Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١
ذكر ما حكم به - ش - بمكة من الأحكام
وقد قال الإمام أحمد(١) : ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة ، عن عمرو بن مرَّة ، عن أبي البختري
الطَّائيّ، عن أبي سعيد الخدريِّ، عن رسول الله مَ ل أنه قال: لما نزلت هذه السورة الكريمة:
﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْ خُلُونَ فِ دِيْنِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٥) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ
إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣]. قرأها رسول الله بَ يّ حتى ختمها، وقال: (( الناس حيز وأنا
وأصحابي حيز)). وقال: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيّة)). فقال له مروان: كذبت . وعنده
رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السّرير ، فقال أبو سعيد : لو شاء هذان لحدَّثاك ، ولكن
هذا يخاف أن تنزعه عن عِرافة قومه ، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة . فرفع مروان عليه الدِّرَّة ليضربه ،
فلما رأيا ذلك قالا : صدق . تفرَّد به أحمد .
وقال البخاريُّ(٢) : ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عَوَانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير ، عن
ابن عباس قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فكأنَّ بعضهم وجد في نفسه ، فقال : لم تُدخل هذا
معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال عمر : إنه ممن قد علمتم . فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم ، فما رُئيت أنه
أدخلني فيهم يومئذ إلا ليريهم ، فقال: ما تقولون في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟
فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا . وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً ، فقال
لي: أكذاك تقول يا بن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله وَ لل أعلمه
له؛ قال: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. فذلك علامة أجلك؛ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ
كَانَ تَوَابًا﴾ . قال عمر بن الخطاب : لا أعلم منها إلا ما تقول . تفرَّد به البخاريُّ.
وهكذا روي من غير وجه ، عن ابن عباس أنه فسَّر ذلك بنعي رسول الله بَ لَه في أجله . وبه قال مجاهد
وأبو العالية والضَّخَّاك وغير واحد كما قال ابن عباس وعمر بن الخطاب ، رضي الله عنهما .
فأما الحديث الذي قال [ فيه ] الإمام أحمد (٣) : ثنا محمد بن فضيل ، ثنا عطاء ، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قال رسول الله ◌َيِ: ((نُعيت
إلي نفسي)). بأنه مقبوض في تلك السنة . تفرَّد به الإمام أحمد ، وفي إسناده عطاء بن أبي مسلم
الخُرَاساني ، وفيه ضعف ، تكلّم فيه غير واحد من الأئمة ، وفي لفظه نكارة شديدة ، وهو قوله بأنه
مقبوض في تلك السنة ، وهذا باطل ؛ فإن الفتح كان في سنة ثمان في رمضان منها ، كما تقدَّم بيانه ، وهذا
لا خلاف فيه .
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٢/٣)، وإسناده ضعيف بطوله . ولبعض فقراته شواهد.
(٢) في (( صحيحه )) رقم (٤٩٧٠) .
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (١/ ٢١٧).
٥٨٢
ذكر غزوة هوازن يوم حنين
وقد توفِّي رسول الله وَ له في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة ، بلا خلاف أيضاً .
وهكذا الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطَّبرانيُ(١)، رحمه الله: ثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر
الوكيعيُّ ، ثنا أبي ، ثنا جعفر بن عون ، عن أبي العُمَيس ، عن أبي بكر بن أبي الجهم ، عن عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعاً: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ﴾
وفيه نكارة أيضاً ، وفي إسناده نظر أيضاً، ويحتمل أن يكون أنها آخر سورة نزلت جميعها كما قال ، والله
أعلم .
وقد تكلَّمنا على تفسير هذه السورة الكريمة بما فيه كفاية (٢) ، ولله الحمد والمنّة .
وقال البخاريُّ(٣): ثنا سليمان بن حرب، ثنا حمَّاد بن زيد، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن
عمرو بن سلمة - قال لي أبو قِلاَبة : ألا تلقاه فتسأله فلقيته فسألته - قال : كنا بماءٍ ممرَّ الناس ، وكان
يمرُّ بنا الرُّكبان فنسألهم ما للناس ما للناس ؟ ما هذا الرجل ؟ فيقولون : يزعم أن الله أرسله وأوحى إليه
كذا . فكنت أحفظ ذاك الكلام ، فكأنما يَغرى في صدري ، وكانت العرب تلوَّم بإسلامهم الفتح ،
فيقولون : اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبيٌّ صادق . فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كلُّ قوم
بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم. فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبيِّ حقاً، قال: ((صلُّوا
صلاة كذا في حين كذا ، وصلاة كذا في حين كذا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذّن أحدكم ، وليؤمَّكم أكثرُكم
قرآناً)). فنظروا فلم يكن أحد أكثرَ قرآناً مني ؛ لما كنت أتلقَّى من الرُكبان ، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابن
ستٍّ أو سبع سنين ، وكانت عليَّ بردة إذا سجدت تقلَّصت عنِّي . فقالت امرأة من الحيِّ : ألا تغطُّون عنا
استَ قارئكم ؟ فاشتروا ، فقطعوا لي قميصاً ، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص ، تفرَّد به البخاريُّ
دون مسلم .
غزوة هَوَازن یوم حُنَینٍ
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِرَةِ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنٍ
عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢) ثُمَّ أَنَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ, عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣٦٩/١٠).
(٢) انظر ((تفسير القرآن العظيم)) للمؤلف (٥٢٩/٨).
(٣) في ((صحيحه)) رقم (٤٣٠٢).
٥٨٣
ذكر غزوة هوازن يوم حنين
الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَفِرِينَ الِثَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ
عَلَى مَن يَشَآءٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [ التوبة: ٢٥ -٢٧].
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسارٍ في كتابه (١) أن خروج رسول الله { الَّ إلى هَوَازن بعد الفتح في
خامس شوالٍ سنة ثمان ، وزَعَمَ أن الفتح كان لعشرٍ بقين من شهر رمضان قبل خروجه إليهم بخمس عشرة
ليلةً .
وهكذا رَوَى عن ابن مسعودٍ ، وبه قال عُرْوَة بن الزُّبير، واختاره ابن جريرٍ في ((تاريخه)(٢).
وقال الواقديُّ(٣): خرج رسول الله وَ لَّه إلى هوازن لستُّ خلون من شوالٍ، فانتهى إلى حُنينٍ في
عاشره .
وقال أبو بكرِ الصِّدِّيق : لن نُغْلَبَ اليوم من قلَّةٍ ، فانهزموا ، فكان أول من انهزم بنو سليم ، ثم أهل
مَكَّة ، ثم بقية الناس .
قال ابن إسحاق(٤): ولما سَمِعَتْ هَوَازن برسول الله بِ له وما فتح الله عليه من مكَّة جمعها مَلِكها
مالكُ بن عوفِ النَّصريُّ ، فاجتمع إليه مع هَوَازن ثقيفٌ كلُّها ، واجتمعت نصرٌ ، وجُشم كلُّها ، وسعد بن
بكر ، وناس من بني هلالٍ وهم قليلٌ ، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء ، وغاب عنها ، ولم
يحضرها من هوازن كعبٌ وكلابٌ ، ولم يشهدها منهم أحدٌ له اسمٌ ، وفي بني جُشم دريد بن الصِّمَّة شيخٌ
كبيرٌ ، ليس فيه شيءٌ إلا التَّقُّن برأيه ومعرفته بالحرب ، وكان شيخاً مجرَّباً ، وفي ثقيفٍ سيِّدان لهم ، وفي
الأحلاف قارب بن الأسود بن مسعود بن معتِّبٍ ، وفي بني مالكِ ذو الخمار سُبيع بن الحارث وأخوه
أحمر بن الحارث، وجِماع أمر الناس إلى مالك بن عوفِ النَّصريِّ، فلما أجمع السير إلى رسول الله وَل
حطَّ مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم ، فلما نزل بأوطاسٍ اجتمع إليه الناس ، وفيهم دُريد بن الصِّمَّة
في شجارٍ له يقاد به ، فلما نزل قال : بأيِّ وادٍ أنتم ؟ قالوا : بأوطاسٍ . قال : نعم مجال الخيل ، لا حَزنٌ
ضرس ، ولا سهلٌ دِهس ، ما لي أسمع رغاء البعير ، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ، ويعار الشاء ؟!
قالوا : ساق مالك بن عوفٍ مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم . قال : أين مالكٌ ؟ قالوا : هذا مالكٌ.
ودُعي له . قال : يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يومٌ كائنٌ له ما بعده من الأيام ،
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٣٧).
(٢) انظر ((تاريخ الطبري)) (٥٦/٣).
(٣) انظر ((المغازي)) ( ٨٨٩/٣ - ٨٩٢).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٣٧).
