Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ ذكر دخول علي بن أبي طالب رضي الله عنه على زوجته فاطمة بنت رسول الله ولد قسمتها ، وقد خالفه في ذلك جماعةٌ ؛ منهم البخاريّ وابن جريرٍ، وبيّا غلطه في ذلك في ((التفسير)(١) وفيما تقدّم ، والله أعلم . وكان هذا الصّنع من حمزة وأصحابه ، رضي الله عنهم ، قبل أن تحرّم الخمر ، بل قد قُتل حمزة يوم أحدٍ ، كما سيأتي ، وذلك قبل تحريم الخمر ، والله أعلم . وقد يَستدلّ بهذا الحديث من يرى أنّ عبارة السّكران مسلوبةٌ لا تأثير لها ؛ لا في طلاقٍ ، ولا إقرارٍ ، ولا غير ذلك ، كما ذهب إليه من ذهب من العلماء، كما هو مقرَّرٌ في كتاب ((الأحكام)). وقال الإمام أحمد(٢) : ثنا سفيان ، عن ابن(٣) أبي نجيح ، عن أبيه ، عن رجلٍ سمع عليّاً يقول : أردت أن أخطب إلى رسول الله وَّل ابنته ، فقلت : ما لي من شيءٍ ، فكيف ؟ ثم ذكرت صلته وعائدته ، فخطبتها إليه ، فقال: ((هل لك من شيءٍ؟)). قلت: لا. قال: ((فأين درعك الحطميّة التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟)). قال: هي عندي. قال: ((فأعطنيها)). قال: فأعطيتها إياه. هكذا رواه أحمد في (( مسنده )) ، وفيه رجلٌ مبهمٌ . وقد قال أبو داود(٤) : حدّثنا إسحاق بن إسماعيل الطّالقانيّ، ثنا عبدة، ثنا سعيدٌ، عن أيوب ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ قال: لما تزوّج عليٍّ فاطمة، رضي الله عنهما، قال له رسول الله وَلي: («أعطها شيئاً)). قال: ما عندي شيءٌ. قال: ((أين دِرعك الحُطَميّة؟)). ورواه النسائيّ(٥) ، عن هارون بن إسحاق، عن عبدة بن سليمان ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن أيوب السّختيانيّ به . وقال أبو داود(٦) : حدّثنا كثير بن عبيد الحمصيّ ، ثنا أبو حيوة ، عن شعيب بن أبي حمزة ، حدثني غيلان بن أنسٍ من أهل حمصٍ ، حدثني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن رجلٍ من أصحاب النبيّ ◌َ ﴿، أنّ عليّاً لما تزوّج فاطمة بنت رسول الله وَّله، أراد أن يدخل بها، فمنعه رسول الله بَّل حتى يعطيها شيئاً، فقال: يا رسول الله، ليس لي شيءٌ، فقال له النبيّ ◌َّ: ((أعطها درعك))، فأعطاها درعه ، ثم دخل بها . (١) انظر ((التفسير)) للمؤلف (٥٤٩/٣). (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١/ ٨٠) وهو حديث حسن، يشهد له الذي بعده . (٣) لفظ ((ابن)) سقط من (آ) وأثبته من ( ط ) وهو الصواب. (٤) رواه أبو داود رقم (٢١٢٥)، وهو حديث صحيح . (٥) رواه النسائي (٣٣٧٦) ، وهو حديث صحيح . (٦) رواه أبو داود رقم (٢١٢٦) وهو حديث حسن ، يشهد له الذي قبله . ١٦٢ ذكر جُمل من الحوادث الواقعة سنة اثنتين من الهجرة وقال البيهقيّ في ((الدلائل)(١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ(٢) ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصمّ ، ثنا أحمد بن عبد الجبّار ، ثنا يونس بن بكيرٍ ، عن ابن إسحاق ، حدّثني عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهدٍ، عن عليٍّ قال: خَطبت فاطمة إلى رسول اللهِ له، فقالت مولاةٌ لي : هل علمت أنّ فاطمةَ قَد خُطبت إلى رسول الله وَلّ؟ قلت: لا. قالت: فقد خُطبت، فما يمنعك أن تأتيَ رسول الله وال فيزوّجك؟ فقلت: وعندي شيءٌ أتزوج به؟ فقالت: إنّك إن جئت رسول الله وَ ل﴿ زوجك. قال : فوالله ما زالت تُرجّيني حتى دخلت على رسول الله وَ له، فلما أن قعدت بين يديه أَفحمت ، فوالله ما استطعت أن أتكلّم جلالةً وهيبةً، فقال رسول الله وَلَ: (( ما جاء بك، ألك حاجةٌ؟)). فسكتّ، فقال: (( ما جاء بك، ألك حاجةٌ؟)). فسكتّ، فقال: ((لعلّك جئت تخطب فاطمة)). فقلت: نعم. فقال: ((وهَلْ عندك من شيءٍ تستحلّها به)). فقلت: لا والله يا رسول الله. فقال: (( ما فعلت درعٌ سلّحتُكها؟)) فوالذي نفس عليٍّ بيده، إنّها لحُطَميّةٌ ما قيمتها أربعة دراهم، فقلت: عندي. فقال: ((قد زوّجتكها ، فابعث إليها بها فاستحلّها بها)). فإن كانت لَصداق فاطمة بنت رسول اللّه لَله . قال ابن إسحاق (٣): فولدت فاطمة لعليٍّ حسناً، وحسيناً، ومحسّناً، مات صغيراً، وأمّ كلثوم، وزينب . ثم روى البيهقيّ(٤) من طريق عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عليٍّ قال: جهّز رسول الله ومَّه فاطمة في خَميلٍ وقِربةٍ ووسادة أدُمِ حشوها إذخرٌ . ونقل البيهقيّ عن كتاب (( المعرفة)) لأبي عبد الله بن منده ، أنّ علياً تزوّج فاطمة بعد سنةٍ من الهجرة ، وابتنى بها بعد ذلك بسنةٍ أخرى . قلت : فعلى هذا يكون دخوله بها في أوائل السنة الثالثة من الهجرة ، فظاهر سياق حديث الشّارفين ، يقتضي أنّ ذلك عقب وقعة بدرٍ بيسيرٍ ، فيكون ذلك كما ذكرناه في أواخر السنة الثانية ، والله أعلم . فصل في ذكر جُمَلٍ من الحوادث الواقعة سنة ثنتين من الهجرة تقدّم ما ذكرناه من تزويجه ، عليه الصلاة والسلام ، بعائشة أمّ المؤمنين ، رضي الله عنها ، وذكرنا ما سلف من الغزوات المشهورة ، وقد تضمّن ذلك وفيات أعيانٍ من المشاهير من المؤمنين والمشركين ، (١) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ( ١٦٠/٣). (٢) يعني الحاكم صاحب ((المستدرك على الصحيحين)). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٢٣١). (٤) في ((دلائل النبوة)) ( ١٦١/٣). ١٦٣ ذكر جمل من الحوادث الواقعة سنة اثنتين من الهجرة فكان ممّن توفّي فيها : الشهداء يوم بدرٍ ، وهم أربعة عشر ، ما بين مهاجريٍّ وأنصاريٍّ ، تقدّم تسميتهم ، والرؤساء من مشركي قريشٍ ، وقد كانوا سبعين رجلاً على المشهور . وتوفّي بعد الوقعة بيسيرٍ أبو لهبٍ عبد العزّى بن عبد المطلب، لعنه الله، كما تقدّم. ولما جاءت البشارة إلى المؤمنين من أهل المدينة مع زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ، بما أحلّ الله بالمشركين وبما فتح على المؤمنين، وجدوا رقيّة بنت رسول الله وَ ◌ّل قد توفّيت، وساووا عليها التراب، وكان زوجها عثمان بن عفان قد أقام عندها يمرّضها بأمر النبيّ وَّ له بذلك ، ولهذا ضرب له بسهمه في مغانم بدرٍ ، وأجره عند الله يوم القيامة، ثم زوّجه بأختها الأخرى أمّ كلثوم بنت رسول اللّهِمَّر، ولهذا كان يقال لعثمان بن عفان : ذو النّورين ، ويقال : إنّه لم يُغْلِقِ أحدٌ على ابنتي نبيٍّ، واحدةً بعد الأخرى غيره ، رضي الله عنه وأرضاه . وفيها حوّلت القبلة، كما تقدّمُ(١) ، وزيد في صلاة الحضر على ما سلف. وفيها فرض الصِّيام صيام رمضان ، كما تقدم . وفيها فرضت الزكاة ذات النصب ، وفرضت زكاة الفطر . وفيها خضع المشركون من أهل المدينة ، واليهود الذين هم بها ؛ من بني قينقاع وبني النّضير وبني قريظة ، ويهود بني حارثة ، وصانعوا المسلمين ، وأظهر الإسلام طائفةٌ كثيرةٌ من المشركين واليهود ، وهم في الباطن منافقون ؛ منهم من هو على ما كان عليه ، ومنهم من انحلّ بالكلّيّة ، فبقي مذبذباً ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، كما وصفهم الله في كتابه . قال ابن جرير(٢): وفيها كتب رسول الله وَّ المعاقل، وكانت معلّقةً بسيفه. قال ابن جرير(٣) : وقيل : إنّ الحسن بن عليٍّ ولد فيها . قال : وأما الواقديّ فإنّه زعم أنّ ابن أبي سبرة حدّثه عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي جعفرٍ ، أنّ عليّ بن أبي طالبٍ بنى بفاطمة في ذي الحجّة منها . قال : فإن كانت هذه الرواية صحيحةً ، فالقول الأوّل باطلٌ . *** (١) انظر ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) لابن قيم الجوزية (٥٨/٣ - ٦٢) بتحقيق شيخيَّ المحدّث الشيخ عبد القادر الأرناؤوط ، والمحقّق الشيخ شعيب الأرناؤوط ، طبع مؤسسة الرسالة ببيروت . (٢) انظر ((تاريخ الطبري)) (٤٨٦/٢). (٣) انظر ((تاريخ الطبري)) (٤٨٥/٢). احداث سنه بارت من الهجرة سنة ثلاث من الهجرة في أوّلها كانت غزوة نجدٍ ، ويقال لها : غزوة ذي أمرٌ(١). قال ابن إسحاق(٢): فلما رجع رسول الله وَلها من غزوة السّويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجّة أو قريباً منها ، ثم غزا نجداً يريد غطفان ، وهي غزوة ذي أمرّ . قال ابن هشام(٣) : واستعمل على المدينة عثمان بن عقَّان. قال ابن إسحاق : فأقام بنجدٍ صفَراً كلّه أو قريباً من ذلك ، ثم رجع ولم يلق كيداً . وقال الواقديّ(٤): بلغ رسولَ الله وَّر أن جمعاً من غطفان من بني ثعلبة بن محاربٍ تجمّعوا بذي أمّ يريدون حربه ، فخرج إليهم من المدينة يوم الخميس لثنتي عشرة ليلةً خلت من ربيع الأول سنة ثلاثٍ ، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان ، فغاب أحد عشر يوماً ، وكان معه أربعمثَّةٍ وخمسون رجلاً ، وهربت منه الأعراب في رؤوس الجبال ، حتى بلغ ماءً يقال له : ذو أمرّ فعسكر به ، وأصابهم مطرٌ كثيرٌ ، فابتلّت ثياب رسول الله وَّر، فنزل تحت شجرةٍ هناك، ونشر ثيابه لتجفّ ، وذلك بمرأىّ من المشركين ، واشتغل المسلمون في شؤونهم ، فبعث المشركون رجلاً شجاعاً منهم ، يقال له غورث بن الحارث أو دعثور بن الحارث . فقالوا : قد أمكنك الله من قتل محمدٍ . فذهب ذلك الرجل ، ومعه سيفٌ صقيلٌ ، حتى قام على رسول الله وَ ل بالسيف مشهوراً، فقال: يا محمد، من يمنعك مني اليوم؟ قال: ((الله)). ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله وَّر، فقال: (( من يمنعك مني؟)). قال: لا أحد ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والله لا أكثّر عليك جمعاً أبداً . فأعطاه رسول الله وَّر سيفه، فلمّا رجع إلى أصحابه ، فقالوا : ويلك، ما لك؟ فقال: نظرت إلى رجلٍ طويلٍ فدفع في صدري ، فوقعت لظهري ، فعرفت أنه ملَكٌ ، وشهدت أن محمداً رسول الله ، والله لا أكثر عليه جمعاً، وجعل يدعو قومه إلى الإسلام. قالوا: ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ (١) انظر ما قاله شيخنا العلامة حمد الجاسر رحمه الله في ضبطه لاسم هذا الموقع فيما علَّقه على ((المغانم المطابة )» للفيروزابادي ص(٢٣ - ٢٤). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٢٩٣). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٦/٢) و((عيون الأثر)) (٤٥٤/١). (٤) انظر ((المغازي)) (١٩٤/١) و((عيون الأثر)) (٤٥٤/١). ١٦٥ ذكر غزوة الفُرْع من بحران ، وخبر يهود بني قينقاع من أهل المدينة أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْهَمَّ قَوْمُّ أَن يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ الآية [ المائدة: ١١]. قال البيهقيّ(١) : وسيأتي في غزوة ذات الرّقاع قصةٌ تشبه هذه، فلعلّهما قصتان. قلت : إن كانت هذه محفوظة فهي غيرها قطعاً ؛ لأن ذلك الرجل اسمه غورث بن الحارث أيضاً لم يسلم، بل استمر على دينه، ولكن عاهد النبيّ وَّر أن لا يقاتله ، والله أعلم. غزوة الفُرُعُ(٢) من بُحْرَانُ(٣) قال ابن إسحاق(٤) : فأقام بالمدينة ربيعاً الأول كلّه ، أو إلّا قليلاً منه ، ثم غزا يريد قريشاً . قال ابن هشامُ(٥) : واستعمل على المدينة ابن أمّ مكتوم . قال ابن إسحاق : حتى بلغ بُحران ، وهو معدنٌ بالحجاز من ناحية الفرع ، فأقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى ، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً . وقال الواقديّ(٦) : إنما كانت غيبته ، عليه السلام، عن المدينة عشرة أيام ، فالله أعلم . خبر يهود بني قينقاع من أهل المدينة وقد وزعم الواقديّ(٧) أنها كانت في يوم السبت ، النصف من شوالٍ سنة ثنتين من الهجرة، فالله أعلم. وهم المرادون بقوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَرِيبًا ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [ الحشر : ١٥] . قال ابن إسحاق(٨): وقد كان فيما بين ذلك من غزو رسول الله وَّل أمر بني قينقاع. قال: وكان من حديثهم أنّ رسول الله بَّر جمعهم في سوقهم، ثم قال: (( يا معشر يهود ، احذروا من الله مثل ما نزل بقريشٍ من النّقمة وأسلموا ؛ فإنكم قد عرفتم أني نبيِّ مرسلٌ ، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم)). قالوا : يا محمد ، إنك ترى أنّا قومك! لا يغرّنّك أنّك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم فرصةً ، إنّا والله لئن حاربناك لتعلمنّ أنّا نحن الناس)) . (١) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (١٦٩/٣). (٢) انظر ((المغانم المطابة في معالم طابة )) ص (٣١٥ -٣١٦). (٣) انظر (( المغانم المطابة في معالم طابة )) ص (٥٠). (٤) انظر (( السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٥٠). (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٦/٢) و((عيون الأثر)) (٤٥٥/١). (٦) انظر ((المغازي)) (١/ ١٩٧) و((عيون الأثر)) (٤٥٥/١). (٧) انظر ((المغازي)) (١٧٦/١). (٨) انظر (( السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٢٩٤). ١٦٦ ذكر خبر يهود بني قينقاع من أهل المدينة قال ابن إسحاق(١) : فحدثني مولىّ لزيد بن ثابتٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، أو عن (٢) عكرمة ، عن ابن عباسٍ قال: ما نزل هؤلاء الآيات إلّا فيهم: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌ وَيِفْسَ اُلْمِهَادُ الْلَ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِشَتَيْنِ اَلْتَّقَتّا﴾ يعني أصحاب بدرٍ من أصحاب رسول اللّه ◌ِل وقريش: ﴿ فِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِىِ الْأَبْصَرِ﴾ [آل عمران: ١٢ -١٣]. قال ابن إسحاق(٣): وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة أنّ بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا العهد وحاربوا فیما بین بدرٍ واحدٍ قال ابن هشامُ(٤) : فذكر عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسْوَر بن مخرمة ، عن أبي عونٍ ، قال : كان من أمرَ بني قينقاع أنّ امرأةً من العرب قدمت بجلبٍ لها ، فباعته بسوق بني قينقاع ، وجلست إلى صائغ هناك منهم ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها ، فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ، فلمّا قامت انكشفت سوأتها ؛ فضحكوا بها ، فصاحت ، فوثب رجلٌ من المسلمين على الصَّائغ فقتله ، وكان يهوديّاً ، فشدّت اليهود على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فأُغضب(٤) المسلمون ، فوقع الشرّ بينهم وبين بني قينقاع . قال ابن إسحاق(٢): فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فحاصرهم رسول الله وَّل حتى نزلوا على حكمه ، فقام إليه عبد الله بن أَبيَّ بن سلول ، حين أمكنه الله منهم ، فقال : يا محمد ، أحسن في مواليّ - وكانوا حلفاء الخزرج - قال: فأبطأ عليه رسول الله وَّر، فقال: يا محمد، أحسن في مواليّ . قال: فأعرض عنه. قال: فأدخل يده في جيب درع النبيّ وَّوَ - قال ابن هشامُ(٧): وكان يقال لها : ذات الفضول - فقال له رسول الله وَّل: ((أرسلني)). وغضب رسول الله وَ ل حتى رأوا لوجهه ظُلَلاً، ثم قال: ((ويحك أرسلني)). قال: لا والله لا أُرسلك حتى تحسن في مواليّ؛ أربعمئة حاسرٍ وثلاثمئة دارعٍ، قد منعوني من الأحمر والأسود ، تحصدهم في غداةٍ واحدةٍ ، إني والله امرؤٌ أخشى الدّوائر . قال : فَقَال له رسول الله وَ لير: ((هم لك)). (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٢٩٤). (٢) في (أ) و(ط): ((وعن)) وأثبت لفظ ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٧). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٢٩٥). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٧ - ٤٨). في ((السيرة النبوية)) لابن هشام: ((مغضب)). (٥) (٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٢٩٥). (٧) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٩/٢). ١٦٧ ذكر سرية زيد بن حارثة رضي الله عنه قال ابن هشامُ(١): واستعمل رسول الله وُّل على المدينة في محاصرته إياهم أبا لبابة بشير بن عبد المنذر ، وكانت محاصرته إياهم خمس عشرة ليلةً . قال ابن إسحاق (٢) : وحدّثني أبي، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصَّامت قال : لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ربَّة، تشبّث بأمرهم عبد الله بن أبيّ، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصَّامت إلى رسول الله وَّ، وكان من بني عوفٍ، لهم من حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبيّ، فخلعهم إلى رسول الله وح له ، وتبرّأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم ، وقال : يا رسول الله، أتولّى الله ورسوله والمؤمنين ، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفَّار وولايتهم. قال: ففيه وفي عبد الله بن أبيٍّ نزلت القصة من المائدة: ﴿﴿ يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ أَلْبُهُودَ وَالنَّصَرَىِّ أَوْلِيَةَ بَعْضُمْ أَوْلِيَهُ بَعْضِّ﴾ الآيات، حتى قوله: ﴿فَتَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَفَ أَن تُصِيبَنَا دَآِرَةٌ﴾ يعني عبد الله بن أُبيِّ، إلى قوله: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهُ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلُونَ﴾ [ المائدة: ٥١ -٥٦] يعني عبادة بن الصَّامت. وقد تكلّمنا على ذلك في ((التفسير) (٣). سريّة زيد بن حارثة [ رضي الله عنه ] قال يونس بن بكيرٍ ، عن ابن إسحاق : وكانت بعد وقعة بدرٍ بستة أشهرٍ . قال ابن إسحاق(٤) : وكان من حديثها أنّ قريشاً خافوا طريقهم التي كانوا يسلكون إلى الشام ، حين كان من وقعة بدرٍ ما كان ، فسلكوا طريق العراق ، فخرج منهم تجارٌ ، فيهم أبو سفيان ، ومعه فضةٌ كثيرةٌ ، وهي عُظم تجارتهم ، واستأجروا رجلاً من بكر بن وائلٍ ، يقال له : فُرات بن حيّان - يعني العجليّ ، حليف بني سهمٍ - ليدلّهم على تلك الطريق . قال ابن إسحاق(٥): فبعث رسول الله وَ ل و زيد بن حارثة، فلقيهم على ماءٍ يقال له : القَرَدة. من مياه نجدٍ، فأصاب تلك العِير وما فيها، وأعجزه الرجال، فقدم بها على رسول الله وَّيه، فقال في ذلك حسان بن ثابتٍ (٦): [من الطويل ] دعو(٧) فلجات الشام قد حال دونها جلادٌ كأفواه المخاض الأواركِ (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٩/٢). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٢٩٥). (٣) انظر ((التفسير)) للمؤلف (١٢٣/٣ - ١٣١). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٢٩٦). (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٢٩٦). (٦) الأبيات في ((ديوان حسَّان بن ثابت)) (٨٥/١). (٧) في ((ديوان حسَّان بن ثابت)): ((ذروا)). ١٦٨ ذكر خبر مقتل كعب بن الأشرف اليهودي وأنصاره حقّاً وأيدي الملائكِ بأيدي رجالٍ هاجروا نحو ربّهم فقولا لها ليس الطريق هنالِكِ إذا سلكت للغور من بطن عالجٍ(١) قال ابن هشامُ(٢) : وهذه الأبيات في قصيدةٍ لحسان ، وقد أجابه فيها أبو سفيان بن الحارث. وقال الواقديّ(٣) : كان خروج زيد بن حارثة في هذه السّريّة مستهلّ جمادى الأولى على رأس ثمانيةٍ وعشرين شهراً من الهجرة ، وكان رئيس هذه العِير صفوان بن أميّة ، وكان سبب بعثه زيد بن حارثة ؛ أنّ نعيم بن مسعودٍ قدم المدينة ومعه خبر هذه العِير ، وهو على دين قومه ، واجتمع بكنانة بن أبي الحُقَيق في بني النّضير ، ومعهم سليط بن النّعمان وكان أسلم ، فشربوا وكان ذلك قبل أن تحرّم الخمر ، فتحدّث بقضية العير نعيم بن مسعودٍ ، وخروج صفوان بن أمّيّة فيها ، وما معه من الأموال ، فخرج سليطٌ من ساعته فأعلم رسول اللّه بَّه، فبعث من وقته زيد بن حارثة فلقوهم، فأخذوا الأموال، وأعجزهم الرِّجال، وإنما أسروا رجلاً أو رجلين وقدموا بالعير، فخمّسها رسول اللّه ◌َّر، فبلغ خمسها عشرين ألفاً، وقسّم أربعة أخماسها على السّريّة ، وكان فيمن أسر الدليل فُرات بن حيّان ، فأسلم ، رضي الله عنه . قال ابن جرير(٤) : وزعم الواقديّ أنّ في ربيعٍ من هذه السنة تزوّج عثمان بن عفان أمّ كلثوم بنت رسول الله بص لة، وأُدخلت عليه في جمادى الآخرة منها. مقتل كعب بن الأشرف اليهوديّ وكان من بني طيّىءٍ، ثم أحد بني نبهان، ولكنّ أُمّه من بني النّضير. هكذا ذكره ابن إسحاق(٥) قبل جلاء بني النّضير، وذكره البخاري(٦) والبيهقيّ(٧) بعد قصة بني النّضير، والصحيح ما ذكره ابن إسحاق لما سيأتي ، فإن بني النّضير إنما كان أمرها بعد وقعة أحدٍ ، وفي محاصرتهم حرّمت الخمر ، كما سنبيّنه بطريقه إن شاء الله . قال البخاريّ في ((صحيحه (٨): قتل كعب بن الأشرف ، حدّثنا عليّ بن عبد الله ، حدّثنا سفيان ، عن عمرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله وَّرَ: ((مَن لكعب بن الأشرف؛ فإنّه قد آذى (١) رواية هذه الشطرة في ((ديوان حسّان بن ثابت)): ((إذا هبطت حوران من رمل عالجٍ)). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٥١). (٣) انظر ((المغازي)) (١/ ١٩٧). انظر ((تاريخ الطبري)) (٤٩١/٢) . (٤) انظر (( السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٢٩٧). (٥) (٦) في ( صحيحه)) رقم (٤٠٣٧). (٧) في ((دلائل النبوة)) (١٨٧/٣). (٨) رقم (٤٠٣٧). ١٦٩ ذكر خبر مقتل كعب بن الأشرف اليهودي الله ورسوله؟)). فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله، أتحبّ أن أقتله؟ قال: (( نعم)). قال : فأذن إلى أن أقول شيئاً. قال: ((قل)). فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقةً ، وإنّه قد عنّنا، وإني قد أتيتك أستسلفك . قال : وأيضاً والله لتملّنّه . قال : إنّا قد اتبعناه، فلا نحبّ أن ندعه حتى ننظر إلى أيّ شيءٍ يصير شأنه ، وقد أردنا أن تسلفنا . قال : نعم ، ارهنوني . قلت : أيّ شيءٍ تريد ؟ قال : ارهنوني نساءكم . فقالوا : كيف نرهنك نساءنا ، وأنت أجمل العرب . قال : فارهنوني أبناءكم . قالوا : كيف نرهنك أبناءنا ؛ فيسبّ أحدهم ، فيقال : رهن بوسقٍ أو وسقين . هذا عارٌ علينا، ولكن نرهنك اللأمَةَ . قال سفيان : يعني السلاح. فواعده أن يأتيه ليلاً ، فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة ، وهو أخو كعبٍ من الرضاعة ، فدعاهم إلى الحصن ، فنزل إليهم ، فقالت له امرأته : أين تخرج هذه الساعة ؟ وقال غير عمروٍ : قالت : أسمع صوتاً كأنّه يقطر منه الدم . قال : إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة ، إن الكريم لو دعي إلى طعنةٍ بليلٍ لأجاب . قال : ويُدخل محمد بن مسلمة معه رجلين ، قيل لسفيان : سمّاهم عمروٌ ؟ قال : سمّى بعضهم . قال عمروٌ : جاء معه برجلين . وقال غير عمروٍ : أبو عبس بن جبرٍ والحارث بن أوسٍ وعبّاد بن بشرٍ- قال عمروٌ: جاء معه برجلين فقال: إذا ما جاء، فإني نائلٌ(١) بشَعره فأشمّه ، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه . وقال مرّةً : ثم أشمّكم . فنزل إليهم متوشّحاً وهو ينفح منه ريح الطّيب، فقال : ما رأيت كاليوم ريحاً . أي: أطيب . وقال غير عمروٍ : قال : عندي أعطر نساء العرب وأجمل العرب . قال عمروٌ : فقال : أتأذن لي أن أشمّ رأسك ؟ قال : نعم . فشمّه ثم أشمّ أصحابه ، ثم قال : أتأذن لي ؟ قال : نعم . فلما استمكن مِنْهُ، قال: دونكم. فقتلوه، ثم أتوا النبيّ ◌َلّ فأخبروه . وقال محمد بن إسحاق (٢) : كان من حديث كعب بن الأشرف ، وكان رجلاً من طبّىءٍ ثم أحد بني نبهان ، وأمّه من بني النّضير ، أنه لما بلغه الخبر عن مقتل أهل بدرٍ ، حين قدم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، قال : والله لئن كان محمدٌ أصاب هؤلاء القوم ، لَبطن الأرض خيرٌ من ظهرها . فلما تيقّن عدوّ الله الخبر، خرج إلى مكة ، فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السّهميّ ، وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد منافٍ فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرّض على قتال رسول الله ◌َّليه وينشد الأشعار ، ويندب من قتل من المشركين يوم بدرٍ . فذكر ابن إسحاق قصيدته التي أولها : [ من الكامل ] طحنتْ رحى بدرٍ لمهلك أهله ولمثل بدرٍ تستهلّ وتدمعُ وذكر جوابها من حسان بن ثابتٍ(٣) ، رضي الله عنه ، ومن غيره ، ثم عاد إلى المدينة فجعل يشبّب بنساء المسلمين ، ويهجو النبيّ رَّم وأصحابه . (١) في (ط): ((مائلٌ)). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٢٩٧). (٣) ومما جاء في جواب حسَّان بن ثابت رضي الله عنه عليه كما في ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٥٣) وهي في (( ديوانه)) (٤٢٦/١ - ٤٢٧) مع بعض الخلاف وانظر تعليق محققه عليها : = ١٧٠ ذكر خبر مقتل كعب بن الأشرف اليهودي وقال موسى بن عقبة: وكان كعب بن الأشرف أحد بني النّضير، أو فيهم، قد آذى رسول الله وال بالهجاء ، وركب إلى قريش فاستغواهم ، وقال له أبو سفيان وهو بمكة : أناشدك الله، أديننا أحبّ إلى الله أم دين محمدٍ وأصحابه ؟ وأنا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحقّ ؟ إنّا نطعم الجزور الكوماءَ ، ونسقي اللبن على الماء ، ونطعمهم ما هبّت الشّمال . فقال له كعب بن الأشرف : أنتم أهدى منهم سبيلاً . قال : فأنزل الله على رسوله وَّة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا لِنَّهَ، أُوْلَبِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اَللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾ [ النساء : ٥١ - ٥٢ ] . قال موسى ومحمد بن إسحاق(١) : وقدم المدينة فجعل يعلن بالعداوة ويحرّض الناس على الحرب ، ولم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على قتال رسول اللّه بَّل، وجعل يشبّب بأمّ الفضل بنت الحارث، وبغيرها من نساء المسلمين حتى آذاهم . قال ابن إسحاق(٢): فقال رسول الله صل كما حدّثني عبد الله بن المغيث بن أبي بردة: ((من لي بابن الأشرف؟)). فقال له محمد بن مسلمة أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله . قال : ((فافعل إن قدرت على ذلك)) . قال : فرجع محمد بن مسلمة ، فمكث ثلاثاً لا يأكل ولا يشرب إلّ ما يُعلق نفسه، فذكر ذلك لرسول الله بَلّره، فدعاه فقال له: ((لم تركت الطعام والشراب؟)). فقال: يا رسول الله، قلت لك قولاً لا أدري هل أفي لك به أم لا؟ قال: ((إنما عليك الجهد)). قال : يا رسول الله، إنه لا بدّ لنا من أن نقول. قال: ((فقولوا ما بدا لكم، فأنتم في حلٍّ من ذلك)). قال : فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة ، وسِلكان بن سلامة بن وقشٍ ، وهو أبو نائلة ، أحد بني عبد الأشهل ، وكان أخا كعب بن الأشرف من الرّضاعة ، وعبّاد بن بشر بن وقشٍ ، أحد بني عبد الأشهل ، والحارث بن أوس بن معاذٍ ، أحد بني عبد الأشهل ، وأبو عبسٍ بن جبرٍ أخو بني حارثة . قال : فقدّموا بين أيديهم إلى عَدُوِّ الله كعبٍ سلكان بن سلامة أبا نائلة ، فجاءه فتحدّث معه ساعةً ، تناشدا شعراً - وكان أبو نائلة يقول الشعر- ثم قال : ويحك يا بن الأشرف ، إني قد جئتك لحاجةٍ أريد ذكرها لك فاكتم عني . قال : أفعل . قال : كان قدوم هذا الرجل علينا بلاءً من البلاء ؛ عادتْنا العرب ، ورمتنا عن قوسٍ واحدةٍ ، وقطعت عنّا السّبل ، حتى ضاع العيال ، وجهدت الأنفس ، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا . فقال كعب بن = منه وعاش مجدَّعاً لا يسمعُ أبكي لكعب ثم عُلَّ بعبرة قتلى تسُحَ لها العيون وتدمعُ ولقد رأيت ببطن بدرٍ منهمُ فابكي فقد أبكيت عبداً راضعاً · قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسَّان . (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٢٩٧). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٢٩٧). شبه الكُليب إلى الكليبة يتبعُ ١٧١ ذكر خبر مقتل كعب بن الأشرف اليهودي الأشرف : أما والله لقد كنت أخبرك يابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول . فقال له سِلكان : إني قد أردت أن تبيعنا طعاماً ونرهنك ونوثّق لك ، وتحسن في ذلك . قال : ترهنوني أبناءكم ؟ قال : لقد أردت أن تفضحنا ، إن معي أصحاباً لي على مثل رأيي ، وقد أردت أن آتيك بهم فتَبيعهم ، وتحسن في ذلك ، ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاءٌ. وأراد سِلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاؤوا بها ، فقال : إن في الحلقة الوفاءً . قال : فرجع سلكان إلى أصحابه ، فأخبرهم خبره ، وأمرهم أن يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا ، فيجتمعو إليه، فاجتمعوا عند رسول الله وَ له . قال ابن إسحاق(١) : فحدّثني ثور بن زيدٍ ، عن عكرمة ، عن ابن عباسٍ قال : مشى معهم رسول الله وَّة إلى بقيع الغرقد ثم وجّههم وقال: ((انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم)). ثم رجع رسول الله وَل إلى بيته في ليلةٍ مقمرةٍ ، فانطلقوا حتى انتَهوا إلى حصنه ، فهتف به أبو نائلة ، وكان حديث عهدٍ بعرسٍ ، فوثب في ملحفته ، فأخذت امرأته بناحيتها ، وقالت : أنت امرؤٌ محاربٌ ، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة. قال : إنه أبو نائلة ، لو وجدني نائماً ما أيقظني. فقالت : والله إني لأعرف في صوته الشرّ . قال : يقول لها كعبٌ : لو دعي الفتى لطعنةٍ أجاب . فنزل فتحدّث معهم ساعةً وتحدّثوا معه ، ثم قالوا : هل لك يا بن الأشرف أن نتماشى إلى شِعب العجوز ، فنتحدّث به بقية ليلتنا هذه ؟ قال: إن شتئم . فخرجوا يتماشَون فمشوا ساعةً ، ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ، ثم شمّ يده ، فقال : ما رأيت كالليلة طيباً أعطر قطّ. ثم مشى ساعةً، ثم عاد لمثلها حتى اطمأنّ ، ثم مشى ساعةً ، ثم عاد لمثلها فأخذ بفود رأسه ، ثم قال : اضربوا عدوّ الله . فاختلفت عليه أسيافهم فلم تُغْنِ شيئاً . قال محمد بن مسلمة : فذكرت مِغولا في سيفي فأخذته ، وقد صاح عدوّ الله صيحةً لم يبق حولنا حصنٌ إلّا أُوقدت عليه نارٌ. قال : فوضعته في ثنّته ، ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ، فوقع عدوّ الله، وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذٍ بجرح في رجله أو في رأسه ، أصابه بعض أسيافنا . قال : فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيدٍ ، ثم على بني قريظة ، ثم على بعاثٍ، حتى أسندنا في حرّة العُرَيض ، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوسٍ ، ونزفه الدَّم ، فوقفنا له ساعةً ، ثم أتانا يتبع آثارنا ، فاحتملناه ، فجئنا به رسول الله وَ ﴿ آخر الليل وهو قائمٌ يصلي، فسلّمنا عليه ، فخرج إلينا ، فأخبرناه بقتل عدوّ الله ، وتفل رسول الله ◌َّلول على جرح صاحبنا، ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا، وقد خافت يهود لوقعتنا بعدوّ الله، فليس بها يهوديٌّ إلّا وهو خائفٌ على نفسه . قال ابن جريرٍ(٢): وزعم الواقديّ أنهم جاؤوا برأس كعب بن الأشرف إلى رسول الله وَ له. قال ابن إسحاق(٣): وفي ذلك يقول كعب بن مالكٍ: [من الوافر] (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص ( ٢٩٨). (٢) انظر ((تاريخ الطبري (٤٩١/٢). (٣) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٥٧). ١٧٢ ذكر خبر مقتل كعب بن الأشرف اليهودي فذلّت بعد مصرعه النّضير فغودر منهم كعبٌ صريعاً بأيدينا مشهّرةٌ ذكور على الكفّين ثم وقد علتْه إلى كعب أخا كعبٍ يسير بأمر محمدٍ إذ دسّ ليلاً ومحمودٌ أخو ثقةٍ جسور فما كره فأنزله بمكر قال ابن هشامٌ(١) : وهذه الأبيات في قصيدةٍ له في يوم بني النّضير ستأتي . قلت : كان قتل كعب بن الأشرف على يدي الأوس بعد وقعة بدرٍ ، ثم إن الخزرج قتلوا أبا رافع بن أبي الحُقيق بعد وقعة أحدٍ ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله ، وبه الثقة . وقد أورد ابن إسحاق شعر حسان بن ثابت(٢): [من الكامل ] يابن الحُقيق وأنت يابن الأشرف لله درّ عصابةٍ لاقَيتَهم مرحاً كأُسدٍ في عَرِينٍ مغرف يَسْرون بالبيض الخفَاف إليكمُ فسقوكمُ حتفاً ببيضٍ ذفّف حتى أتوكم في محلٌّ بلادكم مستنصيرين لنصر دين نبيّهم مستصغرين لكلّ أمرٍ مجحفٍ قال محمد بن إسحاق(٣): وقال رسول الله وَ له: ((من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه)). فوثب عند ذلك محيّصة بن مسعودٍ الأوسيّ على ابن سنينة - رجلٍ من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم - فقتله ، وكان أخوه حويّصة بن مسعودٍ أسنّ منه ، ولم يسلم بعد ، فلمّا قتله جعل حويّصة يضربه ويقول : أي عدوّ الله ، أقتلتَه ؟ أما والله لربّ شحم في بطنك من ماله . قال محيّصة : فقلت : والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك . قال : فوالله إن كان لأول إسلام حويّصة ، وقال : والله لو أمرك محمدٌ بقتلي لتقتلني ؟! قال : نعم ، والله لو أمرني بضرب عنقك لضربتها . قال : فوالله إن دِيناً بلغ بك هذا لعجبٌ ، فأسلم حويصة . قال ابن إسحاق(٤) : حدّثني بهذا الحديث موليّ لبني حارثة ، عن ابنة محيّصة ، عن أبيها. وقال في ذلك محيّصة : [ من الطويل ] لطبّقت ذِفراه بأبيضَ قاضب يلوم ابنُ أمّ لو أمرت بقتله متى ما أُصوّبه فليس بكاذب حسامٍ كلون الملح أُخلص صقله وأنّ لنا ما بين بصرى ومأرب وما سرّني أنّي قتلتك طائعاً (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٥٧). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥٧/٢ - ٥٨) و((ديوان حسَّان بن ثابت)) (٤١١/١). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٣٠٠). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٥٨). ١٧٣ م ذكر خبر غزوة أحد وحكى ابن هشامُ(١) : عن أبي عبيدة ، عن أبي عمروِ المدنيّ أنّ هذه القصة كانت بعد مقتل بني قريظة، وأن المقتول كان كعب بن يهوذا ، فلمّا قتله محيّصة عن أمر رسول الله مَله، يوم بني قريظة ، قال له أخوه حويّصة ما قال ، فردّ عليه محيّصة بما تقدّم ، فأسلم حويّصة يومئذٍ ، فالله أعلم . تنبيهٌ : ذكر البيهقيّ والبخاريّ قبله خبر بني النّضير قبل وقعة أحدٍ ، والصواب إيرادها بعد ذلك ، كما ذكر ذلك محمد بن إسحاق وغيره من أئمة المغازي ، وبرهانه أنّ الخمر حرّمت ليالي حصار بني النّضير، وثبت في ((الصحيح (٢) أنّه اصطبح الخمرَ جماعةٌ ممّن قتل يوم أحدٍ شهيداً ، فدلّ على أن الخمر كانت إذ ذاك حلالاً ، وإنما حرّمت بعد ذلك ، فتبيّن ما قلناه من أن قصة بني النّضير بعد وقعة أحدٍ(٣) ، والله أعلم . تنبية آخر : خبر يهود بني قينقاع بعد وقعة بدرٍ كما تقدّم ، وكذلك قتل كعب بن الأشرف اليهوديّ على يدي الأوس ، وخبر بني النّضير بعد وقعة أحدٍ كما سيأتي ، وكذلك مقتل أبي رافع اليهوديّ تاجر أهل الحجاز ، على يدي الخزرج على المشهور ، وخبر يهود بني قريظة بعد يوم الأحزاب وقصة الخندق ، كما سيأتي . غزوة أُحدٍ في شوالٍ سنة ثلاثٍ فائدةٌ ذكرها المؤلف في تسمية أحدٍ : قال : سمّي أحدٌ أحداً ؛ لتوحّده من بين تلك الجبال(٤) . وفي ((الصحيح)(٥): ((أحدٌ جبلٌ يحبّنا ونحبّه)) . قيل : معناه أهله . وقيل: لأنّه كان يبشّره بقرب أهله إذا رجع من سفره ، كما يفعل المُحبُّ . وقيل: على ظاهره ، كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَةً، وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ [ البقرة: ٧٤]. وفي الحديث عن أبي عبس بن جبرٍ(٦): ((أحدٌ يحبنا ونحبّه، وهو على باب الجنة، وعِير(٧) يبغضُنا (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥٩/٢). (٢) انظر ((صحيح البخاري)) رقم (٢٨١٥) و(٤٠٤٤) و( ٤٦١٨). (٣) قلت: وكذا ذكرها المؤلف في كتابه ((الفصول في سيرة الرسول بَّل ص (١٥٧ - ١٥٨) فرتّب الكلام عليها فيما جرى بعد غزوة أحد، وقد سبقه إلى ذلك ابن سيد الناس في ((عيون الأثر)) (٢/ ٧٣ ). (٤) وقد ذكر الفيروزابادي مثل كلام المؤلف وزاد عليه في كتابه الهام ((المغانم المطابة في معالم طابة ) ص (١٠). (٥) رواه البخاري رقم (١٤٨١) ومسلم رقم (١٣٦٥). (٦) ذكره الهيثمي في ((كشف الأستار عن زوائد البزَّار)) رقم (١١٩٩) وفي ((مجمع الزوائد)) (١٢/٤) وقال: وفيه من لم أعرفه . (٧) انظر ((المغانم المطابة في معالم طابة)) ص (٢٨٧ - ٢٨٨). ١٧٤ ذكر خبر غزوة أحد ونبغضه، وهو على بابٍ من أبواب النار)). قال السّهيليّ مقوّياً لهذا الحديث: وقد ثبت أنّه ، عليه الصلاة والسلام، قال: ((المرء مع من أحبّ)). وهذامن غريب صنع السهيليّ ؛ فإن هذا الحديث إنّما يراد به الناس ، ولا يسمّى الجبل امرأً . وكانت هذه الغزوة في شوالٍ سنة ثلاثٍ . قاله الزّهريّ ، وقتادة ، وموسى بن عقبة ، ومحمد بن إسحاق ، ومالكٌ(١). قال ابن إسحاق : للنصف من شوالٍ . وقال قتادة : يوم السبت الحادي عشر منه . قال مالكٌ : وكانت الوقعة في أول النهار ، وهي على المشهور التي أنزل الله فيها قوله تعالى : وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِىُ الْمُؤْمِنِينَ مَفَعِدَ لِلْقِتَالِّ وَاَللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴿ إِذْهَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ وَلِيُهُمَّا وَعَلىَ الَِّ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿)، وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ◌َ يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِءَ الَفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴿ بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوَّكُمْ مِن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَّكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ الآيات وما بعدها إلى قوله: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيِثَ مِنَ الطَّيِّبٍ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِمَّكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٢١ -١٧٩]. وقد تكلّمنا على تفاصيل ذلك في كتابنا )) بما فيه كفايةٌ . ولله الحمد والمنة . ولنذكر هاهنا ملخّص الوقعة ممّا ساقه محمد بن إسحاق ، وغيره من علماء هذا الشأن . قال ابن إسحاق رحمه الله : وكان من حديث أحدٍ ، كما حدثنى محمد بن مسلم الزهريّ ، ومحمد بن يحيى بن حبّان ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذٍ ، وغيرهم من علمائنا ، كلّهم قد حدّث ببعض هذا الحديث عن يوم أحدٍ ، وقد اجتمع حديثهم كُلُّه فيما سقت ، قالوا - أو من قال منهم - : لمّا أصيب يوم بدرٍ من كفَّار قريشٍ أصحابُ القليب، ورجع فُلُّهم إلى مكة ، ورجع أبو سفيان بن حربٍ بعيره ، مشى عبد الله بن أبي ربيعة ، وعكرمة بن أبي جهلٍ ، وصفوان بن أمية ، في رجالٍ من قريشٍ ممّن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدرٍ ، فكلّموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العِير من قريشٍ تجارةٌ ، فقالوا : يا معشر قريشٍ ، إن محمداً قد وتَرَكم وقتل خياركم ؛ فأعينونا بهذا المال على حربه ، لعلنا ندرك منه ثأرنا ، ففعلوا . قال ابن إسحاق(٢): ففيهم كما ذكر لي بعض أهل العلم أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَقَّوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللََّّ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُقْلَبُونَُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦]. (١) وأكده ابن قيم الجوزية في ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) (٣/ ١٧٢ - ١٧٣). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٣٠١). ١٧٥ ذكر خبر غزوة أحد قالوا : فأجمعت قريشٌ لحرب رسول الله وَلّ، حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العِير ، بأحابيشها١) ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة ، وكان أبو عزّة عمرو بن عبد الله الجمحيّ قد منّ عليه رسول الله ◌ِ ﴾ يوم بدرٍ، وكان فقيراً ذا عيالٍ وحاجةٍ ، وكان في الأسارى ، فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزّة، إنّك امرؤٌ شاعرٌ ، فأعنّا بلسانك واخرج معنا . فقال : إن محمداً قد منّ عليّ ، فلا أريد أن أُظاهر عليه . قال : بلى ، فأعنّا بنفسك ، فلك الله إن رجعت أن أُعينك ، وإن قتلت أن أجعل بناتك مع بناتي ، يصيبهنّ ما أصابهنّ من عسرٍ ويسرٍ . فخرج أبو عزّة يسير في تهامة ويدعو بني كنانة ويقول: ( من الرجز ] أنتم حماةٌ وأبوكمُ حامْ أيا بني عبد مناة الزُّزّامْ لا تسلموني لا يحلّ إسلامْ لا يعدوني نصركم بعد العامْ قال : وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بني مالك بن كنانة يحرّضهم ويقول : [ من الرجز ] أنشد ذا القربى وذا التّذمَمٍ يا مال مال الحسب المقدَّمِ الحِلْفَ وسط البلد المحرّم من كان ذا رحمٍ ومن لم يرحمٍ عند حطيم الكعبة المعظّم قال : ودعا جبير بن مطعم غلاماً حبشيّاً ، يقال له : وحشيٌّ . يقذف بحربةٍ له قذف الحبشة ، قلّما يخطىء بها ، فقال له : اخرج مع الناس ، فإن أنت قتلت حمزة عمّ محمدٍ بعمِّي طُعيمة بن عديٍّ ، فأنت عتيقٌ . فخرجت قريشٌ بحدّها وحديدها وجدّها وأحابيشها ، ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة ، وخرجوا معهم بالظّعن ؛ التماس الحفيظة وأن لا يفرّوا ، وخرج أبو سفيان صخر بن حربٍ ، وهو قائد الناس ، ومعه زوجته هند بنت عتبة بن ربيعة ، وخرج عكرمة بن أبي جهلٍ بزوجته ابنة عمّه أمّ حكيمٍ بنت الحارث بن هشام بن المغيرة ، وخرج عمّه الحارث بن هشام بزوجته فاطمة بنت الوليد بن المغيرة ، وخرج صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود بن عمرو بن عميرِ الثّقَفيّة ، وخرج عمرو بن العاص برَيْطة بنت منّه بن الحجّاج ، وهي أمّ ابنه عبد الله بن عمروٍ . وذكر غيرهم ممّن خرج بامرأته ، قال : وكان وحشيٌّ كلما مَرَّ بهند بنت عتبة ، أو مرّت به ، تقول : ويهاً أبا دسمة ، اشف واشتف - يعني تَحَرِّضه على قتل حمزة بن عبد المطلب - فأقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبلٍ ببطن السّبخة من قناةٍ على شفير الوادي مقابل المدينة ، فلمّا سمع بهم رسول الله بَّهَ والمسلمون، قال لهم: ((إنّي قد رأيت والله خيراً، رأيت بقراً تذبح ، ورأيت في ذباب سيفي ثَلماً ، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينةٍ ، فأوّلتها المدينة)). وهذا الحديث رواه البخاريّ ومسلم٢ٌ) جميعاً، عن أبي كريبٍ ، عن أبي أسامة ، عن بريد بن عبد الله بن أبي (١) انظر التعريف بهم في حاشية ((زاد المعاد)) (٣/ ١٧٢). (٢) رواه البخاري رقم (٣٦٢٢) ومسلم رقم (٢٢٧٢). ١٧٦ ذكر خبر غزوة أحد بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ وَلّ قال: (( رأيت في المنام أنّي أهاجر من مكة إلى أرضٍ بها نخلٌ، فذهب وهَلي إلى أنّها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب ، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفاً فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحدٍ، ثم هززته أخرى، فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها أيضاً بقراً، والله خيرٌ، فإذا هم النّفر من المؤمنين يوم أحدٍ ، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصّدق الذي آتانا الله (١) بعد يوم بدرٍ )). وقال البيهقيّ(٢): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا الأصمّ ، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أخبرنا ابن وهبٍ ، أخبرني ابن أبي الزّناد ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباسٍ ، قال : تنفّل رسول الله وَ ل﴿ سيفه ذا الفقَار يوم بدرٍ . قال ابن عباسٍ : وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحدٍ ؛ وذلك أنّ رسول الله بَّه لمّا جاءه المشركون يوم أحدٍ ، كان رأيه أن يقيم بالمدينة ، فيقاتلهم فيها ، فقال له ناسٌ لم يكونوا شهدوا بدراً : تخرج بنا يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأحدٍ . ورجَوا أن يصيبهم من الفضيلة ما أصاب أهل بدرٍ ، فما زالوا برسول الله وَ ل حتى لبس أداته ، ثم ندموا وقالوا : يا رسول الله ، أقم، فالرّأي رأيك. فقال لهم: (( ما ينبغي لنبيٍّ أن يضع أداته بعدما لبسها ، حتى يحكم الله بينه وبين عدوّه)). قال: وكان قال لهم يومئذٍ قبل أن يلبس الأداة: (( إنّي رأيت أنّي في درع حصينةٍ ، فأوّلتها المدينة ، وأنّي مردفٌ كبشاً ، فأوّلته كبش الكتيبة ، ورأيت أنّ سيفي ذا الفقَار فُلّ ، فأوّلته فَلاَّ فيكم ، ورأيت بقراً تذبح، فبقرٌ، والله خيرٌ )). ورواه التّرمذيّ وابن ماجه ، من حديث عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه به(٣). وروى البيهقيّ(٤) من طريق حمّاد بن سلمة، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن أنسٍ مرفوعاً، قال: ((رأيت فيما يرى النائمُ كأنّي مردفٌ كبشاً ، وكأن ظبة سيفي انكسرت ، فأوّلت أنّي أقتل كبش القوم ، وأوّلت كسر ظبة سيفي قتل رجلٍ من عترتي)). فقتل حمزة، وقتل رسول الله وَّ او طلحة، وكان صاحب اللّواء. وقال موسى بن عقبة : ورجعت قريشٌ فاستجلبوا من أطاعهم من مشركي العرب ، وسار أبو سفيان بن حربٍ في جمع قريشٍ ، وذلك في شوالٍ من السنة المقبلة من وقعة بدرٍ ، حتى نزلوا ببطن (١) لفظ الجلالة لم يرد في ( ط). (٢) انظر ((دلائل النبوة)) (٢٠٤/٣). (٣) رواه الترمذي رقم (١٥٦١) وابن ماجه رقم (٢٨٠٨)، وهو حديث حسن، في سنده ابن أبي الزناد ، قال الحافظ الذهبي في ( ميزان الاعتدال) (٥٧٦/٢) وقد مشاه جماعة وعدَّلوه، وهو إن شاء الله حسن الحال في الرواية . (٤) في ((دلائل النبوة)) (٢٠٥/٣)، وإسناده ضعيف، والصحيح أن الذي قتل طلحة، علي بن أبي طالب رضي الله عنه . ١٧٧ ذكر خبر غزوة أُحد الوادي الذي قِبَل أَحدٍ ، وكان رجالٌ من المسلمين لم يشهدوا بدراً ، ندموا على ما فاتهم من السابقة ، وتَمَنَّوا لقاء العدوّ ؛ ليبلوا ما أبلى إخوانهم يوم بدرٍ ، فلمّا نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أُحدٍ ، فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدراً بقدوم العدوّ عليهم ، وقالوا : قد ساق الله علينا أمنيّتنا . ثم إنّ رسول الله وَّ أُري ليلة الجمعة رؤيا، فأصبح، فجاءه نفرٌ من أصحابه فقال لهم: ((رأيت البارحة في منامي بقراً تذبح، والله خيرٌ، ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبيه - أو قال: ((به فلولٌ)) - فكرهته ، وهما مصيبتان، ورأيت أنّي في درعٍ حصينةٍ، وأنّي مردفٌ كبشاً)) فلمّا أخبرهم رسول الله وَ ل برؤياه ، قالوا: يا رسول الله، ماذا أوّلتَ رؤياك؟ قال: ((أَوّلْتُ البقر الذي رأيت نفراً فينا وفي القوم ، وكرهت ما رأيت بسيفي)) . ويقول رجالٌ: كان الذي رأى بسيفه ، الذي أصاب وجهه ؛ فإن العدوّ أصاب وجهه يومئذٍ ، وقصموا رباعيته وخرقوا شفته ، يزعمون أنّ الذي رماه عتبة بن أبي وقّاص ، وكان البقر مَن قتل من المسلمين يومئذٍ. وقال: ((أوّلت الكبش أنّه كبش كتيبة العدوّ يقتله الله ، وأوّلت الدّرع الحصينة المدينة ، فامكثوا واجعلوا الذّراريّ في الآطام ، فإن دخل علينا القوم في الأزقّة ، قاتلناهم ورُموا من فوق البيوت)) . وكانوا قد سكّوا أزقّة المدينة بالبنيان حتى كانت كالحصن . فقال الذين لم يشهدوا بدراً : كنّا نتمنّى هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه الله إلينا وقرّب المسير . وقال رجالٌ من الأنصار : متى نقاتلهم يا رسول الله إذا لم نقاتلهم عند شِعبنا؟ وقال رجالٌ : ماذا نمنع إذا لم نمنع الحرث يزرع ؟ وقال رجالٌ قولاً صدقوا به ومضوا عليه ، منهم حمزة بن عبد المطلب ، قال : والذي أنزل عليك الكتاب لنجالدنّهم. وقال نعمان بن مالك بن ثعلبة، وهو أحد بني سالم : يا نبيّ الله، لا تحرمنا الجنَّة ، فوالذي نفسي بيده لأدخلّها. فقال له رسول الله وَّر: ((بم؟)). قال: لأنّي أحبّ الله ورسوله ، ولا أفرّ يوم الزّحف. فقال له رسول الله بَّهُ: ((صدقت)). واستُشهد يومئذٍ. وأبى كثير من الناس إلّ الخروج إلى العدوّ ، ولم يتناهوا إلى قول رسول الله وَ لير ورأيه ، ولو رضوا بالذي أمرهم كان ذلك ، ولكن غلب القضاء والقدر ، وعامّة من أشار عليه بالخروج رجالٌ لم يشهدوا بدراً ، قد علموا الذي سبق لأصحاب بدرٍ من الفضيلة، فلمّا صلّى رسول الله وَّر الجمعة، وعظ الناس وذكّرهم وأمرهم بالجدّ والجهاد ، ثم انصرف من خطبته وصلاته ، فدعا بلأمته فلبسها ، ثم أذّن في الناس بالخروج ، فلمّا رأى ذلك رجالٌ من ذوي الرأي ، قالوا : أمرنا رسول الله بِّ ر أن نمكث بالمدينة ، وهو أعلم بالله وما يريد ، ويأتيه الوحي من السماء ، فقالوا : يا رسول الله، امكث كما أمرتنا . فقال: (( ما ينبغي لنبيٍّ إذا أخذ لأمة الحرب وأذّن بالخروج إلى العدوّ ، أن يرجع حتى يقاتل ، وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلّ الخروج ، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدوّ ، وانظروا ما آمركم به فافعلوه )). قال : فخرج رسول الله وَّرَ والمسلمون، فسلكوا على البدائع ، وهم ألف رجلٍ ، والمشركون ثلاثة آلافٍ ، فمضى رسول الله وَ﴾ حتى نزل بأحدٍ، ورجع عنه عبد الله بن أبيّ بن سلول في ثلاثمئةٍ ، فبقي رسول الله وَ لّ، في سبعمئةٍ. ١٧٨ ذكر خبر غزوة أُحد قال البيهقيّ(١): هذا هو المشهور عند أهل المغازي؛ أنّهم بقوا في سبعمئة مقاتلٍ. قال : والمشهور عن الزّهريّ أنّهم بقوا في أربعمئة مقاتلٍ ، كذلك رواه يعقوب بن سفيانُ(٢) ، عن أصبغ ، عن ابن وهبٍ ، عن يونس ، عن الزّهريّ . وقيل عنه بهذا الإسناد : سبعمئةٍ ، فالله أعلم . قال موسى بن عقبة : وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد ، وكان معهم مئة فرسٍ ، وكان لواؤه مع طلحة بن عثمان . قال : ولم يكن مع المسلمين فرسٌ واحدةٌ . ثم ذكر الوقعة كما سيأتي تفصيلها ، إن شاء الله تعالى . وقال محمد بن إسحاق(٣): لمّا قصّ رسول الله وَّه رؤياه على أصحابه قال لهم: ((إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدَعوهم حيث نزلوا ، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها )). وكان رأي عبد الله بن أبيّ بن سلول مع رأي رسول الله بَ ◌ّه في أن لا يخرج إليهم ، فقال رجالٌ من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحدٍ وغيره ممّن كان فاته بدرٌ : يا رسول الله ، اخرج بنا إلى أعدائنا ، لا يرون أنّا جبُنا عنهم وضعفنا . فقال عبد الله بن أَبيِّ: يا رسول الله، لا تخرج إليهم ، فوالله ما خرجنا منها إلى عدوًّ قطُ إلّا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلّ أصبنا منه. فلم يزل الناس برسول الله وَّل حتى دخل فلبس لأمته ، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة ، وقد مات في ذلك اليوم رجلٌ من بني النجّار يقال له: مالك بن عمروٍ. فصلّى عليه ثم خرج عليهم، وقد ندم الناس، وقالوا: استكرهنا رسول الله وَل ، ولم يكن لنا ذلك . فلمّا خرج عليهم قالوا: يا رسول الله، إن شئت فاقعد. فقال: (( ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل)). فخرج رسول الله يَّيّ في ألفٍ من أصحابه. قال ابن هشامُ(٤) : واستعمل على المدينة ابن أمّ مكتومٍ . قال ابن إسحاق(٥): حتى