Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
ذكر خبر غزوة أحد
وقد قال الإمام أحمد(١): حدّثنا يزيد وعفان قالا: حدّثنا حمّادٌ، هو ابن سلمة، أخبرنا ثابتٌ، عن
أنسٍ ، أنّ رسول الله وَ ل ◌َ أخذ سيفاً يوم أحدٍ فقال: ((من يأخذ هذا السيف؟)). فأخذه قومٌ فجعلوا
ينظرون إليه، فقال: (( من يأخذه بحقّه؟)). فأحجم القوم، فقال أبو دجانة سماكٌ: أنا آخذه بحقّه.
فأخذه ففلق به هام المشركين .
ورواه مسلم٢ٌ) ، عن أبي بكرٍ ، عن عفّان به .
قال ابن إسحاق (٣) : وكان أبو دجانة رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب ، وكان له عصابةٌ حمراء يعلم
بها عند الحرب، يعتصب بها فيعلم الناس أنه سيقاتل. قال: فلمّا أخذ السيف من يد رسول الله وَلَو أخرج
عصابته تلك فاعتصب بها ، ثم جعل يتبختر بين الصّفين .
قال : فحدّثني جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب ، عن رجلٍ من الأنصار من بني سلمة
قال: قال رسول الله وَ له حين رأى أبا دجانة يتبختر: ((إنها لمشيةٌ يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن)).
قال ابن إسحاق(٤) : وقد قال أبو سفيان لأصحاب الّواء من بني عبد الدار يحرّضهم على القتال:
يا بني عبد الدار ، قد ولّيتم لواءنا يوم بدرٍ ، فأصابنا ما قد رأيتم ، وإنما يؤتى الناس من قِبل راياتهم ، إذا
زالت زالوا ، فإما أن تكفُونا لواءنا ، وإما أن تخلّوا بيننا وبينه فنكفيكموه . فهمّوا به وتواعدوه ، وقالوا :
نحن نسلِّم إليك لواءنا! ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع . وذلك أراد أبو سفيان .
قال : فلما التقى الناس ، ودنا بعضهم من بعض ، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها ،
وأخذن الدّفوف يضربن بها خلف الرجال ، ويحرّضن على القتال ، فقالت هند فيما تقول : [ من الرجز ]
ويهاً بني عبد الدار ويهاً حماة الأدبار
ضرباً بكلّ بنّار
وتقول أيضاً : [ من مجزوء الرجز ]
إن تُقبلوا نعانق
ونفرش النّمارق
فراقَ غيرِ وامق
أو تدبروا نفارق
قال ابن إسحاق(٥) : وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة ، أن أبا عامٍ عبد عمرو بن صيفيّ بن مالك بن
النعمان ، أحد بني ضبيعة، وقد كان خرج إلى مكة مباعداً لرسول الله وَّ# معه خمسون غلاماً من الأوس ،
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣/ ١٢٣).
(٢) رواه مسلم رقم (٢٤٧٠).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٦/٢).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢ / ٦٧).
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢ / ٦٧) .

١٨٢
ذكر خبر غزوة أحد
وبعض الناس يقول : كانوا خمسة عشر . وكان يعِد قريشاً أن لو قد لقي قومه ، لم يختلف عليه منهم
رجلان . فلما التقى الناس ، كان أول من لقيهم أبو عامرٍ في الأحابيش وعبدان أهل مكة ، فنادى :
يا معشر الأوس ، أنا أبو عامرٍ . قالوا : فلا أنعم الله بك عيناً يا فاسق . وكان يسمّى في الجاهلية الراهب ،
فسماه رسول الله وَ﴿ الفاسق. فلما سمع ردّهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شرٌّ. ثم قاتلهم قتالاً
شديداً ، ثم راضخهم بالحجارة .
قال ابن إسحاق(١) : فاقتتل الناس حتى حميت الحرب ، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس .
قال ابن هشام(٢): وحدّثني غير واحدٍ من أهل العلم، أنّ الزّبير بن العوّام قال: وجدتُ في نفسي
حين سألت رسول الله مَ ليل السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة: وقلت: أنا ابن صفيّة عمّته ومن قريشٍ ، وقد
قمت إليه فسألته إياه قبله ، فأعطاه أبا دجانة وتركني ، والله لأنظرنّ ما يصنع ، فاتّبعته فأخرج عصابةً له
حمراء ، فعصب بها رأسه ، فقالت الأنصار : أخرج أبو دجانة عصابة الموت . وهكذا كانت تقول له إذا
تعصّب ، فخرج وهو يقول: [ من الرجز ]
ونحن بالسّفح لدى النخيلِ
أنا الذي عاهدني خليلي
أَضربْ بسيف الله والرسولِ
أن لا أقوم الدهر في الكَيّول
وقال الأمويّ: حدّثني أبو عبيدٍ في حديث النبيّ مَّ﴿(٣)؛ أن رجلاً أتاه وهو يقاتل ، فسأله سيفاً يقاتل
به، فقال: ((لعلك إن أعطيتك، تقاتل في الكَيّول؟ )). قال: لا. فأعطاه سيفاً، فجعل يرتجز
ويقول :
أنا الذي عاهدني خليلي أن لا أقوم الدهر في الكَيّول
وهذا حديثٌ يروى عن شعبة ، ورواه إسرائيل ، كلاهما عن أبي إسحاق ، عن هنيدة بن خالدٍ أو غيره
يرفعه . الكيّول يعني مؤخّر الصفوف ، سمعته من عدّةٍ من أهل العلم ، ولم أسمع هذا الحرف إلا في هذا
الحديث .
قال ابن إسحاق(٤) : فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله ، وكان في المشركين رجلٌ لا يدع جريحاً إلا ذفّف
عليه ، فجعل كلّ منهما يدنو من صاحبه ، فدعوت الله أن يجمع بينهما ، فالتقيا فاختلفا ضربتين ، فضرب
المشرك أبا دجانة ، فاتّقاه بدرقته(٥) ، فعضّت بسيفه ، وضربه أبو دجانة فقتله ، ثم رأيته قد حمل السيف
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٨/٢).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٨/٢).
(٣) وذكره أبو عبيد في كتابه ((غريب الحديث)) (٢٤٥/٢).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٩/٢).
(٥) أي : بترسه .

١٨٣
ذكر خبر مقتل حمزة رضي الله عنه في غزوة أحد
على مفرق رأس هند بنت عتبة ، ثم عدل السيف عنها . قال الزّبير : فقلت : الله ورسوله أعلم.
وقد رواه البيهقيّ في (( الدلائل)(١) من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن الزّبير بن العوام بذلك.
قال ابن إسحاق(٢) : قال أبو دجانة : رأيت إنساناً يُحمش الناس حمشاً شديداً ، فصمدت له ، فلمّا
حملت عليه السيف وَلْوَلَ، فإذا امرأةٌ، فأكرمتُ سيف رسول اللهَ وَّل أن أضرب به امرأةً .
وذكر موسى بن عقبة أنّ رسول الله وَ ل* لما عرضه ، طلبه منه عمر ، فأعرض عنه ، ثم طلبه منه
الزّبير ، فأعرض عنه ، فوجدا في أنفسهما من ذلك ، ثم عرضه الثالثة ، فطلبه أبو دجانة ، فدفعه إليه ،
فأعطى السيف حقّه . قال : فزعموا أنّ كعب بن مالك قال : كنت فيمن جرح من المسلمين ، فلمّا رأيت
مَثْل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاوزت ، فإذا رجلٌ من المشركين جمع اللأمة يحوز المسلمين ،
وهو يقول : استوسقوا كما استوسقت جزر الغنم . قال : وإذا رجلٌ من المسلمين قائمٌ ينتظره وعليه
لأمته ، فمضيت حتى كنت من ورائه ، ثم قمت أقدُر المسلم والكافر ببصرى ، فإذا الكافر أفضلهما عدّةٌ
وهيئةً . قال : فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا ، فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربةً بالسيف فبلغت
ورِكه ، وتفرّق فرقتين ، ثم كشف المسلم عن وجهه وقال : كيف ترى يا كعب ؟ أنا أبو دجانة .
مقتل حمزة ، رضي الله عنه
قال ابن إسحاق(٣) : وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتَل أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن
عبد مناف [ بن عبد الدار ] ، وكان أحد النَّفر الذين يحملون اللواء .
وكذلك قتل عثمانَ بنَ أبي طلحة ، وهو حامل اللواء ، وهو يقول : [ من الرجز ]
إن على أهل اللواء حقا أن يخضبوا الصّعدة أو تندقًّا
فحمل عليه حمزة فقتله ، ثم مرّ به سباع بن عبد العزّى الغبشانيّ ، وكان يكنى بأبي نيارٍ ، فقال
حمزة : هلمّ [ إليّ ] يابن مقطّعة البُطور. وكانت أمّه أمّ أنمارٍ مولاة شريق بن عمرو بن وهبِ الثّقفيّ،
وكانت ختّانةً بمكة ، فلما التقيا ضربه حمزة فقتله ، قال وحشيٍّ غلام جبير بن مطعم : والله إنّي لأنظر
إلى حمزة يهدّ الناس بسيفه ما يُليق شيئاً ، مثل الجمل الأورق ، إذ قد تقدّمني إليه سباعٌ ، فقال حمزة :
هلمّ إليّ يا بن مقطّعة البظور . فضربه ضربةً فكأنما أخطأ رأسه ، وهززت حربتي ، حتى إذا رضيتُ منها
دفعتُها عليه ، فوقعت في ثنّته(٤) حتى خرجت من بين رجليه ، فأقبل نحوى ، فغلب فوقع ، وأمهلته
(١) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٣٢/٣).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٩/٢).
(٣) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٩/٢).
(٤) أي : ما بين الشُّرَّة والعانة من أسفل البطن.

