Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب أياماً، وبثّ السرايا، ثم رجعوا، وأخذ محمد بن مسلمة رجلاً منهم، فأتى به رسول الله اَ ليل ، فسأله عن أصحابه، فقال: هربوا أمس. فعرض عليه رسول الله مح لول [الإسلام]، فأسلم، ورجع رسول الله وَ ل إلى المدينة . قال الواقدي(١): وكان خروجه، عليه السلام، إلى دومة الجندل في ربيع الأول(٢) سنة خمس. قال: وفيه (٣) توفيت أم سعد بن عبادة، وابنها مع رسول الله بَّ﴿٤) في هذه الغزوة. وقد قال أبو عيسى الترمذي في ((جامعه(٥) : ثنا محمد بن بشار ، ثنا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيّب : أن أم سعد ماتت والنبي وَّ غائب ، فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر . وهذا مرسل جيد(٦) ، وهو يقتضي أنه ، عليه السلام ، غاب في هذه الغزوة شهراً فما فوقه ، على ما ذكره الواقدي ، رحمه الله . غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب وقد أنزل الله تعالى فيها صدر سورة (( الأحزاب))، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَ تْكُمْ جُنُورٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِبِحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَهَاً وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٥) إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ ◌َ هُنَالِكَ أَبْتُلِى الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا ١٠ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْزَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُونَ بِاللَّهِ القُطُونَأْ شَدِيدًا (١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١) وَإِذْ قَالَت ◌َظَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَأَهْلَ يَغْرِبَ لَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَشْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَِّّ يَقُولُونَ إِنَّ ◌ُتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (٢) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَتَوَهَا وَمَا تَلَبَثُواْ بِهَا إِلَّ يَسِيرًا (١) وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَذْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (٤) قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْنِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ اَللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَمُ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا تَصِيرًا (١٦) ﴾ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوَّفِينَ مِنْكُ وَلْقَائِلِينَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّإِلَيْنًا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١) أَشِخَةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَّدُورُ أَعْيُهُمْ (١) انظر ((المغازي)) (٤٠٢/١). (٢) في ( ط): ((في ربيع الآخر)). يعني في شهر ربيع الأول من سنة خمس من الهجرة النبوية . (٣) يعني: وابنها غائب مع رسول الله مَّد. (٤) رقم ( ١٠٣٨ ). (٥) (٦) فهو ضعيف . ٢٨٢ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِّ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَارٍ أَشِخَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَّ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمَّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿أَ يَجْسَبُونَ الْأَخْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى الْأَعْرَابِ يَسْتَلُونَ عَنْ أَنْبَابِكُمْ وَلَوْ كَانُوْ فِيكُ مَّا قَتَلُواْ إِلَّا قَلِلًا (بَلَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَاَلْيَوْمَ اُلْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ◌ِبَ، وَلَمَّارَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْهَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيَمَنَا وَتَسْلِيمًا ◌ْهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْمَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ, وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِرِّ وَمَا بَدَّلُوْ تَبْدِيِلَا (٨) لِيَجْزِىَ اللهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (٢) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِزًا (٢٩) وَأَنَزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا [٣] وَأَوْرَنَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَعُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا﴾ [ الأحزاب: ٩ -٢٧]، وقد تكلمنا على كل من هذه الآيات الكريمات في ((التفسير )(١) ، ولله الحمد والمنَّة . ولنذكر هاهنا ما يتعلق بالقصة إن شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان . وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة . نصَّ على ذلك ابن إسحاق ، وعروة بن الزُّبير ، وقتادة ، والبيهقي ، وغير واحد من العلماء ، سلفاً وخلفا٢ً) وقد روى موسى بن عقبة ، عن الزُّهري ، أنه قال : ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع ، وكذلك قال الإمام مالك بن أنس ، فيما رواه أحمد بن حنبل ، عن موسى بن داود ، عنه (٣) . قال البيهقي(٤) : ولا اختلاف بينهم في الحقيقة ؛ لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس . ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد واعدوا المسلمين إلى بدر العام القابل، فذهب النبي وَالر وأصحابه كما تقدم في شعبان سنة أربعُ(٥) ، ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام ، فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد شهرين ، فتعيَّن أن الخندق في شوال من سنة خمس(٦) ، والله أعلم . وقد صرَّح الزُّهري(٧) بأن الخندق كانت بعد أُحد بسنتين ، ولا خلاف أن أُحداً في شوال سنة ثلاث ، (١) انظر ((تفسير القرآن العظيم)) للمؤلّف (٣٨٤/٦). (٢) قلت: ومنهم ابن قيم الجوزية في ((زاد المعاد)) (٢٤٠/٣) والذهبي في ((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٢) وابن العماد الحنبلي في ((شذرات الذهب)) (١٢٢/١) بتحقيقي ، طبع دار ابن كثير . (٣) قلت: وهو ما رجّحه الإمام النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١/ ٢٠). (٤) انظر ((دلائل النبوة)) (٣٩٥/٣). (٥) انظر ص (٢٧٤) من هذا الجزء . انظر ((زاد المعاد)) (٣/ ٢٤٠). (٦) (٧) انظر ((المعرفة والتاريخ)) للفسوي (٢٨٥/٣). ٢٨٣ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب إلا على قول من ذهب إلى أن أول التاريخ من محرم السنة التالية لسنة الهجرة ، ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الأول إلى آخرها ، كما حكاه البيهقي ، وبه قال يعقوب بن سفيان الفَسَوي ، وقد صرّح بأن بدراً في الأولى ، وأحداً في سنة ثنتين ، وبدراً الموعد في شعبان سنة ثلاث ، والخندق في شوال سنة أربع . وهذا مخالف لقول الجمهور ؛ فإن المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب جعل أول التاريخ من محرم سنة الهجرة . وعن مالك : من ربيع الأول