Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
ذكر غزوة بدر العظمى
وقال عليٍّ: أنا عبد الله، وأخو رسول الله بَ له. وقال عبيدة: أنا الذي في الحلفاء. فقام كلّ رجلٍ
إلى رجلٍ ، فقاتلوهم فقتلهم الله. فقالت هند في ذلك: [ من المتقارب ]
على خير خِندفَ(١) لم ينقلبْ
أعينيّ جودا بدمعٍ سَرِبْ
بنو هاشم وبنو المطلبْ
تداعى له رهطه غدوةً
يَعُلّونه بعدُ ما قد عطِبْ
يذيقونه حدّ أسيافهم
ولهذا نذرت هند أن تأكل من كبد حمزة .
قلت: وعبيدة هذا، هو ابن الحارث بن المطّلب بن عبد منافٍ، ولمّا جاؤوا به إلى رسول الله وَله
أضجعوه إلى جانب موقف رسول الله وَ له، فأفرشه(٢) رسول الله بَ له قدمه، فوضع خدّه على قدمه الشريفة
وقال : يا رسول الله ، لو رآني أبو طالبٍ، لعلم أنّي أحقّ بقوله : ( من الخويل ]
ونُسلِمِهُ(٣) حتى نُصرّعَ حوله ونذهلَ عن أبنائنا والحلائل (٤)
ثم مات، رضي الله عنه، فقال رسول الله مَ له: ((أشهد أنّك شهيدٌ)). رواه الشافعيّ، رحمه الله.
وكان أوّل قتيلٍ من المسلمين في المعركة ، مِهجعٌ مولى عمر بن الخطاب ؛ رمي بسهمٍ فقتله .
قال ابن إسحاق(٥) : فكان أوّل من قتل ، ثم رمي بعده حارثة بن سراقة ، أحد بني عديٍّ بن النّجّار ،
وهو يشرب من الحوض ، بسهم فأصاب نحره فمات .
وثبت في ((الصحيحين)(٦) عن أنسٍ ، أنّ حارثة بن سراقة قتل يوم بدرٍ ، وكان في النّظّارة(٧) ، أصابه
سهمٌ غربٌ فقتله ، فجاءت أمّه فقالت : يا رسول الله ، أخبرني عن حارثة ، فإن كان في الجنَّة صبرت ،
وإلّا فليرينّ الله ما أصنع. يعني من النّياح، وكانت لم تحرَّم بعد(٨). فقال لها رسول الله وَيه:
((ويحك ، أهبلت، إنّها جنانٌ ثمانٍ، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى)).
قال ابن إسحاق(٩) : ثم تزاحف الناس ، ودنا بعضهم من بعضٍ .
(١) خندف : لقب ليلى بنت عمران بن الحاف بن قضاعة نسب إليها بعض قبائل العرب، ومنهم قريش. انظر (( جمهرة
أنساب العرب)) لابن حزم ص (١٠ - ١١ - ٤٧٩ - ٤٨٠).
(٢) في (أ) و(ط): ((فأشرفه)) والمثبت من هامش (ط) نقلاً عن (( السيرة الحلبية)) وهو أصُ .
(٣)
أي ولا نسلمه .
(٤)
جمع حليلة وهي الزوجة .
(٥)
انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٢٧).
(٦) رواه البخاري (٢٨٠٩ و٣٩٨٢ و٦٥٥٠ و٦٥٦٧) ليس الحديث في ((صحيح مسلم)).
(٧) عبارة ((وكان في النظارة)) ليست في البخاري، وهي عند أحمد في ((المسند)) ( ٣/ ١٢٤).
(٨) أي النياحة .
(٩) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٢٥/١).

٦٢
ذكر غزوة بدر العظمى
وقال(١): أمر رسول الله وم لل أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: ((إن اكتنفكم القوم
فانضحوهم عنكم بالنّبل )» .
وفي ((صحيح البخاريّ)(٢)، عن أبي أسيدٍ قال: قال لنا رسول الله يوم بدرٍ: ((إذا أكثبوكم - يعني
المشركين - فارموهم واستبقوا نبلكم )).
وقال البيهقيّ(٣): أخبرنا الحاكم ، أخبرنا الأصمّ ، حدّثنا أحمد بن عبد الجبّار، عن يونس بن
بكيرٍ ، عن ابن إسحاق ، حدّثني [عمر بن ] عبد الله [ بن عروة بن عروة ] بن الزّبير ، قال : جعل
رسول الله ◌َ و شعار المهاجرين يوم بدرٍ: يا بني عبد الرحمن . وشعار الخزرج: يا بني عبد الله. وشعار
الأوس : يا بني عبيد الله . وسمّى خيله : خيل الله.
قال ابن هشام(٤) : كان شعار الصحابة يوم بدرٍ : أحدٌ أَحدٌ .
قال ابن إسحاق(٥): ورسول الله وَ لل في العريش، معه أبو بكرٍ ، رضي الله عنه، يعني وهو يستغيث
الله، عزّ وجلّ، كما قال الله تعالى (٦): ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَئِكَةِ
مُرْدِفِينَ (٨) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَيِنَّ بِهِ، قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ﴾
[ الأنفال : ٩ - ١٠ ] .
قال الإمام أحمد(٧): حدّثنا أبو نوحٍ قرادٌ ، ثنا عكرمة بن عمّارٍ ، ثنا سماكٌ الحنفيّ أبو زُميلٍ ، حدّثني
ابن عباسٍ ، حدّثني عمر بن الخطاب، قال: لمّا كان يوم بدرٍ، نظر رسول الله وَّل إلى أصحابه وهم
ثلاثمئةٍ ونيّفٌ، ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألفٌ وزيادةٌ، فاستقبل النبيّ وَّه القبلة وعليه رداؤه
وإزاره، ثم قال: (( اللهمّ أنجز لي ما وعدتني ، اللهمّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام ، فلا تعبد
بعد في الأرض أبداً ».
قال : فما زال يستغيث ربّه ويدعوه ، حتى سقط رداؤه ، فأتاه أبو بكرٍ فأخذ رداءَه فردّه ، ثم التزمه من
ورائه ، ثم قال : يا رسول الله، كفاك مناشدتك ربّك، فإنّه سينجز لك ما وعدك . فأنزل الله :
﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِي مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ وذكر تمام الحديث كما
سيأتي .
(١) أي ابن إسحاق. انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٢٥/١ - ٦٢٦).
(٢) رواه البخاري (٣٩٨٤).
(٣) انظر ((دلائل النبوة)) (٣/ ٧٠).
(٤)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٣٤).
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٢٦/١ - ٦٢٧).
(٦) انظر ((تفسير ابن كثير)) (٥٥٨/٣ _ ٥٦٢).
(٧) رواه أحمد في ((المسند)) (١/ ٣٠) وهو حديث حسن.

٦٣
ذكر غزوة بدر العظمى
وقد رواه مسلمٌ ، وأبو داود ، والتّرمذيّ، وابن جريرٍ، وغيرهم(١)، من حديث عكرمة بن عمّارٍ
اليمانيّ ، وصحّحه عليّ بن المدينيّ ، والتّرمذيّ .
وهكذا قال غير واحدٍ عن ابن عباسٍ، والسّدّيّ، [ وابن ] جريج ، وغيرهم؛ أنّ هذه الآية نزلت في
دعاء النبيّ ◌َ ◌ّ يوم بدرٍ(٢).
وقد ذكر الأمويّ وغيره ، أنّ المسلمين عجّوا إلى الله ، عزّ وجلّ ، في الاستغاثة بجنابه ، والاستعانة
به . وقوله تعالى: ﴿ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أي؛ ردفاً لكم ومدداً لفئتكم . رواه العوفيّ عن ابن
عباسٍ ، وقاله مجاهدٌ ، وابن كثيرٍ ، وعبد الرحمن بن زيدٍ ، وغيرهم(٣)
وقال أبو كدينة ، عن قابوسٍ، [ عن أبيه ]٤)، عن ابن عباسٍ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾: وراء كلّ مَلكِ
ملكٌ. وفي روايةٍ عنه بهذا الإسناد: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بعضهم على أثر بعضٍ(٥). وكذا قال أبو ظبيان،
والضّحّاك، وقتادة. وقد روى علي بن أبي طلحة الوالبيّ، عن ابن عباسٍ قال: وأمدّ الله نبيّه وَل
والمؤمنين بألفٍ من الملائكة ، وكان جبريل في خمسمئةٍ مجنّةٍ، وميكائيل في خمسمئةٍ مجنّبةٍ(٦) ، وهذا
هو المشهور .
ولكن قال ابن جريرٍ(٧) : حدّثني المثنّى، حدّثنا إسحاق، ثنا يعقوب بن محمدٍ الزّهريّ، حدّثني
عبد العزيز بن عمران ، عن الزّمْعيّ(٨) ، عن أبي الحويرث ، عن محمد بن جبيرٍ ، عن عليٍّ قال : نزل
جبريل في ألفٍ من الملائكة عن ميمنة النبيّ ◌َّه، وفيها أبو بكرٍ ، ونزل ميكائيل في ألفٍ من الملائكة عن
ميسرة النبيّ وَّر، وأنا في الميسرة.
ورواه البيهقيّ في ((الدّلائل)(٩) من حديث محمد بن جبيرٍ عن عليّ، فزاد : ونزل إسرافيل في
ألفٍ من الملائكة، وذكر أنّه طعن يومئذٍ بالحربة حتى اختضبت إبطه من الدماء ، فذكر(١٠) أنّه نزلت
ثلاثة آلافٍ من الملائكة . وهذا غريبٌ ، وفي إسناده ضعفٌ ، ولو صحّ لكان فيه تقويةٌ لما تقدّم من
(١) رواه مسلم (١٧٦٣) وأبو داود (٢٦٩٠) والترمذي (٣٠٨١) والطبري في ((تفسيره)) (١٨٩/٩).
(٢) انظر ((تفسير الطبري)) (١٨٩/٩ - ١٩٠). و((تفسير ابن كثير)) (٥٥٩/٣).
(٣) انظر ((تفسير الطبري)) (١٩٠/٩ -١٩١). و((التفسير)) (٥٦٠/٣).
(٤) سقط من (آ) و(ط) واستدركته من ((التفسير)) للمؤلف (٥٦٠/٣) و((تفسير الطبري)) (١٩١/٩).
(٥) انظر ((تفسير الطبري)) (١٩١/٩). و((تفسير ابن كثير)) (٣/ ٥٦٠).
(٦) انظر ((تفسير الطبري)) (١٩٥/٩). و((التفسير)) للمؤلف (٣/ ٥٦٠).
(٧) انظر ((تفسير الطبري)) (٩/ ١٩٢).
(٨) في (أ) و(ط): ((الربعي)) والتصحيح من ((تهذيب الكمال)) (١٧١/٢٩).
(٩) انظر ((دلائل النبوة)) (٥٥/٣).
(١٠) أي عليٌّ ، رضي الله عنه.