٥٨٤
ذكر غزوة هوازن يوم حنين
مالي أسمع رُغاء البعير ، ونهاق الحمير ، وبُكاء الصغير ، ويُعار الشاء ؟ قال : سقت مع الناس أبناءهم
ونساءهم وأموالهم . قال : ولم ؟ قال : أردت أن أجعل خلف كلِّ رجلٍ أهله وماله ليقاتل عنهم . قال :
فأنقض به (١) . ثم قال: راعي ضأنٍ والله، هل يردُّ المنهزم شيءٌ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجلٌ
بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فُضحت في أهلك ومالك . ثم قال : ما فعلت كعبٌ وكلابٌ ؟ قال : لم
يشهدها منهم أحدٌ . قال : غاب الحدُّ والجِدُّ ، لو كان يوم غلاءٍ ورفعةٍ لم تغب عنه كعبٌ وكلابٌ ،
ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعبٌّ وكلابٌ ، فمن شهدها منكم ؟ قالوا : عمرو بن عامٍ ، وعوف بن
عامٍ . قال : ذانك الجذَعان من عامرٍ لا ينفعان ولا يضران . ثم قال: يا مالك، إنك لم تصنع
بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئاً ، ثم قال دريدٌ لمالك بن عوفٍ : ارفعهم إلى متمنَّع
بلادهم وعليا قومهم ، ثم ألق الصُّبِيَّ على متون الخيل ، فإن كانت لك لحق بك من وراءك ، وإن كانت
عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك ، قال : والله لا أفعل ، إنك قد كبرت وكبر عقلك . ثم قال
مالكٌ : والله لتطيعنَني يا معشر هوازن أو لأَنَّكئنَّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري - وكره أن يكون
لدريدٍ فيها ذِكرٌ أو رأيٌ - فقالوا: أطعناك. فقال دريدٌ: هذا يومٌ لم أشهده ولم يَفُتْني(٢): [من مجزوء الرجز]
يا ليتني فيها جَذَع أخبُ فيها وأضَغْ
كأنها شاةٌ صَدَعْ
أقود وطفاء الزَّمع
ثم قال مالكٌ للناس : إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ، ثم شدُّوا شدة رجلٍ واحدٍ .
قال ابن إسحاقٍ(٣) : وحدَّثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أنه حدِّث أن مالك بن عوفٍ بعث
عيوناً من رجاله ، فأتَوه وقد تفرَّقت أوصالهم ، فقال : ويلكم ، وما شأنكم ؟ قالوا : رأينا رجالًا بيضاً
على خيلٍ بُلقٍ ، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى . فوالله ما ردّه ذلك عن وجهه أن مضى على
ما يريد .
قال ابن إسحاق(٤): ولما سمع بهم نبيُّ الله ◌َّل بعث إليهم عبد الله بن أبي حدردٍ الأسلميَّ، وأمره أن
يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ، ثم يأتيه بخبرهم ، فانطلق ابن أبي حدردٍ ، فدخل فيهم
(١) أي : زجره .
البيتان في (( السيرة النبوية)) (٤٣٩/٢) و((الروض الأنف)) (١٣٦/٧) وانظر (( معجم الشعراء من تاريخ دمشق ))
(٢)
( ٣/ ٧٠) .
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٣٩/٢).
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٣٩/٢).
(٤)
٥٨٥
ذكر غزوة هوازن يوم حنين
فأقام فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله مَثّر، وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم
عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله وَ لّ فأخبره الخبر. فلما أجمع رسول الله وَ ﴿ السير إلى هوازن ذكر له أن
عند صفوان بن أمية أدراعاً له وسلاحاً ، فأرسل إليه وهو يومئذٍ مشركٌ فقال: (( يا أبا أمية ، أعرنا سلاحك
هذا نلق فيه عدوّنا غداً)). فقال صفوان: أغَصباً يا محمد؟ قال: (( بل عاريَّةً مضمونةٌ حتى نُؤدِّيَها
إليك)). قال: ليس بهذا بأسٌ. فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله وسلّه سأله
أن يكفيهم حملها ففعل . هكذا أورد هذا ابن إسحاق من غير إسنادٍ .
وقد روى يونس بن بكيرٍ ، عن ابن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبد الرحمن بن
جابر بن عبد الله ، عن أبيه . وعن عمرو بن شعيبٍ والزهريّ وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزمٍ
وغيرهم ، قصة حُنينٍ ، فذكر نحو ما تقدم ، وقصة الأدراع كما تقدم ، وفيه أن ابن حدردٍ لما رجع فأخبر
رسول الله وَ﴿ خبر هوازن كذَّبه عمر بن الخطّاب، فقال له ابن أبي حدردٍ: لئن كذَّبتني يا عمر ، فربما
كذَّبت بالحقِّ. فقال عمر: ألا تسمع ما يقول يا رسول الله؟ فقال: (( قد كنت ضالا فهداك الله )).
وقد قال الإمام أحمد(١) : ثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا شريكٌ ، عن عبد العزيز بن رُفيعٍ ، عن أمية بن
صفوان بن أمية ، عن أبيه أن رسول الله وَلّ استعار منه يوم حنينٍ أدراعاً فقال : أغصباً يا محمد ؟ فقال:
((بل عاريَّةً مضمونةً)). قال: فضاع بعضها، فعرض عليه رسول الله وَّ و أن يضمنها له، فقال : أنا اليوم
يا رسول الله في الإسلام أرغب. ورواه أبو داود والنسائيُ (٢) من حديث يزيد بن هارون به ، وأخرجه
النَّسائيُّ من رواية إسرائيل ، عن عبد العزيز بن رفيعٍ ، عن ابن أبي مُلَيكة ، عن عبد الرحمن بن صفوان بن
أمية أن رسول الله وَ ليل استعار من صفوان دروعاً، فذكره . ورواه من حديث هشيم ، عن حجَّاجٍ ، عن
عطاءٍ أن رسول الله وَل﴿ استعار من صفوان أدراعاً وأفراساً ... وساق الحديث.
وقال أبو داود(٣) : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا جريرٌ، عن عبد العزيز بن رفيعٍ ، عن أُناسٍ من آل
عبد الله بن صفوان أن رسول الله وَّر قال: ((يا صفوان، هل عندك من سلاحٍ؟ )) قال: عاريَّة أم غصباً ؟
قال: ((لا، بل عاريّةً)). فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعاً، وغزا رسول الله وَّل حنيناً، فلما هزم
المشركون جُمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعاً، فقال رسول الله وَ له لصفوان: ((قد فقدنا من أدراعك
(١) في ((مسنده)) ( ٣/ ٤٠٠) و(٦/ ٤٦٥) ، وهو حديث حسن .
(٢) رواه أبو داود في ((سننه)) رقم (٣٥٦٢)، والنسائي في (( سننه الكبرى)) رقم (٥٧٧٩) من طريق يزيد بن هارون .
والنسائي رقم (٥٧٨٠) من طريق إسرائيل . والنسائي ايضاً رقم (٥٧٧٨) من حديث هشيم. وينظر ((تحفة الأشراف))
للمزي ( الحديث ٤٩٤٥ ) .
(٣) في (( سننه )) رقم ( ٣٥٦٣) ، وهو حديث حسن .
٥٨٦
ذكر غزوة هوازن يوم حنين
أدراعاً، فهل نغرم لك ؟)) قال: لا يا رسول الله، إن في قلبي اليوم ما لم يكن يومئذٍ. وهذا مرسلٌ
أيضاً .
قال ابن إسحاق(١): ثم خرج رسول الله مَ ﴿ معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلافٍ من أصحابه الذين
خرجوا معه ، ففتح الله بهم مكة ، فكانوا اثني عشر ألفاً .
قلت : وعلى قول عُرْوَة، والزُّهريِّ ، وموسى بن عقبة ، يكون مجموع الجيشين اللَّذين سار بهما
إلى هَوَازن أربعة عشر ألفاً؛ لأنه قدم باثني عشر ألفاً إلى مكة على قولهم ، وأَضيف إليهم ألفان من
الطُلقاء .
وذكر ابن إسحاق أنه خرج من مكة في خامس شوالٍ ، قال : واستخلَف على أهل مَكَّة عَتَّاب بن
أُسِيد بن أبي العِيص بن أمية بن عبد شمسِ الأمويّ .
قلت: وكان عُمُرُهُ إذ ذاك قريباً من عشرين سنةً. قال: ومضى رسول الله بَ لَه يُريد لقاء هَوَازن.
وذكر قصيدة العباس بن مرداسٍ السُّلميٍّ في ذلك، منها قوله (٢) : [من البسيط ]
مِنّي رسالةَ نُصحِ فيه ◌ِبْيَانُ
أَبْلِغِ هَوَازن أَعَلاها وأَسْفَلَهَا
جيشاً له في فضاء الأرض أركانُ
إني أظنُّ رسولَ الله صابِحکم
والمسلمون عبادُ الله غسّانُ
فيهم سُلَيمٌ أخوكُم غيرُ تارككم
والأَجْرَبَان بنو عَبْسٍ وذُبيانٌ
وفي عِضادته اليمنى بنو أَسدٍ
وفي مقدَّمِه أوسٌّ وعُثمانُ
تكاد تَرْجُفُ منه الأرض رهبَتَه
قال ابن إسحاق : أوسٌ وعثمان قبيلا مُزينة .
