Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ ذكر غزوة بني قريظة إليهم. قال النبي ◌ِّر: ((فأين؟)) فأشار إلى بني قريظة، فأتاهم رسول الله وَ لَه فنزلوا على حكمه، فردَّ الحكم إلى سعد ، قال : فإنِّي أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة ، وأن تسبى النساء والذُّرِّيَّة ، وأن تقسم أموالهم . قال هشام : فأخبرني أبي ، عن عائشة ، أن سعداً قال : اللهم إنَّك تعلم أنه ليس أحد أحبّ إليَّ أن أجاهدهم فيك ، من قوم كذّبوا رسولك وأخرجوه ، اللهم فإني أظنّ أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم ، فإن كان بقي من حرب قريش شيء ، فأبقني له حتى أجاهدهم فيك ، وإن كنت وضعت الحرب ، فافجرها واجعل موتي فيها . فانفجرت من ليّته (١) فلم يرُعهم ، وفي المسجد خيمة من بني غِفَار ، إلّا الدَّمُ يسيل إليهم ، فقالوا : يا أهل الخيمة ، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم ؟ فإذا سعد يغذو (٢) جرحه دماً ، فمات منها . وهكذ رواه مسلم(٣) من حديث عبد الله بن نُمير ، به . قلت : كان دعا أولًا بهذا الدعاء قبل أن يحكم في بني قريظة ، ولهذا قال فيه : ولا تمتني حتى تقرَّ عيني من بني قريظة ، فاستجاب الله له ، فلما حكم فيهم ، وأقرَّ الله عينه أتمَّ قرارٍ ، دعا ثانياً بهذا الدعاء ، فجعلها الله له شهادة ، رضي الله عنه وأرضاه . وسيأتي ذكر وفاته قريباً ، إن شاء الله . وقد رواه الإمام أحمد(٤) من وجه آخر ، عن عائشة مطولاً جداً ، وفيه فوائد ، فقال : ثنا يزيد ، أنبأ محمد بن عمرو ، عن أبيه ، عن جدِّه علقمة بن وقّاص قال : أخبرتني عائشة ، قالت : خرجت يوم الخندق أقفو الناس ، فسمعت وئيد الأرض ورائي ، فإذا أنا بسعد بن معاذ ، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنّة . قالت : فجلست إلى الأرض ، فمرَّ سعد وعليه درع من حديد ، قد خرجت منها أطرافه ، فأنا أتخوَّف على أطراف سعد . قالت : وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم ، فمرَّ وهو يرتجز ويقول : [ من الرجز ] لَبِّثْ قليلاً يُدرك الهيجا حَمَلْ مَا أَحْسَنَ الموتَ إذا حَانَ الأَجَلْ قالت : فقمت فاقتحمت حديقة ، فإذا فيها نفر من المسلمين ، وإذا فيهم عمر بن الخطاب ، وفيهم رجل عليه تسبغة(٥) له ؛ تعني المغفر ، فقال عمر : ما جاء بك ، والله إنكِ لجريئة ، وما يؤمنكِ أن يكون بلاءٌ أو يكون تحوُّز . فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ فدخلت فيها ، فرفع الرجل التسبغة(٦) عن وجهه ، فإذا هو طلحة بن عبيد الله ، فقال : يا عمر ، ويحك ، إنك قد أكثرت منذ اليوم ، (١) اللَّبَّة: موضع القلادة من الصدر انظر ((فتح الباري)) (٤١٥/٧). (٢) أي : يسيل . (٣) رواه مسلم رقم (١٧٦٩) . رواه أحمد في ((المسند)) (٦/ ١٤١). (٤) في (ط): ((سبغة)) وما جاء في (أ) هو الصواب. وانظر ((لسان العرب)) (سبغ). (٥) (٦) في (ط): ((السبغة)). ٣٢٢ ذكر غزوة بني قريظة وأين التحوُّز أو الفرار إلَّ إلى الله عزَّ وجلَّ؟ قالت : ويرمي سعداً رجل من قريش ، يقال له : ابن العَرِقة . وقال : خذها وأنا ابن العَرِقَة . فأصاب أكحله فقطعه ، فدعا الله سعد ، فقال : اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة . قالت : وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية . قالت : فرقا كَلْمُهُ ، وبعث الله الرِّيح على المشركين، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيِزًا (٤)﴾ [الأحزاب: ٢٥]. فلحق أبو سفيان ومن معه بتِهَامة، ولحق عُيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصّنوا في صياصيهم (١) ، ورجع رسول الله وَّل إلى المدينة، وأمر بقيّة من أَدَم فضربت على سعد في المسجد. قالت : فجاءه جبريل ، وإنَّ على ثناياه لنقعَ الغبار ، فقال: أقد وَضَّعْتَ السلاح؟ لا والله ما وضعتِ الملائكة السلاح بعدُ ، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم. قالت: فلبس رسول الله وَّرَ لأَمَتَهُ، وأَذَّن في الناس بالرَّحيل أن يخرُجوا، فمرَّ على بني غَنْم ، وهم جيران المسجد حوله ، فقال: (( من مرَّ بكم ؟ )) قالوا: مرَّ بنا دِخْيَةُ الكلبيُّ. وكان دِحْيَةُ الكلبيُّ تشبه لحيته وستُّه ووجهه جبريل، عليه السلام، فأتاهم رسول الله اله فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة ، فلمَّا اشتد حصرهم واشتدَّ البلاء ، قيل لهم : انزلوا على حكم رسول الله وَّ. فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر ، فأشار إليهم أنَّه الذَّبحِ، قالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ. فقال رسول الله ومثل: ((انزلوا على حكم سعد بن معاذ)). فأتي به على حمار عليه إكاف من ليف، قد حمل عليه وحفّ به قومه ، فقالوا : يا أبا عمرو ، حلفاؤك ومواليك وأهل النِّكاية ومن قد علمت . قالت : ولا يرجع إليهم شيئاً ، ولا يلتفت إليهم ، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه ، فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم . - قال: قال أبو سعيد: فلما طلع قال رسول الله وَل: ((قوموا إلى سيِّدكم فأنزلوه)). قال عمر: سيدنا الله . - قال: ((أنزلوه)). فأنزلوه، قال رسول الله وَليل: ((احكم فيهم)) . فقال سعد : فإنِّي أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم ، وتُسبى ذراريهم ، وتقسم أموالهم . فقال رسول الله وحملة: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله)). ثم دعا سعد، فقال: اللهمّ إن كنتَ أبقيت على نبيِّك ◌َ * من حرب قريش شيئاً ، فأبقني لها ، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم ، فاقبضني إليك . قالت : فانفجر كلْمُه ، وكان قد برىء حتى لا يرى منه إلَّ مثل الخرص ، ورجع إلى قبَّته التي ضرب عليه رسول الله وَ له. قالت عائشة: فحضره رسول الله وَ له وأبو بكر وعمر. قالت : فوالذي نفس محمد بيده ، إنِّي لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي ، وكانوا كما قال الله تعالى : ﴿ رُحَاءُ بَيْنَهُمَّ﴾ [الفتح: ٢٩]. قال علقمة: فقلت: يا أُمَّه، فكيف كان رسول الله وم له يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ، ولكنَّه إذا وجد ، فإنَّما هو آخذ بلحيته . وهذا الحديث إسناده جيد(٢) ، وله شواهد من وجوه كثيرة . وفيه التَّصريح بدعاء سعد مرتين ؛ مرَّة (١) أي : في حصونهم . (٢) عمرو بن علقمة مجهول ، لكن الحديث له شواهد كما قال