٦٤
ذكر غزوة بدر العظمى
الأقوال ، ويؤيّدها قراءة من قرأ: بألفٍ من الملائكة مردَفين(١) بفتح الدال ، والله أعلم .
وقال البيهقيّ(٢): أخبرنا الحاكم ، أخبرنا الأصمّ، ثنا محمد بن سنانٍ القزّاز، ثنا عبيد الله بن
عبد المجيد أبو عليٍّ الحنفيّ ، حدّثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهبٍ ، أخبرني إسماعيل بن عون بن
عبيد الله بن أبي رافع ، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليٍّ بن أبي طالبٍ ، عن أبيه عن جدّه ، عن عليٍّ
قال: لمّا كان يوم بدرٍ، قاتلت شيئاً من قتالٍ، ثم جئت مسرعاً لأنظر إلى رسول الله بَّ ما فعل. قال:
فجئت فإذا هو ساجدٌ يقول : يا حيّ يا قيُّوم ، يا حيّ يا قيّوم . لا يزيد عليها ، فرجعت إلى القتال ، ثم
جئت وهو ساجدٌ يقول ذلك أيضاً ، فذهبت إلى القتال ، ثم جئت وهو ساجدٌ يقول ذلك أيضاً ، حتى فتح
الله على يده .
وقد رواه النّسائيّ في (( اليوم والليلة(٣) ، عن بندارٍ ، عن عبيد الله بن عبد المجيد أبي عليّ الحنفيّ
به .
وقال الأعمش(٤)، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعودٍ قال : ما سمعت مناشداً
ينشد أشدّ من مناشدة محمدٍ وَّ يوم بدرٍ ، جعل يقول : اللهمّ إنّ أنشدك عهدك ووعدك ، اللهمّ إن تهلك
هذه العصابة لا تعبد ، ثم التفت وكأنّ شقّ وجهه القمر ، وقال : كأنّ أنظر إلى مصارع القوم عشيّة . رواه
النسائيّ من حديث الأعمش به(٥). وقال: لمّا التقينا يوم بدرٍ، قام رسول الله وَلَه يصلّي، فما رأيت
مناشداً ينشد حقّاً له، أشدّ مناشدةً من رسول الله وَّةٍ ... وذكره .
وقد ثبت إخباره ، عليه الصلاة والسلام، بمواضع مصارع رؤوس المشركين يوم بدرٍ، في (( صحيح
مسلم )) عن أنس بن مالكٍ ، كما تقدّمُ(٦)
وسيأتي في ((صحيح مسلم)) أيضاً عن عمر بن الخطاب .
ومقتضى حديث ابن مسعودٍ ، أنّه أخبر بذلك يوم الوقعة ، وهو مناسبٌ .
وفي الحديثين الآخرين عن أنسٍ وعمر ، ما يدلّ على أنّه أخبر بذلك قبل ذلك بيوم ، ولا مانع من
الجمع بين ذلك ، بأن يخبر به قبل ذلك بيوم وأكثر ، وأن يخبر به قبل ذلك بساعةٍ يوم الوقعة ، والله
أعلم .
(١) وهي قراءة نافع. انظر ((حجة القراءات)) ص (٣٠٧).
(٢) ((دلائل النبوة)) (٤٩/٣) والحاكم في ((المستدرك)) (٢٢٢/١) وإسناده ضعيف.
(٣) رواه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٦١١) وفي ((السنن الكبرى)) ( ١٠٤٤٧).
(٤) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ( ٥٠/٣).
(٥) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٤٤٢).
(٦) رواه مسلم رقم ( ١٧٧٩ ) .

٦٥
ذكر غزوة بدر العظمى
وقد روى البخاري(١)، من طرقٍ، عن خالدٍ الحذّاء، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، أنّ النبيّ ◌َّ قال
وهو في قبّةٍ له يوم بدرٍ : اللهمّ أنشدك عهدك ووعدك ، اللهمّ إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبداً ، فأخذ
أبو بكرٍ بيده وقال : حسبك يا رسول الله ، ألححت على ربّك . فخرج وهو يثب في الدّرع ، وهو يقول :
﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ (٤) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَتُ﴾ [ القمر: ٤٥ -٤٦]. وهذه الآية مكيةٌ .
وقد جاء تصديقها يوم بدرٍ ، كما رواه ابن أبي حاتم(٢): حدّثنا أبي، ثنا أبو الرّبيع الزّهرانيّ ، ثنا
حمّادٌ ، عن أيوب، عن عكرمة قال: لمّا نزلت ﴿سَيُهْزَمُ أُْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الذُّبْرَ﴾ قال عمر : أيّ جمعٍ يهزم؟!
وأيّ جمعٍ يغلب ؟! قال عمر: فلمّا كان يوم بدرٍ، رأيت رسول الله بِّهِ يثب في الدّرع وهو يقول :
﴿سَيُهْزَمُ أَلْجَمْعُ وَبُوَلُّونَ الذُّبُرَ﴾، فعرفت تأويلها يومئذٍ(٣)
وروى البخاريّ(٤) ، من طريق ابن جريج ، عن يوسف بن ماهان ، سمع عائشة تقول : نزّل على
محمدٍ رَّة بمكّة وإنّي لجاريةٌ ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَذْهَى وَأَمَرُ﴾.
وقال ابن إسحاق(٥): وجعل رسول الله وَّه يناشد ربّه ما وعده من النصر ، ويقول فيما يقول: اللهمّ
إن تهلك هذه العصابة اليوم ، لا تعبد . وأبو بكرٍ يقول : يا نبيّ الله، بعض مناشدتك ربّك ، فإنّ الله منجزٌ
لك ما وعدك. وقد خفق النبيّ وَ ◌ّر خفقةً وهو في العريش، ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكرٍ ، أتاك نصر
الله ، هذا جبريل آخذٌ بعنان فرسه يقوده ، على ثناياه النّقع . يعني الغبار .
قال : ثم خرج رسول الله بي ليه إلى الناس فحرّضهم وقال: والّذي نفس محمدٍ بيده، لا يقاتلهم اليوم
رجلٌ ، فيقتل صابراً محتسباً ، مقبلاً غير مدبرٍ ؛ إلّا أدخله الله الجنة . فقال عمير بن الحمام أخو بني
سلمة ، وفي يده تمراتٌ يأكلهنّ : بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنّة إلّا أن يقتلني هؤلاء ؟! قال : ثم
قذف التمرات من يده ، وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل ، رحمه الله .
وقال الإمام أحمد(٦): حدّثنا هاشمٌ، ثنا سليمان، عن ثابتٍ، عن أنسٍ قال: بعث رسول الله وَل
بسبسةُ(٧) عيناً؛ ينظر ما صنعت عِير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحدٌ غيري وغير النبيّ وَّ - قال: لا
أدري ما استثنى من بعض نسائه - قال: فحدّثه الحديث. قال: فخرج رسول الله وَ لَّ فتكلّم فقال: إنّ لنا
(١) رواه البخاري (٢٩١٥ و٣٩٥٣ و٤٨٧٥ و٤٨٧٧) .
(٢) ذكره المؤلف في ((تفسيره)) (٧/ ٤٥٧).
(٣) وهو مرسل .
(٤)
رواه البخاري ( ٤٨٧٦ ).
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام)) (١/ ٦٢٧).
(٦) رواه أحمد في ((المسند)) (١٣٦/٣).
(٧) في (ط): ((بَسْبَسا))، وهو بموحدتين مفتوحتين بينهما مهملة ساكنة ثم مهملة مفتوحة. وفي ((صحيح مسلم)):
( بُسَيْسَة)) بموحدة مصغراً، وانظر ((الإصابة)) (٢٨٨/١) و((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٤).