قال : وحدَّثني الزهريُّ ، عن سنان بن أبي سنانِ الدُّئليِّ، عن أبي واقدِ اللَّيِيِّ أن الحارث بن مالكٍ
قال : خرجنا مع رسول الله وَّه إلى حنينٍ ونحن حديثو عهدٍ بالجاهلية. قال : فسرنا معه إلى حنينٍ.
قال : وكانت لكفار قريشٍ ومن سواهم من العرب شجرةٌ عظيمةٌ خضراء يقال لها : ذات أنواطٍ . يأتونها
كلَّ سنةٍ فيعلِّقون أسلحتهم عليها ، ويذبحون عندها ، ويعكُفون عليها يوماً . قال : فرأينا ونحن نسير مع
رسول الله وَّ سدرةً خضراء عظيمةً. قال : فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله ، اجعل لنا ذات
أنواطٍ كما لهم ذات أنواطٍ؟ فقال رسول الله وَلقوله: ((الله أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٤٠).
(٢)
الأبيات مع غيرها في ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٤١) و((الروض الأنف)) (١٦٥/٧) وهي مع أبيات غيرها
في (( ديوان العباس بن مرداس)) ص (١٥٤ - ١٥٥) جمع وتحقيق الأستاذ الدكتور يحيى الجبوري ، طبع مؤسسة
الرسالة ببيروت .
٥٨٧
ذكر غزوة هوازن يوم حنين
موسى لموسى: ﴿ أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَّةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [ الأعراف: ١٣٨]. إنها السَّنن، لتركُبُنَّ
سنن من كان قبلكم )) .
وقد روى هذا الحديث الترمذيُّ ، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزوميِّ ، عن سفيان ، والنَّسائيُّ ،
عن محمد بن رافعٍ ، عن عبد الرزاق ، عن معمرٍ ، كلاهما عن الزهريِّ ، كما رواه ابن إسحاق عنه .
وقال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ(١). ورواه ابن أبي حاتم في (( تفسيره (٢) من طريق كثير بن عبد الله بن
عمرو بن عوفٍ ، عن أبيه ، عن جدِّه مرفوعاً .
وقال أبو داود(٣) : ثنا أبو توبة ، ثنا معاوية بن سلام ، عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام ، عن
السَّلوليِّ أنه حدَّثه سهلُ بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسولَ الله وَلَه يوم حنينٍ فَأطنبوا السير(٤) حتى كان
عشيةً، فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله وَّه، فجاء رجلٌ فارسٌ ، فقال : يا رسول الله ، إني انطلقت
بين أيديكم حتى طلعتُ جبل كذا وكذا ، فإذا أنا بهوازنَ عن بكرة أبيهم بظُعُنهم وبنَعَمهم وشائهم ،
اجتمعوا إلى حنينٍ، فتبسَّم رسول الله وَّ وقال: ((تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله)). ثم قال:
((من يحرسنا الليلة)). قال أنس بن أبي مَرثدٍ: أنا يا رسول الله. قال: (( فارْكب )) . فرکب فرساً له ،
وجاء إلى رسول الله وَله، فقال له رسول الله وَ له: ((استقبل هذا الشِّعب حتى تكون في أعلاه ولا نُغَرََّّ(٥)
من قبلك الليلة)). فلما أصبحنا خرج رسول الله بَ ل إلى مصلاه فركع ركعتين، ثم قال: ((هل أحسستم
فارسكم ؟)) قالوا: يا رسول الله، ما أحسسنا. فتُوِّب بالصلاة فجعل رسول الله ◌ِنَّه يصلّي، ويلتفت إلى
الشِّعب، حتى إذا قضى صلاته قال: ((أبشروا فقد جاءكم فارسُكم)) . فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في
الشّعب، وإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله وّل فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا
الشِّعب حيث أمرني رسول الله وَّه، فلما أصبحتُ طلعت الشِّعبين كليهما ، فنظرت فلم أر أحداً . فقال له
رسول الله وَلّ: ((هل نزلتَ الليلة؟)) قال: لا، إلا مصلَّاً أو قاضيَ حاجةٍ. فقال له رسول الله الطيار:
((قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها )).
وهكذا رواه النسائيُ(٦) ، عن محمد بن يحيى بن كثيرٍ الحرَّانيِّ، عن أبي توبة الربيع بن نافعٍ به .
(١) رواه الترمذي رقم (٢١٨٠) والنسائي في ((السنن الكبرى)) رقم (١١١٨٥) وقال الترمذي : هذا حديث حسن
صحيح ، وهو كما قال .
(٢) وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (١١٤/٣).
في (( سننه)) رقم (٢٥٠١) ، وهو حديث صحيح .
(٣)
(٤) أي : بالغوا فيه .
(٥) أي : نؤُتينَّ .
(٦) في (( السنن الكبرى)) رقم ( ٨٨٧٠) .
٥٨٨
ذكر كيفية وقعة حنين
فصل
في كيفية الوقعة وما كان في أول الأمر من الفرار
ثم كانت العاقبة للمتقين
قال يونس بن بكيرٍ وغيره ، عن محمد بن إسحاق(١) : حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن
عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله ، عن أبيه قال : فخرج مالك بن عوفٍ بمن معه إلى حنينٍ فسبق رسولَ الله
إليها ، فأعدُّوا وتهيَّئوا في مضايق الوادي وأحنائه ، وأقبل رسول الله وَّر وأصحابه حتى انحطَّ بهم الوادي
في عَماية الصبح ، فلمّا انحطَّ الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدَّت عليهم ، وانكفأ الناس منهزمين
لا يقبل أحدٌ على أحدٍ، وانحاز رسول الله وسلّ ذات اليمين يقول: ((أين أيها الناس؟ هلمُّوا إليَّ، أنا
رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله)) . قال : فلا شيء ، وركبت الإبل بعضها بعضاً ، فلمّا
رأى رسول الله و ◌ّ أمر الناس، ومعه رهطٌ من أهل بيته؛ عليُّ بن أبي طالبٍ وأبو سفيان بن الحارث بن
عبد المطلب ، وأخوه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، والفضل بن العباس - وقيل : الفضيل بن
أبي سفيان - وأيمن بن أمِّ أيمن ، وأسامة بن زيدٍ ، ومن الناس من يزيد فيهم قُثَم بن العباس ، ورهطٌ من
المهاجرين منهم ؛ أبو بكر وعمر ، والعباس آخذٌ بحَكَمة بغلته البيضاء وهو عليها قد شجرها . قال :
ورجلٌ من هوازن على جملٍ له أحمر ، بيده رايةٌ سوداء في رأس رمحٍ طويلٍ أمام هوازن ، وهوازن خلفه إذا
أدرك طعن برمحه ، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتَّبعوه . قال : فبينما هو كذلك إذ هوی له
عليُّ بن أبي طالبٍ ورجلٌ من الأنصار يريدانه . قال : فيأتي عليٍّ من خلفه فضرب عرقوبي الجمل ، فوقع
على عجزه ، ووثب الأنصاريُّ على الرجل فضربه ضربةً أطنَّ قدمه بنصف ساقه ، فانجعف عن رحله .
قال : واجتلد الناس ، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتَّفين عند
رسول الله مَله .
ورواه الإمام أحمد(٢) ، عن يعقوب بن إبراهيم الزُّهريِّ ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق .
قال ابن إسحاق(٣): والتفت رسول الله وَ له إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان ممن
صبر يومئذٍ [ مع رسول الله (18َّ]، وكان حسن الإسلام حين أسلم وهو آخذٌ بثفر بغلة رسول الله وَله فقال:
((من هذا؟)) قال : ابن أمِّك يا رسول الله .
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٤٢).
رواه أحمد في ((المسند)) ( ٣٧٦/٣)، وإسناده حسن .
(٢)
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٤٦).
٥٨٩
ذكر كيفية وقعة حنين
قال ابن إسحاق(١) : ولمَّا انهزم الناس تكلّم رجالٌ من جفاة الأعراب بما في أنفسهم من الضّغن ،
فقال أبو سفيان صخر بن حربٍ - وكان إسلامه بعدُ مدخولاً ، وكانت الأزلام معه يومئذٍ - : لا تنتهي
هزيمتهم دون البحر ، وصرخ كلدة بن الحنبل ، وهو مع أخيه صفوان بن أمية - يعني لأمِّه - وهو مشركٌ في
المدة التي جعل له رسول الله وقل له: ألا بطل السِّحر اليوم. فقال له صفوان: اسكت، فضَّ الله فاك،
فوالله لأن يُرُبَّني رجلٌ من قريشٍ أحبُّ إليَّ من أن يربَني رجلٌ من هوازن .
