Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ ذكر ما تقاول به المؤمنون والكفّار فى وقعة أحد من الأشعار قال ابن إسحاق(١) : وقالت نُعْمُ امرأة شمّاس بن عثمان تبكي زوجها : [من البسيط ] على كريم من الفتيان لبّاس يا عين جودي بفيضٍ غير إبساسٍ حمّال ألويةٍ ركّاب أفراس صعب البديهة ميمونٍ نقيبته أودى الجواد وأودى المطعم الكاسي أقول لمَّا أتى الناعي له جزءاً لا يبعد الله منا قرب شمّاس وقلت لمّا خلت منه مجالسه قال : فأجابها أخوها الحكم بن سعيد بن يربوع يعزّيها فقال : [من البسيط ] فإنّما كان شمّاسٌ من الناس إِقْنَيْ حياءك في سترٍ وفي كرمٍ في طاعة الله يوم الرَّوع والباس لا تقتلي النّفس إذ حانت منيّته فذاق يومئذٍ من كأس شمّاس قد كان حمزة ليث الله فاصطبري وقالت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان ، حين رجعوا من أحدٍ : [ من الطويل ] وقد فاتني بعض الذي كان مطلبي رجعتُ وفي نفسي بلابل جمّةٌ بني هاشمٍ منهم ومن أهل يثرب من أصْحابِ بدرٍ من قريشٍ وغيرهم كما كنت أرجو في مسيري ومركبي ولكنّني قد نلت شيئاً ولم يكن وقد أورد ابن إسحاق في هذا أشعاراً كثيرةً ، تركنا كثيراً منها ، خشية الإطالة وخوف الملالة ، وفيما ذكرنا كفايةٌ ، ولله الحمد . وقد أورد الأمويّ في ((مغازيه)) من الأشعار أكثر ممّا ذكره ابن إسحاق ، كما جرت عادته ، ولا سيّما هاهنا ، فمن ذلك ما ذكره لحسان بن ثابتٍ أنّه قال في غزوة أحد - فالله أعلم - : [ من الرمل ] فاستبان الخزي فيهم والفشل طاوَعوا الشيطان إذ أخزاهم مخ أبي سفيان قالوا اعل هبل حين صاحوا صيحةً واحدةً ربّنا الرحمن أعلى وأجلّ فأجبناهم جميعاً كلّنا من حياض الموت والموت نهل أُثبتوا نسقيكموها مُرّةً عن حيال الموت قدرٌ تشتعل واعلموا أنّا إذا ما نضّجت وكأنّ هذه الأبيات قطعةٌ من جوابه لعبد الله بن الزّبعرىُ(٢)، والله أعلم . (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٦٧/٢ - ١٦٨). (٢) وقد تقدمت في ص (٢٣٦) من هذا الجزء. ٢٤٢ ذكر آخر الكلام على وقعة أحد آخر الكلام على وقعة أحدٍ و. فصلٌ قد تقدّم ما وقع في هذه السنة الثالثة من الحوادث والغزوات والسّرايا ، ومن أشهرها وقعة أحدٍ ، وكانت في النصف من شوالٍ منها ، وقد تقدّم بسطها ، ولله الحمد . وفيها في أحدٍ توفّي شهيداً أبو يعلى ، ويقال : أبو عمارة . أيضاً ؛ حمزة بن عبد المطلب عمّ رسول الله وَّه، الملقّب بأسد الله وأسد رسوله، وكان رضيع النبيّ بَّه١)، هو وأبو سلمة بن عبد الأسد ، أرضعتهم كلّهم ثويبة مولاة أبي لهبٍ ، كما ثبت ذلك في الحديث المتفق عليه(٢) ، فعلى هذا يكون قد جاوز الخمسين من السنين يوم قتل ، رضي الله عنه ، فإنّه كان من الشجعان الأبطال ، ومن الصدّيقين الكبار ، وقتل معه يومئذٍ تمام السبعين ، رضي الله عنهم أجمعين . قال مصعبٌ الزّبيريّ : ولد ليعلى بن حمزة خمسة بنين ، كلّهم انقرضوا . وكانت له بنتٌ لها : عُمارة . قلت : وهي التي تناولها عليٍّ، وقال لفاطمة : دونك ابنة عمّك ، فاختصم في حضانتها عليٍّ وزيد بن حارثة وجعفرٌ، فقضى بها النبيُّ مَّ لخالتها امرأة جعفرٍ، وقال: (( الخالة بمنزلة الأمّ)(٣). وفيها عقد عثمان بن عفَّان عقده(٤) على أمّ كلثوم بنت رسول الله بِّر، بعد وفاة أختها رُقَيّة، وكان عقده عليها في ربيع الأول منها ، وبنى بها في جمادى الآخرة منها ، كما تقدّم ، فيما ذكره الواقديّ . وفيها ، قال ابن جرير(٥): ولد لفاطمة بنت رسول الله وَّه الحسن بن عليّ بن أبي طالبٍ. قال: وفيها علقت بالحسين ، رضي الله عنهم أجمعين . أ (١) أي شاركه الرَّضاع . (٢) رواه البخاري رقم (٢٦٤٥) و(٥١٠٠) ومسلم رقم (١٤٤٧) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في رضاع النبي ◌َّة وحمزة رضي الله عنه، والبخاري رقم (٥١٠١) و(٥١٠٦) و(٥١٠٧) و(٥١٢٣) و(٥٣٧٢) ومسلم رقم (١٤٤٩) من حديث أم حبيبة رضي الله عنها، في رضاعه بَ ل# وأبي سلمة بن عبد الأسد . (٣) رواه البخاري رقم (٤٢٥١) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه ورواه أحمد في ((المسند)) (١١٥/١) وأبو داود رقم (٢٢٨٠) من حديث علي رضي الله عنه . (٤) لفظ ((عقده)) لم ترد في ( ط ). (٥) انظر ((تاريخ الطبري)) (٢/ ٥٣٧). ٢٤٣ أحداث سنة ٤ هـ سنة أربع من الهجرة النبويّة فى المحرّم منها كانت سريّة أبي سلمة بن عبد الأسد إلى طليحة الأسديّ ، فانتهى إلى ماءٍ يقال له : قطنٌ . قال الواقديّ(١) : ثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيدِ اليربوعيّ ، عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة وغيره ، قالوا : شهد أبو سلمة أحداً ، فجرح جرحاً على عضده ، فأقام شهراً يداوى ، فلمَّا كان هلال(٢) المحرّم على رأس خمسةٍ وثلاثين شهراً من الهجرة، دعاه رسول الله وَّر فقال: ((اخرج في هذه السّريّة، فقد استعملتك عليها)). وعقد له لواءً وقال: (( سر حتى أرض بنى أسدٍ ، فأغرعليهم )) . وأوصاه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً، وخرج معه في تلك السّرية خمسون ومئةٌ ، فانتهى إلى أدنى قطنٍ ، وهو ماءٌ لبني أسدٍ ، وكان هناك طليحة الأسديّ وأخوه سلمة ابنا خويلدٍ ، وقد جمعا خلقاً من بني أسدٍ ليقصدوا حرب النبيّ وََّ، فجاء رجلٌ منهم إلى النبيّ ◌َّرِ فأخبره بما تمالؤوا عليه ، فبعث معه أبا سلمة في سريّته هذه ، فلما انتهوا إلى أرضهم ، تفرّقوا وتركوا نعَماً كثيراً لهم من الإبل والغنم ، فأخذ ذلك كلّه أبو سلمة ، وأسر منهم معه ثلاثة مماليك، وأقبل راجعاً إلى المدينة ، فأعطى ذلك الرجل الأسديّ الذي دلّهم نصيباً وافراً من المغنم، وأخرج صفيّ النبيّ وَّ؛ عبداً، وخمّس الغنيمة ، وقسمها بين أصحابه ، ثم قدم المدينة . قال عمر بن عثمان : فحدّثني عبد الملك بن عميرٍ ، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع ، عن عمر بن أبي سلمة قال : كان الذي جرح أبي أبو أسامة الجشميّ ، فمكث شهراً يداويه فبرأ ، فيما نرى ، وبعثه رسول الله بَّر في المحرّم - يعني من سنة أربع - إلى قطنٍ، فغاب بضع عشرة ليلةً، فلمّا دخل المدينة انتقض به جرحه ، فمات لثلاثٍ بقين من جمادى الأولى . قال عمر: واعتدّت أمي حتى خلت أربعة أشهرٍ وعشر، ثم تزوّجها رسول الله وَّر ودخل بها في ليالٍ بقين من شوّالٍ، وكانت أمي تقول: ما بأسٌ بالنكاح في شوال والدخول فيه، وقد تزوّجني رسول الله وَ له في شوّالٍ وأعرس بي فيه (٣). (١) انظر ((المغازي)) للواقدي (٣٤٠/١). (٢) لفظ ((هلال)) لم يرد في ( ط). (٣) في (ط): ((قد تزوجني رسول الله مَّي في شوال وبنى فيه)). ٢٤٤ ذكر غزوة الرَّجيع قال : وماتت أمّ سلمة في ذي القعدة