Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ ذكر ما لقي النبي بحث: من المشركين في غزوة أحد وذكر الواقديّ(١) عن ابن أبي سبرة ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ، عن أبي الحويرث ، عن نافع بن جبيرٍ قال : سمعت رجلاً من المهاجرين يقول : شهدت أحداً ، فنظرت إلى النّبل تأتي من كلّ ناحيةٍ ، ورسول الله وَّه وسطها ، كلّ ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهابٍ الزُّهريّ يقول يومئذٍ: دلّوني على محمد، لا نجوت إن نجا. ورسول الله وَ لَه إلى جنبه ما معه أحدٌ ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان بن أمّة ، فقال : والله ما رأيته ، أحلف بالله إنه منا ممنوعٌ ، خرجنا أربعةً ، فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله ، فلم نخلص إليه . قال الواقدي(٢): والثابت عندنا٣) أن الذي رمى [ في ] وجنتي رسول الله و ليل ابن قمئة ، والذي رمى في شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقَّاص - وقد تقدّم عن ابن إسحاق نحو هذا - وأن الرّباعية التي كسرت له ، عليه الصلاة والسلام ، هي اليمنى السّفلى . قال ابن إسحاق(٤): وحدّثني صالح بن كيسان، عمّن حدّثه، عن سعد بن [ أبي ] وقَّاصٍ قال: ما حرصت على قتل أحدٍ قطُ ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقَّاصٍ ، وإن كان ما علمت (٥) لسيّىء الخلق ، مبغّضاً في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله وَّة: ((اشتد غضب الله على من دمّى وجه رسوله)). وقال عبد الرزاق(٦): أنا معمرٌ، عن الزّهريّ، وعن عثمان الجزريِّ، عن مقسم أن رسول الله وَل دعا على عتبة بن أبي وقَّاصٍ يوم أحدٍ حين كسر رباعيته ودمى وجهه فقال: (( اللهم لاَّ تُحل عليه الحول حتى يموت كافراً)) . فما حال عليه الحول حتى مات كافراً إلى النار . وقال أبو سليمان الجوزجانيّ : ثنا محمد بن الحسن ، حدّثني إبراهيم بن محمدٍ ، حدّثني ابن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ، أن رسول الله وَله داوى وجهه يوم أحدٍ بعظمٍ بالٍ . هذا حديثٌ غريبٌ رأيته في أثناء كتاب (( المغازي)) للأمويّ في وقعة أحدٍ . ولمّا نال عبد الله بن قمئة من رسول الله مَ ل# ما نال، رجع وهو يقول: قتلت محمداً. وصرخ الشيطان أزبّ العقبة يومئذٍ بأبعد صوتٍ : ألا إن محمداً قد قتل . فحصل بهتَةٌ عظيمةٌ في المسلمين ، واعتقد كثيرٌ من الناس ذلك، وصمّموا على القتال عن حوزة الإسلام حتى يموتوا على ما مات عليه رسول الله وعليه ، (١) انظر ((المغازي)) (٢٣٧/١). (٢) انظر ((المغازي)) (٢٤٤/١). (٣) في ( ط): ((ثبت عندي)). انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٨٦/٢) وفيه مجهول. (٤) في (آ): ((وإن كان ما علمته)) وأثبت لفظ (ط) وهو موافق لما في ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٨٦/٢). (٥) (٦) في ((المصنَّف)) ( ٢٩٠/٥). ٢٠٢ ذكر ما لقي النبي ◌ُّ من المشركين في غزوة أحد منهم أنس بن النّضر وغيره ممن سيأتي ذكره ، وقد أنزل الله تعالى التّسلية في ذلك على تقدير وقوعه فقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَى أَعْقَبِّكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ (٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن تَمُوتَ إِلَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلَاْ وَمَنْ يُرِدْ تَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَسَنَجْرِى الشَّكِرِينَ () وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ فَتَّلَ مَعَهُ رِبُِّونَ كَثِيِّرُ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِينَ () وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّناً أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىَ أَمْرِنَا وَثَبِتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ(٤٩) فَانَهُمُ اللَّهُ تَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابٍ اُلْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (أَ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُ واْ يَرُدُوكُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَنِكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ (٥َ سَنُلْقِى فِى قُلُوبٍ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَڪُواْبِالهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَمَأْوَنُهُمُ النَّارِّ وَبِئْسَ مَثْوَى الَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤ - ١٥١]. وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في كتابنا (( التفسير (١) ولله الحمد . وقد خطب الصدِّيق، رضي الله عنه، في أول مقام قامه بعد وفاة رسول الله وَّلَه فقال : أيها الناس، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت . ثم تلا هذه الآية : وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ﴾ الآية. قال : فكأنّ الناس لم يسمعوها قبل ذلك ، فما من الناس أحدٌ إلا يتلوها . وروى البيهقيّ في (( دلائل النبوة (٢) من طريق ابن نجيح ، عن أبيه قال : مرّ رجلٌ من المهاجرين يوم أحدٍ على رجلٍ من الأنصار ، وهو يتشحّط في دمه ، فقال له : يا فلان ، أشعرت أن محمداً قد قتل ؟ فقال الأنصاريّ: إن كان محمدٌ بَ ل﴿ قد قتل فقد بلّغ الرسالة، فقاتلوا عن دينكم. فنزل [ قوله تعالى ] : وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية، ولعل هذا الأنصاريّ هو أنس بن النّضر ، رضي الله عنه ، وهو عمّ أنس بن مالكٍ . قال الإمام أحمد(٣) : ثنا يزيد، ثنا حميدٌ ، عن أنسٍ أن عمّه غاب عن قتال بدرٍ فقال : غبت عن أول قتالٍ قاتله النبيّ ◌َّو للمشركين، لئن أشهدني الله قتالًا للمشركين ليرينّ الله(٤) ما أصنع. فلما كان يوم أحدٍ انكشف المسلمون ، فقال : [ اللهم ] إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم ، فلقيه سعد بن معاذٍ دون أحدٍ ، فقال سعدٌ: أنا معك . قال سعدٌ : فلم أستطع أصنع ما صنع ، فوجد فيه بضعٌ وثمانون من بين ضربةٍ بسيف ، وطعنةٍ برمحٍ ، ورميةٍ بسهمٍ. قال: فكنا نقول: فيه وفي أصحابه نزلت: ﴿ فَمِنْهُم مَن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرٌ ﴾ [ الأحزاب: ٢٣]. (١) انظر ((تفسير القرآن العظيم)) للمؤلف (١٠٨/٢) وما بعدها. (٢) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ( ٢٤٨/٣). (٣) رواه أحمد في ((المسند)) ( ٢٠١/٣). (٤) لفظ الجلالة لم يرد في ( ط ) . ٢٠٣ ذكر ما لقي النبي مع من المشركين في غزوة أحد ورواه الترمذيّ عن عبد بن حميدٍ ، والنسائيّ عن إسحاق بن راهويه ، كلاهما عن يزيد بن هارون به (١) ، وقال الترمذيّ : حسنٌ . قلت: بل على شرط (( الشيخين )(٢) من هذا الوجه . وقال أحمد (٣): حدثني، بهزٌ وثنا هاشمٌ [ قالا ] : ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابتٍ(٤) قال : قال أنسٌ: عَمِّ - قال هاشمٌ: أنس بن النّضير - سمّيت به، ولم يشهد مع رسول الله وَّه يوم بدرٍ. قال : فشقّ عليه ، وقال: أول مشهدٍ شهده رسول الله وَّر غبت عنه! لئن أراني الله مشهداً فيما بعد مع رسول الله وَه ليرينّ الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله وي ليه يوم أحدٍ. قال : فاستقبل سعد بن معاذٍ ، فقال له أنسٌ : يا أبا عمرو أين ؟ واهاً لريح الجنة ، أجده دون أحدٍ . قال : فقاتلهم حتى قتل ، فوجد في جسده بضعٌ وثمانون من ضربةٍ وطعنةٍ ورميةٍ . قال : فقالت أخته عمتي الرّبّيّع بنت النّضر: فما عرفت أخي إلا بينانه. ونزلت هذه الآية: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِرِّ وَمَا بَدَّلُوْتَبْدِيلًا ﴾. قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه . ورواه مسلمٌ(٥) عن محمد بن حاتم ، عن بهز بن أسدٍ . ورواه الترمذيّ والنسائيّ(٦) من حديث عبد الله بن المبارك ، وزاد النسائيّ : وأبي داود ، حدّثناحمّاد بن سلمة ، أربعتهم عن سليمان بن المغيرة به . وقال الترمذيّ : حسنٌ صحيحٌ . وقال أبو الأسود ، عن عروة بن الزبير قال : كان أبيّ بن خلفٍ ، أخو بني جمح ، قد حلف وهو بمكة ليقتلنّ رسول الله وَ ◌ّه، فلما بلغت رسول الله وَ ل حلْفتُه قال: ((بل أنا أقتله إن شاء الله)) . فلما كان يوم أحدٍ أقبل أبيّ في الحديد مقنّعاً، وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمدٌ، فحمل على رسول الله وَ لّه يريد قتله ، فاستقبله مصعب بن عميرٍ، أخو بني عبد الدَّار، يقي رسول الله وَ ل بنفسه، فقتل مصعب بن عميرٍ ، وأبصر رسول الله وَل ترقوة أبيّ بن خلفٍ من فرجةٍ بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه بحربته ، فوقع إلى الأرض عن فرسه ، ولم يخرج من طعنته دمٌّ ، فأتاه أصحابه فاحتملوه ، وهو يخور خُوار الثّور ، فقالوا له : ما أجزعك! إنما هو خدشٌ. فذكر لهم قول رسول الله وَّهِ: ((أنا أَقَتُلُ أبياً)». ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون. فمات إلى النار، فسحقاً لأصحاب السّعير(٧). (١) رواه الترمذي رقم (٣٢٠١) والنسائي في ((السنن الكبرى)) (١١٤٠٣). (٢) فى ( ط): ((على شرط الصحيحين)) وكلاهما بمعنى. (٣) رواه أحمد في مسنده ١٩٤/٣ . يعني ( ثابت بن أسلم البناني). انظر ((تحرير تقريب التهذيب)) (١٩٥/١). (٤) (٥) رواه مسلم رقم ( ١٩٠٣). (٦) رواه الترمذي رقم (٣٢٠٠) والنسائي في ((السنن الكبرى)) رقم (٨٢٩١). (٧) وانظر ((زاد المعاد)) لابن القيم (١٨٨/٣) و((الفصول في سيرة الرسول مَّيل)) لابن كثير ص (١٤٩). ٢٠٤ ذكر ما لقي النبي عظ من المشركين في غزوة أحد وقد رواه موسى بن عقبة في (( مغازيه)) ، عن سعيد بن المسيّب نحوه. وقال ابن إسحاق (١): لما أسند رسول الله وَّر في الشّعب، أدركه أَبيّ بن خلفٍ وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ . فقال القوم: يا رسول الله، يعطف عليه رجلٌ منا؟ فقال رسول الله اَلَه: ((دعوه)). فلما دنا تناول رسول الله وَل الحربة من الحارث بن الصّمّة، فقال بعض القوم، فيما ذكر لي، فلما أخذها رسول الله وَلّ انتفض بها انتفاضةً، تطايرنَ عنه تطاير الشُّعر عن ظهر البعير إذا انتفض ، ثم استقبله رسول الله وَ له فطعنه في عنقه طعنةً تدأدأ منها ٢) عن فرسه مراراً . وذكر الواقديّ(٣) ، عن يونس بن محمدٍ ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبد الله بن كعب بن مالكِ ، عن أبيه نحو ذلك . قال الواقديّ(٤) : وكان ابن عمر يقول : مات أبيّ بن خلفٍ ببطن رابغٍ ، فإني لأسير ببطن رابغٍ بعد هويٍّ من الليل ، فإذا أنا بنارٍ تأجّج ، فهبتها ، وإذا رجلٌ بِخرج منها في سلسلةٍ يجتذبها يهيّجه العطش ، فإذا رجلٌ يقول: لا تسقه ؛ فإنّه قتيل رسول الله وَّ، هذا أَبيّ بن خلفٍ. وقد ثبت في (( الصحيحين)(٥) كما تقدم من طريق عبد الرزاق ، عن معمرٍ ، عن همامٍ ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ ل: ((اشتد غضب الله على رجلٍ يقتله رسول الله في سبيل الله)). ورواه البخاريّ من طريق ابن جريج ، عن عمرو بن دينارٍ ، عن عكرمة ، عن ابن عباسٍ : اشتد غضب الله على من قتله رسول الله في سبيل الله . وقال البخاريّ(١): وقال أبو الوليد ، عن شعبة ، عن ابن المنكدر ، سمعت جابراً قال : لما قتل أَبِي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبيّ وَّه ينهونني، والنبيّ ◌َّ لم ينه. وقال النبيّ وَّةَ: ((لا تبكه - أو ما تبكيه - مازالت الملائكة تظلّه بأجنحتها حتى رفع)). هكذا ذكر هذا الحديث هاهنا معلّقاً، وقد أسنده في الجنائز ، عن بندارٍ ، عن غندرٍ ، عن شعبة . ورواه مسلمٌ والنسائيُ(١) من طرقٍ ، عن شعبة به . وقال البخاريّ(٨): ثنا عبدان، أنا عبد الله [ بن المبارك ] ، عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٨٤/٢). (٢) قال ابن هشام في ((السيرة النبوية)) (٨٤/٢): ((تدأدا ... تقلّب عن فرسه فجعل يتدحرج)). (٣) انظر ((المغازي)) (١/ ٢٥١). (٤) وذكره ابن قيم الجوزية في ((زاد المعاد)) (١٨٨/٣) بنحوه . (٥) رواه البخاري رقم (٤٠٧٤) ومسلم رقم ( ١٧٩٣). (٦) رواه البخاري رقم (٤٠٨٠) معلقاً . رواه مسلم رقم ( ٢٤٧١) والنسائي رقم (١٨٤٤). (٧) (٨) رواه البخاري رقم (٤٠٤٥ ) . ٢٠٥ ذكر ما لقي النبي مخ من المشركين في غزوة أحد أبيه إبراهيم ، أن عبد الرحمن بن عوفٍ أتي بطعام ، وكان صائماً ، فقال : قتل مصعب بن عميرٍ وهو خيرٌ مني ، كفّن في بردةٍ إن غطي رأسه بدت رجلاه ، وإن غطّي رجلاه بدا رأسه - وأراه قال : وقتل حمزة وهو خيرٌ مني - ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط - أو قال : أعطينا من الدنيا ما أعطينا - وقد خشينا١ً) أن تكون حسناتنا عجّلت لنا . ثم جعل يبكي حتى ترك الطّعام. انفرد به البخاريّ. وقال البخاريّ(٢): حدّثنا أحمد بن يونس، حدّثنا زهيرٌ، حدّثنا الأعمش، عن شقيقٍ ، عن خبّاب بن الأرتّ قال: هاجرنا مع النبيّ وَّه ونحن نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى - أو : ذهب - لم يأكل من أجره شيئاً؛ كان منهم مصعب بن عميرٍ ، قتل يوم أحدٍ ، فلم يترك إلّا نمرةً ، كنا إذا غطّينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطّي بها رجلاه خرج رأسه، فقال لنا النبيّ وَلّر: ((غطّوا بها رأسه ، واجعلوا على رجليه الإذخر )» . ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهْدِبُها . وأخرجه بقية الجماعة(٣) إلا ابن ماجه ، من طرقٍ عن الأعمش به . وقال البخاريّ(٤) : ثنا عبيد الله بن سعيدٍ ، ثنا أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : لما كان يوم أحدٍ هزم المشركون ، فصرخ إبليس ، [ لعنة الله عليه ] : أي عباد الله أخراكم . فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم ، فبصر حذيفة ، فإذا هو بأبيه اليمان ، فقال : [ أي ] عباد الله ، أَبي أبي . [ قال ] : قالت : فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه . فقال حذيفة : يغفر الله لكم . قال عروة : فوالله مازالت في حذيفة بقيّة خيرٍ حتى لقي الله ، عزّ وجلّ . قلت : كان سبب ذلك ؛ أن اليمان وثابت بن وقشٍ كانا في الآطام مع النساء ؛ لكبرهما وضعفهما ، فقالا : إنَّه لم يبق من آجالنا إلا ظِمُ حمارٍ . فنزلا ليحضرا الحرب ، فجاء طريقهما ناحية المشركين ؛ فأما ثابتٌ فقتله المشركون ، وأما اليمان فقتله المسلمون خطأً ، وتصدَّق حذيفة بدية أبيه على المسلمين ، ولم يعاتب أحداً منهم ؛ لظهور العذر في ذلك . فصلٌ قال ابن إسحاق(٥) : وأصيبت يومئذٍ عين قتادة بن النّعمان(٦) حتى سقطت على وجنته ، فردّها رسول الله ◌َ ل بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما . (١) في (٢): ((خشيت)). (٢) رواه البخاري رقم (٤٠٨٢ ) . (٣) رواه مسلم رقم (٩٤٠) وأبو داود رقم (١٢٨٧٦) والترمذي رقم ( ٣٨٥٣) والنسائي رقم (١٩٠٢). (٤) رواه البخاري رقم (٤٠٦٥). (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٣٠٨). (٦) قال ابن حجر العسقلاني: مات سنة (٢٣) هـ على الصحيح. انظر ((تحرير تقريب التهذيب)) (١٧٩/٣). ٢٠٦ ذكر ما لقي النبي ◌ِّي من المشركين في غزوة أحد وفي الحديث ، عن جابر بن عبد الله ، أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحدٍ حتى سالت على خدّه، فردّها رسول الله بَ ليه مكانها، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما، وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى(١). وروى الدار قطنيّ(٢) بإسنادٍ غريب عن مالكٍ، عن محمد بن عبد الله بن أبي صَعْصَعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، عن أخيه قتادة بن النّعمان قال : أصيبت عيناي يوم أحدٍ فسقطتا على وجنتيّ ، فأتيت بهما رسول الله وَلخلية فأعادهما مكانهما ، وبصق فيهما فعادتا تبرقان. والمشهور الأول : أنه إنما أصيبت عينه الواحدة . ولهذا لمّا وفد بعض ولده على عمر بن عبد العزيز قال له : من أنت ؟ فقال له مرتجلا٣ً) : [من الطويل ] فرُدّت بكفّ المصطفى أحسن الرّدِّ أنا ابن الذي سالت علی الخدّ عينُه فيا حسن ما عينٍ ويا حسن ما خدِّ فعادت كما كانت لأول أمرها فقال عمر بن عبد العزيز عند ذلك (٤): [من البسيط ] شِيبا بماءٍ فعادا بعد أبوالا تلك المكارم لا قعبانٍ من لبنِ ثم وصله فأحسن جائزته ، رضي الله عنه . فصل قال ابن هشامُ(٥) : وقاتلت أمّ عُمَارة نسيبة بنت كعبِ المازنيّة يوم أحدٍ ، فذكر سعيد بن أبي زيدٍ الأنصاريّ ، أنّ أمّ سعدٍ بنت سعد بن الرّبيع كانت تقول : دخلت على أمّ عُمَارة فقلت لها : يا خالة ، أخبريني خبرك . فقالت : خرجت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس ، ومعي سقاءٌ فيه ماءٌ ، فانتهيت إلى رسول الله وَ الر وهو في أصحابه، والدّولة والرّيح للمسلمين، فلمّا انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله وَلَ﴿، فقمت أباشر القتال، وأذبُّ عنه بالسيف، وأرمي عن القوس ، حتى خلصت الجراح إليّ . قالت: فرأيت على عاتقها جرحاً أجوف له غَورٌ ، فقلت لها : من أصابك بهذا ؟ قالت : ابن قمئة أقمأه الله ، لمّا ولّى الناس عن رسول الله وَ لّ أقبل يقول: دلّوني على محمد، فلا نجوت إن نجا ، فاعترضت له أنا ومصعب بن عميرٍ ، وأناسٌ ممّن ثبت مع رسول الله وَّر فضربني هذه الضربة ، ولقد ضربته على ذلك ضربات ، ولكنّ عدوّ الله كانت عليه درعان . (١) ذكره بنحوه ابن عبد البرّ في ((الاستيعاب)) (١٢٧٥/٢) والسهيلي في ((الروض الأنف)) (٣٣/٦). (٢) ذكره السهيلي في ((الروض الأنف)) (٦/ ٣٣) وعزاه للدار قطني . (٣) انظر ((شذرات الذهب)) (١/ ١٨٠) بتحقيقي. (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٦/١). (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٨١). ٢٠٧ ذكر ما لقي النبي ◌َّ من المشركين في غزوة أحد قال ابن إسحاق(١): وترّس أبو دجانة دون رسول الله وَ ل بنفسه، يقع النّبل في ظهره ، وهو منحنٍ علیه ، حتی کثر فيه النّبل . قال ابن إسحاق(١): وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، أنّ رسول الله وَ ل رمى عن قوسه حتى اندقّت سيتها٢) ، فأخذها قتادة بن النّعمان ، فكانت عنده . قال ابن إسحاق (٣): وحدّثني القاسم بن عبد الرحمن [ بن رافعٍ ] أخو بني عديّ بن النجّار قال: انتهى أنس بن النّضر عمّ أنس بن مالكٍ إلى عمر بن الخطّاب وطلحة بن عبيد الله ، في رجالٍ من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: فما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله وَله. قال: فما تصنعون بالحياة بعدّه؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله وَّيه، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل ، وبه سمّي أنس بن مالكٍ . فحدّثني(٤) حميدٌ الطويل ، عن أنس بن مالك قال : لقد وجدنا بأنس بن النَّضر يومئذٍ سبعين ضربةً ، فما عرفه إلّ أخته ، عرفته ببناته(٥) . قال ابن هشام(٦) : وحدّثني بعض أهل العلم، أنّ عبد الرحمن بن عوفٍ أصيب فوه يومئذٍ ، فهتم وجرح عشرين جراحةً أو أكثر ، أصابه بعضها في رجله فعرج . فصلٌ قال ابن إسحاق (٧): وكان أول من عرف رسول الله بَ له ـ بعد الهزيمة وقول الناس: قُتل رسول الله وَله. كما ذكر لي الزّهريّ - كعب بن مالكِ، قال: رأيت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول اللهِوَ له. فأشار إليّ(٨) رسول الله بَّل أن أنصت. قال ابن إسحاق(٩): فلمّا عرف المسلمون رسول الله وَلو نهضوا به، ونهض معهم نحو الشّعب، معه (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٨٢). (٢) أي : طرفها . (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٣٠٩). انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٨٣). (٤) (٥) أي: من أطراف أصابعه. قال الرازي في ((مختار الصحاح)). ( بنن): ((البنانة: واحدة البنان ، وهي أطراف الأصابع)) . انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٨٣). (٦) (٧) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٨٣). (٨) لفظ ((إليَّ)) سقط من ( ط ). (٩) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٨٣/٢). ٢٠٨ ذكر ما لقي النبي مة من المشركين في غزوة أحد أبو بكرٍ الصدّيق ، وعمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالبٍ ، وطلحة بن عبيد الله، والزّبير بن العوَّام، والحارث بن الصّمّة، ورهطٌ من المسلمين، فلمّا أسند رسول الله وَّ في الشّعب أدركه أبيّ بن خلفٍ، فذكر قتله عليه الصلاة والسلام أُبياً كما تقدّم . قال ابن إسحاق(١): وكان أبيّ بن خلفٍ - كما حدّثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف - يلقى رسول الله وَ * بمكّة فيقول: يا محمد، إنّ عندي العودَ ؛ فرساً أعلفه كلّ يوم فَرْقاً من ذُرةٍ ، أقتلك عليه. فيقول رسول الله وَّهُ: ((بل أنا أقتلك، إن شاء الله)). فلمّا رجع إلى قريشٍ، وقد خدشه في عنقه خدشاً غير كبيرٍ ، فاحتقن الدم ، فقال : قتلني والله محمدٌ . فقالوا له : ذهب والله فؤادك ، والله إنْ بك بأسٌ. قال: إنّه قد كان قال لي بمكّة: ((أنا أقتلك)) فوالله لو بصق عليّ لقتلني . فمات عدوّ الله بسرفٍ(٢) ، وهم قافلون به إلى مكة . قال ابن إسحاق(٣): فقال حسان بن ثابتٍ في ذلك(٤): [ من الوافر ] لقد ورث الضّلالة عن أبيه أتيت إليه تحمل رِمّ عظمٍ وقد قتلت بنو النجّار منكم وتبّ ابنا ربيعة إذ أطاعا وأفلت حارثٌ لمّا شغلنا وقال حسان بن ثابتٍ أيضاً®): [ من الوافر ] ألا من مبلغٌ عني أُبَّا تمنّى بالضَّلالة من بعيدٍ تمنّيك الأماني من بعيدٍ فقد لاقتك طعنة ذي حفاظٍ له فضلٌ على الأحياء طُرًّا أُبيّ يوم بارزه الرّسولُ وتوعده وأنت به جهولٌ أميّة إذ يغوِّث يا عقيلُ أبا جهلٍ لأمّهما الهَبُولُ بأسر القوم أُسرته فليلُ لقد ألقيت في سحق السّعيرِ وتقسم إن قدرت مع النّذورِ وقول الكُفر يرجع في غرورٍ کریم البيت ليس بذي فجورٍ إذا نابت ملمَّات الأمورِ قال ابن إسحاق(٦): فلمّا انتهى رسول الله وَّه إلى فم الشّعب، خرج عليّ بن أبي طالبٍ حتى ملأ (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٨٤/٢). (٢) سرف: موضع على ستة أميال من مكة، وقيل سبعة، وقيل تسعة، وقيل اثني عشرة. انظر (( معجم البلدان )) ( ٢٥٧/٢) . (٣) انظر ((السيرة النبوية)) (٨٤/٢ - ٨٥). (٤) انظر ((ديوانه)) (١/ ١٥٨). (٥) انظر ((ديوانه)) (١/ ٤٩٠). (٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٨٥). ٢٠٩ ذكر ما لقي النبي بل من المشركين في غزوة أحد درقته ماءً من المهراس ، فجاء بها إلى رسول الله ومله ليشرب منه ، فوجد له ريحاً فعافه ولم يشرب منه ، وغسل عن وجهه الدّم، وصبّ على رأسه وهو يقول: (( اشتدّ غضب الله على من دمّى وجه نبيّه)) . وقد تقدّم شواهد ذلك من الأحاديث الصحيحة بما فيه الكفاية . قال ابن إسحاق(١): فبينا رسول الله وَ ليه في الشّعب، معه أولئك النّفر من أصحابه، إذ علت عاليةٌ من قريش الجبل . قال ابن هشامٍ : فيهم خالد بن الوليد . قال ابن إسحاق: فقال رسول الله وَله: ((اللهمّ إنّه لا ينبغي لهم أن يعلونا)). فقاتل عمر بن الخطّاب ورهطٌ معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل ، ونهض النبيّ وَّه إلى صخرةٍ من الجبل ليعلوها ، وقد كان بدّن رسول الله وَّل وظاهر بين درعين، فلمّا ذهب لينهض لم يستطع ، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله ، فنهض به حتى استوى عليها ، فحدّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزّبير ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزُّبير [ عن الزبير ] قال: سمعت رسول الله وَله يقول يومئذٍ: ((أوجب طلحة)). حين صنع برسول الله مَّ يومئذٍ ما صنع . قال ابن هشامُ(٢): وذكر عمر مولى غُفْرَةً(٣) أن رسول الله وَّهِ صلّى الظهر يوم أحد قاعداً من الجراح التي أصبته ، وصلّ المسلمون خلفه قعوداً . قال ابن إسحاق(٤) : وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان فينا رجلٌ أتيُّ(٥) لا يُدرى من هو ، يقال له: قُزمان. فكان رسول الله وَ﴿ يقول إذا ذكر له: ((إنّه لمن أهل النَّار)). قال: فلمّا كان يوم أحدٍ قاتل قتالاً شديداً ، فقتل وحده ثمانيةً أو سبعةً من المشركين ، وكان ذا بأسٍ ، فأثبتته الجراحة ، فاحتمل إلى دار بني ظفرٍ . قال : فجعل رجالٌ من المسلمين يقولون له : والله لقد أبليت اليوم يا قزمان ، فأبشر . قال: بماذا أبشّر ؟ فوالله إنْ قاتلت إلا عن أحساب قومي ، ولولا ذلك ما قاتلت . قال : فلمّا اشتدّت عليه جراحته أخذ سهماً من كنانته فقتل به نفسه . وقد ورد مثل قصة هذا في غزوة خيبر ، كما سيأتي ، إن شاء الله . قال الإمام أحمد(٦) : حدّثنا عبد الرّزاق، حدّثنا معمرٌ، عن الزّهريّ، عن ابن المسيّب ، عن أبي (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٨٦/٢). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢ / ٨٧). (٣) واسمه (عمر بن عبد الله المدني) ويعرف بمولى غُفْرة ، وهو ضعيف كثير الإرسال ، وهذا الخبر من مرسلاته . انظر ((تحرير تقريب التهذيب)) ( ٧٨/٣). انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٨٨/٢). (٤) (٥) أي : غريب . (٦) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٠٩/٢). ٢١٠ ذكر ما لقي النبي مح جزء من المشركين في غزوة أحد هريرة قال: شهدنا مع رسول الله وَّل خيبر، فقال لرجلٍ ممّن يدّعي الإسلام: ((هذا من أهل النار)). فلمّا حضر القتال قاتل الرجل قتالاً شديداً ، فأصابته جراحةٌ ، فقيل : يا رسول الله ، الرجل الذي قلت : ((إنّه من أهل النار)). فإنّه قاتل اليوم قتالاً شديداً، وقد مات. فقال النبيّ مَ: ((إلى النَّار)). فكاد بعض القوم أن يرتاب ، فبينما هم على ذلك ، إذ قيل : فإنّه لم يمت ، ولكن به جراٌ شديدةٌ . فلمّا كان من الليل لم يصبر على الجراح ، فقتل نفسه، فأُخبر النبيّ وَّر بذلك فقال: ((الله أكبر، أشهد أنّي عبد الله ورسوله)). ثم أمر بلالا فنادى في الناس: (( إنّه لا يدخل الجنَّة إلا نفسٌ مسلمةٌ ، وإنّ الله يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر )) . وأخرجاه في (( الصحيحين)(١) من حديث عبد الرّزاق به. قال ابن إسحاق(٢) : وكان مّمن قتل يوم أحدٍ مخيريق ، وكان أحد بني ثعلبة ابن الفِطْيَون ، فلمَّا كان يوم أحد قال : يا معشر يهود ، والله لقد علمتم أن نصر محمدٍ عليكم لحقٌّ . قالوا : إن اليوم يوم السبت . قال : لا سبت لكم . فأخذ سيفه وعدّته وقال : إن أُصبت فمالي لمحمدٍ يصنع فيه ما شاء . ثم غدا إلى رسول الله وَ ل فقاتل معه حتى قتل، فقال رسول الله وَ ليّ فيما بلغنا: ((مخيريق خير يهود)). قال السّهيليّ(٣): فجعل رسول الله وَ لل أموال مخيريق - وكانت سبع حوائط - أوقافاً بالمدينة. قال محمد بن كعبِ القرظيُّ : وكانت أول وقفٍ بالمدينة . وقال ابن إسحاق(٤) : وحدّثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذٍ ، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد ، عن أبي هريرة ، أنّه كان يقول : حدّثوني عن رجلٍ دخل الجنة لم يصلّ قطّ ، فإذا لم يعرفه الناس سألوه : من هو ؟ فيقول : أُصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقشٍ . قال الحصين : فقلت لمحمود بن لبيد(٥) : كيف كان شأن الأُصيرم ؟ قال : كان يأبى الإسلام على قومه ، فلمّا كان يوم أحدٍ بدا له ، فأسلم ثم أخذ سيفه ، فعدا حتى دخل في عُرض الناس ، فقاتل حتى أثبتته الجراحة . قال : فبينما رجالٌ من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة ، إذا هم به ، فقالوا: والله إنّ هذا لَلأصيرمُ، ما جاء به؟! لقد تركناه وإنّه لمنكرٌ لهذا الحديث! فسألوه فقالوا : ما جاء بك يا عمرو ؛ أحدثٌ على قومك ، أم رغبةٌ في الإسلام ؟ فقال : بل رغبةٌ في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي وغدوت مع رسول الله بَّر ، فقاتلت حتى أصابني ما أصابني. (١) رواه البخاري رقم (٣٠٦٢) ومسلم رقم (١١١). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٨٨/٢). (٣) انظر ((الروض الأنف)) ( ٦ /٤٧) . انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٩٠). (٤) (٥) هو ( محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع الأوسي الأشهلي المدني ، أبو نُعَيم صحابي صغير ، وجلُّ روايته عن الصحابة. انظر ((تحرير تقريب التهذيب)) ( ٣٥٣/٣). ٢١١ ذكر ما لقي النبي بلي: من المشركين في غزوة أحد فلم يلبث أن مات في أيديهم ، فذكروه لرسول الله مَ له فقال: ((إنّه لمن أهل الجنَّة)). قال ابن إسحاق(١) : وحدّثني أبي ، عن أشياخٍ من بني سلمة قالوا : كان عمرو بن الجموح رجلاً أعرج شديد العرج ، وكان له بنون أربعةٌ مثل الأسد ، يشهدون مع رسول الله وَّر المشاهد، فلمّا كان يوم أحدٍ أرادوا حبسه، وقالوا: إنّ الله قد عذرك. فأتى رسول الله بَ ◌ّه وقال: إنّ بنيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه ، فوالله إنّي لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنَّة. فقال رسول الله وَّة: (( أما أنت فقد عذرك الله، فلا جهاد عليك)). وقال لبنيه: (( ما عليكم أن لا تمنعوه ، لعلّ الله أن يرزقه الشهادة)) . فخرج معه فقتل يوم أحدٍ ، رضي الله عنه . قال ابن إسحاق(٢) : ووقعت هند بنت عتبة - كما حدّثني صالح بن كيسان - والنّسوة اللاتي معها ، يمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله وَ له يجدّعن الآذان والأنوف، حتى اتّخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدم٣ً) وقلائد ، وأعطت خدمها وقلائدها وقِرطتها وحشياً ، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها ، فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها . وذكر موسى بن عقبة ، أنّ الذي بقر عن كبد حمزة وحشيٌّ ، فحملها إلى هند ، فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها ، فالله أعلم . قال ابن إسحاق(٤) : ثم علت على صخرة مشرفة ، فصرخت بأعلى صوتها فقالت: [من الرجز ] والحرب بعد الحرب ذات سُعرِ نحن جزيناكم بيوم بدر ولا أخي وعمّه وبكري ما كان عن عتبة لي من صبر شفيتَ وحشيُّ غليل صدري شفيت نفسي وقضيت نذري حتى ترمّ أعظمي في قبري فشكر وحشيٍّ عليّ عمري قال : فأجابتها هند بنت أثاثة بن عبّاد بن المطلب فقالت : يا بنت(٥) وقّاعٍ عظيم الكفر خزيت في بدرٍ وبعد بدر ملها شمتين(٦) الطّوال الزهر صبّحك الله غداة الفجر حمزة ليثي وعليٍّ صقري بكلّ قطّاعٍ حسامٍ يفري (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٩٠) وهذه رواية ضعيفة فيها مجاهيل. (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٣١٢). (٣) الخدم ، جمع خَدَّمة ، وهي الخلخال . (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق (٩١/٢). (٥) في (آ): ((يا ابنة)) وما جاء في (ط) موافق لما في ((السيرة النبوية)). (٦) أي : من الهاشميين. ٢١٢ ذكر دعاء النبي ◌َّ بعد الوقعة يوم أحد فخضّبا منه ضواحي النحر إذ رام شيبٌ وأبوك غدري ونذرك السوء فشؤُ نذر قال ابن إسحاق(١): وكان الحليس بن زبان أخو بني الحارث بن عبد مناة ، وهو يومئذٍ سيّد الأحابيش ، مرّ بأبي سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب بزجّ الرّمح ويقول : ذق عُقق . فقال الحليس : يا بني كنانة ، هذا سيد قريشٍ يصنع بابن عمّه ما ترون لحما٢ً) . فقال : ويحك ! اكتمها عنّي ؛ فإنّها كانت زلّةٌ . قال ابن إسحاق (٣): ثم إنّ أبا سفيان ، حين أراد الانصراف ، أشرف على الجبل ، ثم صرخ بأعلى صوته : أنعمت فعال ، إن الحرب سجال ، يومٌ بيوم بدر ، اعل هبل . أي أظهر : دينك . فقال رسول الله ◌َّ لعمر: ((قم يا عمر فأجبه، فقل : الله أعلى وأجلُّ، لا سواء ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار)). فقال له أبو سفيان: هلمّ إليّ يا عمر. فقال رسول الله وَ لالعمر: ((ائته فانظر ما شأنه)). فجاءه فقال له أبو سفيان : أنشدك الله يا عمر ، أقتَلنا محمداً ؟ فقال عمر : اللهم لا، وإنّه ليسمع كلامك الآن. قال : أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبرّ . قال ابن إسحاق : ثم نادى أبو سفيان : إنه قد كان في قتلاكم مَثْلٌ ، والله ما رضيت وما سخطت وما نهيتُ ولا أمرت. قال: ولمّا انصرف أبو سفيان نادى: إنّ موعدكم بدرٌ العام القابل. فقال رسول الله وَل لرجلٍ من أصحابه : ((قل: نعم، هو بيننا وبينك موعدٌ )). قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله وَّة عليّ بن أبي طالبٍ، فقال: (( اخرج في آثار القوم ، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ، فإنّهم يريدون مكّة ، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل ، فهم يريدون المدينة ، والذي نفسي بيده إن أرادوها ، لأسيرنّ إليهم فيها ثم لأناجزنّهم)). قال عليٍّ : فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون ، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجّهوا إلى مكة . ذكر(٤) دعاء النبيّ بَّه بعد الوقعة يوم أحدٍ قال الإمام أحمد(٥) : ثنا مروان بن معاوية الفَزَاريُّ ، ثنا عبد الواحد بن أيمن المكِّيّ ، عن ابن رفاعة (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٩٣). (٢) يريد أنه ميت لا يقدر على الانتصار. انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٣١٢). (٣) (٤) لفظ ((ذكر)) لم يرد في ( ط ). (٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٢٤/٣) ورجاله ثقات، وقد صححه العلماء كما في السنة لابن أبي عاصم (٣٨١) = ٢١٣ ذكر دعاء النبي بعثة بعد الوقعة يوم أحد الزّرقيّ، عن أبيه قال: لما كان يوم أحدٍ وانكفأ المشركون، قال رسول الله وَ ل: ((استووا حتى أَثني على ربي، عزّ وجلّ)). فصاروا خلفه صفوفاً، فقال: ((اللهم لك الحمد كُلُّه ، اللهم لا قابض لما بسطت ، ولا باسط لما قبضت ، ولا هادي لمن أضللت ، ولا مُضلَّ لمن هديت ، ولا معطي لما منعت ، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرّب لما باعدت ، ولا مبعّد لما قرّبت ، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النّعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول ، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلةُ(١)، والأمن يوم الخوف ، اللهم إني عائذٌ بك من شرّ ما أعطيتنا وشرّ ما منعتنا ، اللهم حبب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكُفْرَ والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفّنا مسلمين، وأحينا مسلمين وألحقنا بالصَّالحين ، غير خزايا ولا مفتونين ، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذّبون رسلك ويصدّون عن سبيلك ، واجعل عليهم رجزك وعذابك ، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحقّ)). ورواه النسائيّ في (( اليوم والليلة)) ٢)، عن زياد بن أيوب ، عن مروان بن معاوية ، عن عبد الواحد ابن أيمن ، عن عبيد بن رفاعة ، عن أبيه به . فصالٌ قال ابن إسحاق (٣) : وفرغ الناس لقتلاهم، فحدّثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازنيّ ، أخو بني النجّار، أن رسول الله وَ ل﴿ قال: (( من رجلٌ ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع ؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ )) فقال رجلٌ من الأنصار : أنا . فنظر فوجده جريحاً في القتلى وبه رمقٌ ، قال: فقلت له : إن رسول الله ولي أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات. فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله وَّر عني السلام، وقل له : إن سعد بن الرّبيع يقول لك: جزاك الله عنَّا خير ما جزى نبياً عن أمّته . وأبلغ قومك عنِّي السّلام ، وقل لهم : إن سعد بن الرّبيع يقول لكم : إنّه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيّكم ، ومنكم عينٌ تطرف. قال: ثم لم أبرح حتى مات. قال: فجئت النبيّ وَّ فأخبرته خبره. قلت : كان الرجل الذي التمس سعداً في القتلى محمد بن مسلمة ، فيما ذكره محمد بن عمر الواقديّ(٤) ، وذكر أنه ناداه مرتين فلم يجبه ، فلما قال : إن رسول الله أمرني أن أنظر خبرك . أجابه بصوتٍ ضعيفٍ ، وذكره . وفي الأدب المفرد للبخاري (٦٩٩) والحاكم (٢٣/٣ و٢٤) وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١٢٢/٦) رواه = أحمد والبزار ، ورجاله رجال الصحيح ، وأما تضعيفه فهو تهويلات الذهبي - رحمه الله - . (١) العيلة : الفقر . (٢) رواه النسائي في ((في اليوم والليلة)) (٦٠٩) ((السنن الكبرى)) رقم (١٠٤٤٥). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٣١٣). (٤) انظر ((المغازي)) (٢٩٢/١). ٢١٤ ء ذكر دعاء النبي بية بعد الوقعة يوم أحد وقال الشيخ أبو عمر في (( الاستيعاب)(١) : كان الرجل الذي التمس سعداً أَبيّ كعبٍ . فالله أعلم. وكان سعد بن الربيع من النّقباء ليلة العقبة، رضي الله عنه، وهو الذي آخى رسول الله وُّل بينه وبين عبد الرحمن بن عوفٍ . قال ابن إسحاق (٢): وخرج رسول الله وَله، فيما بلغني، يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي ، قد بقر بطنه عن كبده ، ومثّل به ؛ فجُدع أنفه وأذناه ، فحدّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير أن رسول الله وَ الله قال حين رأى ما رأى: (( لولا أن تحزن صفيّة، وتكون سنّةً من بعدي ، لتركته حتى يكون في بطون السّباعِ وحواصل الطَّر ، ولئن أظهرني الله على قريشٍ في موطنٍ من المواطن لأمثّلنّ بثلاثين رجلاً منهم)). فلما رأى المسلمون حزن رسول الله وَّه، وغيظه على من فعل بعمّه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوماً من الدّهر لنمثّلنّ بهم مثلةً لم يمثّلها أحدٌ من العرب . قال ابن إسحاق(٣): فحدّثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلميّ ، عن محمد بن كعبٍ ، وحدّثني من لا أتّهم ، عن ابن عباسٍ أن الله، عزّ وجلّ، أنزل في ذلك: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ وَلَيِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلِصَّبِينَ لَ وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٦ - ١٢٧] الآية، قال: فعفا رسول الله ◌َلَّ، وصبر، ونهى عن المثلة . قلت: هذه الآيات مكّةٌ، وقصة أحدٍ بعد الهجرة بثلاث سنين ، فكيف يلتئم هذا مع هذا ، فالله أعلم. قال ابن إسحاق (٤): وحدّثني حميدٌ الطويل، عن الحسن، عن سمرة قال: ما قام رسول الله بَ لل في مقامٍ قطُّ ففارقه حتى يأمر بالصَّدقة ، وينهى عن المثلة . وقال ابن هشامُ(٥): ولما وقف النبيّ ◌َ لّر على حمزة قال: ((لن أُصاب بمثلك أبداً، ما وقفت موقفاً قطُ أغيظ إليّ من هذَا)). ثم قال: ((جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوبٌ في أهل السماوات السبع : حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله )) . قال ابن هشام : وكان حمزة وأبو سلمة بن عبد الأسد أخوي رسول الله و له من الرّضاعة؛ أرضعتهم ثلاثتهم تُويبة مولاةَ أبي لهبٍ . وقال الإمام أحمد(٦): حدّثنا سليمان بن داود الهاشميّ ، أنبأنا عبد الرحمن ، يعني ابن أبي الزِّناد ، (١) انظر ((الاستيعاب بمعرفة الأصحاب)) (٥٩٠/٢). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٩٥/٢). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٩٦) وفي سند هذه الرواية مجاهيل فهي ضعيفة. (٤) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٩٦). (٥) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٩٦/٢). (٦) رواه أحمد في ((المسند)) (١٦٥/١)، والبيهقي في (دلائل النبوة) بمعناه (٣/ ٢٩٠) من طريق آخر مرسلاً، فهو حديث حسن . ٢١٥ ذكر الصلاة على حمزة رضي الله عنه وقتلى أُحد عن هشام ، عن عروة قال : أخبرني أبي الزُّبيرُ أنه لمّا كان يوم أحدٍ أقبلت امرأةٌ تسعى ، حتى إذا كادت أن تشرف على القتلى. قال: فكره النبيّ وَ لّر أن تراهم، فقال: ((المرأةَ المرأة)). قال الزُّبير: فتوسّمت أنّها أمي صفية ، قال : فخرجت أسعى إليها ، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى ، قال : فلدمت في صدري ، وكانت امرأةً جلدة، قالت: إليك، لا أرض لك. قال: فقلت: إن رسول الله وَ ل عزم عليكِ . قال : فوقفت ، وأخرجت ثوبين معها ، فقالت : هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة ، فقد بلغني مقتله ، فكفّنوه فيهما . قال : فجئنا بالثوبين لنكفِّن فيهما حمزة ، فإذا إلى جنبه رجلٌ من الأنصار قتيلٌ ، قد فُعل به كما فعل بحمزة . قال : فوجدنا غضاضةً وحياءً أن نكفِّن حمزة في ثوبين والأنصاريّ لا كفن له ، فقلنا : لحمزة ثوبٌ وللأنصاريّ ثوبٌ، فقدّرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر ، فأقرعنا بينهما ، فكفّنّا كلّ واحدٍ منهما في الثوب الذي طار له (١) . ذكر الصلاة على حمزة وقتلى أُحدٍ قال ابن إسحاق(٢): وحدّثني من لا أتّهم، عن مقسمٍ، عن ابن عباسٍ قال: أمر رسول الله وَ لهم بحمزة فسجّي ببردةٍ ، ثم صلّى عليه فكبّر سبع تكبيراتٍ ، ثّم أَتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة ، فصلّى عليهم وعليه معهم ، حتى صلّى عليه ثنتين وسبعين صلاةً . وهذا غريبٌ وسنده ضعيفٌ. قال السّهيليّ(٣) : ولم يقل به أحدٌ من علماء الأمصار . وقد قال الإمام أحمد(٤) : ثنا عفَّان، ثنا حمّادٌ، ثنا عطاء بن السَّائب، عن الشّعبيّ ، عن ابن مسعودٍ قال : إن النساء كنّ يوم أَحدٍ خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين ، فلو حلفتُ يومئذٍ رجوت أن أبرّ: إنه ليس أحدٌ منا يريد الدنيا، حتى أنزل الله: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآخِرَةٌ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [ آل عمران: ١٥٢]. فلمّا خالف أصحاب رسول الله وَّةِ وعصوا ما أُمروا به، أُفرد رسول الله وَّه في [ تسعة]؛ سبعةٍ من الأنصار ورجلين(٥) من قريشٍ، وهو عاشرهم، فلمّا رهِقوه قال: ((رحم الله رجلاً ردّهم عنَّا)). ( قال: فقام رجلٌ من الأنصار فقاتل ساعةً حتى قتل ، فلما رهِقوه أيضاً قال: ((رحم الله رجلاً ردّهم عنا))(٦). فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة، فقال رسول الله وليه (١) كذا في (أ) و(ط): ((الذي طار له)) أي قدر له. وفي ((المسند)): ((الذي صار له)). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٩٧). (٣) انظر ((الروض الأنف)) (٤٢/٦). رواه أحمد في ((المسند)) (٤٦٣/١)، وإسناده ضعيف . (٤) (٥) في (ط): ((واثنين)). (٦) ما بين القوسين سقط من ( ط). ٢١٦ ذكر الصلاة على حمزة رضي الله عنه وقتلى أحد لصاحبيه: ((ما أنصفنا أصحابنا)(١). فجاء أبو سفيان فقال: اعل هبل. فقال رسول الله العطل: («قولوا: الله أعلى وأجل)). فقالوا: الله أعلى وأجلّ. فقال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم. فقال رسول الله بَ﴿: ((قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم)). ثم قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدرٍ، يومٌ لنا ويوم علينا ، ويومٌ نُساء ويومٌّ نُسرّ، حنظلة بحنظلة، وفلانٌ بفلانٍ. فقال رسول الله وَّةٍ: ((لا سواء، أما قتلانا فأحياءٌ يرزقون، وقتلاكم في النَّار يعذّبون)). قال أبو سفيان: قد كانت في القوم مُثْلَةٌ ، وإن كانت لعن غير ملٍ منَّا ، ماأمرت ولا نهيت ، ولا أحببت ولا كرهت ، ولا ساءني ولا سرّني. قال: فنظروا ، فإذا حمزة قد بُقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها ، فلم تستطع أن تأكلها ، فقال رسول الله مَخير: ((أأكلتْ منه شيئاً؟)) قالوا: لا. قال: (( ما كان الله ليدخل شيئاً من حمزة في النَّار)). قال: فوضع رسول الله وكل حمزة فصلَّى عليه ، وجيء برجلٍ من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلّى عليه ، فرفع الأنصاريّ وترك حمزة ، ثم جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلّى عليه، ثم رفع وترك حمزة ، حتى صلّى عليه يومئذٍ سبعين صلاةً . تفرّد به أحمد . وهذا إسنادٌ فيه ضعفٌ أيضاً من جهة عطاء بن السائب ، فالله أعلم . والذي رواه البخاري(٢) أثبت، حيث قال: حدّثنا قتيبة، حدّثنا اللّيث، عن ابن شهابٍ ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أنّ جابر بن عبد الله أخبره أن رسول الله وَلّ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحدٍ في ثوبٍ واحدٍ، ثم يقول: ((أيُّهم أكثر أخذاً للقرآن ؟)). فإذا أشير له إلى أحدهما٣) قدّمه في اللّحد وقال: (( أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة)). وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسّلوا . تفرّد به البخاريّ دون مسلمٍ . ورواه أهل (( السنن (٤) من حديث اللّيث بن سعدٍ به . وقال أحمد(٥) : ثنا محمدٌ ، يعني ابن جعفرٍ ، ثنا شعبة ، سمعت عبد ربّه يحدّث عن الزُّهريّ ، عن ابن جابرٍ ، عن جابر بن عبد الله، عن النبيّ ◌َّرِ أنه قال في قتلى أَحدٍ: «فإنّ كلّ جرحٍ أو كلّ دمٍ يفوح مسكاً يوم القيامة )) ولم يصلّ عليهم . وثبت أنه صلَّى [عليهم ] بعد ذلك بسنين عديدةٍ قبل وفاته بيسيرٍ ، كما قال البخاري(٦): ثنا محمد بن عبد الرّحيم ، ثنا زكريا بن عديٍّ، أنا [ ابن ] المبارك ، عن حيوة ، عن يزيد بن أبي حبيبٍ ، في (٢): ((ما أنصفتما أصحابنا)) وأثبت لفظ ( ط ). (١) (٢) رواه البخاري رقم (٤٠٧٩ ). (٣) في (( صحيح البخاري)): ((فإذا أشير إلى أحدٍ)). (٤) رواه أبو داود رقم (٣١٣٨) و(٣١٣٩) والترمذي رقم (١٠٣٦) والنسائي رقم (١٩٥٤) وابن ماجه رقم ( ١٥١٤ ) . (٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٩٩/٣)، وهو حديث صحيح. (٦) في ((صحيحه)) رقم (٤٠٤٢). ٢١٧ ذكر الصلاة على حمزة رضي الله عنه وقتلى أحد عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامرٍ قال: صلّى رسول الله بَّه على قتلى أحدٍ بعد ثماني سنين، كالمودّع الأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: (( إني بين أيديكم فرطٌ، وأنا عليكم شهيدٌ، وإنّ موعدكم الحوض ، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا ، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ، ولكني(١) أخشى عليكم الدُّنيا أن تنافسوها)). قال: فكان آخر نظرةٍ نظرتها إلى رسول الله وَ لآه. ورواه البخاريّ في مواضع أخر ، ومسلمٌ ، وأبو داود ، والنّسائيّ(٢) ، من حديث يزيد بن أبي حبيبٍ به نحوه . وقال الأمويّ : حدّثني أبي ، ثنا الحسن بن عُمارة ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ قال : قالت عائشة : خرجنا من السّحَر مخرج رسول الله وََّ إلى أحدٍ نستطلع الخبر، حتى إذا طلع الفجر إذا رجلٌ محتجٌ ينشد (٣) ويقول : ((لّث قليلاً يشهد(٤) الهيجا حمل)) قالت : فنظرنا فإذا أسيد بن حضيرٍ ، ثم مكثنا بعد ذلك ، فإذا بعيرٌ قد أقبل ، عليه امرأةٌ بين وَسقين . قالت : فدنونا منها ، فإذا هي امرأة عمرو بن الجموح ، فقلنا لها : ما الخبر؟ قالت : دفع الله عنٍ رسول الله بَّ﴿ واتّخذ من المؤمنين شهداء، ﴿ وَرَدَّ اللَّهُالَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْفِتَالَّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ثم قالت لبعيرها : حل . ثم نزلت ، فقلنا لها : ما هذا ؟ قالت : أخي وزوجي. وقال ابن إسحاق(٥) : وقد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه (٦) ، وكان أخاها لأبيها وأمّها ، فقال رسول الله وَ لير لابنها الزّبير بن العوَّام: ((القَها فأرجعها؛ لا ترى ما بأخيها)). فقال لها: يا أمّه، إنّ رسول الله وَ لَه يأمرك أن ترجعي. قالت: ولم وقد بلغني أنه مُثّل بأخي ، وذلك في الله ؟! فما أرضانا ما كان من ذلك، لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله. فلما جاء الزُّبير إلى رسول الله وَّ وأخبره بذلك، قال: ((خلّ سبيلها)). فأتته فنظرت إليه ، وصلّت عليه ، واسترجعت واستغفرت . قال ابن إسحاق (٧): ثم أمر به رسول الله وَ ل﴿ فدفن، ودفن معه ابن أُخته عبد الله بن جحشٍ - وأمّه في (أ): ((ولكن)) وأثبت لفظ ( ط). (١) (٢) رواه البخاري رقم (١٣٤٤) و(٣٥٩٦) و(٤٠٨٥) و(٦٤٢٦) و(٦٥٩٠) ومسلم رقم (٢٢٩٦) وأبو داود رقم (٣٢٢٣) و(٣٢٢٤) والنسائي رقم (١٩٥٣). (٣) في (ط): ((يشتد)) والمثل في ((معجم الأمثال العربية)) لصديقي وزميلي الفاضل الأستاذ رياض عبد الحميد مراد ( ٩٦/٤ ) ومصادره مذكورة فيه . (٤) في ((معجم الأمثال العربية)): ((يلحق)). (٥) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٩٧ ). يعني إلى حمزة رضي الله عنه وأرضاه . (٦) (٧) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢ / ٩٧ ) وقد ذكر الخبر باختصار . ٢١٨ ذكر الصلاة على حمزة رضي الله عنه وقتلى أُحد أميمة بنت عبد المطلب - وكان قد مُثّل به ، غير أنه لم يبقر عن كبده ، رضي الله عنهما . قال السّهيليّ(١): وكان يقال له : المجدّع في الله. قال: وذكر سعدٌ أنه هو وعبد الله بن جحشٍ دعوا بدعوةٍ فاستجيبت لهما ؛ فدعا سعدٌ أن يلقى فارساً من المشركين فيقتله ويستلبه ، فكان ذلك ، ودعا عبد الله بن جحشٍ أن يلقاه فارسٌ فيقتله ويجدع أنفه في الله . فكان ذلك . وذكر الزُّبير بن بكّارٍ أن سيفه يومئذٍ انقطع، فأعطاه رسول الله وَّ عُرجونا٢ً) ، فصار في يد عبد الله بن جحشٍ سيفاً يقاتل به ، ثم بيع في تركة بعض ولده بمئتى دينارٍ . وهذا كما تقدّم لعكّاشة في يوم بدرٍ . وقد تقدّم في ((صحيح البخاريّ)) أيضاً أن رسول اللّه ◌َ ليل كان يجمع بين الرجلين والثلاثة في القبر الواحد ، بل في الكفن الواحد ، وإنما أرخص لهم في ذلك ؛ لما بالمسلمين من الجراح التي يشقّ معها أن يحفروا لكلّ واحدٍ واحداً ، ويقدّم في اللّحد أكثرهما أخذاً للقرآن ، وكان يجمع بين الرجلين المتصاحبين في اللّحد الواحد ، كما جمع بين عبد الله بن عمرو بن حرام ، والد جابرٍ ، وبين عمرو بن الجموح ؛ لأنهما كانا متصاحبين ، ولم يغسّلو(٣) ، بل تركهم بجراحهم ودمائهم ، كما روى ابن إسحاق(٤) ، عن الزّهريّ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعيرٍ، أنّ رسول الله وَّه لمّا أشرف على القتلى يوم أحدٍ قال: ((أنا شهيدٌ على هؤلاء ، إنه ما من جريح يجرح في الله ، إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه ، اللون لون دم، والريح ريح