١٨٤
ذكر خبر مقتل حمزة رضي الله عنه في غزوة أحد
حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي ، ثم تنحّيت إلى العسكر ، ولم يكن لي بشيءٍ حاجةٌ غيره .
( وقال أبو بكر بن أبي عاصم : حدّثني عبد الوهّاب بن نجدة ، حدّثنا بقيّة ، عن بحيرٍ ، عن خالد بن
معدان، عن أبي بلالٍ ، عن عبد الله بن السائب، أنّ رسول الله وَ ليل كان يوم الشّعب آخر أصحابه ، ولم
يكن بينه وبين العدوّ غير حمزة يقاتل العدوّ ، فرصده وحشيٍّ فقتله، وقد قتل الله بيد حمزة من الكُفَّار أحداً
وثلاثين ، وكان يدعى أسد الله )(١)
قال ابن إسحاق(٢) : وحدّثني عبد الله بن الفضل بن عبّاس بن ربيعة بن الحارث ، عن سليمان بن
يسارٍ ، عن جعفر بن عمرو بن أمَّة الضّمريّ قال: خرجت أنا وعبيد الله بن عديٍّ بن الخيار، أخو(٣) بني
نوفل بن عبد منافٍ ، في زمان معاوية ، فأدربنا٤) مع الناس ، فلما مررنا بحمص ، وكان وحشيٍّ مولى
جبيرٍ قد سكنها وأقام بها ، فلمّا قدمناها قال عبيد الله بن عديٍّ : هل لك في أن نأتي وحشياً ، فنسأله عن
قتل حمزة كيف قتله ؟ قال : قلت له : إن شئت . فخرجنا نسأل عنه بحمص ، فقال لنا رجلٌ ونحن نسأل
عنه : إنكما ستجدانه بفناء داره ، وهو رجلٌ قد غلبت عليه الخمر ، فإن تجداه صاحياً تجدا رجلاً عربياً ،
وتجدا عنده بعض ما تريدان ، وتصيبا عنده ما شئتما من حديثٍ تسألانه عنه ، وإن تجداه وبه بعض ما يكون
به ، فانصرفا عنه [ودعاه ] . قال: فخرجنا نمشي حتى جئناه ، فإذا هو بفناء داره على طنفسةٍ له ، وإذا
شيخٌ كبيرٌ مثل البغاث ، وإذا هو صاح لا بأس به ، فلمّا انتهينا إليه سلّمنا عليه ، فرفع رأسه إلى عبيد الله بن
عديّ فقال : ابنٌ لعديّ بن الخيار أنتَ ؟ قال : نعم . قال : أما والله ما رأيتُك منذ ناولتُك أمّك السّعديّة
التي أرضعتك بذي طوى ، فإنّ ناولتُكها وهي على بعيرها ، فأخذتْك بعُرضيك ، فلمعت لي قدماك حين
رفعتُك إليها ، فوالله ما هو إلا أن وقفتَ عليّ فعرفتُهما . قال : فجلسنا إليه فقلنا : جئناك لتحدّثنا عن
قتلك حمزة، كيف قتلته؟ فقال: أما إنّي سأحدّثكما كما حدّثت رسول الله وَ ل حين سألني عن ذلك ؛
كنت غلاماً لجبيرٍ بن مطعم ، وكان عمُّه طعيمة بن عديٍّ قد أصيب يوم بدرٍ ، فلمّا سارت قريشٌ إلى أُحدٍ
قال لي جبيرٌ: إن قتلت حمزة عمّ محمدٍ بعمّي طُعَيْمَةُ(٥) ، فأنت عتيقٌ . قال : فخرجت مع الناس ،
وكنت رجلاً حبشيّاً أقذف بالحربة قذف الحبشة ، قلّما أخطىء بها شيئاً ، فلمّا التقى الناس خرجتُ أنظر
حمزة وأتبصّره ، حتى رأيته في عرض الناس كأنّه الجمل الأورق ، يهدّ الناس بسيفه هدّاً ما يقوم له شيءٌ ،
فوالله إني لأتهيّأ له ، أريده وأستتر منه بشجرةٍ أو بحجرٍ ليدنو مني ، إذ تقدّمني إليه سباع بن عبد العزّى ،
(١) ما بين القوسين سقط من (ط) وانفردت به (آ)، والحديث إسناده ضعيف، وفي متنه شذوذ ففيه أن حمزة قتل الله
بيده واحداً وثلاثين ، وعدد من قتل في أحد لا يتجاوز بضعاً وعشرين ، وأن حمزة قتل منهم أربعة .
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٧٠).
في (ط): ((أحد)) وهو خطأ، وما جاء في (أ) موافق لما في (( السيرة النبوية)) لابن هشام.
(٣)
(٤) أي: دخلنا الدَّرب .
(٥) لفظ ((طُعَيْمَة)) لم يرد في (ط) و((السيرة النبوية)) لابن هشام، وهو مما انفردت به (ا).

١٨٥
ذكر خبر مقتل حمزة رضي الله عنه في غزوة أُحد
فلمّا رآه حمزة قال : هلمّ إليَّ يابن مقطّعة البظور . قال : فضربه ضربةً كأنما أخطأ رأسه . قال: وهززت
حربتي ، حتى إذا رضيتُ منها ، دفعتُها عليه ، فوقعت في ثنّته حتى خرجت من بين رجليه ، وذهب لينوءَ
نحوي فغُلب ، وتركته وإياها حتى مات ، ثم أتيته فأخذت حربتي ، ثم رجعت إلى العسكر ، فقعدت
فيه ، ولم يكن لي بغيره حاجةٌ ، إنما قتلته لأُعتق ، فلمّا قدمت مكة عتقت ثم أقمت ، حتى [ إذا ] افتتح
رسول الله بَّه مكة، هربت إلى الطَّائف فكنت بها، فلما خرج وفدُ الطَّائف إلى رسول الله مح لول ليسلموا،
تعيّت عليّ المذاهب ، فقلت : ألحق بالشام ، أو باليمن ، أو ببعض البلاد ، فوالله إني لفي ذلك من
همّي ، إذ قال لي رجلٌ : ويحك! إنه والله ما يقتل أحداً من الناس دخل في دينه وشهد شهادة الحقّ .
قال: فلمّا قال لي ذلك، خرجت حتى قدمت على رسول الله وَّ﴿ المدينة، فلم يَرُعْه إلا بي قائماً على
رأسه أشهد شهادة الحقّ، فلما رآني قال (١): ((أوحشيٍّ؟)). قلت: نعم يارسول الله. قال: ((اقعد
فحدّثني كيف قتلت حمزة)). قال: فحدّثته كما حدّثتكما، فلمّا فرغت من حديثي قال: (( ويحك! غيّب
عني وجهك فلا أرينّك)). قال: فكنت أتنكّب رسول الله وَ ليل حيث كان ؛ لئلاّ يراني، حتى قبضه الله ،
عز وجلّ ، فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذّاب صاحب اليمامة ، خرجت معهم ، وأخذت حربتي
التي قتلت بها حمزة ، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائماً في يده السيف ، وما أعرفه ، فتهيّأت له ،
وتهيّأ له رجلٌ من الأنصار من الناحية الأخرى ، كلانا يريده ، فهززت حربتي ، حتى إذا رضيت منها ،
دفعتها عليه ، فوقعت فيه ، وشدّ عليه الأنصاريّ بالسيف ، فربُّك أعلم أيّنا قتله ، فإن كنت قتلتُه ، فقد
قتلت خير الناس بعد رسول الله وَ له ، وقتلت شرّ الناس.
قلت : الأنصاريّ هو أبو دجانة سماك بن خرشة ، كما سيأتي في مقتل أهل اليمامة مع مسيلمة .
وقال الواقديّ في (( الرّة)) : هو عبد الله بن زيد بن عاصمٍ المازنيّ .
وقال سيف بن عمر (٢): هو عديّ بن سهلٍ، وهو القائل: [من المتقارب]
قتلتُ مسيلمةَ المفتتَنْ
ألم تر أني ووحشیّهم
ويسألني الناس عن قتله فقلت ضربتُ وهذا طعنْ
والمشهور أنّ وحشيّاً هو الذي بدره بالضربة ، وذفّف عليه أبو دجانة ؛ لما روى ابن إسحاق(٣) ، عن
عبد الله بن الفضل ، عن سليمان بن يسارٍ ، عن ابن عمر ، قال : سمعت صارخاً يوم اليمامة يقول : قتله
العبد الأسود .
(١) في (ط): ((قال لي)).
(٢) في (ط): ((سيف بن عمرو)).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٧٣/٢).