سنة الهجرة ، فصارت الأقوال ثلاثة ، والله أعلم . والصحيح قول الجمهور أن أحداً في شوال سنة ثلاث ، وأن الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة ، والله أعلم . فأما الحديث المتفق عليه في (( الصحيحين)(١) من طريق عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه قال: ((عُرضتُ على رسول الله وَ له يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجزني، وعُرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني )) . فقد أجاب عنه جماعة من العلماء ، منهم البيهقي (٢) بأنه عُرض يوم أحد في أول الرابعة عشرة ، ويوم الأحزاب في أواخر الخامسة عشرة (٣) . قلت : ويحتمل أنه أراد أنّه لما عرض عليه [ في ] يوم الأحزاب ، كان قد استكمل خمس عشرة سنة ، التي يجاز لمثلها الغِلمان، فلا يبقى على هذا زيادة عليها . ولهذا لما بلّغ نافعٌ عمرَ بن عبد العزيز هذا الحديث قال : إن هذا الفرق بين الصغير والكبير ، ثم كتب به إلى الآفاق ، واعتمد على ذلك جمهور العلماء ، والله أعلم . وهذا سياق القصة ، مما ذكره ابن إسحاق وغيره : قال ابن إسحاق(٤) : ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس ، فحدثني يزيد بن رُومان ، عن عُروة ، ومن لا أتَّهم ، عن عبد الله بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب القُرظي ، والزُّهري ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد الله بن أبي بكر ، وغيرهم من علمائنا ، وبعضهم يُحَدِّث ما لا يحدِّث بعض ، قالوا : إنه كان من حديث الخندق أن نفراً من اليهود - منهم : سلّم بن أبي الحُقيق النّضري ، وحُييّ بن أخطب النّضري، وكِنَانَة بن الرَّبيع بن أبي الحُقيق، وهَوْذَة بن قيس الوائلي ، وأبو عَمَّار الوائلي، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، وهم الذين حزَّبوا الأحزاب على رسول الله وَلَه ، (١) رواه البخاري رقم (٢٦٦٤) و(٤٠٩٧) ومسلم رقم (١٨٦٨). (٢) انظر ((دلائل النبوة)) (٣٩٦/٣). (٣) انظر ((زاد المعاد)) (٢٤١/٣). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢١٤) . ٤ ٢٨ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب خرجوا حتى قدموا على قريش مكة ، فدعوهم إلى حرب رسول الله وَ ل# وقالوا : إنا سنكون معكم عليه ، حتى نستأصله . فقالت لهم قريش : يا معشر يهود ، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد ، أفَديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أولى بالحقِّ منه . فهم الذين أنزل الله عليهم: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالَّغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا (٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اَللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَمُ نَصِيرًا﴾ [ النساء: ٥١ -٥٢] فلما قالوا ذلك لقريش سرّهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله وَ لهر، فاجتمعوا لذلك واتَّعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاؤوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب النَّبِي ◌َِه وأخبروهم أنهم يكونون معهم عليه ، وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك واجتمعوا معهم فيه ، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان ، وخرجت غطفان وقائدها عُيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ، في بني فزارة ، والحارث بن عوف [ بن ] أبي حارثة المُرِّي، في بني مُرَّة ، ومِسْعَر بن رُخيلة بن نُويرة بن طريف بن سُحمة بن عبد الله بن هلال بن خُلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع . فلما سمع بهم رسول الله بَّلر وما أجمعوا له من الأمر ، ضرب الخندق على المدينة . قال ابن هشامُ(١) : يقال : إن الذي أشار به سلمان. قال الطَّبري والسُّهيلي(٢): أَوّل من حفر الخنادق منوشهر بن إيرج بن أفريدون ، وكان في زمن موسى ، عليه السلام . قال ابن إسحاق(٣): فعمل فيه رسول الله وَالل ترغيباً للمسلمين في الأجر، وعمل فيه المسلمون ، وتخلّف طائفة من المنافقين يعتذرون بالضعف ، ومنهم من يَنْسَلُّ خفية بغير إذنه ولا علمه ، عليه الصلاة والسلام . وقد أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَّ أَمْيِ جَامِعِ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَعْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَخْذِنُونَكَ أُوْلَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا اسْتَخْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأَذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿ لَّا تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ [ بَيْنَكُمْ] كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَأَ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذَا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِمُ نَّ أَلَّ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَبَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيٌ﴾ [النور: ٦٢ - ٦٤]. (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٢٤/٢) وانظر ((زاد المعاد)) (٢٤٢/٣). (٢) انظر ((تاريخ الطبري)) (٣٧٩/١) و((الروض الأنف)) (٣٠٦/٦). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢١٦/٢). ٢٨٥ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب قال ابن إسحاق (١) : فعمل المسلمون فيه حتى أحكموه ، وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له : جُعيل. سمَّاه رسول الله صَ لّ عَمراً، فقالوا فيما يقولون: [ من الرجز ] سمَّاه من بعد جُعَيْلٍ عَمْرا وكان للبائس يوماً ظهر(٢) وكانوا إذا قالوا: عَمرا. قال معهم رسول الله بَله: ((عَمراً)). وإذا قالوا : ظهراً. قال لهم: ((ظهراً)). وقد قال البخاري(٣): ثنا عبد الله بن محمد، ثنا معاوية بن عمرو ، ثنا أبو إسحاق ، عن حميد ، سمعت أنساً ، قال: خرج رسول الله وَ له إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النَّصَب والجوع قال: (( اللهم إن العيش عيش الآخرة ، فاغفر للأنصار والمهاجرة)). فقالوا مجيبين له : [من الرجز ] نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا وفي ((الصحيحين)(٤) من حديث شعبة ، عن معاوية بن قُرّة ، عن أنس ، نحوه . وقد رواه مسلم(٥) من حديث حَمَّاد بن سَلَمَة ، عن ثابت ، وحُميد ، عن أنس ، بنحوه . وقال البخاري(٦) : ثنا أبو معمر، ثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، عن أنس قال : جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة ، وينقلون التراب على متونهم ، ويقولون : نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا قال: يقول النبي وَّل يجيبهم: ((اللهم [ إنه] لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة)). قال: ويؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع [ لهم ] بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع ، وهي بشعة في الحلق ، ولها ريح منتن . وقال البخاري (٧) : ثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : كنا مع رسول الله وَّي في الخندق، وهم يحفرون، ونحن