وقال الإمام أحمد(٢): حدَّثنا عَقَّان بن مسلم ، ثنا حَمَّاد بن سلمة ، أنبأنا إسحاق بن عبد الله بن أبي
طلحة ، عن أنس بن مالكٍ أن هوازن جاءت يوم حنينٍ بالنساء والصبيان والإبل والغنم ، فجعلوها صفوفاً
يكثِّرون على رسول الله وَ له، فلما التقوا ولَّى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فقال رسول الله وَ له :
(( يا عباد الله، أنا عبد الله ورسوله)). ثم قال: (( يا معشر الأنصار، أنا عبد الله ورسوله)). قال :
فهزم الله المشركين ، ولم يُضرب بسيفٍ ولم يطعن برمحٍ. قال: وقال رسول الله بَّار يومئذٍ: (( من قتل
كافراً فله سلبه)). قال: فقتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم . وقال أبو قتادة :
يا رسول الله ، إني ضربت رجلاً على حبل العاتق وعليه درعٌ له ، فأُجهضت عنه، فانظر من أخذها .
قال: فقام رجلٌ فقال: أنا أخذتها، فأرضه منها وأعطنيها. قال: وكان رسول الله وَلَوَ لا يُسأل شيئاً إلا
أعطاه أو سكت، فسكت رسول الله وَّه، فقال عمر: والله لا يفيئها الله على أَسدٍ من أُسد الله ويعطيكها.
فقال رسول الله وَّر: ((صدق عمر)). قال: ولقي أبو طلحة أمَّ سليم ومعها خَنجرٌ، فقال أبو طلحة:
ما هذا ؟ فقالت : إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج به بطنه . فقال أبو طلحة : أما تسمع ما تقول أم
سليم؟ فضحك رسول الله وَ له، فقالت: يا رسول الله، اقتلُ من بعدنا من الطُّلقاء؛ انهزموا بك.
فقال: ((إن الله قد كفى وأحسن يا أمَّ سليمٍ)).
وقد روى مسلمٌ(٣) منه قصة خَنْجَر أمّ سليم، وأبو داود(٤) قوله: (( من قتل قتيلاً فله سلبه )) . كلاهما
من حديث حماد بن سلمة به . وقول عمر في هذا مستغربٌ ، والمشهور أن ذلك أبو بكرٍ الصديق .
وقال الإمام أحمد(٥): حدَّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، ثنا أبي ، ثنا نافع أبو غالبٍ ، شهد أنس بن
مالكٍ قال : فقال العلاء بن زيادٍ العدويُّ: يا أبا حمزة، بسنِّ أيِّ الرجال كان رسول الله وَله إذا بُعث؟
فقال : ابن أربعين سنةً . قال : ثم كان ماذا ؟ قال : ثم كان بمكة عشر سنين ، وبالمدينة عشر سنين ،
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٤٣).
في «مسنده)) (٢٧٩/٣)، وإسناده صحيح .
(٢)
(٣)
في « صحيحه )) رقم (١٨٠٩) .
في « سننه)) رقم (٢٧١٨) .
(٤)
رواه أحمد في ((المسند)) ( ١٥١/٣)، وإسناده صحيح .
(٥)
٥٩٠
ذكر كيفية وقعة حنين
فتمَّت له ستون سنةً ، ثم قبضه الله إليه . قال : بسنِّ أيِّ الرجال هو يومئذٍ ؟ قال : كأشبِّ الرجال وأحسنه
وأجمله وألحمه. قال: يا أبا حمزة، وهل غزوت مع رسول الله وَ ير؟ قال: نعم، غزوت معه يوم حنينٍ ،
فخرج المشركون بُكرة ، فحملوا علينا حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا ، وفي المشركين رجلٌ يحمل علينا
فيدقُّنا ويحطِمنا، فلما رأى ذلك رسول الله وَ ل المنزل، فهزمهم الله فولَّوا، فقام رسول الله وَل حين رأى
الفتح، فجعل يُجاء بهم أُسارى رجلاً رجلاً، فيبايعونه على الإسلام، فقال رجلٌ من أصحاب النبيِّ ◌ِّ:
إن عليَّ نذراً، لئن جيء بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربنَّ عنقه. قال: فسكت رسول الله وَّل ،
وجيء بالرجل ، فلما رأى نبيَّ اللهَ وَّر قال: يا نبيَّ الله، تبت إلى الله. قال: وأمسك نبيُّ اللهَ وَّل أن
يبايعه ليوفي الآخر نذره. قال: وجعل ينظر إلى النبيِّ وَلّه ليأمره بقتله، ويهاب رسول الله وَل ، فلما رأى
النبيُّ ◌َّ أنه لا يصنع شيئاً بايعه، فقال: يا نبيَّ الله، نذري؟! قال: ((لم أمسك عنه منذ اليوم إلا لتوفي
نذرك)). فقال: يا رسول الله، ألا أومأت إليَّ؟ قال: ((إنه ليس لنبيٍّ أن يومىء)) تفرد به أحمد(١)
وقال أحمد(٢): حدَّثنا يزيد، ثنا حميدٌ الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان من دعاء رسول الله وكل
يوم حنينٍ: ((اللهم إنك إن تشأ لا تعبد بعد اليوم)). إسناده ثلاثيٍّ على شرط الشيخين، ولم يخرجه أحدٌ
من أصحاب الكتب من هذا الوجه .
وقال البخاريّ(٣): ثنا محمد بن بشَّارٍ ، ثنا غندرٌ، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق سمع البراء بن عازبٍ
- وسأله رجلٌ من قيسٍ: أفررتم عن رسول الله بِّه يوم حنينٍ؟ فقال : - لكنَّ رسول الله ◌َّلَهلم يفرَّ؛ كانت
هَوَازن رماةً ، وإنا لمَّا حملنا عليهم انكشفوا ، فأكببنا على الغنائم ، فاستقبلتنا بالسهام ، ولقد رأيت
رسول الله وَّليل على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان آخذٌ بزمامها، وهو يقول:
(( أنا النبيُّ لا كذب )»
ورواه البخاريُّ ، عن أبي الوليد ، عن شعبة به وقال : [من مجزوء الرجز]
(( أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ المَطَّلِبْ))
قال البخاريّ(٤): وقال إسرائيل وزهيرٌ ، عن أبي إسحاق ، عن البراء : ثم نزل عن بغلته .
ورواه مسلمٌ والنسائيُّ(٥) عن بندارٍ . زاد مسلمٌ: وأبي موسى . كلاهما عن غندرٍ به .
(١) قلت : روى أبو داود بعضه في سننه (رقم ٣١٩٤) الشطر الثاني منه عن داود بن معاذ عن عبد الوارث عن نافع أبي
غالب ، به ، وزاد فيه صفة القيام في صلاة الجنازة على الرجل والمرأة .
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١٢١/٣).
في (( صحيحه )) رقم (٤٣١٧).
(٣)
في « صحيحه )) رقم (٤٣١٧).
(٤)
(٥) رواه مسلم رقم (١٧٧٦) (٨٠) والنسائي في (( السنن الكبرى)) رقم ( ٨٦٣٨).
٥٩١
ذكر كيفية وقعة حنين
وروى مسلمٌ(١) من حديث زكريا بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : ثم نزل فاستنصر
وهو يقول :
(( أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلَبُ
اللهم نزِّل نصرك)). قال البراء: ولقد كنا إذا حمي البأس نتَّقي برسول الله بِّه، وإن الشُّجَاعِ الذي
يحاذي به .
وروى البيهقيُّ(٢) من طرقٍ أن رسول الله وَ ل قال يومئذٍ: ((أنا ابن العواتك)).
وقال الطبرانيُّ(٣) : ثنا عباس بن الفضل الأسفاطيُّ، ثنا عمرو بن عوفِ الواسطيُّ ، ثنا هشيمٌ ، أنبأنا
يحيى بن سعيدٍ، عن عمرو بن سعيد بن العاص، عن سيَّابة بن عاصم السُّلميِّ أن رسول الله بِّه قال يوم
حنينٍ: ((أنا ابن العَوَاتِك)).
وقال البخاريٌّ(٤) : ثنا عبد الله بن يوسف ، أنبأنا مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن عمر بن كثير بن
أفلح ، عن أبي محمدٍ مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله بَّ عام حنينٍ، فلما
التقينا كانت للمسلمين جولةٌ ، فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين ، فضربتُه من ورائه
على حبل عاتقه بالسيف ، فقطعتُ الدرع ، وأقبل عليَّ فضمَّني ضمَّةً وجدت منها ريح الموت ، ثم أدركه
الموت ، فأرسلني فلحقت عمر ، فقلت : ما بال الناس ؟ فقال: أمر الله ، عزَّ وجلَّ . ثم رجعوا ،
وجلس رسول الله وَ له فقال: ((من قتل قتيلاً له عليه بيِّنةٌ فله سلبه)). فقمت فقلت : من يشهد لي؟ ثم
جلست، فقال رسول الله وَّر مثله، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فقال رسول الله وَل مثله ،
فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال رسول الله وَ ل مثله، فقمت فقال: (( ما لك يا أبا قتادة؟))
فأخبرته ، فقال رجلٌ : صدق ، سلبُه عندي ، فأرضه مني . فقال أبو بكرٍ : لاها الله إذاً لا يعمِد إلى أَسدٍ
من أُسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه؟! فقال النبيُّ وَلي: ((صدق فأعطه)). فأعطانيه فابتعت به
مخرَفاً في بني سلمة ، فإنه لأول مالٍ تأثّلته في الإسلام .
ورواه بقية الجماعة إلّ النسائيّ(٥) من حديث يحيى بن سعيدٍ به .
في (( صحيحه)) رقم (١٧٧٦ ) ( ٧٩).
(١)
(٢)
في ((دلائل النبوة)) (١٣٥/٥).
في ((المعجم الكبير)) (٢٠١/٧) رقم (٦٧٢٤) والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (١٣٥/٥ -١٣٦) وغيرهما، وهو
(٣)
حديث حسن بطرقه وشواهده .
(٤) في ((صحيحه)) رقم (٤٣٢١) .
(٥) رواه مسلم رقم (١٧١٥) وأبو داود رقم (٢٧١٧) والترمذي رقم (١٥٦٢) وابن ماجه رقم (٢٨٣٧).
٥٩٢
ذكر كيفية وقعة حنين
قال البخاريُّ(١): وقال اللَّيث بن سعدٍ: حدَّثني يحيى بن سعيدٍ ، عن عمر بن كثير بن أفلح ، عن
أبي محمدٍ مولى أبي قتادة ، أن أبا قتادة قال : لما كان يوم حنينٍ نظرت إلى رجلٍ من المسلمين يقاتل رجلاً
من المشركين ، وآخر من المشركين يختِله من ورائه ليقتُله ، فأسرعت إلى الذي يختِله ، فرفع يده ليضربني
فأضربُ يده فقطعتها ، ثم أخذني فضمَّني ضماً شديداً حتى تخوَّفت ، ثم ترك فتحلَّل ، فدفعتُه ثم قتلته ،
وانهزم المسلمون وانهزمت معهم ، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس ، فقلت له : ما شأن الناس ؟ قال :
أمر الله. ثم تراجع الناس إلى رسول الله وَّه، فقال رسول الله بَّل: ((من أقام بينةً على قتيلٍ فله سلبه)).
فقمت لألتمس بيّنةً على قتيلي، فلم أر أحداً يشهد لي، فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله لَ ◌ّل،
فقال رجلٌ من جلسائه : سلاح هذا القتيل الذي يَذكر عندي ، فأرضه مني . فقال أبو بكرٍ : كلا ، لا يعطيه
أُصيبع من قريشٍ، ويدع أَسداً من أُسد الله يقاتل عن الله ورسوله. قال : فقام رسول الله فأدَّاه إليَّ،
فاشتريت به خرافاً ، فكان أول مالٍ تأثَّلته . وقد رواه البخاريُّ في موضع آخر ومسلمٌ ، كلاهما عن قتيبة ،
عن الليث بن سعدٍ به ، وقد تقدم من رواية نافعٍ أبي غالبٍ ، عن أنسٍ أَن القائل لذلك عمر بن الخطاب،
فلعله قاله متابعةً لأبي بكرِ الصديق ، ومساعدةً وموافقةً له ، أو قد اشتبه على الراوي ، والله أعلم .
وقال الحافظ البيهقيُّ(٢): أنبأنا الحاكم، أنبأنا الأصمُّ، أنبأنا أحمد بن عبد الجَبَّار ، عن يونس بن
بكيرٍ ، عن محمد بن إسحاق ، حدَّثني عاصم بن عمر ، عن عبد الرحمن بن جابرٍ ، عن أبيه جابر بن
عبد الله أن رسول الله والقر قال يوم حنينٍ حين رأى من الناس ما رأى: (( يا عباس، ناد: يا معشر
الأنصار ، يا أصحاب الشجرة)). فأجابوه : لبّيك لبّيك . فجعل الرجل يذهب ليعطِف بعيره ، فلا يقدر
على ذلك فيقذف درعه في عنقه، ويأخذ سيفه وقوسه، ثم يؤمُّ الصوت حتى اجتمع إلى رسول الله وَل
منهم مئةٌ ، فاستعرض الناس فاقتتلوا ، وكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار ، ثم جُعِلت آخراً بالخزرج ،
وكانوا صُبُّراً عند الحرب، وأشرف رسول الله وَّر في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم فقال: ((الآن حمي
الوطيس)). قال: فوالله ما رجعتْ راجعة الناس إلا والأُسارى عند رسول الله وَّل مكتَّفون، فقتل الله منهم
من قتل ، وانهزم منهم من انهزم ، وأفاء الله على رسوله وَّر أموالهم وأبناءهم .
وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُزْوَة، وذكر موسى بن عقبة في ((مغازيه)(٣) أن
رسول الله وَّيه لما فتح الله عليه مكة وأقرّ بها عينه، خرج إلى هوازن، وخرج معه أهل مكة، لم يغادر
منهم أحداً ركباناً ومشاةً حتى خرج النساء يمشين على غير دينٍ نُظَّاراً ينظرون ويرجون الغنائم ، ولا
(١) في ((صحيحه)) رقم (٤٣٢٢) .
(٢) في ((دلائل النبوة)) (١٢٩/٥).
(٣) انظر ((دلائل النبوة)) (١٢٩/٥).
٥٩٣
ذكر كيفية وقعة حنين
يكرهون مع ذلك أن تكون الصَّدمة برسول الله مَّ وأصحابه ، قالوا : وكان معه أبو سفيان بن حربٍ
وصفوان بن أمية ، وكانت امرأته مسلمةً ، وهو مشركٌ لم يفرَّق بينهما . قالوا : وكان رئيس المشركين
يومئذٍ مالك بن عوفِ النَّصريُّ ، ومعه دُريد بن الصِّمَّة يرعش من الكبر ، ومعه النساء والذَّراريُّ والنَّعم ،
فبعث رسول الله وَّل عبد الله بن أبي حدردٍ عيناً، فبات فيهم، فسمع مالك بن عوفٍ يقول لأصحابه: إذا
أصبحتم فاحملوا عليهم حملة رجلٍ واحدٍ ، واكسروا أغماد سيوفكم ، واجعلوا مواشيَكم صفّاً ونساءكم
صفّاً . فلما أصبحوا اعتزل أبو سفيان ، وصفوان وحكيم بن حزام وراءهم ينظرون لمن تكون الدائرة ،
وصفَّ الناس بعضهم لبعضٍ، وركب رسول الله وَ لّ بغلةً له شهباء فاستقبل الصفوف ، فأمرهم وحضّهم
على القتال وبشَّرهم بالفتح إن صبروا ، فبينما هم كذلك حمل المشركون على المسلمين حملة رجلٍ
واحدٍ ، فجال المسلمون جولةً ، ثم ولَّوا مدبرين، فقال حارثة بن النعمان: لقد حزرت من بقي مع
رسول الله وَ لّ حين أدبر الناس، فقلت: مائة رجلٍ . قالوا: ومرَّ رجلٌ من قريشٍ بصفوان بن أمية ،
فقال : أبشر بهزيمة محمدٍ وأصحابه ، فوالله لا يجتبرونها أبداً. فقال له صفوان : تبشِّرني بظهور
الأعراب ! فوالله لربّ من قريشٍ أحبُّ إليَّ من ربِّ من الأعراب. وغضب صفوان لذلك . قال موسى :
وبعث صفوان غلاماً له فقال : اسمع لمن الشِّعار ؟ فجاءه فقال: سمعتهم يقولون: يا بني عبد الرحمن،
يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله. فقال: ظهر محمدٌ. وكان ذلك شعارهم في الحرب . قالوا : وكان
رسول الله وَ ل# لما غشيه القتال قام في الركابين وهو على البغلة، فرفع يديه إلى الله يدعوه يقول: ((اللهم
إني أَنشُدك ما وعدتني ، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا)). ونادى أصحابه وذمَّرهم: (( يا أصحاب
البيعة يوم الحديبية، الله الله، الكرّة على نبيِّكم)). ويقال: حرَّضهم فقال: (( يا أنصار الله وأنصار
رسوله ، يا بني الخزرج ، يا أصحاب سورة البقرة)) . وأمر من أصحابه من ينادي بذلك. قالوا : وقبض
قُبضةً من الحصباء ، فحصب بها وجوه المشركين ونواحيهم كلَّها ، وقال: (( شاهت الوجوه)) . وأقبل
أصحابه إليه سراعاً يبتدرون. وزعموا أن رسول الله وَ الر قال: ((الآن حمي الوطيس)). فهزم الله أعداءه
من كلِّ ناحيةٍ حصبهم منها ، واتَّبعهم المسلمون يقتلونهم ، وغنَّمهم الله نساءهم وذراريَّهم ، وفرّ مالك بن
عوفٍ حتى دخل حصن الطائف هو وأناسٌ من أشراف قومه، وأسلم عند ذلك ناسٌ كثيرٌ من أهل مكة حين
رأوا نصرَ الله رسولَه وَله وإعزازه دينه. رواه البيهقيُّ.