١٨٦
ذكر خبر مقتل حمزة رضي الله عنه في غزوة أُحد
وقد روى البخاريّ(١) قصة مقتل حمزة ، من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون ،
عن عبد الله بن الفضل ، عن سليمان بن يسارٍ ، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضّمريّ قال : خرجت مع
عبيد الله بن عديٍّ بن الخيار . فذكر القصة كما تقدّم . وذكر أن عبيد الله بن عديٍّ كان معتجراً عمامةً ،
لا يَرى منه وحشيٌّ إلا عينيه ورجليه ، فذكر من معرفته له ما تقدّم ، وهذه قيافةٌ عظيمةٌ - كما عرف مجزّزٌ
المدلجيّ أقدام زيدٍ وابنه أسامة مع اختلاف ألوانهماً(٢) - وقال في سياقته : فلمّا أن صفّ الناس للقتال ،
خرج سباٌ فقال : هل من مبارزٍ ؟ فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال له : يا سباع ، يا بن أمّ أنمارٍ
مقطّعة البظور ، أتحادُّ الله ورسوله ؟ ثم شدّ عليه ، فكان كأمس الذاهب . قال : وكمنتُ لحمزة تحت
صخرةٍ ، فلما دنا مني رميته بحربتي ، فأضعها في ثنّته حتى خرجت من بين ورِكيه . قال : فكان ذلك آخر
العهد به. إلى أن قال: فلما قبض رسول الله وَلَّ وخرج مسيلمة الكَذَّاب ، قلت : لأخرج إلى مسيلمة
لعّي أقتله فأكافىء به حمزة . قال : فخرجت مع الناس ، فكان من أمره ما كان . قال : فإذا رجلٌ قائمٌ في
ثلمة جدارٍ ، كأنّه جملٌ أورق ، ثائر الرأس . قال : فرميته بحربتي ، فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من
كتفيه . قال : ووثب إليه رجلٌ من الأنصار فضربه بالسيف على هامته . قال عبد الله بن الفضل : فأخبرني
سليمان بن يسارٍ ، أنّه سمع عبد الله بن عمر يقول : فقالت جاريةٌ على ظهر البيت: وا أميراه(٣) ، قتله
العبد الأسود .
قال ابن هشام(٤): فبلغني أن وحشيّاً لم يزل يُحَدّ في الخمر حتى خُلع من الدّيوان ، فكان عمر بن
الخطاب يقول : قد علمت أنّ الله لم يكن ليدع قاتل حمزة .
قلت : وتوفّي وحشيّ بن حربٍ أبو دَسْمة - ويقال : أبو حرب - بحمص ، وكان أول من لبس الثياب
المدلوكة .
قال ابن إسحاق(٥): وقاتل مصعب بن عميرٍ دون رسول اللّه ◌ُّل حتى قتل ، وكان الذي قتله ابن قمِئة
[الليثيّ]، وهو يظنّ أنَّه رسول الله [وَآل]، فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمداً.
قلت : وذكر موسى بن عقبة في ((مغازيه)(٦) ، عن سعيد بن المسيّب أنّ الذي قتل مصعباً هو أُبيّ بن
خلفٍ ، فالله أعلم .
(١) انظر ((صحيح البخاري)) رقم (٤٠٧٢).
(٢) وذلك فيما رواه البخاري رقم (٣٥٥٥) و(٣٧٣١) و(٦٧٧٠) و(٦٧٧١) ومسلم رقم (١٤٥٩).
(٣) كذا فى (١): ((واأميراه)) وفي (ط): ((واأمير المؤمناه)) وفي ((صحيح البخاري)): ((واأمير المؤمنين)).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٧٣/٢).
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٧٣).
(٦) وذكره البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢١١/٣).

١٨٧
ذكر خبر مقتل حمزة رضي الله عنه في غزوة أحد
قال ابن إسحاق(١): فلمّا قُتل مصعب بن عميرٍ، أعطى رسول اللهَ يَّه اللّواء عليَّ بن أبي طالبٍ.
وقال يونس بن بكيرٍ ، عن ابن إسحاق : كان اللواء أولًا مع عليّ بن أبي طالبٍ ، فلمّا رأى
رسول الله وَّ لواء المشركين مع بني عبد الدار قال: ((نحن أحقّ بالوفاء منهم)) أخذ اللواء من عليٍّ فدفعه
إلى مصعب بن عميرٍ ، فلما قُتل مصعبٌ أعطى اللواء عليّ بن أبي طالبٍ .
قال ابن إسحاق(٢): وقاتَل عليّ بن أبي طالبٍ ورجالٌ من المسلمين .
قال ابن هشام(٣): وحدّثني مسلمة بن علقمة المازنيّ قال: لمّا اشتد القتال يوم أُحدٍ ، جلس
رسول الله وَ﴿ تحت راية الأنصار، وأرسل إلى عليٍّ أن قدّم الرَّاية، فتقدّم عليٍّ وهو يقول: أنا
أبو القصم . فناداه أبو سعد بن أبي طلحة ، وهو صاحب لواء المشركين ، أن هل لك يا أبا القُصَم في
البِراز من حاجةٍ ؟ قال : نعم . فبرزا بين الصفّين ، فاختلفا ضربتين ، فضربه عليٍّ فصرعه ، ثم انصرف
ولم يُجْهِز عليه ، فقال له بعض أصحابه : أفلا أجهزت عليه ؟ فقال : إنه استقبلني بعورته ، فعطفتني عليه
الرّحمُ ، وعرفت أنّ الله قد قتله .
[ وقد فعل ذلك عليٍّ، رضي الله عنه، يوم صفّين مع بُسر بن أبي أرطاة ، لما حمل عليه ليقتله،
أبدى له عن عورته فرجع عنه ، وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه عليٌّ في بعض أيام صفّين ،
أبدى عن عورته فرجع عليٌّ أيضاً .
ففي ذلك يقول الحارث بن النّضر : [من الطويل ]
أفي كلّ يومٍ فارسٌ غير منتهٍ
وعورتُه وسْط العجاجة باديه
ويضحك منها في الخَلاء معاويهْ
يَكُفّ لها عنه عليٌّ سِنانه
وذكر يونس ، عن ابن إسحاق(٤) ، أن طلحة بن أبي طلحة العبدريّ حامل لواء المشركين يومئذٍ دعا
إلى البِراز ، فأحجم الناس عنه ، فبرز إليه الزبير بن العوّام ، فوثب حتى صار معه على جمله ، ثم اقتحم به
الأرض ، فألقاه عنه وذبحه بسيفه، فأثنى عليه رسول الله وَ ير قال: (( إنّ لكلّ نبيٍّ حوارياً ، وحواريّ
الزبير)(٥). وقال: ((لو لم يبرز إليه ؛ لما رأيت من إحجام الناس عنه)).
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٧٣).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٧٣).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٧٣).
(٤) وأورده البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣/ ٢٢٧) عن يونس به ، إلا أنه لم يسم الرجل الذي دعا للبراز.
(٥) رواه البخاري رقم (٣٧١٩) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه وهو عند الترمذي رقم (٣٧٤٥) من حديث
علي بن أبي طالب رضي الله عنه وانظر ((جامع الأصول)) لابن الأثير (٩/ ٥ - ٦) بتحقيق والدي وأستاذي المحدِّث
الشيخ عبد القادر الأرناؤوط حفظه الله تعالى وأدام النفع به .