ننقل التراب على أكتادنا، فقال رسول الله وَل : ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ، فاغفر للمهاجرين والأنصار)). (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢١٧/٢). (٣) رواه البخاري رقم (٢٨٣٤) و(٤٠٩٩). (٢) ظهراً : أي قوة . (٤) رواه البخاري رقم (٣٧٩٥) و(٦٤١٣) ومسلم رقم (١٢٧) و(١٨٠٥). (٥) في ((صحيحه)) رقم (١٨٠٥) (١٣٠). (٦) رواه البخاري رقم (٢٨٣٥) . (٧) رواه البخاري رقم ( ٤٠٩٨) . ٢٨٦ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب ورواه مسلمُ(١) ، عن القَعْنَبِيّ ، عن عبد العزيز، به . وقال البخاري(٢): ثنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال : كان النبيُّ ◌َِّ ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنُه ــ أو اغبرّ بطنه - يقول: (من الرجز ] ولا تصدقنا ولا صلينا والله لولا الله ما اهتدينا وثبت الأقدام إن لا قينا فأنزلن سكينة علينا إذا أرادوا فتنة أبينا إن الأُلى قد بغَوا علينا ورفع بها صوته: (( أبينا ، أبينا)). ورواه مسلم(٣) ، من حديث شعبة به . ثم قال البخاري(٤): ثنا أحمد بن عثمان، ثنا شريح بن مَسْلَمة ، حدثني إبراهيم بن يوسف ، حدثني أبي، عن أبي إسحاق، عن البراء يحدث قال: لما كان يوم الأحزاب وخَنْدَق رسول الله وَّه، رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الترابُ جلدة بطنه ، وكان كثير الشعر ، فسمعته يرتجز بكلمات عبد الله بن رواحة (٥) ، وهو ينقل من التراب يقول: ( من الرجز ] ولا تصدقنا ولا صلّينا اللهم لولا أنت ما اهتدينا وثبت الأقدام إن لا قينا فأنزلن سكينة علينا إذا أرادوا فتنة أبينا إن الألى قد بغَوا علينا ثم یمدُّ صوته بآخرها . وقال البيهقي في (( الدلائل)٦) : أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفَّار ، ثنا إسماعيل بن الفضل البلخي(٧) ثنا إبراهيم بن يوسف البلخي ، ثنا المسيّب بن شريك ، عن زياد بن أبي زياد، عن أبي عثمان، عن سلمان، [ أن ] رسول الله وَ ل وضرب في الخندق وقال: [من الرجز ] بسم الله وبه هُدِينا ولو عَبَدْنَا غيرَه شَقِيْنَا يا حبذا ربّاً وحبَّ دِيْناً (١) رواه مسلم رقم (١٨٠٤). (٢) رواه البخاري رقم (٤١٠٤). (٣) رواه مسلم رقم (١٨٠٣) . رواه البخاري رقم ( ٤١٠٦ ) . (٤) انظر (( ديوانه)) ص (١٣٩) بتحقيق د . وليد قصَّاب. (٥) (٦) انظر ((دلائل النبوة)) (٤١٤/٣). (٧) في (ط): ((البجلي)) وهو تحريف. ٢٨٧ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب وهذا حديث غريب من هذا الوجه . وقال الإمام أحمد(١): ثنا سليمان، ثنا شعبة، عن معاوية بن قُرَّة، عن أنس، أن رسول الله وَل قال، وهم يحفرون الخندق: (( اللهم لا خير إلا خير الآخرة ، فأصلح الأنصار والمهاجرة)). وأخرجاه في ((الصحيحين)(٢) من حديث غُنْدَر(٣) ، عن شُعبة . قال ابن إسحاق(٤) : وقد كان في حفر الخندق أحاديث بلغتني ، فيها [ من الله ] تعالى عبرة في تصديق رسول الله وَّي، وتحقيق نبوّته، عاين ذلك المسلمون، فمن ذلك أن جابر بن عبد الله كان يُحدّث أنه اشتدت عليهم في حفر الخندق كُذْيَةُ(٥)، فشكَوها إلى رسول الله وَلال، فدعا بإناءٍ من ماءٍ، فتفل فيه ، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ، ثم نضح الماء على تلك الكُذْيَة ، فيقول من حضرها : فوالذي بعثه بالحقّ لانهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأساً ولا مسحاة . هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعاً ، عن جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه . وقد قال البخاري(٦)، رحمه الله: [ حدثنا خلاَّد بن يحيى]، ثنا عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه قال: أتيت جابراً فقال: إنَّا يوم الخندق نحفر، فعرضت كَيْدة(٧) شديدة، فجاءوا النبي وَّ فقالوا: هذه كُدية عرضت في الخندق. فقال: (( أنا نازل )) . ثم قام وبطنه معصوب بحجر ، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذَواقاً ، فأخذ النبي ◌َّ المعول فضرب ، فعاد كثيباً أهيل أو أهيم ، فقلت: يا رسول الله ، ائذن لي إلى البيت . فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي وّر شيئاً ما كان في ذلك صبر ، فَعِنْدي شيء ؟ قالت : عندي شعير وعَنَاق(٨). فذبحت العناق، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البُرمة، ثم جئت النبي ◌َّه، والعجين قد انكسر ، والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج، فقلت: طُعيمُ(٩) لي ، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. قال: ((كم هو؟)). فذكرت له، قال: (( كثير طيب ، قل لها لا تنزع البرمة و[ لا] الخبز من التنُّور حتى آتي)). فقال: ((قوموا)). فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال : ويحكِ، جاء النبي ◌َّل بالمهاجرين والأنصار ومن معهم . قالت : هل سألك ؟ قلت : (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢١٠/٣). (٢) رواه البخاري رقم ( ٦٤١٣) ومسلم رقم (١٨٠٥). (٣) وهو لقبه، واسمه (محمد بن جعفر الهذلي البصري). انظر ((تحرير تقريب التهذيب)) (٢٢٢/٣). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢١٧/٢). الكدية : القطعة الصلبة من الأرض لا يعمل فيها المعول . (٥) (٦) رواه البخاري رقم (٤١٠١) . (٧) وهي القطعة الشديدة الصلبة من الأرض وانظر ((فتح الباري)) (٣٩٦/٧). (٨) العناق: الأنثى من ولد الماعز. (٩) الطُعَيم : تصغير طعام . ٢٨٨ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب نعم. فقال: ((ادخلوا ولا تضاغطوا)(١). فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه اللحم، ويخمِّر البُرمة والتنُّور إذا أخذ منه، ويقرّب إلى أصحابه ، ثم ينزع ، فلم يزل يكسر [ الخبز] ويغرف حتى شبعوا، وبقي بقية، قال: ((كلي هذا وأهدِي، فإنَّ الناس أصابتهم مجاعة)) . تفرَّد به البخاري. وقد رواه الإمام أحمد٢ُ) ، عن وكيع ، عن عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه أيمن الحبشي مولى بني مخزوم ، عن جابر بقصة الكُدية وربط الحجر على بطنه الكريم . ورواه البيهقي في ((الدلائل (٣) عن الحاكم٤ُ) ، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبّار، عن يونس بن بكير ، عن عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه ، عن جابر ، بقصة الكُدية والطعام ، وطوله أتم من رواية البخاري؛ قال فيه: لما علم النبي وَلّ بمقدار الطّعام قال للمسلمين جميعاً: ((قوموا إلى جابر)). فقاموا ، قال : فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله ، وقلت : جاء بالخَلق على صاع من شعير وعناق ! ودخلت على امرأتي أقول : افتضحتِ؛ جاءكِ رسول الله وَلّ بالخندق أجمعين . فقالت : هل كان سألك كم طعامك ؟ قلت : نعم . فقالت : الله ورسوله أعلم. قال : فكشفت عني غمَّاً شديداً . قال : فدخل رسول الله وَّل فقال: ((خذي ودعيني من اللحم)). وجعل رسول الله مَّل يثرد ويغرف اللحم، ثم يخمِّر هذا ويخمِّر هذا ، فما زال يقرِّب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين ، ويعود التنّور والقِدْرُ أملاً ما كانا ، ثم قال رسول اللّه ◌َّل: ((كلي وأهدي)). فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع. وقد رواه كذلك أبو بكر بن أبي شيبة(٥) ، عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه ، عن جابر ، به ، وأَبْسَطُ أيضاً ، وقال في آخره : وأخبرني أنهم كانوا ثمانمئة أو قال : ثلاثمئة . وقال يونس بن بكير ، عن هشام بن سعد ، عن أبي الزّبير ، عن جابر ، فذكر القصة بطولها في الطعام فقط ، وقال : وكانوا ثلاثمئة . ثم قال البخاري(٦) : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا حنظلة بن أبي سفيان ، أخبرنا سعيد بن ميناء، سمعت جابر بن عبد الله قال: لما حُفر الخندق رأيت من النبيِ وَلَ خَمَصَاً [ شديداً ] ، فانكفأت إلى امرأتي ، فقلت : هل عندك شيء؟ [ فإني ] رأيت برسول الله وم ليل خمصاً شديداً. فأخرجت إليّ جراباً فيه صاع من شعير ، ولنا بُهيمة داجن فذبحتها ، وطحنت [ الشعير ] ، ففرغت إلى فراغي ، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله وَّير فقالت: لا تفضحني برسول الله وَل وبمن معه. فجئته (١) أي : لا تزاحموا . (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٣/ ٣٠٠). (٣) رواه البيهقي في (( دلائل النبوة)) (٤١٥/٣). يعني صاحب (( المستدرك على الصحيحين)) وهو شيخ البيهقي . (٤) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي ( ٤٢٢/٣). (٥) (٦) رواه البخاري رقم (٤١٠٢) وما بين الحاصرتين تكملة منه . ٢٨٩ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب فساررته فقلت : يا رسول الله ، [ ذبحنا ] بهيمة لنا ، وطحنًا صاعاً من شعير كان عندنا ، فتعال أنت ونفر معك. فصاح رسول الله وَّر فقال: (( يا أهل الخندق، إن جابراً قد صنع سُؤْرا١ً)، فحي هلاً بكم)). فقال رسول الله وَله: ((لا تُنزلنَّ برمتكم، ولا تخبزُنَّ عجينكم حتى أجيء)) . فجئت ، وجاء رسول الله وَّ يقدَم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلتُ الذي قلتِ . فأخرجت لنا عجيناً ، فبصق فيه وبارك ، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال: (( ادع خَبَّازة فلتخبز معك ، واقدحي من بُرمتكم ولا تنزلوها)). وهم ألف ، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا ، وإن بُرمتنا لتغطّ كما هي ، وإنّ عجيننا كما هو . [ ورواه مسلم(٣)، عن حجَّاج بن الشاعر ، عن أبي عاصم ، به نحوه ] . وقد روى محمد بن إسحاق(٣) هذا الحديث ، وفي سياقه غرابة من بعض الوجوه ، فقال : حدثني سعيد بن ميناء ، عن جابر بن عبد الله، قال: عملنا مع رسول الله وَ له في الخندق ، وكانت عندي شُويهة غير جدِّ سمينة. قال: فقلت: والله لو صنعناها لرسول الله وَّر. قال: وأمرتُ امرأتي فطحنت لنا شيئاً من شعير ، فصنعت لنا منه خبزاً، وذبحتُ تلك الشاة فشويناها لرسول الله وَطير، فلما أمسينا وأراد رسول الله وَّ الانصراف عن الخندق. قال: وكنا نعمل فيه نهاراً ، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا . قال : فقلت : يا رسول الله، إني قد صنعت لك شُويهة(٤) كانت عندنا ، وصنعنا معها شيئاً من خبز هذا الشعير، فأنا أحب أن تنصرف معي إلى منزلي. قال: وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله وَّر وحده. قال: فلما أن قلت ذلك قال: ((نعم)). ثم أمر صارخاً، فصرخ أن انصرفوا مع رسول الله وَّل إلى بيت جابر بن عبد الله. قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال: فأقبل رسول الله وَله، وأقبل معه الناس(٥)، فجلس وأخرجناها إليه . قال: فبرّك وسمى الله تعالى ثم أكل ، وتواردها الناس ، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس ، حتى صدر أهل الخندق عنها . والعجب أن الإمام أحمد إنما رواه(٦) من طريق سعيد بن ميناء ؛ عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، عنه ، عن جابر مثله سواء . أي : طعاماً . وهي من الألفاظ الفارسية المعرَّبة . (١) (٢) في « صحيحه )) رقم (٢٠٣٩) . (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢١٨/٢). (٤) الشويهة: تصغير شاة. انظر ((مختار الصحاح)) ( شوه ) . (٥) في ( ط): (( وأقبل الناس معه)). (٦) في ((مسنده)) ( ٣/ ٣٧٧) ، وإسناده حسن . ٢٩٠ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب قال محمد بن إسحاق(١): وحدثني سعيد بن ميناء أنه قد حُدِّث أن ابنةً لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت : دعتني أمي عَمْرَة بنت رواحة ، فأعطتني حَفنة من تمرٍ في ثوبي ، ثم قالت : أي بنية ، اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما . قالت : فأخذتها وانطلقت بها ، فمررت برسول الله وَّر وأنا ألتمس أبي وخالي، فقال: ((تعالي يا بُنية، ما هذا معك؟)). قالت: قلت: يا رسول الله ، هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد ، وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه . فقال : ((هاتيه)). قالت: ((فصببته في كفي رسول الله وَّر، فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحاً) بالتمر عليه ، فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: (( اصرخ في أهل الخندق أن هَلُمَّ إلى الغداء)). فاجتمع أهل الخندق عليه ، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد ، حتى صدر أهل الخندق عنه ، وإنه ليسقط من أطراف الثوب . هكذا رواه ابن إسحاق ، وفيه انقطاع ، وهكذا رواه الحافظ البيهقي(٣) من طريقه ، ولم يزد . قال ابن إسحاق(٤) : وحُدِّثت عن سلمان الفارسي أنه قال : ضربت في ناحية من الخندق فغلظت عليّ [صخرة]، ورسول الله وَ ل قريب مني، فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان عليّ، نزل فأخذ المعول من يدي ، فضرب [ به ] ضربة لمعت تحت المعول بُرْقَةٌ ، ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته بُرْقَةٌ أخرى . قال : ثم ضرب به الثالثة فلمعت بُرْقَةٌ أخرى . قال : قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول [وأنت تضرب؟] قال: ((أوَ قد رأيت ذلك يا سلمان؟)) قال: قلت: نعم. قال: (( أما الأولى ، فإن الله فتح عليّ بها اليمن ، وأما الثانية ، فإن الله فتح عليّ بها الشام والمغرب ، وأما الثالثة ، فإن الله فتح عليّ بها المشرق )) . قال البيهقي(٥): وهذا الذي ذكره ابن إسحاق قد ذكره موسى بن عقبة في ((مغازيه))، وذكره أبو الأسود ، [ عن ] عروة . ثم روى البيهقي(٦) من طريق محمد بن يونس الكديمي ، وفي حديثه نظر . لكن رواه ابن جرير في ((تاريخه(٧) عن محمد بن بشار بُنْدَار ، كلاهما عن محمد بن خالد بن انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢١٨/٢). (١) في (أ): ((دعا)) وأثبت لفظ (ط) ودحا: بسط ووسع. انظر ((النهاية)) (٢ /١٠٦). (٢) (٣) في ((دلائل النبوة)) ( ٤٢٧/٣). انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢١٩/٢). (٤) انظر ((دلائل النبوة)) ( ٤١٨/٣). (٥) انظر (( دلائل النبوة )» ( ٤١٨/٣). (٦) انظر ((تاريخ الطبري)) ( ٢/ ٥٦٧ ). (٧) ٢٩١ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب عثمة ، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المُزَني ، عن أبيه ، عن جدِّه، فذكر حديثاً فيه أن رسول الله وَ ل# خطَّ الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعاً . قال: واحتق(١) المهاجرون والأنصار في سلمان، فقال رسول الله وَالخير: ((سلمان منَّا أهل البيت)). قال