٦٦
ذكر غزوة بدر العظمى
طلبةً ، فمن كان ظهره حاضراً ، فليركب معنا . فجعل رجالٌ يستأذنونه في ظهورهم في علو المدينة ،
قال: لا، إلّا من كان ظهره حاضراً. وانطلق رسول الله وَ له وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدرٍ ،
وجاء المشركون ، فقال رسول الله وَّرَ: ((لا يتقدّمنّ أحدٌ منكم إلى شيءٍ، حتى أكون أنا أَوذنه)) . فَدنا
المشركون، فقال رسول الله وَله: ((قوموا إلى جنّةٍ عرضها السماوات والأرض)). قال: يقول عمير بن
الحمام الأنصاريّ: يا رسول الله، جنّةٌ عرضها السماوات والأرض؟ قال: (( نعم)). قال : بخٍ بخٍ .
فقال رسول الله وَلي: ((ما يحملك على قول: بخ بخ؟)). قال: لا والله يا رسول الله، إلّ رجاء أن أكون
من أهلها . قال: ((فإنّك من أهلها)). قال: فأُخرَجَ تمراتٍ من قرَنهُ(١) ، فجعل يأكل منهنّ ، ثم قال :
لئن أنا حبيت حتى آكل تمراتي هذه ، إنّها حياةٌ طويلٌ . قال : فرمى ما كان معه من التمر ، ثم قاتلهم حتى
قتل ، رحمه الله .
ورواه مسلمٌ(٢) ، عن أبي بكر بن أبي النّضر(٣)، وجماعةٍ ، عن أبي النّضر هاشم بن القاسم ، عن
سليمان بن المغيرة به .
وقد ذكر ابن جرير(٤) أنّ عميراً قاتل وهو يقول ، رضي الله عنه : ( من الرجز ]
إلّا التّقى وعمل المعادٍ
ركضاً إلى الله بغير زادٍ
وكلّ زادٍ عرضة النفادِ
والصّبر في الله على الجهادِ
غير التّقى والبرّ والرّشادِ
وقال الإمام أحمد(٥): حدّثنا حجّاجٌ، حدّثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرّبٍ ،
عن عليٍّ قال: لمّا قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها، فاجتويناها، وأصابنا بها وعٌ، وكان رسول الله اله
يتخبّر عن بدرٍ، فلمّا بلغنا أنّ المشركين قد أقبلوا، سار رسول الله وَم له إلى بدرٍ، وبدرٌ بئرٌ ، فسبقنا
المشركين إليها ، فوجدنا فيها رجلين منهم ؛ رجلاً من قريشٍ ، وموليّ لعقبة بن أبي معيط ، فأمّا القرشيّ
فانفلت، وأمّا المولى فأخذناه(٦) ، فجعلنا نقول له : كم القوم ؟ فيقول : هم والله كثيرٌ عددهم، شديدٌ
بأسهم. فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتى انتهوا به إلى رسول الله وَ له، فقال له: ((كم
(١) القَرَن: جعبة من جلود تشق ويجعل فيها النُّشَّاب، وهو النبل. انظر ((النهاية في غريب الحديث والأثر )"
( ٤/ ٥٥ ) .
(٢) رواه مسلم ( ١٩٠١).
(٣) في (أ) و(ط): ((عن أبي بكر بن أبي شيبة)) والتصحيح من ((صحيح مسلم)) وانظر ((تهذيب الكمال ))
(١٤٩/٣٣) .
(٤) انظر ((تاريخ الطبري)) (٤٤٨/٢).
(٥) رواه أحمد في ((المسند)) (١١٧/١) وهو حديث صحيح.
(٦) في (أ) و(ط): ((فوجدناه)) والتصحيح من ((مسند الإمام أحمد)).

٦٧
ذكر غزوة بدر العظمى
القوم؟)). قال: هم والله كثيرٌ عددهم، شديدٌ بأسهم. فجهد النبيّ وَّر أن يخبره كم هم، فأبى، ثم إنّ
النبيّ سأله: (( كم ينحرون من الجزر؟)) فقال: عشراً كلّ يوم. فقال النبيّ وَّ: («القوم ألفٌ، كلّ
جزورٍ لمئةٍ وتبعها)) . ثم إنّه أصابنا من الليل طشٌّ من مطرٍ ، فانطلقنا تحت الشجر والحجّف ؛ نستظلّ
تحتها من المطر، وبات رسول الله وَ لّ يدعو ربّه ويقول: ((اللهمّ إنّك إن تهلك هذه الفئةُ؛ لا تعبد)).
فلمّا طلع الفجر نادى (( الصلاة عباد الله)). فجاء الناس من تحت الشجر والحجَف ، فصلّى بنا
رسول الله وَّةِ، وحرّض على القتال، ثم قال: ((إنّ جمع قريشٍ تحت هذه الضّلعُ(١) الحمراء من
الجبل )) . فلمّا دنا القوم منّا وصاففناهم، إذا رجلٌ منهم على جملٍ له أحمر ، يسير في القوم ، فقال
رسول الله مَّةُ: (( يا عليٍّ، ناد لي حمزة - وكان أقربهم من المشركين - من صاحب الجمل الأحمر ، فجاء
حمزة فقال : هو عتبة بن ربيعة ، وهو ينهى عن القتال ، ويقول لهم : يا قوم ، اعصبوها اليوم برأسي ،
وقولوا : جبن عتبة بن ربيعة ، وقد علمتم أنّي لست بِأَجْبَنكم . فسمع ذلك أبو جهلٍ فقال : أنت تقول
ذلك ؟ والله لو غيرك يقوله ؛ لأعضضته ، قد ملأت رئتُك جَوفَك رعباً. فقال : إيّاي تعيّر يا مصفّر استه ؟
ستعلم اليوم أيّنا الجبان . فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد ؛ حميّةً ، فقالوا : من يبارز ؟ فخرج فتيةٌ من
الأنصار شببةٌ(٢). فقال عُثْبةُ: لا نُريدُ هؤلاءِ، ولكنْ يُبَارِزُنا مِن بني عَمِّنا مِن بني عبدِ المُطَّلِب . فقال
رسولُ الله ◌َِ: قُمْ يا عليٌّ ، وقُم يا حمزةُ، وقُم يا عُبيدة بن الحارث بن المُطّلب . فقتل الله عُتبة وشيبة
ابني ربيعة ، والوليد بن عُتبة ، وجُرح عُبيدةُ ، فقتلنا منهم سبعين ، وأسرنا سبعين ، وجاء رجلٌ من
الأنصار قصيرٌ بالعباس بن عبد المُطّلب أسيراً ، فقال العباسُ : يا رسول الله ، إنّ هذا والله ما أسرني ، لقد
أسرني رجلٌ أجلحُ ، من أحسن الناس وجهاً ، على فرسٍ أبلق ، ما أراه في القوم . فقال الأنصاريُّ : أنا
أسرتُه يا رسول الله . فقال: اسكُت، فقد أيّدك الله بملكِ كريم . قال : فأسرنا من بني عبد المُطّلب ؛
العباس ، وعقيلاً ، ونوفل بن الحارث . هذا سياقٌ حسنٌ ، وفيه شواهدُ لما تقدّم ولما سيأتي . وقد تفرّد
بطُوله الإمامُ أحمدُ .
وروى أبو داود بعضه من حديث إسرائيل به (٣) .
ولمّا نزل رسولُ اللهِ وَّةِ، من العريش، وحرّض الناس على القتال، والناسُ على مصافّهم صابرين،
ذاكرين الله كثيراً، كما قال الله تعالى آمراً لهم(٤): ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ
كَثِيرًا﴾ الآية [ الأنفال: ٤٥].
وقال الأُمويُّ : حدّثنا معاويةُ بنُ عمروٍ ، عن أبي إسحاق قال : قال الأوزاعيُّ : كان يُقالُ: قلّما ثبت
(١) الضِّلَع: جبيل منفرد صغير. انظر ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٩٦/٣).
(٢) في (ط): ((مشببة)) و((شَبَبة)): جمع شاب وفي ((مسند الإمام أحمد)): (( سِنَّة)).
(٣) رواه أبو داود رقم (٢٦٦٥) وهو حديث صحيح .
(٤) انظر ((تفسير)) المؤلف (١٤/٤ _ ١٥).

٦٨
ذكر غزوة بدر العظمى
قومٌ قياماً ، فمن استطاع عند ذلك أن يجلس ، أو يغُضّ طرفه ، ويذكُر الله ، رجوتُ أن يسلم من الرِّياء .
وقال عُتبةُ بنُ ربيعة يوم بدرٍ لأصحابه: ألا ترونهم، يعني أصحاب النبيّ وَّر، جُنيّاً على الرُّكب ، كأنّهم
حرسٌ يتلمّظُون كما تتلمّظُ الحيّاتُ(١) ، أو قال : الأفاعي.
قال الأُمويُّ في ((مغازيه)): وقد كان النبيُّ ◌َّه، حين حرّض المُسلمين على القتال، قد نفل كُلّ
امرىء ما أصاب، وقال: (( والّذي نفسي بيده، لا يُقاتلُهم اليوم رجُلٌ [فيُقتلُ ] صابراً مُحتسباً، مُقبلاً
غير مُدبرٍ، إلّا أدخله الله الجنّة)). وذكر قصّة عُمير بن الحُمام ، كما تقدّم.
وقد قاتل بنفسه الكريمة قتالاً شديداً ببدنه ، وكذلك أبو بكرٍ الصدّيقُ، كما كانا في العريش يُجاهدان
بالدُّعاء والتّضرُّع ، ثُم نزلا ، فحرّضا وحثّاً على القتال ، وقاتلا بالأبدان ؛ جمعاً بين المقامين الشريفين .
قال الإمامُ أحمد٢ُ): حدّثنا وكيعٌ، حدّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مُضرّبٍ ، عن
عليٍّ قال: لقد رأيتُنا يوم بدرٍ، ونحنُ نلُوذُ برسول الله بَّه، وهو أقربُنا إلى العدُوّ، وكان من أشدّ الناس
يومئذٍ بأساً .
ورواه النّسائيُ(٣) ، من حديث أبي إسحاق ، عن حارثة ، عن عليٍّ قال: كُنّا إذا حمي البأسُ ولقي
القومُ، اتّقينا٤) برسول الله اَلّ .
وقال الإمامُ أحمدُ(٥) : حدّثنا أبو نُعيم ، حدّثنا مسعرٌ، عن أبي عونٍ ، عن أبي صالحِ الحنفيّ ، عن
عليٍّ قال : قيل لعليٍّ ولأبي بكرٍ ، رضي الله عنهما، يوم بدرٍ : مع أحدكما جبريلُ، ومع الآخر ميكائيلُ ،
وإسرافيلُ ملَكٌ عظيمٌ، يشهدُ القتال ولا يُقاتلُ ، أو قال : يشهدُ الصّفّ .
وهذا يُشبهُ ما تقدّم من الحديث ؛ أنّ أبا بكرٍ كان في الميمنة ، ولمّا تنزّل الملائكةُ يوم بدرٍ تنزيلاً ،
كان جبريلُ على أحد المُجنّبتين في خمسمئةٍ من الملائكة ، فكان في الميمنة من ناحية أبي بكرٍ الصدّيق ،
وكان ميكائيلُ على المُجنّبة الأخرى في خمسمئةٍ من الملائكة ، فوقَفُوا في الميسرة ، وكان عليُّ بنُ أبي
طالب فيها .
وفي حديثٍ رواه أبو يعلى (٦)، من طريق محمد بن جُبير بن مُطعم، عن عليٍّ قال: كنتُ أمتحٌ(٧)
على القليب يوم بدرٍ ، فجاءت ريحٌ شديدةٌ ، ثم أُخرى ثُم أُخرى ، فنزلَ ميكائيلُ في ألفٍ من الملائكة ،
(١) أي : تخرج لسانها.
(٢) رواه أحمد في «المسند)) (٨٦/١)، وهو حديث صحيح.
(٣) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٦٣٩).
(٤) كذا في (أ) و(ط) وفي ((السنن الكبرى)): ((بعثنا)) وجاء في هامشها في النسخ: ((ألفينا)).
رواه أحمد في « المسند)) (١/ ١٤٧) وهو حديث حسن .
(٥)
(٦) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) رقم (٤٨٩). وقد ذكره المصنف هنا بمعناه وفي إسناده ضعف.
(٧) متح الماء : نزعه واستخرجه .