سنة تسع وخمسين. رواه البيهقيّ(١) قلت: سنذكر في أواخر هذه السنة في شوّالها تزويج النبيّ وَّه بأمّ سلمة، وما يتعلّق بذلك من ولاية الابن أمّه في النِّكاح ، ومذاهب العلماء في ذلك ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة . (٢) غزوة الرّجيع (٢) قال الواقديّ: وكانت في صفرٍ - يعني سنة أربعٍ - بعثهم رسول الله وَّل إلى أهل مكة ليخبروه . قال: والرّجيع على سبعة أميالٍ من عُسفان . قال البخاريّ(٣): ثنا إبراهيم بن موسى، ثنا هشام بن يوسف، عن معمرٍ ، عن الزّهريّ ، عن عمرو بن أبي سفيان الثّقفيّ، عن أبي هريرة قال: بعث النبيّ وََّ سريّةً عيناً، وأمّر عليهم عاصم بن ثابتٍ ، وهو جدّ عاصم بن عمر بن الخطّاب، فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكّة ، ذكروا لحيٍّ من هذيلٍ يقال لهم : بنو لحيان ، فتبعوهم بقريبٍ من مئة رام ، فاقتصّوا آثارهم ، حتى أتوا منزلًا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمرٍ تزوّدوه من المدينة ، فقالوا : هذا تمر يثرب . فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم ، فلما انتهى عاصمٌ وأصحابه لجؤوا إلى فدفدٍ ، وجاء القوم فأحاطوا بهم ، فقالوا : لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ؛ ألّا نقتل منكم رجلاً . فقال عاصمٌ: أمّا أنا فلا أنزل في ذمة كافرٍ ، اللهم أخبر عنا رسولك . فقاتلوهم حتى قتلوا عاصماً في سبعة نفرٍ با لنّبل ، وبقي خبيبٌ وزيدٌ ورجلٌ آخر ، فأعطوهم العهد والميثاق ، فلمّا أعطوهم العهد والميثاق ، نزلوا إليهم ، فلمّا استمكنوا منهم ، حلّوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها ، فقال الرجل الثالث الذي معهما : هذا أول الغدر . فأبى أن يصحبهم ، فجرّوه ، عالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل ، فقتلوه ، وانطلقوا بخبيبٍ وزيدٍ حتى باعوهما بمكة ، فاشترى خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفلٍ ، وكان خبيبٌ هو قتل الحارث يوم بدرٍ ، فمكث عندهم أسيراً ، حتى إذا أجمعوا قتله ، استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها فأعارته . قالت : فغفلت عن صبيٍّ لي ، فدرج إليه حتى أتاه ، فوضعه على فخذه ، فلمّا رأيته فزعت فزعةً عرف ذلك مني ، وفي يده الموسى ، فقال : أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذاك إن شاء الله . وكانت تقول : ما رأيت أسيراً قطّ خيراً من خبيبٍ ، لقد رأيته يأكل من قطف عنبٍ وما بمكة يومئذٍ ثمرةٌ ، وإنه لموثَقٌ في الحديد ، وما كان إلا رزقاً رزقه الله . فخرجوا به من الحرم ليقتلوه ، فقال : دعوني أصلّ ركعتين . ثم انصرف إليهم فقال : لولا أن تروا أنّ ما بي جزعٌ من الموت لزدت . فكان (١) في ((دلائل النبوة)) (٣١٩/٣). (٢) انظر ((الفصول في سيرة الرسول)) للمؤلف ص (١٥٣ - ١٥٤). (٣) رواه البخاري رقم (٤٠٨٦) . ٢٤٥ ذكر غزوة الرَّجيع أوّل من سنّ الركعتين عند القتل هو، ثم قال: اللهمّ أحصهم عدداً واقتلهم بدداً. ثم قال : [ من الطويل ] ولستُ أبالي حين أُقتل مسلماً على أيّ شقٍّ كان في الله مصرعي يبارك على أوصال شلوٍ ممزّع وذلك في ذات الإله وإن يشأ قال : ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله ، وبعثت قريشٌ إلى عاصم ؛ ليؤتَوا بشيءٍ من جسده يعرفونه ، وكان عاصمٌ قتل عظيماً من عظمائهم يوم بدرٍ ، فبعث الله عليه مثل الظّلّة من الدّبْر، فحمته من رسلهم ، فلم يقدروا منه على شيءٍ . وقال البخاريّ(١) : ثنا عبد الله بن محمدٍ ، ثنا سفيان، عن عمرو ، سمع جابر بن عبد الله يقول : الذي قتل خبيباً هو أبو سِروعة . قلت : واسمه عقبة بن الحارث ، وقد أسلم بعد ذلك ، وله حديثٌ في الرّضاع ، وقد قيل : إن أبا سِروعة وعقبة أخوان ، فالله أعلم . هكذا ساق البخاريّ في كتاب المغازي من ((صحيحه)) قصة أصحاب الرّجيع. ورواه أيضاً في التوحيد وفي الجهاد(٢) ، من طرقٍ ، عن الزهريّ ، عن عَمْرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثَّقفي حليف بني زهرة ، ومنهم من يقول : عُمَر بن أبي سفيان . والمشهور عَمْرٌو . وفي لفظ للبخاريّ(٣): بعث رسول الله وَ ل عشرة رهطٍ سريّةً عيناً، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح . وساق نحوه . وقد خالفه محمد بن إسحاق ، وموسى بن عقبة وعروة بن الزّبير في بعض ذلك ، ولنذكر كلام ابن إسحاق ؛ ليعرف ما بينهما من التفاوت والاختلاف ، على أنّ ابن إسحاق إمامٌ في هذا الشأن ، وغير مدافعٍ ، كما قال الشافعيّ ، رحمه الله : من أراد المغازي فهو ◌ِيالٌ على محمدٍ بن إسحاق . قال محمد بن إسحاق(٤)، رحمه الله: ثنا عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله وَ له بعد أحدٍ رهطٌ من عضلٍ والقارة ، فقالوا : يا رسول الله ، إن فينا إسلاماً ، فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقّهوننا في الدين ، ويقرئوننا القرآن، ويعلّموننا شرائع الإسلام. فبعث رسول الله وَ لي معهم نفراً ستةً من أصحابه وهم ؛ مَرثد بن أبي مرثدِ الغنويّ ، حليف حمزة بن عبد المطلب - قال ابن إسحاق : وهو أمير القوم - وخالد بن البكير اللّيثيّ ، حليف بني عديٍّ، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ، أخو بني عمرو بن عوفٍ ، وخبيب بن عديٍّ، أخو بني جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوفٍ ، وزيد بن الدّثنة ، أخو بني (١) رواه البخاري رقم (٤٠٨٧). (٢) من ((صحيحه)) رقم (٧٤٠٢) و(٣٠٤٥). (٣) في ((صحيحه)) رقم (٣٠٤٥). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٦٩/٢). ٢٤٦ ذكر غزوة الرَّجيع بياضة بن عامرٍ ، وعبد الله بن طارقٍ ، حليف بني ظَفرٍ . رضي الله عنهم . هكذا قال ابن إسحاق أنّهم كانوا ستةً ، وكذا ذكر موسى بن عقبةُ(١) ، وسمّاهم كما قال ابن إسحاق . وعند البخاريّ أنهم كانوا عشرةً ، وعنده أنّ أميرهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ، فالله أعلم . قال ابن إسحاق(٢): فخرجوا مع القوم ، حتى إذا كانوا على الرّجيع - ماءٍ لهذيلٍ بناحية الحجاز ، من صدور الهدأة - غدروا بهم ، فاستصرخوا عليهم هذيلاً ، فلم يرع القوم - وهم في رحالهم - إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم ، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم ، فقالوا لهم : إنا والله ما نريد قتلكم ، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئاً من أهل مكة ، ولكن عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم . فأما مرثدٌ وخالد بن البكير وعاصم بن ثابتٍ فقالوا: والله لا نقبل من مشركٍ عهداً ولا