المصنف رحمه الله ، دون قوله : كانت عينه لا تدمع على أحد، فهي مخالفة لما رواه البخاري (١٣٥٣) عن رسول الله ويلية أن عينيه دمعتا عند وفاة ابنه إبراهيم. ٣٢٣ ذكر غزوة بني قريظة قبل حكمه في بني قريظة ، ومرة بعد ذلك كما قلناه أولاً ، ولله الحمد والمنّة ، وسنذكر كيفية وفاته (١) ودفنه وفضله في ذلك ، رضي الله عنه وأرضاه ، بعد فراغنا من القصة . قال ابن إسحاق(٢): ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله وَّر بالمدينة في دار بنت الحارث، امرأة من بني النَّجَّار . - قلت: هي نسيبة بنت الحارث بن كرز بن حبيب بن عبد شمس ، وكانت تحت مسيلمة الكذَّاب، ثم خلف عليها عبد الله بن عامر بن كريز . ثم خرج إلى سوق المدينة ، فخندق بها خنادق ، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق ، فخُرج بهم إليه أرسالًا ، وفيهم عدؤُ الله حييُّ بن أخطب ، وكعب بن أسد ، رأس القوم ، وهم ستُّمئة أو سبعمئة ، والمكثِّر لهم يقول : كانوا ما بين الثمانمئة والتِّسعمئة. قلت : وقد تقدَّم فيما رواه اللَّيث، عن أبي الزُبير ، عن جابر ، أنَّهم كانوا أربعمئة ، فالله أعلم . قال ابن إسحاق (٣): وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يُذْهَبُ بهم إلى رسول الله وَّل أرسالًا: يا كعب، ما تُراه يُصنع بنا ؟ قال : أفي كلِّ موطن لا تعقلون ! ألا ترون الداعي لا ينزع! وأنَّه من ذهب به منكم لا يرجع ، هو والله القتل . فلم يزل ذلك الدَّأب حتى فرغ منهم ، وأُتي بحييٍّ بن أخطب وعليه حلَّة له فُقّاحيَّة، قد شقَّها عليه من كلِّ ناحية قدر أنملةٍ ؛ لئلا يُسلبها ، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ، فلمَّا نظر إلى رسول الله وسلم قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنَّه من يخذل الله يخذل. ثم أقبل على الناس فقال : أيُّها الناس ، إنَّه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل . ثم جلس فضربت عنقه ، فقال جبل بن جؤَّال الثَّعلبيُّ: [ من الطويل ] لعمرك ما لام ابنُ أخطب نفسه ولكنَّه من يخذُل الله يُخْذَلِ لجاهد حتى أبلغ النَّفس عُذرها وقَلْقَل يبغي العِزَّ كلَّ مُقَلْقَلٍ وقد ذكر ابن إسحاق(٤) قصة الزَّبِير بن باطا ، وكان شيخاً كبيراً ، وكان قد منَّ يوم بعاث على ثابت بن قيس بن شمَّاس ، وجزَّ ناصيته ، فلمَّا كان هذا اليوم أراد أن يكافئه فجاءه فقال : هل تعرفني يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : وهل يجهل مثلي مثلك ؟ فقال له ثابت: أُريد أن أُكافئك. فقال: إنَّ الكريم يجزي [ الكريم]. فذهب ثابت إلى رسول الله وسلم فاستطلقه؛ فأطلقه له، ثم جاءه فأخبره، فقال: شيخ كبير لا أهل [ له ] ولا ولد، فما يصنع بالحياة؟ فذهب إلى رسول الله وَ لّ فاستطلق له امرأته وولده ، فأطلقهم له، ثم جاءه ، فأخبره فقال : أهل [ بيت ] بالحجاز لا مال [ لهم ] ، فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت إلى رسول الله وَ﴿ فاستطلق مال الزَّبِير بن باطا، فأطلقه له ، ثم جاءه فأخبره ، فقال له : يا ثابت ، ما فعل (١) أي وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه . (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢ / ٢٤٠). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٤١). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٤٢). ٣٢٤ ذكر غزوة بني قريظة الذي كان وجهه مرآة صينيَّة تتراءى فيها عذارى الحيّ ؟ يعني كعب بن أسد . قال : قتل . قال : فما فعل سيِّد الحاضر والبادي حُييُّ بن أخطب؟ قال: قتل. قال: فما فعل مقدِّمتنا إذا شددنا١) وحاميتنا إذا فررنا ؛ عزَّال بن شموأل ؟ قال : قتل . قال : فما فعل المجلسان ؟ يعني بني كعب بن قُريظة وبني عمرو بن قُريظة . قال : ذهبوا قتلوا . قال : فإنِّي أسألك يا ثابت ، بيدي عندك ، إلّ ألحقتني بالقوم ، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير ، فما أنا بصابر الله فيلة دلو ناضح حتى ألقى الأحبَّة . فقدَّمه ثابت فضربت عنقه ، فلمَّا بلغ [ أبا بكر ] الصدِّيق قوله: ألقى الأحبّة . قال: يلقاهم والله في نار جهنم خالداً فيها مخلّداً . قال ابن إسحاق: ((فيلة)). بالفاء [ والياء المثنَّة من أسفل ]. وقال ابن هشام(٢): بالقاف والباء الموحّدة. وقال ابن هشام : الناضح : البعير الذي يستقي الماء لسقي النَّخل . وقال أبو عُبيدة : معناه إفراغة دلو . قال ابن إسحاق (٣): وكان رسول الله وَّل قد أمر بقتل [ كلِّ] من أنبت منهم، فحدَّثني شعبة بن الحجّاج، عن عبد الملك بن عمير ، عن عطيّة القرظيِّ قال: كان رسول الله وَ ل قد أمر أن يقتل من بني قريظة كلُّ من أنبت [ منهم ] ، وكنت غلاماً ، فوجدوني لم أُنْبت فخلَّوا سبيلي . ورواه أهل ((السنن الأربعة(٤) ))، من حديث عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظيِّ نحوه . وقد استدلَّ به من ذهب من العلماء إلى أنَّ إنبات الشَّعر الخشن حول الفرج دليل على البلوغ ، بل هو بلوغ في أصحّ قولي الشافعيِّ . ومن العلماء من يفرِّق بين صبيان أهل الذِّمَّة ، فيكون بلوغاً في حقِّهم دون غيرهم ؛ لأن المسلم قد يتأذَّى بذلك المقصد . وقد روى ابن إسحاق(٥) ، عن أيوب بن عبد الرحمن ، أنَّ سلمى بنتَ قيس أُمَّ المنذر استطلقت من رسول الله وَ ﴿ رفاعة بن سِمْوالَ، وكان قد بلغ ، فلاذ بها ، وكان يعرفهم قبل ذلك ، فأطلقه لها ، وكانت قالت : يا رسول الله ، إن رفاعة يزعم أنَّه سيصلِّي ويأكل لحم الجمل . فأجابها إلى ذلك فأطلقه . (١) في (أ): ((شردنا)) وأثبت لفظ ( ط ). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٤٣/٢). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٤٤/٢). (٤) هو عند أبي داود رقم (٤٤٠٤) و(٤٤٠٥) وعند الترمذي رقم (١٥٨٤) وعند النسائي في (( المجتبى )) رقم (٤٩٩٦) وعند ابن ماجه رقم (٢٥٤١) و(٢٥٤٢)، وهو حديث صحيح . (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٤٤/٢). ٣٢٥ ذكر غزوة بني قريظة قال ابن إسحاق (١): وحدَّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير ، عن عروة ، عن عائشة، قالت: لم يقتل من نسائهم إلَّ امرأة واحدة. قالت: والله إنَّها لعندي تحدَّث معي تضحك ظهراً وبطناً، ورسول الله وَل يقتل رجالها في السوق ، إذ هتف هاتف باسمها : أين فلانة ؟ قالت : أنا والله . قالت : قلت لها : ويلك ما لك ؟ قالت : أُقتل . قلت : ولم ؟ قالت : لحدث أحدثتُه . قالت : فانطلق بها فضربت عنقها . وكانت عائشة ، تقول : فوالله ما أنسى عجباً منها ؛ طِيب نفسها وكثرة ضحكها ، وقد عرفت أنَّها تُقتل . وهكذا رواه الإمام أحمد(٢) ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق ، به . قال ابن إسحاق(٣): هي التي طرحت الرَّحا على خلاَّد بن سويد فقتلته. يعني فقتلها رسول الله وَل به(٤) . قاله ابن إسحاق في موضع آخر ، وسمَّاها نُباته(٥) امرأة الحكم القرظيِّ. قال ابن إسحاق(٦): ثم إنَّ رسول الله وَالر قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين بعدما أخرج الخمس ، وقسم للفارس ثلاثة أسهم ؛ سهمين للفرس ، وسهماً لراكبه ، وسهماً للراجل ، وكانت الخيل يومئذ ستاً وثلاثين . قال : وكان أول فيء وقعت فيه الشُّهمان وخُمِّس . قال ابن إسحاق(٧): وبعث رسول الله وَ ل﴿ سعد بن زيد بسبايا من بني قريظة إلى نجد ، فابتاع بها خيلاً وسلاحاً ، وكان رسول الله وَ ل قد اصطفى من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خُنافة ، إحدى نساء بني عمرو ابن قريظة، وكان عليها حتى توفّي عنها وهي في ملكه، وقد كان رسول الله وَّر عرض عليها الإسلام فامتنعت ، ثم أسلمت بعد ذلك، فسرَّ رسول الله ◌َّ بإسلامها، وقد عرض عليها أن يعتقها ويتزوّجها ، فاختارت أن تستمرّ على الرِّقِّ ليكون أسهل عليها ، فلم تزل عنده حتى توفي ، عليه الصلاة والسلام . ثم تكلم ابن إسحاق(٨) على ما نزل من الآيات في قصة الخندق من أول سورة الأحزاب . وقد ذكرنا ذلك مستقصىّ في تفسيرها٩) ، ولله الحمد والمنّة . (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٤٢). (٢) في ((المسند )) ( ٦/ ٢٧٧) ، ورواه أيضاً أبو داود رقم (٢٦٧١) وهو حديث حسن . (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٤٢/٢) والكلام له لا لابن إسحاق ، ولعله له في موطن آخر ، والله أعلم. (٤) قال الإمام الشافعي - فيما نقله البيهقي: ((قد جاء الخبر أن رسول الله وَّي قتل القرظية)) ولم يصح خبر على أي معنى قتلها ، وقد يحتمل أن تكون أسلمت ثم ارتدت ولحقت بقومها فقتلها لذلك، ويحتمل غيره)) (السنن الكبرى ٩/ ٨٢، ومعرفة السنن (١٨٠١٨). (٥) كذا في (أ) و(ط): ((نباتة)) وفي ((الفصول في سيرة الرسول وَّل)) ص (١٧٥): ((وبَنَانَة)). (٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٤٤). (٧) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٤٥/٢). انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٤٥/٢). (٨) (٩) انظر ((تفسير القرآن العظيم)) للمؤلف (٣٨٤/٦). ٣٢٦ ذكر خبر وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه وقد قال ابن إسحاق (١): واستُشهد من المسلمين يوم بني قريظة خلاَّد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو الخزرجيُّ، طرحت عليه رحاً فشدخته شدخاً شديداً، فزعموا أنَّ رسول الله بِّه قال: ((إنَّ له الأجر شهیدین )) . قلت : كان الذي ألقى عليه الرّحا ، تلك المرأة التي لم يُقتل من بني قُريظة امرأة غيرها ، كما تقدَّم ، والله أعلم . قال ابن إسحاق(٢): ومات أبو سنان بن محصن بن حُرثان من بني أسد بن خزيمة، ورسول الله الاول محاصر بني قريظة ، فدفن في مقبرتهم اليوم . وفاة سعد بن معاذ (٣) رضي الله عنه قد تقدَّم أن حبَّان بن العَرِقة، لعنه الله، رماه بسهم فأصاب أكحله، فحسمه رسول الله وَ له كيّاً بالنار ، فاستمسك الجرح ، وكان سعد قد دعا الله أن لا يميته حتى يقرّ عينه من بني قريظة ، وذلك حين نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله وَّر من العهود والمواثيق والذَّمام، ومالوا عليه مع الأحزاب ، فلمًا ذهب الأحزاب وانقشعوا عن المدينة ، وباءت (٤) بنو قريظة بسواد الوجه والصَّفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة، وسار إليهم رسول الله وَّه ليحاصرهم كما تقدَّم، فلمَّا ضيَّق عليهم وأخذهم من كل جانب ، أنابوا إلى أن ينزلوا على حكم رسول الله بَّر فيحكم فيهم بما أراه الله، فردَّ الحكم فيهم إلى رئيس الأوس ، وكانوا حلفاءهم في [الجاهليَّة]، وهو سعد بن معاذ، فرضوا بذلك، ويقال: بل نزلوا ابتداءً(٥) على حكم سعد ؛ لما يرجون من حنوِّه عليهم وإحسانه وميله إليهم ، ولم يعلموا بأنَّهم أبغض إليه من أعدادهم من القردة والخنازير ؛ لشدَّة إيمانه وصدِّيقيّته، رضي الله عنه وأرضاه، فبعث إليه رسول الله وَّةٍ ، وكان في خيمة في المسجد النبويِّ ، فجيء به على حمار تحته إكافٌ قد وطِّئ تحته لمرضه ، ولمّا قارب خيمة الرسول وهو أمر عليه السلام من هناك بالقيام له، قيل: لينزَّل من شدَّة مرضه. وقيل: توفيراً له بحضرة المحكوم عليهم ؛ ليكون أبلغ في نفوذ حكمه ، والله أعلم ، فلمَّا حكم فيهم بالقتل والسَّبي ، وأقرَّ الله عينه وشفى صدره منهم، وعاد إلى خيمته من المسجد النبويِّ صحبة رسول الله وَّل، دعا الله عزَّ وجلَّ، أن (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٥٤/٢). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٥٤/٢). (٣) ترجمته ومصادرها في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٧٩/١)، و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٢)، و((شذرات الذهب)) (١/ ١٢٢) بتحقيقي ، طبع دار ابن كثير . (٤) في (أ): ((وفازت)) وأثبت لفظ ( ط ) . (٥) في (٢): ((ابتداءة)) وأثبت لفظ ( ط ). ٣٢٧ ذكر خبر وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه تكون له شهادة ، واختار الله له ما عنده ، فانفجر جرحه من الليل ، فلم يزل يخرج منه الدم حتى مات ، رضي الله عنه . قال ابن إسحاق(١) : فلمَّا انقضى شأن بني قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه ، فمات منه شهيداً . حدَّثني معاذ بن رفاعة الزُّرقيُّ، قال : حدَّثني من شئت من رجال قومي ، أنَّ جبريل أتى رسول الله مَّ ، حين قبض سعد بن معاذ ، من جوف الليل ، معتجراً بعمامة من إستبرق ، فقال : يا محمد ، من هذا الميِّت الذي فتحت له أبواب السماء، واهتزَّ له العرش(٢)؟ قال: فقام رسول الله وَ ل سريعاً يجرُّ ثوبه إلى سعد ، فوجده قد مات ، رضي الله عنه . هكذا ذكره ابن إسحاق ، رحمه الله . وقد قال الحافظ البيهقيُّ في ((الدلائل)(٣): حدَّثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدَّثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدَّثنا أبي وشعيب بن اللَّيث، قالا: حدَّثنا اللَّيث بن سعد، عن يزيد بن الهاد، عن معاذ بن رِفَاعة، عن جابر بن عبد الله قال: جاء جبريل إلى رسول الله وَله فقال : من هذا العبد الصالح الذي مات ففتحت له أبواب السماء ، وتحرّك له العرش ؟ قال : فخرج رسول الله وَ ل﴿ فإذا سعد بن معاذ. قال: فجلس رسول الله وَ ل على قبره وهو يدفن، فبينما هو جالس إذ قال: ((سبحان الله)) مرّتين، فسبَّح القوم. ثم قال: ((الله أكبر، الله أكبر)). فكبّر القوم . فقال رسول الله وَّة: ((عجبت لهذا العبد الصالح، شُدِّد عليه في قبره، حتى كان هذا حين فُرِّج له )). وروى الإمام أحمد والنَّسائي من طريق يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد ، ويحيى بن سعيد ، عن معاذ بن رفاعة ، عن جابر قال: قال رسول الله وَ لو لسعد يوم مات وهو يدفن: (( سبحان الله لهذا العبد الصالح الذي تحرّك له عرش الرحمن ، وفتحت له أبواب السماء ، شدِّد عليه، ثم فرَّج الله عنه))(٤) . وقال محمد بن إسحاق(6) : حدَّثني معاذ بن رفاعة ، عن محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح، عن جابر بن عبد الله قال: لمَّا دفن سعد ونحن مع رسول الله وَّه، سبَّح رسول الله وَله ، فسبَّح الناس معه، ثم كبَّر فكبّر الناس معه، فقالوا: يا رسول الله، ممَّ سبَّحت؟ قال: ((لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره ، حتى فرَّجه الله عنه )) . وهكذا رواه الإمام أحمد(٦) ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، به . (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٥٠/٢). (٢) روى البخاري رقم (٣٨٠٣)، ومسلم رقم (٢٤٦٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله وَّله: ((اهتز العرش لموت سعد بن معاذ)). (٣) انظر ((دلائل النبوة)) (٢٩/٤). (٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٢٧/٣) واللفظ له، والنسائي في (( السنن الكبرى)) رقم (٨٢٢٤ )، وهو حديث حسن. (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٥١). (٦) في ((المسند)) ( ٣/ ٣٦٠)، وإسناده حسن . ٣٢٨ ذكر خبر وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه قال ابن هشامُ(١): ومجاز هذا الحديث قول عائشة: قال رسول الله وَّيقول: ((إنَّ للقبر ضمَّة ، لو كان أحد منها ناجياً لكان سعد بن معاذ )) . قلت : وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد (٢): حدَّثنا يحيى، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم ، عن نافع، عن عائشة، عن النبيِّ وَّ قال: ((إن للقبر ضغطة، ولو كان أحد ناجياً منها لنجا سعد بن معاذ)). وهذا الحديث سنده على شرط (( الصحيحين)) إلّا أن الإمام أحمد رواه عن غندر ، عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن إنسان ، عن عائشة، به(٣). وقد رواه الحافظ البزَّار(٤)، عن نافع، عن ابن عمر قال: [ حدَّثنا عبد الأعلى بن حمَّاد، حدَّثنا داود بن عبد الرحمن، حدَّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: ] قال رسول الله وَله: (( لقد هبط يوم مات سعد بن معاذ سبعون ألف مَلك إلى الأرض ، لم يهبطوا قبل ذلك ، ولقد ضمَّه القبر ضمَّة)). قال : ثم بكى نافع . وهذا إسناد جيد ، لكن قال البزَّار : رواه غيره ، عن عبيد الله ، عن نافع مرسلاً . ثم رواه البزَّارُ(٥) ، عن سليمان بن سيف ، عن أبي عتَّب ، عن مسكين بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله بَله: ((لقد نزل لموت سعد بن معاذ سبعون ألف ملك، ما وطئوا الأرض قبلها)). وقال حين دفن: (( سبحان الله لو انفلت أحد من ضغطة القبر لانفلت منها سعد)) . قال البزَّار(٦): [ حدَّثنا] إسماعيل بن حفص، حدَّثنا محمد بن فضيل، حدَّثنا عطاء بن السَّائب، عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : اهتزَّ العرش لحبِّ لقاء الله سعد بن معاذ . قال : فقال: إنَّما يعني السَّرير. ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [ يوسف: ١٠٠]. قال: تفسَّخت أعواده. قال: ودخل رسول الله وَّل قبره فاحتبس ، فلمَّا خرج قيل له : يا رسول الله، ما حبسك؟ قال: (( ضمَّ سعد في القبر ضمَّة ، (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٥٢). (٢) في ((المسند)) (٦/ ٥٥)، وهو حديث حسن. (٣) يشير المؤلف إلى وجود اختلاف في إسناد الحديث على شعبته ، فإن غندراً، وهو محمد بن جعفر من أوثق الناس في شعبته ، قد أبهم الراوي عن شعبة . وأما يحيى بن سعيد القطان فرواه عن شعبة ولم يذكر الواسطة بين نافع وشعبة . ورواه سبعة من أصحاب شعبة عنه عن سعد بن إبراهيم عن نافع عن امرأة ابن عمر صفية عن عائشة فسموا هذا المبهم، ورواية السبعة هذه هي التي صوَّبها الإمام الدار قطني في كتاب ((العلل)) (٥/ الورقة ١٠٨) (بشار). (٤) انظر ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) رقم (٢٦٩٩) وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٣٠٨/٩) وعزاه للبزار بإسنادين، وقال: ((ورجال أحدهما رجال الصحيح)). (٥) انظر (( كشف الأستار عن زوائد البزار)) رقم (٢٦٩٨). (٦) انظر ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) رقم (٢٦٩٧). ٣٢٩ ذكر خبر وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه فدعوت الله فكشف عنه)). قال البزَّار: تفرّد به عطاء بن السائب. قلت: وهو متكلَّم فيه(١). وقد ذكر البيهقي (٢)، رحمه الله، بعد روايته ضمَّة سعد، رضي الله عنه، في القبر ، أثراً غريباً فقال : حدَّثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدَّثنا أبو العباس ، حدَّثنا أحمد بن عبد الجبّار، حدَّثنا يونس ، عن ابن إسحاق ، حدَّثني أُميَّة بن عبد الله أنَّه سأل بعض أهل سعد: ما بلغكم من قول رسول الله وَّ في هذا؟ فقالوا : ذكر لنا أنَّ رسول الله وَ ل سئل عن ذلك فقال: ((كان يقصِّر في بعض الطُّهور من البول)). وقال البخاري(٣): حدَّثنا محمد بن المثنَّى، حذَّثنا الفضل بن مساور، حدَّثنا أبو عوانة عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: سمعت النبيَّ وَّلل يقول: ((اهتزَّ العرش لموت سعد بن معاذ)). وعن الأعمش(٤)، حدَّثنا أبو صالح، عن جابر، عن النبيِّ وَّر مثله ، فقال رجل لجابر : فإن البراء بن عازب يقول: اهتزَّ السَّرير. فقال: إنَّه كان بين هذين الحيَّين ضغائن، سمعت النبيَّ ◌َّ يقول: ((اهتزَّ عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)). ورواه مسلم ، عن عمرو الناقد ، عن عبد الله بن إدريس ، وابن ماجه ، عن عليٍّ بن محمد ، عن أبي معاوية ، كلاهما عن الأعمش ، به . وليس عندهما زيادة قول الأعمش ، عن أبي صالح ، عن جابر(٥) . وقال أحمد(٦): ثنا عبد الرزاق، [ عن ] ابن جريج، أخبرني أبو الزُّبير ، أنَّه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله وَ له [يقول] وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم: ((اهتزَّ لها عرش الرحمن)). ورواه مسلم(٧) ، عن عبد بن حميد ، والتِّرمذيُّ، عن محمود بن غيلان ، كلاهما عن عبد الرزاق ، به . وقال الإمام أحمد(٨) : ثنا يحيى بن سعيد ، ثنا عوف ، ثنا أبو نضرة ، سمعت أبا سعيد ، عن النبيِّ وَالر: ((اهتزَّ العرش لموت سعد بن معاذ)). ورواه النسائي(٩) ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن يحيى ، به . (١) هكذا قال ، وعطاء بن السائب ثقة، لكنه اختلط ، ورواية محمد بن فضيل عنه بعد الاختلاط ، فانظر تحرير تقريب التهذيب (١٤/٣) (بشار). (٢) في ((دلائل النبوة)) (٤/ ٣٠). (٣) رواه البخاري رقم (٣٨٠٣) . (٤) القائل البخاري عطفاً على الرواية السابقة لها . (٥) رواه مسلم رقم (٢٤٦٦)، وابن ماجه رقم (١٥٨) . (٦) رواه أحمد في ((المسند)) ( ٢٩٥/٣). (٧) رواه مسلم رقم (٢٤٦٦)، والترمذي رقم (٣٨٤٨). (٨) في ((المسند)) ( ٢٣/٣)، وهو حديث صحيح. (٩) في (( السنن الكبرى)) رقم (٨٢٢٥) ، وهو حديث صحيح . ٣٣٠ ذكر خبر وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه وقال أحمد(١): ثنا عبد الوهّاب، عن سعيد، قال قتادة: ثنا أنس بن مالك أن رسول الله وَ لَه قال وجنازته موضوعة: ((اهتزَّ لها عرش الرحمن)). ورواه مسلمُ(٢) عن محمد بن عبد الله الرُّزِّيِّ، عن عبد الوهّاب ، به . وقد روى البيهقيُّ(٣) من حديث المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن الحسن البصريِّ قال: اهتزَّ عرش الرحمن فرحاً بروحه . وقال الحافظ البزَّارُ(٤): ثنا زهير بن محمد، أخبرنا عبد الرَّزاقُ(٥) ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس قال : [ لما ] حملت جنازة سعد قال المنافقون: ما أخفَّ جنازته. وذلك لحكمه في بني قريظة ، فسئل رسول الله وَله فقال: ((لا، ولكنَّ الملائكة كانت تحمله )) . إسناد جيد. وقال البخاريّ(٦): ثنا محمد بن بشّار، ثنا غندر ، ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، سمعت البراء بن عازب يقول: أُهديت للنبيِّ وَيُّ حلَّة حرير، فجعل أصحابه يمشُّونها ، ويعجبون من لينها ، فقال: (( أتعجبون من لين هذه ، لمناديل سعد بن معاذ خير منها أو ألين )) . ثم قال: رواه قتادة والزهريُّ، سمعنا أنساً ، عن النبيِّ وَّل. وقال أحمد (٧): ثنا عبد الوهّاب ، عن سعيد، هو ابن أبي عَرُوبَة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، أنَّ أُكَيْدِر دُومة أهدى إلى رسول الله وَّهِ جُبَّة، وذلك قبل أن ينهى عن الحرير ، فلبسها ، فعجب الناس منها، فقال: (( والذي نفس محمد بيده، لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذه)). وهذا إسناد على شرط الشيخين ، ولم يخرجوه ، وإنَّما ذكره البخاريُّ تعليق٨ً) . وقال أحمد (٩) : ثنا يزيد، ثنا محمد بن عمرو، حدَّثني واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ - قال محمد : وكان واقد من أحسن الناس وأعظمهم وأطولهم - قال : دخلت على أنس بن مالك فقال لي : من أنت ؟ قلت : أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ. فقال: إنَّك بسعد لشبيه . ثم بكى وأكثر البكاء ، (١) في (المسند)) (٢٣٤/٣). (٢) رقم (٢٤٦٧). (٣) في ((دلائل النبوة)) (٢٨/٤). (٤) ورواه الترمذي أيضاً رقم (٣٨٤٩) وقال: حسن صحيح غريب، وعبد بن حميد (١١٩٥)، وابن حبان (٧٠٣٢)، والطبراني في الكبير (٥٣٤٢) . هو في مصنفه (٢٠٤١٤) . (٥) (٦) رواه البخاري رقم (٣٨٠٢). (٧) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٣٤/٣). (٨) في ((صحيحه )) رقم (٢٦١٦). (٩) رواه أحمد في ((المسند)) ( ١٢١/٣). ٣٣١ ذكر خبر وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه وقال : رحمة الله على سعد، كان من أعظم الناس وأطولهم. ثم قال: بعث رسول الله وَ ل جيشاً إلى أُكَيْدِر دُومة، فأرسل إلى رسول الله وَّهِ بجُبَّة من ديباج، منسوج فيها الذهب، فلبسها رسول الله عَليه، فقام على المنبر، أو جلس ، فلم يتكلّم ، ثم نزل فجعل الناس يلمسون الجُبَّة ، وينظرون إليها ، فقال رسول الله وَّي: «أتعجبون منها؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنّة أحسن ممَّا ترون)). وهكذا [ رواه] الترمذيُّ والنَّسائيُّ(١)، من حديث [محمد بن ] عمرو به، وقال الترمذيُّ : حسن صحيح . قال ابن إسحاق(٢) ، بعد ذكر اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ: وفي ذلك يقول رجل من الأنصار : [ من الطويل ] وما اهتزَّ عرش الله من موت هالك سمعنا به إلَّ لسعدٍ أبي عمرو قال : وقالت أمُّه - يعني كُبيشةَ بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة الخدريّة الخزرجيَّة - حين احتمل سعد على نعشه تندبه : [ من مجزوء الرجز ] صرامة وحدّا ويل امّ سعد سعدا وفارساً معدا وسُؤدداً ومجدا [ يقدُّ هاماً قدّا ] سدَّ به مسدا قال: يقول رسول الله وَله: ((كلُّ نائحة تكذب إلَّ نائحة سعد بن معاذ)). قلت : كانت وفاته بعد انصراف الأحزاب بنحو من خمس وعشرين ليلة ، وكان قدوم الأحزاب(٣) في شؤَّال سنة خمس كما تقدَّم ، فأقاموا قريباً من شهر ، ثم خرج رسول الله مَ لّ لحصار بني قريظة فأقام عليهم خمساً وعشرين ليلة ، ثم نزلوا على حكم سعد ، فمات بعد حكمه عليهم بقليل ، فيكون ذلك في أواخر ذي القعدة أو أوائل ذي الحجّة من سنة خمس ، والله أعلم . وهكذا قال محمد بن إسحاق(٤) : إنَّ فتح بني قريظة كان في ذي القعدة وصدر ذي الحجَّة . قال : وولي تلك الحجّة المشركون . قال ابن إسحاق(٥): وقال حسَّان بن ثابت (٦) يرثي سعد بن معاذ، رضي الله عنه: [من الطويل ] (١) رواه الترمذي رقم (١٧٢٣)، و((النسائي)) رقم (٥٣١٧). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٥٢). (٣) في (ط): ((إذا كان قدوم الأحزاب)). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٦٩/٢). (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٦٩/٢). (٦) انظر ((ديوانه)) (٤١٥/١). ٣٣٢ ذكر ما قيل من الأشعار في الخندق وبني قريظة لقد سَجَمَتْ(١) من دمع عينيَ عبرةٌ قتيلٌ ثوى في معرك فجعتْ بِهِ على مِلَّة الرحمن وارث جَنَّةٍ فإن تك قد ودَّعتَنا وتركتنا٢) فأنت الذي يا سعد أُبت بمشهد بحكمك في حيَّي قُريظة بالذي فوافق حكمَ الله حكمُكَ فیھمُ فإن كان ريب الدَّهر أمضاك في الآلى(٣) فنعمَ مَصِيرُ الصَّادقين إذا دُعُوا وحُقّ لعينى أن تفيضَ على سعدٍ عيون ذواري الدمع دائمة الوَجِدِ مع الشُّهداء وَفْدُهَا أَكْرَمُ الوفدِ وأمسيتَ في غبراءَ مظلمةِ اللَّحدِ كريم وأثواب المكارم والحمدِ قضى الله فيهم ماقضيتَ على عمدٍ ولم تعفُ إذ ذكّرت ما كان من عهدٍ شَروا هذه الدنيا بجنَّاتها٤) الخُلْدِ إلى الله يوماً للوجاهةِ والقَصْدِ *** فصل فيما قيل من الأشعار في الخندق وبني قُرَيْظَةَ قال البخاريُّ(٥) : ثنا حجَّاج بن منهال، ثنا شعبة، ثنا عديُّ بن ثابت، أنه سمع البَرَاء بن عازب قال: قال النبيُّ رََّ لحسَّان: ((اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك)). قال البخاريٌّ(٦): وزاد إبراهيم بن طَهْمَان، عن الشَّيبانيِّ، عن عديٍّ بن ثابت ، عن البَرَاء بن عازب قال: قال النبيُّ وَله يوم قريظة لحسَّان بن ثابت: ((اهج المشركين، فإنَّ جبريل معك)). وقد رواه البخاريُّ أيضاً، ومسلم والنَّسائيُّ(٧) ، من طرق ، عن شعبة ، بدون الزيادة التي ذكرها البخاريُّ يوم بني قريظة . قال ابن إسحاق(٨)، رحمه الله: وقال ضرار بن الخَطَّاب بن مرداس ، أخو بني مُحَارب بن فهر في يوم الخندق - قلت : وذلك قبل إسلامه - : [ من الوافر ] (١) ((الديوان)): ((سفحت)). (٢) ((الديوان)): ((عن مودة)). (٣) ((الديوان)): ((في الأولى)). في (( الديوان)): (( بجناته)). (٤) (٥) رواه البخاري رقم ( ٤١٢٣ ). رواه البخاري رقم (٤١٢٤) . (٦) (٧) رواه البخاري رقم (٦١٥٣)، ومسلم رقم (٢٤٨٦)، و((النسائي)) رقم (٦٠٢٤). (٨) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٥٤/٢). ٣٣٣ ذكر ما قيل من الأشعار في الخندق وبني قريظة وقد قُدنا عَرندسةٌ طَحُونَا ومشفقةٍ تظرُ بنا الُنونا كأنَّ زُهاءها أُحُدٌ إذا ما ترى الأبدان فيها مُسبِغات وجُرد(١) كالقداح مسؤَّمات كأنَّهمُ إذا صالوا وصلنا أُناس لا نرى فيهم رشيداً فأحجرناهمُ شهراً كريتا٢ً) نراوحهم ونغدو كلَّ يوم بأيدينا صوارم مُرهفات كأنَّ وميضهنَّ معزَّياتٍ وميض عقيقة لَمعت بليلٍ فلولا خندقٌ كانوا لديه ولكن حال دونهمُ وكانوا فإن نرحل فإنَّا قد تركنا إذا جنَّ الظّلام سمعت نَوْحَى وسوف نزوركم عمَّا قريبٍ بجمع من كنانة غير عُزْلٍ بدت أركانُه للناظرينًا على الأبطال واليَلَبَ الحصينًا نؤمُ بها الغُواة الخاطئينَا بباب الخندقين مصافحونَا وقد قالوا ألسنا راشدينًا وكنّا فوقهم كالقاهرينَا عليهم في السّلاح مدجَّجینَا نقدُّ بها المفارق والشُّؤونَا إذا لاحت بأيدي مصلِتِينَا ترى فيها العقائق مستبينًا لدمَرنا عليهم أجمعينَا به من خوفنا متعوِّذينا لدى أبياتكم سعداً رهينا على سعد يرجِّعن الحنينا كما زرناكم متوازرينا كأُسد الغاب إذا حَمَتِ العرينَا قال : فأجابه كعب بن مالك أخو بني سلمة ، رضي الله عنه (٣) ، فقال: [ من الوافر ] وسائلةٍ تُسائل ما لقينا صبرنا لا نرى لله عِدلاً وكان لنا النَّبيُّ وزيرَ صدقٍ نقاتل معشراً ظلموا وعقُّوا نعاجلهم إذا نهضوا إلينا ترانا في فضافضَ سابغات وفي أيماننا بيض خِفَافٌ بباب الخندقين كأنَّ أُسداً ولو شهدت رأتنا صابرينَا على ما نابنا متوكِّلينَا به نعلو البريّة أجمعينَا وكانوا بالعداوة مُرصدينَا بضرب يُعْجِلُ المُتَرِّعينَا كغدران المَلاَ متسربلينَا بها نشفي مراح الشاغبينًا شوابكهنَّ يحمين العريْنَا (١) في (أ): ((وخوداً)) وأثبت لفظ (ط)، و((السيرة النبوية)) لابن هشام، والجرد: الخيل العتاق. (٢) الكريت : التام الكامل . (٣) الأبيات في ((ديوانه)) ص (٢١٥). ٣٣٤ ذكر ما قيل من الأشعار في الخندق وبني قريظة على الأعداء شوساً معلِمينَا نكون عباد صدق مخلصينًا وأحزابٌ أتوا متحزِّبينَا وأنَّ الله مولى المؤمنينَا فإنّ الله خير القادرينَا تكون مُقامة للصَّالحينَا بغيظكمُ خزايا خائبينَا فوارسنا إذا بكروا وراحوا لننصر أحمداً والله حتى ويعلم أهل مكَّة حين ساروا بأنَّ الله ليس له شريك فإما تقتلوا سعداً سَفاهاً سيدخله جناناً طيِّيات كما قد ردَّكم فلاَّ شريداً وكدتم أن تكونوا دامرينَا خزايا لم تنالوا ثَمَّ خيراً بريح عاصف هبَّت عليكم فكنتم تحتها متكمِّهينَا قال ابن إسحاق(١): وقال عبد الله بن الزِّبعرى السَّهميُّ(٢) في يوم الخندق - قلت : وذلك قبل أن يُسْلِم - : [ من الكامل ] حيِّ الدِّيار محَا معارف رسمها طولُ البلى وتراوح الأحقابِ إلا الكنيف ومعقد الأطنابِ فكأنما كتب اليهودُ رسومها قفراً كأنَّك لم تكن تلهو بها فاترك تذكر ما مضى من عيشة واذكر بلاء معاشر واشكرهمُ أنصاب مَكّة عامدين ليثربٍ يدَع الحُزوج(٤) مناهجاً معلومة فيها الجياد شوازب مجنوبة (٥) من كلِّ سَلهبة (٦) وأجرد سلهب جيشٌ عيينةُ قاصد بِلوائه في نعمة بأوانس أترابِ ومحلَّة خلَق المقام يبابِ ساروا بأجمعه من الأنصابِ في ذي غياطل جحفل جبجابٍ(٣) في كلِّ نشز ظاهر وشعابٍ قبُّ البطون لواحق الأقرابِ كالسِّيد بادر غفلة الرُقَّابِ فيه وصخر قائد الأحزابِ (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢ / ٢٥٧). (٢) الأبيات في ((شعر عبد الله بن الزّبعرى)) ص (٢٩) جمع وتقديم الأستاذ الدكتور يحيى الجبوري ، مع بعض الخلاف اليسير . (٣) ((الجبجاب)) : الكثير . ((الحزون)): جمع حزن، وهو ما ارتفع من الأرض، ((والمناهج)): جمع منهج ، وهو الطريق الواضح (٤) ((والنشز)): المرتفع من الأرض. (٥) أي مقودة، والشوازب والقب واللواحق كلها بمعنى ضامرات، والأقراب جمع قرب ، وهو الحاصرة . (٦) ((السلهبة)): الطويل، ((والسيِّد)): الذئب. ٣٣٥ ذكر ما قيل من الأشعار في الخندق وبني قريظة قرمان(١) كالبدرين أصبح فيهما حتَّى إذا وردوا المدينة وارتدوا شهراً وعشراً قاهرين محمداً نادوا برحلتهم صبيحة قلتمُ لولا الخنادق غادروا من جمعهم غيث الفقير ومعقل الهرَّابِ للموت كلَّ مجرَّب قضَّابِ وصحابه في الحرب خير صحابِ كدنا نكون بها مع الخيَّابِ قتلى لطيرٍ سُنَّبٍ وذئابِ قال : فأجابه حسان بن ثابت (٢)، رضي الله عنه، فقال: [ من الكامل ] هل رسمُ دارسةِ المقام يباب قفرٌ عفا رِهَم السَّحاب رُسومه ولقد رأيت بها الحلول يزينُهُمْ فدع الدِّيار وذكر كلِّ خريدة واشك الهموم إلى الإله وما ترى ساروا بجمعهمُ إليه وألَّبوا جيشٌ عيينة وابن حرب فيهمُ حتى إذا وردوا المدينة وارتجَوا وغدوا علينا