٦٩
ذكر غزوة بدر العظمى
فوقف على يمين رسول اللّهِ مَ ◌ّةٍ وهناك أبو بكرٍ ، وإسرافيلُ في ألفٍ في الميسرة وأنا فيها ، وجبريلُ في
ألفٍ . قال : ولقد طعنتُ يومئذٍ حتى بلغ [ الدّمُ }١) إيطي.
وقد ذكر صاحبُ ((العقد (٢) وغيرُه، أنّ أفخر بيتٍ قالته العربُ، قولُ حسان بن ثابتٍ: [ من الكامل ]
ويِبئر(٣) بدرٍ إذ يكُفُّ مطيّهُمُ(٤) جبريلُ تحت لوائنا ومحمدُ
وقد قال البخاريٌّ(٥): حدّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم ، حدّثنا جريرٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن معاذ بن
رفاعة بن رافعِ الزُّرقيّ ، عن أبيه ، وكان أبوه من أهل بدرٍ ، قال: جاء جبريلُ إلى رسول الله ◌َّ فقال: ما
تعُدُّون أهل بدرٍ فيكم ؟ قال: (( من أفضل المُسلمين)). أو كلمةً نحوها . قال : وكذلك من شهد بدراً من
الملائكة . انفرد به البخاريُّ .
وقد قال الله تعالى(٦): ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ فَشَكِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلْغِى فِ قُلُوبٍ اُلَّذِينَ
كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ يعني الرءُوس ﴿ وَأَضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [ الأنفال: ١٢].
وفي ((صحيح مسلمٍ (٧) من طريق عكرمة بن عمّارٍ ، عن أبي زُمَيلٍ ، حدّثني ابنُ عباسٍ قال : بينما
رجلٌ من المُسلمين [ يومئذ ]٨) يشتدُّ في أثر رجلٍ من المُشركين أمامه ، إذ سمع ضربةً بالسّوط فوقه ،
وصوت الفارس يقولُ : أقدم حيزُومُ . إذ نظر إلى المُشرك أمامه قد خرّ مُستلقياً ، فنظر إليه فإذا هو قد
خُطم [ أنفُه (٩) وشُقّ وجهُه كضربة السّوط، فاخضرّ ذلك أجمعُ، فجاء الأنصاريُّ فحدّث ذاك
رسول الله وَله، فقال: ((صدقت، ذلك من مدد السماء الثّالثة)). فقتلوا يومئذٍ سبعين، وأسرُوا سبعين.
قال ابنُ إسحاقُ(١٠): [و] حدّثني عبدُ الله بنُ أبي بكر بن حزمٍ، عمّن حدّثه عن ابن عباسٍ ، عن
رُجُلٍ من بني غفارٍ قال : حضرتُ أنا وابنُ عمِّ لي بدراً ، ونحنُ علىَ شِركنا ، فإنّا لفي جبلٍ ننتظرُ الوقعة
على من تكونُ الدّبرة(١) ، فننتهبُ ، فأقبلت سحابةٌ ، فلمّا دنت من الجبل ، سمعنا منها حمحمة الخيل ،
(١) تكملة من ((مسند أبي يعلى)).
(٢) انظر ((العقد الفريد)) (١٠٦/٦).
(٣) كذا فى (٢) و(ط) وفي ((العقد الفريد)): ((بيوم)).
(٤)
كذا في (أ) و(ط) وفي ((العقد الفريد)): ((يرد وجوههم)).
(٥)
رواه البخاري ( ٣٩٩٢).
انظر (( التفسير)) للمؤلف ( ٣/ ٥٦٢ - ٥٦٦).
(٦)
(٧) رواه مسلم ( ١٧٦٣).
(٨) تكملة من ((صحيح مسلم)).
(٩) تكملة من ((صحيح مسلم)) والخطم : الأثر على الأنف .
(١٠) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٣٣/١). ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٥٢/٣).
(١١) الدبرة: الهزيمة في القتال. انظر ((المعجم الوسيط)) (دبر).

٧٠
ذكر غزوة بدر العظمى
وسمعنا فارساً يقولُ: أقدم حيزومُ . فأمّا صاحبي فانكشف قناعُ قلبه ، فمات مكانه ، وأمّا أنا فكدتُ أنّ
أهلك ، ثُم انتعشتُ(١) بعد ذلك .
وقال ابنُ إسحاق (٢) : وحدّثني عبدُ الله بنُ أبي بكرٍ ، عن بعض بني ساعدة ، عن أبي أُسيدٍ مالك بن
ربيعة ، وكان شهد بدراً، قال بعد أن ذهب بصرُه : لو كنتُ اليوم ببدرٍ ومعي بصري ؛ لأريتُكم الشّعب
الذي خَرَجَت منه الملائكةُ ، لا أشُكُّ فيه ولا أتمارى .
فلمّا نزلت الملائكةُ ورآها إبليسُ، وأوحى الله إليهمْ(٣): ﴿ أَنِّ مَعَكُمْ فَشَفِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الأنفال: ١٢].
وتثبيتُهم أنّ الملائكة كانت تأتي الرّجُل في صورة الرجل يعرفُه ، فيقولُ له : أبشرُوا فإنّهم ليسوا
بشيءٍ ، والله معكم ، كُرُوا عليهم .
ولمّا رأى إبليسُ الملائكة، ﴿ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنَّى بَرِىٌّ مِنكُمْ إِنَّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [ الأنفال: ٤٨]
وهو في صورة سُراقة، وأقبل أبو جهلٍ يُحرّضُ أصحابه ويقولُ : لا يهُولنّكم خذلانُ سُراقة إيّاكم ، فإنّه
كان على موعدٍ من محمدٍ وأصحابه . ثُمَّ قال : واللّت والعُزّى ، لا نرجعُ حتى نُفرّق محمداً وأصحابه في
الجبال ، فلا تقتُلُوهم وخُذُوهُم أخذاً .
وقال الواقديُّ(٤): حدّثني ابنُ أبي حبيبة، عن داود بن الحُصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباسٍ قال :
كان الملَكُ يتصوّرُ في صورة من يعرفُون ، فيقولُ : إنّي قَد دنوتُ منهم وسمعتُهم يقولون : لو حملُوا علينا
ما ثبتنا ، ليسوا بشيءٍ، إلى غير ذلك من القول، فذلك قوله: ﴿ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِّ مَعَكُمْ فَتَكِنُواْ
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ الآية.
وروى البيهقيُّ(٥) ، من طريق سلامة، عن عُقيلٍ ، عن ابن شهابٍ ، عن أبي حازم ، عن سهل بن
سعدٍ قال : قال أبو أَسيدٍ ، بعدما ذهب بصرُه : يا بن أخي ، والله لو كنتُ أنا وأنت ببدرٍ ، ثُم أطلق اللهُ
بصري ، لأريتُك الشّعب الذي خرجت علينا منه الملائكةُ ، من غير شكٍّ ولا تمارٍ .
وروى البخاريُّ(٦) ، عن إبراهيم بن موسى، عن عبد الوهّاب، عن خالدٍ، عن عكرمة ، عن ابن
عباسٍ ، أنّ رسول الله وَّمِ قال يوم بدرٍ: ((هذا جبريلُ آخذٌ برأس فرسه، وعليه أداةُ الحرب)).
(١) في ((السيرة النبوية)) لابن هشام: ((تماسكت)).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٣٣/١). ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٥٢/٣ - ٥٣) عن ابن إسحاق
بسياق أطول من هذا .
(٣) انظر ((التفسير)) للمؤلف (٥٦٢/٣ - ٥٦٧).
(٤) انظر ((المغازي)) للواقدي (٧٩/١).
(٥) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٥٣/٣).
(٦) رواه البخاري (٣٩٩٥).