عقداً أبداً. وقال عاصم بن ثابتٍ : [ من الرجز ] والقوس فيها وَتَرٌّ عنابل ما عِلّتي وأنا جلدٌ نابل الموت حقّ والحياة باطل تزلّ عن صفحتها المعابل بالمرء والمرء إليه آيل وكلّ ما حمّ الإله نازل إن لم أقاتلكم فأمّ هابل وقال عاصمٌ أيضاً : [ من الرجز ] وضالةٌ مثل الجحيم الموقد أبو سليمان وريش المقعد إذا النّواجي افترشت لم أرعد ومجناٌ من جلد ثورٍ أجرد ومؤمنٌ بما على محمد وقال أيضاً : [ من الرجز ] أبو سليمان ومثلي رامى وكان قومي معشراً كراما قال : ثم قاتل حتى قتل ، وقتل صاحباه ، فلمّا قتل عاصمٌ، أرادت هذيلٌ أخذ رأسه ؛ ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شُهَيدٍ(٣) ، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحدٍ ؛ لئن قدرت على رأس عاصمٍ ، لتشربنّ في قِحفه الخمر ، فمنعته الدّبْر - هكذا ذكره البخاريّ بعد وصول خبيبٍ وزيد بن الدّثنة إلى مكّة . وهذا الذي ذكره ابن إسحاق أنسب ــ قال : فلمّا حالت بينهم وبينه قالوا : دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه . فبعث الله الوادي ، فاحتمل عاصماً فذهب به ، وقد كان عاصمٌ قد أعطى الله عهداً أن لا يمسّه مشركٌ، ولا يمسّ مشركاً أبداً ؛ تنجّساً ، فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أن الدّبْر منعته : (١) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٣٢٧/٣). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٦٩/٢). (٣) في (آ) و(ط): ((سهيل)). ٢٤٧ ذكر غزوة الرَّجيع يحفظ الله العبد المؤمن ، كان عاصمٌ نذر أن لا يمسه مشرٌ ، ولا يمسّ مشركاً أبداً في حياته ، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته . قال ابن إسحاق(١) : وأما خبيبٌ وزيد بن الدّثنة وعبد الله بن طارقٍ فلانوا ورقّوا ورغبوا في الحياة ، وأعطوا بأيديهم فأشروهم ، ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها ، حتى إذا كانوا بالظّهران ، انتزع عبد الله ابن طارقٍ يده من القِران ، ثم أخذ سيفه ، واستأخر عنه القوم ، فرموه بالحجارة حتى قتلوه ، فقبره بالظّهران ، وأما خبيب بن عديٍّ ، وزيد بن الدّئنة ، فقدموا بهما مكة . قال ابن هشامٍ : فباعوهما من قريشٍ بأسيرين من هذيلٍ كانا بمكّة . قال ابن إسحاق : فابتاع خبيباً حجير بن أبي إهابِ التّميميّ ، حليف بني نوفلٍ لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفلٍ ، وكان أبو إهابٍ أخا الحارث بن عامرٍ لأمّه ؛ ليقتله بأبيه . قال : وأما زيد بن الدّئنة فابتاعه صفوان بن أمية ؛ ليقتله بأبيه ، فبعثه مع مولى له يقال له : نسطاسٌ . إلى التّنعيم ، وأخرجه من الحرم ليقتله ، واجتمع رهطٌ من قريشٍ ، فيهم أبو سفيان بن حربٍ ، فقال له أبو سفيان حين قدّم ليقتل : أنشدك الله يا زيد ، أتحبّ أنّ محمداً عندنا الآن مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك ؟ قال : والله ما أحبّ أنّ محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكةٌ تؤذيه وأني جالسٌ في أهلي . قال : يقول أبو سفيان : ما رأيت من الناس أحداً يحبّ أحداً كحبّ أصحاب محمدٍ محمداً . قال: ثم قتله نسطاسٌ . قال : وأما خبيب بن عديّ ، فحدّثني عبد الله بن أبي نجيحٍ ، أنه حدّث عن ماويّة مولاة حجير بن أبي إهابٍ ، وكانت قد أسلمت ، قالت : كان خبيبٌ عندي ، حبسٌ في بيتي ، فلقد أطّلعت عليه يوماً ، وإنّ في يده لقِطفاً من عنبٍ مثل رأس الرّجل يأكل منه ، وما أعلم في أرض الله عنباً يؤكل . قال ابن إسحاق(٢): وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي نجيح أنهما قالا: قالت: قال لي حين حضره القتل : ابعثي إليّ بحديدةٍ أتطهّر بها للقتل . قالت : فأعطيت غلاماً من الحيّ الموسى ، فقلت له : ادخل بها على هذا الرجل البيت . قالت : فوالله إن هو إلا أن ولّى الغلام بها إليه ، فقلت : ماذا صنعت ؟ أصاب والله الرجل ثأره بقتل هذا الغلام ، فيكون رجلاً برجلٍ . فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ، ثم قال : لعمرك ما خافت أمّك غدري [ حين ] بعثتك بهذه الحديدة إليّ، ثمَّ خلّى سبيله . قال ابن هشامٍ : ويقال : إنّ الغلام ابنها . قال ابن إسحاق : قال عاصمٌ : ثم خرجوا بخبيبٍ ، حتى جاءوا به إلى التّنعيم ليصلُبوه ، قال لهم : إن رأيتم أن تدَعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا . قالوا : دونك فاركع . فركع ركعتين أتمهّما وأحسنهما ، (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٧١). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٧٢). ٢٤٨ ذكر غزوة الرّجيع ثم أقبل على القوم فقال : أما والله لولا أن تظنّوا أني إنما طوّلت جزعاً من القتل ، لاستكثرت من الصلاة . قال : فكان خبيبٌ أول من سنّ هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين . قال : ثم رفعوه على خشبةٍ ، فلمّا أوثقوه قال : اللهمّ إنّا قد بلّغنا رسالة رسولك، فبلّغه الغداة ما يصنع بنا . ثم قال : اللهمّ أحصهم عدداً، واقتلهم بَدَداً، ولا تغادر منهم أحداً . ثم قتلوه . وكان معاوية بن أبي سفيان يقول : حضرته يومئذٍ فيمن حضره مع أبي سفيان ، فلقد رأيته يلقيني إلى الأرض فرقاً من دعوة خبيبٍ ، وكانوا يقولون : إنّ الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه ، زلّت عنه . فائدةٌ: قال السّهيلّيُّ(١): وإنَّما صارت الركعتان سنّةً - يعني عند القتل - لأنها فعلت في زمان النبيّ وََّ، فأقرّ عليها، واستحسنت من صنيعه. قال: وقد صلاّها زيد بن حارثة في حياة النبيّ وَّ. ثم ساق (٢) بإسناده من طريق أبي بكر بن أبي خيثمة ، عن يحيى بن معينٍ ، عن يحيى بن عبد الله بن بكيرٍ ، عن اللّيث بن سعدٍ قال : بلغني أنّ زيد بن حارثة استأجر من رجلٍ بغلاً من الطائف ، واشترط عليه المكري أن ينزله حيث شاء ، فمال به إلى خرِبةٍ ، فإذا بها قتلى كثيرةٌ ، فلمّا همّ بقتله قال له زيدٌ : دعني حتى أصلّي ركعتين . فقال : صلّ ركعتين ، لطالما صلّى هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئاً . قال : فصلّيت ثم جاء ليقتلني ، فقلت : يا أرحم الراحمين . فإذا صارخٌ يقول : لا تقتله . فهاب وذهب ينظر ، فلم ير شيئاً ، ثم جاء ليقتلني فقلت : يا أرحم الراحمين . فسمع أيضاً الصوت يقول : لا تقتله . فذهب لينظر ثم جاء ، فقلت : يا أرحم الراحمين . فإذا أنا بفارسٍ على فرسٍ ، في يده حربةٌ في رأسها شُعْلةٌ من نارٍ ، فطعنه بها حتى أنفذه فوقع ميتاً . ثم قال : لمّا دعوتَ الله في المّرة الأولى كنت في السماء السابعة ، ولمّا دعوته في المّرة الثانية كنت في السماء الدّنيا ، ولمّا دعوته في الثالثة أتيتك . قال السّهيليّ: وقد صلّها حجر بن عديٍّ بن الأدبر حين حمل إلى معاوية من العراق ، ومعه كتاب زياد بن أبيه ، وفيه أنّه خرج عليه وأراد خلعه ، وفي الكتاب شهادة جماعةٍ من التابعين ، منهم الحسن وابن سيرين ، فلمّا دخل على معاوية قال : السلام عليك يا أمير المؤمنين . قال : أوَ أنا أمير المؤمنين ؟ وأمر بقتله ، فصلّى ركعتين قبل قتله ، رحمه الله . قال : وقد عاتبت معاوية عائشة في قتله ، فقال : إنّما قتله من شهد عليه . ثم قال : دعيني وحجراً ، فإنّي سألقاه على الجادّة يوم القيامة . قالت : فأين ذهب عنك حلم أبي سفيان ؟ قال : حين غاب عنّي مثلك من قومي . وفي ((مغازي موسى بن عقبة(٣): أنّ خبيباً وزيد بن الدّئنة قتلا في يوم واحدٍ، وأنّ رسول الله وَل سمع يوم قتلا وهو يقول: (( وعليكما - أو عليك - السلام، خبيبٌ قتلته قريشٌ)). (١) انظر ((الروض الأنف)) (٦/ ١٩٢). (٢) يعني السهيلي . (٣) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٣٢٦/٣). ٢٤٩ ذكر غزوة الرَّجيع وذكر أنّهم لمّا صلبوا زيد بن الدّئنة ، رموه بالنّبل ليفتنوه عن دينه ، فما زاده إلّا إيماناً وتسليماً. وذكر عروة وموسى بن عقبة أنّهم لمّا رفعوا خبيباً على الخشبة ، نادَوه يناشدونه : أتحبّ أنّ محمداً مكانك ؟ قال : لا والله العظيم ، ما أحبّ أن يفديني بشوكةٍ يشاكها في قدمه . فضحكوا منه . وهذا ذكره ابن إسحاق في قصة زيد بن الدّثنة . فالله أعلم . قال موسى بن عقبة : زعموا أنّ عمرو بن أمية دفن خبيباً . قال ابن إسحاق (١) : وحدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه عبادٍ، عن عقبة بن الحارث قال : سمعته يقول : والله ما أنا قتلت خبيباً ؛ لأنّي كنت أصغر من ذلك ، ولكنّ أبا ميسرة أخا بني عبد الدار أخذ الحربة ، فجعلها في يدي ، ثم أخذ بيدي وبالحربة ، ثم طعنه بها حتى قتله . قال ابن إسحاق (٢): وحدّثني بعض أصحابنا قال: كان عمر بن الخطّاب استعمل سعيد بن عامر بن حِذْيم الجمحيّ على بعض الشام ، فكانت تصيبه غشيةٌ وهو بين ظهري القوم ، فذكر ذلك لعمر وقيل : إن الرجلَ مصابٌ . فسأله عمر في قَدمةٍ قدمها عليه ، فقال : يا سعيد ، ما هذا الذي يصيبك ؟ فقال : والله يا أمير المؤمنين ما بي من بأسٍ ، ولكنّي كنت فيمن حضر خبيب بن عديّ حين قتل ، وسمعت دعوته ، فوالله ما خطرت على قلبي وأنا في مجلسٍ قطّ إلَّ غشي عليّ . فزادته عند عمر خيراً. وقد قال الأمويّ : حدّثني أبي قال : قال ابن إسحاق : وبلغنا أنّ عمر قال : من سرّه أن ينظر إلى رجلٍ نسيج وحده فلينظر إلى سعيد بن عامرٍ . قال ابن هشام(٣) : أقام خبيبٌ في أيديهم حتى انسلخت الأشهر الحرم ثم قتلوه . وقد روى البيهقيّ ، من طريق إبراهيم بن إسماعيل ، حدّثني جعفر بن عمرو بن جعفر بن عمرو بن أمية ، عن أبيه ، عن جدّه عمرو بن أمية، أنّ رسول الله و چيل كان بعثه عيناً وحده، قال : جئت إلى خشبة خبيبٍ فرقيت فيها وأنا أتخوّف العيون ، فأطلقتُه فوقع إلى الأرض ، ثم اقتحمت فانتبذت قليلاً ، ثم التفتّ فلم أر شيئاً ، فكأنّما ابتلعته الأرض ، فلم تذكر لخبيبٍ رمّةٌ حتى الساعة . ثم روى ابن إسحاق (٤) ، عن محمد بن أبي محمدٍ ، عن سعيدٍ أو عكرمة ، عن ابن عباسٍ قال : لمّا قتل أصحاب الرّجيع قال ناسٌ من المنافقين: يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا ، لا هم أقاموا في أهليهم ، ولا هم أدّوا رسالة صاحبهم . فأنزل الله فيهم: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]. وما بعدها. وأنزل الله في أصحاب السّريّة: (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٧٣). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٧٣ - ١٧٤). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٧٤/٢). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٧٤). ٢٥٠ مكرغزوة الزجيع ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاَللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [ أسبخر: ٢٠٠ !. قال ابن إسحاق : وكان ممّا قيل من الشعر في هذه الغزوة قول خبيبٍ حين أجمعوا على قتله - قال ابن هشامٍ : ومن الناس من ينكرها له - : ( من الطويل ] لقد جمّع الأحزاب حولي وألّبوا وكلّهم مبدي العداوة جاهدٌ وقد جمّعوا أبناءهم ونساءهم إلى الله أشكو غربتي ثم كُربتي فذا العرش صبّرني على ما يُراد بي وذلك في ذات الإله وإن يشأ وقد خيّروني الكفر والموت دونه وما بي حِذار الموت إنّي لمّتٌّ فوالله ما أرجو إذا متّ مسلماً فلست بمبدٍ للعدوّ تخشّعاً قبائلهم واستجمعوا كلّ مجمعٍ عليّ لأنّي في وثاقٍ مضيّع وقرّبتُ من جذعٍ طويلٍ ممنّع وما أرصد الأعداءُ لَي عند مَصْرَعي فقد بضّعوا لحمي وقد ياس مطمعي يبارك على أوصال شلوٍ ممزّع وقد هملت عيناي من غير مجزع ولكن حذاري جحم نارٍ ملفّع على أيّ جنبٍ كان في الله مضجعي(١) ولا جزعاً إنّي إلى الله مرجعي وقد تقدّم في (( صحيح البخاريّ )) بيتان من هذه القصيدة ، وهما قوله : [من الطويل ] فلست أبالي حين أقتل مسلماً على أيّ شقِّ كان في الله مصرعي يبارك على أوصال شلو ممزع وذلك فى ذات الإله وإن يشأ وقال حسان بن ثابتٍ(٢) يبكي خبيباً ، فيما ذكره ابن إسحاق : [ من البسيط ] سخّا على الصدر مثل اللؤلؤ القلق ما بال عينك لا ترقا مدامعها لا فشلٍ حين تلقاه ولا نزق على خبيبٍ فتى الفتيان قد علموا وجنّة الخُلد عند الحور في الرُّفَق فاذهب خبيب جزاك الله طيّبةً حين الملائكة الأبرار في الأفق طاغٍ قد اوعث في البلدان والرُّفَق ماذا تقولون إن قال النبيّ لكم فيم قتلتم شهيد الله في رجلٍ قال ابن هشام : تركنا بعضها ؛ لأنه أقذع فيها . وقال حسان (٣) يهجو الذين غدروا بأصحاب الرّجيع من بني لحيان، فيما ذكره ابن إسحاق: [من البسيط] (١) في ((السيرة النبوية)) لابن هشام: ((مصرعي)) كما سيأتي في رواية البخاري. (٢) انظر ((ديوانه)) (١/ ٢١٣). (٣) انظر ((ديوانه)) (١٧١/١) وانظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٧٩/٢). ٢٥١ ذكر غزوة الرّجيع إن سرك الغدر صِرفاً لا مزاج له قومٌ تواصوا بأكل الجار بينهم لو ينطق التّيس يوماً قام يخطبهم فأت الرّجيع فسل عن دار لحيان فالكلب والقرد والإنسان مثلان وكان ذا شرفٍ فيهم وذا شان وقال حسان بن ثابتٍ (١) أيضاً يهجو هذيلاً وبني لحيان على غدرهم بأصحاب الرّجيع، رضي الله تعالى عنهم أجمعين : [ سن الطويل ] لعمري لقد شانت هذيل بن مدرك أحاديث لحيانٍ صَلَوْا بقبيحها أناسٌ همُ من قومهم في صميمهم همُ غدروا يوم الرّجيع وأسلمت رسول رسول الله غدراً ولم تكن فسوف يرون النصر يوماً عليهمُ أبابيل دبرٍ شُمّسٍ دون لحمه لعلّ هذيلاً أن يروا بمصابه ونوقع فيها وقعةً ذات صولةٍ بأمر رسول الله إنّ رسوله قُبيّلةٌ ليس الوفاء يُهمّهم إذا الناس حلّوا بالفضاء رأيتهم محلّهمُ دار البوار ورأيهم وقال حسان ، رضي الله عنه ، أيضا٢ً) يمدح أصحاب الرّجيع ، ويسمّيهم في شعره كما ذكره ابن إسحاق ، رحمه الله تعالى : [ من الكامل ] صَلَّى الإله على الذين تتابعوا رأس السّريّة مرثدٌ وأميرهم وابنٌ لطارق وابن دثنة منهمُ والعاصم المقتول عند رجيعهم منع المقادة أن ينالوا ظهره أحاديث كانت في خُبِيبٍ وعاصمٍ ولحيان جزّامون شرّ الجرائم بمنزلة الزّمعان دُبْر القوادم أمانتهم ذا عفّةٍ ومكارم هذيلٌ توقّى منكرات المحارم بقتل الذي تحميه دون الحرائم حمت لحم شهّادٍ عظام الملاحم مصارع قتلى أو مقاماً لماتم يوافي بها الرّكبان أهل المواسم رأى رأي ذي حزمٍ بلحيان عالم وإن ظلموا لم يدفعوا كفّ ظالم بمجرى مسيل الماء بين المخارم إذا نابهم أمرٌ كرأي البهائم يوم الّجيع فأُكرموا وأُثببوا وابن البكير أمامهم وخُبِيبُ وافاه ثمّ حِمامه المكتوب كسب المعالي إنه لكسوب حتى يجالد إنه لنجيب (١) الأبيات في ((ديوانه)) (١/ ٥١٣). (٢) الأبيات في ((ديوانه)) (١٧٩/١) وانظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٨٣/٢). ٢٥٢ ذكر سرية عمرو بن أمية الضّمري قال ابن هشام(١) : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسَّان . سريّة عمرو بن أُميّة الضّمريّ ، على إثر مقتل خُبيبٍ (٢) قال الواقديّ(٣) : حدّثني إبراهيم بن جعفرٍ عن أبيه، وعبد الله بن أبي عبيدة ، عن جعفر بن عمر بن أُمية الضمري ، وعبد الله بن جعفر ، عن عبد الواحد بن أبي عونٍ ، وزاد بعضهم على بعضٍ ، قالوا : كان أبو سفيان بن حربٍ قد قال لنفرٍ من قريشٍ بمكة : ما أحدٌ يغتال محمداً ؟ فإنه يمشي في الأسواق فندرك ثأرنا ؟ فأتاه رجلٌ من العرب فدخل عليه منزله ، وقال له : إن أنت قوّيتني خرجت إليه حتى أغتاله ، فإني هادٍ بالطريق خرّيتٌ ، معي خنجرٌ مثل خافية النّسر . قال : أنت صاحبنا . وأعطاه بعيراً ونفقةً ، وقال : اطو أمرك ؛ فإني لا آمن أن يسمع هذا أحدٌ فينميه إلى محمدٍ . قال : قال : العربيّ : لا يعلمه أحدٌ . فخرج ليلاً على راحلته فسار خمساً، وصبّح ظهر الحرّة صبح سادسةٍ، ثم أقبل يسأل عن رسول الله إِ له ، حتى أتى المصلّى ، فقال له قائلٌ : قد توجّه إلى بني عبد الأشهل . فخرج الأعرابيّ يقود راحلته حتى انتهى إلى بني عبد الأشهل، فعقل راحلته، ثم أقبل يؤمّ رسول الله وَّر فوجده في جماعةٍ من أصحابه ، يحدّث في مسجده، فدخل، فلمّا رآه رسول الله وَ لّه قال لأصحابه: ((إنّ هذا الرجل يريد غدراً، والله حائلٌ بينه وبين ما يريده)) . فوقف وقال : أيكم ابن عبد المطلب ؟ فقال له رسول الله وَله: ((أنا ابن عبد المطلب)). فذهب يُجنىء على رسول الله وَل كأنه يسارّه، فجبذه أسيد بن حضيرٍ وقال: تنحّ عن رسول الله مله. وجذب بداخلة إزاره، فإذا الخنجر ، فقال : يا رسول الله ، هذا غادرٌ . فأسقط في يد الأعرابيّ ، وقال : دمي دمي يا محمد . وأخذه أسيد بن حضير يلبّبه، فقال له النبيّ وَّ: ((اصدقني، ما أنت وما أقدمك ؟ فإن صدقتني نفعك الصِّدق، وإن كذبتني فقد أطلعت على ما هممت به)). قال العربيّ: فأنا آمنٌ؟ قال: ((فأنت آمنٌ)) . فأخبره بخبر أبي سفيان وما جعل له ، فأمر به فحبس عند أسيد بن حضيرٍ، ثم دعا به من الغد فقال: (( قد آمنتك ، فاذهب حيث شئت، أوَ خيرٌ لك من ذلك؟)). قال: وما هو؟ فقال: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنّ رسول الله)). فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك أنت رسول الله ، والله يا محمد، ما كنت أفرَق [من] الرجال، فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت نفسي ، ثم اطّلعتَ على ما هممت به مما سبقت به الرّكبان ، ولم يطّلع عليه أحدٌ ، فعرفت أنك ممنوعٌ وأنك على حقٍّ، وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان. فجعل النبيّ وَّر يتبسّم، وأقام أياماً، ثم استأذن النبيّ وَ ◌ّ فخرج من عنده ولم يسمع له بذكرٍ . وقال رسول الله وَلّ لعمرو بن أمية الضّمريّ ولسلمة بن أسلم بن حريشٍ: (( اخرجا حتى تأتيا (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٨٣/٢). (٢) قوله: ((على إثر مقتل خبيب)) لم يرد في ( ط ). (٣) انظر ((تاريخ الطبري)) (٥٤٢/٢). ٢٥٣ ذكر سرية عمرو بن أمية الضّمري أبا سفيان بن حربٍ ، فإن أصبتما منه غرّةً فاقتلاه)) . قال عمرٌو : فخرجت أنا وصاحبي حتى أتينا بطن يأجج ، فقيّدنا بعيرنا ، وقال لي صاحبي : يا عمرو ، هل لك في أن نأتي مكَّة، فنطوف بالبيت أسبوعاً ونصلي ركعتين ؟ فقلت : إني أعرَف بمكة من الفرس الأبلق ، وإنهم إن رأوني عرفوني ، وأنا أعرف أهل مكة ؛ إنهم إذا أمسوا انفجعوا بأفنيتهم ، فأبى عليّ فانطلقنا، فأتينا مكَّة فطفنا أسبوعا١ً) وصلّينا ركعتين ، فلمّا خرجت لقيني معاوية بن أبي سفيان فعرّفني وقال : عمرو بن أمية! وأخبر أباه ، فنذر بنا أهل مكَّة فقالوا : ما جاء عمرٌو في خيرٍ . وكان عمرٌو فاتكاً في الجاهلية ، فحشد أهل مكة وتجمّعوا ، وهرب عمرٌو وسلمة ، وخرجوا في طلبهما ، واشتدّوا في الجبل . قال عمرٌو : فدخلت غاراً فتغيّبت عنهم حتى أصبحت ، وباتوا يطلبوننا في الجبل ، وعمّى الله عليهم طريق المدينة أن يهتدوا لراحلتنا ، فلما كان الغد ضحوةً ، أقبل عثمان بن مالك بن عبيد الله التّيميّ يختلي لفرسه حشيشاً ، فقلت لسلمة بن أسلم : إذا أبصرنا أشعر بنا أهل مكَّة ، وقد أقصروا عنا . فلم يزل يدنو من باب الغار حتى أشرف علينا . قال : فخرجت إليه فطعنته طعنةً تحت الثّدي بخنجري ، فسقط وصاح ، فأسمع أهل مكَّة ، فأقبلوا بعد تفرّقهم ، ودخلت الغار ، وقلت لصاحبي : لا تتحرّك . قأقبلوا حتى أتوه ، وقالوا : من قتلك ؟ قال : عمرو بن أُمية الضّمريّ . فقال أبو سفيان : قد علمنا أنه لم يأت لخيرٍ . ولم يستطع أن يخبرهم بمكاننا ، فإنه كان بآخر رمقٍ فمات ، وشغلوا عن طلبنا بصاحبهم ، فحملوه ، فمكثنا ليلتين في مكاننا حتى خرجنا ، فقال صاحبي : يا عمرو بن أمية ، هل لك في خبيب بن عديٍّ ننزله ؟ فقلت له : أين هو ؟ قال : هو ذاك مصلوبٌ ، حوله الحرس . فقلت : أمهلني وتنحّ عني ، فإن خشيت شيئاً فانح إلى بعيرك فاقعد عليه ، فأت رسول الله وَّ فأخبره الخبر ودعني ، فإني عالمٌ بالمدينة . ثم اشتددت عليه حتى وجدته فحملته على ظهري ، فما مشيت به إلّا عشرين ذراعاً حتى استيقظوا ، فخرجوا في أثري فطرحت الخشبة ، فما أنسى وقعها دب(٢) - يعني صوتها - ثم أهلت عليه التُّراب برجلي ، فأخذت طريق الصّفراء ، فأعيوا ورجعوا ، وكنتُ لا أُدرك مع بقاء نَفَسي، فانطلق صاحبي إلى البعير فركبه وأتى النبيّ وَّ فأخبره، وأقبلت حتى أشرفت على الغميم ، غميم ضجَنان ، فدخلت في غارٍ معي قوسي وأسهمي وخنجري ، فبينما أنا فيه إذ أقبل رجلٌ من بني بكرٍ من بني الدّيل ، أعور طويلٌ ، يسوق غنماً ومعزى، فدخل الغار وقال : من الرجل ؟ فقلت : رجلٌ من بني بكرٍ . فقال : وأنا من بني بكرٍ . ثم اتّكأ ورفع عقيرته يتغنّى ويقول : [من الوافر ] فلست بمسلمٍ ما دمت حياً ولست أدين دين المسلمينا فقلت في نفسي : والله إني لأرجو أن أقتلك . فلمّا نام قمت إليه ، فقتلته شرّ قِتلةٍ قتلتها أحداً قطُ ، ثم خرجت حتى هبطت ، فلما أسهلت في الطريق إذا رجلان بعثتهما قريشٌ يتجسَّسان الأخبار ، فقلت : استأسرا . فأبى أحدهما ، فرميته فقتلته ، فلما رأى ذلك الآخر استأسر ، فشددته وثاقاً ، ثم أقبلت به إلى (١) في (ط): ((سبعاً)). (٢) في (ط): ((فما أنسى وجيبها)). ٢٥٤ ذكر سرية بتر معونة النبيّ وَّر، فلما قدمت المدينة رآني صبيانٌ وهم يلعبون، وسمعوا أشياخهم يقولون: هذا عمرٌو. فاشتدّ الصِّبيان إلى النبيّ ◌َلّ فأخبروه، وأتيته بالرجل قد ربطت إبهاميه بوَتر قوسي، فلقد رأيت النبيّ وَّل وهو يضحك ، ثم دعا لي بخيرٍ . وكان قدوم سلمة قبل قدوم عمرو بثلاثة أيام. رواه البيهقيّ(١) وقد تقدّم أن عَمْراً لما أهبط خبيباً لم ير له رِمّةً ولا جسداً ، فلعله دفن مكان سقوطه . والله أعلم ، وهذه السّريّة إنما استدركها ابن هشام على ابن إسحاق ، وساقها بنحوٍ من سياق الواقديّ لها ، لكن عنده أن رفيق عمرو بن أمية في هذه السّرية جبّار بن صخرٍ ، فالله أعلم ، ولله الحمد . سرية بئر مَعُونَة وقد كانت في صفرٍ منها، وأغرب مكحولٌ(٢)، رحمه الله، حيث قال(٣): إنها كانت بعد الخندق(٤) قال البخاريّ(٤): ثنا أبو معمرٍ، ثنا عبد الوارث(٦) حدثنا عبد العزيز، عن أنس بن مالك قال: بعث النبيُّ وَّ(١) سبعين رجلاً لحاجةٍ يقال لهم: القرّاء. فعرض لهم حيّان من بني سليم - رِعِلٌ وذكوان - عند بئرٍ يقال لها : بئر معونة. فقال القوم: والله ما إيّاكم أردنا، وإنما نحن مجتازون في حاجة للنبيّ مَّ . فقتلوهم ، فدعا النبيّ مَّ عليهم شهراً في صلاة الغداة ، وذاك بدء القنوت ، وما كنا نقنت. ورواه مسلم(٨)، من حديث حمّاد بن سلمة ، عن ثابتٍ ، عن أنسٍ ، بنحوه . ثم قال البخاري٩ّ): ثنا عبد الأعلى بن حمّادٍ ، ثنا يزيد بن زريعٍ ، ثنا سعيدٌ ، عن قتادة ، عن أنس بن مالكِ أن رِعلاً وذكوان وعصيّة وبني لحيان استمدّوا رسول الله وَّر على عدوٍّ، فأمدَّهم بسبعين من الأنصار ، كنا نسمّيهم القرّاء في زمانهم ، كانوا يحتطبون بالنّهار ، ويصلّون بالليل ، حتى إذا كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم ، فبلغ النبيّ وَّه، فقنت شهراً يدعوفي الصّبح على أحياءٍ من أحياء العرب ؛ (١) في ((دلائل النبوة)) (٣٣٣/٣). (٢) هو مكحول الشامي أبو عبد الله، فقيه ثقة كثير الإرسال ، من كبار رواة الحديث، مات سنة بضع عشرة ومئة. انظر ((تحرير تقريب التهذيب)) (٤١٥/٣) و((شذرات الذهب)) (٦٦/٢). (٣) انظر ((المعرفة والتاريخ)) للفسوي (٣٠٠/٣). (٤) قلت: رتّبها قبل الخندق أيضاً، ابن قيم الجوزية في ((زاد المعاد)) (٢٢١/٣) حيث قال: وممن قال: ((وفي هذا الشهر بعينه ، وهو صفر من السنة الرابعة، كانت وقعة بئر معونة ... )) . (٥) رواه البخاري رقم (٤٠٨٨). في (أ): ((عبد الرازق)) وهو خطأ، وأثبت لفظ ( ط ) وهو الصواب . (٦) (٧) في (ط): ((بعث رسول الله القر)). في « صحيحه )) رقم (٦٧٧ ) ( ١٤٧). (٨) (٩) رواه البخاري رقم (٤٠٩٠). ٢٥٥ ذكر سرية بتر معونة على رِعلٍ وذكوان وعصيّة وبني لحيان. قال أنسٌ: فقرّأنا فيهم قرآناً، ثم إنّ ذلك رفع: (( بلّغوا عنا قومنا أنّا لقينا ربّنا فرضي عنّا وأرضانا)). ثم قال البخاريّ(١) : ثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا همّامٌ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، حدّثني أنس بن مالكٍ أن النبيّ بِّرَ بعث خاله حراماً - أخاً لأمّ سليم - في سبعين راكباً، وكان رئيس المشركين عامر بن الطّفيل خيَّر رسول الله وَلّهبين ثلاث خصال، فقال: يكون لك أهل السهل ، ولي أهل المدر ، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان بألفٍ وألفٍ . فطعنُ(٢) عامرٌ في بيت أمّ فلانٍ ، فقال : غدّةٌ كغدّة البكر في بيت امرأةٍ من آل فلانٍ ، ائتوني بفرسي ، فمات على ظهر فرسه ، فانطلق حرامٌ ، أخو أمّ سليم ، وهو رجلٌ أعرج ، ورجلٌ من بني فلانٍ ، فقال : كونا قريباً حتى آتيهم ، فإن آمنوني كنتم قريباً ، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم. فقال: أتؤمنوني حتى أَبَلِّغ رسالة رسول الله وَّرَ؟ فجعل يحدّثهم ، وأومؤوا إلى رجلٍ فأتاه من خلفه فطعنه . قال همَّام : أحسبه قال: حتى أنفذه بالرّمح . فقال : الله أكبر ، فزت وربّ الكعبة . فلحق الرجل ، فقتلوا كلُّهم غير الأعرج ، وكان في رأس جبلٍ ، فأنزل الله علينا ، ثم كان من المنسوخ : ((إنا قد لقينا ربّنا فرضي عنا وأرضانا)). فدعا النبيّ وَّر عليهم ثلاثين صباحاً؛ على رِعِلٍ وذَكوان وبني لحيان وعصيّة الذين عصوا الله ورسوله . وقال البخاري (٣) : ثنا حِبّان، ثنا عبد الله ، أخبرني معمرٌ ، حدّثني ثمامة بن عبد الله بن أنسٍ ، أنه سمع أنس بن مالكٍ يقول : لما طعن حرام بن ملحان - وكان خاله - يوم [ بئر ] معونة قال بالدَّم هكذا ؛ فنضحه على وجهه ورأسه ، ثم قال : فزت وربّ الكعبة . وروى البخاري(٤) ، عن عبيد بن إسماعيل ، عن أبي أسامة ، عن هشام بن عروة ، أخبرني أبي قال : لما قتل الذين ببئر معونة ، وأُسر عمرو بن أمية الضّمريّ ، قال له عامر بن الطّفيل : من هذا ؟ فأشار إلى قتيلٍ ، فقال له عمرو بن أمية : هذا عامر بن فُهيرة . قال : لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء ، حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع. فأتى النبيّ بَّر خبرهم، فنعاهم فقال: ((إن أصحابكم قد أصيبوا ، وإنهم قد سألوا ربّهم ، فقالوا : ربّنا أخبر عنَّا إخواننا بما رضينا عنك ، ورضيت عنا ، فأخبرهم عنهم )) . وأصيب يومئذٍ فيهم عروة بن أسماء بن الصّلت ، فسمّي عروة به ، ومنذر بن عمرو ، وسمّي به منذراً . (١) رواه البخاري رقم (٤٠٩١ ) . (٢) أي : أصيب بمرض الطاعون ، وأم فلان هي سلول بنت شيبان امرأة أخيه. (٣) رواه البخاري رقم (٤٠٩٢) . (٤) رواه البخاري رقم ( ٤٠٩٣) . ٢٥٦ ذكر سرية بئر معونة هكذا وقع في رواية البخاريّ مرسلاً عن عروة . وقد رواه البيهقيّ(١) من حديث يحيى بن سعيدٍ، عن أبي أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة، فساق من حديث الهجرة ، وأدرج في آخره ما ذكره البخاريّ هاهنا ، فالله أعلم . وروى الواقديّ(٢) ، عن مصعب بن ثابتٍ ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، فذكر القصة ، وشأن عامر بن فهيرة ، وإخبار عامر بن الطّفيل أنه رفع إلى السَّماء ، وذكر أنّ الذي قتله جبّار بن سُلمى الكلابيّ ، قال : ولما طعنه بالرّمح قال : فزت وربّ الكعبة . ثم سأل جبّارٌ بعد ذلك : ما معنى قوله : فزت ؟! قالوا : يعني بالجنَّة ، فقال : صدق والله ، ثم أسلم جبّارٌ بعد ذلك لذلك . وفي (( مغازي موسى بن عقبة)(٣) ، عن عروة أنه قال : لم يوجد جسد عامر بن فُهيرة ، يرون أن الملائكة وارته . وقال يونس، عن ابن إسحاق (٤): فأقام رسول الله وَله، يعني بعد أحدٍ، بقية شوّالٍ وذا القعدة وذا الحجّة والمحرّم ، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفرٍ على رأس أربعة أشهرٍ من أَحدٍ ، فحدثني أبي إسحاق بن يسارٍ ، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وغيرهما من أهل العلم قالوا : قدم أبو براءٍ عامر بن مالك بن جعفرٍ ملاعب الأسنّة على رسول الله ◌َ و بالمدينة، فعرض عليه الإسلام ودعاه إليه فلم يسلم ولم يبعد ، وقال: يا محمد ، لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجدٍ يدعونهم إلى أمرك، رجوتُ أن يستجيبوا لك. فقال وَ لّ: ((إني أخشى عليهم أهل نجدٍ)). فقال أبو براءٍ: أنا لهم جارٌ. فبعث رسول الله وَّ المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة، المعنق ليموت في أربعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين ؛ فيهم الحارث بن الصّمّة ، وحرام بن ملحان ، أخو بني عديّ بن النجار ، وعروة بن أسماء بن الصّلت السّلميّ ، ونافع بن بُديل بن ورقاء الخزاعيّ ، وعامر بن فُهيرة ، مولى أبي بكرٍ ، في رجالٍ من خيار المسلمين ، فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامٍ وحرّة بني سليمٍ، فلما نزلوا بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله دخول إلى عدوّ الله عامر بن الطّفيل ، فلمّا أتاه لم ينظر في الكتاب حتى عدا على الرجل فقتله ، ثم استصرخ عليهم بني عامرٍ ، فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم ، وقالوا : لن نخفر أبا براءٍ ، وقد عقد لهم عقداً وجواراً . فاستصرخ عليهم قبائل من بني سُليم ، عصيّة ورعلاً وذكوان والقارة ، فأجابوه إلى ذلك ، فخرجوا حتى غشوا القوم ، فأحاطوا بهم في رحالهم ، فلمّا رأوهم أخذوا أسيافهم ، ثم قاتلوا القوم حتى قتلوا عن (١) في ((دلائل النبوة)) (٣٥٢/٣). (٢) انظر ((الواقدي)) (٣٤٧/١). (٣) انظر ((دلائل النبوة)) (٣٤٢/٣). (٤) انظر ((دلائل النبوة)) (٣٣٨/٣). ٢٥٧ ذكر سرية بئر معونة آخرهم ، إلّ كعب بن زيدٍ أخا بني دينار بن النجار ، فإنهم تركوه وبه رمقٌ ، فارتثّ من بين القتلى ، فعاش حتى قتل يوم الخندق ، وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضّمريّ ، ورجلٌ من الأنصار من بني عمرو بن عوفٍ ، فلم ينبئهما بمصاب القوم إلا الطير تحوم حول العسكر ، فقالا : والله إن لهذه الطير لشأناً . فأقبلا لينظرا ، فإذا القوم في دمائهم ، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفةٌ ، فقال الأنصاريّ لعمرو بن أمية : ماذا ترى؟ فقال: أرى أن نلحق برسول الله وَ ل فنخبره الخبر. فقال الأنصاريّ: لكني لم أكن لأرغب بنفسي عن موطنٍ قتل فيه المنذر بن عمروٍ ، وما كنت لأخبر عنه الرجال . فقاتل القوم حتى قتل ، وأخذ عمرٌو أسيراً ، فلمّا أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامرُ بن الطّفيل ، وجزّ ناصيته ، وأعتقه عن رقبةٍ كانت على أمّه ، فيما زعم . قال : وخرج عمرو بن أمية ، حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة ، أقبل رجلان من بني عامٍ حتى نزلا في ظِلِّ هو فيه، وكان مع العامريّين عهدٌ من رسول الله وَلَي وجوارٌ لم يعلمه عمرو بن أمية ، وقد سألهما حين نزلا : ممّن أنتما ؟ قالا : من بني عامرٍ ، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما وقتلهما ، وهو يرى أن قد أصاب بهما ثأراً من بني عامرٍ فيما أصابوا من أصحاب رسول الله وَّر، فلمّا قدم عمرو بن أمية على رسول الله وَّله، أخبره بالخبر، فقال رسول الله: ((لقد قتلت قتيلين، لأدينّهما)). ثم قال رسول الله وَليقول: ((هذا عمل أبي براءٍ، قد كنت لهذا كارهاً متخوّفاً)). فبلغ ذلك أبا براءٍ فشقّ عليه إخفار عامٍ إيّاه، وما أصاب من [ أصحاب رسول الله وَآل ] بسببه وجواره. فقال حسَّان بن ثابتٍ(١) في إخفار عامرٍ أبا براءٍ ، ويحرّض بني أبي براءٍ على عامرٍ: [ من الوافر ] وأنتم من ذوائب أهل نجدٍ بني أمّ البنين ألم يرعكم ليخفره وما خطأ كعمد تهكّم عامرٍ بأبي براء فما أحدثت في الحَدَثان بعدي ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي وخالك ماجدٌ حَكَمُ بن سعدِ أبوك أبو الحروب أبو براءٍ قال ابن هشامٌ(٢) : أمّ البنين ، أمّ أبي براءٍ، وهي بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. قال : فحمل ربيعة بن عامر بن مالكٍ على عامر بن الطّفيل ، فطعنه في فخذه ، فأشواه ، ووقع عن فرسه ، وقال : هذا عمل أبي براءٍ ، إن أمت فدمي لعمّي فلا يتبعنّ به ، وإن أعش فسأرى رأيي . وذكر موسى بن عقبة ، عن الزّهريّ نحو سياق محمد بن إسحاق ، قال موسى : وكان أمير القوم المنذر بن عمرٍو ، وقيل : مرثد بن أبي مرتدٍ . (١) الأبيات في ((ديوان حسَّان بن ثابت)) (٢٣٢/١) مع تقديم وتأخير وانظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٨٧/٢ - ١٨٨ ) . (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٨٨/٢). ٢٥٨ ذكر غزوة بني النّضير وقال حسان بن ثابت(١) يبكي قتلى بئر معونة - فيما ذكره ابن إسحاق، رحمه الله، والله أعلم - : [ من الوافر ] بدمع العين سَحّا غير نزرٍ على قتلى معونة فاستهلّي ولاقتهم مناياهم بقدر على خيل الرّسول غداة لاقَوا تُخوّن عقد حبلهمُ بغدر أصابهم الفناء بعقد قوم وأعنق في منيّته بصبر فيا لهفي لمنذر إذ تولّىَ من أبيض ماجدٍ من سرّ عمرو وكائن قد أصيب غداة ذاكم غزوة بني النَّضير (٢) وهي التي أنزل الله فيها سورة (( الحشر )) في ((صحيح البخاريّ))(٣) عن ابن عباسٍ ، أنه كان يسمّيها سورة بني النّضير . وحكى البخاري٤ّ) عن الزّهريّ ، عن عروة أنه قال : كانت بنو النّضير بعد بدرٍ بستة أشهرٍ قبل أحدٍ . وقد أسنده ابن أبي حاتم في (( تفسيره)(٥) عن أبيه ، عن عبد الله بن صالح ، عن اللّيث ، عن عقيلٍ ، عن الزّهريّ به . وهكذا روى حنبل بن إسحاق ، عن هلال بن العلاء ، عن عبد الله بن جعفرِ الرّقّيّ ، عن مطرّف بن مازنٍ اليمانيّ ، عن معمرٍ ، عن الزّهريّ ، فذكر غزوة بدرٍ في سابع عشر رمضان سنة اثنتين ، قال : ثم غزا بني النّضير ، ثم غزا أحداً في شوالٍ سنة ثلاثٍ ، ثم قاتل يوم الخندق في شوالٍ سنة أربعٍ . وقال البيهقيّ(٦) : وقد كان الزّهريّ يقول: هي قبل أحدٍ. قال: وذهب آخرون إلى أنّها بعدها، وبعد بئر معونة أيضاً . قلت : هكذا ذكره ابن إسحاق كما تقدّم ؛ فإنّه بعد ذكره بئر معونة ، ورجوع عمرو بن أميّة ، وقتله ذينك الرجلين من بني عامرٍ، ولم يشعر بعهدهما الذي معهما من رسول الله وَليل ، ولهذا قال له رسول الله ◌َله: ((لقد قتلت رجلين، لأدينّهما)). (١) الأبيات في ((ديوان حسَّان بن ثابت)) (٢٠٧/١). و((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٨٩/٢). (٢) انظر ((عيون الأثر)) (٢/ ٧٣) و((الفصول في سيرة الرسول)) ص (١٥٧). (٣) رواه البخاري رقم (٤٠٢٩) و(٤٨٨٣ ). (٤) رواه البخاري تعليقاً في المغازي : باب حديث بني النضير ، قبل الحديث ( ٤٠٢٨). (٥) وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (١٨٧/٦) لابن أبي حاتم وغيره. (٦) انظر ((دلائل النبوة)) (٣٥٤/٣). ٢٥٩ ذكر غزوة بني النّضير قال ابن إسحاق(١): ثم خرج رسول الله وَّله إلى بني النّضير يستعينهم في دية ذَيْنَكَ القتيلين من بني عامر، اللذين قتلهما عمرو بن أمية، للعهد الذي كان رسول الله وَ لل قد أعطاهما، وكان بين بني النّضير وبين بني عامرٍ عقدٌ وحلفٌ، فلما أتاهم رسول الله وَّه قالوا : نعم يا أبا القاسم ، نعينك على ما أحببت . ثم خلا بعضهم ببعضٍ فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله متله إلى جنب جدارٍ من بيوتهم قاعدٌ - فمن رجلٌ يعلو على هذا البيت ، فيلقي عليه صخرةً ويريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحّاش بن كعبٍ، فقال: أنا لذلك. فصعِد ليلقي عليه صخرةً كما قال، ورسول الله وَّر في نفرٍ من أصحابه ، فيهم أبو بكرٍ وعمر وعليّ ، فأتى رسول الله وَلّ الخبر من السماء بما أراد القوم ، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة ، فلما استلبث (٢) النبيّ وَيّ أصحابه، قاموا في طلبه، فلقوا رجلاً مقبلاً [ من المدينة ]، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلاً المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله بَّر حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به . قال الواقدي(٣): فبعث رسول الله وَ لل إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده ، فبعث إليهم أهل النّفاق يثبّتونهم ويحرّضونهم على المقام ، ويعِدونهم النَّصر ، فقويت عند ذلك نفوسهم ، وحمي حييّ بن أخطب ، وبعثوا إلى رسول الله وَل أنهم لا يخرجون ، ونابذوه بنقض العهود ، فعند ذلك أمر الناس بالخروج إليهم . قال الواقديٌّ(٤) : فحاصرهمُ(٥) خمس عشرة ليلةً . وقال ابن إسحاق(٦): وأمر النبيّ ◌َّ بالتهيّؤ لحربهم والمسير إليهم. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أمّ مكتومٍ ، وذلك في شهر ربيع الأول . قال ابن إسحاق (٧): فسار حتى نزل بهم، فحاصرهم ستّ ليالٍ، ونزل تحريم الخمر حينئذٍ(٨) ، وتحصّنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله وَله بقطع النخيل والتحريق فيها، فنادَوه : أن يا محمد ، قد كنت تنهى عن الفساد ، وتعيبه على من صنعه ، فما بال قطع النخيل وتحريقها ؟ قال : وقد كان رهطٌ من بني عوف بن الخزرج ، منهم عبد الله بن أُبيّ ، ووديعة ومالكٌ وسويدٌ وداعسٌ ، قد بعثوا إلى بني (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٩٠). (٢) أي استبطأ. (٣) انظر ((المغازي)) للواقدي (٣٦٦/١). انظر ((المغازي)) (٣٧٤/١). (٤) في ( ط): ((فحاصروهم)). (٥) (٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٩٠). (٧) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٩١). (٨) انظر ((شذرات الذهب)) (١١٩/١) وتعليقي عليه. ٢٦٠ ذكر غزوة بني النَّضير النّضير ؛ أن اثبتوا وتمنّعوا ، فإنا لن نسلمكم ، إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم . فتربّصوا ذلك من نصرهم ، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرُّعب، فسألوا رسول الله وَّي أن يجليَهم ويكفّ عن دمائهم ، على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة(١) ، ففعل . وقال العوفيّ عن ابن عباسٍ : أعطى كلّ ثلاثةٍ منهم بعيراً يعتقبونه، وسقاءً. رواه البيهقيّ(٢). وروى(٣) من طريق يعقوب بن محمدٍ الزُّهريّ ، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة، عن أبيه ، عن جدّه، عن محمدٍ بن مسلمة، أنّ رسول الله بَّهبعثه إلى بني النّضير، وأمره أن يؤجّلهم في الجلاء ثلاث ليالٍ . وروى البيهقيّ(٤) وغيره أنه كانت لهم ديونٌ مؤجّلةٌ، فقال لهم رسول الله بَّه: ((ضعوا وتعجّلوا)) وفي صحته نظرٌ ، والله أعلم . قال ابن إسحاق(٥) : فاحتملوا من أموالهم ما استقلّت به الإبل ، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نِجاف بابه ، فيضعه على ظهر بعيره ، فينطلق به ، فخرجوا إلى خيبر ، ومنهم من سار إلى الشام ، فكان من أشراف من ذهب منهم إلى خيبر ؛ سلام بن أبي الحُقيق ، وكنانة بن الرّبيع بن أبي الحقيق ، وحييّ بن أخطب . فلمّا نزلوها دان لهم أهلها . فحدّثني(٦) عبد الله بن أبي بكرٍ أنه حدّث أنهم استقبلوا بالنساء والأبناء والأموال ، معهم الدّفوف والمزامير ، والقيان يعزفن خلفهم ، بزهاءٍ وفخرٍ ما رئي مثله لحيٍّ من الناس في زمانهم . قال : وخلّوا الأموال لرسول الله وَ لَّ ـ يعني النخيل والمزارع - فكانت له خاصةً، يضعها حيث يشاء، فقسمها على المهاجرين الأوّلين دون الأنصار ، إلا أن سهل بن حنيفٍ وأبا دجانة ذكرا فقراً فأعطاهما . وأضاف بعضهم إليهما الحارث بن الصّمّة . حكاه السّهيليّ(٧) . قال ابن إسحاق (٨): ولم يسلم من بني النّضير إلا رجلان؛ وهما يامين بن عمير بن كعبٍ ، ابن عمّ عمرو بن جحّاشٍ ، وأبو سعد بن وهبٍ ، فأحرزا أموالهما . قال ابن إسحاق: وقد حدّثني بعض آل يامين أن رسول الله وَ ل قال ليامين: ((ألم تر ما لقينا من ابن (١) أي : السلاح. (٢) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٣٥٩/٣). يعني البيهقي في ((دلائل النبوة)) ( ٣٦٠/٣). (٣) في (« السنن الكبرى)» (٢٨/٦) والحاكم في ((المستدرك)) (٥٢/٢). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٩١). (٥) (٧) انظر ((الروض الأنف)) (٢٣٣/٦). (٦) القائل ابن إسحاق رحمه الله . (٨) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٩٢).