مسكٍ)). قال : وحدّثني عمّي موسى بن يسارٍ ، أنه سمع أبا هريرة يقول : قال أبو القاسم ◌ِّر: (( ما من جريحِ يجرح في الله، إلا والله يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمى ، اللون لون الدَّم ، والرِّيح ريح المسك)). وهذا الحديث ثابتٌ في (( الصحيحين )(٥) من غير هذا الوجه . وقال الإمام أحمد(٦) : ثنا عليّ بن عاصم ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابن عباسٍ قال: أمر رسول الله وَله يوم أحدٍ بالشهداء أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وقال: ((ادفنوهم بدمائهم وثيابهم » . ورواه أبو داود وابن ماجه(٧) من حديث عليٍّ بن عاصمٍ به . (١) انظر ((الروض الأنف)) (٦/ ٤٤). (٢) جاء في ((مختار الصِّحَاح)) (عرجن): ((العرجون: أصل العذق الذي يَعْوَجّ ويقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابساً)). يعني الشهداء جميعاً . (٣) (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٩٨/٢). (٥) رواه البخاري رقم (٢٣٧) و(٢٨٠٣) و(٥٥٣٣) ومسلم رقم (١٨٧٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٦) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٤٧/١)، وإسناده ضعيف. (٧) رواه أبو داود رقم (٣١٣٤) وابن ماجه رقم (١٥١٥)، وإسناده ضعيف . ٢١٩ ذكر الصلاة على حمزة رضي الله عنه وقتلى أحد وقال الإمام أبو داود في ((سننه)(١): حدّثنا القعنبيّ، أنّ سليمان بن المغيرة حدّثهم، عن حميد بن هلالٍ، عن هشام بن عامرٍ أنه قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله بَ له يوم أحدٍ فقالوا: قد أصابنا فرحٌ وجهدٌ، فكيف تأمرنا؟ فقال: ((احفروا وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد (٢))). قيل : يا رسول الله، فأيّهم يقدّم؟ قال: ((أكثرهم قرآناً)). ثم رواهً(٣) من حديث الثوريّ ، عن أيوب ، عن حميد بن هلالٍ ، عن هشام بن عامرٍ ، فذكره ، وزاد: ((وأعمقوا )). قال ابن إسحاق(٤) : وقد احتمل ناسٌ من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها ، ثم نهى رسول الله مح لة عن ذلك وقال: ((ادفنوهم حيث صُرعوا)). وقد قال الإمام أحمد(٥) : ثنا عليّ بن إسحاق ، ثنا عبد الله وعتّابٌ، أنا عبد الله ، أنا عمر بن سلمة بن أبي يزيد المدينيّ ، حدثني أبي ، سمعت جابر بن عبد الله يقول : استشهد أبي بأحدٍ ، فأرسلنني(٦) أخواتي إليه بناضح لهن ، فقلن : اذهب فاحتمل أباك على هذا الجمل ، فادفنه في مقبرة بني سلمة . قال: فجئته وأعوانٌ ليَ ، فبلغ ذلك نبيّ الله وَ له وهو جالسٌ بأحدٍ ، فدعاني فقال: (( والذي نفسي بيده لا يدفن إلا مع إخوته )» فدفن مع أصحابه بأحدٍ ، تفرّد به أحمد . وقال الإمام أحمد(٧) : ثنا محمد بن جعفرٍ ، ثنا شعبة ، عن الأسود بن قيسٍ ، عن نُبِيحِ ، عن جابر بن عبد الله ، أن قتلى أحدٍ حملوا من مكانهم ، فنادى منادي النبيّ وَّر أن ردّوا القتلى إلى مضاجعهم. وقد رواه أبو داود والنسائيّ(٨) من حديث الثّوريّ، والترمذيّ من حديث شعبةُ(٩) ، والنسائيّ أيضاً وابن ماجه( ١٠) من حديث سفيان بن عيينة ، كلّهم عن الأسود بن قيسٍ به . وقال أحمد١١): ثنا عمَّان ثنا أبو عوانة، ثنا الأسود بن قيس، عن نبيح العنزيُ(١٢) ، عن جابر بن (١) رقم (٣٢١٥) ، وهو حديث صحيح . (٢) لفظ ((الواحد)) لم يرد في ((سنن أبي داود)). (٣) في ((سننه)) رقم (٣٢١٦)، وهو حديث صحيح . (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٩٨/٢). رواه أحمد في ((المسند)) ( ٣٩٦/٣)، وإسناده ضعيف . (٥) (٦) في (ط): ((فأرسلني)). (٧) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٩٧/٣) ، وهو حديث صحيح . (٨) رواه أبو داود رقم (٣١٦٥) والنسائي رقم (٢٠٠٤)، وهو حديث صحيح . (٩) رواه الترمذي رقم ( ١٧١٧ ) ، وهو حديث صحيح . (١٠) رواه النسائي رقم (٢٠٠٣) وابن ماجه رقم (١٥١٦) ، وهو حديث صحيح. (١١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٩٧/٣)، وهو حديث صحيح. (١٢) في (ط): (( .. كلهم عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي ... )). ٢٢٠ ذكر الصلاة على حمزة رضي الله عنه وقتلى أحد عبد الله قال: خرج رسول الله وَّل# من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم، وقال لي أبي عبد الله: يا جابر، لا عليك أن تكون في نظّاري أهل المدينة ، حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا ، فإني والله لولا أني أترك بناتٍ لي بعدي ، لأحببت أن تقتل بين يديّ . قال : فبينا أنا في النّظّارين ، إذ جاءت عمتي بأبي وخالي ، عادلتهما على ناضحٍ ، فدخلتْ بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا، إذ لحق رجلٌ ينادي: ألا إنّ النبيّ ◌َّ يأمركم أن ترجعوا بالقتلى ، فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت . فرجعنا بهما ، فدفنّاهما حيث قتلا ، فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان ، إذ جاءني رجلٌ فقال : يا جابر بن عبد الله، والله لقد أثار أباك عمّال معاوية ، فبدا فخرج طائفةٌ منه . فأتيته فوجدته على النّحو الذي دفنتُه ، لم يتغيّر إلا ما لم يدع القتل ، أو القتيل . ثم ساق الإمام أحمد قصة وفائه دين أبيه ، كما هو ثابتٌ في (( الصحيحين))(١) وروى البيهقي٢ُّ) ، من طريق حمّاد بن زيدٍ ، عن أيوب ، عن أبي الزّبير ، عن جابر بن عبد الله قال: لما أجرى معاوية العين عند قتلى أحدٍ ، بعد أربعين سنةً ، استصرخناهم إليهم ، فأتيناهم فأخرجناهم ، فأصابت المسحاة قدم حمزة فانبعث دماً . وفي رواية ابن إسحاق ، عن جابرٍ قال : فأخرجناهم كأنما دفنوا بالأمس . وذكر الواقدي٣ّ) ، أن معاوية لمّا أراد أن يجري العين ، نادى مناديه : من كان له قتيلٌ بأُحدٍ فليشهد . قال جابرٌ : فحفرنا عنهم ، فوجدت أبي في قبره كأنما هو نائمٌ على هيئته ، ووجدت جاره في قبره عمرو بن الجموح ، ويده على جرحه فأزيلت عنه ، فانبعث جرحه دماً . ويقال : إنه فاح من قبورهم مثل ريح المسك ، رضي الله عنهم أجمعين ، وذلك بعد ستّ وأربعين سنةً من يوم دفنوا . وقد قال البخاريّ": ثنا مسدّدٌ، ثنا بشر بن المفضّل، ثنا حسينٌ المعلّم، عن عطاءٍ ، عن جابرٍ قال : لما حضر أحدٌ ، دعاني أبي من الليل فقال لي : ما أراني إلا مقتولاً في أول من يُقتَل من أصحاب النبيّ ◌َّه، وإني لا أترك بعدي أعزّ علي منك، غير نفس رسول الله وَله، وإنّ عليّ ديناً فاقض، واستوص بأخواتك خيراً . فأصبحنا فكان أول قتيلٍ، فدفنت معه آخَر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخَر ، فاستخرجته بعد ستة أشهرٍ ، فإذا هو كيوم وضعته ، هُنَيَّةً غير أُذنه . وثبت في (( الصحيحين (٥) من حديث شعبة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابرٍ أنه لما قتل أبوه ، (١) هو في ((صحيح البخاري)) رقم (٢١٢٧) و(٢٣٩٥) و(٢٣٩٦) و(٤٠٥٣) ولم نجده في ((صحيح مسلم )) بهذا اللفظ . (٢) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٩١/٣) وليس عنده جملة ((بعد أربعين سنة)). (٤) رواه البخاري رقم (١٣٥١). (٣) انظر ((المغازي)) (٢٦٧/١) . (٥) رواه البخاري رقم (٤٠٨٠) تعليقاً، وموصولاً رقم (١٢٤٤) ومسلم رقم (٢٤٧١) (١٣٠).