إذا كان بالشّوط بين المدينة وأُحدٍ ، انخزل عنه عبد الله بن أُبيِّ بثلث الناس وقال : أطاعهم وعصاني ، وما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيّها الناس ؟! فرجع بمن اتّبعه من قومه من أهل النَّفَاق والرّيب ، واتّبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام السّلميّ ، والد جابر بن عبد الله ، فقال : يا قوم ، أذكّركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيّكم عند ما حضر من عدوّهم. قالوا : لو نعلم أنّكم تقاتلون لما أسلمناكم ، ولكنا لا نرى أنّه يكون قتالٌ. فلمّا استعصوا عليه وأبوا إلّ الانصراف ، قال : أبعدكم الله أعداء الله ، فسيغني الله عنكم نبيّه . (١) انظر ((دلائل النبوة)) (٢٢٠/٣). انظر ((المعرفة والتاريخ)) (٢٨٢/٣) للفسوي . (٢) (٣) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٦٣). انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٦٤) والعبارة فيه: ((واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس)). (٤) (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٦٤). ١٧٩ ذكر خبر غزوة أحد قلت : وهؤلاء القوم هم المرادون بقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ آدْفَعُواْ قَالُوْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لََّ تَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَبِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِّ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم ◌َا لَيْسَ فِ قُلُوبِهِمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [ آل عمران: ١٦٧ ] يعني ، أنّهم كاذبون في قولهم: لو نعلم قتالًا لاتّبعناكم. وذلك لأنّ وقوع القتال أمره ظاهرٌ بَيّنٌ واضحٌ، لإخفاء به ولا شكّ فيه، وهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿﴿ فَمَالَكُمْ فِى الْمُكَفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾ الآية [النساء: ٨٨]. وذلك أن طائفةً قالت: نقاتلهم . وقال آخرون: لا نقاتلهم. كما ثبت وبُيّن في (( الصحيح)(١) وذكر الزّهريّ أن الأنصار استأذنوا حينئذٍ رسول الله وَ لّر في الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة ، فقال: (( لا حاجة لنا فيهم)). وذكر عروة وموسى بن عقبة أنّ بني سلمة وبني حارثة ، لما رجع عبد الله بن أبيّ وأصحابه ، همّتا أن تفشلا، فثبّتهما الله تعالى. ولهذا قال: ﴿ إِذْهَمَّت طَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَّأُ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَّوَكَّلِ اُلْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: ١٢٢ ]. قال جابر بن عبد الله: ما أُحبّ أنها لم تنزل، والله يقول: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾. كما هو ثابتٌ في (( الصحيحين )) عنه (٢) . قال ابن إسحاق(٣): ومضى رسول الله وَ ل حتى سلك في حرّة بني حارثة، فذبّ فرسٌ بذنبه ، فأصاب كلاّب سيفٍ فاستلّه فقال رسول الله وَّ لصاحب السيف: ((شِم سيفك - أي أغمده - فإنّي أرى السيوف ستُسلّ اليوم)). ثم قال النبيّ وَّ لأصحابه: ((مَن رجلٌ يخرج بنا على القوم من كثَبٍ - أي من قرب - من طريقٍ لا يمرّ بنا عليهم؟)) . فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث : أنا يا رسول الله . فنفذ به في حرّة بني حارثة وبين أموالهم ، حتى سلك به في مالٍ لمربع بن قيظيٍّ، وكان رجلاً منافقاً ضرير البصر ، فلما سمع حسّ رسول الله وُّلله ومن معه من المسلمين ، قام يحثي في وجوههم التراب ويقول: إن كنت رسول الله ، فإنّي لا أحلّ لك أن تدخل في حائطي . قال ابن إسحاق(٤) : وقد ذُكر لي أنّه أخذ حفنة من ترابٍ في يده ، ثم قال: والله لو أعلم أنّي لا أصيب بها غيرك يا محمد، لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله وعليه : (( لا تقتلوه ، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر )). وقد بدر إليه سعد بن زيدٍ أخو بني عبد الأشهل ، قبل نهي رسول الله وَل، فضربه بالقوس في رأسه فشجّه، ومضى رسول الله وَ لَه حتى نزل الشّعب من (١) انظر ((صحيح البخاري)) رقم (٤٥٨٩) و((صحيح مسلم)) رقم (٢٧٧٦). (٢) رواه البخاري رقم (٤٠٥١) ومسلم (٢٥٠٥) . (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٦٤). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٥/٢). ١٨٠ ذكر خبر غزوة أُحد أحدٍ ، في عُدْوة الوادي إلى الجبل، وجعل ظهره وعسكره إلى أَحدٍ، وقال: (( لا يقاتلنّ أحدٌ حتى نأمره بالقتال)) . وقد سرّحت قريشٌ الظّهر والكراع في زروعٍ كانت بالصّمغة من قناة للمسلمين ، فقال رجلٌ من الأنصار حين نهى رسول الله وَّله عن القتال، أتُرعى زَرُوعُ بني قيلة ولما نضارب؟! وتعبَّأ رسول الله له للقتال وهو في سبعمئة رجلٍ ، وأمّر على الرّماة يومئذٍ عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف ، وهو معلّم يومئذ بثيابٍ بيضٍ ، والّماة خمسون رجلاً، فقال: (( انضح الخيل عنا بالنّبل ، لا يأتونا من خلفنا ، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك، لا نؤتينّ من قِبلك)) وسيأتي شاهد هذا في ((الصحيحين)) إن شاء الله تعالى . قال ابن إسحاق(١): وظاهرَ رسول الله ◌ِ ◌ّل بين درعين - يعني لبس درعاً فوق درع - ودفع الّواء إلى مصعب بن عميرٍ ، أخي بني عبد الدار . قلت : وقد ردّ رسول الله بَّ جماعةً من الغلمان يوم أحدٍ، فلم يمكّنهم من حضور الحرب لصغرهم ؛ منهم عبد الله بن عمر، كما ثبت عنه في ((الصحيحين)) قال: عُرضتُ على النبيّ ◌َّ يوم أحدٍ فلم يجزني ، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة ، فأجازني . وكذلك ردّ يومئذٍ أسامة بن زيدٍ ، وزيد بن ثابتٍ ، والبراء بن عازبٍ ، وأسيد بن ظهيرٍ ، وعَرابة بن أوس بن قيظيٍّ ، ذكره ابن قتيبة في ((المعارف(٢) وأورده السّهيليّ(٣). قال: وهو الذي يقول فيه الشّمّاعُ(٤) : [من الوافر] إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ تلقّاها عَرابة باليمين ومنهم سعد ابن حبتة ، ذكره السّهيليّ أيضاً ، وأجازهم كلّهم يوم الخندق ، وكان قد ردّ يومئذٍ سمرة بن جندبٍ ورافع بن خديج ، وهما ابنا خمس عشرة سنةً ، فقيل : يا رسول الله ، إنّ رافعاً رامٍ . فأجازه . فقيل : يا رسول الله ، فإنّ سمرة يصرع رافعاً . فأجازه . قال ابن إسحاق، رحمه الله(٥): وتعبّأتْ قريشٌ، وهم ثلاثة آلافٍ، ومعهم مئتا فرسٍ قد جنَّوها ، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل بن هشام . وقال رسول الله وَله: (( من يأخذ هذا السيف بحقّه؟)). فقام إليه رجالٌ، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة، أخو بني ساعدة فقال: وما حقّه يا رسول الله؟ قال: (( أن تضرب به في العدوّ حتى ينحني)). قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقّه. فأعطاه إياه . هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعاً. (١) انظر ((السيرة النبوية)) (٦٦/٢). (٢) انظر ((المعارف)) ص (٣٣٠). انظر ((الروض الأنف)) ( ٥/ ٤٥٣). (٣) البيت في (( ديوان الشمّاخ)) ص (٣٣٦) طبع دار المعارف بمصر. (٤) (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٦/٢).