١٨٨
ذكر خبر مقتل حمزة رضي الله عنه في غزوة أُحد
وقال ابن إسحاق (١) : قتل أبا سعد بن أبي طلحة سعدُ بن أبي وقاصٍ ، وقاتل عاصمُ بن ثابت بن أبي
الأقلح ، فقتَل مسافع بن طلحة بن أبي طلحة وأخاه الجُلاس ، كلاهما يشعره سهماً ، فيأتي أمّه سلافة ،
فيضع رأسه في حجرها ، فتقول : يا بنيّ ، من أصابك ؟ فيقول: سمعت رجلاً حين رماني وهو يقول :
خذها وأنا ابن أبي الأقلح . فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم ، أن تشرب فيه الخمر ، وكان عاصمٌ قد
عاهد الله أن لا يمسّ مشركاً أبداً ، ولا يمسّه . ولهذا حماه الله منهم يوم الرّجيع ، كما سيأتي.
قال ابن إسحاق(٢): والتقى حنظلة بن أبي عامر - واسمه عمرٌو ، ويقال : عبد عمرو بن صيفيّ .
وكان يقال لأبي عامرٍ في الجاهلية: الراهب. لكثرة عبادته، فسماه رسول الله وَله: الفاسق؛ لمَّا خالف
الحقّ وأهله ، وخرج من المدينة هرباً من الإسلام ، ومخالفةً للرسول ، عليه السلام ، وحنظلة الذي
يُعْرَفُ بحنظلة الغسيل ؛ لأنّه غسّلته الملائكة، كما سيأتي - هو وأبو سفيان صخر بن حربٍ ، فلمّا علاه
حنظلة رآه شدّاد بن الأسود، وهو الذي يقال له: ابن شَعوب. فضربه شدّادٌ فقتله، فقال رسول الله وَالآتى :
((إنّ صاحبكم لتغسّله الملائكة، فاسألوا أهله ما شأنه)) . فسُئلت صاحبته - قال الواقديّ: هي جميلة بنت
عبد الله بن أُبيّ بن سلول ، وكانت عروساً عليه تلك الليلة - فقالت : خرج وهو جنبٌ حين سمع الهاتفة .
فقال رسول الله وَل: ((لذلك غسّلته الملائكة)).
وقد ذكر موسى بن عقبة أنّ أباه ضرب برجله في صدره وقال : ذنبان أصبتهما ، ولقد نهيتك عن
مصرعك هذا ، ولقد والله كنت وصولاً للرّحم ، برّاً بالوالد .
قال ابن إسحاق (٣): وقال شدّاد بن الأسود في قتله حنظلة: [ من الرحز ]
لأحمينّ صاحبي ونفسي
بطعنةٍ مثل شعاع الشمسِ
وقال ابن شَعوب : [ من الطويل ]
ولولا دفاعي يا بن حربٍ ومشهدي
ولولا مَكرِّي المهرَ بالنّعف قرقرت
لأُلفيتُ يوم النّعف غير مجيبٍ
عليه ضِباعٌ أو ضِراءُ كَليب
وقال أبو سفيان : [ من الطويل ]
ولو شئتُ نجّتني كمَيتُ طِمرّةٌ
ومازال مُهري مزجر الكلب منهمُ
أقاتلهم وأدّعي يا لغالبٍ
ولم أحملِ النّعماءَ لابن شعوب
لدُنْ غدوةٍ حتى دنت لِغُروب
وأدفعهم عني بركن صليبٍ
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٧٤/٢).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢ /٧٥).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٧٥/٢).

١٨٩
ء
ذكر خبر غزوة أحد
فبكى ولا ترعي مقالة عاذلٍ
أباك وإخواناً له قد تتابعوا
وسلّى الذي قد كان في النّفس أَنَّني
ومِن هاشمٍ قَرماً كريماً ومُصعباً
فلو أنني لم أشفِ نفسيّ منهمُ
فآبوا وقد أودى الجلابيبُ منھمُ
أصابهمُ مَن لم يكن لدمائهم
فأجابه حسان بن ثابتٍ (٢) :
ذكرتَ القُروم الصِّيد من آل هاشمٍ
أتعجبُ أن أقصدتَ حمزةَ منهمُ
ألم يقتلوا عَمراً وعتبةَ وابنَه
غداةَ دعا العاصي عليّا فراعه
ولا تسأَمي مِن عَبرةٍ ونحيبِ
وحقّ لهم من عيرةٍ بنصيب
قتلت من النّجّار كلّ نجيب
وكان لدى الهيجاء غيرَ هَيوب
لكانت شجىّ في القلب ذاتَ نُدوب
بهم خدَبٌ من مُعبطٍ(١) وكئيب
كِفاءً ولا في خَطّةٍ بضريب
ولستَ لزُورٍ قلتَّه بمصيبٍ
نجيباً وقد سمّيتَه بنجيبِ
وشيبةَ والحجّاجَ وابنَ حبيبٍ
بضربة عضبٍ بلّه بخضيبٍ
فصل
قال ابن إسحاق (٣) : ثم أنزل الله نصره على المسلمين ، وصدقهم وعده فحسّوهم بالسيوف حتى
كشفوهم عن العسكر ، وكانت الهزيمة لا شكّ فيها .
وحدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه [ عبّاد ] ، عن عبد الله بن الزّبير ، عن الزبير
قال : والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها ؛ مشمّراتٍ هوارب، ما دون أخذهنّ قليلٌ
ولا كثيرٌ ، إذ مالت الرُّمَاة على العسكر حين كشفنا القوم عنه ، وخلّوا ظهورنا للخيل ، فأُتينا من خلفنا ،
وصرخ صارخٌ : ألا إنّ محمداً قد قتل . فانكفأنا وانكفأ القوم علينا بعد أن أصبنا أصحاب اللواء ، حتى ما
يدنو منه أحدٌ منهم . قال : فحدّثني بعض أهل العلم ، أنّ اللواء لم يزل صريعاً حتى أخذته عمرة بنت
علقمة الحارثيّة ، فرفعته لقريشٍ ، فلاثوا به ، وكان اللواء مع صوابٍ ، غلام لبني أبي طلحة ، حبشيٍّ ،
وكان آخر من أخذه منهم ، فقاتل به حتى قطعت يداه ، ثم برك عليه ، فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل
عليه ، وهو يقول :
اللهمّ هل أعزرتُ ؟ يعني اللهمّ هل أعذرتُ ؟ .
(١) في ((السيرة النبوية)): ((معطب)).
(٢) الأبيات في ((ديوانه)) (٤٤٦/١) و((السيرة النبوية)) لابن هشام (٧٦/٢).
(٣) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٧٧).

١٩٠
ذكر خبر غزوة أحد
فقال حسان بن ثابتٍ في ذلك(١) :
لواءٌ حين ردّ إلى صُوابِ
فخرتم باللّواء وشرّ فخرٍ
وألأم مَن يطا عفر التّرابِ
جعلتم فخركم فيه لعبدٍ
وماً إن ذاك من أمر الصّوابِ
ظننتم والسّفيه له ظنونٌ
بمكة بيعكم حمر العيابِ
بأنّ جِلادنا يوم التقينا
وما إن تعصبان على خضابٍ
أقرّ العين أن عصبت يداه
وقال حسان بن ثابت [ أيضاً ] في رفع عمرة بنت علقمة اللواء لهم(٢):
جَدايةُ(٣) شِرِ(٤) معلَمات الحواجبِ
إذا عضلٌ سيقت إلينا كأنّها
وحزناهمُ بالضرب من كلّ جانبٍ
أقمنا لهم طعناً مبيراً منكّلاً
يباعون في الأسواق بيع الجلائبِ
فلولا لواء الحارثيّة أصبحوا
قال ابن إسحاق : فانكشف المسلمون ، وأصاب منهم العدوّ ، وكان يوم بلاء وتمحيصٍ ، أكرم الله
فيه من أكرم بالشّهادة، حتى خلص العدوّ إلى رسول الله وَلجر، فدتّ بالحجارة حتى وقع لشقّه، فأصيبت
رباعيته ، وشجّ في وجهه ، وكلمت شفته ، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقَّاصٍ .
فحدّثني حميدٌ الطّويل(٥)، عن أنس بن مالك قال: كسرت رباعِية النبيّ وَّهِ يوم أحدٍ، وشجّ في وجهه،
وجعل الدَّم يسيل في وجهه ، فجعل يمسح الدَّم ويقول: (( كيف يفلح قومٌ خضبوا وجه نبيّهم وهو يدعوهم
إلى الله))؟ فأنزل الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [ آل عمران: ١٢٨].
قال ابن جريرٍ في ((تاريخه)(٦): حدّثنا محمد بن الحسين، حدّثنا أحمد بن المفضّل (٧)، حدّثنا
أسباطٌ، عن الشُّدّيِّ قال: أتى ابن قمئة الحارثيّ، فرمى رسول الله وَّهَ بحجرٍ، فكسر أنفه ورباعيته ،
وشجّه في وجهه فأثقله ، وتفرّق عنه أصحابه ، ودخل بعضهم المدينة ، وانطلق طائفةٌ فوق الجبل إلى
الصّخرة، وجعل رسول الله بَ له يدعو الناس: ((إليّ عباد الله، إليّ عباد الله)). فاجتمع إليه ثلاثون
رجلاً ، فجعلوا يسيرون بين يديه ، فلم يقف أحدٌ إلّ طلحة وسهل بن حنيفٍ ، فحماه طلحة ، فرمي بسهمٍ
في يده فيبست يده، وأقبل أبيّ بن خلف الجمحيّ، وقد حلف ليقتلنّ النبيّ وَّه فقال: ((بل أنا أقتله)).
الأبيات في (( ديوانه)) (٣٦٧/١) و (( السيرة النبوية)) (٧٨/٢).
(١)
(٢) الأبيات في ((ديوانه)) (١٢٧/١) و((السيرة النبوية)) (٧٩/٢).
(٣)
الجداية : الغزال الصغير .
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٧٩/٢).
(٤)
سيأتي الحديث بعد صفحات من هذا الجزء ص١٩٩ - ٢٠٠ .
(٥)
(٦) انظر ((تاريخ الطبري)) (٥١٩/٢).
(٧) في (ط): ((أحمد بن الفضل))، محرف.

