُنُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا
تَعُنُواْ عَلَّ إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَّكُمْ لِلْإِيَمَنِ إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾ [ الحجرات: ١٧].
وكان فيهم قبيلةٌ يُقالُ لهم: بنو الزِّنْيَةِ(٦) فغيَّر اسمَهم فقال: أنتم بنو الرِّشْدَةِ، وقد استهدى رسول الله
وٍَّ من نُقادة بن عبد الله بن خلف ناقةً تكونُ جيدةً للُكوبِ وللحَلْبِ من غير أن يكون لها ولد معها ، فطَلَبها
فلم يَجِدْها إلّا عند ابن عم له ، فجاء بها٧) فأمره رسول الله بحلبها ، فشرب منها وسقاه سؤره ، ثم قال :
((اللهم بارك فيها وفيمن منحها)). فقال: يا رسول الله، وفيمن جاء بها. فقال: ((وفيمن جاء بها)(٨).
(٤٣٢٥) و(٤٣٢٦) و(٤٣٢٧) في الملاحم باب خبر الجساسة وسنن الترمذي رقم (٢٢٥٣) في الفتن باب رقم
=
(٦٦)، والنسائي في (( الکبری )) رقم ٤٢٥٨) وابن ماجه (٤٠٧٤) .
(١) مسند أحمد ٣٣٠/٢.
(٢) مسند أحمد ٦/ ٧٥ .
طبقات ابن سعد ١/ ٣٤٣ .
(٣)
(٤)
طبقات ابن سعد ١/ ٢٩٢ .
(٥) ط : ( نفاذة) تحريف، والتصحيح من طبقات ابن سعد الذي ينقل منه المصنف، وانظر الإصابة (٥٧٢/٣)
وتهذيب التهذيب ( ١٠ / ٤٧٣ ) .
(٦) ط: ( بنو الريبة) تحريف. والتصويب من طبقات ابن سعد وانظر التاج مادة زنا، وذكر فيه: (( بنوزِنْية، بالكسر
حي من العرب وهم بنو الحارث بن مالك في أسد خزيمة . والزنية آخر ولدك كالعجزة آخر ولد المرأة ، قيل : وبه
سميت القبيلة المذكورة لكونهم آخر ولد أبيهم. وفي الحديث : أنهم وفدوا على النبي ◌ِّر فقال: من أنتم ؟ قالوا :
نحن بنو الزنية . فقال : بل أنتم بنو الرشدة)) فنفى عنهم ما يوهم من لفظ الزنا)) وانظر جمهرة أنساب العرب
( ١٩٣ ).
(٧) ليس اللفظ في ط .
(٨) رواه الإمام أحمد في مسنده (٧٧/٥) وابن سعد (٢٩٢/١) وابن ماجه برقم (٤١٣٤) في الزهد . وإسناده
ضعيف .

٨٠
وفد بني عبس - وفد بني فزارة
وَفْدُ بني عَبْسٍ
ذكر الواقدي (١): أنهم كانوا تسعةَ نفرٍ، وسماهم الواقديُّ، فقال لهم النبيّ وََّ: «أنا عاشِرُكُمْ)) وأمر
طلحة بن عُبَيْد الله فعقدَ لهم لواءً، وجعل شِعارَهُمْ يا عَشَرَةُ، وذكر أنَّ رسولَ اللهِوَّر سألهم عن خالدٍ بن
سِنانِ العَبْسيّ الذي قَدَّمنا تَرْجَمَتَهُ في أيام الجاهليةِ، فذكروا أنه لا عقب له، وذكر أنَّ رسول الله وَل بعثَهم
يَرْصُدون عِيراً لقريش قَدِمَتْ من الشَّامِ . وهذا يقتضي تقدُّمَ وِفَادَتِهِم على الفَتْح ، والله أعلم .
وَقْدُ بَنِي فَزَارَةَ
قال الواقدي (٢): حدّثنا عبد الله بن محمد بن عمر الجمحي ، عن أبي وجزة السعدي(٣): قال: لَمَّا
رجعَ رسولُ الله من تَبوك ، وكان سنةَ تسعٍ قَدِمَ عليه وَفْدُ بَنِي فَزَارَةَ بضعةَ عشرَ رَجُلاً ، فيهم : خارجةُ بن
حصنٍ ، والحارثُ بن قيس بن حِصْنٍ وهو أصْغَرُهم ، على ركابٍ عِجافٍ ، فجاؤوا مُقِرّين بالإسلام ،
وسألهم رسولُ الله عن بلادهم ، فقال أحدُهم : يا رسول الله ، أسْنَتَتْ بلادُنا ، وهلكت مواشِينا ،
وأجدَب جَنابا٤)، وغرث(٥) عيالنا، فادعُ اللهَ لنا، فصعِدَ رسولُ الله المنبرَ ودعا فقال: (( اللهمّ اسقٍ
بلادَكَ وبهائِمَكَ، وانشُزْ رحمتَك، وأخرٍ بلدَكَ الميت، اللهم اسْقِنا غَيْئا مُغيئاً مَريئاً مَريعاً طَبَقَأ٦ْ)
واسعاً ، عاجلاً غير آجل ، نافعاً غير ضارِّ، اللهمّ اسقِنا سُقْيا رَحْمَةٍ ، لا سُقْيا عذابٍ ، ولا هَدْمٍ ، ولا
غَرَقٍ ، ولا مَحَقٍ ، اللهم اسْقِنا الغيث وأنصُرْنا على الأعداء)). قال فمَطَرَتْ، فما رأَوا السَّماءَ سَبَّئَةً(٧) ،
فصعِدَ رسولُ الله المنبرَ ، فدعا فقال: ((اللهم حَوالَيْنا ولا عَلَيْنا، اللهم على الآكامِ والظّرَاب(٨) وبطونِ
الأودية ومنابتِ الشجرِ )) فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب(٩).
(١) انظر لتفصيل الخبر في طبقات ابن سعد (٢٩٥/١ -٢٩٦).
(٢) انظر طبقات ابن سعد (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨).
(٣)
الإصابة (٢١٨/٤).
طَ: ( جناتنا ) والجناب هو الناحية ( كما في النهاية : جنب).
(٤)
غرث كفرح : جاع فهو غرثان وهي غرثى ، والتغريث التجويع ( القاموس : غرث ) .
(٥)
مريئاً : حميد المغبة ( اللسان : مرأ) .
(٦)
مريعاً : مخصباً ، ناجعاً ( النهاية : ٩٦/٤ ).
طبقا : أي مالئاً الأرض مغطياً عليها ، يقال: غيث طبق أي عام واسع ( النهاية ٣٥/٣).
سبتاً : برهة من الدهر ( اللسان : سَبَتَ ).
(٧)
الظَراب : الجبال الصغار .
(٨)
(٩) وإسناده ضعيف، ولبعض الأقوال النبوية شواهد.