وقال ابن وهبٍ(١) : أخبرني يونس، عن الزُّهريِّ، أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب قال :
قال العباس: شهدت مع رسول الله وَل يوم حنينٍ ، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث لا نفارقه ،
ورسول الله وَلّ على بغلةٍ بيضاء أهداها له فروة بن نُفاثة الجُذاميُّ، فلمَّا التقى الناس ولَّى المسلمون
(١) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (١٣٧/٥).
٥٩٤
ذكر كيفية وقعة حنين
مدبرين ، فطفق رسول الله وَ له يركض بغلته قبل الكفار. قال العباس: وأنا آخذٌ بلجامها أكفُها إرادة أن
لا تسرع، وأبو سفيان آخذٌ بركاب رسول الله وَلَه، فقال رسول الله وَ ل: ((أي عباس ، نادِ اصحاب
السَّمرة)). قال: فوالله لكأنَّما عَطفتُهم حين سمعوا صوتي عطفةَ البقرة على أولادها ، فقالوا : يا لبَّيكاه ،
يا لبَّيكاه . قال : فاقتتلوا هم والكفار ، والدعوة في الأنصار يقولون : يا معشر الأنصار ، يا معشر
الأنصار . ثم قُصِرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج ، فقالوا : يا بني الحارث بن الخزرج ، فنظر
رسول الله وَ له وهو على بغلته، كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال: ((هذا حين حمي الوطيس)). ثم أخذ
صلَّى الله عليه وسلَّم حصياتٍ فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال: ((انهزموا وربِّ محمدٍ)). قال :
فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى -، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله وَ ل بحصياته،
فما زلت أرى حدَّهم كليلاً ، وأمرهم مدبراً .
ورواه مسلم(١)، عن أبي الطاهر ، عن ابن وهبٍ به نحوه . ورواه أيضاً ، عن محمد بن رافعٍ ، عن
عبد الرزاق ، عن معمرٍ ، عن الزهريِّ نحوه .
وروى مسلم٢ٌ) من حديث عكرمة بن عمَّارٍ ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه قال: غزونا مع
رسول الله وَ ل﴿ حنيناً، فلما واجهنا العدوَّ تقدَّمت فأعلو ثنيَّةً فاستقبلني رجلٌ من المشركين فأرميه بسهمٍ ،
وتوارى عني ، فما دريت ما صنع ، ثم نظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنيَّةٍ أخرى ، فالتقوا هم
وصحابة رسول الله ◌َ ، فولَّى أصحاب رسول الله وَ ل وأرجع منهزماً، وعليَّ بردتان متّزراً بإحداهما مرتدياً
بالأخرى، قال : فاستطلق إزاري فجمعتها جمعاً ومررت على النبيِّ وَّ وأنا منهزمٌ، وهو على بغلته
الشَّهباء، فقال وَّرَ: ((لقد رأى ابن الأكوع فزعاً)). فلما غَشوا رسولَ الله وَّل نزل عن البغلة، ثم قبض
قُبضةً من ترابٍ من الأرض واستقبل به وجوههم، وقال: (( شاهت الوجوه )) . فما خلق الله منهم إنساناً إلا
ملأ عينيه تراباً من تلك القُبضة، فولَّوا مدبرين، فهزمهم الله، وقسم رسول الله مَّ غنائمهم بين المسلمين.
وقال أبو داود الطَّيالسيُّ في ((مسنده)(٣): ثنا حَمَّاد بن سَلَمَة، عن يعلى بن عطاءٍ، عن عبد الله بن
يسارٍ ، عن أبي عبد الرحمن الفِهْري قال: كنا مع رسول الله ربَّ في حنينٍ، فسرنا في يومٍ قائظٍ شديد
الحرِّ، فنزلنا تحت ظلال السَّمُر، فلما زالت الشمس لبست لأمتي، وركبت فرسي، فأتيت رسول الله وَّه
وهو في فُسطاطه ، فقلت : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ، قد حان الزَّواح يا رسول الله ؟
(١) في ((صحيحه)) رقم (١٧٧٥) (٧٦).
(٢)
في (( صحيحه )) رقم ( ١٧٧٧).
رقم (١٤٦٨) بتحقيق الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي ، طبع دار هجر بالقاهرة ، ورواه أيضاً أحمد في
((المسند)) (٢٨٦/٥) وهو حديث حسن ، يشهد له معنى حديث سلمة بن الأكوع الذي قبله وحديث العباس عند
أحمد (٢٠٧/١).
(٣)
٥٩٥
ذكر كيفية وقعة حنين
قال: ((أجل)). ثم قال رسول الله بَّل: ((قم يا بلال)). فثار من تحت سَمُرةٍ كأن ظلَّه ظلُّ طائرٍ فقال:
لبيك وسعديك، وأنا فداؤك. فقال: ((أسرج لي فرسي)). فأتاه بدَفَّتين من ليفٍ ليس فيهما أشرٌ ولا
بطرٌ . قال : فركب فرسه فسرنا يومنا ، فلقينا العدوّ، وتشامت الخَيْلان ، فقاتلناهم فولَّى المسلمون
مدبرين كما قال الله تعالى، فجعل رسول الله وَ له يقول: (( يا عباد الله، أنا عبد الله ورسوله)). واقتحم
رسول الله وُّلله عن فرسه، وحدَّثني من كان أقرب إليه مني أنه أخذ حفنة من التراب ، فحثى بها وجوه العدوِّ
وقال: ((شاهت الوجوه )) . قال يعلى بن عطاءٍ: فحدّثنا أبناؤهم عن آبائهم قالوا: ما بقي أحدٌ إلا امتلأت
عيناه وفمه من التراب ، وسمعنا صلصلةً من السماء ، كمرِّ الحديد على الطَّست الجديد ، فهزمهم الله
عزو وجل .
ورواه أبو داود السِّجستانيُ في (( سننه(١) عن موسى بن إسماعيل، عن حَمَّاد بن سَلَمة به نحوه .
وقال الإمام أحمد٢ٌ): ثنا عَفَّان ، ثنا عبد الواحد بن زياد ، ثنا الحارث بن حصيرة ، ثنا القاسم بن
عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعودٍ ، عن أبيه قال: قال عبدُ الله بن مسعود: كنت مع رسول الله مَله يوم
حنين فولَّى عنه الناس ، وثبت معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار ، فنكصنا على أقدامنا نحواً من
ثمانين قَدمَاً ، ولم نولّهم الدُّبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة . قال: ورسول الله به لول على بغلته
يمضي قُدُماً ، فحادت به بغلته، فمال عن السَّرج، فقلت له: ارتفع رفعك الله. فقال: (( ناولني كفّاً من
تراب)). فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم تراباً، قال: ((أين المهاجرون والأنصار؟)) قلت: هم
أولاء. قال: ((اهتف بهم)). فهتفت بهم، فجاؤوا وسيوفهم بأيمانهم كأنَّها الشُّهب، وولَّى المشركون
أدبارهم . تفرد به أحمد .
وقال البيهقيُّ(٣) : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم القَنطريُّ ،
ثنا أبو قلابة ، ثنا أبو عاصم ، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطَّائفيُّ، أخبرني عبد الله بن عياض بن الحارث
الأنصاريُّ ، عن أبيه أن رسول الله وَ ل أتى هوازن في اثني عشر ألفاً، فقُتل من أهل الطائف يوم حنين مثل
من قُتل يوم بدر . قال : وأخذ رسول الله يَّل كفّاً من حصى ، فرمى بها وجوهنا فانهزمنا .
ورواه البخاريُّ في (( تاريخه )(٤) ولم ينسب عِيَاضاً .
وقال مسدَّدٌ : ثنا جعفر بن سليمان، ثنا عوف، ثنا عبد الرحمن مولى أمِّ بُرْثُن، عمن شهد حُنيناً
(١) رقم (٥٢٣٣) ، وهو حديث حسن ، كما في حديث أحمد الذي قبله .
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١/ ٤٥٣)، وفي إسناده ضعف .
(٣) في ((دلائل النبوة)) (١٤٢/٥).
(٤) انظر ((التاريخ الكبير)) (١٩/٧).