٧١
ذكر غزوة بدر العظمى
وقال الواقديُّ(١): حدّثنا ابنُ أبي حبيبة ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباسٍ ،
وأخبرني موسيٍ بنُ محمد بن إبراهيم التّيميُّ، عن أبيه ، وحدّثني عائذٌ(٢) بنُ يحيى، عن أبي الحُويرث ،
عن عُمارة بن أُكيمة اللّيثيّ(٣)، عن عكرمة، عن حكيم بن حزام، قالوا: لمّا حضر القتالُ ورسولُ اللهِ وَيه
رافعٌ يديه ، يسألُ الله النصر وما وعده ، يقولُ: ((اللهمّ إن ظهروا على هذه العصابة، ظهر الشّركُ ، ولا
يُقُومُ لك دينٌ)) . وأبو بكرٍ يقولُ: والله لينصُرّك الله، وليُبّضنّ وجهك . فأنزل الله ألفاً من الملائكة
مُردفين، عند أكتاف (٤) العدُوّ، قال رسولُ الله ◌ِّمَ: ((أبشر يا أبا بكرٍ، هذا جبريلُ مُعتجرٌ بعمامة
صفراء ، آخذٌ بعنان فرسه بين السماء والأرض ، فلمّا نزل إلى الأرض تغيّب عنّي ساعةً ، ثُمّ طلع وعلى
ثناياهُ النّقعُ(٥)، يقولُ: أتاك نصرُ الله إذ دعوته )) .
وروى البيهقيُّ(٦)، عن أبي أمامة بن سهلٍ ، عن أبيه قال: يا بُنيّ، لقد رأيتُنا يوم بدرٍ وإنّ أحدنا
ليُشيرُ إلى رأس المُشرك، فيقعُ رأسه عن جسده ، قبل أن يصل إليه السيفُ .
وقال ابنُ إسحاق (٧) : حدّثني والدي ، حدّثني رجالٌ من بني مازنٍ، عن أبي واقدِ اللّيثيّ قال : إنّي
الأتبعُ رجلاً من المشركين لأَضْرِبَهُ ، فوقع رأسُه قبل أن يصل إليه سيفي ، فعرفتُ أنّ غيري قد قتله .
وقال يونسُ بنُ بُكيرٍ ، عن عيسى بن عبد الله التّيميّ ، عن الرّبيع بن أنسٍ قال : كان الناسُ يعرفون
قتلى الملائكة ممن قتلوهم ، بضربٍ فوق الأعناق وعلى البنان ، مثل سمة النَّار وقد أُحرق به(٨).
وقال ابنُ إسحاق(٩) : حدّثني من لا أتّهمُ، عن مقسمٍ ، عن ابن عباسٍ قال: كان سيما الملائكة يوم
بدرٍ عمائمَ بيضاً قد أرخوها على ظهورهم ، إلّا جبريل فإنّه كانت عليه عمامةٌ صفراءُ .
وقد قال ابنُ عباسٍ( ١٠) : لم تُقاتل الملائكةُ في يومٍ سوى يوم بدرٍ من الأيام ، وكانوا يكُونون فيما
سواه من الأيام عدداً ومدداً ، لا يضربون .
(١) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٥٣/٣ - ٥٤)، ورواه الواقدي في ((مغازيه)) (٨١/١) بروايات عديدة.
(٢) في (أ) و(ط): ((عابد)) والتصحيح من ((تهذيب الكمال)) (٤١٤/١٧ - ٤١٥).
(٣) بعده في م: (( عن عكرمة)) . وهو خطأ.
(٤) وفي ((مغازي الواقدي)): ((أكناف)).
(٥) النقع: الغبار. انظر ((لسان العرب)) ( نقع ) .
(٦) انظر ((دلائل النبوة)) ( ٥٦/٣).
(٧) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام)) (١/ ٦٣٣)، وإسناده ضعيف.
(٨) عزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٣/ ١٧٢) إلى ابن أبي حاتم.
(٩) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٣٣).
(١٠) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام)) (١/ ٦٣٤).

٧٢
ذكر غزوة بدر العظمى
وقال الواقديُّ(١) : حدثني عبدُ الله بنُ موسى بن أبي أُميّة، عن مُصعب بن عبد الله ، عن مولى
السُهيل بن عمروٍ ، سمعتُ سُهيل بن عمروٍ يقولُ : لقد رأيتُ يوم بدرٍ رجالًا بيضاً على خيلٍ بُلقٍ(٢) ، بين
السماء والأرض مُعلِمين ، يقتُلُون ويأسرُون، وكان أبو أُسيدٍ يُحدّثُ بعد أن ذهب بصرُه قال: لو كنتُ
معكم الآن ببدرٍ ومعي بصري ، لأريتُكم الشّعب الذي خرجت منه الملائكةُ ، لا أشُكُ ولا أمتري .
قال(٣): وحدّثني خارجةُ بنُ إبراهيم، عن أبيه قال: قال رسولُ اللهِوَّه لجبريل: (( مَن القائلُ يوم
بدرٍ من الملائكة: أقدم حيزُومُ؟)). فقال جبريلُ: ((يا محمدُ، ما كُلّ أهل السماء أعرفُ)).
قلتُ : وهذا الأثرُ مُرسلٌ ، وهو يرُدُّ قول من زعم أنّ حيزُوم اسمُ فرس جبريل ، كما قاله السُّهيليّ
وغيرُه(٤) ، والله أعلمُ .
وقال الواقديُّ(٥): حدّثني إسحاقُ بنُ يحيى، عن حمزة بن صُهيبٍ ، عن أبيه قال: فما أدري كم يد
مقطُوعةٍ ، وضربةٍ جائفةٍ لم يدم كلمُها ، قد رأيتُها يوم بدرٍ .
وحدثني(٦) محمدُ بنُ يحيى، عن أبي عُفَير(٧) ، عن رافع بن خديجٍ ، عن أبي بُردة بن نيارٍ قال :
جئتُ يوم بدرٍ بثلاثة أرؤُسٍ ، فوضعتُهنّ بين يدي رسول الله وَّله فقلتُ: أمَّا رأسان فقتلتُهما، وأمّا الثالثُ
فإنّي رأيتُ رجلاً طويلاً قتله(٨)، فأخذتُ رأسه. فقال رسولُ اللهَوَّةِ: ((ذاك فُلانٌ من الملائكة)).
وحدّثني(٩) موسى بنُ محمد بن إبراهيم ، عن أبيه قال : كان السائبُ بنُ أبي حُبيشٍ يُحدّثُ في زمن
عُمر يقولُ: والله ما أسرني أحدٌ من الناس . فيقالُ : فمن؟ يقولُ : لمّا انهزمت قُريشٌ ، انهزمتُ معها ،
فأدركني رجلٌ أبيضُ(١٠) طويلٌ، فأوثقني رباطاً ، وجاء عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ فوجدني مربوطاً ، فنادى في
العسكر(١١): من أسر هذا؟ [ فليس أحدٌ يزعم أنه أسرني (١٣)، حتى انتهى بي إلى رسول الله وَلا فقال:
(١) انظر ((مغازي الواقدي)) (٧٦/١).
البَلق: سواد وبياض، وكذا ( البُلقة) يقال: فرس أبلق وفرس بلقاء. (( مختار الصحاح)) ( بلق ).
(٢)
(٣) انظر («مغازي الواقدي)) (١/ ٧٧).
(٤)
انظر ((الروض الأنف)) (١٣٨/٥ - ١٣٩).
(٦) انظر ((مغازي الواقدي)) (٧٨/١ - ٧٩).
(٥)
انظر ((مغازي الواقدي)) (٧٨/١).
(٧) في (أ) و(ط): ((أبي عقيل)). والتصحيح من ((المغازي)) مصدر المؤلف في نقله، وانظر ((الإكمال)) لابن
ماكولا (٢٢٦/٦)، و((المشتبه في أسماء الرجال)) للذهبي (٢/ ٤٨٧).
(٨) في ((المغازي)) الواقدي: ( ( ضربه )) .
(٩) انظر ((مغازي الواقدي)) (٧٩/١).
(١٠) في (ط): ((أشعر)). وما جاء في (أ) موافق لما في ((المغازي)).
(١١) في ((المغازي)): ((المعسكر)).
(١٢) تكملة استدركتها من ((المغازي)) مصدر المؤلف.

٧٣
ذكر غزوة بدر العظمى
(( من أسرك؟ )). قلتُ: لا أعرفُه. وكرهتُ أن أُخبره بالذي رأيتُ. فقال رسولُ اللهِ وَةِ: ((أسرك ملَكٌ
من الملائكة ، اذهب يا بن عوفٍ بأسيرك)) .
وقال الواقديٌّ(١): حدثني عائذُ بنُ يحيى، حدثنا أبو الحُويرث ، عن عمارة بن أُكيمة ، عن حكيم بن
حِزام قال : لقد رأيتُنا يوم بدرٍ، وقد وقع [ بوادي خَلْصٍ ﴾٢) بجا٣ٌ) من السماء قد سدّ الأُفُق، فإذا
الوادّي يسيلُ نَمْلا٤ً) ، فوقع في نفسي أنّ هذا شيءٌ من السماء أيّد به محمدٌ ، فما كانت إلّ الهزيمةُ ، ولقي
الملائكة .
وقال إسحاقُ بنُ راهويه (٥) : حدّثنا وهبُ بنُ جرير بن حازم ، حدثني أبي عن محمد بن إسحاق ،
حدثني أبي ، عن جُبير بن مُطعم قال : رأيتُ قبل هزيمة القوم ، والناسُ يقتتلون ، مثل البجاد الأسود قد
نزل من السماء مثل النمل الأسود ، فلم أشُكّ أنّها الملائكةُ ، فلم يكُن إلّا هزيمةُ القوم .
ولمّا تنزّلت الملائكةُ للنصر، ورآهم رسولُ الله ◌ِ لَه حين أغفى إغفاءةً ثم استيقظ، وبشّر بذلك أبا بكرٍ
وقال : ((أبشر يا أبا بكرٍ، هذا جبريلُ يقُودُ فرسه، على ثناياه النّقعُ)). يعني من المعركة، ثم خرج
رسولُ اللهِ وَّ من العريش في الدّرع، فجعل يُحرّضُ على القتال، ويُبشّرُ الناس بالجنة، ويُشجّعُهم بنزول
الملائكة ، والناسُ بعدُ على مصافّهم لم يحملوا على عدوّهم ، حصل لهم السكينة والطُمأنينةُ ، وقد
حصل النُّعاسُ الذي هو دليلٌ على الطمأنينة والثبات والإيمان ، كما قال(٦): ﴿ إِذْ يُغَيْشِيَكُم(٧) النُّعَاسَ أَمَنَةً
مِّنْهُ﴾ [الأنفال: ١١].
وهذا كما حصل لهم بعد ذلك يوم أُحُدٍ بنصّ القرآن ، ولهذا قال ابنُ مسعو(٨) : النعاسُ في المصافِّ
من الإيمان ، والنعاسُ في الصلاة من النِّفاق .
وقال الله تعالى (٩): ﴿ إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَآءَ كُمُ الْفَتْحِ وَإِن تَنَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَ إِن تَعُودُ وأَنَعَّدٌّ وَلَنْ تُغْنِىَ
عَنكُمْ فِتَشُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتّْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩].
(١) انظر ((مغازي الواقدي)) (٨٠/١).
(٢) تكملة استدركتها من ((المغازي)) مصدر المؤلف.
(٣) البجاد: الكساء. انظر ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٩٦/١).
(٤) في م: ((نهلا)).
(٥) وذكره الحافظ ابن حجر فى ((المطالب العالية)) (٢١١/٢ - ٢١٢) وعزاه إلى إسحاق بن راهويه، وقال : هذا
إسناد حسن إن كان إسحاق بن يسار سمعه من جبير .
(٦) انظر التفسير ( ٥٦٢/٣ - ٥٦٣).
(٧) في (آ) و(ط): ((يُغَشِّيكُمُ)) بضم الياء وتشديد الشين ونصب ((النعاس)) وهي قراءة ابن عامر وأهل الكوفة وفي قراءة
أبي عمرو وابن كثير: ((إذا يغشاكم)). انظر ((حجة القراءات)) ص (٣٠٨).
(٨) انظر ((تفسير الطبري)) (١٤١/٤ و١٩٣/٩).
(٩) انظر ((التفسير)) للمؤلف (٥٧٢/٣ - ٥٧٣).