عمرو بن عوف : فكنت أنا ، وسلمان ، وحذيفة ، والنعمان بن مُقَرِّن ، وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً ، فحفرنا حتى إذا بلغنا الندى ، ظهرت لنا صخرة بيضاء مَرْوَة ، فكسرت حديدنا وشقت علينا ، فذهب سلمان إلى رسول الله صل وهو في قبة تركية ، فأخبره عنها ، فجاء فأخذ المعول من سلمان ، فضرب الصخرة ضربة صدعها ، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها - يعني المدينة - حتى كأنها مصباح في جوف ليل مظلم ، فكبّر رسول الله ◌َّه تكبير فتح، وكبّر المسلمون ، ثم ضربها الثانية فكذلك ، ثم الثالثة فكذلك. وذكر ذلك سلمان والمسلمون لرسول الله وَ ليل، وسألوه عن ذلك النور، فقال: ((لقد أضاء لي من الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى ، كأنها أنياب الكلاب ، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ، ومن الثانية أضاءت قصور الحمر من أرض الروم ، كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ، ومن الثالثة أضاءت قصور صنعاء ، كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ، فأبشروا)). واستبشر المسلمون ، وقالوا: الحمد لله، موعود صادق . قال : ولما طلعت الأحزاب قال المؤمنون: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا اَللَّهُ وَرَسُولُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولٌ، وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا وَتَسْلِيمًا﴾. [ الأحزاب : ٢٢] وقال المنافقون: يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى ، وأنها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق لا تستطيعون أن تبرّزوا؟! فنزل فيهم: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم قَرَضُ مَّا وَعَدَنَا اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا﴾ [ الأحزاب: ١٢]. وهذا حديث غريب. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٢): ثنا هارون بن ملول، ثنا أبو عبد الرحمن ، ثنا عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو ، قال: لما أمر النبيُّ وَّ بالخندق فَخُنْدق على المدينة، قالوا: يا رسول الله، إنا وجدنا صفاة (٣) لا نستطيع حفرها، فقام النبي وَطير، وقمنا معه ، فلما أتاها أخذ المعول، فضرب به ضربة وكبّر، فسمعت هدَّة لم أسمع مثلها قط، فقال: [ (( فتحت فارس)). ثم ضرب أخرى فكبّر، فسمعت هذَّة لم أسمع مثلها قط، فقال: ] ((فتحت الروم)). ثم ضرب أخرى فكبّر، فسمعت هذَّة لم أسمع مثلها قط، فقال: (( جاء الله بحِمْيَر أعواناً وأنصاراً)). وهذا أيضاً غريب من هذا الوجه ، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي فيه ضعف ، فالله أعلم . (١) أي : تخاصم. (٢) وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد » (١٣١/٦) وعزاه للطبراني بإسنادين في أحدهما حُيي بن عبد الله وثقه ابن معين وضعّفه جماعة ، وبقية رجاله رجال الصحيح . (٣) أي : صخرة . ٢٩٢ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب وقال الطبراني (١) أيضاً: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني سعيد بن محمد الجرمي ، ثنا أبو تُميلة ، ثنا نُعَيم بن سعيد العبدي أن عكرمة حدث عن ابن عباس، قال: احتفر رسول الله مَ طّ الخندق ، وأصحابه قد شَدُّوا الحجارة على بطونهم من الجوع، فلما رأى ذلك رسول الله وَّر قال: ((هل دللتم على رجل يطعمنا أَكلة؟)) قال رجل: نعم. قال: ((إما لا فتقدَّم فدلنا عليه)). فانطلقوا إلى [ بيت ] الرجل ، فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه، فأرسلت امرأته أن جىء؛ فإن رسول الله وَّة قد أتانا. فجاء الرجل يسعى وقال: بأبي وأمي. وله معزة ومعها جديها، فوثب إليها، فقال النبي ◌َّ: ((الجدي من ورائها)) . فذبح الجدي ، وعمدت المرأة إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت ، فأدركت القدر ، فثردت قصعتها، فقربتها إلى رسول الله وَلهو وأصحابه، فوضع رسول الله وَّلل أصبعه فيها، وقال: (( بسم الله ، اللهم بارك فيها ، اطعموا)) . فأكلوا منها حتى صدروا ، ولم يأكلوا منها إلا ثلثها ، وبقي ثلثاها ، فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه ، أن اذهبوا وسرِّحوا إلينا بعدَّتكم . فذهبوا ، فجاء أولئك العشرة ، فأكلوا منها حتى شبعوا ، ثم قام ودعا لربّة البيت ، وسمت عليها وعلى أهل بيتها ، ثم مشوا إلى الخندق فقال : ((اذهبوا بنا إلى سلمان)). وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال رسول الله وَّي: ((دعوني فأكون أول من ضربها)). فقال: ((بسم الله)). فضربها فوقعت فلقة ثلثها، فقال: (( الله أكبر، قصور الروم(٢) ورّب الكعبة)). ثم ضرب أخرى فوقعت فِلقة، فقال: ((الله أكبر، قصور فارس ورب الكعبة)). فقال عندها المنافقون : نحن نخندق على أنفسنا ، وهو يعدنا قصور فارس والرُّوم . ثم قال الحافظ البيهقي(٣): أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفَّار، ثنا محمد بن غالب بن حرب ، ثنا هوذة ، ثنا عوف ، عن ميمون بن أستاذ الزهري(٤) ، حدثني البراء بن عازب الأنصاري ، قال: لما كان حين أمرنا رسول الله وَّل بحفر الخندق ، عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة، لا تأخذ فيها المعاول، فشكوا ذلك إلى رسول الله وَّير، فلما رآها أخذ المعول وقال : ((بسم الله)). وضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: (( الله أكبر، أُعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر إن شاء الله)). ثم ضرب الثانية فقطع ثلثاً آخر، فقال: (( الله أكبر ، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض)). ثم ضرب الثالثة، فقال: (( بسم الله)). فقطع [بقية] الحجر، فقال: (( الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة)) . (١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣٧٦/١١) وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٣٢/٦) وعزاه للطبراني ، وقال : ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن حنبل ، ونعيم العبدي وهما ثقتان . (٢) في (ط): ((أكبر قصور الشام)). (٣) انظر ((دلائل النبوة)) (٤٢١/٣). (٤) في ((دلائل النبوة)): ((الزهراني)). ٢٩٣ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب وهذا حديث غريب أيضاً ، تفرّد به ميمون بن أستاذ هذا ، وهو بصري روى عن البراء ، وعبد الله بن عمرو ، وعنه حُميد الطويل ، والجريري ، وعوف الأعرابي . قال أبو حاتمٌ(١)، عن إسحاق بن منصور، عن ابن معين : كان ثقة . وقال علي بن المديني : كان يحيى بن سعيد القطّان لا يحدِّث عنه . وقال النسائي(٢) : ثنا عيسى بن يونس ، ثنا ضمرة ، عن أبي زرعة السَّيباني ، عن أبي سكينة - رجلٍ من المحرَّرين - عن رجل من أصحاب النبي وَّر، قال لما أمر رسول الله وَله بحفر الخندق، عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر ، فقام النبي بَّر وأخذ المعول ، ووضع رداءه ناحية الخندق ، وقال : ((﴿ وَتَمَّتْ كلمات (٣) رَيِّكَ صِدْقًا وَعَدْلَاً لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهٍ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥])). فندر ثلث الحجر ، وسلمان الفارسي قائم ينظر ، فبرق مع ضربة رسول الله وَله برقة، ثم ضرب الثانية، وقال : ((﴿ وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾)). فندر الثلث الآخر وبرقت برقة، فرآها سلمان، ثم ضرب الثالثة، وقال: ((﴿وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾)). فندر الثلث الباقي، وخرج رسول الله مليار فأخذ رداءه وجلس ، فقال سلمان : يا رسول الله، رأيتك حين ضربت لا تضرب ضربة إلا كانت معها برقة. قال رسول الله اليه: ((يا سلمان، رأيتَ ذلك؟». قال: إي والذي بعثك بالحق يا رسول الله. قال: «فإني حين ضربت الضربة الأولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة ، حتى رأيتها بعيني)) . فقال له من حضره من أصحابه : يا رسول الله ، ادع الله أن يفتحها علينا ويغنِّمنا ذراريهم ، ونخرّب بأيدينا بلادهم . فدعا بذلك ، قال: (( ثم ضربت الضربة الثانية ، فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها ، حتى رأيتها بعيني)). قالوا : يا رسول الله ، ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ، ونخرب بأيدينا بلادهم . فدعا ، ثم قال: (( ثم ضربت الضربة الثالثة ، فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى ، حتى رأيتها بعيني)). ثم قال رسول الله رَير: ((دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم)). هكذا رواه النسائي مطولاً. وإنما روى منه أبو داود(٤): (( دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم)). عن عيسى بن محمد الرملي ، عن ضمرة بن ربيعة ، عن أبي زرعة يحيى بن أبي عمرو السَّيباني ، به . ثم قال ابن إسحاق(٥) : وحدثني من لا أنَّهم ، عن أبي هريرة أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار (١) انظر ((الجرح والتعديل)) لابنه ٨/ الترجمة ١٠٥١. (٢) رواه النسائي رقم (٣١٧٦) ، وهو حديث حسن . (٣) قرأها بالجمع كلمات : نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو جعفر وقرأ الباقون ، ومنهم عاصم : كلمة بالإفراد . (٤) رواه أبو داود رقم ( ٤٣٠٢ ) ، وهو حديث حسن . (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢١٩/٢). ٢٩٤ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده : افتتِحوا ما بدا لكم ، فوالذي نفس أبي هريرة بيده ، ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة ، إلا وقد أعطى الله محمداً مطر مفاتيحها قبل ذلك . وهذا من هذا الوجه منقطع أيضاً ، وقد وصل من غير وجه ، ولله الحمد . فقال الإمام أحمد(١): ثنا حجَّاج، حدثنا ليث ، حدثني عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول اللّه وَلل يقول: ((بعثت بجوامع الكلم ، ونصرتُ بالُّعب ، وبينا أنا نائم أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض ، فوضعت في يدي )) . وقد رواه البخاري(٢) منفرداً به ، عن يحيى بن بكير ، وسعيد بن عفير ، كلاهما عن الليث ، به ، وعنده، قال أبو هريرة: فذهب رسول الله وَلّ وأنتم تنتثلونها . وقال الإمام أحمد(٣) : ثنا يزيد، ثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه وَّهُ: ((نُصرت بالزُعب، وأوتيت جوامع الكَلِم، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، وبينا أنا نائم أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض فَتُلَّت(٤) في يدي)) . وهذا إسناد جيد قوي على شرط مسلم ولم يخرجوه . وفي ((الصحيحين )(٥): ((إذا هَلَكَ قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هَلَكَ كسرى فلا كسرى بعده ، والذي نفسي بيده لتُنْفِقُنَّ كنوزهما في سبيل الله)) . وفي الحديث الصحيح(٢): ((إن الله زوى لي الأرض؛ مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أُمتي ما زُوي لي منها )). فصل قال ابن إسحاق(٧): ولما فرغ رسول الله وَ ل﴿ من الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٥٥/٢). (٢) في (صحيحه)) رقم (٢٩٧٧) و( ٧٠١٣). (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٥٠١/٢). (٤) أي : ألقيت . (٥) رواه البخاري رقم (٣١٢٠) و(٣٦١٨) ومسلم رقم (٢٩١٨). (٦) رواه مسلم رقم (٢٨٨٩). (٧) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢١٩/٢). ٢٩٥ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب من رومةُ(١)، بين الجُرف (٢) وزَغَابَةٌ(٣) ، في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تِهَامة ، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد ، حتى نزلوا بذنب نَقَّمَى إلى جانب أحد ، وخرج رسول الله وَّ والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلعُ(٤) في ثلاثة آلاف من المسلمين ، فضرب هنالك عسكره ، والخندق بينه وبين القوم ، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا فوق الأطام . قال ابن هشام : واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم . قلت : وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ إِذْ جَآءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْزَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ اَلْحَتَاجِرَ وَنَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّلِنُونَ﴾ [ الأحزاب: ١٠]. قال البخاري(٥) : ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا عبدة ، عن هشام بن عُرْوَة ، عن أبيه ، عن عائشة: ﴿ إِذْ جَآءُوَكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْزَاغَتِ الْأَبْصَرُ ﴾ قالت : ذلك يوم الخندق . قال موسى بن عقبة : ولما نزل الأحزابُ حول المدينة أغلق بنو قريظة حصنهم دونهم . قال ابن إسحاق(٦) : وخرج حُيي بن أخطب النَّضري حتى أتى كعب بن أسد القُرظي صاحب عقدهم وعهدهم ، فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دون حُيي ، فاستأذن عليه ، فأبى أن يفتح له ، فناداه : ويحك يا كعب ! افتح لي . قال : ويحك يا حُيي! إنك امرؤ مشؤوم ، وإني قد عاهدت محمداً ، فلست بناقض ما بيني وبينه ، ولم أر منه إلا وفاءً وصدقاً . قال: ويحك! افتح لي أُكلّمك . قال : ما أنا بفاعل . قال : والله إن أغلقت دوني إلا خوفاً على جشيشتك(٧) أن آكل معك منها . فأحفظ الرجل ، ففتح له ، فقال : ويحك يا كعب ! جئتك بعزّ الدّهر وبحر طام . قال : وما ذاك ؟ قال : جئتك بقريش على قادتها وسادتها ، حتى أنزلتُهم بمجتمع الأسيال من رومة ، وبغطفان على قادتها وسادتها ، حتى أنزلتُهم بذَنب نَقَمى إلى جانب أحد ، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمداً ومن معه . فقال كعب : جئتني والله بذلِّ الدهر ، وبجهامُ(٨) قد هراق ماؤه ، يَرْعَد ويُبْرق ، وليس فيه شيء ، ويحك يا حيي ! فدعني وما أنا عليه ؛ فإني لم أر من محمد إلا وفاءً وصدقاً . (١) وهي بئرٌ في عقيق المدينة. انظر (( المغانم المطابة)) للفيروزابادي ص (٤٠) بتحقيق شيخنا العلاَّمة حمد الجاسر رحمه الله . (٢) الجُزْف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة. انظر ((المغانم المطابة)) للفيروزابادي ص ( ٨٨). (٣) زغابة: موضع قريب من المدينة. انظر (( المغانم المطابة)) للفيروزابادي ص ( ١٧١). سلع : موضع بقرب المدينة. انظر (( المغانم المطابة)) للفيروزابادي ص (١٨٣ ). (٤) (٥) رواه البخاري رقم ( ٤١٠٣ ) . (٦) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٢٠/٢). الجشيشة : نوع من أنواع الطعام. انظر ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (١/ ٢٧٣). (٧) (٨) الجهام : السحاب الذي لا ماء فيه . ٢٩٦ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب وقد تكلم عمرو بن سعد القُرظي فأحسنَ، فيما ذكره موسى بن عقبة (١)، ذكرهم ميثاق رسول الله داخله وعهده ، ومعاقدتهم إياه على نصره ، وقال : إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوَّه . قال ابن إسحاق (٢): فلم يزل حُيي بكعب يفتل في الذروة والغارب حتى سمح له - يعني في نقض عهد رسول الله وَّر، وفي محاربته مع الأحزاب - على أن أعطاه حيي عهد الله وميثاقه: لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمداً ؛ أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك . فنقض كعب بن أسد عهده، ويرىء مما كان بينه وبين رسول الله وَلهم. قال موسى بن عقبة : وأمر كعب بن أسد وبنو قريظة حيي بن أخطب أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم . يعني لئلا ينالهم ضيم إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمداً . قالوا : وتكون الرهائن تسعين رجلاً من أشرافهم . فنازلهم حُيي على ذلك ، فعند ذلك نقضوا العهد ، ومزّقوا الصحيفة التي كان فيها العهد ، إلا بني سَعْيَة أَسد، وأَسِيد، وثعلبة، فإنهم خرجوا إلى رسول الله وَله. قال ابن إسحاق (٣): فلما انتهى الخبر إلى رسول الله وَل وإلى المسلمين ، بعث سعد بن معاذ، وهو يومئذ سَيِّد الأوس ، وسعد بن عُبَادة ، وهو يومئذ سَيِّد الخزرج ، ومعهما عبد الله بن رواحة وخوَّات بن جبير، فقال: ((انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم ، فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً أعرفه ، ولا تفتُّوا في أعضاد المسلمين، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس)) . قال : فخرجوا حتى أتوهم . قال موسى بن عقبة (٤) : فدخلوا معهم حصنهم ، فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف ، فقالوا : الآن وقد كسر جناحنا وأخرجهم؟! يريدون بني النَّضير، ونالوا من رسول الله وَّه، فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم ، فأغضبوه، فقال له سعد بن معاذ: إنا والله ما جئنا لهذا، ولمَا بيننا أكبر من المشاتمة . ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال : إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة ، وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النَّضير أو أَمَرَّ منه . فقالوا : أكلت أير أبيك . فقال : غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن . وقال ابن إسحاق(٥): نالوا من رسول الله وَلَه، [وقالوا]: مَنْ رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه ، وكان رجلاً فيه حِدّة ، فقال له سعد بن عُبَادة : دع عنك مشاتمتهم، لِما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم أقبل السعدان ومن معهما إلى رسول الله وَّل فسلَّموا (١) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٤٠١/٣). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٢١/٢). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٢١). (٤) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٤٠٣/٣). (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٢٢/٢). ٢٩٧ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب عليه، وقالوا: عضل والقارة. أي: كغدرهم بأصحاب الرَّجيع، خُبَيب وأصحابه، فقال رسول الله له : (( الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين)). قال موسى بن عقبةُ(١): ثم تقنَّع رسول الله وَ لل بثوبه حين جاءه الخبر عن بني قريظة ، فاضطجع ومكث طويلاً ، فاشتد على الناس البلاء والخوف حين رأوه اضطجع ، وعرفوا أنه لم يأته عن بني قريظة خير، ثم إنه رفع رأسه فقال: ((أبشروا بفتح الله ونصره)) . فلما أن أصبحوا ، دنا القوم بعضهم من بعض، وكان بينهم رمي بالنبل والحجارة. وقال سعيد بن المسيِّب: قال رسول الله وَّ: ((اللهم إني أسألك عهدك ووعدك ، اللهم إن تشأ لا تعبد )). قال ابن إسحاق(٢) : وعظم عند ذلك البلاء ، واشتد الخوف ، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم ، حتى ظن المؤمنون كل ظن ، [ ونجم النفاق ] ، حتى قال معتِّب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وحتى قال أوس بن قيظي : يا رسول الله، [ إن ] بيوتنا عورة من العدوِّ - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نرجع إلى دارنا ؛ فإنها خارج من المدينة . قلت: وهؤلاء وأمثالهم المرادون بقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا (١) وَإِذْ قَالَتْ تَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَتَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا هُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَشْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النِّقَّ ◌َقُولُونَ إِنَّ ◌ُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٢ - ١٣]. قال ابن إسحاق(٣): فأقام رسول الله وَل هــ يعني مرابطاً - وأقام المشركون يحاصرونه بضعاً وعشرين ليلة ، قريباً من شهر ، ولم يكن بينهم حرب إلا الرِّمِّيًا بالنبل ، فلما اشتد على الناس البلاء ، بعث رسول الله وُّل ـ كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، ومن لا أتَّهم، عن الزُّهري - إلى عُيينة بن حصن، والحارث بن عوف المُرِّي ، وهما قائدا غطفان ، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة ، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه ، فجرى بينه وبينهم الصلح ، حتى كتبوا الكتاب ، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصُّلح إلا المراوضة، فلما أراد رسول الله ◌َّ ر أن يفعل ذلك، بعث إلى السَّعدين، فذكر لهما ذلك ، واستشارهما فيه ، فقالا : يا رسول الله ، أمراً تحبه فنصنعه ، أم شيئاً أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ، أم شيئاً تصنعه لنا؟ فقال: (( بل شيء أصنعه لكم ، والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، وكالبوكم من كل جانب ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما » . فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا (١) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٣/ ٤٠٣). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٢٢/٢). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٢٢/٢ - ٢٢٣). ٢٩٨ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة واحدة إلا قِرىّ أو بيعاً ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه ، نعطيهم أموالنا ! ما لنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف ، حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال النبي ◌َّل: ((أنت وذاك)). فتناول سعد بن معاذ الصحيفة ، فمحا ما فيها من الكتاب ، ثم قال : ليجهدوا علينا . قال ابن إسحاق (١): فقام النبي وَّ وأصحابه محاصرين، ولم يكن بينهم وبين عدوهم قتال، إلا أنَّ فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ودّ بن أبي قيس ، أحد بني عامر بن لؤي ، وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان ، وضرار بن الخطّاب بن مرداس ، أحد بني محارب بن فهر ، تلبسوا للقتال ، ثم خرجوا على خيلهم ، حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا : تهيئوا يا بني كنانة للحرب ، فستعلمون مَن الفرسان اليوم . ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم ، حتى وقفوا على الخندق ، فلما رأوه قالوا : والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها . ثم تيمَّموا مكاناً من الخندق ضيقاً ، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع ، وخرج علي بن أبي طالب في نفر معه من المسلمين ، حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم ، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم ، وكان عمرو بن عبد ودِّ قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة ، فلم يشهد يوم أحد ، فلما كان يوم الخندق ، خرج معلماً ليرى مكانه ، فلما وقف هو وخيله قال : من يبارز ؟ فبرز له علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، فقال له : يا عمرو ، إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلّتين إلا أخذتها منه . قال : أجل. قال له علي: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام . قال : لا حاجة لي بذلك. قال : فإني أدعوك إلى النزال . قال له : لم يا بن أخي ، فوالله ما أحب أن أقتلك . قال له علي : لكني والله أحب أن أقتلك . فحمي عمرو عند ذلك ، فاقتحم عن فرسه ، فعقره وضرب وجهه ، ثم أقبل على عليٍّ ، فتنازلا وتجاولا ، فقتله علي ، رضي الله عنه، وخرجت خيلهم منهزمة ، حتى اقتحمت من الخندق هاربة . قال ابن إسحاق(٢) : وقال علي بن أبي طالب في ذلك : ونصرتُ ربَّ محمدٍ بصوابِ نَصَرَ الحجارة من سَفَاهَة رأيه فصددتُ حين تركته متجدِّلاً کالجذع بین دکادك وروابي كنت المقطّر بزّني أثوابي وعَفَفْتُ عن أثوابه ولو انني ونبيّه يا معشر الأحزابِ لا تحسبُنَّ الله خاذلَ دینه قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعليٍّ . (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٢٤/٢). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٢٥/٢). ٢٩٩ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب قال ابن هشام : وألقى عكرمة رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو ، فقال في ذلك حسان بن ثابت(١) : [ من المتقارب ] فَرَّ وألقى لنا رُمْحَهُ لعلك عكرم لم تفعلٍ ـم ما أن تحور عن المعدلِ ووليت تعدو كعدو الظليـ كأن قفاك قفا فَرعلٍ ولم تلق ظهرك مستأنساً قال ابن هشام : الفراعل : صغار الضباع . وذكر الحافظ البيهقي في ((دلائل النبوة)(٢)، عن ابن إسحاق في موضع آخر غير (( السيرة)) قال: خرج عمرو بن عبد ودٍّ وهو مقنع بالحديد ، فنادى : من يبارز ؟ فقام علي بن أبي طالب فقال : أنا لها يا نبي الله. فقال: ((إنه عمرو، اجلس)). ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟ فجعل يؤِّبهم ويقول : أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها ، أفلا تُبرزون إلي رجلاً ؟ فقام علي فقال : أنا يا رسول الله . فقال: ((اجلس)). ثم نادى الثالثة فقال: [من مجزوء الكامل ] ء بجمعكم هل من مبارز ولقد بححت من الندا ـع موقف القرن المناجز ووقفت إذ جَبُنَ المشجـ ولذاك إني لم أزل متسرعاً قِيل الهزاهز والجُود من خير الغرائز إن الشَّجَاعَة في الفتى قال: فقام علي، رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، أنا. فقال: ((إنه عمرو)). فقال: وإن كان عَمراً. فأذن له رسول الله وَ له، فمشى إليه، حتى أتى وهو يقول: [من مجزوء الكامل ] ك مجيب صوتك غیر عاجز لا تعجلنَّ فقد أتا والصِّدق مَنْجى كل فَائزْ في نيَّةٍ وبصيرةٍ إني لأرجو أن أُقِبـ سم عَليك نائحةَ الجنائزْ ـقى ذِكْرُهَا عند الهَزَاهِزْ من ضربة نجلاء يبـ فقال له عمرو: من أنت ؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف ؟ قال: أنا علي بن أبي طالب . فقال: غيرك يابن أخي ، ومن أعمامك من هو أسنُّ منك ، فإني أكره أن أُهريق دمك . فقال له عليٍّ : لكني والله لا أكره أن أهريق دمك فغضب ، فنزل وسلَّ سيفه كأنه شعلة نار ، ثم أقبل نحو عليٍّ مغضباً ، واستقبله عليٍّ بدرقته ، فضربه عمرو في الدَّرقة فقدها وأثبت فيها السيف ، وأصاب رأسه فشجه ، وضربه عليٍّ على حبل عاتقه فسقط ، وثار العجاج ، وسمع رسول الله وَلقه التكبير فعرف أن علياً قد قتله. فثمّ علي يقول: [ من الكامل ] (١) الأبيات فى ((ديوانه)) (٥٠٩/١) و((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٢٦/٢). (٢) (٤٣٨/٣) . ٣٠٠ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب عني وعنهم أخَّروا أصحابي أعليَّ تقتحم الفوارس هكذا ومصمّم في الرأس ليس بنابي اليوم تمنعني الفرار حفيظتي إلى أن قال : عبَد الحجارة من سَفَاهَة رأيه وعبدت ربّ محمد بصوابٍ إلى آخرها . قال : ثم أقبل عليٌّ نحو رسول الله وَّل ووجهه يتهلل، فقال له عمر بن الخطّاب: هلا استلبته درعه ، فإنه ليس للعرب درع خير منها ؟ فقال : ضربته فاتقاني بسوأته ، فاستحييت ابن عمي أن أسلبه . قال : وخرجتْ خيوله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق . وذكر ابن إسحاق فيما حكاه عنه البيهقي (١) ، أن علياً طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقِّه، فمات في الخندق، وبعث المشركون إلى رسول الله وَ لا يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال: ((هو لكم ، لا نأكل ثمن الموتى )» . وقال الإمام أحمد(٢) : ثنا نصر بن باب، ثنا حجَّاج ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس أنه قال: قتل المسلمون يوم الخندق رجلاً من المشركين ، فأُعطوا بجيفته مالاً، فقال رسول الله اليه: (( ادفعوا إليهم جيفته ، فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية)) . فلم يقبل منهم شيئاً . وقد رواه البيهقي(٣) من حديث حمّاد بن سلمة، عن حجاج، هو ابن أرطاة، عن الحكم، عن مقسم ، عن ابن عباس : أن رجلاً من المشركين قتل يوم الأحزاب ، فبعثوا إلى رسول الله وَّ ر أن ابعث إلينا بجسده ونعطيك اثني عشر ألفاً. فقال رسول الله وَلّر: ((لا خير في جسده ولا في ثمنه)). وقد رواه الترمذي(٤)، من حديث سفيان الثوري ، عن ابن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، وقال : غريب. وقد ذكر موسى بن عقبة ، أن المشركين إنما بعثوا يطلبون جسد نوفل بن عبد الله المخزومي حين قتل، وعرضوا عليه الدية، فقال: (( إنه خبيث خبيث الدية ، فلعنه الله ولعن ديته ، فلا أرب لنا في ديته ، ولسنا نمنعكم أن تدفنوه )) . وذكر يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال : وخرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي يسأل المبارزة ، فخرج إليه الزبير بن العوام ، فضربه ، فشقه باثنتين ، حتى فلَّ في سيفه فَلاَّ، وانصرف وهو يقول : [ من السريع ] (١) انظر ((دلائل النبوة)) (٤٣٨/٣). (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٤٨/١)، وإسناده ضعيف. (٣) انظر ((دلائل النبوة)) (٤٤٠/٣). (٤) رواه الترمذي في ((جامعه)) رقم (١٧١٥).