١٩١
ذكر خبر غزوة أُحد
فقال: يا كذاب، أين تفرّ؟. فحمل عليه، فطعنه النبيّ مُّل في جيب الدّرع، فجرح جرحاً خفيفاً،
فوقع يخور خُوار الثّور ، فاحتَمَلوه وقالوا : ليس بك جراحةٌ ، فما يجزعك ؟ قال : أليس قال :
(( لأقتلنّك)) ؟ لو كانت بجميع ربيعة ومضر لقتلتهم . فلم يلبث إلّ يوماً أو بعض يوم حتى مات من ذلك
الجرح، وفِشا في الناس أنَّ رسول الله مَ ◌ّ قد قُتل، فقال: بعض أصحاب الصخرة؛ ليت لنا رسولًا إلى
عبد الله بن أَبِيّ ، فيأخذ لنا أمنةً من أبي سفيان ، يا قوم ، إنّ محمداً قد قتل ، فارجعوا إلى قومكم قبل أن
يأتوكم فيقتلُوكم . فقال أنس بن النضر : يا قوم ، إن كان محمدٌ قد قتل ، فإن ربّ محمدٍ لم يقتل ،
فقاتلوا على ما قاتل عليه محمدٌ وَّر، اللهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا يقول هؤلاء، وأبرأ إليك ممّا جاء به
هؤلاء . ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل، وانطلق رسول الله وَله يدعو الناس، حتى انتهى إلى أصحاب
الصخرة، فلمّا رأوه وضع رجلٌ سهماً في قوسه، فأراد أن (١) يَزْميه، فقال: (( أنا رسول الله)). ففرحوا
بذلك حين وجدوا رسول الله وَ لَه، وفرح رسول الله وَ له حين رأى [ أنّ ] في أصحابه من يمتنع [ به ] ،
فلمّا اجتمعوا وفيهم رسول الله وَ ليره، ذهب عنهم الحزن ، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون
أصحابهم الذين قتلوا ، فقال الله عزّ وجلّ ، في الذين قالوا : إن محمداً قد قتل ، فارجعوا إلى قومكم :
وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَىَّ أَعْقَبِّكُمْ﴾ الآية [ آل عمران: ١٤٤ ] (٢)
فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم ، فلمّا نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه ، وهمّهم أبو سفيان ،
فقال رسول الله وَّه: ((ليس لهم أن يعلونا، اللهمّ إن تقتل هذه العصابة، لا تعبد في الأرض)) . ثم ندب
أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم ، فقال أبو سفيان يومئذٍ : اعل هبل ، حنظلة بحنظلة ، ويوم أحدٍ
بيوم بدر . وذكر تمام القصّة . وهذا غريبٌ جداً، وفي بعضه نكارةٌ ، والله أعلم(٣)
قال ابن هشام(٤) : وزعم ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيدِ [ عن أبيه، عن أبي سعيدٍ ] أنّ عتبة بن
أبي وقَّاصٍ رمى رسول الله وَّةٍ فكسر رباعيته اليمنى السّفلى، وجرح شفته السّفلى، وأنّ عبد الله بن شهابٍ
الزّهريّ شجّه في جبهته(٥) ، وأنّ [ عبد الله ] بن قمئة جرح وجنته ، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في
وجنته، ووقع رسول الله مَّ في حفرةٍ من الحفر التي عمل أبو عامٍ؛ ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون،
فأخذ عليّ بن أبي طالبٍ بيده بَّه، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائماً، ومصّ مالك بن سنانٍ،
أبو أبي سعيدٍ، الدَّم من وجه رسول الله مَ ﴿ ثم ازدرده(٦)، فقال: ((من مسّ دمه دمي لم تصبه النَّار)).
(١) قوله: ((فأراد أن)) لم يرد في ( ط ) .
(٢) أورد ناسخ (ط) الآية إلى قوله تعالى: ﴿ ... مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ وأتممها ناسخ (آ).
(٣) في ( ط): (( وفيه نكارة )) فقط.
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٨٠).
(٥) في (آ): ((في وجهه)) وما جاء في ( ط) موافق لما في ((السيرة النبوية)) لابن هشام مصدر المؤلف.
(٦) أي : ابتلعه .

١٩٢
ذكر خبر غزوة أُحد
قلت: وذكر قتادة أن رسول الله وَ لَه لمّا وقع لشقّه أغمي عليه، فمرّ به سالمٌ مولى أبي حذيفة، فأجلسه
ومسح الدم عن وجهه، فأفاق وهو يقول: ((كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى الله))؟ فأنزل
الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ الآية. رواه ابن جريرٍ، وهو مرسلٌ، وسيأتي بسط هذا في فصل وحده .
قلت: كان أول النهار للمسلمين على الكُفَّارُ(١)، كما قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ
وَعْدَهُ: إِذْتَحُسُونَهُم بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِىِ الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَدَكُمْ مَّا تُحِبُّونَّ
مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآخِرَةَّ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَّكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ
وَاَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴿لَ ﴾ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ عَلَىَّ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىّ
أُخْرَنكُمْ فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمِّ ﴾ الآية [ آل عمران: ١٥٢ - ١٥٣].
قال الإمام أحمد(٢) : ثنا سليمان بن داود ، أنا عبد الرحمن بن أبي الزّناد ، عن أبيه ، عن عبيد الله ،
عن ابن عباسٍ أنّه قال : ما نصر الله في موطنٍ كما نصر يوم أحدٍ . قال : فأنكرنا ذلك ، فقال : بيني وبين
من أنكر [ ذلك ] كتاب الله، إن الله يقول في يوم أحدٍ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُشُونَهُم
بِإِذْنِهٌِ﴾ يقول ابن عباسٍ: والحسّ القتل. ﴿ حَتَّىَ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ ﴾ إلى قوله :
﴿[ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ] وَاَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وإنما عنى بهذا الرّماة، وذلك أنّ النبيّ وَّل
أقامهم في موضع، ثم قال: ((احموا ظهورنا٣) ، فإن رأيتمونا نُقُتل فلا تنصرونا ، وإن رأيتمونا نغنم فلا
تَشركونا)). فلمّا غنم النبيّ وَلّر وأباحوا عسكر المشركين، أكبّ الرّماة جميعاً، فدخلوا في العسكر
ينهبون، وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله وَ لقوله، فهم هكذا - [وشبّك] بين [ أصابع ] يديه -
والتبسو(٤)، فلمّا أخلّ الرّماة تلك الخَلَّةُ(٥) التي كانوا فيها ، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب
النبيّ وَّر، فضرب بعضهم بعضاً والتبسوا، وقتل من المسلمين ناسٌ كثير(٦)، وقد كان لرسول الله وَله
(١) انظر ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) لابن قيم الجوزية (١٧٦/٣) بتحقيق والدي الشيخ عبد القادر الأرناؤوط ،
وزميله الشيخ شعيب الأرناؤوط ، طبع مؤسسة الرسالة ببيروت .
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١/ ٢٨٧).
(٣) في (أ): ((احمو ظهرنا)) وأثبت لفظ (ط)، وهو الموافق لما في ((المسند)).
(٤) في (أ): ((وانتشبوا)) وأثبت لفظ (ط ).
(٥) أي: ولما ترك الزُّماة مركزهم. جاء في ((مختار الصحاح)) ( خلل): ((أخلَّ الرجل بمركزه تركه)).
(٦) وقال الإمام ابن قيم الجوزية في ((زاد المعاد)) ( ١٧٦/٣) بتحقيق الشيخين الفاضلين شعيب الأرناؤوط وعبد القادر
الأرناؤوط، طبع مؤسسة الرسالة ببيروت: ((وكان الدولة أول النهار للمسلمين على الكُفَّار ، فانهزم عدوّ الله، وولَّوا
مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم ، فلما رأى الزُّماة هزيمتهم ، تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله وَله بحفظه ،
وقالوا: يا قوم الغنيمة، فذكّرهم أميرهم عهد رسول الله وَّل، فلم يسمعوا، وظنّوا أن ليس للمشركين رجعة ،
فذهبوا في طلب الغنيمة ، وأخلونا بالثغر، وكَرَّ فرسان المشركين ، فوجدوا الثغر خالياً ، قد خلا من الزُّماة ،
فجازوا منه، وتمكنوا حتى أقبل آخرهم، فأحاطوا بالمسلمين، فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة ، وهم سبعون )) .