٧٤
ذكر غزوة بدر العظمى
قال الإمامُ أحمدٌ(١): حدثنا يزيدُ بنُ هارون، ثنا محمدُ بنُ إسحاق ، حدثني الزُّهريُّ، عن
عبد الله بن ثعلبة ، أنّ أبا جهلٍ قال حين التقى القومُ: اللهمّ أقْطَعُنا للرّحم ، وآتانا بما لا نعرفُ ، فأحنه
الغداة . فكان هو المُستفتح .
وكذا ذكره ابنُ إسحاق في (( السيرة (٢).
ورواه النسائيّ(٣) ، من طريق صالح بن كيسان ، عن الزُّهريّ .
ورواه الحاكمُ(٤) ، من حديث الزُّهريّ أيضاً ، ثم قال : صحيحٌ على شرط الشيخين ، ولم يُخرجاه .
وقال الأُمويُّ(٥): حدثنا أسباطُ بنُ محمدٍ القرشيُّ، عن مُطرّفٍ ، عن عطية في قوله :
﴿ إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. قال: قال أبو جهلٍ : اللهم انصُر أعزّ الفئتين، وأكرم
القبيلتين، وأكثر الفريقين. فنزلت: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَآءَ كُمُ اَلْفَتْحُ﴾.
وقال عليُّ بنُ أبي طلحة٦ُ)، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّبِفَنَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ ﴾
[ الأنفال: ٧]. قال: أقبلت عِيرُ أهل مكة تُريدُ الشام، فبلغ ذلك أهل المدينة، فخرجوا ومعهم رسولُ اللهله
يُريدون العير، فبلغ ذلك أهل مكة، فأسرعوا إليها ؛ لكيلا يغلب عليها النبيُّ وََّ وأصحابُه، فسبقت
العيرُ رسول الله وَليره، وكان الله قد وعدهم إحدى الطائفتين، وكانوا يُحبُّون أن يلقَوُا العير، وسار
رسولُ الله ◌ِّله بالمسلمين يُريد القوم، وكره القومُ مسيرهم لشوكة القوم، فنزل النبيُّ ◌َّهِ والمسلمون،
وبينهم وبين الماء رَملةٌ دِعصةٌ(٧) ، فأصاب المسلمين ضعفٌ شديدٌ ، وألقى الشيطانُ في قلوبهم الغيظ ،
يُوسوسُهم : تزعمون أنّكم أولياءُ الله وفيكم رسولُه، وقد غلبكم المشركون على الماء ، وأنتم كذا؟!
فأمطر الله عليهم مطراً شديداً ، فشرب المسلمون وتطهّروا ، فأذهب الله عنهم رجز الشيطان ، فصار الرملُ
لبداً، ومشى الناسُ عليه والدوابُ، فساروا إلى القوم، وأمد٨ّ) الله نبيّه ◌َّر والمؤمنين بألفٍ من
الملائكة ، فكان جبريلُ في خمسمئةٍ من الملائكة مُجنّةً ، وميكائيلُ في خمسمئةٍ من الملائكة مُجنّةً ،
وجاء إبليسُ في جندٍ من الشياطين ومعه رايتُه(٩) ، وهم في صورة رجالٍ من بني مُدلجٍ ، والشيطانُ في
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٣١/٥)، وهو حديث صحيح.
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام)) (١/ ٦٢٨).
(٣) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١١٢٠١).
(٤)
((المستدرك)) (٣٢٨/٢).
(٥) وأخرجه الطبري في تفسيره (٢٠٨/٩).
(٦) وأخرجه الطبري في تفسيره (١٨٦/٩)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٧٨/٣ - ٧٩) بلفظه.
(٧) الدعصة: المستدير من الرمل. انظر (( لسان العرب)) (دعص ).
في ( ط): و(( أيد )).
(٨)
(٩) في (ط): ((ذريته)).

٧٥
ذكر غزوة بدر العظمى
صورة سراقة بن مالكِ بن جُعشُم، وقال الشيطانُ للمشركين: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي
◌َارٌ لَكُمْ﴾ [ الأنفال ٤٨]. فلمّا اصطفّ الناسُ قال أبو جهلِ : اللهم أولانا بالحقّ فانصُره . ورفع
رسولُ اللهِ ◌ّهيديه فقال: (( يا ربّ، إن تهلك هذه العصابةُ فلن تُعبد في الأرض أبداً)) . فقال له جبريلُ:
خُذ قُبضةً من التراب . فأخذ قُبضةً من التراب فرمى بها وجوههم ، فما من المشركين من أحدٍ إلّ وأصاب
عينيه ومنخريه وفمه ترابٌ من تلك القُبضة ، فولّوا مدبرين ، وأقبل جبريلُ إلى إبليس ، فلمّا رَآه ، وكانت
يُدُه في يد رجلٍ من المشركين ، انتزع إبليسُ يده ثم ولّى مدبراً وشيعتُه ، فقال الرجلُ : يا سُراقةُ ، أما
زعمت أنّك لنا جارٌ؟ قال: ﴿إِنَّ أَرَى مَالَا تَرَوَّنَ إِنِىَّ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ الأنفال: ٤٨]. وذلك
حين رأى الملائكة . رواه البيهقيُّ في (( الدلائل)).
وقال الطّبرانيُ(١): ثنا مسعدةُ بنُ سعدِ العطّارُ، ثنا إبراهيمُ بنُ المُنذر الحزاميُّ، ثنا عبدُ العزيز بنُ
عمران ، ثنا هشامُ بنُ سعدٍ ، عن عبد ربّه بن سعيد بن قيس الأنصاريّ ، عن رفاعة بن رافع قال : لمّا رأى
إبليسُ ما تفعلُ الملائكةُ بالمشركين يوم بدرٍ ، أشفق أن يخلّص [ القتلُ ] إليه ، فتشبّث به الحارثُ بنُ هشامٍ
وهو يظُّ أنّه سُراقةُ بنُ مالكِ ، فوكز في صدر الحارث فألقاه ، ثم خرج هارباً حتى ألقى نفسه في البحر ،
ورفع يديه فقال : اللهم إنّي أسألُك نظرتك إيّاي . وخاف أن يخلُص القتلُ إليه . وأقبل أبو جهلٍ فقال :
يا معشر الناس، لا يُولنّكمُ(٢) خذلانُ سُراقة بن مالكِ، فإنّه كان على ميعادٍ من محمدٍ ، ولا يُهُولنّكمٍ قتلُ
شيبة وعُتبة والوليد، فإنّهم قد عجّلُوا، فواللاّت والعُزّى لا نرجعُ حتى نفرقهم بالجبال(٣) ، فلا ألفينّ
رجلاً منكم قتل رجلاً ، ولكن خُذُوهم أخذاً حتى تعرَّفوهم سوء صنيعهم ، من مُفارقتهم إيّاكم ، ورغبتهم
عن اللّت والعُزّى . ثم قال أبو جهلٍ مُتمثّلاً : ( من الرجز ]
ما تنقمُ الحربُ الشّمُوسُ منّي بازلُ عامين حديثٌ سنّي
لمثل هذا ولدتني أُمّي
وروى الواقديُّ(٤)، عن موسى بن يعقوب الزّمْعيّ، [عن عمّه ]°) ، عن أبي بكر بن أبي
سليمان بن (٦) أبي حثمة، سمعتُ مروان بن الحكم يسألُ حكيم بن حزامٍ عن يوم بدرٍ ، فجعل الشيخُ يكرهُ
(١) رواه الطبراني في (( المعجم الكبير)) رقم (٤٥٥٠) وما بين الحاصرتين زيادة منه. وذكره الهيثمي في ((مجمع
الزوائد » (٦/ ٧٧) : وقال : فيه عبد العزيز بن عمران . وهو ضعيف .
(٢) في ((المعجم الكبير)): ((يهزمنكم)).
(٣) في (أ) و ((معجم الطبراني)): ((نفرنهم بالجبال)). وأثبت لفظ ( ط ).
(٤) انظر ((مغازي الواقدي)) (٩٥/١)، وأخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٧٩/٣ - ٨٠)، من طريق الواقدي
به .
(٥) ما بين الحاصرتين مستدرك من ((المغازي)) و((دلائل النبوة)).
(٦) فى (آ) و(ط): ((عن)). وأثبت لفظ ((المغازي)).