٥٩٦
ذكر كيفية وقعة حنين
كافراً قال: لما التقينا نحن ورسول الله وَ ل والمسلمون، لم يقوموا لنا حلب شاةٍ، فجئنا نهُشٌ سيوفنا بين
يدي رسول الله وَ له، حتى إذا غشيناه ، فإذا بيننا وبينه رجالٌ حسان الوجوه فقالوا : شاهت الوجوه ،
فارجعوا . فهُزِمنا من ذلك الكلام . رواه البيهقيُّ(١) .
وقال يعقوب بن سفيان(٢) : ثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا الوليد بن مسلم، حدَّثني محمد
ابن عبد الله الشُّعينيُّ، عن الحارث بن بدل النَّصريِّ ، عن رجلٍ من قومه شهد ذلك يوم حنين ، وعمرو بن
سفيان الثََّفيِّ قال: انهزم المسلمون يوم حنين ، فلم يبق مع رسول الله بَّهَ إلا عباسٌ وأبو سفيان بن
الحارث . قال: فقبض رسول الله وَ ل﴿ قُبضةً من الحصباء ، فرمى بها في وجوههم . قال : فانهزمنا فما
خيِّل إلينا إلا أنَّ كلَّ حجرٍ أو شجرٍ فارسٌ يطلبنا . قال الثَّقفيُّ : فأعجزتُ على فرسي حتى دخلت الطائف .
وروى يونس بن بُكير في ((مغازيه(٣) عن يوسف بن صُهَيب عن عبد الله(٤) أنه لم يبق مع
رسول الله وَلَه يوم حُنَين إلا رجلٌ واحدٌ اسمه زيدٌ .
وروى البيهقيُّ(٥) من طريق الكُدَيميِّ، ثنا موسى بن مسعودٍ ، ثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفيُّ ،
عن السائب بن يسار ، عن يزيد بن عامر السُّوائيِّ أنه قال : عند انكشافةٍ انكشفها المسلمون يوم حنين
فتبعهم الكفار، وأخذ رسول الله وَّل قبضةً من الأرض، ثم أقبل على المشركين فرمى بها وجوههم
وقال: ((ارجعوا شاهت الوجوه)). فما أحدٌ يلقى أخاه إلا وهو يشكو قذى في عينيه .
ثم روى (٦) من طريقين ، عن أبي حذيفة ، ثنا سعيد بن السَّائب بن يسار الطائفيُّ، حدَّثني أبي
السائب بن يسار ، سمعت يزيد بن عامرٍ الُّوائيَّ - وكان شهد حنيناً مع المشركين ثم أسلم بعدُ - قال :
فنحن نسأله عن الرُّعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين كيف كان ؟ قال : فكان يأخذ لنا
بحصاةٍ فيرمي بها في الطَّست فيطِنُّ . قال : كنا نجد في أجوافنا مثل هذا .
وقال البيهقيُّ(٧) : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن الفضل قالا : ثنا أبو العباس
محمد بن يعقوب ، ثنا العباس ، عن محمد بن بكير الحضرميِّ ، ثنا أيوب بن جابر ، عن صدقة بن
في (( دلائل النبوة)) (١٤٣/٥).
(١)
انظر ((المعرفة والتاريخ)) (١/ ٣٢٧).
(٢)
وهو مرسل ، البزار في (( كشف الأستار)) رقم ( ١٨٢٨) من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه موصولًا . قال البزار :
(٣)
لا نعلم رواه إلا بريدة ، ولا رواه عن عبد الله إلا يوسف بن صهيب ، وهو كوفي مشهور .
(٤)
يعني عبد الله بن بريدة .
في ((دلائل النبوة)) (١٤٣/٥).
(٥)
يعني البيهقي في (( دلائل النبوة)) (١٤٤/٥).
(٦)
انظر ((دلائل النبوة)) (١٤٥/٥).
(٧)
٥٩٧
ذكر كيفية وقعة حنين
سعيدٍ ، عن مصعب بن شيبة ، عن أبيه قال : خرجتُ مع رسول الله مَّ* يوم حنين ، والله ما أخرجني
إسلامٌ ولا معرفةٌ به ، ولكن أبيت أن تظهر هوازن على قريش ، فقلت وأنا واقفٌ معه : يا رسول الله ، إني
أرى خيلاً بُلقاً. فقال: (( يا شيبة، إنه لا يراها إلا كافرٌ)). فضرب يده في صدري، ثم قال: ((اللهم
اهد شيبة)). ثم ضربها الثانية فقال: ((اللهم اهد شيبة)). ثم ضربها الثالثة، ثم قال: (( اللهم اهد
شيبة)) . قال : فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحدٌ من خلق الله أحبّ إليَّ منه . ثم
ذكر الحديث في التقاء الناس ، وانهزام المسلمين ، ونداء العباس، واستنصار رسول الله مَ ◌ّر حتى هزم الله
المشركين .
وقال البيهقيُّ(١): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو محمدٍ أحمد بن عبد الله المزنيُّ، ثنا يوسف بن
موسى ، ثنا هشام بن خالدٍ ، ثنا الوليد بن مسلم ، حدَّثني عبد الله بن المبارك ، عن أبي بكر الهذليِّ ، عن
عكرمة مولى ابن عباس، عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله وَل﴿ يوم حنين قد عُرِّي ، ذكرت
أبي وعمِّي، وقتل عليٍّ وحمزة إياهما، فقلت: اليوم أدرك ثأري من رسول الله وَّر. قال: فذهبت
لأجيئه عن يمينه ، فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائماً ، عليه درعٌ بيضاء كأنها فضةٌ ينكشف عنها
العجاج ، فقلت : عمُّه ولن يخذله . قال : ثم جئته عن يساره ، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن
عبد المطلب ، فقلت : ابنُ عمِّه ولن يخذله . قال : ثم جئته من خلفه ، فلم يبق إلا أن أُساوره سَوْرةً
بالسيف إذْ رفع شُواظٌ من نار بيني وبينه ، كأنه برقٌ ، فخفت أن يمحشني ، فوضعت يدي على بصري
ومشيت القهقرى، فالتفت رسول الله وَ ل﴿ وقال: (( يا شيب [ يا شيب ] ادن مني ، اللهم أذهب عنه
الشيطان)). قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحبُّ إليَّ من سمعي وبصري. فقال: (( يا شيب ، قاتل
الكُفَّارِ )) .
وقال ابن إسحاق(٢): وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ، أخو بني عبد الدار : قلت : اليوم أُدرك
تأري - وكان أبوه قد قتل يوم أحدٍ - اليوم أقتل محمداً. قال: فأدرت برسول الله وَ لر لأقتله، فأقبل شيءٌ
حتى تغشَّى فؤادي ، فلم أُطق ذاك وعلمت أنه ممنوع منّي .
وقال محمد بن إسحاق(٣): وحدَّثني والدي إسحاق بن يسار ، عمن حدَّثه ، عن جبير بن مطعمٍ
قال: إنا لمع رسول الله وَ له يوم حنين، والناس يقتتلون، إذ نظرتُ إلى مثل البِجاد الأسود يهوي من
السماء حتى وقع بيننا وين القوم ، فإذا نملٌ منثورٌ قد ملأ الوادي ، فلم يكن إلا هزيمة القوم ، فما كنا نشُ
(١) انظر ((دلائل النبوة)) (١٤٥/٥).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٤٤/٢).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٤٩/٢).
