Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ صفة دخوله _ مِالة - مكَّة وقد روى أهل السُّنَنُ(١) بعض هذا الحديث، فأما ما فيه من أنه رخّص لخُزَاعة أن تأخذ بثأرها من بني بكر إلى العصر من يوم الفتح ، فلم أره إلا في هذا الحديث(٢)، وكأنه - إن صحَّ - من باب الاختصاص لهم ممَّا كانوا أصابوا منهم ليلة الوتير . والله أعلم . وروى الإمام أحمد (٣) ، عن يحيى بن سعيد، وسفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون ، ومحمد بن عبيد ، كلُّهم عن زكريا بن أبي زائدة ، عن عامر الشعبيِّ ، عن الحارث بن مالك ابن البرصاء الخزاعيِّ ، سمعت رسول الله وَ لا يقول يوم فتح مكة: ((لا تُغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة)). ورواه الترمذيّ(٤)، عن بُنْدَار ، عن يحيى بن سعيد القطَّان به، وقال : حسن صحيح . قلت : فإن كان نهياً ، فلا إشكال ، وإن كان نفياً ، فقال البيهقيُّ(٥) : معناه على كفر أهلها . وفي (( صحيح مسلم)(٦) من حديث زكريا بن أبي زائدة ، عن عامر الشعبيِّ، عن عبد الله بن مطيع ، عن أبيه مطيع بن الأسود العدويِّ قال: قال رسول الله وَ له يوم فتح مكَّة: (( لا يقتل قرشيٍّ صبراً بعد اليوم إلى يوم القيامة)) . والكلام عليه كالأول سواء . قال ابن هشام(٧): وبلغني أنَّ رسول الله وَّ حين افتتح مكَّة ودخلها ، قام على الصفا يدعو وقد أحدقت به الأنصار ، فقالوا فيما بينهم: أتُرون رسول الله وَّه إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها ؟ فلمَّا فرغ من دعائه قال: (( ماذا قلتم؟)) قالوا: لا شيء يا رسول الله . فلم يزل بهم حتى أخبروه ، فقال رسول الله وَ﴾: ((معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم)). وهذا الذي علَّقه ابن هشام قد أسنده الإمام أحمد بن حنبل في ((مسنده (٨) فقال : ثنا بهز وهاشم ، قالا : حدَّثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، وقال هاشم : حدَّثني ثابت البنانيُّ ، ثنا عبد الله بن رباح ، قال : وفدت وفود إلى معاوية أنا فيهم وأبو هريرة ، وذلك في رمضان ، فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام . قال : وكان أبو هريرة يكثر ما يدعونا - قال هاشم : يكثر أن يدعونا - إلى رحله . قال : فقلت : (١) هو عند أبي داود رقم (٣٥٤٦) و(٤٥٦٢) و(٤٥٦٦) والترمذي رقم (١٣٩٠) و(١٥٨٥) والنسائي رقم (٢٥٣٩) و(٣٧٦٦) و(٤٨٦٦) وابن ماجه رقم (٢٦٥٥). (٢) قلت: بل ورد ذلك من حديث مجاهد عن ابن عمر، رواه ابن حبان (٥٩٩٦) بإسناد حسن، ويصلح أن يكون شاهداً للحديث الذي ذكره المؤلف (بشار) . (٣) في (( المسند)) (٤١٢/٣) و(٣٤٣/٤). رواه الترمذي رقم (١٦١١) في السّير: باب ما جاء ما قال النبي ◌ُّ له يوم فتح مكة: ((إن هذه لا تغزى بعد اليوم)). (٤) (٥) في (( دلائل النبوة)) (٥/ ٧٥) . (٦) رقم ( ١٧٨٢ ) . (٧) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤١٦/٢). (٨) (٥٣٨/٢)، وهو حديث صحيح . ٥٦٢ صفة دخوله - مية - مكَّة ألا أصنع طعاماً فأدعوهم إلى رحلي ؟ قال : فأمرت بطعام يصنع ، ولقيت أبا هريرة من العشاء . قال : قلت : يا أبا هريرة ، الدَّعوة عندي الليلة. قال: أستبقتني؟ ! - قال هاشم: قلت : نعم - قال : فدعوتهم فهم عندي . قال : فقال أبو هريرة : ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار ؟ قال : فذكر فتح مكة . قال : أقبل رسول الله ﴿ فدخل مكة . قال : فبعث الزبير على إحدى المجنِّتين ، وبعث خالداً على المجنِّبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحُسَّر، وأخذوا بطن الوادي ، ورسول الله بَّر في كتيبته . قال : وقد وبَّشت قريش أوباشها . قال : قالوا : نقدّم هؤلاء ، فإن كان لهم شيء كنا معهم ، وإن أُصيبوا أعطيناه الذي سئلنا. قال أبو هريرة: فنظر فرآني فقال: (( يا أبا هريرة)). فقلت: لبيك رسول الله. فقال: ((اهتف لي بالأنصار، ولا يأتيني إلا أنصاريٌّ)). فهتفت بهم، فجاؤوا فأطافوا برسول الله وَلا. قال: فقال رسول الله وَّل: ((أتَرون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟)) ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى : ((احصدوهم حصداً حتى توافوني بالصفا)) . قال : فقال أبو هريرة : فانطلقنا ، فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء ، وما أحد منهم يوجِّه إلينا منهم شيئاً . قال : فقال أبو سفيان : يا رسول الله، أُبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم قال: فقال رسول الله وَلي: «من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)). قال: فغلَّق الناس أبوابهم. قال: وأقبل رسول الله بَل إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت . قال : وفي يده قوس ؛ آخذ بسِية القوس . قال : فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه. قال: فجعل يطعُن بها في عينه ويقول: (( جاء الحقُّ وزهق الباطل)). قال : ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت ، فرفع يديه ، فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه . قال : والأنصار تحته . قال : يقول بعضهم لبعض : أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته . قال أبو هريرة : وجاء الوحي ، وكان إذا جاء لم يخف علينا ، فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله مَ ﴾ حتى يقضي . قال هاشم: فلما قضى الوحي رفع رأسه ، ثم قال: (( يا معشر الأنصار ، أقلتم : أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته؟)) قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله. قال: ((فما اسمي إذاً ؟! كلا ، إني عبد الله ورسوله ، هاجرت إلى الله وإليكم ، فالمحيا محياكم والممات مماتكم)) . قال : فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضِّنَّ بالله ورسوله. قال: فقال رسول الله وَله: ((إن الله ورسوله يصدِّقانكم ويعذِرانكم )) . وقد رواه مسلم والنَّسائيُّ(١) من حديث سليمان بن المغيرة ، زاد النَّسائيُّ: وسلام بن مسكين . (١) رواه مسلم رقم ( ١٧٨٠) (٨٤) و(٨٥) والنسائي في ((السنن الكبرى)) رقم (١١٢٩٨) من حديث سليمان بن المغيرة وسلام بن مسكين . ٥٦٣ صفة دخوله _ عية - مكَّة ورواه مسلم أيضا١ً) من حديث حَمَّاد بن سلمة ، ثلاثتهم عن ثابت ، عن عبد الله بن رباح الأنصاريِّ نزيل البصرة ، عن أبي هريرة به نحوه . وقال ابن هشام(٢): وحدَّثني - يعني بعض أهل العلم - أن فضالة بن عمير بن الملوّح، يعني الليثيَّ، أراد قتل النبيِّ وَّر وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله مَليل: ((أفضالة؟)) قال: نعم ، فضالة يا رسول الله. قال: ((ماذا