٧٦
ذكر غزوة بدر العظمى
ذلك ، فألحّ عليه ، فقال حكيمٌ : التقينا فاقتتلنا ، فسمعتُ صوتاً وقع من السماء إلى الأرض ، مثل وقع
الحصاة في الطّت، وقبض النبيُّ وَلّ القبضةَ الترابَ ، فرمى بها فانهزمنا .
قال الواقديُّ(١): وحدّثنا إسحاقُ بنُ محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ، عن عبد الله بن
ثعلبة بن صُعيرٍ ، سمعتُ نوفل بن مُعاوية الدّيليّ يقولُ : انهزمنا يوم بدرٍ ونحن نسمعُ صوتاً كوقع الحصى
في الكأس(٢) ، في أفئدتنا ومن خلفنا ، وكان ذلك من أشدّ الرعب علينا .
وقال الأُمويُّ(٣): ثنا أبي، [ ثنا ابنُ إسحاق ] ، حدّثني الزُّهريُّ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعيرٍ،
أنّ أبا جهلٍ حين التقى القومُ قال: اللهم أقطعُنا للرحم ، وآتانا بما لا نعرفُ ، فَأَحِنْهُ الغداة . فكان هو
المستفتح . فبينما هم على تلك الحال ، وقد شجّع الله المسلمين على لقاء عدوّهم ، وقلّلهم في أعينهم
حتى طمعوا فيهم ، خفق رسولُ الله ◌ِ الر خفقةً في العريش، ثم انتبه فقال: ((أبشر يا أبا بكرٍ ، هذا جبريلُ
مُعتجرٌّ بعمامته، آخذٌ بعنان فرسه يقُودُه، على ثناياه النّقعُ، أتاك نصرُ الله وعِدَتُه)). وأمر رسولُ الله ◌َّة
فأخذ كفّاً من الحصى بيده، ثم خرج فاستقبل القوم فقال: ((شاهت الوجوهُ)). ثُم نفخهمُ(٤) بها ، ثم قال
لأصحابه : (( احملُوا)). فلم تكُن إلّ الهزيمةُ ، فقتل الله من قتل من صناديدهم ، وأسر من أسر منهم .
وقال زيادٌ، عن ابن إسحاق(٥): ثم إنّ رسول اللهَ وَّل أخذ حَفنةً من الحصباء ، فاستقبل بها قريشاً ثم
قال: ((شاهت الوجوهُ)). ثُم نفخهم بها، وأمر أصحابه فقال: ((شُدُّوا)). فكانت الهزيمةُ ، فقتل الله
من قتل من صناديد قريشٍ ، وأسر من أسر من أشرافهم .
وقال الشُّدّيُّ الكبيرُ: قال رسولُ الله وَلَّ لعليٍّ يوم بدرٍ: ((أعطني حصىّ من الأرض)). فناوله حصى
عليه ترابٌ ، فرمى به في وجوه القوم ، فلم يبق مشرٌ إلّ دخل في عينيه من ذلك التراب شيءٌ ، ثم ردفهم
المسلمون يقتُلونهم ويأسرُونهم ، وأنزل الله في ذلك: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهُ قَنَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
وَلَكِنَّ اللَّهَ رَبَنَّ﴾ وهكذا قال عُروةُ، وعكرمةُ، ومجاهدٌ، ومحمدُ بنُ كعبٍ ، ومحمدُ بنُ قيسٍ ،
وقتادةُ ، وابنُ زيدٍ ، وغيرُهم ؛ أنّ هذه الآية نزلت في ذلك يوم بدرٍ . وقد فعل ، عليه الصلاةُ والسلامُ ،
مثل ذلك في غزوة حُنينٍ ، كما سيأتي في موضعه ، إذا انتهينا إليه إن شاء الله ، وبه الثقةُ .
وذكر ابنُ إسحاق(٦)، أنّ رسول الله وَ ◌ّلَه لمّا حرّض أصحابه على القتال، ورمى المشركين بما رماهم
به من التراب ، وهزمهم الله تعالى ، صعِد إلى العريش أيضاً ومعه أبو بكرٍ ، ووقف سعدُ بنُ مُعاذٍ ومن معه
(١) انظر ((المغازي)) الواقدي (٩٥/١).
(٢)
في (ط): ((الطاس)).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٠٨/٩ -٢٠٩) وانظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام)) (١/ ٦٢٨).
(٤)
في ( ط): (( ثم نفحهم)).
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٢٨/١).
(٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٢٨).

٧٧
ذكر غزوة بدر العظمى
من الأنصار على باب العريش ومعهم السيوفُ؛ خيفة أن تكُرّ راجعةٌ من المشركين إلى النبيّ وَّ.
قال ابنُ إسحاق (١): ولمّا وضع القومُ أيديهم يأسرُون، رأى رسولُ اللهِ وَّه، فيما ذُكر لي، في وجه
سعد بن مُعاذٍ الكراهية لما يصنعُ الناسُ ، فقال له : (( كأنّي بك يا سعدُ تكرهُ ما يصنعُ القومُ ؟ ». قال :
أجل والله يا رسول الله ، كانت أول وقعةٍ أوقعها الله بأهل الشرك ، فكان الإثخانُ في القتل أحبّ إليّ من
استبقاء الرجال .
قال ابنُ إسحاق(٢) : وحدثني العباسُ بنُ عبد الله بن معبدٍ ، عن بعض أهله ، عن عبد الله بن عباسٍ ،
أنّ النبيّ ◌َ ◌ّه قال لأصحابه يومئذٍ: ((إنّي قد عرفتُ أنّ رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أُخرجُوا كرهاً ، لا
حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم أحداً من بني هاشمٍ فلا يقتُله ، ومنّ لقي أبا البختريّ بن هشامٍ بن
الحارث بن أسدٍ فلا يقتُله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عمّ رسول الله - وَ ل ـ فلا يقتُله، فإنه إنّما
خرج مستكرهاً)). فقال أبو حُذيفة بنُ عُتبة بن ربيعة: أنقتلُ آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترُكُ العباس ، والله
لئن لقيتُهُ لألحمنّه بالسيف. فبلغت رسول الله بَ لَهفقال لعُمر: ((يا أبا حفص، قال عُمرُ: والله إنّه لأولُ
يوم كّاني فيه رسولُ الله ◌ِّرَ بأبي حفصٍ، أيُضربُ وجهُ عمّ رسول الله بالسيف؟)). فقال عمرُ:
يا رَسول الله ، دعني فلأضرب عنقه بالسيف ، فوالله لقد نافق . فقال أبو حُذيفة : ما أنا بآمنٍ من تلك
الكلمة التي قُلتُ يومئذٍ ، ولا أزالُ منها خائفاً إلّا أن تُكفّرها عنّي الشهادةُ ، فقُتل يوم اليمامة شهيداً ، رضي
الله عنه .
مقتلُ أبي البختريّ بن هشامٍ
قال ابنُ إسحاق(٣): وإنّما نهى رسولُ الله وَله عن قتل أبي البختريّ؛ لأنّه كان أكفّ القوم عن
رسول الله وَّ وهو بمكة، كان لا يُؤذيه ولا يبلّغُه عنه شيءٌ يكرهُه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة ،
فلقيه المُحذّرُ بنُ ذيادٍ البلويُّ حليفُ الأنصار فقال له: إنّ رسول اللهَوَ لّ نهانا عن قتلك . ومع أبي البختريّ
زميلٌ له خرج معه من مكة ، وهو جُنادةُ بنُ مُليحة ، وهو من بني ليثٍ . قال : وزميلي ؟ فقال له المُجذّرُ:
لا والله، ما نحنُ بتاركي زميلك، ما أمرنا رسولُ الله إلّ بك وحدك . قال: لا والله، إذاً لأمُوتنّ أنا وهو
جميعاً ، لا يتحدّثُ عنّي نساءُ قريش مكّة أنّي تركتُ زميلي حرصاً على الحياة .
وقال أبو البختريّ وهو يُنازلُ المُجذّر : [من الرجز ]
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٢٨).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٢٨/١ - ٦٢٩).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٢٩/١ - ٦٣٠).

٧٨
ذكر غزوة بدر العظمى
لن يَتْرُكَ(١) ابنُ حُرّةٍ زميلَهُ حتى يموتَ أو يرى سبيلهُ
قال : فاقتتلا . فقتله المُجذّرُ بنُ ذيادٍ ، وقال في ذلك : [ من الرجز ]
فأثبتِ النّسبة أنّي من بلي
إمّا جهلتَ أو نسيت نسبي
والطَّاعنِينُ(٣) الكبش(٤) حتى يَنْحَني
الطّاعنين برماح اليزني(٢)
أو بشّرن بمثلها منّي بني
بشّر بيُتمٍ مَن أبوه البختريّ
أطعُنُ بالصّعدةُ(٥) حتى تنثني
أنا الذي يَقالُ أصلي من بلي
أُرزمُ للموت كإرزام المرِي
وأعبطُ القِرن بعضبٍ مشرفي
فلا یری مُجذّراً فري فري
ثم أتى المُحذَّرُ رسول الله وَّرَ فقال: والذي بعثك بالحقّ، لقد جَهِدْتُ عليه أن يستأسر فَآتيك به ،
فأبى إلّا أن يُقاتلني ، فقاتلتُه فقتلتُه .
فصل
[ في مقتل أُميّة بن خلفٍ ]٦)
قال ابنُ إسحاق (٧) : وحدّثني يحيى بنُ عبّاد بن عبد الله بن الزُّبير ، عن أبيه، وحدّثنيه أيضاً عبدُ الله
ابنُ أبي بكرٍ وغيرُهما ، عن عبد الرحمن بن عوفٍ قال : كان أُميّةُ بنُ خلفٍ لي صديقاً بمكّة ، وكان اسمي
عبد عمروٍ ، فسمِّيْتُ(٨) حين أسلمتُ : عبد الرحمن ، فكان يلقاني إذ نحنُ بمكّة فيقولُ : يا عبد عمروٍ ،
أرغبتَ عن اسم سمّاكه أَبُوكَ(٩) ؟ قال : فأقولُ : نعم . قال : فإنّي لا أعرفُ الرحمن ، فاجعل بيني وبينك
شيئاً أدعُوك به ، أمّا أنت فلا تُجِيبُني باسمك الأوّل، وأمّا أنا فلا أدعوك بما لا أعرفُ. قال: وكان إذا
دعاني: يا عبد عمروٍ ، لم أَجبه . قال: فقلتُ له : يا أبا عليٍّ، اجعل ما شئت. قال: فأنت عبدُ الإله .
(١) في ((السيرة النبوية)) لابن هشام: ((لن يُسلم)).
اليزني : نسبة إلى ذي يزن ، ملك من ملوك اليمن .
(٢)
في ((السيرة النبوية)) لابن هشام: (( والضاربين)).
(٣)
الكبش: سيد القوم. انظر ((مختار الصحاح)) ( كبش ) .
(٤)
(٥) الصعدة: عصا الزّمح، ثم سمي الرمح صعدة. ((شرح غريب السيرة)) (٣٧/٢).
(٦) ما بين الحاصرتين سقط من (أ) وأثبته من ( ط ).
(٧) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٣١/١).
(٨) كذا في (أ) و((السيرة النبوية)) لابن هشام و((تاريخ الطبري)) (٤٥١/٢): ((فسميت))، وفي (ط ):
((فتسمّيت)).
(٩) كذا في (أ) و(ط): ((أبوك)) وفي ((السيرة النبوية)) لابن هشام: ((أبواك)).