١٩٣
ذكر خبر غزوة أحد
وأصحابه أول النهار ، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعةٌ أو تسعةٌ ، وجال المسلمون جولةً نحو
الجبل ، ولم يبلغوا - حيث يقول الناس - الغار، إنما كانوا تحت المهراس(١)، وصاح الشيطان : قتل
محمدٌ. فلم يشكّ فيه أنّه حقٌّ، فما زلنا كذلك ما نشكّ أنّه حقٌّ، حتى طلع رسول الله ◌ِّ بين السّعدين ،
نعرفه بتكفُّئه إذا مشى. قال: ففرحنا كأنّه لم يصبنا ما أصابنا. قال: فرقي نحونا وهو يقول: ((اشتدّ
غضب [الله] على قوم دمّوا وجه رسول الله)). ويقول مرّةً أخرى: ((اللهمّ [ إنّه ] ليس لهم أن يعلونا)).
حتى انتهى إلينا فمكث ساعةً ، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: [ اعْلُ هُبَلْ ] مرّتين ، يعني آلهته
أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر بن الخطاب : ألا أُجيبه ؟ قال :
((بلى)). قال: فلمّا قال: اعل هبل. قال: الله أعلى وأَجَلُّ. [ فقال أبو سفيان: يا بن الخطّاب، قد
أنعمت عينُها فعاد عنها . أو : فعال عنها . فقال : أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن
الخطاب ؟ فقال عمر: هذا رسول الله بِ ﴿، وهذا أبو بكرٍ، وها أنا ذا عمر. قال: ] فقال أبو سفيان:
يومٌ بيوم بدر ، والأيام دول ، وإنّ الحرب سجال . قال : فقال عمر : لا سواء ، قتلانا في الجنة وقتلاكم
في النار . قال : إنّكم لتزعمون ذلك ، لقد خبنا إذن وخسرنا .
ثم قال أبو سفيان: [ أما ] إنكم [ سوف] تجدون في قتلاكم مُثْلَةً ، ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا .
قال : ثم أدركته حميّة الجاهليّة فقال: أما إنّه إن كان ذلك لم نكرهه . وقد رواه ابن أبي حاتم ، والحاكم
في ((مستدركه)) والبيهقيّ في (( الدلائل)(٢) من حديث سليمان بن داود الهاشميّ به . وهذا حديثٌ
غريبٌ ، وهو من مرسلات ابن عباسٍ ، وله شواهد من وجوهٍ كثيرةٍ ، سنذكر منها ما تيسّر ، إن شاء الله ،
وبه الثقة وعليه التّكلان ، [ وهو المستعان ] .
قال البخاري(٣) : ثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : لقينا
المشركين يومئذٍ وأجلس النبيّ وَله جيشاً من الرّماة، وأمّر عليهم عبد الله بن جبيرٍ، وقال: (( لا تبرحوا؛
إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا ، وإن رأيتموهم ظهروا علينا [ فلا ] تعينونا)). فلما لقيناهم(٤)
هربوا ، حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل ، رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهنّ ، فأخذوا يقولون :
الغنيمة الغنيمة . فقال عبد الله: عهد [إليّ ] النبيّ وَليره: أن لا تبرحوا. فأبوا، فلمّا أبوا صرفت
وجوههم ، فأصيب سبعون قتيلاً، وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمدٌ؟ فقال: (( لا تجيبوه)).
(١) المهراس: ماء بجبل أحد. قاله الفيروزابادي في ((المغانم المطابة)) ص (٣٩٦) بتحقيق شيخنا العلاَّمة حمد
الجاسر رحمه الله .
(٢) رواه ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (١٦٤٤) والحاكم في ((المستدرك)) (٢٩٦/٢) والبيهقي في ((دلائل النبوة))
(٢٦٩/٣) .
(٣) رواه البخاري رقم (٤٠٤٣) .
(٤) في (ط): ((فلما لقينا)).

١٩٤
ذكر خبر غزوة أُحد
فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: ((لا تجيبوه)). فقال : أفي القوم ابن الخطّاب ؟ فقال: إنّ
هؤلاء قد قُتلوا(١) ، فلو كانوا أحياءً لأجابوا . فلم يملك عمر نفسه ، فقال : كذبت يا عدوّ الله ، والله قد
أبقى الله لك ما يحزنك(٢). فقال أبو سفيان: اعل هبل. فقال النبيّ وَّل: ((أجيبوه)). قالوا: ما نقول؟
قال: ((قولوا: الله أعلى وأجلُّ)). فقال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم. فقال النبيّ ◌َّ:
((أجيبوه)). قالوا: ما نقول؟ قال: ((قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم)). قال أبو سفيان: يومٌ بيوم
بدر ، والحرب سجال ، وستجدون في القوم مثلةً لم آمر بها ولم تسؤني ، وهذا من أفراد البخاريّ دون
مسلمٍ
وقال الإمام أحمد (٣): حدثّنا حسن بن موسى(٤)، حدّثنا زهيرٌ، حدثنا أبو إسحاق ، أن البرَاء بن
عازبٍ قال: جعل رسول الله وَّر على الرّماة يوم أحدٍ، وكانوا خمسين رجلاً ، عبد الله بن جبيرٍ . قال :
ووضعهم موضعاً ، وقال: (( إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا، حتى أرسل إليكم ، [ وإن رأيتمونا
ظهرنا على العدوّ وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم ])) . قال : فهزموهم . قال : فأنا والله رأيت
النساء يشتددن على الجبل ، قد بدت أسوقهنّ وخلاخلهنّ رافعاتٍ ثيابهنّ . فقال أصحاب عبد الله [ بن
جبيرٍ ] : الغنيمة ، أي قوم الغنيمة ، ظهر أصحابكم فما تنظرون ؟ قال عبد الله بن جبيرٍ : أَفَنَسيتمُ(٥) ما
قال لكم رسول الله وَلَّ؟ فقالوا: إنّا والله لنأتينّ الناس فلنصيينّ من الغنيمة. فلمّا أتوهم صرفت
وجوههم ، فأقبلوا منهزمين ، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله وَّ غير
اثني عشر رجلاً ، فأصابوا منا سبعين [ رجلاً ] .
وكان رسول الله وَ لّ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدرٍ أربعين ومئةً؛ سبعين أسيراً وسبعين
قتيلاً ، فقال أبو سفيان : أفي القوم محمدٌ ؟ أفي القوم محمدٌ ؟ أفي القوم محمدٌ ؟ ثلاثاً ، فنهاهم
رسول الله ◌َ أن يجيبوه ، ثم قال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ أفي القوم ابن
أبي قحافة ؟ أفي القوم ابن الخطَّاب ؟ أفي القوم ابن الخطّاب ؟ أفي القوم ابن الخطّاب؟ ثم أقبل على
أصحابه ، فقال : أمَّا هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم ، فما ملك عمر نفسه أن قال : كذبت والله يا عدوّ
الله، إنّ الذين عددت لأحياءٌ كلّهم، وقد أبقى الله(٦) لك ما يسوءك . فقال: يومٌ بيوم بدر ، والحرب
(١) في (ط): ((إن هؤلاء قتلوا)).
(٢) لفظ (ط): ((والله قد أبقى الله عليك ما يخزيك)).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٤/ ٢٩٣)، وإسناده صحيح.
في (ط): ((حدثنا موسى)) وهو خطأ، وانظر ((تحرير تقريب التهذيب)) (٢٨١/١).
(٤)
(٥)
في (ط): (( أنسيتم)).
(٦) في (ط): ((وقد بقي لك)).

١٩٥
ذكر خبر غزوة أحد
سجال ، إنكم ستجدون في القوم مثلةً لم آمر بها ولم تسؤني ، ثم أخذ يرتجز : [ مجزوء الرجز ]
اعل هبل اعل هبل
فقال رسول الله وَ لير: ((ألا تجيبونه؟)). قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال: ((قولوا : الله
أعلى وأجلُّ)). قال: إنّ العزّى لنا، ولا عزّى لكم. قال رسول الله بَله: ((ألا تجيبونه؟)). قالوا:
يا رسول الله، وما نقول؟ قال: ((قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم)).
ورواه البخاريّ(١) من حديث زهيرٍ، وهو ابن معاوية(٢) ، مختصراً ، وقد تقدّم روايته له مطولةً من
طريق إسرائيل ، عن أبي إسحاق .
وقال الإمام أحمد (٣) : ثنا عفان ، ثنا حمّاد بن سلمة ، أنا ثابتٌ وعليّ بن زيدٍ ، عن أنس بن مالكٍ
أن المشركين لما رهقوا النبيّ وَّ وهو في سبعةٍ من الأنصار ورجلين من قريشٍ، قال: (( من يردّهم عنا
وهو رفيقي في الجنة؟)). فجاء رجلٌ من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلما رهقوه أيضاً قال: (( من يردّهم
عنا وهو رفيقي في الجنة؟)). حتى قتل السبعة، فقال رسول الله و له لصاحبيه: ((ما أنصفنا أصحابنا)).
ورواه مسلم٤ٌ) ، عن هدبة بن خالدٍ ، عن حمّاد بن سلمة به .
وقال البيهقيّ في (( الدلائل)(٥) بإسناده، عن عُمَارة بن غزّة، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ قال : انهزم
الناس عن رسول الله وَله يوم أحدٍ، وبقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار وطلحة بن عبيدِ الله ، وهو
يصعد في الجبل ، فلحقهم المشركون فقال: ((ألا أحدٌ لهؤلاء؟)) . فقال طلحة : أنا يا رسول الله .
فقال رسول الله وَ له: ((كما أنت يا طلحة)). فقال رجلٌ من الأنصار: فأنا يا رسول الله . فقاتل عنه ،
وصعِد رسول الله وَّله ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاريّ فلحقوه، فقال: ((ألا رجلٌ لهؤلاء؟)). فقال
طلحة مثل قوله ، فقال رسول الله وَ لّر مثل قوله، فقال رجلٌ من الأنصار: فأنا يا رسول الله . فأذن له .
فقاتل مثل قتاله وقتال صاحبه، ورسول الله وَله وأصحابه يصعدون، ثم قُتل فلحقوه، فلم يزل
رسول الله وَله يقول مثل قوله الأول، ويقول طلحة: أنا يا رسول الله. فيحبسه فيستأذنه رجلٌ من الأنصار
للقتال ، فيأذن له فيقاتل مثل من كان قبله ، حتى لم يبق معه إلا طلحة بن عُبيد الله ، فغشوهما ، فقال
رسول الله وسلم: ((من لهؤلاء يا طلحة؟)). فقال طلحة: أنا. فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله
وأصيبت أنامله، فقال: حسّ. فقال رسول الله وَّلقوله: ((لو قلتَ: بسم الله، أو ذكرت اسم الله؛
(١) رواه البخاري رقم ( ٣٩٨٦) و(٤٠٦٧) و(٤٥٦١).
(٢) هو زهير بن مُعَاوية بن حُدَيج أبو خيثمة الجُعْفي الكُوفي. انظر ((تحرير تقريب التهذيب)) (٤٢٠/١).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) ( ٢٨٦/٣).
(٤) رواه مسلم رقم ( ١٧٨٩ ) .
(٥) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٢٣٦/٣).