كنت تحدِّث به نفسك؟)) قال: لا شيء، كنت أذكر الله. قال: فضحك النبيُّ وَّر ثم قال: ((استغفر الله)). ثم وضع يده على صدره ، فسكن قلبه ، فكان فضالة يقول : والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شي أحبّ إليَّ منه. قال فضالة : فرجعت إلى أهلي ، فمررت بامرأة كنت أتحدَّث إليها فقالت : هلمَّ إلى الحديث . فقال : لا . وانبعث فضالة يقول(٣) : [ من الكامل ] قالت هَلُمَّ إلى الحديث فقلت لا يأبى عليكِ اللهُ والإسلامُ بالفتح يوم تكسَّر الأصنامُ أو ما رأيت محمداً وقبيله والشِّرك يغشى وجهه الإظلامُ لرأيتِ دين الله أضحى بيِّناً قال ابن إسحاق(٤) : وحدَّثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، قال : خرج صفوان بن أمية يريد جدَّة ليركب منها إلى اليمن ، فقال عمير بن وهب : يا نبيَّ الله ، إن صفوان بن أمية سيد قومه ، وقد خرج هارباً منك ليقذف نفسه في البحر ، فأمِّنه يا رسول الله، صلَّى الله عليك. فقال: ((هو آمن)). فقال: يا رسول الله ، فأعطني آية يعرف بها أمانك. فأعطاه رسول الله بَّر عمامته التي دخل فيها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب في البحر ، فقال : يا صفوان ، فداك أبي وأمي ، الله الله في نفسك أن تهلكها ، هذا أمان من رسول الله وَّهِ وقد جئتك به ، قال : ويلك! اعزُب عني فلا تكلِّمني. قال : أي صفوان ، فداك أبي وأمي ، أفضل الناس وأبرُّ الناس وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك، ◌ِزُّه عزُّك وشرفه شرفك وملكه ملكك . قال : إني أخافه على نفسي . قال : هو أحلم من ذلك وأكرم . فرجع معه حتى وقف على رسول الله وَ له، فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمَّنتني. قال: ((صدق)). قال : فاجعلني بالخيار فيه شهرين. قال: (( أنت بالخيار أربعة أشهر)). ثم حكى ابن إسحاق(٥) ، عن الزهريِّ أن فاختة بنت الوليد امرأة صفوان ، وأمَّ حكيم بنت الحارث بن (١) رواه مسلم رقم (١٧٨٠) (٨٦) من حديث حَمَّاد بن سلمة . (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤١٧). الأبيات في (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤١٧) مع بعض الخلاف في ألفاظها؟. (٣) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢ /٤١٧). (٤) (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤١٨/٢) وما بين الحاصرتين مستدرك منها. ٥٦٤ صفة دخوله۔۔۔ ۔ مكَّة هشام امرأة عكرمة بن أبي جهل [ أسلمتا ] ، وقد ذهبت وراءه إلى اليمن ، فاسترجعتْه فأسلم ، فلما أسلما أقرَّهما رسول الله وَل تحتهما بالنكاح الأول. قال ابن إسحاق(١) : وحدَّثني سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال: رمى حسَّان ابنَ الزِّبعرى وهو بنجْرَان ببيت واحد ما زاد عليه : [ من الكامل ] لا تَعْدَمَنْ رجلاً أحلَّك بُغْضُه نجران في عيش أحذَّ لئيمٍ فلما بلغ ذلك ابن الزِّبعرى (٢)، خرج إلى رسول الله ◌َّليل فأسلم، وقال حين أسلم: [من الخفيف] راتِقٌ ما فتقتُ إذا أنا بُورُ يا رسول المَلِيْكِ إنَّ لساني ـيٍّ ومن مال ميله مثبورُ إذا أُباري الشيطان في سنن الغـ ثم قلبي الشّهيد أنت النَّذيرُ آمَنَ اللحم والعظام لربِّي إنني عنك زاجرٌ ثَمَّ حيّاً من لؤيٍّ وكلُّهم مغرورُ قال ابن إسحاق(٣): وقال عبد الله بن الزِّبعرى(٤) أيضاً حين أسلم : [من الكامل ] مَنَعَ الزُقَادَ بلابلٌ وهمومُ ممّا أتاني أنَّ أحمدَ لامني يا خير مَنْ حملت على أوصالها إني لمعتذر إليكَ من الذي أيام تأمرني بأغوى خُطَّةٍ وأَمُدُّ أسباب الرَّدى ويَقُودني فاليوم آمنَ بالنبيِّ محمدٍ مضت العَدَاوَةُ وانقضت أسبابها فاغفر فدئ لك والداي كلاهما وعليك من علم المليك عَلامةٌ أعطاكَ بعد محبة برهانَهُ والليل معتلجُ الرِّواق بهِيمُ فيه فبثُّ كأنني محمومُ عيرانةٌ سُرُعُ اليدين غَشومُ أَسْدَيْتَ إذ أنا في الضَّلالِ أَهيمُ سهمٌ وتأمرني بها مخزومُ أمر الغُواة وأمرهم مشؤومُ قلبي ومخطئ هذه محرومٌ ودعت أواصر بيننا وحلومُ زَلَلي فإنك راحمٌ مرحومُ نورٌ أغرّ وخاتم مختومُ شرفاً وبرهانُ الإله عظيمُ (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤١٨/٢). (٢) الأبيات مع ثلاثة أبيات أخرى في (( ديوان عبد الله بن الزبعرى)) ص (٣٦) بتحقيق الدكتور يحيى الجبوري ، طبع مؤسسة الرسالة ببيروت . (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤١٩/٢). (٤) الأبيات في (( ديوانه )) ص (٤٥ - ٤٦). ٥٦٥ ذكر عدد من شهد فتح مكة من المسلمين وما قيل من الشعر في ذلك حقٌّ وأنك في العباد جسیمُ ولقد شَهِدْتُ بأن دينكَ صادقٌ مستقبلٌ في الصَّالحين كَرِيمُ واللهُ يشهدُ أن أحمدَ مصطفىّ قَرْمٌ علا بنيانُه من هاشم فرعٌ تمكَّن في الذُّرى وأُرومُ قال ابن هشامُ(١) : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له . قلت : كان عبد الله بن الزِّنعرى السَّهْميُّ من أكبر أعداء الإسلام ، ومن الشعراء الذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين ، ثم مَنَّ الله عليه بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الإسلام والقيام بنصره والذَّبِّ عنه . * * * فصل قال ابن إسحاق(٢) : وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف ؛ من بني سُليم سبعمئة ، ويقول بعضهم : ألف . ومن بني غِفَار أربعمئة ، ومن أسلم أربعمئة ، ومن سُزَيْنَة ألف وثلاثة نفر ، وسائرهم من قريش والأنصارِ وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد . وقال عُرْوَة والزُّهريُّ وموسى بن عقبة: كان المسلمون يوم الفتح الذين مع رسول الله وَّر اثني عشر ألفاً، فالله أعلم . قال ابن إسحاق (٣) : وكان مما قيل من الشعر في يوم الفتح قول حَسَّان بن ثابت(٤): [من الوافر ] إلى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلَاءُ عَفَتْ ذاتُ الأصابعِ فالجِوَاءُ ديارٌ من بني الحَسْحَاسِ قَفْرٌ وكَانَتْ لا يَزَالُ بها أنيسٌ فَدَعْ هَذَا ولكن مَن لِطَيِفٍ تُعَفِيهَا الرَّوَامِسُ والسَّمَاءُ خِلالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وشاءُ يُؤرقني إذا ذَهَبَ العَشَاءُ فليس لقلبه منها شفاءٌ لشَعْشَاءَ التي قد تيَّمته يكونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ ومَاءُ فَهُنَّ لطيِّب الرَّاحِ الفِدَاءُ كأن خبيئةً من بيتِ رأسٍ إذا مَا الأَشْرِبَاتُ ذُكِرْنَ يوماً (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٢٠/٢). انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٢١). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٢١/٢). (٣) (٤) الأبيات فى ((ديوانه)) (١٧/١ - ١٨) مع بعض الخلاف في ألفاظها، وبعضها في ((معجم الشعراء من تاريخ مدينة دمشق)) (٢/ ١٥٣) بتحقيقي بالاشتراك مع مجموعة من الأصدقاء الأفاضل ، وإشراف أستاذنا العلامة الدكتور شاكر الفخَّام ، طبع دار الفكر بدمشق . ٥٦٦ ذكر ما قيل من الشعر في فتح مكة ونَشْرَبُهَا فَتْرُكُنَا ملوكاً. عَدِمْنَا خَيْلَنَا إِنْ لَمْ تَرَوْهَا يُنازعن الأعنَّة مصغياتٍ تَظَلُّ جِيادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ فَإِمَّا تُعرضوا عنَّا اعتمرنا وإلا فَاصْبِروا لجِلادِ يومِ وجِبريل رسولُ الله فِيْنَاً وقال اللهُ قد أرسلتُ عبداً شَهِدْتُ به فقوموا صدِّقوه وقال الله قد سيَّرت جُنْداً لنا في كل يوم من معدّ فنُحكم بالقَوافي من هَجَّانَا ألا أَبْلِغْ أبا سُفْيَانَ عنّي بأنَّ سيُوفنا تركتك عبداً هجوتَ محمداً فأجبت عنه أتهجوه وَلَسْتَ لَهُ بِكُفءٍ هجوتَ مباركاً براً حَنيْفاً أمن يهجو رَسُولَ الله مِنْكُم فإنَّ أبي ووالده وعِرْضي لِسَاني صَارِمٌ لا عَيْبَ فيهِ قال ابن هشامُ(١) : قالها حَسَّان قبل الفتح . نُولِّهَا الملامة إنْ ألمنا إذَا مَا كَانَ مَغْثٌ أو لِحَاءُ وأُسداً مَا يُنَّهْنِهُنَا اللقَاءُ تُثِيرُ النَّفْعَ موعدهَا كَدَاءُ على أكتافها الأَسَلُ الظَّمَاءُ يُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النِّسَاءُ وكان الفَتْحُ وانكشف الغِطَاءُ يعزُّ الله فيه من يشاءُ ورُوحِ القُدْسِ ليس لَهُ كِفَاءُ يقول الحَقَّ إن نفع البلاءُ فقُلْتُم لا نَقُوم ولا نَشَاءُ هُمُ الأَنْصَارُ عُرضتها اللقاءُ سِباب أو قِتَالٌ أو هِجَاءُ ونضربُ حينَ تختلطُ الدِّماءُ مغلغلة فقد برح الخَفَاءُ وعبد الدّار سَادَتُهَا الإماءُ وعند الله في ذاك الجَزَاءُ فشرُكما لخيركُما الفِدَاءُ أمينَ الله شِيْمَتُهُ الوفاءُ ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَوَاءُ لِعِرضِ مُحمدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ وبَحْري لا تُكَدّرهُ الدِّلاءُ قلت : والذي قاله متوجِّه ؛ لما في أثناء هذه القصيدة مما يدلُّ على ذلك، وأبو سُفْيَان المذكور في البيت هو أبو سفيان بن الحَارث بن عبد المطلب . قال ابن هشام(٢): وبلغني عن الزُّهري أنه قال: لما رأى رسول الله وَّ النساء يلطّمن الخيل بالخمُر ، تبسَّم إلى أبي بكر ، رضي الله عنه . (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٢٤/٢). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٢٤). ٥٦٧ ذكر ما قيل من الشعر في فتح مكة قال ابن إسحاق (١): وقال أنس بن زُنَيم الدُّئليُّ، يعتذر إلى رسول الله وَ لَه مما كان قال فيهم عمرو بن سالم الخُزَاعِيُّ - يعني لما جاء يستنصر عليهم، كما تقدَّم (٢): [من الطويل ] أأنتَ الذي تُهدَى معدٌّ بأمره وما حَمَلَتْ من ناقة فوق رَحْلها أحثَّ على خير وأسبغ نائلاً وأَكسى لبرد الخال قبل ابتذاله تعلَّمْ رسولَ الله أنك مُدركي تعلّمْ رسول الله أنك قادرٌ تعلَّم بأنَّ الرَّكب ركب عويمر ونبّوا رسول الله أني هجوته سوى أنني قد قُلت ويل امِّ فِتْيَةٍ أصابهمُ من لم يكن لدمائهم وإنك قد أخفرت إن كنت ساعياً ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا وسَلْمَى وسَلْمى ليس حيٌّ كمثله فإنِّيَ لا ديناً فتقت ولا دماً قال ابن إسحاق(٣) : وقال بجير بن زهير بن أبي سلمى في يوم الفتح(٤): [من الوافر ] نفَى أهلَ الحَبَلَّقِ(٥) كلَّ فجّ ضَربناهم بمكَّة يوم فتح النـ صَبَحْنَاهم بسبع من سُلَيم نَطَا أَكْتَافَهُمْ ضرباً وطعناً ترى بين الصُّفوف لها حفيفاً فرحنا والجياد تجول فيهم بل الله يهديهم وقال لك اشْهَدِ أبرّ وأوفى ذمَّة من محمدٍ إذا راح كالسيف الصَّقيل المُهَنَّدِ وأعطى لرأس السَّابق المتجرِّدِ وأن وعيداً منك كالأخذ باليدٍ على كلِّ صرم متهمين ومنجدٍ هم الكاذبون المخلفو كلِّ موعدٍ فلا حملت سوطي إليَّ إذاً يدي أصيبوا بنحس لا بطلق وأسعدٍ كفاء فعزَّت عبرتي وتبلُّدي بعبد بن عبد الله وابنة مهودٍ . جميعاً فإن لا تدمع العين أكمدٍ وإخوتهِ وهل مُلوك كأَعبدٍ هرقت تبيَّنْ عالم الحقِّ واقصدٍ مزينةُ غدوة وبنو خفافٍ بِيِّ الخيرِ بالبيضِ الخِفَافِ وألفٍ من بني عثمان وافٍ ورشقاً بالمُرَيَّشةِ اللِّطافِ كما انْصَاعَ الفُواق من الرِّصافِ بأرماح مقوَّمة الثّقافِ (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٢٤/٢ - ٤٢٥). الأبيات في ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٢٤). (٢) (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٢٥/٢). الأبيات في (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٥٩٥/٢). (٤) (٥) قال الخشني: الحبلق: الغنم الصغار. انظر ((شرح غريب السيرة النبوية)) (٨٧/٣). ٥٦٨ ذكر بعثه - حة - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة بعد الفتح وآبوا نادمين على الخلافِ فأُبنا غانمين بما اشتهينا مواثقنا على حُسنِ التَّصَافي وأعطينا رسولَ الله مِنَّا غَدَاةَ الرَّوعِ مِنَّا بانْصِرَافٍ وقَدْ سَمِعُوا مَقَالَتَنَا فهمُّوا وقال ابن هشامُ(١): وقال عباس بن مِزْدَاس السُّلميُّ في فتح مكة (٢): [ من الكامل] ألفٌ تسيل به البِطَاحِ مُسَوَّمُ منَّا بمكّة يوم فتح محمدٍ وشِعَارُهُمْ يَومَ اللِّقَاءِ مُقَدَّمُ نَصروا الرَّسُولَ وشَاهَدوا آیاتهِ ضَنْكٍ كأنَّ الهامَ فيه الحَنْتُمُ في منزل ثبتت به أَقْدَامُهُمْ حتى استقامَ لها الحِجَازُ الأَذْهَمُ جرَّت سَنَابِكَهَا بنجدٍ قَبْلَهَا حُكْم السيوفِ لنا وجدٌ مِزْحَمُ الله مَكَّنهُ لهُ وأذلَّه متطلِّعٌ ثُغَرَ المَكَارِمِ خِضْرِمُ عُودِ الرِّياسة شامخ عِرْزِيْنُهُ وذكر ابن هشام(٣) في سبب إسلام عباس بن مِزْدَاس ، أن أباه كان يعبد صنماً من حجارة يقال له : ضِمَار . فلما حضرته الوفاة أوصاه به ، فبينما هو يوماً يخدمه إذ سمع صوتاً من جوفه وهو يقول : [من الكامل ] أودى ضِمَارُ وعَاشَ أَهْلُ المَسْجِدِ قُل للقبائل من سُلَيم كلِّها بعدَ ابن مَرْيَمَ مِنْ قُرَيشٍ مُهتدي إِنَّ الذي ورث النّبُوّةَ والهُدى قبل الكِتَابِ إلى النَّبيِّ محمدٍ أودى ضِمَارُ وكان يُعْبَدُ مَرَّةً قال: فحرَّق عباس ضِمَاراً، ثم لحق برسول الله وَّر فأسلم. وقد تقدَّمت هذه القصة بكمالها في باب هواتف الجانِّ ، مع أمثالها وأشكالها ، ولله الحمد والمِنَّةُ . * ** بعثه- صلَّى الله عليه وسلّم - خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جَذِيْمَة من كِنَانَة قال ابن إسحاق(٤) : فحدَّثني حكيم بن حكيم بن عَبَّاد بن حنيف ، عن أبي جعفر محمد بن عليٍّ . (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٢٦/٢). (٢) الأبيات في ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٢٦/٢). (٣) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٢٧). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٢٨/٢). ٥٦٩ ذكر بعثه - ية - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة بعد الفتح قال: بعث رسول الله مح لول خالد بن الوليد حين افتتح مكّة داعياً، ولم يبعثه مقاتلاً ، ومعه قبائل من العرب ؛ سُلَيم بن منصور ومُدْلج بن مُرَّة ، فوطئوا بني جَذيمة بن عامر بن عبد مَنَاة بن كِنَانة ، فلمَّا رَآه القوم أخذوا السلاح ، فقال خالد : ضعوا السلاح ، فإن الناس قد أسلموا . قال ابن إسحاق(١): وحدَّثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بني جَذيمة قال: لمّا أمرنا خالد أن نضع السلاح ، قال رجل منا - يقال له : جحدم - : ويلكم يا بني جَذيمة ، إنه خالد ، والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق ، والله لا أضع سلاحي أبدا . قال : فأخذه رجال من قومه ، فقالوا : يا جحدم ، أتريد أن تسفك دماءنا ؟ إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب ، وأمن الناس . فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه ، ووضع القوم سلاحهم لقول خالد . قال ابن إسحاق(٢) : فحدثني حكيم بن حكيم ، عن أبي جعفر قال : فلمَّا وضعوا السِّلاح أمر بهم خالد [عند ذلك]، فَكُتِّوا، ثم عرضهم على السّيف، فقتل من قتل منهم ، فلمَّا انتهى الخبر إلى رسول الله ◌َِّ رفع يديه إلى السَّمَاء ثم قال: ((اللهمَّ إني أبرأ إليك ممَّا صنع خالد بن الوليد)(٣). قال ابن هشام: حدَّثني بعض أهل العلم أنه انفلت رجل من القوم، فأتى رسول الله وَ لَهُ فأخبره الخبر، فقال رسول الله وَ له: ((هَلْ أَنكَرَ عليه أحد؟)) فقال: نعم، قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة، فنهمه خالد(٤) ، فسكت عنه ، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب ، فراجعه فاشتدَّت مراجعتهما ، فقال عمر بن الخطاب : أمَّا الأول يا رسول الله ، فابني عبد الله ، وأمَّا الآخر فسالم مولى أبي حُذيفة . قال ابن إسحاق(٥): فحدَّثني حكيم بن حكيم، عن أبي جعفر قال: ثم دعا رسول الله وَّ عليّ بن أبي طالب فقال: (( يا عليُّ، اخرج إلى هؤلاء القوم ، فانظر في أمرهم ، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك)). فخرج عليٍّ حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله وَّر ، فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال حتى إنه لَيَدِي مِيلغة الكلب(٦) ، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مالٍ إلا وداه ، بقيت معه بقية من المال ، فقال لهم عليٍّ حين فرغ منهم : هل بقي لكم دم أو مال لم يُودَ لكم ؟ قالوا : لا . قال : فإني (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٢٩/٢). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٣٠/٢). ورواه بنحوه البخاري رقم ( ٤٣٣٩) في ((المغازي)): باب بعث النبي ◌ّل خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، (٣) والنسائي في ((المجتبى)) (٢٣٧/٨) في آداب القضاء: باب الردّ على الحاكم إذا قضى بغير الحق ، وأحمد في ((المسند)) (٢/ ١٥١) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وسيشير المؤلف إليه بعد قليل. أي: فزجره. انظر ((القاموس المحيط)) ( نهم). (٤) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٢٩/٢) . (٥) (٦) وهي عبارة عن إناءٍ من خشب يشرب منه كلب الحراسة عند أصحاب الأغنام. وانظر ((شرح غريب السيرة)) للخشني (٩٠/٣ ) . ٥٧٠ ذكر بعثه - مية - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة بعد الفتح أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطاً لرسول الله وَّل8 مما لا نعلم ولا تعلمون . ففعل، ثم رجع إلى رسول الله اَلَ فأخبره الخبر، فقال: ((أَصبتَ وأَحْسَنْتَ)). ثم قام رسول الله بَ ◌ّ فاستقبل القِبْلَةَ قائماً شاهراً يديه ، حتى إنه ليُرى ما تحت منكبيه يقول: (( اللهمَّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد)) ثلاث مرات . قال ابن إسحاق (١) : وقد قال بعض من يعْذِرُ خالداً: إنه قال : ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن خُذَافَة السَّهميُّ ، وقال : إن رسول الله وَ ل قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم من الإسلام. قال ابن هشام(٢): قال أبو عمرو المدينيُّ: لمَّا أتاهم خالد بن الوليد قالوا: صبأن(٣) صبأنا ، وهذه مرسلات ومنقطعات . وقد قال الإمام أحمد : حدَّثنا عبد الرَّزَّاق ، ثنا مَعْمَر ، عن الزُّهريِّ ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن ابن عمر قال: بعث رسول الله وَّر خالد بن الوليد إلى بني - أحسبه قال : - جَذيمة . فدعاهم إلى الإسلام ، فلم يُحسنوا أن يقولوا : أسلمنا ؛ فجعلوا يقولون : صبأنا صبأنا . وجعل خالد بهم أسراً وقتل٤ً) . قال : ودفع إلى كلِّ رجل منا أسيراً ، حتى إذا أصبح يوماً أمر خالد أن يقتل كلُّ رجل منَّا أسيره . قال ابن عمر : فقلت : والله لا أقتل أسيري ، ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره . قال : فقدموا على النبيِّ بَّرُ فذكروا له صنيع خالد، فقال النبيُّ نَّه ورفع يديه: ((اللهم إني أبرأ إليك ممَّا صنع خالد)) مرتين (٥) . ورواه البخاريُّ والنسائيُّ(٦) من حديث عبد الرزاق به نحوه . قال ابن إسحاق(٧): وقد قال لهم جَحْدَم لمَّا رأى ما يَصنع بهم خالد : يا بني جَذيمة ، ضاع الضَّرب ، قد كنت حذَّرتكم ما وقعتم فيه . قال ابن إسحاق(٨): وقد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف - فيما بلغني - كلام في ذلك ، فقال له عبد الرحمن : عملت بأمر الجاهلية في الإسلام ؟ فقال : إنما ثأَرتُ بأبيك . فقال عبد الرحمن : (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٣٠/٢). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٣١). (٣) قال ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٤١٥/٨): ((صبأ: إذا خرج من دين إلى دينٍ غيره)). (٤) أسراً وقتلاً ، بالنصب ، على أنه مفعول مطلق ، أي جعل يأسرهم أسراً ويقتلهم قتلاً . (٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٢/ ١٥٠ - ١٥١). (٦) رواه البخاري رقم (٤٣٣٩) والنسائي في ((المجتبى)) (٢٣٧/٨) وانظر التعليق المتقدم ص (٨٣٦). (٧) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٣١/٢). (٨) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٣١). ٥٧١ ذكر بعثه - * - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة بعد الفتح كذبتَ ، قد قتلت قاتل أبي ، ولكنك ثأرتَ بعمِّك الفاكه بن المغيرة . حتى كان بينهما شرٌّ ، فبلغ ذلك رسولَ اللهُ بَّه فقال: ((مهلاً يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أُحُدٌ ذهباً ثم أنفقتَه في سبيل الله ، ما أدركتَ غَدوة رجل من أصحابي ولا رَوحتَه )) . ثم ذكر ابن إسحاق (١) قصة الفَاكِه بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، عمّ خالد بن الوليد ، في خروجه هو وعوف بن عبدعوف (٢) بن عبد الحارث بن زُهرة، ومعه ابنه عبد الرحمن ، وعَفَّان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ، ومعه ابنه عثمان في تجارة إلى اليمن ، ورجوعهم ، ومعهم مال لرجل من بني جذيمة كان هلك باليمن ، فحملوه إلى ورثته ، فادَّعاه رجل منهم يقال له : خالد بن هشام . ولقيهم بأرض بني جذيمة فطلبه منهم قبل أن يصلوا إلى أهل الميِّت ، فأبوا عليه ، فقاتلهم فقاتلوه ، حتى قتل عَوف والفاكه وأخذت أموالهما ، وقتل عبد الرحمن قاتل أبيه خالد بن هشام ، وفرّ منهم عفَّان ومعه ابنه عثمان إلى مكة ، فهمَّت قريش بغزو بني جَذيمة ، فبعثت بنو جَذيمة يعتذرون إليهم بأنه لم يكن عن ملأ منهم ، وودَوا لهم القتيلين وأموالهما ، ووضعوا الحرب بينهم . يعني فلهذا قال خالد بن الوليد لعبد الرحمن : إنما ثأرتُ بأبيك . يعني حين قتلته بنو جَذيمة ، فأجابه بأنه قد أخذ ثأره وقتل قاتله ، وردّ عليه بأنه إنما ثأر بعمِّه الفاكه بن المغيرة حين قتلوه وأخذوا أمواله ، والمظنون بكلِّ منهما أنه لم يقصد شيئاً من ذلك ، وإنما يُقال هذا في وقت المخاصمة ، فإنما أراد خالد بن الوليد نُصرة الإسلام وأهله ، وإن كان قد أخطأ في أمر ، واعتقد أنهم ينتقصون الإسلام بقولهم : صبأنا صبأنا . ولم يفهم عنهم أنهم أسلموا ، فقتل طائفة كثيرة منهم وأسر بقيَّتهم ، وقتل أكثر الأسرى أيضاً ، ومع هذا لم يعزله رسول الله وَّجله، بل استمرَّ به أميراً، وإن كان قد تبرَّأ منه في صنيعه ذلك، وودَى ما كان جناه خطأ في دم أو مالٍ ، ففيه دليلٌ لأحد القولين بين العلماء في أن خطأ الإمام يكون في بيت المال لا في ماله ، والله أعلم ، ولهذا لم يعزله الصِّدِّيق حين قتل مالك بن نُوَيْرَة أيام الرِّدَّة، وتأوَّل عليه ما تأوّل حين ضرب عنقه واصطفى امرأته أمَّ تميم ، فقال له عمر بن الخطاب : اعزله ؛ فإن في سيفه رهقا . فقال الصديق : لا أغمد سيفاً سلَّه الله على المشركين(٣). وقال ابن إسحاق(٤) : حدَّثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ، عن الزهريِّ، عن ابن أبي (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٣١). (٢) مطبوع في ((السيرة النبوية)) لابن هشام الذي بين يدي و((الروض الأنف)) (١٢٩/٧): ((وعوف بن عبد مناف)) وهو خطأ، والصواب ما في كتابنا هنا. وانظر (( جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم ص (١٣١). (٣) لتمام الفائدة راجع ما ذكره ابن العماد الحنبلي في هذه القصة في ((شذرات الذهب)) (١٣٥/١ - ١٣٦) بتحقيقي . (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٣٣/٢). ٥٧٢ ذكر بعثه - ية - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة بعد الفتح حَذْرَد الأَسْلَميِّ قال : كنت يومئذٍ في خيل خالد بن الوليد ، فقال فتى من بني جَذيمة ، وهو في سنِّي ، وقد جُمِعَتْ يداه إلى عنقه برُمَّة ، ونسوة مجتمعات غير بعيد منه : يا فتى . فقلت : ما تشاء ؟ قال : هل أنت آخذ بهذه الرُّمَّة ، فقائدي إلى هؤلاء النِّسوة حتى أقضي إليهن حاجة ، ثم تردّني بعد ، فتصنعوا بي ما بدا لكم ؟ قال : قلت : والله ليسيرٌ ما طلبت . فأخذت برُمَّته فقدته بها ، حتى وقفته عليهن فقال : اسلَمي حُبَيش على نفد العيش (١): [من الطويل ] بحَلْيَةَ أو ألفيتُكُم بالخوانِقِ أَرِيتُكِ إذ طالبتُكُم فَوَجَدْتُكُمْ ألم يَكُ أهلاً أن يُنوَّل عاشقٌ فلا ذَنْبَ لي قَدْ قُلْتُ إذ أَهْلُنَا مَعاً أثيبي بودٌّ قبل أن تشحط النَّوى فإِنِّيَ لا ضيَّعتُ سِرَّ أَمَانَةٍ سوى أنَّ ما نال العَشيرة شَاغلٌ تكلّف إدلاج السُّرى والودائقِ أثيبي بودِّ قبل إحدى الصَّفائقِ وينأى الأمير بالحَبيب المُفَارقِ ولا رَاقَ عيني عنكِ بعدكِ رائقُ عن الودِّ إلا أن يكون التَّوامقُ(٢) قالت : وأنت فحُييت عشراً، وتسعاً وتراً ، وثمانياً تترى (٣). قال : ثم انصرفت به ، فضربت عنقه . قال ابن إسحاق(٤): فحدَّثني أبو فراس بن أبي سُنبلة الأسلميُّ، عن أشياخ منهم ، عمَّن كان حضرها منهم ، قالوا : فقامت إليه حين ضُرِبَتْ عنقه فأكبَّت عليه ، فما زالت تقبِّله حتى ماتت عنده . وروى الحافظ البيهقيُّ(٥) من طريق الحُمَيديِّ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الملك بن نوفل بن مُسَاحق ، أنه سمع رجلاً من مزينة يقال له : ابن عِصَام، عن أبيه قال: كان رسول الله وَّ إذا بعث سرية قال: ((إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم مؤذناً فلا تقتلوا أحداً)). قال: فبعثنا رسول الله وَ ليل في سرية وأمرنا بذلك ، فخرجنا قِبَل تهامة ، فأدركنا رجلاً يسوق بضعائن ، فقلنا له : أسلم . فقال : وما الإسلام؟ فأخبرناه به ، فإذا هو لا يعرفه ، قال : أفرأيتم إن لم أفعل ، ما أنتم صانعون ؟ قال : قلنا : نقتلك . فقال : فهل أنتم منظريّ حتى أدرك التَّعائن ؟ قال : قلنا : نعم ، ونحن مدركوك . قال : فأدرك الظَّعائن فقال: اسلمي حُبَيش قبل نفاد العيش . فقالت الأخرى: اسلم عشراً، وتسعاً وتراً ، وثمانياً تترى . ثم (١) الأبيات في ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٣٣/٢) و((الروض الأنف)) (٧/ ١٣١) وقال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر البيتين الاخرين منهما له . ((التوامق)) : الحب ، وفي هذا البيت والذي قبله إقواء . (٢) في رواية السُّهيلي في (( الروض الأنف)) بعض الخلاف عما هنا فراجعه . (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٣٤). (٤) (٥) في ((دلائل النبوة)) ( ١١٦/٥). ٥٧٣ ذكر بعث خالد بن الوليد لهدم العزّى ذكر الشعر المتقدِّم إلى قوله : وينأى الأمير بالحَبيب المفارق . ثم رجع إلينا فقال : شأنكم . قال : فقدَّمناه ، فضربنا عنقه . قال : فانحدرت الأخرى من هَوْدَجها ، فحنت عليه حتى ماتت . ثم روى البيهقيُّ(١) من طريق أبي عبد الرحمن النسائي ، ثنا محمد بن عليٍّ بن حرب المروزيُّ ، ثنا عليُّ بن الحُسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحويِّ، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس، أن رسول الله وَل بعث سرية فغنموا ، وفيهم رجل فقال لهم : إنِّي لست منهم ، إنِّي عشقت امرأة فلحقتها ، فدعوني أنظر إليها نظرة ، ثم اصنعوا بي ما بدا لكم . قال : فإذا امرأة أدماء طويلة ، فقال لها : اسلَمي حُبَيش قبل نفاد العيش . ثم ذكر البيتين بمعناهما . قال : فقالت : نعم فديتك . قال : فقدَّموه فضربوا عنقه ، فجاءت المرأة فوقعت عليه ، فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت، فلمَّا قدموا على رسول الله وَ ل أخبروه الخبر، فقال: ((أَمَا كَانَ فِيْكُمْ رَجُلٌ رَحِيْمٌ؟ )) . بعث خالد بن الوليد لهدم العُزَّى قال ابن جرير(٢) : وكان هدمها لخمس بقين من رمضان عامئذ . قال ابن إسحاق (٣): ثم بعث رسول الله ◌َ ﴿ خالد بن الوليد إلى العزَّى، وكانت بيتاً بنخلة يعظّمه قريش وكِنَانة ومُضر ، وكان سدنتها وحُجَّابُهَا من بني شيبان من بني سُلَيم حلفاء بني هاشم ، فلمَّا سمع حاجبها السُّلميُّ بمسير خالد بن الوليد إليها علَّق سيفه عليها ، ثم اشتدَّ في الجبل الذي هي فيه وهو يقول : [ من الطويل ] على خالد ألقي القناع وشمِّري أيا عُزَّ شُدّي شدَّة لا شَوَى لها فبوئي بإثم عاجلٍ أو تَنَصَّري أيا عُزَّ إن لم تقتُلي المرءَ خالداً قال : فلمَّا انتهى خالد إليها هدمها ، ثم رجع إلى رسول الله اليهود . وقد روى الواقديّ(٤) وغيره أنه لمَّا قدمها خالد لخمسٍ بقين من رمضان فهدمها ، ورجع فأخبر رسول الله وَله، فقال: ((ما رأيتَ؟)) قال: لم أرشيئاً، فأمره بالُّجوع، فلمَّا رجع خرجت إليه من ذلك البيت امرأة سوداء ناشرة شعرها تولول ، فعلاها بالسيف وجعل يقول : [ من الرجز ] (١) في ((دلائل النبوة)) (١١٧/٥). (٢) انظر ((تاريخ الطبري)) (٦٥/٣) بتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم، طبع دار المعارف بمصر. (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٣٦/٢) و((الروض الأنف)) (١٣٤/٧). (٤) انظر ((المغازي)) (٨٧٣/٣). ٥٧٤ ذكر مدة إقامته - مادة - بمكة يا عُزَّ كُفْرَانَك لا سُبحانَكِ إني رأيتُ اللهَ قَدْ أَهَانكِ ثم خرّب ذلك البيت الذي كانت فيه ، وأخذ ما كان فيه من الأموال ، رضي الله عنه وأرضاه ، ثم رجع فأخبر رسول الله وَّه، فقال: ((تلك العُزَّى ولا تُعْبَدُ أَبَدَاً)). وقال البيهقيُّ(١) : أنبأنا محمد بن أبي بكر الفقيه ، أنبأنا محمد بن أبي جعفر ، أنبأنا أحمد بن عليٍّ، ثنا أبو كُريب، عن ابن فُضيل، عن الوليد بن جُميع، عن أبي الطُّفيل قال: لمَّا فتح رسول الله ◌ِ ل مَكَّة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة ، وكانت بها العُزَّى ، فأتاها ، وكانت على ثلاث سَمُرات ، فقطع السَّمرات وهَدَمَ البيت الذي كان عليها، ثم أتى رسول الله وَ لّه فأخبره، فقال: ((ارجع فإنك لم تصنع شيئاً)). فرجع خالد ، فلمَّا نظرت إليه السَّدنة وهم حجَّابها ، أمعنوا هرباً في الجبل وهم يقولون: يا عُزَّى خَبِّليه ، يا عُزَّى عوِّريه ، وإلا فموتي برغم. قال: فأتاها خالد، فإذا امرأة عُرْيَانَةٌ ناشرةٌ شعرها، تحثو التُّراب على رأسها ووجهها، فعمَّمها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى النبي فأخبره، فقال: ((تلك العُزَّى)). فصل في مدة إقامته ، عليه السلام ، بمگَّة لا خلاف أنه ، عليه الصلاة والسلام، أقام بقية شهر رمضان يَقْصُرُ الصَّلاة ويُفطرُ ، وهذا دليل من قال من العلماء : إن المسافر إذا لم يجمع الإقامة فله أن يَقْصُرَ ويُفْطِرَ إلى ثمانية عشر يوماً في أحد القولين ، وفي القول الآخر ، كما هو مقرَّر في موضعه . قال البخاريُّ(٢) : ثنا أبو نُعيم، ثنا سفيان . (ح) وحدَّثنا قبيصة ، ثنا سفيان ، عن يحيى بن أبي إسحاق ، عن أنس بن مالك قال : أقمنا مع رسول الله وَ له عشراً نَقْصُرُ الصلاة. وقد رواه بقية الجماعة(٣) من طرق متعددة ، عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرميِّ البصريِّ، عن أنس به نحوه . (١) في ((دلائل النبوة)) (٧٧/٥). (٢) رواه البخاري رقم (٤٢٩٧) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه . (٣) هو عند مسلم رقم (٦٩٣) وأبو داود رقم (١٢٣٣) والترمذي رقم (٥٤٩) والنسائي في ((المجتبى)) (١٢١/٣) وابن ماجه رقم (١٠٧٧) وانظر ((جامع الأصول)) ( ٧٠١/٥). ٥٧٥ ذكر مدة إقامته - محادثة - بمكة ثم قال البخاريُّ(١): ثنا عبدان، ثنا عبد الله، أنبأنا عاصم، عن عِكْرِمَة ، عن ابن عباس قال : أقام رسول الله ماله بمكة تسعة عشر يوماً يصلي ركعتين . ورواه البخاريُّ أيضاً من وجه آخر - زاد البخاريُّ : وحصين كلاهما - وأبو داود ، والترمذيُّ ، وابن ماجه ، من حديث عاصم بن سليمان الأحول ، عن عكرمة ، عن ابن عباس به (٢). وفي لفظ لأبي داود : سبع عشرة . وحدَّثنا(٣) أحمد بن يونس ، ثنا أبو شهاب ، عن عاصم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : أقمنا مع رسول الله وٍَّ في سفرٍ تسع عشرة نَقْصُرُ الصلاة. وقال ابن عباس : فنحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة ، فإذا زدنا أتممنا . وقال أبو داود(٤) : ثنا إبراهيم بن موسى ، ثنا ابن عليَّة ، ثنا عليُّ بن زيد ، عن أبي نضرة ، عن عمران بن حصين قال: غزوت مع رسول الله بَّر وشهدت معه الفتح، فأقام ثماني عشرة ليلة لا يصلِّي إلا ركعتين، يقول: (( يا أهل البلد، صلُّوا أربعاً فإنا سَفْر)). وهكذا رواه الترمذيُّ(٥) من حديث عليٍّ بن زيد بن جدعان ، وقال : هذا حديث حسن صحيح. ثم روى أبو داود(٦) من حديث محمد بن إسحاق ، عن الزهريِّ ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : أقام رسول الله وَ لّر عام الفتح خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة . ثم قال : رواه غير واحد ، عن ابن إسحاق ، لم يذكروا ابن عباس . وقال ابن إدريس (٧) ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهريِّ ، ومحمد بن عليٍّ بن الحسين ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد الله بن أبي بكر، وعمرو بن شعيب، وغيرهم قالوا: أقام رسول الله وَلِله بمكة خمس عشرة ليلة . (١) في (( صحيحه )) رقم (٤٢٩٨) . (٢) رواه البخاري رقم (١٠٨٠) وأبو داود رقم (١٢٣٠) والترمذي رقم (٥٤٩) وابن ماجه رقم (١٠٧٥). (٣) القائل ( الإمام البخاري ) رقم (٤٢٩٩) . (٤) رقم (١٢٢٩) وفي سنده علي بن زيد بن جدعان ، وهو ضعيف . (٥) رواه الترمذي برقم (٥٤٥) بلفظ مختلف ، وفي سنده أيضاً علي بن زيد بن جدعان ، ولكن له شواهد يقوى بها . (٦) رقم (١٢٣١) وفي سنده ضعف . (٧) انظر ((المعرفة والتاريخ)) للفسوي (٢٩٦/٣). فصل فيما حكم به صلَّى الله عليه وسلَّم بمكّة من الأحكام قال البخاريٌّ(١): حدَّثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبيِّ الَّة . (ح) وقال اللّيث(٢): حدَّثني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عُروة