٧٩
ذكر غزوة بدر العظمى
قال : قلتُ : نعم . قال : فكنتُ إذا مررتُ به قال : يا عبد الإله . فأُجيبُه فأتحدّثُ معه ، حتى إذا كان يومُ
بدرٍ ، مررتُ به وهو واقفٌ مع ابنه عليٍّ، وهو آخذٌ بيده . قال : ومعي أدرائعٌ لي قد استلبتُها ، فأنا
أحملُها ، فلمّا رآني قال : يا عبد عمروٍ . فلم أُجبه . فقال : يا عبد الإله . فقلتُ : نعم . قال : هل لك
فيّ ، فأنا خيرٌ لك من هذه الأدراع التي معك ؟ قال : قلتُ : نعم، ها الله [ ذا }١) . قال : فطرحتُ
الأدراعُ من يدي ، وأخذتُ بيده وبيد ابنه ، وهو يقولُ: ما رأيتُ كاليوم قطُ، أما لكم حاجةٌ في اللَّبن (٢) ؟
ثُم خرجت أمشي بهما .
قال ابنُ إسحاق(٣) : حدّثني عبدُ الواحد بنُ أبي عونٍ ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن
عبد الرحمن بن عوفٍ قال : قال لي أُميّةُ بنُ خلفٍ وأنا بينه وبين ابنه آخذٌ بأيديهما : يا عبد الإله ، من
الرجلُ منكم ، المُعلَمُ بريشة نعامةٍ في صدره ؟ قال : قلتُ : حمزةُ . قال : ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل .
قال عبدُ الرحمن : فوالله إنّي لأَقُودُهما إذ رآه بلالٌ معي ؛ وكان هو الذي يُعذّبُ بلالاً بمكّة على [ ترك ]٤)
الإسلام، فلمّا رآه قال: رأسُ الكُفر أُميّةُ بنُ خلفٍ ، لا نجوتُ إن نجا . قال : قلتُ : أي بلالُ ،
أسيريَّ؟ . قال: لا نجوتُ إن نجا. قال: ثُم صرخ بأعلى صوته : يا أنصار الله، رأسُ الكفر أُميّةُ بن
خلفٍ ، لا نجوتُ إن نجا. فأحاطُوا بنا حتى جعلُونا في مثل المَسَكَةُ(٥) ، فأنا أذُبُّ عنه . قال : فأخلف
رجلٌ السيف ، فضرب رجل ابنه فوقع ، وصاح أُميّةُ صيحةً ما سمعتُ بمثلها قطُ . قال : قلتُ : انجُ
بنفسك ولا نجاء ، فوالله ما أُغني عنك شيئاً . قال: فهبرُوهما٦) بأسيافهم حتى فرغُوا منهما . قال :
فكان عبدُ الرحمن يقولُ : يرحمُ الله بلالاً ، فجعني بأدراعي وبأسيريّ .
وهكذا رواه البخاريُّ في ((صحيحه(٧) قريباً من هذا السّياق ، فقال في الوكالة : حدّثنا عبدُ العزيز ،
هو ابنُ عبد الله - حدّثنا يوسفُ - هو ابنُ الماجشُون عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوفٍ ، عن
أبيه ، عن جدّه عبد الرحمن بن عوفٍ قال : كاتبتُ أُميّة بن خلفٍ كتاباً بأن يحفظني في صاغيتي(٨) بمكة ،
وأحفظه في صاغيته بالمدينة ، فلمّا ذكرتُ الرحمن قال : لا أعرفُ الرحمن ، كاتبني باسمك الذي كان في
الجاهليّة . فكاتبتُه عبد عمروٍ ، فلمّا كان يومُ بدرٍ ، خرجتُ إلى جبلٍ لأحرزه حين نام الناسُ ، فأبصره
(١) ما بين الحاصرتين مستدرك من ((السيرة النبوية)) لابن هشام، وفي ((تاريخ الطبري)): ((هلم إذاً)).
(٢) قال ابن هشام: يريد باللبن: أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن. انظر ((السيرة النبوية)) (٦٣١/١).
(٣)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٣٢).
(٤) ما بين الحاصرتين مستدرك من ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٣٢).
(٥) أي: جعلونا فى حلقة كالسوار، وأحدقوا بنا. ((النهاية)) (٤/ ٣٣١).
(٦) أي: قطعوا لحمهما. انظر ((شرح غريب السيرة)) (٣٧/٢ - ٣٨).
(٧) رواه البخاري رقم (٢٣٠١) .
(٨) الصاغية: بصاد مهملة وغين معجمة، خاصة الرجل. عن ((فتح الباري)) لابن حجر العسقلاني (٢٤٨/٥).

٨٠
ذكر غزوة بدر العظمى
بلالٌ ، فخرج حتى وقف على مجلسٍ من الأنصار فقال: أُميّةُ بنُ خلف ؟! لا نجوتُ إن نجا أُميّةُ ، فخرجَ
معه فريقٌ من الأنصار في آثارنا ، فلمّا خشيتُ أن يلحقُونا ، خلّفتُ لهم ابنه لأشغلهم فقتلُوه ، ثم أتوا حتى
تبعُونا، وكان رجُلاً ثقيلاً ، فلمّا أدركُونا قلتُ له : ابرُك . فبرك فألقيتُ عليه نفسي لأمنعه، فتخلّلُوه
بالشّيوف من تحتي حتى قتلوه ، وأصاب أحدُهم رجلي بسيفه . فكان عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ يُرينا ذلك
الأثر(١) في ظهر قدمه .
سمع يوسفُ صالحاً ، وإبراهيمُ أباه . تفرّد به البخاريُّ من بينهم كلّهم .
وفي مُسند رفاعة بن رافعٍ(٢)، أنّه هو (٣) الذي قتل أُميّة بن خلفٍ .
مقتلُ أبي جهلٍ ، لعنه الله
قال ابنُ هشامُ(٤): وأقبل أبو جهلٍ يومئذٍ يرتجزُ [ وهو يقاتل ]°) ويقولُ: [من الرجز ]
ما تَنْقِمُ الحربُ العوانُ منّي بازلُ عامين حديثٌ سَنّي
لمثل هذا ولدتني أُمّي
قال ابنُ إسحاق(٦): ولمّا فرغ رسولُ الله ◌ِّ من عدُوّه، أمر بأبي جهلٍ أن يُلتمس في القتلى، وكان
أوّلُ من لقي أبا جهلٍ ، كما حدّثني ثورُ بنُ زيدٍ ، عن عكرمة ، عن ابن عباسٍ ، وعبدُ الله بنُ أبي بكرٍ أيضاً
قد حدّثني ذلك ، قالا : قال مُعاذُ بنُ عمروٍ بن الجمُوح أخو بني سلمة : سمعتُ القوم ، وأبو جهلٍ في
مثل الحرجة(٧) ، وهم يقولون: أبو الحكم لا يُخلَصُ إليه . فلمّا سمعتُها جعلتُه من شأني، فصمدتٌ(٨)
نحوه ، فلمّا أمكنني ، حملتُ عليه فضربتُه ضربةً أطنّت قدمه بنصف ساقه ، فوالله ما شبّهتُها حين
طاحت ، إلّ بالنّواة تطيحُ من تحت مرضخة النّوى حين يُضربُ بها . قال : وضربني ابنُهُ عكرمةُ على
عاتقي ، فطرح يدي فتعلّقت بجلدةٍ من جنبي ، وأجهضني القتالُ عنه ، فلقد قاتلتُ عامّة يومي وإنّي
لأسحبُها خلفي ، فلمّا آذتني وضعتُ عليها قدمي ، ثُم تمطّيتُ بها عليها حتى طرحتُها - قال ابنُ
(١) لفظ (( الأثر)) سقط من ( ط ) وانفردت به (آ).
(٢) رواه الطبراني في (( المعجم الكبير)) (٤٥٣٥) وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٦/ ٨٢) وعزاه للطبراني ،
وقال : وفيه عبد العزيز بن عمران ، وهو ضعيف .
(٣) أي : رافع بن مالك والد رفاعة .
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٣٤).
(٥)
زيادة من (( السيرة النبوية )) لابن هشام.
(٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٣٤/١ - ٦٣٥).
(٧) قال ابن هشام : الحرجة : الشجر الملتفّ .
(٨) أي : قصدت .