١٩٦
ذكر خبر غزوة أحد
لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك، حتى تلج بك في جوّ السماء)). ثم صعِد رسول الله وَل إلى
أصحابه ، وهم مجتمعون .
وروى البخاريّ(١)، عن أبي بكرٍ عبد الله بن أبي شيبة، عن وكيعٍ ، عن إسماعيل ، عن قيس بن أبي
حازم قال : رأيت يد طلحة شلاء؛ وفى بها النبيّ وَّ يوم أحدٍ .
وفي (( الصحيحين )(٢) من حديث معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي عثمان النهديِّ قال : لم يبق
مع النبي ◌َ ◌ّ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن غير طلحة وسعدٍ، عن حديثهما.
وقال الحسن بن عرفة٣) : حدّثنا مروان بن معاوية ، عن هاشم بن هاشم الزهريّ ، سمعت سعيد بن
المسيّب يقول: سمعت سعد بن أبي وقّاصٍ يقول: نثل لي رسول الله وَّلَه كنانته يوم أحدٍ ، وقال:
((ارم ، فداك أبي وأمي)).
وأخرجه البخاري٤ّ) ، عن عبد الله بن محمدٍ ، عن مروان به .
وفي (( صحيح البخاريّ)(٥) من حديث عبد الله بن شدّادٍ ، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ قال : ما سمعت
النبيّ وَّ جمع أبويه لأحدٍ إلا لسعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أحدٍ: (( يا سعد، ارم فِداك أبي
وأمي )) .
وقال محمد بن إسحاق(٦) : حدّثني صالح بن كيسان، عن بعض آل سعدٍ ، عن سعد بن أبي
وقَّاصٍ، أنه رمى يوم أحدٍ دون رسول الله وَّله. قال سعدٌ: فلقد رأيت رسول الله وَل يناولني النّل
ويقول: ((ارم ، فِداك أبي وأمي)). حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصلٌ فأرمي به .
وثبت في (( الصحيحين))(١) من حديث إبراهيم بن سعد ، عن أبيه [ عن جده ، عن سعد بن أبي
وقّاص ]، قال: رأيت يوم أحدٍ عن يمين النبيّ وَّه وعن يساره رجلين عليهما ثيابٌ بيضٌ، يقاتلان عنه
أشدّ القتال ، ما رأيتهما قبل ذلك ولا بعده . يعني جبريل وميكائيل ، عليهما السلام .
وقال أحمد(٨) : ثنا عقَّان ، ثنا حمادٌ، ثنا ثابتٌ ، عن أنسٍ أن أبا طلحة كان يرمي بين يدي
(١) في ((صحيحه )) رقم (٤٠٦٣) .
رواه البخاري رقم (٤٠٦٠) و(٤٠٦١)، ومسلم رقم (٢٤١٤).
(٢)
(٣)
هو في ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٢٣٩/٣).
(٤)
في « صحيحه )) رقم (٤٠٥٥) .
رقم (٢٩٠٥) و(٤٠٥٨) و (٤٠٥٩) و(٦١٨٤ ).
(٥)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٨٢).
(٦)
(٧) رواه البخاري رقم (٤٠٥٤) ومسلم رقم (٢٣٠٦).
(٨) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٨٦/٣ - ٢٨٧)، وإسناده صحيح.

١٩٧
ذكر خبر غزوة أحد
رسول الله وَّةٍ يوم أحدٍ، والنبيّ مَّ خلفه يتترّس به، وكان رامياً، وكان إذا رمى رفع رسول الله وَل
شخصه ينظر أين يقع سهمه ، ويرفع أبو طلحة صدره ويقول : هكذا بأبي أنت وأمي يا رسول الله ،
لا يصيبك سهمٌ، نحري دون نحرك. وكان أبو طلحة يشور نفسه١) بين يدي رسول الله وص له ويقول : إني
جلدٌ يا رسول الله ، فوجّهني في حوائجك ، ومرني بما شئت .
وقال البخاريّ(٢): حدّثنا أبو معمرٍ ، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا عبد العزيز، عن أنس قال: لما
كان يوم أحدٍ انهزم الناس عن النبيّ وَ له، وأبو طلحة بين يدي رسول الله وَ ل﴿ مجوِّبٌ عليه بحجفةٍ له، وكان
أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النّزع ، كسر يومئذٍ قوسين أو ثلاثاً ، وكان الرجل يمرّ معه بجعبةٍ من النّبل
فيقول: انثرها لأبي طلحة. قال: ويشرف النبيّ رَّه ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: بأبي أنت
وأمي ، لا تشرفْ يُصِبكَ سهم من سهام القوم ، نحري دون نحرك ، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكرٍ ، وأمّ
سليم وإنهما لمشمرتان ، أرى خدم سوقهما ، تَنْقُزان القِرب على متونهما ، تفرغانه في أفواه القوم ، ثم
ترجعان فتملانها ، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم ، ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما
ثلاثاً .
قال البخاري(٣) : وقال لي خليفة : حدّثنا يزيد بن زريعٍ، حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة ، عن أنسٍ ، عن
أبي طلحة قال : كنت فيمن تغشّاه النّعاس يوم أحدٍ حتى سقط سيفي من يدي مراراً ، يسقط وآخذه ،
ويسقط فآخذه . هكذا ذكره البخاريّ معلّقاً بصيغة الجزم ، ويشهد له قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ
الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةٌ مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِيَّةِ يَقُولُونَ هَل
لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلُّ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكٌ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا
هَهُنَّأَ قُل لَّوْ كُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمٌ وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِ صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى
اْ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُ بِبَعْضِ مَا
قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ [ آل عمران: ١٥٤ -١٥٥].
قال البخاريّ(٤): ثنا عبدالُ(٥)، ثنا أبو حمزة، عن عثمان بن موهبٍ قال: جاء رجلٌ حجّ البيت
فرأى قوماً جلوساً ، فقال : من هؤلاء القعود ؟ قالوا : هؤلاء قريشٌ . قال : من الشيخ ؟ قالوا : ابن
عمر . فأتاه فقال : إني سائلك عن شيءٍ أتحدّثني ؟ قال : أنشدك بحرمة هذا البيت ، أتعلم أنّ عثمان بن
(١) أي: يعرضها على القتل.
رواه البخاري رقم (٤٠٦٤ ).
(٢)
(٣)
في « صحيحه )) رقم (٤٠٦٨) تعليقاً .
(٤) في (( صحيحه )) رقم (٤٠٦٦).
(٥) وهو لقبه، واسمه ((عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رؤَّاد العَتَلي المروزي أبو عبد الرحمن)).