قادرين بأيدهم(٥) بهبوب معصفة تفرّق جمعهم فكفى الإله المؤمنين قتالهم من بعد ما قنطوا ففرّق جمعهم وأقرَّ عين محمد وصحابه عاتي الفؤاد موقَّعُ(٦) ذي ريبة علِق الشقاءُ بقلبه ففؤاده قال: وأجابه كعب بن مالك (٧) ، رضي الله عنه ، أيضاً فقال: [ من الكامل ] متكلِّم لمحاور بجوابِ وهبوب كلِّ مُطلَّة مربابٍ(٣) بيض الوجوه ثواقب الأحساب بيضاء آنسة الحديث كَعابٍ من معشر ظلموا الرسول غضابٍ أهل القرى وبوادي الأعرابِ متخمِّطون٤) بحلبة الأحزابِ قتل الرسول ومغنم الأسلابِ رُدُّوا بغيظهمُ على الأعقابِ وجنود ربِّك سيد الأربابِ وأثابهم في الأجر خير ثوابٍ تنزيل نصر مليكنا الوهَّابِ وأذلَّ كلَّ مكذِّب مرتابِ في الكفر ليس بطاهر الأثوابِ في الكفر آخر هذه الأحقابِ أبقى لنا حدَث الحروب بقيّة من خير نِحلة ربِّنا الوهَّابِ (١) القرم : السيد . (٢) الأبيات في ((ديوانه)) ( ١/ ٨٠). (٣) الدائمة الثابتة ، والرِّهم: جمع رِهمة، وهو المطر. (٤) أي مختلطون . (٥) الأيد : القوة . (٦) أي : ذو عيب. (٧) الأبيات في ((ديوانه)) ص (١٥١). ٣٣٦ ذكر ما قيل من الأشعار في الخندق وبني قريظة بيضاء مشرفة الذُّرى ومعاطناً كاللُّوب يُبْذَلُ جمّها وحفيلها ونزائعا١ً) مثل السِّراح نمى بها عري الشَّوى منها وأردف نحضها قوداً تراحُ إلى الصِّياح إذا غدت وتحوط سائمة الديار وتارة حوشَ الوحوش مُطارة عند الوغى علفت على دعة فصارت بُدَّناً يغدون بالزَّغف المضاعف شكُّه وصوارمٍ نزع الصَّياقل علْبها؛) يصل اليمين بمارن متقارب وأغزّ أزرق في القناة كأنَّه وكتيبة ينفي القِرانَ قتيرُها جأوى (٧) ململمة كأنَّ رماحها تأوى إلى ظلِّ اللَّواء كأنَّه أعيت أبا كرِب وأعيت تبَّعاً ومواعظ من ربَّنا نُهدى بها عرضت علينا فاشتهينا ذكرها حِكماً يراها المجرمون بزعمهم جاءت سخينة كي تغالب ربها حمَّ الجذوع غزيرة الأحلابِ للجار وابن العمِّ والمنتابِ علف الشَّعير وجزَّة المقضابِ جرد المتون وسائر الآرابِ فعل الضِّراء تراح للكَلاَّبِ(٢) تُردي العدا وتؤوب بالأسلابِ عبس اللَّقاء مبينة الإنجابِ دُخس(٣) البضيع خفيفة الأقصابِ وبمترصاتٍ في الثِّقَاف صيابٍ وبكلِّ أروع ماجد الأنسابِ وُكلت وقيعته إلى خبَّابِ في طُخيةُ(٥) الظَّلماء ضوءُ شهابٍ وتردُّ حدَّ قواحز(٦) النُّشَّابِ في كلِّ مجمعة ضريمة غابٍ في صعدة الخطِّئِّ فيء عقابٍ وأبت بسالتها على الأعرابِ بلسان أزهر طيِّب الأثوابِ من بعد ما عرضت على الأحزابِ حرجاً ويفهمها ذوو الألبابِ فليغلبنَّ مغالب الغلاَّبِ قال ابن هشام(٨): حدَّثني من أثق به ، حدَّثني عبد الملك بن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير ، أن رسول الله وَّخر قال له لمَّا سمع منه هذا البيت: ((لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا)). (١) النزائع : الخيل العربية التي نزعت من الأعداء. والسِّراح ، جمع سرحان، وهو الذئب. (٢) الكلاب : الصائد صاحب الكلاب. (٣) كثيرة اللحم . (٤ ) أي : صلابتها . (٥) الطخية : شدة السواد . قواحز النشاب : أي السهام المرتفعة . (٦) (٧) الجأواء : التي يخالط سوادها حمرة . (٨) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٦١/٢) والأبيات في ((ديوان كعب بن مالك)) ص (١٩٤ - ١٩٧). ٣٣٧ ذكر ما قيل من الأشعار في الخندق وبني قريظة قلت : ومراده بسخينة : قريش ، وإنما كانت العرب تسمِّيهم بذلك لكثرة أكلهم الطعام السُّخن ، الذي لا يتهيَّأ لغيرهم غالباً من أهل البوادي ، فالله أعلم . قال ابن إسحاق(١): وقال كعب بن مالك أيضاً: [ من الكامل ] من سرَّه ضرب يمعمع(٢) بعضه فليأت مأسدة تسنُّ سيوفها درِبوا بضرب المعلِمين وأسلموا في عصبة نصر الإله نبيَّه في كلِّ سابغة يحطُّ فضولها بيضاءَ محكمة كأنَّ قتيرها جدلاء يحفزها نجاد مهنّد تلكم مع التَّقوى تكون لباسنا نصل السيوف إذا قصرن بخطونا فترى الجماجم ضاحياً هاماتها نلقى العدوّ بفخمة ملمومة ونعدُّ للأعداء كلَّ مقلَّص تردي بفرسان كأنَّ كماتهم صدق يعاطون الكماة حتوفهم أمر الإله بربطها لعدوّه لتكون غيظاً للعدوِّ وحُيَّطاً ويعيننا الله العزيز بقوة ونطيع أمر نبيِّنا ونجيبه ومتى يناد إلى الشدائد نأتها من يتّبع قول النبيِّ فإنه فبذاك ينصرنا ويظهر عزَّنا إن الذين يكذِّبون محمداً بعضاً كمعمعة الأَباء(٣) المحرَقِ بين المذاد وبين جزع الخندقِ مهجات أنفسهم لربِّ المشرقِ بهمُ وكان بعبده ذا مرفقٍ كالنِّهي(٤) هبَّت ريحه المترقرقِ حدق الجنادب(٥) ذات شكّ موثقٍ صافي الحديدة صارم ذي رونقٍ يوم الهياج وكلَّ ساعة مصدقٍ قدماً ونُلحقها إذا لم تلحقِ بَلْهَ الأكفِّ كأنها لم تُخلقِ تنفي الجموع كقصد رأس المُشرقِ وَرْدٍ ومحجول القوائم أبلقٍ عند الهياج أسود طلِّ مُلْثِقٍ تحت العماية بالوشيج المزهقِ في الحرب إن الله خير موفِّقٍ للدار إن دلفت خيول النزَّقِ منه وصدق الصبر ساعة نلتقي وإذا دعا الكريهة لم نُسبقِ ومتى نر الحومات فيها نعنقٍ فينا مطاع الأمر حقُّ مصدِّقٍ ويصيبنا من نيل ذاك بمرفقٍ كفروا وضلُّوا عن سبيل المتَّقي (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٦١). (٢) المعمعة : صوت التهاب النار وحريقها. (٣) الأباء واحدتها أباءة وهي القصبة . النهي : الغدير من الماء . (٥) الجنادب : الجراد . (٤) ٣٣٨ ذكر ما قيل من الأشعار في الخندق وبني قريظة قال ابن إسحاق(١): وقال كعب بن مالك(٢) أيضاً: [ من الطويل ] علينا وراموا ديننا ما نُوادعُ لقد علم الأحزاب حين تألَّبوا أضاميم من قيس بن عيلان أَصْفَقَتْ يذودوننا عن ديننا ونذودهم إذا غايظونا في مقام أعاننا وذلك حفظ الله فينا وفضله هدانا لدين الحقِّ واختاره لنا قال ابن هشامُ(٣): وهذه الأبيات في قصيدة له . يعني طويلة . وخندف لم يدروا بما هو واقعُ عن الكفر والرحمن راءٍ وسامعُ على غيظهم نصر من الله واسعُ علينا ومن لم يحفظ الله ضائعُ ولله فوق الصانعين صنائعُ قال ابن إسحاق(٤): وقال حَسَّان بن ثابت(٥) في مقتل بني قريظة: [من الوافر ] وما وجدت لذلّ من نصيرٍ لقد لقيت قريظة ما سأَها أصابهمُ بلاء كان فيه غداة أتاهمُ يهوي إليهم له خيل مجنّبة تعادى تركناهم وما ظفروا بشيء فهم صرعى تحوم الطير فيهم فأنذر مثلها نصحاً قريشاً سوى ما قد أصاب بني النَّضيرِ رسول الله كالقمر المنيرِ بفرسان عليها كالصقورِ دماؤهمُ عليها كالعبيرِ كذاك يُدان ذو العند الفجورِ من الرحمن إن قبلت نذيري قال : وقال حسّان بن ثابت (٦) أيضاً في بني قريظة: [ من الوافر ] وليس لهم ببلدتهم نصيرُ تفاقد معشر نصروا قريشاً وهم عمي من التوراة بورُ همُ أوتوا الكتاب فضيَّعوه بتصديق الذي قال النذيرُ كفرتم بالقُرآنِ وقد أتيتم حريق بالبويرة مستطيرُ فهان على سراة بني لؤيّ فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقال : [ من الوافر ] وحرَّق في طوائفها السعيرُ أدام الله ذلك من صنيعٍ (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٦٣/٢). (٢) الأبيات في ((ديوانه)) ص (١٨٥). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٦٣/٢). انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٧١) . (٤) (٥) الأبيات في ((ديوانه)) (٣٢٨/١). (٦) الأبيات في ((ديوانه)) (١/ ٢١٠). ٣٣٩ ذكر مقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق ستعلم أيُّنا منها بنُزه وتعلم أيَّ أَرْضَينا تضيرُ لقالوا لا مقام لكم فسيروا فلو كان النّخيل بها ركاباً قلت : وهذا قاله أبو سفيان بن الحارث قبل أن يسلم، وقد تقدَّم في ((صحيح البخاريِّ)) بعض هذه الأبيات . وذكر ابن إسحاق(١) جواب حسَّان في ذلك لجبل بن جوَّال الثعلبيِّ، تركناه قصداً . قال ابن إسحاق(٢): وقال حَسَّان بن ثابت(٣) أيضاً يبكي سعداً وجماعة ممن استشهد يوم بني قُريظة : ( من الطويل ] ألا يا لقومي هل لما حمَّ دافع تذكّرت عصراً قد مضى فتهافتت صبابة وجد ذكَّرتنيَ إخوةً وسعد فأضحوا في الجنان وأوحشت وفَوا يوم بدر للرسول وفوقهم دعا فأجابوهُ بحقّ وكلُّهم فما نكلوا حتى توالَوا جماعة لأنهمُ يرجون منه شفاعة فذلك يا خير العباد بلاؤنا لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ونعلم أن الملك لله وحده وهل ما مضى من صالح العيش راجعٌ بنات الحشا وانهلَّ مني المدامعُ وقتلى مضى فيها طفيل ورافع منازلهم فالأرض منهم بلاقعُ ظلال المنايا والسيوف اللَّوامعُ مطيع له في كلِّ أمر وسامعُ ولا يقطع الآجال إلّ المصارعُ إذا لم يكن إلا النبيون شافعُ إجابتنا لله والموتُ ناقعُ لأولنا في ملة الله تابعٌ وأن قضاء الله لا بد واقعُ مقتل أبي رَافِعٍ سَلّم بن أبي الحُقَيق اليهودي لعنه الله وكان في قصر له في أرض خيبر ، وكان تاجراً مشهوراً بأرض الحجاز(٤) قال ابن إسحاق(٥) : ولما انقضى شأن الخندق وأمرُ بني قريظة ، وكان سلاَّم بن أبي الحُقَيق - وهو (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٧٢/٢). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٧٠). (٣) الأبيات في ((ديوانه)) (٢٦٧/١) مع بعض الخلاف . مكان هذه الفقرة كاملة في ( ط): (( مقتل أبي رافع اليهودي )) فقط . (٤) (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٧٣/٢). ٣٤٠ ذكر مقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق أبو رافع - فيمن حزَّب الأحزاب على رسول الله بِّه، وكانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف، فاستأذن الخزرج رسول الله وَ لّ في قتل سلاَّم بن أبي الحُقيق وهو بخيبر ، فأذن لهم . قال ابن إسحاق(١) : فحدثني محمد بن مسلم الزهري ، عن عبد الله [ بن كعب ] بن مالك ، قال : وكان مما صنع الله لرسوله و ﴿ أن هذين الحيين من الأنصار؛ [ الأوس ] والخزرج ، كانا يتصاولان مع رسول الله وَ لا تصاول [الفحلين]، لا تصنع الأوس شيئاً فيه غناء عن رسول الله وَ ◌ّيقول إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلاً علينا عند رسول الله وَّل وفي الإسلام. فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها ، وإذا فعلت الخزرج شيئاً قالت الأوس مثل ذلك . قال : ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله وَّر، قالت الخزرج: والله لا يذهبون بها فضلاً علينا أبداً. قال: فتذاكروا مَن رجل لرسول الله وَّ في العداوة [ كابن الأشرف]، فذكروا ابن أبي الحُقيق، وهو بخيبر ، فاستأذنوا رسول الله وَّة في قتله، فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر ، عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان ، وعبد الله بن أنيس ، وأبو قتادة الحارث بن ربعيّ ، وخزاعيُّ بن أسود ، حليف لهم من أسلم، فخرجوا، وأمَّر عليهم رسول الله وَّ عبد الله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليداً أو امرأة، فخرجوا ، حتى إذا قدموا خيبر ، أتوا دار ابن أبي الحُقيق ليلاً ، فلم يدعوا بيتاً في الدار إلَّ أغلقوه على أهله . قال : وكان في علِّيَّة ، له إليها عجلة . قال : فأسندوا إليها حتى قاموا على بابه ، فاستأذنوا ، فخرجت إليهم امرأته فقالت : من أنتم ؟ قالوا : أُناس من العرب نلتمس الميرة . قالت : ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه . قال : فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليه الحجرة ؛ تخوُّفاً أن يكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه . قال : فصاحت امرأته ، فنوَّهت بنا ، فابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا ، فوالله ما يدلُّنا عليه في سواد الليل إلا بياضه ، كأنه قُبطيّة ملقاة . قال : فلما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ، ثم يذكر نهي رسول الله وَ لّ فيكفُّ يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل. قال : فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول : قطني قطني . أي حسبي حسبي . قال : وخرجنا ، وكان عبد الله بن عتيك رجلاً سيِّئ البصر . قال : فوقع من الدَّرجة ، فوثئت يده وثئاً شديداً ، وحملناه حتى نأتيَ به منهراً من عيونهم فندخل فيه ، فأوقدوا النيران ، واشتدُّوا في كلِّ وجه يطلبوننا ، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه وهو يقضي . قال : فقلنا : كيف لنا بأن نعلم بأن عدوّ الله قد مات ؟ قال : فقال رجل منا : أنا أذهب فأنظر لكم . فانطلق حتى دخل في الناس ، قال : فوجدتها - يعني امرأته - ورجال يهود حوله ، وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدِّثهم وتقول : أما سمعت صوت ابن عتيك ثم أَكْذَبْتُ [ نفسي ] وقلت: أنَّى ابن عتيك بهذه البلاد ؟ ثم أكبَّت عليه تنظر في وجهه ، فقالت : فاظ وإله يهود . فما سمعت كلمة كانت ألذَّ على نفسي منها . قال : ثم جاءنا فأخبرنا الخبر ، فاحتملنا صاحبنا وقدمنا على رسول الله بِّله، فأخبرناه بقتل عدوِّ الله، واختلفنا عنده في قتله، كلُّنا يدَّعيه . قال: (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٧٣).