٥٩٨
ذكر كيفية وقعة حنين
أنها الملائكة . ورواه البيهقيُّ ، عن الحاكم ، عن الأصمِّ ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن
بكيرٍ ، عن ابن إسحاق به . وزاد: فقال خَديج بن العوجاء النَّصريُّ - يعني في ذلك - : ١ من الطويل أ
رأينا سواداً مُنْكَرَ اللّونِ أَخْصَفا
ولما دَنَونا من حُنِيٍ ومائه
شَمَاريخَ من عَروى إذاً عادَ صَفْصَفَا
بملمومةٍ شهباءَ لو قَذَفوا بها
إذاً ما لقينا العارضَ المتكشِّفا
ولو أنَّ قومي طاوعتني سَرَاتُهم
ثمانين ألفاً واستَمَدُّوا بخِنْدِفَا
إذاً ما لقِينا جندَ آل محمدٍ
وقد ذكر ابن إسحاق(١) من شعر مالك بن عوف النَّصريِّ رئيس هوازن يوم القتال وهو في حومة الوغى
يرتجز ويقول : [ من الرجز ]
أَقْدِمْ مُحاجُ إِنَّه يومٌ نُكُرْ
إذا أُضيع الصَّفُّ يوماً والدُّبُرْ
كتائبٌ يكِلُّ فيهن البَصَر
حينَ يُذَمُ المُسْتَكِينُ المُنْجَحِزْ
لها مِن الجَوْفِ رَشاشٌ مُنْهَمِرْ
وثَعْلَبُ العاملِ فيها مُنْكَسِرْ
قد نَفِذ الضِّرْسُ وقد طال العُمُرْ
أَنِّيَ في أمثالِها غيرُ غَمِرْ
مثلي على مِثْلِكَ يَحمي ويكُرّ
ثم احزألَّت زمرٌ بعد زُمرْ
قد أطعُنُّ الطَّعنة تقذي بالسُّبُرْ
وأطْعُنُ النَّجْلَاءَ تَعْوِي وَتَهِرّ
تَفْهَقُ تاراتٍ وحيناً تَنْفَجِرْ
يا زينُ يا بنَ هَمْهَم أين تَّفِرّ
قد علِم البِيضُ الطَّويلاتُ الخُمُرْ
إذا تَخْرُجُ الحاضِنُ مِن تحتِ السُّتُرْ
وذكر البيهقيُّ(٢) من طريق يونس بن بكيرٍ ، عن أبي إسحاق أنه أنشد من شعر مالكٍ أيضاً حين ولَّى
أصحابه منهزمين ، وذلك قوله بعد ما أسلم ، وقيل : هي لغيره : [ من البسيط ]
ومالكٌ فوقَه الراياتُ تَخْتَفِقُ
اذكُرْ مسيرَهمُ للناسِ كلِّهِمُ
ومالكٌ مالكٌ ما فوقَه أحدٌ
حتى لقُوا الناسَ حينَ البأْسِ يَقْدُمُهِمْ
فضارَبوا الناسَ حتى لم يَرَوْا أحَداً
حتى تنَزَّل جبريلٌ بنصرِهِمُ
منا ولو غيرُ جبريلٍ يُقاتِلُنا
وقد وفَى عمرُ الفاروقُ إذ هزَموا
يومَ حنينٍ عليه التاجُ يأْتَلِقُ
عليهم البَيْضُ والأبدانُ والدَّرَقُ
حولَ النبيِّ وحتى جَنَّه الغَسَقُ
فالقومُ منهزمٌ منا ومُعْتَلِقُ
لَمَنَّعَتْنا إذاً أسْيافُنا الغُلُقُ
بطعنةٍ بلَّ منها سَرْجَه العَلَقُ
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٤٧).
(٢) انظر ((دلائل النبوة)) (١٤٧/٥).
٥٩٩
ذکر كيفية وقعة حنين
قال ابنُ إسحاق(١): ولما هزم الله المشركين، وأمكن الله ورسوله بَّ منهم، قالت امرأةٌ من
المسلمين : 1 من الرجزا
قد غلَبَتْ خيلُ الله خيلَ اللَّتْ واللهُ أحَقُّ بالثَّباتْ
قال ابن هشام : وقد أنشدنيه بعض أهل الرواية للشعر : [ من الرجز ]
غَلَبْتِ خِيلَ الله خيلَ اللَّتِ وخيلُه أحقُّ بالثَّاتِ
قال ابن إسحاق(٢) : فلما انهزمت هوازن استحرَّ القتل من ثقيفٍ في بني مالكِ، فقُتِل منهم سبعون
رجلاً تحت رايتهم ، وكانت مع ذي الخِمار ، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن
حبيبٍ ، فقاتل بها حتى قتل ، فأخبرني عامر بن وهب بن الأسود أن رسول الله وَ لّ لما بلغه قتله قال:
((أبعده الله ، فإنه كان يبغض قريشاً )).
وذكر ابن إسحاق(٣) ، عن يعقوب بن عُتبة أنه قتل مع عثمان هذا غلامٌ له نصرانيٌّ ، فجاء رجلٌ من
الأنصار ليسلُبه ، فإذا هو أغرل ، فصاح بأعلى صوته : يا معشر العرب ، يعلم الله أن ثقيفاً غُزْلٌ . قال
المغيرة بن شعبة الثقفيُّ : فأخذت بيده ، وخشيت أن تذهب عنا في العرب ، فقلت : لا تقل كذلك ،
فداك أبي وأمي ، إنما هو غلامٌ لنا نصرايٌّ . ثم جعلتُ أكشف له القتلى فأقول له : ألا تراهم مختتنين كما
ترى ؟
قال ابن إسحاق(٤) : وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود ، فلما انهزم الناس أسند رايته إلى
شجرةٍ ، وهرب هو وبنو عمِّه وقومُه ، فلم يُقتل من الأحلاف غير رجلين ؛ رجلٌ من بني غِيَرة يقال له :
وهبٌّ. ورجلٌ من بني كُبَّة يقال له: الجُلاح. فقال رسول الله بَّه حين بلغه قتل الجلاح: (( قتل اليوم
سيد شباب ثقيفٍ ، إلا ما كان من ابن هنيدة )) . يعني الحارث بن أويسٍ .
قال ابن إسحاق(٥): فقال العباس بن مِرْدَاسٍ(٦) يذكر قارب بن الأسود وفراره من بني أبيه وذا الخِمار
وحبسه نفسه وقومه للموت : [ من الوافر ]
ألا مَن مُبْلِغٌ غَيْلانَ عِنِّي وسوف إخالُ يأتيه الخَبِيرُ
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٤٩/٢).
انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٤٩/٢).
(٢)
انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٥٠).
(٣)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٥٠).
(٤)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٥٠/٢) .
(٥)
(٦) الأبيات في (( ديوانه)) ص (٦٨ - ٧١).
٦٠٠
ذكر كيفية وقعة حنين
وعروةً إنما أُهْدِي جواباً
بأنَّ محمداً عبدٌ رسولٌ
وجَدْناه نبيّاً مثلَ موسى
وبئس الأمرُ أمرُ بني قَسِيٍّ
أضاعوا أمْرَهم ولكلِّ قومٍ
فحِثْنَا أُسْدَ غاباتٍ إليهم
نَؤُمُّ الجمعَ جمعَ بني قسيٍّ
وأُقْسِمُ لو هُمُ مكَثوا لسِرْنا
فكنا أُسْدَ لِيَّةَ ثَمَّ حتى
ويومٌ كان قبلُ لدَى حنيٍ
مِن الأيامِ لم تَسْمَعْ كيومٍ
قتَلْنا في الغُبارِ بني خُطَيْطٍ
ولم يَكُ ذو الخِمارِ رئيسَ قومٍ
أقام بهم على سَنَنِ المَناياً
فأفْلَتَ مَن نجا منهم جَريْضاً
ولا يُغْني الأمورَ أخو التَّواني
أحانهمُ وحان ومَلَّكوه
بنو عوفٍ تَمِيحُ بهم چِیادٌ
فلولا قاربٌ وبنو أبيه
ولكنّ الرِّياسةَ عُمِّموها
أطاعوا قارِباً ولهم جُدُودٌ
فإن يُهْدَوْا إلى الإسلامِ يُلْفَوا
فإن لم يُسْلِموا فَهُمُ أذانٌ
كما حَكَّتْ بنو سَعْدٍ وحربٍ
كأنَّ بني مُعاويةَ بنِ بكرٍ
فقلْنا أسْلِموا إنا أخوكم
كأن القومَ إذ جاؤوا إلينا
وقولاً غيرَ قولِكما يَسيرُ
لربِّ لا يَضِلُّ ولا يَجورُ
فكلُّ فتىّ يُخايرُه مَخيرُ
بوَجٍّ إذ تُقُسِّمَت الأُمورُ
أميرٌ والدوائرُ قد تَدورُ
جنودُ الله ضاحيةً تَسيرُ
على حَنَقٍ نَكادُ له نَطِيرُ
إليهم بالجنودِ ولم يَغُوروا
أَبَحْناها وأسْلَمَت النُّصورُ
فأقْلَع والدماءُ به تَمورُ
ولم يَسْمَعْ به قومٌ ذُكورُ
على راياتِها والخيلُ زُورُ
لهم عَقْلٌ يُعاقِبُ أو نَكِيرُ
وقد بانت لمُبْصِرِها الأمورُ
وقُتِّلَ منهمُ بَشَرٌ كثيرٌ
ولا الغَلِقُ الضُّرَيِّرَةُ الحَصورُ
أمورَهمُ وأَفْلَتَتِ الصُّقورُ
أُهِينَ لها الفَصافِصُ والشَّعيرُ
تُقْسِّمَتِ المَزارعُ والقُصورُ
على يُمْنِ أشار به المُشِيرُ
وأحلامٌ إلى عِزِّ تَصيرُ
أُنُوفَ الناسِ ما سمَر السَّمِيرُ
بحربِ الله ليس لهم نَصِيرُ
برَهْطِ بني غَزِيَّةَ عَنْقَفِيرُ
إلى الإسلامِ ضَائِنةٌ تَخورُ
وقد برَّأَت مِن الإحَنِ الصُّدورُ
مِن الْبَغْضاءِ بعدَ السَّلْمٍ عُورُ