بن الزبير ، أن عائشة قالت: كان عُتبة بن أبي وقّاص عهد إلى أخيه سعد أن يقبض ابن وليدة زمعة ، وقال عُتبة : إنه ابني . فلمَّا قدم رسول الله وَ الر مكة في الفتح، أخذ سعد بن أبي وقاص ابن وليدة زمعة، فأقبل به إلى رسول الله والص خلقه ، وأقبل معه عبد بن زمعة ، فقال سعد بن أبي وقاص : هذا ابن أخي ، عهد إليَّ أنه ابنهُ ، فقال عبد بن زمعة: يا رسول الله، هذا أخي، هذا ابن زمعة ولد على فراشه. فنظر رسول الله وَل إلى ابن وليدة زمعة، فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقَّاص، فقال رسول الله وَّمَ: ((هو لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة، من أجل أنه ولد على فراشه)). وقال رسول الله وَل: ((احتجبي منه يا سودة)). لما رأى من شبه عتبة بن أبي وقّاص . قال ابن شهاب، قالت عائشة: قال رسول الله وَظله: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)). قال ابن شهاب : وكان أبو هريرة يصرِّح بذلك . وقد رواه البخاريُّ أيضاً ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذيُّ ، جميعاً عن قتيبة ، عن الليث به . وابن ماجه من حديثه (٣) ، وانفرد البخاريُّ بروايته له من حديث مالك ، عن الزهريِّ . ثم قال البخاريّ(٤) : ثنا محمد بن مقاتل ، أنبأنا عبد الله ، أنا يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير ، أن امرأة سرقت في عهد رسول الله و سير في غزوة الفتح ، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه. قال عروة: فلمَّا كلَّمه أسامة فيها، تلوَّن وجه رسول الله و له وقال: ((أتكلِّمني في حدٍّ من حدود الله؟!)) فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلمَّا كان العشيُّ قام رسول الله وَل خطيباً فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: (( أمَّا بعد ، فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ ، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد (١) رواه البخاري رقم (٤٣٠٣). (٢) ووصله الذهلي في ((الزهريات)). قاله الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (٨/ ٢٤). (٣) رواه البخاري رقم (٢٢١٨) ومسلم (١٤٥٧) من طريق الليث عن الزهري به ، ليس بينهما يونس ، وأخرجه أبو داود ( ٢٢٧٣) وابن ماجه رقم (٢٠٠٤) من طريق ابن عيينة عن الزهري ولم نقف عليه في الترمذي . (٤) في (( صحيحه )) رقم (٤٣٠٤) . ٥٧٧ ذكر ما حكم به ـ عة - بمكة من الأحكام سرقت لقطعت يدها)). ثم أمر رسول الله وعليه بتلك المرأة فقطعت يدها ، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوَّجت، قالت عائشة: فكانت تأتيني بعد ذلك فأَرفع حاجتها إلى رسول الله وتعليم . وقد رواه البخاريُّ في موضع آخر ، ومسلمُ(١) من حديث ابن وهب ، عن يونس ، عن الزّهريِّ، عن عروة ، عن عائشة به . وفي ((صحيح مسلم (٢) من حديث سبرة بن معبد الجُهنيِّ قال: أمرنا رسول الله وَ له بالمتعة عام الفتح حين دخل مكة ، ثم لم يخرج حتى نهانا عنها. وفي رواية فقال: (( ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة)) . وفي رواية في ((مسند أحمد)) و((السنن)) أن ذلك كان في حجة الوداع(٣) ، فالله أعلم . وفي ((صحيح مسلم )(٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يونس بن محمد ، عن عبد الواحد بن زياد ، عن أبي العُميس ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه أنه قال: رخّص لنا رسول الله وَّةٍ عام أوطاس في متعة النساء ثلاثاً ، ثم نهانا عنها . قال البيهقيُّ(٥) : وعام أوطاس هو عام الفتح ، فهو وحديث سبرة سواء . قلت : من أثبت النَّهي عنها في غزوة خيبر قال : إنها أبيحت مرتين وحرِّمت مرتين ، وقد نصَّ على ذلك الشافعيُّ وغيره . وقد قيل : إنها أبيحت وحرِّمت أكثر من مرتين ، فالله أعلم . وقيل : إنها حرِّمت مرة واحدة ، وهي هذه المرة في غزوة الفتح . وقيل : إنها إنما أبيحت للضرورة . فعلى هذا إذا وجدت ضرورة أبيحت ، وهذا رواية عن الإمام أحمد(٦) ، وقيل : بل لم تحرَّم مطلقاً ، وهي على الإباحة . هذا هو المشهور عن ابن عباس وأصحابه وطائفة من الصحابة ، وموضع تحرير ذلك في (( الأحكام )). (١) رواه البخاري رقم (٢٦٤٨) و(٦٨٠٠) ومسلم رقم (١٦٨٨). (٢) رقم (١٤٠٦) (٢٢) وقد أطال الإمام ابن القيم الكلام حول هذا الموضوع بما لا مزيد عليه في كتابه العظيم ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ( ٤٠٣/٣ - ٤٠٧) فليراجع . رواه أحمد في ((المسند)) (٤٠٤/٣) وأبو داود رقم (٢٠٧٢) والنسائي في ((السنن الكبرى)) رقم (٥٥٤١) وابن (٣) ماجه (١٩٦٢) وهذه الرواية مخالفة لما قبلها ، فهي شاذة . (٤) رقم (١٤٠٥) (١٨). (٥) في (( دلائل النبوة)) (٨٩/٥). (٦) وقد سلف قول المؤلف رحمه الله في الكلام على غزوة خيبر ص (٤١٢) أنها رواية ضعيفة عن الإمام أحمد ولا تصح أيضاً عنه . فصل قال الإمام أحمد(١): حدّثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج، أنبأنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، أن محمد بن الأسود بن خلف أخبره أن أباه الأسود رأى رسول الله وص له يبايع الناس يوم الفتح. قال : جلس عند قرن مسقلة ، فبايع الناس على الإسلام والشهادة . قال : قلت : وما الشهادة ؟ قال : أخبرني محمد بن الأسود بن خلف أنه بايعهم على الإيمان بالله ، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله . تفرد به أحمد . وعند البيهقي: فجاءه الناس ؛ الكبار والصغار ، والرجال والنساء ، فبايعهم على الإسلام والشهادة. وقال ابن جرير(٢): ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله وَ ل على الإسلام، فجلس لهم - فيما بلغني - على الصَّفا ، وعمر بن الخطاب أسفل من مجلسه ، فأخذ على الناس السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا . قال : فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء ، وفيهن هند بنت عتبة متنقّة متنكِّرة بحديثها ؛ لما كان من صنيعها بحمزة ، فهي تخاف أن يأخذها رسول الله وَ لوبحدثها ذلك ، فلما دنين من رسول الله وقاية ليبايعهن قال: ((بايعني على أن لا تشركن بالله شيئاً)). فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه على الرجال. قال: (( ولا تسرقن)) . فقالت: والله إني كنت أصبت من مال أبي سفيان الهَنة بعد الهنة ، وما كنت أدري أكان ذلك حلالاً لي أم لا ؟ فقال أبو سفيان ، وكان شاهداً لما تقول : أما ما أصبتِ فيما مضى فأنت منه في حلِّ. فقال رسول الله مَّه: ((وإنك لهند بنت عتبة؟!)) قالت: نعم، فاعف عما سلف، عفا الله عنك. ثم قال: ((ولا تزنين)) . فقالت: يا رسول الله ، وهل تزني الحرة ؟! ثم قال: (( ولا تقتلن أولادكن)) . قالت : قد ربَّيناهم صغاراً، وقتلتهم ببدر كباراً، فأنت وهم أعلم . فضحك عمر بن الخطاب حتى استغرب، ثم قال: (( ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن)). فقالت: والله إنَّ إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التَّجاوز أمثل. ثم قال: ((ولا تعصيني)). فقالت: في معروف. فقال رسول الله بَ له العمر: ((بايعهن واستغفر لهن الله، إن الله غفور رحيم)). فبايعهن عمر، وكان رسول الله وَ ل﴿ لا يصافح النساء، ولا يمسُّ إلا امرأة أحلّها الله له ، أو ذات محرم منه. وثبت في (( الصحيحين)(٣) عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها قالت : لا والله ما مسَّت يد رسول الله وَ لّ يد امرأة قطُ. (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤١٥/٣). (٢) انظر ((تاريخ الطبري)) (٦١/٣). (٣) رواه البخاري رقم (٤٨٩١) و(٥٢٨٨) و(٧٢١٤) ومسلم رقم ( ١٨٦٦). ٥٧٩ ذكر ما حكم به - ع - بمكة من الأحكام وفي رواية : ما كان يبايعهن إلا كلاماً ويقول: ((إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمئة امرأة)(١) وفي (( الصحيحين)(٢) عن عائشة، أن هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان أتت رسول الله - لا فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح ، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بَنيَّ ، فهل عليَّ من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه ؟ قال: (( خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك )) . وروى البيهقيُّ(٣) ، من طريق يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، أن هند بنت عتبة قالت : يا رسول الله ، ما كان مما على وجه الأرض أخباء أو أهل خِباء - الشكُّ من ابن بكير - أحبّ إليَّ من أن يذلُّوا من أهل أخبائك - أو خِبائك - ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل أخباء - أو خِباء - أحبّ إليَّ من أن يعزُّوا من أهل أخبائك - أو خبائك -. فقال رسول الله وَل : (( وأيضا والذي نفس محمد بيده)) . قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مسيك ، فهل عليَّ حرج أن أطعم من الذي له ؟ قال: ((لا، إلا بالمعروف)). ورواه البخاريُّ(٤) ، عن يحيى بن بكير بنحوه ، وتقدَّم ما يتعلَّق بإسلام أبي سفيان . وقال أبو داود(٥) : ثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله يوم فتح مكة: ((لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا». ورواه البخاريُّ(٦) ، عن عثمان ابن أبي شيبة ، ومسلم عن يحيى بن يحيى ، عن جرير . وقال الإمام أحمد(٧) : ثنا عفان ، ثنا وهيب ، ثنا ابن طاوس ، عن أبيه ، عن صفوان بن أمية أنه قيل له : إنه لا يدخل الجنة إلا من هاجر. فقلت له: لا أدخل منزلي حتى آتي رسول الله وي ليم فأسأله . فأتيته فذكرت له فقال: ((لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا)) . تفرد به أحمد . وقال البخاريُّ(٨): ثنا محمد بن أبي بكر ، ثنا الفضيل بن سليمان ، ثنا عاصم ، عن أبي عثمان النَّهديِّ، عن مجاشع بن مسعود قال: انطلقت بأبي معبدٍ إلى النبيِّ وَلَهَ ليبايعه على الهجرة ، فقال: (١) وهي عند الترمذي رقم (١٥٩٧) والنسائي (١٤٩/٧) وأحمد في ((المسند)) (٣٥٧/٦) وإسناده صحيح . (٢) رواه البخاري رقم (٢٢١١) و(٥٣٦٤) و(٥٣٨٠) و(٧١٨٠) ومسلم رقم (١٧١٤). (٣) في ((دلائل النبوة)) (١٠٠/٥). في « صحيحه » رقم (٦٦٤١). (٤) (٥) في « سننه )) رقم (٢٤٨٠) . (٦) في « صحيحه )) رقم (١٨٣٤)، ومسلم في ( صحيحه )) رقم (١٣٥٣). (٧) رواه أحمد فى ((المسند)) (٤٠١/٣) و(٤٦٥/٦)، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده . (٨) في ((صحيحه)) رقم (٤٣٠٧) و(٤٣٠٨). ٥٨٠ ذكر ما حكم به - ٣٦ - بمكة من الأحكام (( مضت الهجرة لأهلها، أَبايعه على الإسلام والجهاد )) . فلقيت أبا معبدٍ فسألته ، فقال : صدق مجاشع . وقال خالد ، عن أبي عثمان عن مجاشع ، أنه جاء بأخيه مجالد . وقال البخاريُّ(١): ثنا عمرو بن خالد، ثنا زهير، ثنا عاصم ، عن أبي عثمان قال: حدَّثني مجاشع قال: أتيت رسول الله وَير بأخي بعد يوم الفتح فقلت: يا رسول الله، جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة ، قال: ((ذهب أهل الهجرة بما فيها)). فقلت: على أي شيء تبايعه؟ قال: (( أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد )). فلقيت أبا معبد بعد، وكان أكبرهما سنّاً ، فسألته ، فقال : صدق مجاشع . وقال البخاريٌ (٢): ثنا محمد بن بشّار، ثنا غندر ، ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن مجاهد قال : قلت لابن عمر : أريد أن أهاجر إلى الشام . فقال : لا هجرة ، ولكن جهاد ، انطلق فاعرض نفسك ، فإن وجدت شيئاً وإلا رجعت . وقال النَّضر : أنا شعبة ، أنا أبو بشر ، سمعت مجاهداً قال : قلت لابن عمر ، فقال: لا هجرة اليوم - أو بعد رسول الله وَلهـ ... مثله. حدَّثنا٣) إستحاق بن يزيد ، ثنا يحيى بن حمزة ، حدَّثني أبو عمرو الأوزاعيُّ ، عن عبدة بن أبي لبابة ، عن مجاهد بن جبر ، أن عبد الله بن عمر قال : لا هجرة بعد الفتح . وقال البخاريُّ(٤) : ثنا إسحاق بن يزيد، أنا يحيى بن حمزة، أنا الأوزاعيُّ ، عن عطاء بن أبي رباح قال : زرت عائشة مع عبيد بن عمير ، فسألها عن الهجرة فقالت : لا هجرة اليوم ، كان المؤمن يفرُّ أحدهم بدينه إلى الله، عزَّ وجلَّ، وإلى رسوله بَّر ؛ مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام ، فالمؤمن يعبد ربَّه حيث يشاء ، ولكن جهاد ونيّة . وهذه الأحاديث والآثار دالة على أن الهجرة - إما الكاملة أو مطلقاً - قد انقطعت بعد فتح مكة ؛ لأن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً ، وظهر الإسلام وثبتت أركانه ودعائمه ، فلم تبق هجرة ، اللهمَّ إلا أن يعرض حال يقتضي الهجرة بسبب مجاورة أهل الحرب ، وعدم القدرة على إظهار الدين عندهم ، فتجب الهجرة إلى دار الإسلام ، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء ، ولكنَّ هذه الهجرة ليست كالهجرة قبل الفتح ، كما أن كلاً من الجهاد والإنفاق في سبيل الله مشروع ومرغَّب فيه إلى يوم القيامة ، ولكن ليسٍ كالإنفاق ولا الجهاد قبل الفتح، فتح مكة. قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَلْ أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىّ﴾ الآية [ الحديد: ١٠]. (١) في ((صحيحه)) رقم (٤٣٠٥) و(٤٣٠٦). (٢) في ((صحيحه)) رقم (٤٣٠٩) و(٤٣١٠). (٣) القائل هو الإمام البخاري، والحديث في ((صحيحه)) رقم (٤٣١١) . (٤) في ((صحيحه)) رقم (٤٣١٢) .