١٩٨
ذكر خبر غزوة أحد
عفَّان فرّ يوم أحدٍ ؟ قال : نعم . قال : فتعلمه تغيّب عن بدرٍ فلم يشهدها ؟ قال : نعم . قال : فتعلم أنّه
تخلّف عن بيعة الرّضوان فلم يشهدها ؟ قال : نعم . قال : فكبّر . قال ابن عمر : تعال لأخبرك ولأبين
لك عما سألتني عنه ؛ أما فراره يوم أحدٍ ، فأشهد أن الله عفا عنه ، وأما تغيّبه عن بدرٍ ؛ فإنه كان تحته بنت
النبيّ ◌َّهَ وكانت مريضةً، فقال له رسول الله بَ ◌ّ: ((إن لك أجر رجلٍ ممّن شهد بدراً وسهمه)) وأما تغيّه
عن بيعة الرّضوان ؛ فإنه لو كان أحدٌ أعزّ ببطن مكة من عثمان بن عفَّان لبعثه مكانه ، فبعث عثمان ، وكانت
بيعة الرّضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكَّة، فقال النبيّ وَط﴿ بيده اليمنى: ((هذه يد عثمان)». فضرب بها
على يده، فقال: ((هذه لعثمان)). اذهب بهذا الآن معك.
وقد رواه البخاريّ أيضاً في موضع آخر ، والترمذيّ من حديث أبي عوانة (١) ، عن عثمان بن
عبد الله بن موهبٍ به .
وقال الأمويّ في ((مغازيه)(٢): عن ابن إسحاق ، حدّثني يحيى بن عبّادٍ ، عن أبي ، عن جدّه،
سمعت رسول اللّه ◌َل يقول: ((أوجب طلحة)). حين صنع ما صنع برسول الله مَّل ، وقد كان الناس
انهزموا عنه حتى بلغ بعضهم إلى المنقّى دون الأعوص ، وفرّ عثمان بن عفَّان ، وسعد بن عثمان وعقبة بن
عثمان رجلان (٣) من الأنصار ، حتى بلغوا الجلعب ، جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص ، فأقاموا ثلاثاً
ثم رجعوا، فزعموا أن رسول الله بص له قال لهم: ((لقد ذهبتم فيها عريضةً)).
والمقصود أن أُحداً وقع فيها أشياء مما وقع في بدرٍ ، منها ؛ حصول النّعاس حال التحام الحرب ،
وهذا دليلٌ على طمأنينة القلوب بنصر الله وتأييده وتمام توكّلها على خالقها وبارئها .
وقد تقدم الكلام على قوله تعالى في غزوة بدرٍ: ﴿ إِذْيغشاكم النُّعَاسَ (٤) أَمَنَةٌ مِّنْهُ ﴾ الآية [الأنفال: ١١]
وقال هاهنا: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىْ طَآَبِفَةٌ مِّنْكُمْ﴾ يعني المؤمنين الكمّل ، كما قال
ابن مسعود وغيره من السلف : النّعاس في الحرب من الإيمان ، والنّعاس في الصلاة من النفاق . ولهذا
قال بعد هذا: ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْأَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ الآية [ آل عمران: ١٥٤].
ومن ذلك أن رسول الله وَه استنصر يوم أحدٍ كما استنصر يوم بدرٍ بقوله: (( إن تشأ لا تعبد في
الأرض)). كما قال الإمام أحمد(٥): ثنا عبد الصَّمد وعفَّان، قالا: ثنا حمّادٌ، عن ثابتٍ ، عن أنسٍ أن
رسول الله ﴿ ﴿ كان يقول يوم أحدٍ: ((اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض)).
(١) رواه البخاري رقم (٣٩٦٨) والترمذي رقم (٣٧٠٦).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق (٣١١).
(٣)
في (ط): ((رجل)).
وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو .
(٤)
(٥) في ((المسند)) (١٥٢/٣).

١٩٩
ذكر ما لقي النبي ومية من المشركين في غزوة أُحد
ورواه مسلمٌ(١)، عن حجّاج بن الشاعر ، عن عبد الصّمد ، عن حمّاد بن سلمة به.
وقال البخاريّ(٢): ثنا عبد الله بن محمدٍ ، ثنا سفيان، عن عمرو ، سمع جابر بن عبد الله قال : قال
رجلٌ للنبيّ وَ ◌ّ يوم أحدٍ: أرأيت إن قتلت أين أنا (٣) قال: ((في الجنة )) فألقى تمراتٍ في يده ثم قاتل
حتى قتل .
ورواه مسلمٌ والنسائيّ(٤) من حديث سفيان بن عيينة به ، وهذا شبيهٌ بقصة عمير بن الحمام التي تقدّمت
في غزوة بدرٍ ، رضي الله عنهما وأرضاهما .
فصلٌ فیما لقي النبيّ بێ يومئذٍ من المشر کین
قبّحهم الله
قال البخاريّ(٥): ما أصاب النبيّ بَلَّ من الجراح يوم أَحدٍ: حدّثنا إسحاق بن نصرٍ، ثنا
عبد الرزاق ، عن معمرٍ ، عن همّام بن منبهٍ ، سمع أبا هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَليل:
(( اشتدّ غضب الله على قوم فعلوا بنبيه - يشير إلى رباعيته - اشتد غضب الله على رجلٍ يقتله رسول الله في
سبيل الله)).
ورواه مسلمٌ(٦) من طريق عبد الرزاق .
حدّثنا٧) مخلد بن مالكٍ ، حدّثنا يحيى بن سعيدٍ الأمويّ ، حدثنا ابن جريجٍ ، عن عمرو بن دينارٍ ،
عن عكرمة عن ابن عباسٍ قال: اشتد غضب الله على من قتله النبيّ وَّ في سبيل الله، اشتد غضب الله على
قومٍ دمّوا وجه نبيّ الله .
وقال أحمد (٨): ثنا عفَّان، ثنا حمّادٌ، ثنا ثابتٌ، عن أنسٍ، أن رسول الله وِِّ قال يوم أحدٍ ، وهو
يسلت الدم عن وجهه ، وهو يقول: (( كيف يفلح قومٌ شجّوا نبيّهم وكسروا رباعيته ، وهو يدعوهم إلى
الله ؟!)) .
(١) في ((صحيحه)) رقم (١٧٤٣).
في « صحيحه )) رقم (٤٠٤٦) .
(٢)
(٣)
في (ط): ((فأين أنا)).
رواه مسلم رقم (١٨٩٩) والنسائي رقم (٣١٥٤).
(٤)
(٥)
في « صحيحه » رقم ( ٤٠٧٣ ) .
(٦) في ((صحيحه)) رقم ( ١٧٩٣).
(٧) القول للإمام البخاري ، والحديث في صحيحه رقم (٤٠٧٤).
(٨) رواه أحمد في ((المسند)) ( ٢٥٣/٣).

٢٠٠
ذكر ما لقي النبي لة من المشركين في غزوة أحد
فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [ آل عمران: ١٢٨].
ورواه مسلمٌ(١) عن القعنبيّ ، عن حمّاد بن سلمة به .
ورواه الإمام أحمد(٢)، عن هشيمٍ ويزيد بن هارون، عن حميدٍ، عن أنسٍ أن رسول الله مَ ◌ّ كسرت
رباعيته يوم أحدٍ، وشجّ في جبهته حتى سال الدَّم على وجهه، فقال: (( كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيّهم
وهو يدعوهم إلى ربّهم ؟!)). فأنزل الله تعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ ﴾ الآية .
وقال البخاريّ(٣) : ثنا قتيبة ، ثنا يعقوب، عن أبي حازم ، أنه سمع سهل بن سعدٍ وهو يسأل عن
جرح رسول الله وَّة، [فقال: أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله وَّل]، ومن كان
يسكب الماء، وبما دووي. قال: كانت فاطمة بنت رسول الله وَّل تغسله، وعليٍّ يسكب عليه الماء
بالمجنّ ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدَّم إلا كثرةً أخذت قطعةً من حصيرٍ ، فأحرقتها
[ وألصقتها]، فاستمسك الدَّم، وكُسرت رباعيته يومئذٍ ، وجرح وجهه، وكسرت البيضة على رأسه.
وقال أبو داود الطيالسيّ في ((مسنده)(٤) : ثنا ابن المبارك ، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن
عبيد الله ، أخبرني عيسى بن طلحة ، عن أمّ المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : كان أبو بكرٍ إذا
ذكر يوم أحدٍ بكى ثم قال : ذاك يومٌّ كلّه لطلحة ، ثم أنشأ يحدّث قال: كنت أول من فاء يوم أحدٍ ، فرأيت
رجلاً يقاتل مع رسول الله وَ ل دونه. وأُراه قال: يحميه . قال: فقلت: كن طلحة . حيث فاتني
ما فاتني ، فقلت : يكون رجلاً من قومي أحبّ إليَّ، وبيني وبين المشرق رجلٌ لا أعرفه ، وأنا أقرب إلى
رسول الله وَل منه، وهو يخطف المشي خطفاً لا أخطفه، فإذا هو أبو عبيدة بن الجرّاح، فانتهينا إلى
رسول الله بَّ وقد كسرت رباعيته ، وشجّ في وجهه ، وقد دخل في وجنتيه حلقتان من حلق المغفر ، قال
رسول الله وَّل: ((عليكما صاحبكما)). يريد طلحة، وقد نزف فلم نلتفت إلى قوله، قال: وذهبتُ لأنزع
ذاك من وجهه ، فقال أبو عبيدة : أقسمت عليك بحقّي لما تركتني . فتركته ، فكره أن يتناولهما بيده ،
فيؤذي رسول الله وَ سير، فأزم عليهما بفيه ، فاستخرج إحدى الحلقتين ، ووقعت ثنيّته مع الحلقة ، وذهبت
لأصنع ما صنع ، فقال : أقسمت عليك بحقّي لما تركتني . قال : ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى ،
فوقعت ثنيّته الأخرى مع الحلقة ، فكان أبو عبيدة ، رضي الله عنه ، من أحسن الناس هتماً ، فأصلحنا من
شأن رسول الله وَّهِ، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار ، فإذا به بضعٌ وسبعون من بين طعنةٍ ورميةٍ
وضربةٍ ، وإذا قد قطعت أصبعه ، فأصلحنا من شأنه .
.(١) رواه مسلم رقم (١٧٩١).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٩٩/٣ ٢٠١).
(٣) في (( صحيحه )) رقم (٤٠٧٥) .
(٤) رقم (٦) .